العدوان الإسرائيلي على سوريا: المسارات والمآلات

مقدمة:
مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، دخلت سوريا والمنطقة بأكملها مرحلةً جديدةً من التحولات السياسية والأمنية العميقة؛ حيث تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة رسم خريطة النفوذ وبناء علاقات جديدة مع النظام السوري الذي سيخلف النظام القديم. وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت إسرائيل كلاعبٍ رئيسي يتحرك بمرونةٍ بين الأدوات العسكرية والسياسية، لتحقيق أهداف استراتيجية تتجاوز مجرد حماية حدودها أو ردع خصومها التقليديين. من خلال الضربات المتكررة على الأراضي السورية، لم تكتف إسرائيل بمحاولة فرض توازنات أمنية جديدة، بل سعت أيضًا إلى تثبيت موقعها كطرفٍ فاعل في تحديد شكل العلاقة المستقبلية مع دمشق. ورغم أن إسرائيل تُبرر هجماتها بأنها تستهدف مواقع إيرانية أو شُحنات أسلحة موجهة لحزب الله، فإن هذه العمليات تحمل أبعادًا أوسع تتصل برغبة تل أبيب في استباق أي تغيير قد يُهدد وضعها الأمني في المستقبل، وفي رسم معادلة جديدة تجعل من سوريا دولةً ضعيفة ومحايدة. بذلك، يتضح أن العدوان الإسرائيلي جزء من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى خلق واقع ميداني وسياسي جديد يمنح إسرائيل تفوقًا إقليميًا، ويمنع أي عودة محتملة لقوةٍ عسكرية سورية قد تُشكل تهديدًا مستقبليًا لها.
في ضوء ذلك، يُركز هذا التقرير على مسارات ومآلات العدوان الإسرائيلي على سوريا، وينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ أولا تطور المواجهات السورية -الإسرائيلية، ثانيًا مسارات العدوان الإسرائيلي على سوريا بعد سقوط الأسد، ثالثًا مآلات العدوان على الداخل السوري والسياق الإقليمي.
أولًا- تطور المواجهات السورية -الإسرائيلية
اتخذت سوريا موقفًا معاديًا من إسرائيل حتى قبل قيام الدولة الإسرائيلية؛ إذ رفضت المملكة السورية عام 1920 مشروع ما يُسمى الهجرة الصهيونية ودعمت القضية الفلسطينية. كما شاركت سوريا في أبرز حروب المواجهة، ففي حرب 1948، استطاع الجيش السوري تحقيق تقدمات وسيطرة جزئية على بعض المناطق الاستراتيجية في شمال فلسطين (مثل محيط بحيرة طبريا) في المراحل الأولى من الحرب، وذلك قبل حدوث النكبة وانهزام الجيوش العربية. بعد ذلك اندلعت حرب عام 1967 وانتهت بخسارة سوريا لهضبة الجولان، وحاول نظام حافظ الأسد استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل خلال حرب أكتوبر 1973، ثم وقعت سوريا بعد عام اتفاقية فض الاشتباك برعاية الأمم المتحدة، والتي أنشأت منطقة منزوعة السلاح بين الطرفين عام 1974، ولم تكن هذه الاتفاقية اتفاق سلام، بل وقفًا لإطلاق النار.
بدأت لاحقًا مفاوضات السلام المتعثرة بين الجانبين في مؤتمر مدريد عام 1991، لكنها لم تُفض إلى أي اتفاق، وظلت قضية الجولان محور الخلاف الأساسي. في هذا الإطار، أصرت إسرائيل على التطبيع الكامل قبل أي انسحاب من الجولان، بينما طالبت سوريا بالانسحاب أولًا تمهيدًا للتطبيع. وفي عام 2008، حاولت تركيا إحياء المفاوضات عبر وساطة غير مباشرة، لكن الاتفاق لم يتحقق بسبب رفض إسرائيل الانسحاب، واندلاع حرب غزة، وغياب ضمانات بناء الثقة، فضلًا عن تزايد ارتباط الأسد بمحور إيران[1].
بقيت الجبهة السورية الإسرائيلية هادئة ومستقرة نسبيًا بموجب اتفاق فض الاشتباك، دون تهديدات تُذكر، حتى اندلاع الثورة السورية عام 2011. وقد أدت التحولات التي تبعت الثورة إلى تبلور واقع جديد فرض على إسرائيل التكيف معه بما يضمن استقرار حدودها الشمالية الشرقية، وركزت السياسة الإسرائيلية آنذاك على مواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة، خاصةً تلك المرتبطة بتنامي النفوذ الإيراني ومحاولات نقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله، الذي تعتبره إسرائيل خطرًا مباشرًا على أمنها. ولتحقيق ذلك، أطلقت تل أبيب ما عُرف باسم “الحملة بين الحروب”، وهي سلسلة من العمليات العسكرية استهدفت بالأساس منع تهريب الأسلحة إلى لبنان. وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تُعلن تأييدها لأي طرف من أطراف الصراع السوري، فإن قادتها فضلوا بقاء نظام الأسد، واعتبروه -وفق تعبيرهم- “الشيطان الذي نعرفه”، وحرصوا ألا تؤدي عملياتهم ضد النفوذ الإيراني إلى تقويض حكمه أو زعزعة استقراره، خشية تداعيات سقوطه وما قد يُرافق ذلك من فوضى أو صعود الجماعات الجهادية[2].
منذ عام 2013، بدأت إسرائيل بتنفيذ سلسلة من الغارات الجوية المركزة ضد الوجود الإيراني في سوريا، مستهدفةً شحنات الأسلحة الإيرانية والمواقع العسكرية وقواعد حزب الله الناشئة قرب الحدود. واستمر هذا النمط من العمليات بشكلٍ متصاعد خلال السنوات التالية، حيث اقتصرت في معظمها على الهجمات الجوية الدقيقة التي ركزت على مواقع استراتيجية، مثل قواعد الدفاع الجوي التي تضم منظومات صواريخ متطورة، بهدف منع الجيش السوري من إعادة بناء قدراته الجوية. كما طالت الضربات مراكز البحث والتطوير العسكري، وفي مقدمتها مركز الدراسات والبحوث العلمية في جرمايا.
ومع مرور الوقت، شهدت هذه الهجمات تصعيدًا ملحوظًا، وبلغت ذروتها في عام 2023، حين شنت إسرائيل واحدةً من أوسع غاراتها على مستودعات أسلحة قرب مطار دمشق ومحيط العاصمة، ما أدى إلى تدمير كميات كبيرة من الأسلحة التي يُعتقد أنها كانت موجهة إلى الفصائل الموالية لإيران، ولا سيما حزب الله. وفي إطار هذه العمليات، حرصت إسرائيل على تنسيق تحركاتها مع روسيا لتجنب أي احتكاكٍ مباشر بين قوات الجانبين داخل الأراضي السورية، خصوصًا مع تباين أهدافهما الاستراتيجية[3].
ومنذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إثر عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، تحولت سوريا إلى هدفٍ مباشر للهجمات الإسرائيلية التي تصاعدت بوتيرةٍ متفاوتة وبشكلٍ متسارع. إذ اتخذت تلك الهجمات وتيرةً منخفضة ونوعية خلال التصعيد على غزة، وتركزت في أغلبها على مواقع الميليشيات الإيرانية وبعض المنظمات الفلسطينية العاملة في سوريا وقياداتها، إضافةً إلى مواقع وقيادات من حزب الله. ومع انخفاض زخم العمليات الإسرائيلية في غزة وانطلاقها إلى لبنان، تصاعدت الضربات التي شنتها إسرائيل على سوريا على نحوٍ غير مسبوق، مستهدفةً قيادات وميليشيات ومواقع استراتيجية تابعة لإيران وحزب الله، إضافةً إلى مواقع متنوعة للنظام السوري[4]. ومع تصاعد المخاوف من انهيار النظام، بدأت إسرائيل في أكتوبر 2024 بنشر قواتها البرية في منطقة فصل القوات التابعة للأمم المتحدة (المنطقة منزوعة السلاح التي تم إنشاؤها عام 1974 للفصل بين القوات السورية والإسرائيلية في الجولان). كما قامت وحدات من الجيش الإسرائيلي ببناء طرق جديدة وتحسين التحصينات على طول السياج الحدودي، ودفعت بلواءين مدرعين إلى داخل المنطقة[5].
خلال عام 2024 نفذت إسرائيل 178 استهدافًا للأراضي السورية؛ 152 منها جوية، و26 برية. وقد أسفرت تلك الضربات عن إصابة وتدمير نحو 332 هدفًا؛ تنوعت بين مستودعات للأسلحة والذخائر، ومقرات ومراكز، وقيادات، وآليات، ومعابر ونقاط عسكرية حدودية، ومواقع عسكرية حيوية في مناطق مختلفة من البلاد. واستهدفت الضربات بشكلٍ خاص نقاطًا استراتيجية تُستخدم من قبل حزب الله والميليشيات الإيرانية، مما أسفر عن أضرارٍ كبيرة في البنية التحتية، وسقوط ضحايا، وتعطيل عدد من المعابر الاستراتيجية، إضافةً إلى مراكز تطوير صواريخ في مناطق مثل دمشق ومصياف وحمص. وقد جاء هذا التصعيد كجزءٍ من استراتيجية إسرائيلية أوسع لضرب النفوذ الإيراني في المنطقة، وتحجيم تهديداته الإقليمية[6].
ثانيًا- مسارات العدوان الإسرائيلي على سوريا بعد سقوط الأسد
منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، دخلت السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا مرحلةً جديدةً من التصعيد وإعادة التموضع، إذ ازداد النشاط العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية مطلع عام 2025 واتخذ منحًى أكثر حدةً ودقة. فقد استهدفت إسرائيل مواقع استراتيجية تنشط فيها مجموعات مرتبطة بإيران وحزب الله، مستفيدةً من حالة الفراغ الأمني التي أعقبت انهيار النظام السوري، الأمر الذي أتاح لها مساحةً واسعةً للتحرك بهدف إعادة تشكيل موازين القوى في الجنوب السوري. وفي هذا الإطار، تمحورت الاستراتيجية الإسرائيلية حول تحقيق مجموعة من الأهداف الأمنية والعسكرية، أبرزها تعزيز أمنها القومي من خلال إنشاء منطقة عازلة تحد من نشاط المجموعات الإيرانية وأي تهديد محتمل بالقرب من حدودها، ومنع أي إعادة تموضع عسكري لإيران أو حزب الله في الجنوب السوري. كما سعت إسرائيل إلى تعديل قواعد الاشتباك بما يمنحها حريةً أكبر في تنفيذ ضربات استباقية داخل سوريا، وإلى فرض سيطرتها على الممرات الاستراتيجية المؤدية إلى الجولان ودمشق لضمان تفوقها الاستخباراتي والعسكري. وضمن هذا التوجه، اعتمدت تل أبيب نهجًا عسكريًا متعدد الأوجه، شمل ضربات جوية دقيقة وعمليات استهداف نوعية، بالتوازي مع تعزيز حضورها الأمني عبر إنشاء بنى تحتية جديدة داخل المنطقة العازلة[7].
وفي ضوء هذه التحولات المتسارعة منذ عام 2024، يمكن بلورة محددات ودوافع السياسة الإسرائيلية الراهنة تجاه سوريا في مجموعة من العناصر، يأتي في مقدمتها الاعتبارات الأمنية، حيث تسعى إسرائيل بشكلٍ أساسي إلى منع أي تموضع عسكري إيراني أو صعود لقوى مسلحة حليفة لطهران داخل الأراضي السورية، باعتبار ذلك الخطر الأكبر على أمنها القومي. ثم يأتي إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي في مرحلة ما بعد سقوط النظام، إذ تُدرك إسرائيل أن ما بعد 2024 يُشكل نافذةً لإعادة توزيع النفوذ داخل سوريا بما يضمن بقاءها دولةً ضعيفة، غير قادرة على تشكيل تهديد مستقبلي. كما تشمل الدوافع عناصر سياسية واستراتيجية أوسع، تتمثل في رغبة إسرائيل في ترسيخ حضورها كطرفٍ مؤثر في رسم مستقبل سوريا، سواء عبر الضغط العسكري المباشر أو من خلال التنسيق مع القوى الدولية الفاعلة. وأخيرًا، تُشكل الرغبة في استباق المخاطر المستقبلية عاملًا حاسمًا في حسابات إسرائيل، إذ ترى أن التحرك المبكر سيمنحها أفضلية استراتيجية تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية السورية أو ظهور تهديدات جديدة على حدودها في أي سيناريو مستقبلي[8].
وفيما يلي يتناول التقرير أبرز العمليات الجوية والبرية التي قامت بها إسرائيل صوب الأراضي السورية خلال فترة الدراسة.
- العمليات الجوية
بدأت إسرائيل مرحلةً جديدة من العمليات الجوية داخل سوريا، مع سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، استهدفت خلالها في الأشهر الأولى من عام 2025 مجموعةً واسعة من المواقع العسكرية والمستودعات الدفاعية، ومن ضمنها نقاط كانت تتمركز فيها إيران سابقًا ومواقع تُشكل بنى تحتية عسكرية تقليدية. عكست هذه الاستهدافات توجهًا إسرائيليًا لإفراغ المشهد الميداني السوري من أي تهديدٍ كامن أو محتمل، في ظل حالة السيولة الأمنية والسياسية التي رافقت المرحلة الانتقالية. شهدت الضربات الإسرائيلية تباينًا في توزيعها بين المحافظات المستهدفة، حيث شهدت محافظة حلب 7 ضربات من أصل 11، تركزت على خمسة مستودعات في منطقة معامل الدفاع. وفي ريف دمشق، نُفذت ضربتان، استهدفت الأولى قاعدة عسكرية قرب سعسع كانت تستخدمها إيران خلال حكم الأسد، واستهدفت الثانية مستودعًا في منطقة دير علي، قرب الكسوة، زعمت التقارير الإسرائيلية أنه يحتوي على أسلحة لحماس. أما في السويداء فقد وقعت ضربة واحدة فقط، استهدفت مستودعًا داخل قاعدة خلخلة الجوية. وكانت هناك ضربة واحدة فقط في ريف القنيطرة الجنوبي[9].
شهدت الضربات الإسرائيلية تحولا ملموسًا منذ بداية مايو 2025 من حيث التوزيع الجغرافي ونوعية الأهداف. توسعت العمليات لتشمل مناطق جديدة، كالساحل السوري، وتغيرت طبيعة الأهداف نحو بنى دفاعية أكثر حساسية، فقد تم توجيه عدد من الضربات على مواقع عسكرية واسعة الانتشار. واستهدفت الغارات بشكلٍ مباشر منصات صواريخ أرض -جو، ومدافع مضادة للطائرات، وتجمعات للدبابات، ما يُشير إلى محاولة تعطيل البنية الدفاعية المرتبطة بقدرات الردع الأرضي في مناطق متعددة. وقد سقط في الغارات ضحايا مدنيون نتيجة قرب الأهداف العسكرية من مناطق سكنية. كما عادت إسرائيل لتكثيف نشاطها الجوي مستهدفةً مواقع في محافظتي اللاذقية وطرطوس، حيث قصفت مستودعات أسلحة، يُعتقد أنها تحتوي على صواريخ أرض-بحر قرب قرى زاما وبرج إسلام، إضافةً إلى مناطق قريبة من مرفأ طرطوس وريف جبلة[10].
يُظهر ذلك تغيرًا في سلوك إسرائيل مقارنةً بالأشهر الأولى من عام 2025، إذ كانت الغارات خلالها أكثر تركيزًا على أهدافٍ مرتبطة بنقل السلاح أو بمراكز عمليات لإيران أو حزب الله، ضمن نطاقات جغرافية محدودة (غالبًا في جنوب دمشق أو على الحدود السورية اللبنانية). في المقابل، شهدت الضربات منذ مايو انتقالًا واضحًا نحو توسيع نطاق العمليات ليشمل الشمال والجنوب والساحل، مع تصعيد في نوعية الأهداف لتشمل بنى تحتية دفاعية ساحلية ومنصات تُهدد أمن الملاحة البحرية. يعكس هذا التحول سعيًا إسرائيليًا لتوسيع نطاق الخطوط الحمراء التقليدية، مع اعتماد مبدأ الاستهداف الاستباقي متعدد الاتجاهات، بوصفه أداة مركزية في إعادة ضبط التوازنات العسكرية داخل سوريا بعد تغير المعادلات الداخلية[11].
استمرت إسرائيل على مدار الأشهر اللاحقة في استهداف الجنوب السوري، كردة فعل على إطلاق قذيفتين من الأراضي السورية سقطتا في مناطق مفتوحة من هضبة الجولان المحتلة، من دون وقوع أضرار ملموسة. نتيجة لذلك استُهدفت مواقع عسكرية للحكومة السورية في الجنوب ومحيط دمشق، حيث شملت الضربات مخازن أسلحة ومواقع دفاع جوي، إضافةً إلى قصفٍ مدفعي استهدف أراضٍ زراعية في منطقة حوض اليرموك قرب الحدود. وقد فسرت إسرائيل هذه العمليات بأنها رد تصعيدي لتحييد التهديدات الناجمة عن المقذوفات التي أُطلقت من الطرف السوري، مُحملةً الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع مسؤولية مباشرة عن أي تهديد ينطلق من الأراضي السورية تجاه إسرائيل. من جانبها، أدانت دمشق الغارات ووصفتها بأنها تسببت في خسائرٍ بشرية ومادية، مشيرةً إلى أن الجهات التي أطلقت المقذوفات قد تكون فصائل غير منضبطة ترتبط بإيران.
في السياق نفسه، امتد الاستهداف الجوي ليشمل أطراف محافظة السويداء وريف درعا، وصولًا إلى العاصمة دمشق. تضمنت الأهداف مواقع ذات طابع استراتيجي، من بينها مبنى هيئة الأركان ومحيط منطقة قطنا، وأسفرت الضربات عن خسائر بشرية موثقة: ثلاثة قتلى مدنيين و34 مصابًا، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة السورية، وتركزت تلك الضربات على البنية التحتية العسكرية النظامية، حيث مراكز القيادة ومواقع التخزين والتحرك، وهو ما يتسق مع أنماطٍ سابقة من الاستهداف المرتبط بمراقبة وتعطيل تحركات الجيش النظامي أو ما تبقى من هياكله، بعد سقوط السلطة المركزية[12].
- التوسع البري
استغلت إسرائيل الفراغ الأمني بعد سقوط نظام الأسد في جنوب سوريا، لتعزيز وجودها العسكري، متجاوزةً “خط ألفا” المحدد في اتفاق فك الاشتباك. فخلال الأسبوع الأول من العمليات الإسرائيلية في المنطقة، فرضت القوات الإسرائيلية سيطرتها على مساحة 303 كيلومتر مربع، ومع استمرار العمليات خلال يناير 2025، انسحبت الوحدات الإسرائيلية من منطقة حوض اليرموك، لكنها وسعت نطاق انتشارها على المحاور الشمالية، مما أدى إلى زيادة المساحة الخاضعة لسيطرتها إلى 366 كيلومترًا مربعًا مع نهاية الشهر. لاحقًا، عززت إسرائيل انتشارها في المنطقة منزوعة السلاح، حيث فرضت السيطرة إما عبر الانتشار المباشر أو من خلال السيطرة النارية التي استخدمتها لتقييد حركة المدنيين، ومنع قوات أمن الحكومة السورية من تنفيذ أي عمليات داخل المنطقة. ونتيجة لذلك؛ ارتفع حجم المساحة التي تقع تحت السيطرة المباشرة أو التأثير الإسرائيلي إلى أكثر من 460 كيلومترًا مربعًا[13].
وبالتزامن مع التقدم البري وتمشيط المنطقة بحثًا عن أسلحة خلفتها التشكيلات التي كانت تعمل مع إيران وحزب الله، أنشأت القوات الإسرائيلية نقاطًا عسكرية جديدة داخل المنطقة العازلة، التي كان من المفترض أن تكون منزوعة السلاح، مبررةً ذلك بضرورة حماية أمنها القومي، ومنع استغلال الخلايا الموالية لإيران وحزب الله للفراغ الناجم عن انهيار النظام السوري، وكانت تلك الخلايا تنشط في مناطق مختلفة في المنطقة في فترة نظام الأسد، حيث نفذت إسرائيل حملةً عسكريةً واسعة النطاق في جنوب سوريا، بهدف تدمير القدرات العسكرية السورية، وإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود، وتقدمت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة في القنيطرة، مستهدفةً مواقع استراتيجية، أبرزها قمة عرنة في جبل الشيخ، حيث أنشأت نقاط مراقبة وثكنات عسكرية بعد أيامٍ من توغلها[14].
بالإضافة إلى ذلك، استغلت إسرائيل انسحاب القوات الروسية لتعزيز وجودها بإنشاء قاعدة عسكرية في التلول الحمر شرق بلدة حضرة لتعزز سيطرتها على المنطقة. وعلى سفوح جبل الشيخ، تحديدًا في قرص النفل شمال غرب حضرة، عملت على فتح طرق جديدة وتعبيدها، ومد خطوط كهرباء لإنارة الموقع، ما عزز من مراقبتها للشريط الحدودي وريف القنيطرة الشمالي. وفي جباتا الخشب، بالقرب من برج الزراعة داخل المحمية الطبيعية، تم تجهيز نقطة عسكرية متكاملة تضم مهبطًا للطائرات المروحية وغرفًا مسبقة الصنع لإيواء العناصر، مع تأمين طريق يربطها بالحدود. وتمركزت وحدات عسكرية شمال بلدة الحميدية، بعد تجهيز الموقع بالكامل وإنارته، ليُشكل نقطة متقدمة بديلة عن المباني الحكومية التي أُخليت. وفي العدنانية، قرب سد المنطرة، اختارت القوات الإسرائيلية تلة مرتفعة لإنشاء نقطة جديدة، في حين شهدت مدينة القنيطرة، قرب برج القنيطرة، تجهيز موقع مماثل لتعزيز السيطرة الميدانية. وفي القطاع الجنوبي من محافظة القنيطرة، تم تفعيل الموقع العسكري في تل أحمر الغربي قرب بلدة كودنا بعد استكمال تجهيزه، حيث يتمتع بإحداثيات تكتيكية تمنحه إشرافًا ميدانيًا واسعًا، يمتد نحو ريف القنيطرة الجنوبي وأجزاء كبيرة من ريف درعا الغربي، ما يُعزز القدرة الاستخباراتية، ويرفع من كفاءة المراقبة والسيطرة العملياتية في المنطقة[15].
ترافقت هذه الأنشطة البرية مع توسعٍ ملحوظ في الأعمال الهندسية والعسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية المتاخمة للجولان المحتل، إذ قامت الجرافات الإسرائيلية بإزالة الأشجار وتجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والرعوية، خاصةً في محيط بلدات حضر وبئر عجم ورسم الرواضي. هذه التحركات، التي أدت أحيانًا إلى اندلاع حرائق التهمت مساحات كبيرة من المزروعات، تعكس محاولة منهجية لإعادة تشكيل المشهد الجغرافي الحدودي بما يخدم الأهداف الأمنية الإسرائيلية، من خلال خلق بيئة مكشوفة تُقلص حرية الحركة وتُتيح مراقبة دقيقة للمناطق السورية المجاورة. كما تم رصد نشاط ميداني استخباراتي مكثف شمل جمع بيانات شخصية للسكان المحليين وتصوير منازلهم ومركباتهم، ما يدل على توجه متكامل يجمع بين السيطرة الميدانية والرصد المعلوماتي.
تُشير هذه المعطيات إلى تحولٍ نوعي في طبيعة الدور الإسرائيلي داخل الجنوب السوري، تجاوز نطاق المراقبة التقليدية إلى نمط تدخل مباشر متعدد الأوجه يجمع بين الردع العسكري الوقائي والتموضع الميداني الدائم. ويبدو أن هذا التصعيد يستند إلى استغلال الفراغ الأمني الناتج عن ضعف السلطة المحلية في المناطق الحدودية، في ظل غياب ردع إقليمي أو دولي فعال. بذلك، تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تعيد رسم حدود السيطرة الفعلية في الجنوب السوري، بجانب تحويل خط فض الاشتباك إلى منطقة نفوذ أمني موسعة تتحكم فيها بشكلٍ غير معلن[16].
في ضوء ذلك، وفي ظل التوغلات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب السوري، تواجه الحكومة السورية الجديدة تحديات كبيرة في التعامل مع هذه التحركات، وعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية المبذولة، ومنها تقديم شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي، فإن تأثير هذه المساعي يبقى محدودًا، مما يُضعف من قدرتها على حشد دعم دولي فعال للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي السورية. من جانبها، تُبرر إسرائيل وجودها العسكري في الجنوب السوري بحماية أمنها القومي ومنع أي تهديدات محتملة من الأراضي السورية، وصرح وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأن القوات الإسرائيلية ستبقى في المواقع الاستراتيجية، مثل جبل الشيخ، لأجلٍ غير مسمى، مما يعكس نية إسرائيل في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة. وهذا التوسع الإسرائيلي المتكرر يُثير قلقًا متزايدًا بين السكان المحليين في الجنوب السوري، حيث أفادت تقارير بحدوث احتجاجات وتظاهرات ضد الوجود الإسرائيلي، إضافةً إلى مواجهاتٍ بين القوات الإسرائيلية والمواطنين السوريين. هذه التوترات المتصاعدة تزيد من تعقيد الوضع الأمني والإنساني في المنطقة، وتضع الحكومة السورية الجديدة أمام تحدياتٍ إضافية في سعيها لاستعادة السيادة الكاملة على أراضيها وضمان أمن وسلامة مواطنيها[17].
ثالثًا- مآلات العدوان على الداخل السوري والسياق الإقليمي
شهدت الساحة السورية منذ سقوط الأسد تحولات جذرية أعادت رسم معادلات القوة الداخلية والإقليمية. وفي ظل تفكك مؤسسات الدولة، وجدت إسرائيل في هذا الفراغ فرصةً استراتيجية لإعادة صياغة توازنات الأمن الإقليمي بما يخدم مصالحها. وفي هذا الإطار، يمكن تتبع تداعيات ومآلات العدوان الإسرائيلي على مستويين متكاملين: الداخلي، حيث أصابت الضربات بنية الدولة ووحدتها الوطنية؛ أما على المستوى الإقليمي، فنجد التأثير (السلبي بالطبع) في إعادة تشكيل خريطة التحالفات وموازين القوى في المشرق العربي.
- مآلات العدوان على الداخل السوري
لم يقتصر الحضور الإسرائيلي في الداخل السوري بعد سقوط النظام على إعادة رسم خريطة السيطرة العسكرية، بل امتد تأثيره تدريجيًا إلى جوانب متعددة. على المستوى العسكري، استهدفت الضربات الجوية العنيفة والممنهجة، التي شُنت منذ ديسمبر 2024، تدمير الغالبية العظمى من القدرات العسكرية السورية، من الطائرات المقاتلة والدفاعات الجوية وصولًا إلى الدبابات وقطع سلاح البحرية. تُشير التقارير إلى تدمير ما بين 70% إلى 80% من الأصول الاستراتيجية، ما جعل الدولة السورية “منزوعة السلاح” فعليًا، مما قد يؤثر على قدرتها على مواجهة أي تهديدات على أراضيها. هذا التدمير ليس مجرد عمل عسكري، بل هو رسالة سياسية مفادها أنه لن يُسمح للحكومة السورية الجديدة بإعادة بناء جيش قادر على استعادة السيادة، وأن أي محاولة لإعادة التسليح ستُواجه بهجمات جوية فورية أو اشتراطات سياسية قاسية تربط رفع العقوبات بمنع التسلح، كما حدث في ضربات اللاذقية في مايو 2025. النتيجة الداخلية المباشرة هي شلل قدرة الحكومة على بسط سيادتها والدفاع عن أراضيها، مما يفتح الباب أمام النفوذ الخارجي والفصائل المسلحة[18].
أما على المستوى الاجتماعي والسياسي، تسعى إسرائيل إلى توظيف ورقة الأقليات وخاصةً عبر منح أشكال مختلفة من استقلالية الحكم للأقليات الواقعة على أطراف سوريا وعلى الحدود مع إسرائيل؛ سعيًا لتحجيم دور المكون السني في سوريا ولزرع وتقوية فكرة تقسيم سوريا وإنشاء “كانتونات” في الجنوب يسهل السيطرة عليها واستخدامها، وذلك بما يتماشى مع المصالح الأمنية الإسرائيلية ويُضعف الدولة، وقد تجلى هذا التكتيك بوضوح في استهداف الطائفة الدرزية. فبينما استخدم الاحتلال الأدوات الناعمة، كتقديم المساعدات الإنسانية وتنظيم الرحلات، لاستمالة دروز السويداء مستغلًّا الأوضاع الاقتصادية الصعبة، فإنه سرعان ما تحول إلى الأدوات الصلبة لدعمهم، كما في أحداث صحنايا والسويداء في 2025، حيث نُفذت غارات تحذيرية على محيط أشرفية صحنايا ومواقع عسكرية حكومية في السويداء، وصولًا إلى قصف مبنى قيادة الأركان ومحيط القصر الجمهوري، في رسائل رمزية تفيد بأن أي تسوية داخلية لا تمر بمصالح إسرائيل هي عرضة للخرق.
هذا التنسيق المباشر، الذي وصل حد المطالبة بالحماية الإسرائيلية تحت مسمى “القبة الحديدية الدرزية” من قبل بعض الفئات، يُشكل تحديًا مباشرًا لسلطة الدولة السورية ويُهدد وحدتها الوطنية، رغم الرفض الشعبي والسياسي الواسع للتدخل الأجنبي الذي أكدت عليه مظاهرات السويداء وجرمانا، الرافضة للوصاية الأجنبية والمتمسكة بالسيادة[19].
بالإضافة إلى ذلك، يُكرس الاحتلال المستمر في مناطق مثل جبل الشيخ والمنطقة منزوعة السلاح، والذي لا يستند إلى أي شرعية دولية ويتجاهل اتفاقية فك الاشتباك، حالة من التحدي السافر لسيادة الدولة. فالتصريحات الإسرائيلية حول الوجود غير المحدد وإقامة التحصينات العسكرية، ورفض السماح للقوات السورية بالدخول إلى مناطق جنوب دمشق، تهدف إلى ترسيخ احتلال طويل الأمد. هذا التموضع الأمني الدائم، الذي يشمل إقامة نقاط تفتيش واعتقالات تعسفية للمدنيين في القنيطرة ودرعا، لا يخلق فقط أزمات إنسانية ومعيشية لسكان الجنوب، بل يُخضع أجزاء واسعة من جنوب سوريا للهيمنة الأمنية الإسرائيلية، مهددًا بتقسيمٍ فعلي للبلاد وفرض حالة من عدم الاستقرار الدائم[20].
وأخيرًا على المستوى الإنساني، أفضت التطورات العملياتية للعدوان الإسرائيلي في الجنوب السوري إلى تدهورٍ في حياة واستقرار السكان المحليين والمجتمعات الحدودية، ولا سيما في محافظتي القنيطرة ودرعا. وقد تجلت هذه الانتهاكات في سلسلة من الممارسات الميدانية التي تعكس نيةً واضحةً نحو التثبيت الأمني الدائم، وتضمنت انتهاك الحرمة المدنية إذ شملت العمليات اقتحامات متكررة للقرى والمناطق المأهولة، حيث تم تنفيذ تفتيش واعتداء على خصوصية المنازل، تلاها استجوابات ميدانية قسرية للمواطنين. كما تصاعدت وتيرة الاعتقالات التعسفية التي استهدفت عشرات المدنيين، حيث جرت هذه الاعتقالات دون سندٍ قانوني واضح أو توجيه اتهامات رسمية، مما يُمثل خرقًا فاضحًا لأبسط حقوق الإنسان وإجراءات العدالة الواجبة.
علاوة على ذلك، اتخذت القوات الإسرائيلية إجراءات بنيوية على الأرض تُشير إلى توجهٍ نحو التموضع المستدام، مثل إقامة نقاط تفتيش ثابتة، وإنشاء سواتر ترابية، وإغلاق المداخل الحيوية للقرى. هذا التكتيك يعكس هدفًا استراتيجيًا لتكريس منطقة أمنية أحادية الجانب على طول خطوط وقف إطلاق النار، مما يُقوض سلطة القانون الدولي ويزيد من عزلة هذه المناطق. ويُهدد ذلك بتحويل الجنوب السوري إلى منطقة احتلال أمني جديدة، يُصبح المدنيون فيها خاضعين لقوة أجنبية تمارس عليهم إجراءات قمعية دون رقابة[21].
في المحصلة، فإن العدوان الإسرائيلي لا يهدف إلى تحقيق مكاسب حدودية فحسب، بل هو مخطط يهدف إلى تفكيك السلطة المركزية، وإضعاف الجيش لجعله أداةً عاجزة، وتفجير المجتمع عبر ورقة الأقليات، لإنشاء كيانات متناحرة تضمن أمن إسرائيل الإقليمي على حساب وحدة وسلامة الأراضي السورية.
- تداعيات العدوان على المستوى الإقليمي
أفضى العدوان الإسرائيلي على سوريا بعد سقوط نظام الأسد إلى تحولاتٍ إقليمية عميقة، أعادت رسم موازين القوى في المنطقة العربية، وفتحت الباب أمام إعادة تعريف العلاقات بين الفاعلين الإقليميين في ضوء انهيار الدولة السورية كقوة توازن تقليدية في النظام الإقليمي. فإسرائيل، التي وجدت في فراغ السلطة السورية فرصة استراتيجية نادرة، سعت إلى استثمار هذا الواقع لإعادة صياغة بيئة أمنها القومي عبر بناء نطاق نفوذ أمني ممتد من الجولان إلى عمق الجنوب السوري، بما يضمن إقامة منطقة عازلة تفصلها عن أي تهديدٍ محتمل من الشمال. وبذلك، انتقلت تل أبيب من سياسة “الاحتواء الحذر” التي اتبعتها منذ 2011 إلى سياسة “التدخل الوقائي”، لتتحول من فاعلٍ مراقب إلى طرفٍ صانع للمعادلات الجديدة في المنطقة[22].
هذا التحول انعكس مباشرةً على التوازنات الإقليمية، ولا سيما في علاقة إسرائيل بكلٍ من إيران وتركيا. فبعد أن شكلت سوريا لعقدين قاعدة محورية للنفوذ الإيراني في المنطقة، مثل انهيارها العسكري والسياسي فرصة لإسرائيل لتقويض بنية هذا النفوذ الممتدة من طهران إلى بيروت، وذلك عبر ضرباتٍ جوية ممنهجة استهدفت البنية التحتية العسكرية التابعة لإيران وحزب الله داخل الأراضي السورية، وتمكنت تل أبيب من تقليص عمقهما الاستراتيجي وإعادة رسم خريطة الانتشار العسكري في المنطقة. ومع سقوط الأسد، وجدت إيران نفسها في مأزقٍ جيوسياسي، إذ تراجع نفوذها الميداني أمام تقدم النفوذ الإسرائيلي، واضطرت إلى إعادة تموضع قواتها ضمن أطر دفاعية في الشرق السوري، ما مثل بداية انحسار مشروع “الهلال الشيعي” الذي طالما سعت إلى ترسيخه[23].
في المقابل، شكل التدخل الإسرائيلي مصدر قلق بالغ لتركيا، التي رأت في تمدد تل أبيب جنوبًا تهديدًا مزدوجًا: أمنيًا من حيث اقترابها من مناطق النفوذ التركي في الشمال السوري، وجيوسياسيًا عبر دعمها غير المعلن لبعض التشكيلات الكردية، في سياق مسعى لإقامة كانتونات مستقلة تُضعف المشروع التركي في الشمال. وقد أدى ذلك إلى زيادة حالة الاستقطاب الإقليمي، ودفع أنقرة نحو تعزيز وجودها العسكري وتكثيف اتصالاتها مع موسكو وطهران، في محاولةٍ لاحتواء التوسع الإسرائيلي والحفاظ على خطوط نفوذها الحيوية. وهكذا، ساهم العدوان في إعادة إحياء صيغ التحالفات الثلاثية (روسية – إيرانية – تركية) وإن كان بوجهٍ أكثر براجماتية، مقابل محور جديد آخذ في التشكل يضم إسرائيل وبعض الدول الغربية والعربية التي رأت في تفكيك سوريا فرصةً لإضعاف محور المقاومة[24].
على مستوى أوسع، أسهمت التحركات الإسرائيلية في إضعاف فكرة “الدولة العربية المركزية” التي شكلت سوريا في وقتٍ ما إحدى ركائزها، ودفعت المنطقة نحو نمط من “الفوضى المنظمة” التي تُدار فيها النزاعات من الخارج بما يخدم استدامة التفوق الإسرائيلي.
كما عزز العدوان موقع إسرائيل كقوة إقليمية قادرة على فرض أمر واقع جديد دون كلفة سياسية تذكر، خصوصًا في ظل الغطاء الأمريكي الواضح خلال إدارة ترامب، التي تعاملت مع التحركات الإسرائيلية بوصفها امتدادًا لمبدأ “الردع الوقائي”[25]. وعليه، فإن تداعيات العدوان لا تقتصر على الجغرافيا السورية وحدها، بل تمتد إلى إعادة تشكيل النظام الإقليمي ذاته، عبر تكريس مبدأ تدخل إسرائيل المباشر في محيطها كأداة لإدارة التوازنات، وخلق واقع استراتيجي جديد تصبح فيه الدولة السورية المفككة حاجزًا هشًّا يفصل بين مناطق النفوذ المتناحرة، ما يُعزز من هشاشة الإقليم ويُطيل أمد الفوضى التي تُبقي يد إسرائيل الطولى في صياغة مستقبل المشرق العربي.
خاتمة- سيناريوهات مستقبلية للعدوان الإسرائيلي على سوريا
تشهد الساحة السورية بعد سقوط النظام تحولًا جذريًا في الاستراتيجية الإسرائيلية؛ حيث انتقلت من “احتواء” التهديدات الإيرانية إلى محاولة إعادة هندسة المشهد السوري داخليًا وعسكريًا لضمان أمنها المستقبلي. استنادًا إلى المعطيات السابقة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين فرض حقائق على الأرض، والقبول بتسوية قسرية بشروطٍ إسرائيلية، أو الدخول في تصعيدٍ مستمر.
- السيناريو الأول- التفكيك التدريجي وإنشاء مناطق نفوذ
يرتكز هذا السيناريو على استمرار الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية التي تهدف إلى تفتيت النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية وتوظيف ورقة الأقليات، لإنشاء مناطق نفوذ أو “كانتونات” تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية في الجنوب السوري. بكلماتٍ أخرى، ستواصل إسرائيل استخدام ورقة الأقليات، وتحديدًا الطائفة الدرزية، كذريعة للتدخل والتوغل. وستعمل على تعميق التنسيق مع القيادات المحلية وتقديم الدعم الإنساني والأمني (على غرار “القبة الحديدية الدرزية”)، لإضعاف المركزية الحكومية وتعزيز فكرة الحكم الذاتي لهذه المكونات، مما يُهدد وحدة الدولة.
كما سيظل التدمير الممنهج لأي محاولة لإعادة بناء الجيش السوري أو الحصول على أسلحة نوعية هدفًا مركزيًا للغارات الجوية الإسرائيلية، مع ربط أي دعم دولي للحكومة الجديدة بـشروط نزع السلاح عبر ضغوط سياسية على القوى الإقليمية والدولية.
ويدعم هذا الاتجاه استمرار الغارات لتعطيل إعادة بناء الجيش السوري، ومنع حصول دمشق على أي قدرات نوعية. كما أن أي تقارب سوري محتمل مع الولايات المتحدة قد يُشكل محفزًا إضافيًا لإسرائيل للإسراع في فرض “حقائق” على الأرض قبل تشكل توازنات سياسية جديدة، خاصةً إذا بدا أن واشنطن قد تدفع نحو نموذج دولة مركزية قادرة على ضبط الداخل. وفي المقابل، فإن بقاء دمشق على موقفها الرافض للتطبيع يجعل إسرائيل أكثر ميلًا لتعميق التدخل الأمني بدلًا من الاستثمار في مسار تسوية[26].
- السيناريو الثاني- التسوية القسرية المشروطة (المسار التفاوضي)
في هذا السيناريو، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرةً إلى الدخول في مسار تفاوضي غير مباشر مع الحكومة السورية الجديدة تحت ضغط التغيرات الإقليمية وتدخل القوى الكبرى، خصوصًا إذا شجعت واشنطن -بفعل تقاربها مع دمشق- على ترتيبات أمنية تُنهي حالة السيولة على الحدود الشمالية. لكن هذا المسار لن يكون متكافئًا؛ إذ ستسعى إسرائيل إلى فرض شروط قاسية تتضمن نزع السلاح جنوبًا مقابل انسحاب جزئي من بعض المناطق أو وقف الهجمات الجوية. ورغم أن التقارب السوري -الأمريكي قد يدفع باتجاه تسوية أكثر استقرارًا، فإن موقف دمشق الرافض للتطبيع المباشر سيُبقي التفاوض هشًا وقابلًا للانهيار عند أي تغير في ميزان القوى. لذلك؛ يُصبح هذا السيناريو معتمدًا على قدرة الحكومة الجديدة على الموازنة بين استعادة السيادة وكسب الدعم الدولي دون تقديم تنازلات أمنية كبرى.
- السيناريو الثالث- التصعيد المفتوح وحدود الاشتباك المتغيرة
في حال فشل مسار المفاوضات أو عدم استجابة دمشق للمطالب الإسرائيلية، قد تلجأ إسرائيل إلى توسيع نطاق العدوان لإعادة رسم حدود الاشتباك بشكلٍ دائم، ويتضمن ذلك توسيع نطاق الهجمات الجوية لتشمل أهدافًا أعمق داخل الأراضي السورية، مع اعتماد مبدأ الاستهداف الاستباقي متعدد الاتجاهات، ليس فقط لمنع إعادة التسليح، بل لإعادة ضبط التوازنات العسكرية في المنطقة.
ويزداد احتمال هذا السيناريو إذا شعرت إسرائيل أن التقارب بين دمشق وواشنطن قد يحد من قدرتها على المناورة لاحقًا، فتسعى إلى خلق معادلات ردع جديدة قبل تشكل أي مظلة دعم دولي للحكومة السورية[27]. كما أن استمرار الرفض السوري للتطبيع قد يُعزز قناعة إسرائيل بأن الحل الأمني هو الخيار الأكثر ضمانًا. وقد يؤدي هذا التصعيد إلى احتكاكات مع فاعلين آخرين كتركيا أو الميليشيات المدعومة إقليميًا، مما يرفع احتمالات انزلاق سوريا إلى ساحة صراع أوسع تُعاد فيها صياغة التوازنات الإقليمية والدولية.
في ضوء ما سبق، يتضح أن العدوان الإسرائيلي على سوريا لم يكن مجرد سلسلة من العمليات العسكرية العابرة، بل يُمثل امتدادًا لاستراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إعادة رسم موازين القوى في الإقليم بعد سقوط نظام الأسد. إذ تسعى إسرائيل من خلال تدخلاتها المتكررة إلى تثبيت واقع جديد يضمن لها تفوقًا أمنيًا وسياسيًا في محيطها المباشر، ويمنع في الوقت نفسه نشوء أي تهديد محتمل من داخل الأراضي السورية أو عبر حلفائها الإقليميين. ومن ثم، فإن العدوان لم يكن مجرد رد فعل على تطوراتٍ ميدانية آنية بقدر ما هو فعل استباقي يندرج ضمن مشروع إسرائيلي أشمل لإعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية المحيطة. وعلى الرغم من أن مبررات إسرائيل المعلنة تتمحور حول مواجهة النفوذ الإيراني، فإن النتائج الفعلية لهذه السياسة أعمق بكثير، إذ تُسهم في تكريس تفكيك البنية العسكرية السورية وإضعاف مؤسسات الدولة، بما يفتح الباب أمام مرحلة من غياب الاستقرار والفوضى التي تخدم المصالح الإسرائيلية على المدى الطويل.
⁕ باحثة في العلوم السياسية.
[1] محمد السكري، سورية الجديدة والامتحان الإسرائيلي: من التجاهل إلى دبلوماسية التناظر الإقليمي، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، مارس 2025، 1-2.
[2] يحيى بوزيدي، سوريا ما بعد الأسد في الدوائر الحدودية للأمن القومي الإسرائيلي، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 1 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94LA
[3] انظر التالي:
- وليد حباس، كيف تنظر إسرائيل إلى سقوط نظام الأسد؟، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 9 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94LC
- أحمد الطناني، تحليل الاحتلال وسوريا الجديدة: عدوان لترسيم النفوذ وحدود التحالفات، مركز عروبة للأبحاث والتفكير الاستراتيجي، 11 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94LE
[4] صبا عبد اللطيف، التصعيد الإسرائيلي على سورية (من ردع العدوان إلى سقوط نظام الأسد)، عمران للدراسات الاستراتيجية، 1 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94LG
[5] ديفيد شينكر، تجنّب المواجهة بين “إسرائيل” و”سوريا” (الجزء الأول): مخاطر “الاحتلال”، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، 21 مارس 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94LK
[6] صبا عبد اللطيف، التصعيد الإسرائيلي على سورية (من ردع العدوان إلى سقوط نظام الأسد، مرجع سابق.
- التصعيد الإسرائيلي في سورية مطلع عام 2025: الغارات، الأهداف، والتداعيات، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 18 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94MW
- شيرا عفرون، داني سيترينوفيتش، تجاوزات إسرائيل الخطرة في سوريا، اندبندت عربية، 27 ابريل 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94MX
[8] فيصل الحجي، السياسة “الإسرائيلية” تجاه سوريا الجديدة.. مفاوضات تحت عدوان مستمر، مركز الحوار السوري، 8 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع 3 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/1LRJ
[9] Hanane Sallam, Valentin d’Hauthuille, Syria: Israeli airstrikes reach an all-time high after Assad regime falls, ACLED,19 December 2024, accessed at: 4 November 2025, available at: https://tinyurl.com/2t95kccv
- نورا شعبان، التحوّلات العملياتية في السلوك العسكري الإسرائيلي داخل سورية، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 17 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94N1
- التصعيد الإسرائيلي في سورية مطلع عام 2025: الغارات، الأهداف، والتداعيات، مرجع سابق.
[10] نورا شعبان، التحوّلات العملياتية في السلوك العسكري الإسرائيلي داخل سورية، مرجع سابق.
[11] Walid Habbas, Israeli National Calculations in Post-Assad Syria, Policy and Society Institute, 15 July 2025, accessed at: 4 November 2025, available at: https://tinyurl.com/5n7s9jyv
معالي لطفي سالم، اتجاهات التغيير: تحولات الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية بعد عملية طوفان الأقصى، مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية، 24 مايو 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94N4
[12] انظر التالي:
- عمرو النجار، بذريعة حماية الدروز.. هذه انتهاكات إسرائيل في سوريا منذ سقوط الأسد، الجزيرة مباشر، 19 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94N5
- أحمد العكلة، توتر الجنوب السوري.. ماذا وراء القصف المتبادل بين “كتائب محمد الضيف” وإسرائيل؟، الجزيرة، 5 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94N9
- عدوان إسرائيلي عنيف على دمشق | ثلاثة قتلى و34 مصابًا، العربي الجديد، 16 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94ND
[13] انظر:
- شيماء عبد الحميد، دمشق بين “أطماع العثمانية” ومشروع “إسرائيل الكبرى”: كيف يحتدم تنافس أنقرة وتل أبيب على النفوذ في سوريا؟، شاف، 12 يناير 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94NF
- سياسة إسرائيل تجاه سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 9 مارس 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yc6jfmzx
[14] إسرائيل تنشئ موقعين عسكريين بقمة جبل الشيخ السوري المحتل، الجزيرة، 12 مارس 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94NI
[15] صبا عبد اللطيف، التصعيد الإسرائيلي على سورية (من ردع العدوان إلى سقوط نظام الأسد)، مرجع سابق.
[16] المرجع السابق.
[17] انظر:
- وزير الدفاع الإسرائيلي: قواتنا ستبقى على جبل الشيخ بسوريا لأجل غير مسمى، CNBC، 29 يناير 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94NO
- غاري عنتاب، محمد أمين، إسرائيل تتغول في الجنوب السوري: تعزيز الاحتلال يقابل بمقاومة محلية، العربي الجديد، 3 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94NQ
[18] انظر:
- عامر المثقال، لحراك “الإسرائيلي” في سوريا بعد سقوط الأسد.. مخاطر استراتيجية ومسارات المواجهة الممكنة، مركز الحوار السوري، 10 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94NS
- سياسة إسرائيل تجاه سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مرجع سابق.
[19] أحداث السويداء والمسألة الطائفية في سورية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 19 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94NV
Chafic Choucair, A Strategic Dilemma: Israel’s Intervention in Syria’s Suwayda Province, Aljazeera Center for Studies, 24 July 2025, accessed at 4 November 2025, available at: https://url-shortener.me/94NX
[20] انظر:
- فضل عبد الغني، قراءة في التدخل الإسرائيلي في سوريا ما بعد الأسد ومسؤولية الحكومة الانتقالية، الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 3 يونيو 2025، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/94NZ
- سياسة إسرائيل تجاه سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مرجع سابق
[21] انظر:
- فضل عبد الغني، قراءة في التدخل الإسرائيلي في سوريا ما بعد الأسد ومسؤولية الحكومة الانتقالية، مرجع سابق.
- نورا شعبان، لتحوُّلات العملياتية في السلوك العسكري الإسرائيلي داخل سورية، مرجع سابق.
[22] Gabi Siboni, The Syrian Crisis as an Opportunity to Position Israel as a Regional Power, The Jerusalem Institute for Strategy and Security, 3 August 2025, accessed at 4 November 2025, available at: https://tinyurl.com/4ht4khn3
[23] Mohamed Nabil Al-Bandary, Israel’s Actions in Syria Risk Greater Instability in Region, Middle East Institute, 22 May 2025, accessed at 4 November 2025, available at: https://tinyurl.com/44jy6rde
[24] Ibid.
[25] Gabi Siboni, The Syrian Crisis as an Opportunity to Position Israel as a Regional Power, Op.Cit.
[26] زيد قطريب، ما تداعيات تقارب واشنطن ودمشق على العمليات الإسرائيلية في سوريا؟، إرم نيوز، 15 مايو 2025، تاريخ الاطلاع 3 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/28vc5bxj
[27] المرجع السابق.
أحمد مصطفى الكوشي، زيارة الشرع للبيت الأبيض: المخرجات والتداعيات الداخلية والإقليمية للزيارة، مركز ترو للدراسات، 16 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع 3 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://truestudies.org/3429/
نشر في العدد 40 من فصلية قضايا ونظرات – يناير 2026



