المنطقة العربية

ما قبل القرار الأمريكي: العرب وإسرائيل والقدس

في الظروف التاريخية التي نحن فيها لم تعد هناك ثوابت، حتى التكوين القُطري لكل الدول العربية لم يعد قائمًا بهذا الشكل وأصبحت صورته مهزوزة ومضطربة، انظر مثلا إلى العراق وما يحدث فيها، انظروا إلى سوريا وما يحدث فيها، ولبنان وما يمكن أن يحدث فيها، اليمن وما يحدث فيها، مصر وما يحدث فيها، وما يحدث في ليبيا، كل صور التكوين القطري أصبحت مهزوزة مضطربة. ولا ندري علامَ سينتهي ذلك وإلامَ سيصل؟ بمعنى أنه ليست هناك قوة قادرة على أن تتوقع ما سيكون عليه هذا الأمر مستقبلًا، ولكن معرفتنا يجب أن تتعلَّق بما يجري ومواطن الخلل والتأثير فيها وما يجب أن نفعله.
فهناك خلل، ويجب أن نعترف، ولكن هناك فرصة أيضًا، فحين يُقال في أمريكا إن هناك ما يسمى بالفوضى الخلاقة، فقد تكون فوضى خلاقة لنا وليست لهم، إذا استطعنا أن نضع معيارًا ومنظورًا معينًا ونجمع عليه الناس للخروج من تلك الفوضى باتجاه مصالحنا. كيف يكون هذا؟ سنتكلم في هذا الموضوع من الناحية التاريخية والسياسية.
إذا كنت قد ذكرت سابقًا العراق وسوريا وليبيا واليمن وفلسطين وما يحدث هناك، فمصر أيضًا نرى ما يحدث فيها ويتم بطريقتها الخاصة، وهي طريقة سلمية ومشروعة أو مشرَّعة، أي يحدث الأمر فيها بقرار رسمي وينفَّذ القرار بطريقة سلمية وهادئة، حتى القتل يحدث فيها بطريقة سلمية ويمكن أن يُسَمَّى بالقتل السلمي! وهذا هو أسلوبها دائمًا في العمل.
أول سؤال نسأله -ونحن نضع صورة الأقطار العربية وهي مهزوزة وممزَّقة أو بها مهازل بهذا الشكل تحدث فيها- هو: ما هو القُطر؟
أولًا- نشأة الأقطار والدول:
كانت كلمة قُطر تعني مجرد إقليم، وهذه الأقطار التي نشأت عندنا وهي مهزوزة الآن في تكوينها نشأت باتفاقية سايكس-بيكو كما نعرف، أو بعبارة أدق: نشأت بسياسة أوروبية اسمها “سياسة الرجل المريض” على الدولة العثمانية، ولكي نرى كيف كانت الصورة بهذا الشكل وقتها، فلنتذكَّر أن الغزوات أو الأطماع الأوروبية في هذه المنطقة قديمة منذ أيام الحروب الصليبية.
وفي تقديري، فإنه مهما قيل عن الدولة العثمانية، فإن الدولة العثمانية استطاعت أن تُوقف تاريخيًّا استمرار هذه الأطماع في الفترة من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر الميلادي، وهذه وظيفة تاريخية مهمَّة جدًّا لابد أن نقدِّرها للدولة العثمانية. فدائمًا ما كان يأتينا الغزو -ما عدا الغزو التتري- من الغرب من قَبل الدولة العثمانية. فقامت الدولة العثمانية في بداية 1300م، وهي الدولة الوحيدة بالمنطقة التي أصرَّت على أن تبني وجودَها على حساب الغرب وليس الشرق، فبدأت تأخذ من شرق الأناضول إلى أن وصلت إلى القسطنطينية 1453م، وبعد ذلك وصلت إلى مشارف فيينا. وكانت الدولة العثمانية هي التي استطاعت فعلًا أن تحوِّل الموقف الدفاعي الإسلامي والمشرقي إلى موقف هجومي في هذا الوقت، لكن المهم أن وجودها حفظ هذا الحائط الكبير الذي كنت أسمِّيه «سور الإسلام العظيم»، وهو الدولة العثمانية مع الشام ومصر والحجاز، هذا هو خط «سور الإسلام العظيم» الذي كان دائمًا يَصُدُّ لمدة ثلاثة قرون، فكانت أوروبا وهي تنمو لا تستطيع أن تخترقه.
في القرن التاسع عشر بدأت سياسة الرجل المريض، بمعنى أن الدولة العثمانية ضعفت بعد 400 سنة، وبدأت أوروبا تظهر في شكل إنجلترا وفرنسا وروسيا. كانت هذه هي البلاد الكبرى في القرن التاسع عشر وبدأت كل أطماعها تتعلق بالشرق.
فأطماع روسيا بدأت مع وصايا بطرس الأكبر من سنة 1725م بأن “انزلوا إلى المياه الدافئة” وقد مات بطرس على ذلك العهد، والمياه الدافئة هي إيران وفارس والدولة العثمانية. وطمعت إنجلترا لأنها كانت محتلةً للهند وتحتاج إلى أن تؤمن لنفسها الطريق البحري والبري إلى هناك. وفرنسا كانت محتلةً للمغرب العربيِّ. ومن ثمَّ ففكرة الرجل المريض هي إبقاؤه حيًّا حتى لا تكون وفاته سببًا لأن تثور بينهم حرب في الخلاف على إرثه بين هذه الدول الثلاث الكبرى، فكان المتفَّق عليه أن تقطع تلك الدول ما تقطع من الرجل المريض وهو حي وتأخذ من أشلائه إلى أن تحين وفاته. وهذا ما حدث بالفعل، فأخذت فرنسا الجزائر سنة 1830م وتونس سنة 1881م والمغرب سنة 1912م، وأخذت انجلترا مصر سنة 1882م، والسودان سنة 1899م، وأكلت روسيا من شمال الدولة العثمانية ما أكلت، وبعد ذلك قامت الحرب العالمية الأولى 1914م.
كان السلطان عبد الحميد من القيادات الوطنية المحترمة والمظلومة أيضًا في تاريخنا ، لأنه ورث دولة ضعيفة، لكنه فهِم أنهم إن كانوا يطمعون فيه، فطمعهم فرصة لإيقاع الخلاف بينهم ولأن يحاربوا بعضهم بعضًا، فكان يثير المطامع بينهم ويثير التناقضات التي تجعلهم يحاربون بعضهم بعضًا دون أن يمسُّوه، ولذلك أنشأ طريق BBB (برلين-بيزنطة-بغداد)، وهو طريق سكك حديدية، اعتمد فيه على ألمانيا لأنها كانت في بداية نشأتها ولم تكن قد توحَّدت، ومن ثم كانت لا تهدِّده في شيء.
خاف الإنجليز على طريقهم البري للهند، وكان ذلك الخوف من ضمن أسباب قيام الحرب العالمية الأولى، ولكن للأسف عندما قامت الحرب كانوا قد عزلوا السلطان عبد الحميد في تركيا، وقام حزب خائن يسمى حزب “الاتحاد والترقي” بتولِّي الحكم ودخل الحرب، وقال السلطان عبد الحميد في مذكراته إنه ظل 30 عامًا يعمل على أن يثير الخلاف بينهم وبين بعضهم البعض حتى يتحاربوا ويخرج هو منهم سالمـًا غانمًا، ولكن أن يدخل الحرب معهم فهذا كان يعني أن الدولة العثمانية قد انتهت.
عندما دخلت أوروبا الحرب كان ما تخشى عليه من أن تحارب بعضها بعضًا على إرث الدولة العثمانية قد انتهى، فقد دخلت الحرب فعلًا ودخل الحلفاء مع بعضهم (روسيا وإنجلترا وفرنسا) ضد ألمانيا والدولة العثمانية، وفي ذلك الوقت قالوا لابد أن نرث بقية الرجل المريض، وعقدوا سايكس-بيكو سنة 1916م فأخذت فرنسا شمال الشام وقسَّمته إلى خمس دويلات في سوريا ولبنان، وأخذت إنجلترا فلسطين والأردن والعراق، أي الطريق البري الذي يقرِّبها من الهند، بالإضافة إلى أن فلسطين مهمَّة جدًا بالنسبة لمصر، وكانت إنجلترا قد احتلَّت مصر بالفعل، والذي يحتل مصر ضروريٌّ جدًّا له أن يسيطر على فلسطين.
بعد هذا الظرف ظهر وعد بلفور 1917م. كان أمام اليهود لبناء دولة يهودية قبرص وأوغندا والأرجنتين وسيناء وفلسطين. وكانت الحكومة الروسية عملت لهم تكوينًا معينًا ليقيموا دولة داخل الاتحاد السوفيتي ولم يقتنعوا به. لكن لماذا فلسطين؟
أوغندا رُفِضت لأجل مياه النيل، وسيناء كانت داخل مصر ورفض كرومر أن تكون دولة لليهود داخل مصر. كانت فلسطين هي الأكثر إغراء لليهود ليتجمَّعوا بها باعتبار أنها أرض لها تاريخ عندهم.
لكن ما هي فلسطين بالنسبة لمصر، وما هي أرض الشام بالنسبة لمصر؟
أتذكر موضوع داود بركات رئيس تحرير الأهرام منذ 1899م، له كتاب “بالسلاح وبالماء تستعمر مصر”، ويعني أن مصر تُستعمر من خارجها أكثر مما تستعمر من داخلها، ولذلك عندما تنظر إلى مصر نجد أن المعارك التي حدثت في داخلها لاحتلالها قليلة، والمعارك التي حدثت لاحتلالها كانت خارجها، وكانت دائمًا تأتي من أرض الشام. صلاح الدين الأيوبي كانت معاركه ضد الصليبيين في الشام. المظفر قطز كانت معاركه ضد التتار في الشام. سليم الأول أخذ الشام سنة 1516م وأخذ مصر سنة 1517م. علي بك الكبير عندما استقلَّ بمصر تحرَّك إلى الشام. محمد علي عندما احتلَّ مصر تحرَّك إلى الشام. والإنجليز عندما احتلوا مصر احتلوها عن طريق التل الكبير وليس الغرب، لم يستطيعوا الدخول عبر الإسكندرية فدخلوا عبر التل الكبير. لقد كانت الحدود الشرقية هي مصدر الاحتلال دائمًا.
الفرنسيون دخلوا الغرب أول ما دخل نابليون ذهب إلى عكا فهزمته عكا، واستعماره في مصر لم يستمر أكثر من ثلاث سنوات. والإنجليز عندما احتلوا مصر وضعوا سايكس-بيكو وأخذوا المنطقة، وبعدها جاء وعد بلفور فكانت أعينهم على هذه المنطقة، وليس فقط لتأمين الطريق المؤدي للهند، ولكن كان في ذهنهم: مصر.
الإنجليز أثناء الحرب العالمية الثانية أنشؤوا مركز تمويل الشرق الأوسط، وكان لهم سهم في إنشاء جامعة الدول العربية وقتها، وشجعوا الدول العربية على إقامتها ليكون لهم دور في هذا الإطار مع وجودهم في مصر.
أنا هنا لا أتكلم عسكريًّا، وكيف حدثت تلك الوقائع، ولكن كل فكرتي جاءت من الاستقراء التاريخي. فعندما أجد أن كل هذه الحروب أثرت في مصر بالاحتلال أو بتغيير حكوماتها، وللشام أثر فيها.. إذن بالتأكيد هناك علاقة، فمن يحكم مصر لا يطمئن على حكمه إلا إذا كان مؤمَّنًا من ناحية الشام. لا يمكنني أن أقول ذلك بمنطق عسكري، لأنني لا أعرفه، ولكن بمنطق الاستقراء التاريخي بالأمثلة السابقة التي تؤكِّد هذا.
إذن فعلينا أن نعتبر أن مصر قد احتُلَّت بإسرائيل، ومصر هنا لابد أن نعترف أنها عندما تُحتَل فمن الممكن أن تُحتل من خارج أراضيها، وفكرة داود بركات لابد أن نضعها أمامنا بشكل قوي، فاحتلال مصر إما أن يكون بأرض الشام، أو عن طريق التحكم في مياه النيل. فمصر من البلاد التي تُحتل من خارج أراضيها، وعندما تحتل من خارج أراضيها تصبح مصر مُحتلة عسكريًّا، لابد أن نضع هذه المسألة في ذهننا. فلا يكفي أن نُخرج الإنجليز من قناة السويس لكي نقول إن مصر مستقلة، هذا غير صحيح.
ما هو الاحتلال إذن؟
الاحتلال في ظني -والذي أقصده- هو السيطرة على الإرادة السياسية، ليس فقط التأثير في الإرادة السياسية ولا الضغط عليها، فالتأثير على الإرادة السياسية والضغط عليها يمكن أن ينشأ عن طريق ضغوط اقتصادية أو عن طريق الحلفاء أو عن طريق مسائل معينة من هذا النوع، لكن ذلك لا يبلغ مرتبة الاحتلال، لأن الاحتلال هو السيطرة على الإرادة الوطنية لتوجيهها توجيهًا ليس في صالح شعب هذا الوطن، ولكن في صالح القوة الخارجية. وعندما أقول إن مصر محتلَّة بهذا الشكل، فإنما أقصد بهذا المعنى.
ما الذي يثبت أن مصر محتلة؟
حرب 1948م دخلتها مصر مع سوريا والأردن وهُزِموا فيها، وحرب 1956م دخلتها مصر وهُزِمت عسكريًّا وانتصرت سياسيًّا، أو لعلنا من الأفضل أن نقول إن انتصار مصر كان سياسيًّا ولم يكن عسكريًّا ولا نقول إن مصر هُزمت في 1956م، فقد استطاعت أن تُخرج اليهود والإنجليز والفرنسيين بضغوط سياسية داخلية من خلال حكم وطني، وضغوط خارجية عن طريق التوازنات الدولية التي كانت موجودة وقتها بين الاتحاد السوفيتي وبين الغرب، فانتصارها كان سياسيًّا وليس عسكريًّا.
وحرب 1967م مازلنا نعيش بآثار هزيمتها حتى الآن، وحرب 1973م وقعت وانتصرنا عسكريًّا ولكن سياسيًّا اعترفنا بإسرائيل وأصبح لها ضغوط علينا في سيناء على عكس حرب 1956م.
وبعدها حرب اجتياح لبنان 1982م، وحرب لبنان 2006م، وقبلها ثورة فلسطين 1987م، وثورة فلسطين 2000م، نجد ثماني حروب في نحو 50 أو 60 سنة، وإذا أضفنا إليها حرب العراق وإيران 1980-1988م، ثم أفغانستان وأمريكا سنة 2001م، وحرب العراق وأمريكا سنة 2003م، وحروب سنة 2011م وما بعدها.. نجد أكثر من 12 حربًا قامت في منطقة واحدة في أقل من 60 سنة.
لم يعرف العالم ولا التاريخ مثل هذا الوضع، ولكننا منه نعرف أنه احتلال لأرضنا، واحتلال عسكري بالتحديد.
إذن ما علاقتنا بفلسطين؟
علاقة الشعب المصري بشعب فلسطين في حركته السياسية الممتدَّة في التاريخ المعاصر -وأقصد بالتاريخ المعاصر من القرنين التاسع عشر والعشرين- بدأت في تقديري بحائط البراق سنة 1929م عندما حدث نزاع بين المسلمين واليهود حول حائط البراق (ويسميه اليهود حائط المبكى)، مَنْ يستحوذ عليه ويسيطر على منطقة حائط البراق؟ فبدأت تتحرَّك مصر وشعبها في هذه المسألة.
بدأ نوع من أنواع الالتفات الشديد جدًّا، إذ كان تفكيرنا مقصورًا من قبل على الاحتلال الإنجليزي وإخراجه من مصر، وبعدها جاءت مصادمات حائط البراق فانتبه الشعب المصري وبدأ ينظر إلى مصر العربية، وبدأت تظهر فكرة العروبة بشكل واضح، وظهر ذلك في الحزب الوطني القديم من خلفاء مصطفى كامل ومحمد فريد، لأنه كان له توجُّه وطني إسلامي إلى حد ما.
وبعدها حدثت ثورة فلسطين الكبرى سنة 1936م ضدَّ الصهاينة، كان مصطفى النحاس -زعيم الوفد المصري- قائد الحركة الوطنية المصرية في هذا الوقت وزعيم أكبر حزب ينادي بالوطنية المصرية واستقلال مصر عن الإنجليز، وكان تفكير الوفد حتى ذلك الوقت قطريًّا إلى حدٍّ ما، فقال النحاس بأننا لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ما يجري عند حدودنا الشمالية الشرقية، يقصد: فلسطين. وبدأ الوفد ينتبه إلى أهمية فلسطين بالنسبة للحركة الوطنية المصرية في هذا الوقت، وبدأت تدخل هذه الحركة في تكوين الوعي المصري المتكامل فأيقظها، وبدأت تنمو بشكل ما من سنه 1936م وما بعدها.
بعدما انتهت الحرب العالمية الثانية وبدأت مصر تطالب بجلاء الإنجليز، كانت أول مظاهرة عامَّة تشمل مصر كلها يوم 2 نوفمبر 1945م، أي ذكرى وعد بلفور، وقامت المظاهرات لتملأ مصر والتفت الناس كلهم بشكل قاطع لهذا الأمر، ونجد ذلك في الجرائد القديمة بدار الكتب، (عندما كنت شابًّا كنت بعد قراءة الكتب التاريخية لفترة معينة أنظر في جرائد الفترة نفسها فهي توضح كيف كانوا يفكرون يومًا بيوم، فالمؤرخ ينظر نظرة عامة لكن الجرائد تعطيك نظرة تفصيلية يومية من داخل الحدث وليس من خارجه)، لذلك فاجأني يوم 2 نوفمبر 1945م، لأن المؤرِّخين لم يكتبوا عنه جيِّدًا في كتب التاريخ، لكن كانت جميع الصحف قد كتبت عنه.
منذ الخمسينيات وبعد خروج الإنجليز من مصر، صار جوهر القضية المصرية الوطنية هو: فلسطين، لأن احتلال فلسطين أصبح هو الاحتلال القائم بعد أن انتهى الاحتلال الإنجليزي من قناة السويس، ولذلك عندما جاء السادات واعترف بإسرائيل ووقَّع اتفاقية كامب ديفيد التي تذكرني باتفاقية 1936م لحزب الوفد، وهي اتفاقية اعترف الوفد فيها بوجود الإنجليز في مصر، وبعدها بأربع سنوات بدأ الوفد بالتراجع وقال إنها لا تلزمنا ونعيد النظر فيها، لأن الاتفاقية مع المستعمر -وهو مستعمر- لا تلزمنا ولا يجب أن ننظر إليها. ولذلك فمعاهدة كامب ديفيد لا تزيد في قيمتها عن اتفاقية 1936م لحزب الوفد. وعندما ألغى النحاس باشا اتفاقية 1936م في أكتوبر 1951م قال: “من أجل مصر وقعت اتفاقية 36 ومن أجلها أطالبكم الآن بإلغاء اتفاقية 36″، قال ذلك بمجلس النواب.
علاقتنا بإسرائيل أساسها أن مصر احتُلَّت من قبل إسرائيل، والاحتلال هو السيطرة على الإرادة السياسية من خارج الوطن وليس مجرد الضغوط السياسية. فماذا نصنع في مواجهة الاحتلال؟ ليس عندي إجابة عن هذا السؤال لكن أطرحه عليكم، لنتكلم فيه وهو سؤال يجب أن ننظر إليه. ما الذي جعلنا في موضع احتلال بهذا الشكل؟
إسرائيل قوة احتلال تتميَّز عن القوى الأخرى بشيء مهم، لأن الاحتلال الآخر هو احتلال عسكري يفرض إرادته، ويسيطر على الإرادة الوطنية باحتلاله العسكري، أما هذا الوضع فليس احتلالا عسكريًّا محضًا، وإنما هو احتلال عسكري وشعبي أيضًا، فهناك شعب يقيم بالدولة ويطرد الفلسطينيين، وبذلك أصبح هناك عنصر آخر في الموضوع.
ولذلك فإن أول نتيجة لذلك كانت نتيجة غريبة جدًّا، عندما جاؤوا في حرب 1948م ماذا فعلنا؟ عندما نحارب الإنجليز مثلًا أو أية قوة وطنية تحارب مستعمرًا أجنبيًّا، ماذا تفعل؟ المستعمر الأجنبي له جيش نظامي وبجيشه النظامي يسيطر على البلد ويستطيع أن يغير كلَّ أحوالها، وبقواه السياسية يستطيع أن يعتقل وينفي ويفعل كل شيء، وأنا لا أملك نفس قدراته العسكرية فماذا أفعل؟ هناك طريقتان نجحتا في العالم كله، هما طريقة غاندي وطريقة ماو تسي تونغ.
الطريقة الأولى (طريقة غاندي والمقاومة السلمية): في الصحف المصرية القديمة يقال إن ثورة 1919م أخذ منها غاندي فكرة المقاومة السلبية، لأنه قال إن المحتل يريد باحتلاله لك أن يسيطر عليك لمغانم يحصل عليها، فعليك بالمقاومة السلبية وبالإحجام عن التعاون وبالمقاطعة فبذلك تستطيع أن تفقده إمكانية أن يحصل على هذه المغانم، هذا ما فعله غاندي. وهذا ما فعلناه في ثورة 1919م فكان شعار الثورة: عدم التعاون مع الإنجليز، وفكرة عدم التعاون هي إفقاده القدرة على الاستفادة من بقائه عندك، وقد قامت في الهند ونجحت.
الطريقة الثانية التي نجحت أيضًا هي حرب العصابات: جيش منظم يكلف الكثير جدًّا يحاربك وله قدرات، وأنت تحاربه بطريقة حرب العصابات. شرحها ماو تسي تونغ في إحدى كتاباته: “إذا تقدم العدو تقهقر، وإذا توقف ناوشه، وإذا استقر اهجم عليه، وإذا التفت إليك ليضربك اهرب، ولا تدخل في معركة حاسمة أبدًا”. تصبح تكلفته الحربية بهذا الشكل مكلفة جدًا، ولا يصل إلى شيء وأنت طول النفس عندك قوي.
وبذلك فإن اتباع هذه الطرق يجعلك قادرًا على محاربة جيش نظامي أقوى منك: إما مقاومة سلبية أو حرب عصابات. وهذه نجحت في الهند والأخرى في الصين. ونجحت الطريقتان على مستويات عالمية وبلاد كثيرة حدثت معها.
ماذا فعلنا نحن سنة 1948؟
دائمًا الجيش النظامي الأجنبي أقوى منك، فتحاربه حرب عصابات، لكن ما حدث هنا هو أن الاحتلال الإسرائيلي كان احتلالا عسكريًّا وشعبيًّا في نفس الوقت، لأنه كان معهم مهاجرون يهود من بلاد مختلفة. فدخلنا نحن بجيوش نظامية ضعيفة وهم دخلوا بحرب عصابات، ولذلك نجحوا وانتهت الحرب بما هو معروف، عكس ما كان من الممكن أن يحدث. ولذلك نحن هنا نقابل حالة مختلفة وهي حرب عصابات يقابلها حرب عصابات دون وجود جيوش نظامية، وذلك ما انتهت إليه إسرائيل وبدأت تعمل على أساسه.
بدأ عبد الناصر في بداية 1948م ينتبه لهذه المسألة، وبدأ عن طريق غزة يعمل على أسلوب حرب العصابات في إسرائيل، فكانوا يضربون الجيش المصري ليحولوها إلى حرب نظامية ووراءهم أمريكا والغرب. وحاولت سوريا أن تفعل ذلك وتشجع حرب العصابات ولكن كانوا يضربونها ليحولوها إلى حرب نظامية فتراجعت. بدأ الفلسطينيون في الأردن كذلك يضربون بطريقة حرب العصابات، فقام الملك حسين بضرب الفلسطينيين لكي يؤمِّن نفسه من ناحية اليهود. ومن المعروف أنه كان من عملاء CIA ومن أقطابهم، فالمسألة هي مسألة كيف تستخدم هذا السلاح.
لكي نعرف ما حدث في حرب 1948م يجب أن نلاحظ أن الفلسطينيين في فلسطين قبل الحرب استطاعوا أن يحافظوا على 80٪ من أرض الوطن، وبعد دخول الجيوش النظامية العربية تركوا فلسطين وأصبح 78٪ من الأرض تابعة لإسرائيل و22٪ تابعة للعرب في ذلك الوقت.
يبين ذلك أن أسلوب الحرب النظامية في ذلك الوقت لم يكن صالحًا، ويوصلنا ذلك لنقطة أخرى مهمة وهي: أن جيوشنا لا تستطيع أن تحارب الدول الكبرى، فتلجأ إلى حرب العصابات. لقد استطاع اليهود أن يُهجِّروا من فلسطين 800 ألف فلسطيني بطريقة حرب العصابات، وكان عدد الفلسطينيين أصلًا مليون و300 ألف فلسطيني.
تثور في هذا الشأن مسألة ما العمل؟ كيف تواجه الاحتلال العسكري في مثل هذه الحالة؟
فالأسلوب الذي اتُّبع من قبْل في الهند لا يصلح بالنسبة لإسرائيل وأسلوب حرب العصابات لا يصلح. لم تعد الدول العربية تستطيع الآن بعد اتفاقية سايكس-بيكو أن تحارب إسرائيل، فالجيش الإسرائيلي نظامي ومُعَدُّ إعدادًا أقوى من جيوشنا، لأنه مفتوح له كل إمكانيات الغرب في هذا الشأن، بالإضافة إلى السلاح النووي. وأصبح الوجود القُطري لبلادنا وحكوماتنا يمنع وجود حرب العصابات، لأنه يهدِّدها قبل أن يهدِّد يهود إسرائيل وهذه هي المشكلة. فقد أصبح الآن الوجود القُطري ونظم حكومتنا لا تسمح بوجود معارضة منظمة شعبية سلمية في بلادنا، فكيف تسمح بوجود قوة مستقلَّة مسلَّحة في بلادها تحارب إسرائيل إن لم تحاربها هي؟ كيف تسمح بوجود كيان شعبي قوي، وهي لا تستطيع ولا تحتمل وجود قوة في بلادها بهذا الشكل؟
وتجربة الأردن واضحة جدًّا، عندما قام الفلسطينيون هناك بحمل السلاح ضدَّ إسرائيل ضربهم الملك حسين لأن هذه الحالة تهدِّده، وحوادث عام 1970م واضحة جدًا وما قبلها وما بعدها.
لا يسمح الحاكم المستبد بوجود تنظيم شعبي له قدرات ذاتية وله استقلالية في تفكيره وفي اتخاذ القرارات وتنفيذها. من الممنوع استبداديًّا فعل ذلك، وإن فعلتَ فقد خُنْتَ الاستبداد، فما بالك إن كان التنظيم الشعبي مسلَّحًا لمحاربة إسرائيل؟
نحن هنا لا نستطيع -بجيش نظامي- أن نحارب، لأن العدو له دعم غربي شديد جدًّا بالإضافة لسلاحه النووي، والحكم القُطري بموجب قُطريَّته لا يسمح بوجود هذا الأمر ونحن في هذا المشكل:
1- صارت إسرائيل ذات قوة نظامية كبيرة مستندة إلى كل قدرات الولايات المتحدة، ونحن قوة نظامية لا تستطيع مواجهة قوة نظامية مستندة إلى كل هذا التقدُّم والتنظيم الأمريكي الغربي.
2-تجعل حربُ العصابات الشعبَ اليهودي في إسرائيل غير آمن، فحرب العصابات تجعل تكلفة الاحتلال أكثر من تكلفة المغانم. فقد أتى اليهودي إلى إسرائيل لكي يجد فيها أغلبيةً تحميه بدل أن يكون أقلية في بلد آخر. فطلب الأمان هو الذي جاء به وعندما يهدَّد في أمنه لن يبقى في هذا الوضع، حتى وإن كانت هناك خسائر مادية، فليست هي الحاسمة، فتهديد أمنه هو ما يجعله ينصرف.
ونعرف أن إسرائيل عندما بدأت دعوة الوطن الديني كان اعتمادهم على أن المذبحة الألمانية أيام النازية جعلتهم غير آمنين. ذهب أغلب اليهود الألمان بدلًا من إسرائيل إلى بلاد أخرى كأمريكا لأنهم طلبوا الأمن وليس وطنًا قوميًّا لليهود. فاليهود الذين جاؤوا إلى فلسطين أقل ممَّن ذهبوا إلى أماكن أخرى. ونصف اليهود تقريبًا الذين ذهبوا إلى إسرائيل من الدول العربية، كيف سمحت الدول العربية لليهود أن يهاجروا إلى فلسطين ويكوِّنوا شعبًا ودولة معادية لهم؟
لقد أدَّت الدولة القطرية إلى الآتي:
1- أنها لا تستطيع أن تحارب دولا معتمدة على تنظيم سلاحي أقوى منها.
2- ولا تسمح بحروب عصابات من داخلها.
3- وتسمح بخروج أقلية من عندها لتصبح دولة معادية لها في الخارج.
وبذلك الشكل أسهمنا نحن في إنشاء دولة إسرائيل بأكثر ممَّا أسهم فيها الغرب أو بقدر ما أسهم فيها الغرب. هل هذه حقيقة تتفقون معي فيها؟
كان إجمالي اليهود العرب 985 ألف، هاجر 670 ألف منهم إلى فلسطين، فصار نصف سكان إسرائيل من اليهود العرب، ويُطلق عليهم (السفارديم)، ويُطلق على الغربيين (الإشكناز). فأصبحت إسرائيل نصفها سفارديم من العرب ونصفها إشكناز من الغرب، وأصبح هناك اضطهاد من الغربيين للشرقيين، ومنهم من قال عن نفسه: “لقد كنت يهوديًّا في العراق، فصرت الآن سفارديم”، لأنه لا يعامل كيهودي ولكن كسفارديم مضطهد من اليهود الغربيين.
الذي يؤكِّد على أن إسرائيل لم تنشأ كوطن قومي لليهود ولكن نشأت كقاعدة استعمارية: أن نفس قادة إسرائيل وقادة الحركة اليهودية الصهيونية كانوا ملاحدة، ومن لم يكن ملحدًا منهم كان علمانيًّا، وأشد ملحديهم كان موسى ديان. فالملاحدة والعلمانيون هم من أنشأوا الدولة اليهودية مما يبيِّن أنها دولة احتلال وليست وطنًا قوميًّا كما يقال.
كان بمصر 80 ألف يهودي، ذهب إلى إسرائيل منهم 75 ألفًا. وبذلك عزَّزنا نحن إسرائيل، والعراق كان بها 105 آلاف يهودي ذهبوا إلى إسرائيل، وكذلك اليمن كان بها 50 ألف يهودي.
لا تتعلق هذه النقطة الثانية بإسرائيل، وإنما تتعلَّق بالدول القطرية (دول سايكس-بيكو). لقد قامت عندنا حركة توحيد عربي وقومي وحركات توحيد بين بلاد مختلفة وبعضها، لكن فشلت دولتنا القطرية في ذلك المسعى. فكان هناك اعتقاد دائم عن وحدة مصر والسودان ووحدة وادي النيل، وهناك مفاوضات كثيرة مصرية فشلت مع الإنجليز بسبب السودان، لأنهم لم يعترفوا بحكم مصر للسودان، وأن تكون مصر والسودان وحدة واحدة، وإن أجازوا صيغة معينة للاحتلال الإنجليزي. فقد كانت فكرة وحدة وادي النيل جزءًا لا يتجزَّأ من فكرة الوطنية المصرية، ولقد درستها في كتابي “سعد زغلول يفاوض الاستعمار”.
لكن هل فكَّر أيُّ حزب مصري في إدخال سوداني في تكوينه التنظيمي؟ لم يحدث قط! فسعد زغلول مثلًا عندما أقام الوفد وعمل صيغة الوفد والتوكيلات، كان كل الأعضاء في البداية مسلمين، فذهب إليه المسيحيون وقالوا كيف ذلك؟ وفي وقتها وضع في الكشف أسماء مسلمين ومسيحيين تعبيرًا عن تكامل الوحدة الوطنية في صيغة أسماء الوفد. لم يفكروا في ذلك مع السودان! حزب الوفد لم يدخله سوداني واحد، الإخوان المسلمون بجامع الجامعة الإسلامية وليس بجامع القطرية ووحدة وادي النيل وجدت في مصر والسودان، وكذلك الشيوعيون بجامع الشيوعية (ففي مصر نشأت حدتو وفي السودان نشأت حستو). لم نقبل وجود تنظيم مصري شعبي يتضمن السودانيين وكنا نرغب في الوحدة مع السودان ونتكلم مع الإنجليز في المفاوضات على أساس أننا –على الأقل- لا نأخذ السودان ولا هم يأخذونها.
ولذلك لما حدث أن استقل السودان عام 1956م، كان الذي نجح في الانتخابات في السودان حزب وحدة وادي النيل الذي كان رئيسه إسماعيل الأزهري، أول ما وصلوا إلى السلطة رفضوا الوحدة مع مصر، وهم محقون في ذلك.
توحَّدت مصر وسوريا سنة 1958م وانفصلتا سنة 1961م. حَكَمَ حزبُ البعث في سوريا والعراق ومع ذلك انفصل حزب البعث إلى حزبين وأصبح أحدهما في سوريا والآخر في العراق، وهذا قومي والآخر قطري، مما يدل على ماذا؟
الدلالة الأهم من وجهة نظري: أن الفكرة السياسية لا تصبح قوة مادية إلا عن طريق تنظيم شعبي عبارة عن هيكل جماعي يجمع عددًا كبيرًا من الناس تتجمَّع فيه المعلومات ويفكرون سويًّا ويؤخذ القرار ويُنفَّذ جماعيًّا في مناطق كثيرة. لا يمكن لفكرة سياسية أن تتحوَّل لشيء حقيقي مادِّيٍّ في المجتمع إلا عن طريق التنظيم. والمشكلة التي حدثت عندنا أن التقسيم القُطري أنشأ دولة قُطرية بتنظيم قُطري، فعندما قامت الحركات الوطنية قامت داخل الأقطار فأصبحت التنظيمات قُطرية أيضًا بتنظيم قُطري.
اتحدت الدولة المصرية أثناء حكم عبد الناصر مع بعث سوريا، وسعيا إلى الوحدة لكن التنظيم المصري والتنظيم الآخر البعثي لم يسمحا بهذا الاندماج، وأصبحت هناك ممانعة، فانفصلا. وكذلك حدث في العراق مع سوريا، وكذلك بين مصر والسودان. فتجارب الوحدة -رغم الدعوة إلى الوحدة والإيمان بالوحدة- رفضتها التكوينات التنظيمية، سواء التكوينات التنظيمية الخاصة بالدولة أو الحركات الوطنية الشعبية التي قامت على أساس قطري، ولم تستطع أن تندمج مع بعضها البعض.
التنظيم القطري عندنا لم ينجح مع إسرائيل، ولم ينجح أيضًا في الوحدة، وأيضًا التكوين القطري يجعل النظرة السياسية للأمن القومي تستبعد الآخرين، ومثالاً على ذلك:
عندما عَمِل عبد الناصر على الدوائر الثلاث التي تنتمي إليها مصر -أفريقيا والإسلام والعروبة- عمل على أفريقيا والعروبة، ولكن دائرة الإسلام لم ينجح فيها، ليس بسبب الإخوان، ولكن لأن وحدة الدائرة الإسلامية هنا تشمل تركيا وإيران، ولم يكن أمنهما القومي يسمح بالتكامل معهما في ذلك الوقت، إذ كنا كعرب ضد الغرب وضد الأمريكان ومستعدين للتحالف مع الروس ضد الأمريكيين، لأن الأخيرين هم مصدر الخطر علينا. فأمننا القومي يسمح بتحالف مع شريك كبير غير غربي لا يهددني ضد القوة السائدة التي تهددني. لكن على العكس كان حال تركيا وإيران، لأن التهديد الأساسي لهما كان روسيا القيصرية أولًا ثم روسيا السوفيتية، لأن روسيا دائمًا كانت تبحث عن المياه الدافئة ومعاركها منذ 1725م أو قبل ذلك حتى وقت قريب والتي انتهت الآن، كانت دائمًا مع تركيا وإيران.
لذلك فإن جزءًا من التكون الوطني التركي والإيراني أنهم يتحالفون مع أمريكا -ليس فقط تحالفًا عسكريًّا- ضد العدو الأساسي، روسيا. والتكوين القطري يؤدي بنا إلى أن نتعاكس ونتنافر. ففكرة الأمن القومي لدى كل قُطر تتعارض مع الآخر، لأن كل قطر يبحث عن أمنه هو فقط.
هذا هو الجزء المتعلق بالوحدة القطرية، وكلها تتعلق بهذا الموضوع:
– لا نستطع أن نواجه إسرائيل بدولة قطرية.
– لا نستطع أن نقيم وحدة عربية بدولة قطرية.
– لا نستطع أن نحقق أمننا الوطني في إطار الفهم الخاص بالدولة القطرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق