عروض كتبمكتبة

عرض كتاب جذور العنف في الغرب الأفريقي: حالتا مالي ونيجيريا

تأليف: عايدة العزب موسى

صدر كتاب “جذور العنف في الغرب الأفريقي: حالتا مالي ونيجيريا”[1]، لكاتبته عايدة العزب موسى في القاهرة عن دار البشير للثقافة والعلوم2015؛ وفيه تحاول الكتابة أن تجيب عن تساؤل أساسي ما هي أسباب انتشار العنف في الغرب الأفريقي؟ وينتج عنه العديد من الأسئلة الفرعية؛ أهمها: لماذا تنتشر حركات الاحتجاج المعارضة والتي يمثل العنف فيها حجر أساس في الغرب الأفريقي؟ لما يعد الغرب الافريقي بيئة خصبة لجماعات العنف بشكل عام؟ ولماذا ينتشر العنف في مالي ونيجيريا بشكل خاص؟ وما هي “بوكو حرام”؟ ولماذا ظهرت؟ ولماذا انتشرت؟

تحاول الكاتبة في مقدمة الكتاب أن تطرح السياق الثقافي والسياسي والاجتماعي لمنطقة غرب أفريقيا قبل الاستعمار كركيزة أساسية في فهم سياقات العنف في المنطقة، وتطرح نتائج الاستعمار كإشكاليات على المنطقة في أربع نقاط؛ أولها: التقسيم الاستعماري لأفريقيا الذي لم يراعي التناغم الإثني والثقافي لكل دولة، الثاني: أن سياقات الاستقلال للدول الأفريقية اضطرت أن تراعى التقسيم الأوروبي السابق ذكره، الثالث: سياسات الاستيعاب التي اتبعتها فرنسا كأكبر الدول الاستعمارية في الغرب الأفريقي في محاولة فرض ثقافتها على الشعوب الأفريقية، الرابع الكراهية القوية التي تشهدها المنطقة لكل ما هو متصل بأوروبا نتيجة لآثار الاستعمار خاصة الاستعمار الفرنسي.

أما فيما يتعلق بالسياقات المعاصرة فتطرح الكاتبة أنه نتيجة للإشكاليات السابق ذكرها والتي ظهرت واتضحت في الفترة منذ بداية الاستقلال وحتى الآن، ظهرت العديد من حركات العنف ولأسباب عديدة، منها: الإثني والثقافي والديني في بعض الأحيان، مما وفر البيئة لظهور جماعات جهادية خاصة مع فرار الجهاديين من الجزائر في تسعينات القرن الماضي. هذا من جانب، وعلى الجانب الآخر ضعف قدرة الدول الأفريقية في مجالي السلم والأمن بالإضافة إلى ضعف سيطرة الدول في تلك المنطقة على أطرافها، ونضيف إلى ذلك استمرار التدخل الأجنبي في تلك المنطقة عسكريًا مما قد يفاقم في أحيان كثيرة من حالة الاضطراب والعنف.

وتختتم الكتابة مقدمتها بأن العنف لا يظهر من فراغ بأي حال من الأحوال، بل تسبقه سنوات من الاضطراب والقمع والاستبداد والتدخل الأجنبي الجائر هو ما يمهد بيئة خصبة لظهور جماعات العنف ومنها “الجماعات الجهادية” حسب لفظ الكاتبة، مع قبول السكان على الحدود لذلك الوضع نتيجة لتداخل المصالح والقبائل بين الدول المختلفة[2].

وينقسم الكتاب بعد المقدمة إلى جزءين: يتناول كل منها حالة من حالات الدول في غرب أفريقيا، أولهما حالة مالي، والثانية حالة نيجيريا.

أولًا- حالة مالي[3]:

تبدأ الكاتبة باستعراض السياق التاريخي لأزمة الاندماج-الانفصال في مالي، والتي بدأت منذ الاستقلال؛ حين لم يراع التنوع الإثني في المنطقة أو وحدة تلك الإثنيات، وخاصة الطوارق الذين تم تقسيمهم على العديد من الدول المجاورة (الجزائر – مالي- النيجر- ليبيا- بوركينا فاسو). وبرزت أزمة الطوارق مع انفصال مالي عن الاتحاد مع السنغال عام 1962 حيث قاموا بأربع ثورات كبري ضد الحكومة المالية سعيًا للحصول على مطالبهم بالتنمية أو حتى الانفصال عن مالي في إقليم أزواد، وهو الإقليم الأساس الذي يعيش فيه الطوارق في مالي.

بدأت الثورة الأولى -وهي ثورة كيدال- 1962 عندما حاول الرئيس “موديبوكيتا” تأميم ثروات الخاصة بالطوارق والعرب من الماشية، واستمرت تلك الثورة طوال عامين، ونجحت حكومة مالي بمساعدة كل من المغرب والجزائر في إخمادها، مما أدي إلى عمليات نزوح جماعي من مناطق الطوارق في مالي إلى الدول المجاورة مثل ليبيا والجزائر، وتعد ليبيا من الدول التي رحبت بهجرة الطوارق إليها خاصة مع صعود القذافي للحكم عام 1969، حيث فتح لهم أبواب التعليم والوظائف العامة وشكل من شبابهم كتيبة من الجنود أطلق عليهم اسم “الكتيبة الخضراء”.

شاركت تلك الكتيبة في الحرب الليبية-التشادية (1978-1986) وبعد انتهائها طالب العسكريون الطوارق المساعدة من القذافي لتمويلهم، ونشأت الحركة الشعبية لتحرير أزواد عام 1988، ثم قامت الحركة بالانتفاضة الثانية للطوارق(1990-1996) مما نتج عنها الجلوس للمرة الأولى مع الحكومة المالية على طاولة المفاوضات، مما أدى إلى اتفاقية سمنراست 1991، والتي تم إلغاؤها بعد شهرين من توقيعها نتيجة لانقلاب عسكري على الحكومة المالية. ونتيجة لاستمرار الصراع تم توقيع معاهدة أخرى بين الحكومة المالية والطوارق نصت على تخلي الطوارق عن مطالب الاستقلال مع وعد بتنمية مناطقهم وإدماج مقاتليهم في الجيش المالي؛ ونتيجة لفشل تحقيق ذلك قامت ثورة الطوارق الثالثة 2006 وتم إخمادها أيضًا في نفس العام.

ثورة الطوراق الرابعة 2012، وتعد أكبر ثورات الطوارق علي الإطلاق حيث استطاعوا الانفصال بإقليم أزواد عن جمهورية مالي، ولكن فشل ذلك الانفصال عقب التدخل الفرنسي في يناير 2013.

الاستعراض السابق هو المسار الأساسي للأزمة المالية التي بدأت بشكل أساس في 2012 ، مع العلم بأن الأزمات المالية متتالية منذ بدء الاستقلال، لتؤكد الكاتبة على أن المنطقة تشهد صراعات وعنفًا مستمرين للعديد من الأسباب منها ما هو عام وتم شرحه في المقدمة، ومنها ما هو خاص تشرحه في إطار تفسيري الآتي:

أسباب الأزمة في مالي:

تحاول الكاتبة أن تضع إطارًا تفسيريا من وجهة نظرها حول أسباب الأزمة في مالي، وتقسمه إلى عدة أسباب منها:

1- جماعات العنف والإرهاب: بداية تحاول الكاتبة استعراض مسار جماعات العنف في المنطقة لتفسر كيفية قيام ثورة الطوارق الرابعة 2012 وتفسر قوتها، فحددت جماعات العنف والجهاد بأنها التي تحمل السلاح والجماعات الجهادية التي تتخذ من الجهاد شعارًا لها، وأحيانًا تدمجهم الكاتبة تحت مفهوم “الإرهاب” دون تحديده ودون تحديده أسباب إطلاق عليهم لفظ “إرهاب”.

فتذكر الكاتبة أربع جماعات رئيسية في الأحداث في مالي: أ) تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، والذي نشأ من رحم الجماعات الإسلامية في الجزائر أثناء الحرب الأهلية في التسعينات، وهو يتخذ من نطاق الساحل الصحراوي مقرًا له، فيما يتداخل مع حدود الدول الخمس السابق ذكرها التي يتواجد بها الطوارق. ب)حركة أنصار الدين وهي حركة سلفية جهادية من بين الطوارق تأسست في 2011 نتيجة للانفلات الأمني الذي صاحب مقتل القذافي ومع تفكك الكتيبة الخضراء من الطوارق في ليبيا، ويقودها إياد أخ غالي. ج)حركة التوحيد السلفية، وهي حركة سلفية جهادية من بين العرب القاطنين في المنطقة، وهي حركة منشقة عن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي أعلنت عن نفسها أيضا في 2011. وكل من الحركات السابقة تتقاسم العمل في منطقة الساحل والشريط الحدودي بين ليبيا- الجزائر- مالي- النيجر- مورتيانيا، وقد ثبتت تلك الجماعات أقدامها مع الانفلات الأمني في ليبيا 2011. د) الحركة الوطنية لتحرير أزاود وهي حركة علمانية وقد أعلنت عن نفسها في 2010، وكل من الأربع حركات ساهمت في انفصال إقليم أزاود في 2012.

2- حكومات مالي: ترى الكاتبة أن من أحد أسباب انتشار العنف في المنطقة، سياسات الحكومات في مالي؛ حيث فشلت الحكومات المتعاقبة في تحقيق الاندماج الوطني بين الإثنيات المختلفة خاصة الطوارق، وفشلت في التنمية التي تتطلبها مناطق مالي المختلفة، وفشلت أيضًا في تحقيق الديمقراطية والأمن حيث تعاقبت على مالي عدة انقلابات عسكرية آخرها الذي نفذه قائد في الجيش “أمادو سانوغو” مارس 2012؛ مما مهد البيئة أمام المحاولة الانفصالية من نفس العام.

3- التدخل الخارجي: وينقسم هذا التدخل إلى مستويين؛ الأول تدخل دول الجوار سواء كان من قبل الجزائر و النيجر ودورهما في تأجيج الصراع في مالي (خاصة مع التدخل الفرنسي وقبوله وتمهيد الطريق لاستمراره)، المستوى الثاني هو: التدخل الخارجي، وهو بالأساس من قبل فرنسا والولايات المتحدة، فمنطقة الساحل كانت منطقة خاضعة للنفوذ الفرنسي نتيجة للإرث الاستعماري. وفي عام 2012 قررت فرنسا أن تتدخل عسكريًا في مالي لمنع استمرار انفصال إقليم أزواد وقد نجحت في ذلك يناير 2013، وذلك من أجل أن تعيد الوجود العسكري في مالي دفاعًا عن المصالح الفرنسية في الغرب الأفريقي. أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية فلديها هي الأخري أطماع في منطقة الساحل مما حدا بها إلى محاولة إقامة مقر أفريكوم (القيادة العسكرية في أفريقيا) في دول الساحل، ولكن الأخيرة رفضت مما دعي الولايات المتحدة إلى تأييد التدخل الفرنسي الأخير في مالي. وترى الكاتبة أن التدخل الفرنسي والموافقة العالمية تم تحت ما يعرف بالحرب العالمية على الإرهاب مع اتهام الحركات الإسلامية في منطقة الساحل بالإرهاب تنفيذًا لرؤية الولايات المتحدة الأمريكية.

تحاول الكاتبة نقل السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي لأحداث مالي 2012 لتضع ذلك في سياقه العالمي من ترحيب بلتدخل الفرنسي نتيجة لمزاعم الحرب على الإرهاب؛ لرؤية أفضل لما يمكن أن نسميه إشكالية العنف في دول الساحل والصحراء؛ وأن العنف دائما له أسباب عدة ومختلفة وليست جماعات العنف فقط ، وأن العنف من الناس يأتي في معظمه في إطار رد الفعل، وأن المسئول الأساس عن أحداث العنف عادة ما تكون الحكومات، ونتيجة لأشكال التدخل الخارجي سواء من قبل دول الجوار أو من قبل القوى العالمية التي تحاول فرض أجندتها على المناطق المختلفة.

ثانيًا- نيجيريا[4]:

وكما في حالة مالي، تشرح الكاتبة تاريخ نيجيريا منذ بداية احتكاك المنطقة بالإسلام في محاولة للتأكيد على رسوخ الإسلام لدى سكان المنطقة، لتحاول شرح السياق الإقليمي بذكر أهم الحركات المتواجدة، ومنها-كما سبق الذكر- حركة أزواد في مالي، وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، بالإضافة إلى العديد من جماعات العنف في النيجر؛ لتوضح الكاتبة حالة الاضطراب في الإقليم والتي من تبعاتها –حسب نظرية الدومينو- ظهور جماعات عنف أخرى في باقي دول الإقليم.

وتركز الكاتبة في حالة نيجيريا على جماعة بوكو حرام وترجمتها الحرفية: (التعليم الغربي حرام) باعتبارها المصدر الأساسي للعنف، هذا من جانب، ومن جانب آخر نتيجة لأثر عمليات الجماعة على المستوى الإقليمي والدولي.

وتبدأ الكاتبة بسرد تاريخ الحركة منذ إنشائها عام 2002 شمال نيجيريا على يد أحد القيادات الدينية “محمد يوسف”؛ لكن الوجود الفعلي للحركة كان في 2004 بعدما انتقلت إلى ولاية بوني على الحدود مع النيجر. ظهرت الجماعة على الساحة الدولية كجماعة عنف في 2007 مع اغتيالها أحد القيادات الدينية في نيجيريا “محمود آدم” لانتقاده منهج الجماعة المتشدد، ثم دخلت الجماعة في صدامات عنيفة مع السلطات النيجيرية في 2009 مما أدى إلى مقتل “محمد يوسف” وهرب من بقي من الجماعة بعد تضييق الحصار من الحكومة وعمليات القتل والاعتقال إلى الدول المجاورة؛ مما أتاح الفرصة للجماعة للتعاون والاختلاط بجماعات العنف في الدول الأخرى مع التنسيق والتشبيك فيما بينهم.

وفي نفس العام 2009 تولى قيادة الجماعة “أبو بكر شيكاو” وأعلنت الجماعة تبعيتها لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، مما أدى إلى اتساع نطاق عملياتها في الأعوام التالية، أما العملية التي جعلت الجماعة محل الحديث على الساحة الدولية السياسية والعامة فهي عملية خطف 223 طالبة من المدارس في عام 2014، و خاصة حين أعلنت الجماعة عن نيتها في معاملة هؤلاء الفتيات كسبايا، إلا إذا أفرجت الحكمة عن معتقلي الجماعة لديها. وأدت تلك العملية إلى عقد جلسة خاصة في مجلس الأمن ونتج عنها وضع الجماعة على القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية.

وعلى مدار الأعوام الخمسة من 2010 حتى 2014 اتبعت الجماعة تكيكك حرب الشوارع، ليزداد الأثر الناتج من عملياتها مع تقليل خسائرها إلى أقل حد ممكن، وقد حاولت الحكومة مرارًا قتل قائد الجماعة “أبو بكر شيكاو” إلا أنها لم تفلح في ذلك.

ومع بداية 2015 أعلنت السلطات النيجيرية عن تحالف من دول ساحل والصحراء لمحاربة جماعة بوكو حرام، وضم ذلك التحالف -بالإضافة إلى نيجيريا- كل من تشاد والنيجر والكاميرون وذلك نتيجة لاتساع نطاق عمليات الجماعة لتلك الدول.

تختتم الكاتبة الجزء الخاص بنيجيريا بتوضيح حالة التنافس الأجنبي على منطقة غرب أفريقيا، كجزء من تكالب جديد على المنطقة من القوى الكبرى كفرنسا والولايات المتحدة في مقابل الصين تحت غطاء حرب على الإرهاب تقودها الولايات المتحدة منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكن الواقع في الإقليم حسب الكاتبة: “إن المشاكل الاقتصادية والصراعات العرقية الإثنية، وكذلك الصراعات المسلحة بين الدول بعضها ببعض؛ نظرًا للخلافات التي خلفها الاستعمار في القارة تساعد في انتشار العنف المسلح الذي تستغله التيارات السياسية والدينية من أجل إيجاد مكان لها. فنماذج القاعدة وبوكوحرام قابلة للانتشار والتصاعد مادام هناك الفقر والبطالة وعدم وجود عدالة في التوزيع، إضافة إلى الانتهاكات الصارخة التي تقوم بها الحكومات الأفريقية تجاه مواطنيها ومعارضيها[5]”.

وتختتم الكاتبة الكتاب بتساؤل حول دور الإعلام العالمي في تجريم الجماعات في غرب أفريقيا على أساس أنها جماعات إرهابية دون الاعتبار بالسياقات المحلية والإقليمية والدولية التي أفرزت تلك الجماعات، وأن تلك الجماعات كانت كردَّ فعل على تلك السياقات، وأن الحرب ضدها واستخدام العنف المسلح في محاربتها ليس الحل الأمثل لمعالجة الإشكاليات التي أنتجت تلك الجماعات، فالإعلام الغربي -حسب رؤية الكاتبة- يجرّم تلك الجماعات باعتبارها ” ظواهر تخلف شعبي وظواهر فكر إسلامي”[6].

ينطلق الكتاب من إطار تفسيري واحد لظاهرة جماعات العنف في الغرب الأفريقي، خاصة من تحمل مرجعية إسلامية ألا وهي: نفي الأطروحة القائلة أن العنف والإرهاب مرتبط بالتطرف الأيديولوجي للإسلاميين، وأن ذلك العنف مرتبط بشكل اساسي بالسياقات الداخلية والإقليمية والدولية كما أسهبت الكاتبة ووضحت في ثنايا كتابها، حيث ركزت في سياقها الداخلي على عنف الدول تجاه مواطنيها وأن تلك الجماعات ظهرت كرد فعل تجاه ذلك العنف، بالإضافة إلى إشكاليات الدول الأفريقية في تلك المنطقة من تعاقب الانقلابات العسكرية؛ مما يؤدي بالتبعية لعدم استقرار الدول والمنطقة بشكل عام، مع أزمة التنمية المتجذرة منذ الاستقلال وفشل تلك الدول في تحقيق تنمية مستدامة حقيقية يتبعها عدالة في توزيع الثورات على مختلف مناطق تلك الدول؛ حيث من المعتاد في تلك الدول أن يكون الرئيس يتبع جماعة إثنية ما؛ مما يجعله يوجه موارد الدولة إلى تنمية المنطقة التي تعيش فيها جماعته الإثنية دون النظر إلى باقي الإثنيات.

أما من الجانب الإقليمي فركزت بشكل أساسي على نظرية الدومينو بأنه إذا ظهرت جماعة عنف تحمل مرجعية إسلامية سيتبعها جماعات عنف أخرى، نتيجة لسيولة الحدود الأفريقية وعدم سيطرة الدول القومية عليها نتيجة للتقسيم الاستعماري للمنطقة مما يسهل الحركة أمام الجماعات للانتقال فيما بين الدول المختلفة في نطاق ساحل الصحراء؛ بالإضافة إلى تدخل دول الجوار في إذكاء الصراع في دول أخرى أو محاولة السيطرة على جماعة إثنية في الدول الأخرى حتى لا تظهر النزعات الاستقلالية لنفس الجماعة في دول الجوار، مما يخلق حالة من الصراع الإقليمي بين دول الساحل أكثر من حالات التعاون ينتج عنه حاله من الاضطراب تسود كل الإقليم.

أما فيما يتعلق بالسياق العالمي، فهو متداخل ومعقد؛ فمن جانبٍ هناك الدول التي لها إرث استعماري في المنطقة وتتبعها بعض دول الإقليم؛ كفرنسا التي تحاول الحفاظ على ذلك الإرث وتلك التبعية؛ مما يجعها تتدخل في دول الإقليم بإقامة المزيد من القواعد العسكرية أو التدخل العسكري كما في حالة مالي، وهناك دول تطمع للمزيد من النفوذ في المنطقة التابعة لفرنسا من أجل المصالح الاقتصادية فقط لا غير مما يتبعها التدخل في شئون تلك الدول كالصين، أو الدولة الكبرى التي تحارب الإرهاب في العالم وترى أن من حقها الشرعي محاربة ما تطلق علية الإرهاب الإسلامي في كل العالم كالولايات المتحدة، والصراع الناتج عن تضارب مصالح تلك الدول الثلاث بالإضافة إلى تدخل منظمات إقليمية أو دولية أو دول أخرى في المنطقة نتيجة لمصالحهم المختلفة.

وفي الختام، فرؤية السياقات التي تؤدي إلى ظهور جماعة عنف -سواء كانت ذات مرجعية دينية أم لا- هو الأساس في فهم تلك الجماعات، ثم يتبع ذلك رؤية المرجعية القائمة؛ عليها لأنها توضح مسار الجماعة وفهم أوضح لعملياتها؛ أما اقتصار دراسة جماعات العنف على جزء واحد من الجزءين السابقين فتلك رؤية قاصرة لا ينتج عنها رؤية استراتيجية للجماعة أو لكيفية التعامل معها.

****

الهوامش:

[*] باحثة في مركز الحضارة للدراسات والبحوث

[1] عايدة العزب موسي، “جذور العنف في الغرب الأفريقي: حالتا مالى ونيجيريا”، (القاهرة: دار البشير للثقافة والعلوم، 2015).

[2] المرجع السابق، ص 5-12.

[3] المرجع السابق، ص 15-78.

[4] المرجع السابق، ص 81 -140.

[5] المرجع السابق ص 132.

[6] المرجع السابق، ص 142.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق