د. منى أبو الفضل.. الباحث السياسي في محراب القرآن الكريم شرعة ومنهاجًا

تقديم:
يبدو كأن كل امرئ له من اسمه نصيب؛ فلا شك أن لأستاذتنا د. منى أبو الفضل فضلًا على كل من عرفها، أو التقاها، أو استمع إليها أو قرأ لها. نعم، لم تحظ د. منى بانتشار وشهرة كافية بين دارسي العلوم الاجتماعية والإنسانية في أمتنا العربية والإسلامية، ولم تصدر لها كتابات كثيرة تُلحظ بالعيان ويشار إليها بالبنان، لكنها مع ذلك فُضّلت على كثير من المشهورين والمكثرين تفضيلًا، والأيام كفيلة بإبراز فضلها وأفضالها النفيسة. يكفي المرء أن يترك لأخلافه جوهرة واحدة يغنيهم الله بها من فضله، أو درة نادرة لم يجعل الله لهم سبيلًا إليها إلا عن طريقه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل:16].
والفضل ليس هو الكثرة أو ما يجمع الجامعون: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:58]. بل الفضل هو الإحسان والتحسين والحسنى وزيادة، وهو الفضيلة: أي مزية كل شيء أو وظيفته التي قصدت منه، يقال: فضيلة السيف إحكام القطع، ومزية العقل إحكام الفكر[1].
ومن هنا كانت د. منى فضلًا أوتيناه، كما أوتيت هي فضلًا، وأوتيت من الله حكمة وخيرًا كثيرًا. ومن ثم فلن تنسى وما ينبغي أن تُنسى والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:237]. ليس هذا برثاء لمنتقل ولا بكاء على طلل، إنما هو حقٌّ وجب أداؤه ودين لزم الوفاء به؛ عملًا بإشارة التنزيل العزيز إذ جاء فيه: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:30]. وهيهات لمثلي أن يوفي أستاذته أجرها، أو يرد لها نزرًا يسيرًا من حقها، لكن في البحث والعمل الدليل على هذا الذي قيل.
في الأسطر التالية محاولة لعرض جهد متميز في التقرب والاقتراب والنهل من رحيق القرآن الكريم، جهدٍ -في الغالب- غير مسبوق [2]، وللأسى فهو حتى الآن غير ملحوق بمراكمة ولا مقدّر من أهله والجديرين به التقدير المكافئ[3].
تطوف هذه الندوة في جنبات عالم رائق وراقٍ؛ هو عالم منى أبو الفضل، ويسعى كل مشارك فيها إلى إضاءة جانب من جوانب هذا العالم، وإطْلاع الناس عليه. وقد شُرّفت بأن أكلف بالزيارة ثم بالحديث عن جزء من هذا “العالم الفضْلي”؛ جزء هو بوصف “الكل” أحق، ولو قلنا إنه من أفضل بقاع هذا “العالم” لما كان في ذلك إسراف ولا تجاوز؛ إنه منهجية العامل مع أصل أصولنا، أو كما وصفته د.منى: “منبع ورأس القواعد والأسس جميعًا” [4] ؛ “مصدر هذه الخبرة (خبرتنا الحضارية) الذي يرجع إليه وجودنا كأمة حضارية أصلًا ومرجعًا“: القرآن الكريم. فلقد جالت أستاذتنا في الكثير من أقطار العلم والمعرفة، ونفذت إلى بطون الفلسفات والأنساق المعرفية، ومناهج التفكير والبحث، ومواريث الحضارات والتواريخ، وقضايا الإنسان والأمم والعالم المعاصر، ولاسيما أمة العرب والمسلمين التي أحسنت وصفها بالأمة القطب،… جالت في آفاق كل ذلك وغاصت في أعماقه، واستخلصت منها خلاصات النحل المرتشف من رحيق كل الثمرات، سالكة سبل ربها ذُلُلا. لكنها تبدو وقد تفوقت على مقاماتها كافة حين قامت قانتة خاشعة في محراب القرآن الكريم[5]؛ متأملة متسائلة، متدبّرة متفكرة مستشعرة، أو على حد تعبيرها “مفتقرة“؛ أي مستضيئة، مستهدية، مستبينة، مستمدة: طالبة للحق والهدى والنور[6].
كانت للدكتورة منى أبو الفضل خبرة مهمة مع كتاب الله تعالى في حياتها الشخصية والخاصة، وهي جديرة بالمطالعة والاعتبار[7]، لكنها ليست موضع درسنا هذا، الذي يُعني بالعطاء العلمي والفكري لأستاذتنا.
فسؤال هذا المقام هو عن قصة تعامل الدكتورة منى أبو الفضل -الباحث المتخصص في العلوم السياسية (أو مجتهد التخصص كما وصفته أحيانًا)[8]– مع القرآن الكريم باعتباره مصدرًا لمنهجية علمية؟ وقصة دخولها عليه من زاوية افتقار الباحث المتخصص للهدي القرآني في ترشيد مجال تخصصه[9]؟
هذا ما تدور حوله هذه الورقة، وذلك من خلال قراءة تحليلية في كتاب “نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي: المقدمات والمقومات“[10]؛ باعتباره “الكلمة الأم الجامعة” لأكثر أفكار الدكتورة منى في هذه المسألة، موصولًا بها إشارات في عدد من نصوص أُخر. هذا، وتحاول الورقة تسكين قضية التعامل مع القرآن الكريم في فكر د. منى في سياقات ثلاثة رئيسة:
(1)سياق مناهج التعامل مع مصادر التنظير الإسلامي وبخاصة الأصلان: الكتاب والسنة،
(2)سياق التنظير المنهجي المعاصر في العلوم الاجتماعية والإنسانية (والسياسية منها خاصة) من منظور حضاري كانت د. منى من أبرز مؤسسيه ومبدعيه،
(3)سياق الأزمة الفكرية والحضارية التي تعيشها الأمة بين محاولات إعادة استكشاف الذات ومكناتها والوعي ثم الالتزام بها، ورياح التغريب والاستلاب التي لا تزال تعصف بالعقل المسلم والحياة والنظم والأوضاع من حوله.
ثم تتجه الدراسة إلى ترتيب أفكار الموضوع بين قطبين كبيرين: منهجية الباحث الاجتماعي والسياسي للتعامل مع القرآن الكريم، والمنهجية المستفادة من القرآن الكريم للدراسة والبحث في العلوم السياسية.
وتجدر الإشارة إلى أنه كان مفترضًا أن نستعرض منهجية الدكتورة منى ورؤيتها للتعامل مع “الأصول الإسلامية”؛ أي الكتاب الكريم والسنة المكرمة، لكن المطالعة أبرزت تركيز الدكتورة جهدًا مكثفا على التعامل مع القرآن في مقابل إشارات قليلة-وإن كانت مهمة بحق- في تناول المعين النبوي على نحو ما يأتي بيانه. ومن ثم تجتهد الورقة في أن تمسك بأطراف الموضوع على هذا النحو من خلال التركيز على العناصر التالية:
- سياق (1): تطورات مهمة في التعامل مع القرآن عبر القرن العشرين. (من تفسير محمد عبده إلى استلهام منى أبو الفضل).
- سياق (2، 3): أزمة المنهج في العلوم الاجتماعية والافتقار إلى المصدر: التنظير المنهاجي (من الوعي المنهجي /المعرفي إلى نقد الموجود والبحث عن مفقود).
- مقومات التعامل المنهجي والبحثي مع القرآن الكريم: المحددات والخصائص.
- معالم منهجية تنظير مستفادة من خصائص الخطاب القرآني:
- نحو إطار مرجعي للتعامل مع المصدر القرآني.
- نماذج من المفاهيم القرآنية ذات المغزى السياسي.
- دليل إرشادي للبحث، وخطة استراتيجيه للتنظير.
- خلاصة.
وفي الواقع، لا تعدو هذه الورقة أن تقوم مقام الحاشية والتعليق على دراسة فريدة من نوعها كتبتها أستاذتنا في محراب القرآن المجيد وتقدمت بها إلى المؤتمر الرابع للفكر الإسلامي (المنهجية الإسلامية والعلوم السلوكية والتربوية) الذي عقده المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الخرطوم بالتعاون مع شعبة علم النفس بكلية الآداب بجامعة الخرطوم في الفترة من 15 إلى 20 يناير 1987م. وهذه الدراسة جاءت تحت عنوان “نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي: بين المقدمات والمقومات“. ومع هذا فالباحث يتصور أن هذه الحاشية مهمة لإبراز جهد فريد ومجيد أحسن إجادة ومفيد أشد الإفادة، من الواجب البناء عليه؛ تحقيقا للمعاني والمقاصد القرآنية في علومنا وبالأخص علوم الاجتماع والإنسان. ولكن وبكل تأكيد فإن هذه الحاشية لا تغني بحال عن المتن الفضْلي الفاضل الذي أوصي زملائي وسائر المعنيين ببناء وعيهم المنهجي وتأسيس تكوينهم العلمي، بالاطلاع المتأني عليه وحسن الاستفادة منه. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
أولًا- سياق (1): تطورات مهمة في التعامل مع القرآن عبر القرن العشرين
كتبت د. منى دراستها ماتعة الفائدة مكثفة الفكر المشار إليها “نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي: المقدمات والمقومات” في منتصف الثمانينيات من القرن العشرين، يحوط بها سياق معقد ومركب من الفكر المتعلق بالتعامل مع كتاب الله، والفكر المتعلق بالعلوم الاجتماعية والإنسانية التي تشتغل بها، والفكر المتعلق بأمة الإسلام: كبوتها وسبل نهوضها منها.
وفيما يتعلق بالقرآن الكريم، يمكن اعتبار الربع الأول من ذلك القرن مرحلة الدعوة -على استحياء- للتجديد في “التفسير” و”الاستفادة” من القرآن الكريم لمواجهة الأفكار والأوضاع المستجدة إبان الاحتلال الأوروبي للربوع العربية والإسلامية. فقد برزت فيه جهود “المنار” المترددة بين توفيقية محمد عبده وسلفية محمد رشيد رضا، وتزامنت معها -وحفّت بها- مسيرة تمديد للمنهج المعهود في التفسير بعد الذي قدمه أمثال الآلوسي والقاسمي، والشنقيطي. وفيما يتبدى أن أكثرية تأثرت بتوفيقية الشيخ محمد عبده في التقارب أو التفاهم مع الرؤية الغربية للتجديد، يمكن عدّ نموذج الشنقيطي مناظرًا مقابلًا لمحمد عبده بالنسبة لعلاقة التفسير بالفكر الحديث. فقد اتفقا في سمة الواقعية: أي سحب التفسير إلى مناقشة الواقع، لكن بينما كان محمد عبده يبني جسور تواصل مع الغرب ويمد أيادي التجديد الاجتماعي الهادئ في الشرق، كان الشنقيطي في “أضواء البيان” مفاصلًا للغرب، مثوّرًا للشرق.
خلال هذه الحقبة -وخلال الربع الثاني من القرن العشرين (الذي شابته صُعُدًا بوادر العلمنة والتغريب)- نجمت رءوس تدعو إلى إخضاع دراسة القرآن الكريم للمناهج اللغوية والاجتماعية المستفادة من الغرب (العلم الحديث). فبادر طه حسين ببادرته الشهيرة (في الشعر الجاهلي)عام 1926؛ ليعقبه حامل رايةٍ أكثر صمودًا وامتدادًا هو الشيخ أمين الخولي، الذي تدحرجت دعوته للتعامل مع القرآن بمنهجيات الأدب الحديث وعلوم الاجتماع والنفس واللغويات الحديثة، حتى بلغت مداها في أطروحة تلميذه محمد أحمد خلف الله (الفن القصصي في القرآن الكريم) 1947، والتي أحدثت دويًّا كدوي كتاب “الشعر الجاهلي“، وتبدى عقبها أننا بصدد مرحلة جديدة من إنفاذ هذه الدعوات، والاستجابة المتزايدة لها، خاصة في أقسام الأدب والفلسفة والاجتماع [11].
وسبحان الله! فقد شهدت نفس الفترة مبادرات على الجانب الآخر، ومن نوع مختلف: فبينما يتصدر مصطفى صادق الرافعي (رحمه الله تعالى) للصد والدفاع ضد هذا الخط (تحت راية القرآن)، و(إعجاز القرآن) نلاحظ إشارات لمحمد إقبال إلى مدخل فلسفي مرهف للتعامل مع القرآن الكريم ضمن (تجديد التفكير الديني في الإسلام) [12]، وتتجلى إيناعات الدكتور محمد عبد الله دراز (دستور الأخلاق في القرآن) و(مدخل إلى دراسة القرآن الكريم) وهما الأطروحتان اللتان ناقشهما في السربون في نفس سنة صدور دراسة خلف الله 1947، وتجلت إبداعات الأستاذ سيد قطب (في التصوير الفني في القرآن)، و(مشاهد القيامة في القرآن) ثم (الظلال)، ومالك بن نبي (الظاهرة القرآنية)، ومحمد عزة دروزة (الدستور القرآني) [13]، مع استمرار إنتاج التفسير بالطريقة المعهودة (كتفسير المراغي نموذجًا) وبعض التجديد (كالتحرير والتنوير للطاهر بن عاشور).
وعبر الربع الثالث من القرن، استمر المساران متوازيين بلا ضجيج ولا صراع واضح؛ حيث غطى الصراع الأيديولوجي الكبير بين صحوة الإسلامية ومناوئيها على الصراعات البينية بين الرؤى التي تحمل عناوين إسلامية. ذلك إلى أن كانت السبعينيات ونهاياتها التي برزت فيها نتائج ما خمرّه الأستاذ أمين الخولي، وما أفرزته حالة العودة من الماركسية والقومية والتغرّب إلى الإسلامية. فظهرت “العالمية الإسلامية الثانية” لأبي القاسم حاج حمد [14]، وكتابات نصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، ومحمد شحرور، ومحمد أركون، وخليل أحمد خليل، ومحمد عيتاني[15]، بالتوازي مع صحوة أزهرية، وبروز حركات إسلامية نشطة، وتفسيرات ميسّرة، على رأسها ما قدمته خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي المتلفزة.
حاصل هذه المسيرة أن الشيخ محمد عبده كان قد شرع في تجديد “درس التفسير”، لكن ما أعقبه نقل قضية التعامل مع كتاب الله تعالى من “التفسير” أي الترجمة عن معاني آيات القرآن الكريم، إلى مفهوم ومقصد آخر بأسماء متنوعة ومتتالية: “الدرْس” ثم “القراءة” ثم “التحليل”. فدعا الشيخ أمين الخولي إلى “الدرس الأدبي” للقرآن، ثم كان “الدرس الفني”، ثم “القراءة المعاصرة”، ثم “القراءة التحليلية” بأطيافها… وهكذا. ولا شك أن ذلك لم يقتصر على فضاء الكتاب الكريم الداخلي بل امتد إلى بقية متعلقاته من السُّنة النبوية والتراث العلمي الشرعي (وبالأخص الفقهي منه واللغوي)، والتاريخ العملي، وصولًا إلى الواقع العربي والإسلامي في لحظته الراهنة [16].
أما في تيار التجديد الملتزم فقد جرت على التعامل مع القرآن تجديدات تتردد بين الشكل والمضمون، على نحو ما برز لدى الطاهر ابن عاشور وسيد قطب… لكن منهج التفسير لم يتبدّل عند هؤلاء؛ فلا زالت العربية والمأثورات والعقيدة بصورتها الموروثة هي ركائز منهج التفسير.
إنما يتمثل التطور الملحوظ في أمرين:
(1) طلب الرؤية الكلية والوقوف عند كليات الخطاب القرآني: الفنية (الأدبية) والمعنوية.
(2) الوصل بين التفسير والواقع: أفكاره وأشيائه وأوضاعه.
لقد كان الخيط الوحيد الجامع لهذين المسارين في التفسير المتجدد وخط التأويل والقراءات المعاصرة، هو: عمومية التوجه؛ أي العناية بتجديد كلي سواء في التعامل مع
القرآن الكريم أو في التعامل به مع العصر والواقع المعيش: الفكري والعلمي. وقلما بني التجديد على تخصص معرفي أو عملي معين اللهم ما تشير إليه د. منى أبو الفضل من دراسة د.دراز في “الأخلاق“، لكن الباحث يلاحظ أن معالجة الأخلاق تمت باعتبارها مجالًا فكريًّا وفلسفيًّا واسعًا أكثر منها تخصصًا له مناهجه المدرسية. وهنا يبدو تميز مدخل د. منى أبو الفضل: مدخل الباحث المتخصص -أو مجتهد التخصص- المفتقر إلى معونة القرآن في تنوير مجال تخصصه- العلوم السياسية.
فأيًّا ما كانت تطورات هذه الحالة وما أثمرته من رؤى بين يدي التفسير والتأويل والقراءة الكلية أو التجزيئية للقرآن الكريم، فإن المفيد بيانه وتأكيده في هذا المقام، أن د. منى لإن كانت استفادت من بعض هذه الثمار؛ إلا أنها دخلت إلى حضرة الأصول المرجعية الإسلامية وبالأخص القرآن العظيم من مدخل مختلف تمامًا عن كل ما سبق، وهو ما يمكن تسميته بـ“المدخل المجالي المنهجي”: مدخل الباحث المتخصص في علم من علوم الأمة والعمران (علم السياسة)، بغية التنظير والاستخلاص للمنهجية التي ينبغي أن يهتدي بها هذا الباحث. وبين يدي هذا الهدف الواضح قدمت بمقدمات موجزة العبارة مفعمة الدلالة لمفهومها عن:
- طبيعة المنهج بعامة.
- وعن الوحي، والقرآن منه بخاصة، والخطاب القرآني وخصائصه من وجهة نظر باحث العلوم السياسية.
- وعن الوسيط المنهجي بين باحث العلوم العمرانية والقرآن الكريم.
- وعن المنهجية المعرفية المستفادة من أعمال هذا الوسيط في القرآن والمشتملة على: إطار مرجعي ومفاهيم أساسية.
- وقدمت نماذج أولية لتطبيق ذلك وتحقيقه. وسوف نتتبع ذلك الجهد وهذه العناصر الخمسة في طيات البحث.
والخلاصة إنه -بالإضافة إلى تجربتها الذاتية مع القرآن الكريم- فإن توجهها العلمي إليه قد احتف ببيئة تفيض استقطابًا وتمور بالآراء المتنافسة والرؤى الإبداعية والمقولات الابتداعية، في أمواج مضطربة تبحث عن شاطئ أو مستقر. وفي هذا الخضم تحرك فكر د. منى أبو الفضل وتلمست طريقها إلى القرآن، وخط قلمها ما عبّر عن اختيار واعٍ منهجي رصين في هذا الصدد، فاتصلت بأصحاب الرؤية الكلية من أمثال قطب ودراز وابن عاشور والشعراوي، ورفضت الرؤى التفتيتية والمحملة أيديولوجيا، وتحفظت على بعض ثالث وإن رأت فيه إلماعات يمكن الاستفادة منها.
ثانيًا- سياق (2، 3): أزمة المنهج في العلوم الاجتماعية والافتقار إلى المصدر المرجعي: من الوعي إلى التنظير المنهاجي
عبر القرن المنصرم أيضًا، تنبه ثلة من نابهي هذه الأمة إلى عوامل أساسية لعثرتها الراهنة؛ فمنهم من وضع يده على الداء السياسي المتمثل في حاكمية الهوى وتوسيد الأمر لغير أهله واجتماع الاستبداد والفساد والطغيان في السُّدة. ومنهم من أمسك بطرف خيط الكساد والتخلف الاقتصادي وتدهور مسالك استخدام خيرات الأمة ومواردها. ومنهم من سلط الضوء على التحلل الاجتماعي والانحلال القيمي واختلال الموازين التربوية والخلقية، ومنهم من ركز على داء المادية والخواء الروحي وإهدار النفسية العامة للمسلمين بين الاستسلام لواقع التخلف والتشرذم والهزيمة، وبين الركض وراء مغريات الحياة المعاصرة وخوادعها. ولكن ثمة فريقًا جذب انتباهه التراجعُ الفكري، وما أصاب عقلية مسلمي اليوم من تشوهات وقروح وما غزاها من جراثيم باتت تتحكم في تصورات المسلم ورؤاه، وقيمه وموازينه، ومنهجية تفكيره وأنماط سلوكه، وتصوغ ثقافته وتشكل حضارته على منوال الآخرين بل الأعداء المعادين.
شرعت كل طائفة تواجه الأزمة من ثغرها وموضعها: تشخص الداء، ثم تعمق التشخيص بالدرس والتحليل والحوار والتناظر، ثم تجتهد في محاولة تفسير الداء وردّه إلى أسبابه، وتستكشف قوانين عمله وسنن التعامل معه، في سبيل تقديم أطروحات لمخرج الأمة أو مخارجها من الأزمة.
وعلى صعيد الثغرة الفكرية والوجدانية، انقسمت الجبهة إلى خطي مواجهة: خط “الثقافة العامة” التي تسربت إلى عامة المسلمين في غفوة من ثقافتهم الأم وفكريتهم الأصيلة، وقد مثل هذا الخط المجهود الرئيس للمواجهة. وخط “الثقافة الخاصة” المتمثلة في التعليم وعلوم المدارس والجامعات. ورغم أن بداية الوعي بالمشكلة كانت على الخط الأخير، حين أعرب عنها شيخ الأزهر الشيخ حسن العطار (…) وصاغها تلميذه الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801- 1873) بعد زيارته لفرنسا بقوله:
أيوجد مثـل باريـس ديـار
شموس العلم فيها لا تغيب
وليل الكفر ليس له صـباح؟
أما هـذا وحقـكم عجيب!
مع ذلك، فإن هجمة ظهور الصحافة والطباعة وانتشارهما رفعت إلى الصدارة مشهد المستوى الأول: اغتراب الثقافة العامة والخطاب العام وأوضاع المجال العام والسياسي، بينما قبع في الخلفية المشهد الآخر: التغريب والاستلاب الأعمق ضمن المدارس والأكاديميات الحديثة، التي هي من يمد الفضاء العام بنخبه وقادته كل يوم، في دورة شبه مغلقة.
وبناء عليه، فقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين صعودًا في عودة الانتباه إلى جذر العلة المغروس في فلسفة العلوم الاجتماعية والإنسانية ومنهجيتها العامة التي تتخرج عليها الأجيال المؤثرة: المتعلمة والمثقفة، الأمر الذي انتقل من رؤى نقدية كلية من خارج هذه الحقول، وعلى أيدٍ غير متخصصة في الربع الثالث من القرن، إلى تبنٍّ أعمق من قبل رواد متخصصين مقيمين في ثكنات هذه العلوم، ممتزجين بها، دفعوا قوات وعيهم وسرايا تساؤلاتهم ونيران رؤاهم الناقدة وبصائرهم النافذة؛ ليتمكنوا -بعد جيلين تقريبًا وفي معظم حقول هذه العلوم- من تأسيس حالة أو تيار يسعى لاستعادة هذا الثغر المحتل من علوم الأمة وعمراها (كما كانت تسميها د.منى)؛ بفرز مواقع الاحتلال، وشغلها بالإبدال أو الإكمال.
تقدم جيل رائد من الدارسين لعلوم السياسة والاقتصاد، والقانون، والتربية، والاجتماع، والنفس، والفلسفة، والتاريخ، والجغرافيا، والفنون والآداب ينبهون إلى أن هذه العلوم والفنون الحديثة ما صنعت بهذه البلاد، وليست بالضرورة صالحة لكل العباد، وأنها تحمل من ثقافة منشئيها، وتوثر في عقلية حامليها ونفسياتهم وهوياتهم ومرجعياتهم وأنماط تفكيرهم وسلوكهم، وأن أول الواجب الوعيَ بذلك، ثم السعي للتدارك، والاستعداد للمضي في طريق وعر المسالك؛ بغية اتخاذ موقف واعٍ وبصير من أسس هذه العلوم ومنظوراتها الحاكمة، ليحيا من حيّ عن بينه، ويهلك من هلك عن بينة.
في العلوم السياسية التي تمثل التخصص الدقيق لأستاذتنا، أشار الطهطاوي مبكرًا إلى معضلتها المتمثلة في تقدم الغربيين في القوانين والدساتير وأنظمة الحكم العادلة مع انصرافهم عن كل شرع إلهي أو هدي نبوي!! وتبعته استجابات عملية بالتأليف والتصنيف للتفسير وحل الإشكال؛ إذ لم تكن هذه العلوم قد حلت بديارنا بصورتها الراهنة، إنما شهد الشاهدون النظم السياسية الغربية واقعًا ملموسًا. فانبرى ابن أبي الضياف وخير الدين التونسي (1810- 1879)، وغيرهما يشيرون إلى ما عندنا من مكافئ أو فائق أو قابل للاستفادة من الغرب. ثم تلاهم أتراك، وشوام أغلبهم نصارى، الأمر الذي أشار إليه عبد الرحمن الكواكبي (1854- 1902م) في مطلع “طبائع الاستبداد” فقال:
“لا خفاء أن السياسة علم واسع جدًّا، يتفرع إلى فنون كثيرة ومباحث دقيقة شتى. وقلما يوجد إنسان يحيط بهذا العلم، كما أنه قلما يوجد إنسان لا يحتك فيه… وأما المتأخرون من أهل أوربا ثم أمريكا فقد توسعوا في هذا العلم وألفوا فيه كثيرًا، وأشبعوه تفصيلًا حتى إنهم أفردوا بعض مباحثه في التأليف بمجلدات ضخمة… وأما المتأخرون من الشرقيين فقد وُجد من الترك كثيرون ألفوا في أكثر مباحثه تآليف مستقلة وممزوجة مثل أحمد جودت باشا، وكمال باشا، وسليمان باشا، وحسن فهمي باشا. والمؤلفون من العرب قليلون ومقلّون، والذين يستحقون الذكر منهم فيما نعلم رفاعة بك، وخير الدين باشا التونسي وأحمد فارس وسليم البستاني والمبعوث المدني. ولكن يظهر لنا الآن أن المحررين السياسيين من العرب قد كثروا بدليل ما يظهر من منشوراتهم في الجرائد والمجلات في مواضع كثيرة“[17] .
هكذا كان أغلب المعرفة السياسية والخطاب السياسي العربي والإسلامي عمليًّا وصحفيًّا ينشر في الجرائد والمجلات حتى مطلع القرن العشرين. وبينما كان غزو الفكرية الوضعية (السان-سيمونية ثم الكونطية) لمصر-محمد علي ثم الشام متقدمًا نحو ستين عامًا من مقولة الكواكبي (حيث يشير لويس جريس إلى واقعة الأب انفنتان وتلاميذه من مديري مدارس محمد علي العالية منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر) [18]، فإن مفهوم “العلوم السياسية” بالمعنى السائد حاليًّا بدأ يتراءى مع تعريب عبد الأحد سليم الأول كتاب أكاديمي أجنبي عن “مبادئ العلوم السياسية”؛ ذلك الكتاب الذي عدَّة د. نصر عارف مفتتح العصر الحديث للعلوم السياسية في ديار الإسلام والعروبة، ومنقطَع المسيرة التراثية للفكر السياسي الإسلامي. فقد جاءت كتب تعليم السياسة فيما بعد ترجمة وتفريعًا عن هذا الكتاب المشار إليه [19].
وضمن هذا السياق، وقبل تفصيل منهجية التعامل مع القرآن الكريم، يمكن بيان موقع د. منى أبو الفضل وجهودها ومنطلقها إلى قضية مصادر التنظير في العلوم السياسية من خلال ثلاث نقاط: مختصر مسيرتها وثمراتها، ثم قضية المنهج، ثم قضية التنظير والحاجة إلى مصادره.
(أ) مسيرة رائدة: نطاق اجتهاد، وميدان جهاد، ومعالم تجديد
أنشئت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة عام 1960، استقلالًا عن كلية التجارة بنفس الجامعة، وعلى غرارها أُسست كليات مشابهة ومعاهد وأقسام بأكثر من جامعة مصرية، وفي جامعات عربية وإسلامية عدّة. واستمدت مصادرها ومنظوراتها البحثية والتدريسية في العلوم السياسية من الخبرة المتاحة (الغربية)، سواء السوفيتية أو الأمريكية.
ومع التقدير لكثير من الإشارات النقدية والمقولات النابهة المنبّهة إلى إشكالية هذا الثغر الفكري (العلوم السياسية) من بعض رواد تأسيس هذه الكلية وأعمدتها، إلا أنه يمكن اعتبار الأستاذ الدكتور حامد ربيع رائد هذا المضمار الأول والأبرز. وللدكتور حامد قصته الخاصة والمهمة وذات الدلالات فيما يتعلق برؤيته النقدية لإشكالية العلوم الاجتماعية والإنسانية عامة والسياسية خاصة بين نموذجين حضاريين مختلفين: النموذج الغربي الحديث بامتداداته اليونانية والرومانية والمسيحية القروسطية ثم الحداثية، والنموذج الحضاري الإسلامي بأصوله المرجعية، وذاكرته التاريخية، وثروته التراثية، وحالته المعاصرة التي رأى فيها أن الإسلام أضحى يمثل قوة دولية يحسب لها ألف حساب، وينبغي أن يعي أبناؤه ذلك، ويتحركوا على بصيرة منه.
ومنذ إطلاقه للشرارة الأولى، وقبل أن تنطفئ شعلته التي حملها كانت ثمة قصة أخرى ترسم خيوطها وتتشكل وقائعها من داخل نفس الموقع: كلية الاقتصاد، وفي اتجاه محضن آخر خارجها بل خارج نطاق الأمة؛ في الغرب حيث تجري الصناعات الثقيلة لطائفة العلوم الاجتماعية بين لندن وواشنطن… إنها قصة الرائدة الثانية: د. منى أبو الفضل: باعثة المنظور الحضاري، وكاشفة الغطاء عن الأنساق المعرفية المتقابلة، وداعية المنظور المعرفي التوحيدي، وبانية مفهوم الأمة القطب، ومبتكرة المدخل التنموي التكاملي، ومنبّهة الوعي المنهاجي، وراسمة معالم الإطار المرجعي للمنهج، ومشيّدة المفاهيم لبنات المنهج، ورافعة راية الشهود الحضاري، ومنظرة علوم الأمة والعمران.
اعتبرت د. منى أن د. حامد عبد الله ربيع هو العلامة الفذ، معلم جيل “التراث السياسي الإسلامي”، صاحب أطروحة “أمتي في العالم”، الذي أصل لعلم سياسي عربيّ معاصر من منظور حضاري مقارن، وواحدًا من رواد المراجعات العقديّة التي أتت بها إرهاصات الصحوة الحضارية بيننا [20]. كتبت ذلك بعد رحيل ربيع بنحو خمس سنين ضمن مقدمة وإطلالة منهاجية على مصادر التراث السياسي الإسلامي، لكن عقدًا كاملًا -وأكثر- كان قد جمعهما مراجعيْن ومنظّريْن ومؤصِّليْن لهذا المنظور الحضاري المقارن في علم السياسة.
بدأت د. منى رحلتها داخل الممارسة التدريسية المتميزة التي تحيل قاعة التدريس مسرح تأمل وإبداع، تَلمَح وتُلمِح إلى مواطن قصور في النظريات الجاهزة والمستوردة لدراسة المنطقة العربية. لقد تحرَّك وعيُها الناقد إلى ملاحظة اختلاف السياق التاريخي والثقافي بين النظرية التي يُدرَّس بها والواقع الذي تدرِسه، فقدمت محاولة أولية للتكميل في نظريات التنمية، فكان “المدخل التنموي التكاملي”، لكن سرعان ما امتد بها ذكاؤها الوقاد، ومخزونها الثقافي الأصيل إلى مطلب أوسع وأعمق من مجرد التوفيق والتجميع بين نظريات موجودة: هو نشدان رؤية كلية للنظم السياسية يعاد فيها بناء “السياسي” (ذلك المفهوم المضيق عنوة) ضمن “الحضاري” بدلالاته الأشمل والأرحب. ومن هنا كانت البداية، وكانت بداية متفوقة على ذاتها، اتسعت خطواتها لتحرق مراحل كان ينبغي أن تُستدرك فيما بعد.
ففيما استغرق د. حامد ربيع في أول طريقه ردحًا من الزمن في عيش الفكر الغربي ومعارفه وذوق ثمراته ومعالجة أسسه وبنياته في القانون الروماني والتاريخ الأوروبي والفلسفات الغربية المختلفة، محتفظًا في جوانيّه بوشائج مع الرحم التي نشأ فيها… ومن ثم رجع إلى دياره ومحضنه الأول مندفعًا إلى ذاته متشوقًا إلى تراثه الذي راح ينهل منه لنحو خمسة عشر عامًا متواصلة إلى أن استوت عنده الرؤية للكائن والواجب أن يكون[21].
بينما كان هذا هو مسار د. حامد ربيع، فإن رائدة المنظور الحضاري، نشأت مترددة تردد الشمس بين القاهرة وعبقها الشرقي وبيئتها الإسلامية، وبين لندن وسبقها المادي الحداثي، ولتحتفظ بنظارة ذات عدستين مختلفتين انطبعت طريقة نظرها بهما في خبرتها التدريسية تلقاءً من مدخل المقارنة إلى استراتيجية السؤال إلى عبقرية الجواب الجامع.
وبينما كان د. حامد ربيع يضخ شلالًا من التصنيف والتأليف، وفيضانًا من الكتابة على مختلف المستويات تأصيلًا وتفعيلًا وتوجيهًا، وفي شتى القضايا الكلية والجزئية، فإن أول عمل للدكتورة منى لم يكن مما خطه بنانها، وإن كان قد فاضت به قريحتها وانقدح به ذهنها ووجدانها معًا، فكانت مذكّرة التدريس لمادة النظم السياسية العربية التي جمعها لها بعض تلاميذها ومريديها من طلبة العلوم السياسية من إملائها بين عامي 79- 1982 ثم قامت هي بتجديد صياغتها وإخراجها[22].
كانت الخطوة التالية لأستاذتنا في محضن آخر كما أشرنا؛ إذ تحقق الالتقاء بدائرة صحوية خارج نطاق التخصص؛ في المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، حيث روّاد آخرون يشتركون في الاعتقاد بأولوية العمل ضمن الثغر الفكري، ويرون أن: الأزمة الراهنة أزمة فكرية في أساسها، وفي قلبها أزمة المعرفة والتصور والرؤية، وأن الإصلاح الفكري هو مفتاح الخروج من المأزق الحضاري وسفينة الولوج إلى النهضة والتجديد. التقت الأستاذ الدكتور طه جابر العلواني الجامعَ بين كونه شيخًا حصيفًا عالمًا بالشريعة، (ولا شك أن ذلك كان مما يتوق إليه جنود هذا الثغر غير الدارسين للشريعة تخصصًا)، ومديرًا أريبًا لإحدى مؤسسات الثغر: المعهد العالمي. وبدا أن د. طه قد لمح من الدكتورة منى عبقرية خاصة، وأنه استطاع أن يؤمن خطّ تعاونها ومشاركتها مع فريقه والتي تعمقت يومًا بعد يوم.
رأت الدكتورة منى في واشنطن حامد ربيع آخر؛ إنه د. إسماعيل راجي الفاروقي، ذلك الفلسطيني العميق، الدارس للفلسفة، والفيلسوف العملي أيضًا، المقبل على قضية الإصلاح الفكري والمعرفي إقبال المجاهد: بقوة الإيمان، وحماس الواثق، وغزارة الإنتاج… وسرعان ما اشتبكت د. منى مع رؤية الفاروقي لإعادة صياغة العلوم الاجتماعية من رؤية إسلامية مقارنة وجامعة، وشيدت على طرح الفاروقي رؤية بنائية ونقدية لبعض مواطنه -لكنها في ذلك لم تكن تنظِّر للآخرين فقط، بقدر ما كان ترسم لنفسها خط التكوين، والتكميل الذاتي، على محوريْ الوعي العميق بالتخصص المعرفي ومحضنه الفكري والفلسفي، والوعي بالذات حاضرها وتراثها، وأصولها وتاريخها.
شهدت نهاية الثمانينيات رحيل كلٍّ من الفاروقي وحامد ربيع (87 ثم 88) شهيدين، فقد شهدت أيضًا عودة د. منى أبو الفضل وتتصدُّرَها لساحة التنظير المنهجي. ولنحو عشرين عامًا -تخللتها الكثير من فجوات الغيبة، وانقطاعات الخلوة العلمية- قدمت د. منى القليل من الكلام المكتوب، والكثير من أفكار التأصيل، وجهود التفعيل بل التشغيل أيضًا، والتي يمكن رسم خريطة موضوعية بها في التصنيف التالي:
● ففي التأصيل يمكن الإشارة إلى:
- النسق المعرفي التوحيدي Tawhidi episteme.
- الأنساق المعرفية المتقابلة Contrasting epistemes.
- النقد على صعيد المنظورات Paradigms وبناء المنظور الحضاري المقارن.
- الوعي المنهاجي: تثويره وبناؤه.
- منهجية التنظير في العلوم السياسية.
- منهجية التعامل مع الأصول والتراث.
- التأصيل الحضاري لدراسات المرأة في الأمة والعالم.
- التأصيل للدراسات الحضارية في العلوم السياسية.
● وعلى مستوى التفعيل يمكن ملاحظة أعمالها في:
- الأمة القطب: تفعيل منهجية بناء المفاهيم الحضارية الكبرى.
- العلاقات الثقافية والحضارية بين الشرق والغرب.
- الدراسة الحضارية السياسية للشرق الأوسط والمنطقة العربية.
- الدراسة المنهجية للقرآن الكريم مصدرًا للتنظير الإسلامي.
- دراسة الأسلمة باعتبارها آلية تجديد ثقافي عالمي في مواجهة العولمة.
- دراسة نماذج المرأة المسلمة في التاريخ والعصر من رؤية حضارية: (بين وقف النساء، وتاريخ النساء، وعائشة عبد الرحمن وزهيرة عابدين ومفهوم السيراتوجرافيا).
● وعلى مستوى التشغيل والحركة العملية:
- تأسيس جمعية دراسات المرأة والحضارة بالقاهرة.
- تأسيس كرسي زهيرة عابدين لدراسات المرأة بجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بالولايات المتحدة.
- الخبرة التدريسية بالقاهرة وواشنطن التي أسهمت في تزكية جيل تلاميذ حامد ربيع، وجيل آخر تالٍ لهم.
- المشاركة في فعاليات الإصلاح الفكري والمعرفي ضمن دائرة المعهد للفكر الإسلامي.
لسنا بصدد استعراضٍ شاملٍ لعطاء الأستاذة الرائدة، وإن كان فيما سبق إشارة موجزة إلى نطاق اجتهادها، وميدان جهادها، ومعالم تجديدها. وقد كان من المهم الوقوف على هذه المعالم لكي تتجلى أمامنا حقيقة “المدخل المجالي المتخصص” الذي تميزت به وقفة د. منى أمام الأصول المرجعية الإسلامية وبالأخص القرآن المجيد. وإذا كنا سنركز في صفحات قادمة على تجديدها واجتهادها في التعامل مع “الوحي الإلهي“: باعتباره مصدر المصادر الإسلامية في التنظير والتأصيل، والتفاعل والتفعيل، والعمل والتشغيل، فمن المعلوم أن جهدها هذا قد انصب على مستوى “المنهج والمنهاجية“. لذا نشير إلى ملامح مدلول المنهج وعناصر تكوينه في رؤية د. منى أبو الفضل.
(ب) المنهج والمنهاجية:
بدايةً، المنهج أو المنهاج -لدى د. منى- يتكون من ثلاثة عناصر: طريق وشرعة وغاية. فهو: “طريق”، ينطلق من “شرعة”، ويؤدي إلى “غاية“: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:48]. وبقدر وضوح الغاية وتمامها وكمالها “يكون المنهاج المؤدي إليها كذلك“[23]. وإذا كان “المنهج” مشتركًا بين عامة الخلق وكافة الظواهر؛ ومن ثم يمكن التطرق في حديثه إلى أدق تفاصيل المرء وأوسع تكوينات الحياة البشرية أيضًا، فإن د. منى تعني بـ”منهاج الأمة” (كل أمة) في تفكيرها وتدبيرها وتسييرها لأمورها، هذا المنهاج العام الذي يكتنف سائر الطرائق الأخص في سياسات الأقطار، وعوائد المجتمعات، ومسالك الأفراد: “وويل لكل أمة تضيع منها الشرعة أو تغيب عنها الغاية، وتضل الطريق“.
لكن أستاذتنا تركز أكثر على “الشرعة” التي هي مورد المنهج ومحل استمداده، وضمان بلوغ الغاية؛ ذلك أن العناية بالشرعة تصلنا بقضية “المصدر“: مصادر التنظير الإسلامي. ولذا تستطرد منبهة محذرة: “وكذلك الويل كل الويل لأمة انقطع فيها المنهاج عن مورده، فجففت ينابيعه، وأخذت تتسول الدروب، وهي تصطنع المورد عند كل باب، وترد في نهاية الأمر عند كل باب تطرقه، مدحورة مخذولة“[24].
نعم، يتعلق الأمر بكل أمة، لكنه بالنسبة لأمة الإسلام ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] أدهى وأمرّ: “وما كان لخير أمة أخرجت على أكمل شرعة وأتم منهاج، وقد تخلت عنهما أو قل: وقد تاهت عنهما في تشابك دروب الحياة وتكاثف الحجب وتعاقب ظلمات الخطب، وقد أخذت تبحث عن استعادة العزة، وسعت تلهث وراء أسبابها في غير ما أنزل الله، ما كان لهذه الأمة إلا أن ينتهي بها المطاف إلى أن تقف ملومة مذمومة… حتى إذا ما استفاقت من فتنتها، وأنابت إلى الله، وأدركت أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، أخذت تجدّ في السير تغيير ما بنفسها، عساها أن تدرك شيئًا مما فاتها، فترتقي إلى مبلغ أمانتها؛ لتعود هي بالمورد لتتصدر قافلة الحضارة، ولكن هيهات الرجعى دون الاعتصام بالشرعة والتذرع بالمنهاج” [25].
هذا هو المنهاج المبني على شرعة “ما أنزل الله”، المنزّل إلى خير “أمة” أخرجت للناس لتتصدر بالشرعة والمنهاج “قافلة الحضارة”: فإن اعتصمت به عزت وارتقت وتصدرت، وإن تخلت عن الشرعة، وتنكبت المنهاج، وركبت رأسها رُدّت مدحورة مخذولة، وآبت ملومة مذمومة محسورة. وساعتها يجب “تغيير ما بالأنفس”، بالاستفاقة (الوعي على الذات وشرعتها ومنهاجها)، والإنابة إلى المورد، وتجديد النية والغاية، وتلك هي الرجعى.
هذا هو المنهاج في شرعة أمة الإسلام. لكنه غير “المنهاج في شرعة العصر“، فالأخير مختلف ومخالف، وهو الذي يعترض سبيل الأمة اليوم، ويفرق بها السُّبل عن سبيل الله. تقول: “المنهاج في شرعة العصر، هو الأخذ بالأسباب الوضعية المادية التي يتوصل إليها العلم، المبني على الظن، والعقل المركب على الهوى، من أجل إصلاح الأمر: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:11]. “إن غاية منهاج شرعة العصر هو “الهباء المنثور” [26].
هكذا تتشكل حالة “المنهج” في ساحتنا الفكرية المعاصرة بين “نسقين ليس من خيار بعدهما… نسق حضاري يقوم على محصّلة العلم الظني والهوى، ويتبعه بمناهجه الوضعية، ومعطياته في النظم والمذاهب التي تحكم السلوكيات والجماعات، فيما يُدعم من مزيدٍ من صنفه، ونسق حضاري مقابل له، قوامه العلم الحق والهدى، وتتبعه مناهجه التي تسترشد بمنابع الحق والهدى، وتتقدمه نظم الاجتماع والتآلف والتعارف التي تقوم على شرعته“. “أما النسق الأول فهو القائم -بل السائد- وهو الذي يوصف بالعصرية ويُنسب إليها، ومرة أخرى والعصر منه برئ… وإنما هو حكم في عرف من علا… وأما النسق الثاني فهو المفتقد، والممكن وإن لم يكن متاحًا، والقابل للتحقق في ضوء ما توافر له من وعي وعزم وسعي” [27].
هذا هو تعريف “المنهاج“، وهذه هي حالة مناهج التفكير والتصور الإسلامية في واقعها المعاصر: مخذولة، ومهاجمة، ومعزوّة من قبل مناهج ونسق حضاري غربي عماده الظن والهوى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم:23] ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم:28]، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم:23]. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:33][28].
لكن المنهاج أو المنهج الذي صار قضية شائكة، وتطور التعامل معه من البناء العملي عليه إلى النظر البحثي فيه، والتنظير له، والعمل على بناء مناهج، ونقد أخرى، وهدم ثالثة، أدى ذلك إلى نشوء مجال لدراسة المناهج هو مجال “المنهاجية“. وفي هذا الحقل تمد أستاذتنا الخيط إلى نظريتها عن مكونات المنهج وعملية صناعة المنهج ومكوناته بصفة عامة ومجردة، تمهيدا للحديث عن منهج التعامل مع المصادر الإسلامية.
فيتكون المنهج -عند د.منى- من لبنات بنيان ولحمة رابطة، أو من أعضاء جسم وعصب واصل. فأما اللبنات فهي “المفاهيم“، وأما اللحمة الجامعة فهي “الإطار المرجعي“. ونظرا للأهمية البالغة لهذين المكونين في رؤية د. منى للمنهجية بعامة ومنهجية الاستفادة من الوحي بخاصة، نورد قولها فيهما مفصلًا. تقول:
“وليست المفاهيم إلا اللَّبنات التي منها تؤسّس «المنهجيّة»، ومن ثّمَّ فما من عمل منهاجيّ إلا ويكون قوامه عمليّة «التأصيل للمفاهيم»، من خلال عمليّات بحث وتنقيب، فيما هو متاح ومتداول، من أجل التحقق منه ومعرفته، والقيام بالفرز والتنقيح بغية الوقوف على التكافؤ بين المحصول والمقصود”.
– ومن خلال عمليّات الكشف والتخريج في غير المتاح أو قليل التداول يكون ممكنًا منطقًا ولفظًا ومساقًا، فيما لو أعملت ملكات النظر والتدبُّر للوصول إلى مَا يهيئ لبناء «المفاهيم» وتحديد سبل ذلك من وسائل وأدوات، بحيث يصبح ذلك الكشف والتخريج في مجال بناء المفاهيم من الواجبات التي تقع في مقام الفروض، وذلك لأنّ مَا قد يترتب على غيبة مفهوم -ثغرة في صرح- الإنسانيَّة، ذلك الصرح الذي يشكل المدركات المعرفيّة لها في كل عصر وفي كل مصر.
– وإذا كانت المفاهيم تقدم لنا «لبنات المنهجيّة»، فإنّ «الأطر المرجعيّة أو النسق القياسيّ والنماذج التحليليَّة» وما هو مثلها من التركيبات الكليَّة التي يمكن استخدامها عند مراحل مختلفة في العمل الفكريّ الإنشائيّ أو في مستويات مختلفة منه، إنّما تدخل في عداد اللّحمة والعصب للـ«منهجيّة». في غيابها تضيع ملامح العمل «المنهجيّ’»، وتغدو المفاهيم في غمار ذلك بمثابة جملة مفاتيح اختلطت أبوابها، أو وضعت في غير مواضعها. فإنّ موضع «الإطار المرجعيّ» من المنهجيّة موضع الخريطة الأساسيّة للملامح العامة للموقع محل الرضى والنظر والحركة، فهي تتيح وضع «المفاهيم» في مواضعها.. وإخراجها من قوالبها المستقلة، في سبيل تحقيق القصد من «المنهجيّة».
– فكأنّ «الأطر المرجعيّة» هي الكفيلة بتأكيد «فعّاليَّة المنهجيّة»، إذ عليها يتوقف ضبط وتحريك الوحدات الجزئيّة لها، وإقامة العلاقات الارتباطيَّة بينها، وتمييز المستويات وترتيب الأولويّات في ضوء المنظومة القيميَّة التي تنطوي عليها هذه الأطر.. والعلاقة وثيقة بين «الأطر المرجعيّة والمفاهيم»– فحيث يقدّم الإطار الضابط الناظم للمفاهيم، فإنَّ «دعائم الإطار» تقدمها المفاهيم.)) [29].
– والفارق بين المجالين (بناء المفاهيم والأطر المرجعية)، أن الأولى أقرب إلى الجزئية ومعاركة واقع الحقل العلمي، بينما الثانية تنتمي أكثر العالم الكليات والرؤى الكلية للحقل [30].
– ((بناء المفاهيم يقتضي الإسهاب التحليليَّ… بمعنى: القدرة على فك الوحدة إلى عناصرها -والتمحيص في الجزئيّات وتنقيحها- فالتعامل يكون على قدر الوحدة المعنيَّة -ويتطلب منها مهارات تحليليَّة بالأساس،
– على خلاف مقتضيات التعاون في مجال «الإطار المرجعيّ»، ويكون التعامل منذ البدء على مستوى تصور أعمدة البناء تصورًا موقعيًّا، والبحث عن خطوط «الترابط الأفقيَّة والرأسيَّة».. من البدء..)) [31].
ترى د. منى أن هاهنا تبرز “العقدة المنهاجية” التي ينبغي تجاوزها لتحقيق “الوثبة الحضارية”: “أما العقدة المنهجية”فهي تتمثل في قدرتنا على أن نستوعب عمليًّا ذلك الفارق بين العمليتين أو المستويين من التعامل مع قضية المنهاجية؛ أي مستوى التعامل في حالة بناء المفاهيم… ومستوى التعامل في حالة بناء الإطار المرجعي الذي ينتظم تلك المفاهيم.. فالاختلاف ليس اختلاف درجة، ولكن اختلاف نوع“[32].
وهاهنا تلتفت إلى “تراثنا الفكري” وموقفه من هذه العقدة لتقرر أنه كفيل بمعاونتنا في عملية بناء المفاهيم بالطريقة المعملية الجزئية، لكنه يقل عطاؤه فيما يتعلق ببناء الأطر المرجعية:
((وإنَّ لنا في تراثنا الفكريّ مَا هو كفيل -لو أنَّنا أحسنا تناوله- بأن يطلق قرائحنا وقدراتنا في مجال «بناء المفاهيم».. وتقل لدينا الآثار فيما يمكن أن نستعين به إذا مَا أردنا الانتقال إلى موقع بناء «الأطر المرجعيّة».)).. ((ومع ذلك فإنَّه إذا كانت خبرتنا الحضاريّة -على هذا المستوى من تراثنا الفكريّ- موضعًا للنظر في هذا الشأن، فإنَّ لمصدر هذه الخبرة الذي يرجع إليه وجودنا باعتبارنا «أمَّة حضاريّة» أصلا ومرجعًا، موضعًا آخر، ذلك أنَّ أصولنا الإسلاميَّة التي ترجع إلى الوحي والتي تتمثل في القرآن الكريم -وفي السُّنَّة القرآنيَّة النبويَّة الصحيحة- تبقى لنا نبراسًا به نهتدي إزاء لحظاتنا التاريخيّة الحرجة –اليوم كما كانت في الماضي– وتقدّم لنا المعين الذي نستقي منه أبدًا ولا ينضب– وهذا مَا نحاول أن نأتي ببعض دلالته -وأدلته فحص مجال بحثنا هذا- في مقوّمات «المنهاجيّة البديلة» التي يستقيم بها صرح المعرفة في «علوم الاجتماع وعلوم الأمة»)) [33].
هكذا يتفتح الوعي المنهجي؛ أي الوعي على أزمة المنهج التي نعيشها اليوم، والإطلال على ضرورة توفر علمٍ للمنهاجية يقدم لنا مواصفات المنهج بعامة بما يمكننا من المقارنة والنقد والبناء والاستعادة. وكذلك تتراءى أمامنا معالم “تنظير للمنهج” يتصور “المنهج” -كل منهج معرفي- عبارة عن عِقد ذي حبات (المفاهيم) وسلك ناظم (إطار مرجعي)، وأن الطفرة الابتكارية تتمثل في نظم هذه الحبات في سلكها. لكن قبل النظم ثمة عملية مهمة أسبق؛ ألا وهي عملية التأصيل باستخلاص المفاهيم من مظانها المعتمدة، واستقاء الإطار المرجعي من مصادره المعتبرة؛ وعلى رأسها الوحي الكريم. وهذه العملية هي ما يسمى هاهنا بالتنظير من مصادر التنظير.
(ج) التنظير المنهجي والطريق إلى المصدر:
كما سبق، تتقرب د. منى أبو الفضل إلى رحاب القرآن العظيم من مدخل واضح ومحدّد، مدخل الباحث الاجتماعي؛ في مقام التنظير، وبالتحديد الأدق: التنظير المنهجي، والذي يشتمل على وجهين متبادلي العطاء:
(1) التنظير لمنهجية التعامل مع المصدر: القرآن.
(2) ثم التنظير من المصدر لمنهجية تعامل مع العلوم الاجتماعية والإنسانية.
فقد توجهت جهود الإصلاح المنهجي نحو مستويات ومجالات مختلفة يجمعها محوران: الأول هو محور النقد سواء للتصورات الأساسية، أو للمناهج، أو للمضامين والنظريات والمقولات. والثاني هو محور البحث عن «المنهاجيّة البديلة» التي يستقيم بها صرح المعرفة في «علوم الاجتماع وعلوم الأمة» بكشفها أو إعادة إنتاجها، أو إعادة تفعيل الجاهز منها. وفي هذا الجزء الأخير يقع مفهوم “التنظير” باعتباره عملية كشف عن البديل المعرفي والمنهجي الإسلامي، أو إعادة بنائه أو إعادة صياغته.
فالتنظير في العلوم السياسية يقع على ثلاثة درجات رئيسية: التنظير لرؤية العالم والنموذج المعرفي الحاكم لهذه العلوم (وهو غالبًا ما يتم على مستوى حزمة العلوم الاجتماعية والإنسانية معًا)، ثم التنظير -ثانيًا- على مستوى المنهج: (مصادره، وأدواته، ونظرياته)، ثم التنظير -ثالثًا- على مستوى الظاهرة السياسية جملة، والظواهر الفرعية المرتبطة بها. وهذه درجات متداخلة ومتبادلة العطاء. فلا مضمون بلا منهج ولا منهج بلا رؤية، ولابد للتصور والمنهج أن يثمرا رؤى ومقولات عملية.
والتنظير المنهجي؛ أي في المنهج البحثي -سواء بالكشف عن موجود، أو إعادة صياغة مفقود- يشمل ثلاثة أمور رئيسية: مصادر البحث، وأدوات البحث وطريقة البحث (إجراءاته). وإذا كانت ورقتنا تتعلق بالتنظير المتعلق بمصادر البحث في العلوم السياسية وطريقة البحث العامة، فكونه تنظيرًا منهجيًّا ينبغي أن يتطرق إلى الطريقة والأدوات.
فتفريعًا عن النظرية الوضعية المادية التي سادت فلسفة العلوم الاجتماعية -ومنها السياسة- جرى اعتبار “الواقع الإمبريقي” هو المصدر والمحل الأساسي للبحث والدراسة. فلا العقل ولا الوحي يعدان مصدرين صالحين لمنهجية البحث الحديث. والأديان -والوحي الذي هو قلبها- هي من الغيوب أو اللاهوت أو الميتافيزيقا الممتنع استقاء علم أو معارف منظمة منها؛ وهو الأمر الذي تعارضه الرؤية الإسلامية بكافة روافدها. وقد أفصحت د. منى عن هذا التقابل والتعارض بين نسقين حضاريين ومعرفيين ليس من خيار بعدهما على نحو ما أسلفنا.
ومن ثم فالدين ومصادره (وعلى رأسها الوحي) هو من المنابع المتميزة للمنظور الإسلامي في العلوم الاجتماعية. وهذا هو التنظير الإسلامي، وتلك طبيعة مصادره. فما هي مصادر التنظير الإسلامي؟ وما خصائصها وطبية العلاقات بينها. حيث ترى أستاذتنا أنه “لا بد لنا من أن نلم بطبيعة هذه المصادر في ذاتها، وبموقعها النسبيِّ؛ أي: بالعلاقة التي توجد بينها من حيث نسبة بعضها إلى بعض، بالإضافة إلى الوقوف عند خصائص كل مصدر أو مرجع، أو محدّد منهاجيّ، وبيان مجالات الاستفادة منه.
تصوغ د. منى مجموعة من القواعد المتعلقة بمصادر هذا التنظير وكيفية التعامل معها، ومن أهم ما تشير إليه منها:
- فبالإضافة إلى الإلمام بالطبيعة العامة لهذه المصادر، وقبل ذلك: “فإنَّ معرفة طبيعة وخصائص كل مصدر على حدة، من شأنها أن تمكّننا من التعامل معه على نحو يؤمِّن دواعي التكافؤ والاستيفاء.. ومعنى ذلك فإنَّ لكل مصدر مدخله الخاصّ به وأدواته التحليليَّة التي تكون أنجح في الاستفادة منه وأجدى في التعامل معه”.
- إن ذلك هو سبيل تطوير قاعدة منهاجية متكاملة ذات صلاحية عامة: “وكأنَّنا في تناولنا موضوع التعامل مع «مصادر التنظير الإسلاميّ»- نحتاج إلى تطوير قاعدة من المنهاجيّات الفرعيَّة أو المتخصّصة، التي تكون حصيلتها في النهاية، قاعدة منهاجيّة متكاملة تصلح للتعامل مع المصادر المتنوعة وفقًا لمقتضيات فروع التخصُّص المختلفة” [34].
- وهذه المصادر ليست واحدًا بل متعددة؛ لذا يجب أن نعرف “أنَّ «مصادر التنظير الإسلاميّ» تتحدّد وتتفاوت فيما بينها سواء من حيث قيمتها الذاتيَّة- أو من حيث موقعها من مجال أو قصد البحث موضع التنظير”.
- تقسيم المصادر وتراتبها بين أصلية ومشتقة: “وتنقسم مصادر التنظير الإسلامي إلى أصلية ومشتقة. والأصلية هي الوحي، والمشتقة هي محصلة التأثر بمعطيات الوحي عبر الزمان والمكان (الخبرة الحضارية)”.
- وهذا التقسيم يفيد التضافر لا التنافر: فـ“كفاءة «قاعدتنا المنهاجيّة في علوم الأمّة والاجتماع» -تقتضي تضافر هذه المصادر جميعًا- حتى يمكن أن تتكامل الأبعاد فيها.. “.
- والقرآن الكريم هو رأس المصادر الأصلية: والقرآن “هو رأس الوحي ومصدره الأول”، (التنزيل المحفوظ للآيات البينات التي تم تدوينها لفظا وحرفا في
صحف مطهرة، وتم جمعها بين دفتي كتاب كريم”[35].
- والسنة مصدر أصلي وهي محل تنزيل المطلق القرآني على النسبي البشري: “والسنة هي المصدر الآخر للوحي: حديثًا صحيحا وسيرة موثقة؛ مبينة ومفصلة للقرآن الكريم، فالنبي هو الأسوة الحسنة في تنزيل المطلق القرآني على النسبي البشري”. وتتابع في ذلك قول الشاطبي الذي يعد عمدة بحثها هذا من القدماء: “… السنَّة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره. أمّا القرآن فهو كليّة الشريعة، وينبوع لها… ولأنَّ الله جعل القرآن تبيانًا لكل شيء، فيلزم من ذلك أن تكون السنَّة حاصلة في جملته؛ لأنَّ الأمر والنهي مَا في الكتاب، يعني ذلك أنّ القرآن وإن اشتمل على علوم خمسة… فإن أول مَا يعني به هو الأمر والنهي- أي: التكاليف الشرعيّة، اعتقادية، وعمليّة…» [36] “.
- وبين القرآن والسنة علاقة لا انفصام لها وأيضًا اختلافات في طبيعة كل منهما بما يقتضي مناهج خاصة وأدوات خاصّة: “وعلى الرغم من أنَّ العلاقة مَا بين القرآن والسُّنَّة من حيث اعتبارهما مصادر أصليَّة في التنظير الإسلاميّ، علاقة لا انفصام لها، إلا أنّها واقعيًّا لا تتجاهل الاختلاف في طبيعة كل منهما… مَا بين مواضع الإطلاق والتقييد.. وما بين الأبعاد الإلهيَّة في القرآن والبشريَّة النبويَّة في الثانية، كان التعامل مع كل منهما يقتضي مناهج خاصة وأدوات خاصّة”. فثمة تمايز وفصل وثمة تكامل ووصل “على النحو الذي يجعل التعامل مع السنة، في التحليل النهائي للأمر- على ضوء وفي نهج تعاملنا مع القرآن الكريم”[37].
- والمصادر المشتقة رافد فكري وعلمي ورافد تاريخي وواقعي: “تتمثل المصادر المشتقة في رافدين بينما من التمايز والاتصال كذلك”: أولهما- التراث الحضاري الإبداعي “وفي مقدمته التراث الفكري والعلمي على تنوعه”. ثانيهما-“الخبرة التاريخية أو محصلة تراكم الخبرة المتوالدة عبر تراكم المواقف والأحداث” [38].
وبناء على هذا التعدد والتنوع في مصادر التنظير الإسلامي وتفاوت دلالة كل منها وقيمته وحدود ومجالات الاستفادة منها، وما يقتضيه هذا من تباين “المقومات المنهاجية لكل منها” ووجود علاقات تدرج قيمي ضرورية بينها في ضوء علاقات الاتباع والاشتقاق”؛ بناء على كل هذا تضيف د. منى ثلاث إشارات مهمة تضم إلى ما سبق من قواعد في مقدمات التعامل مع هذه المصادر وفي قلبها القرآن:
- الوحي يمكن من استنباط معايير قياسية ثابتة وحاكمة: “إن وجود الوحي بين مصادر التنظير الإسلامي يجعل هناك إمكان استنباط معايير قياسية معلومة – ثابتة – وضابطة – عند تنقيح المصادر ومناهجها“.
- ضرورية البعد الأخلاقي في المنهاجية الإسلامية المستوحاة من الوحي: “إن المنهاجية الإسلامية في ضوء طبيعة مصادرها لابد أن تنطوي على بعد أخلاقي واضح؛ ومن ثم فهي لا يمكن أن تلتقي منطلقات المنهاج [المناهج] الوضعية في أصولها“.
- “إن دواعي التكافؤ المنهاجي تفرض تطوير منهاجية مستقلة ليس فقط للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي، ولكن كذلك مع المجتمعات الإسلامية – سواء التاريخية منها أو المعاصرة“[39].
وهكذا تقدم د. منى بين يدي القرآن ومنهجية التعامل معه والاستفادة منه رؤية واضحة المعالم، متكاملة العناصر لطبيعة مصادر التنظير الإسلامي، تصلها بمصاف كبار المنظرين الشرعيين المعاصرين والمؤصلين للتعامل المنهجي مع القرآن المجيد من طريق وسطي راسخ؛ من أمثال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله والشيخ البوطي والشيخ القرضاوي والشيخ طه العلواني والشيخ علي جمعة فيما كتبوه حول هذا الأمر خاصة، ودون أن تخوض في تفصيلات لا شأن لها -باعتبارها باحثة أو مجتهدة في العلوم الاجتماعية والسياسية- وما لا طائل من ورائه من قبيل ما فعل أرباب القراءات المعاصرة والحداثية.
وهكذا يتمهد الطريق للتعامل مع القرآن المجيد من هذا الباب المحدد لاستخلاص منهجية مزدوجة أو منهجيتين متكاملتين: الأولى- هي منهاجية تعامل الباحث الاجتماعي مع القرآن المجيد في مستوى المنهج: كيف نقرأ القرآن المجيد قراءة تساعد على استخلاص المناهج منه. والثانية- نموذج (وشروط) المنهجية القرآنية التي استشفتها الدكتورة منى بنفسها لدراسة العلوم السياسية من منظور إسلامي. وفيما يلي نفصل هذين المحورين.
ثالثًا- محددات التعامل المنهجي والبحثي مع القرآن الكريم.. الخصائص والمقومات:
بين يدي القرآن الكريم تحدد د. منى غايتها أو ما تفتقر إليه في هذا المقام الذي تصفه “باستطلاع مبدئي في شروط ومقومات التناول في أحد مجالات التخصّص في العلوم الاجتماعيَّة- إذا مَا أريد لنا أن نستأنس بالهدي القرآنيّ في إرساء أصولنا المنهاجيّة في هذا المجال“. الهدف أو “الافتقار هو -إذن-: لمنهجيّة مستقلة ومتمايزة في هذه العلوم تنبع من مصادرنا الموحاة و«أصولنا الحضاريّة»، وبالتالي تتكافأ وتطلّعاتنا الحضاريّة“. ولكن طريق هذا المقصد يطرح سؤالًا ضروريًّا هو: “كيف يتسنَّى لنا الانتفاع بـ«أصولنا الحضاريّة» في هذا المضمار مَا لم ندرك المداخل إلى هذه الأصول؟. وكيف لنا -على وجه الخصوص- أن ندرك مكنونات الكتاب المبين… «الجامع لمصالح الدنيا والدين.. الحاوي لكليّات العلوم ومعاقد استنباطها»[40]-ما لم نعرف بعض مداخله- وهي شتى متنوعة -حتى نستعين- بهذه المعرفة في مواضع التأصيل المنهاجيّ لتخصُّصاتنا المعيَّنة؟ هذا مَا يجعلنا نتخذ من نظرة أولى في خصائص الخطاب القرآنيّ «مقوماتنا المنهاجيّة»”.
فما هي مقومات مدخل الباحث الاجتماعي للتعامل مع القرآن باعتباره مصدرا لتأصيل مناهج التخصصات الاجتماعية والإنسانية، وما شروطه اللازمة؟ تقدم د. منى مجموعة م الشروط والمحددات المستقاة من خصائص القرآن المجيد نفسه.
يمكن إجمالها على النحو التالي:
- ضرورة التأسيس الثقافي الإسلامي وسبق رؤية إسلامية سوية: فـ”لا يمكن للمتخصّص في أحد مجالات العلوم الاجتماعيَّة الحديثة أن يرقى إلى مستوى التنظير في مجال تخصُّصه العلميّ من منظور إسلاميّ دون أن يكون له قدر من الإلمام «بالثقافة الإسلاميَّة»، ومصادر بنائها وسيرورتها عبر التاريخ الإسلاميّ ويتوافر له قسط من «الرؤية الإسلاميَّة» السويَّة”. وهذا الشرط يحتاج إلى مطالعة ومراجعة: فيمكن أن تتحصل له هذه «القاعدة المعرفيّة» باطلاع الباحث “على أعمال أهل النظر العلميّ الدقيق في هذا المجال في مختلف العصور والأماكن”. ولكن د. منى تأخذ على للباحث المتخصّص “أن يقتصر على هذا المصدر في معرفته الإسلاميَّة، وأن يقعد عن مراجعة المصادر الأصليّة.. “.
- ضرورة أن يرى الباحث في بحثه وعلمه وتعلمه اجتهادا وتعبدًا لله: “فالمؤمن يتعبَّد بالقرآن في حياته جملة، بما فيها حياته الفكريّة والعلميّة، وما تعبُّده في مجال علمه إلا بالرجوع إلى القرآن الكريم متدبّرًا متأملا عسى أن يجد في كتاب قال فيه تعالى -وقوله الحق-﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:38]، ذلك القسط من الهدى والنور -والتبيان والتذكرة- التي تضيء له الطريق، وتمدّه بالأسباب والزاد فيما هو بصدده”. ماذا يعني ذلك؟ “يعني ذلك أنَّ الباحث المتخصِّص لا بد له من أن يرسل النظر- أي أن يقدم على قدر من «الاجتهاد بالرأي» في آيات الذكر الحكيم، من زاوية افتقاره في مجال تخصُّصه”. وهي في هذه الدعوة للاجتهاد بالرأي تتابع ما فهمته م القرآن نفسه وما دعا إليه من تدبر في الآيات، وتستأنس بقدماء كالشاطبي في الموافقات ومحدثين كالطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير ودراز في النبأ العظيم. وهذا الاستئناس وذلك الفهم يفيدان أن الاجتهاد بالرأي لا يدخل فيه القول بالهوى والتمني بل بإعمال مكنات الفهم والتدبر، وقبل كل شيء التزام قواعد المنهج الذي هو لازمة فكر أستاذتنا.
- تدقيق مفاهيم المدخل إلى القرآن في ظل الركام القلق المحيط به اليوم، ومن ذلك تفضل د. منى استعمال مفهوم “الخطاب القرآني” أو “البيان” على مفهوم “النص القرآني“: وتؤكد أن تكون الغاية من المدخل هي التدبر للآيات ضمن حيويتها لا المراجعة لنصوص لفظية جامدة أو مجردة على نحو ما يتم مع نصوص كتب مقدسة عند آخرين أو يرام أن يفعل بقرآننا من خارج إطار التنظير الإسلامي كما تعنيه د. منى[41]. ومن ثم تكرر من التأكيد على الغاية الخاصة: أن المدخل هو “التعامل مع القرآن الكريم من منطلق المفتقر في مجال التخصص في علوم الأمة“[42].
- الخطاب القرآني “يحمل عناصر العملية الاتصالية على النحو الذي يكفل له أداء رسالته“[43]. فكون القرآن “رسالة” هداية يستوجب الاتصال ومكوناته، لكن مع خصوصيات قرآنية عن سائر وسائط الاتصال؛ من قبيل:
أ) فيما يتعلق بالمخاطب: مباشرة المخاطب بالنداء (صيغة التوجه) وبالمواكبة الزمنية المتجددة (الفعل المضارع)، وتعدد دوائر هذا المخاطب وتباينها وتداخلها وشمولها في النهاية للعالمين، وتنوع مستويات التلقي التي يواجهها.
ب) فيما يتعلق بمصدر الخطاب: حضور دائم لا ينقطع مطلقا يزيد المضمون حيوية وفاعلية لا سيما منزل القرآن لقارئيه هو السميع القريب المجيب.
ج) فيما يتعلق بالمحتوى: فهو مبنى ومعنى، وله مبعث ومقصد. ويدخل في المبنى الإعجاز البياني الماثل في الأسلوب القرآني في الخطاب، وفي المعنى الرؤية الملية التي ترى المواضع تتضافر مع المواضيع في نسيج معنوي وفكري راقٍ إلى الغاية.
وهذه -في رأي د. منى- من أوليات مواطن الاستفادة في منهجية العلوم الاجتماعية المستهدية بالقرآن المجيد على نحو ما سيتضح تاليًا.
- حيوية الخطاب القرآني بالجمع اللطيف بين سائر مكونات الإنسان: الفطرة والوجدان والعقل والجسد وأثر الواقع: فهذه الحيوية” ترجع في جانب منها إلى «الإعجاز البيانيّ» في «الأسلوب القرآنيّ في الخطاب»– الذي يجمع بين خطاب النفس الإنسانيَّة في أبعادها الفطريَّة والوجدانيَّة وخطاب العقل في أبعاده المنطقيَّة والبرهانيَّة- ومناط الإعجاز هنا هو في تجاوزه للقوانين النفسيّة التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل وبنسب عكسيَّة، ومؤدىٰ هذا التضافر في ائتلاف بين نزعتين متنافرتين على هذا النحو… إنَّ «الخطاب القرآنيّ» نموذج فريد للخطاب الاعتقاديّ… الذي يحرّك دوافع «الاستجابة والفعل البشريّ» من دون إسفاف أو إهدار لملكات العقل فيه.”[44]. ومن ثم فإن “تمايز «الخطاب القرآنيّ» على هذا النحو الذي يؤلَّف فيه بين متنافرات، أن أوجد «نسقًا إسلاميًّا خاصًّا في المعرفة»، قوامه الوحدة والاتِّساق وإمكانات التأليف بين المتباينات. وهذا على خلاف النسق السائد في المجال المعرفيّ المعاصر، الذي هو وليد وميراث التطور التاريخيّ الخاص بالحضارة الأوروبيّة في أبعادها الفكريّة والروحيَّة والواقعيَّة”. وهو الأمر الذي سوف يكون له مردود كبير وواضح فيما تقترحه د. منى من منهجية قرآنية في علوم الأمة والعمران.
- الجمع بين الأبعاد العمليّة والنظريَّة: فتصف د. منى “البيان القرآنيّ «بالتكافؤ» الذي ينطوي عليه بين مضمون الرسالة وغايتها؛ فـ«القرآن الكريم» لا يعنىٰ بمجرد الإعلام بالحق أو «التبليغ» به، ولا يقف عند حدِّ الدعوة إليه، ولكنَّه عمل على إعادة تشكيل وتكييف نمط الحياة في ضوء التنزيل، وهو يتوجه إلى «النفس» لتخريج نمط فذ من أفراد الأمة. كما أنّه يتوجَّه إلى «الجماعة» من خلال أفرادها لتخريج جماعة متميِّزة بين الجماعات البشريَّة، تكون القاعدة والنواة للـ«أمَّة الوسط» أينما حلت. وعلى من يتعامل مع «الوحي» في مصدره المنشئ أن يعي هذه الحقيقة. كما أنّ على «المنهجيّة» التي تُركَّب في مجال من مجالات البحث في «علوم الأمّة»، أن تحمل معالم التوجُّه الذي تتوخاه في مصادرها، فتكون «منهجيّة» تحمل على حركة وتربط بين الأبعاد العمليّة والنظريَّة”. وتقول واصلة بين هذه الخصيصة وسابقتها: ” فـ«الخطاب القرآنيّ» الذي يجمع في توجيهه بين الأبعاد الاعتقاديَّة والعمليّة جاء ليتفاعل مع مواقف حيَّة في سائر نواحي الحياة الاجتماعيَّة في فترة تحوُّل تاريخيّ حافلة بالأقضيّة والحوادث، بل إنّ «التنزيل» كان عليه المعوّل الأكبر في إحداث هذا التحوُّل في تاريخ المنطقة وفي حياة العرب على مدى العقدين من الزمان- منذ انطلاق الدعوة إلى اكتمال الرسالة وتمام الدين، وتوالت الآيات القرآنيَّة الكريمة واشتبكت وتداخلت وتلاحقت بتناقض وتشابه وتداخل الأحداث والأسباب حتى إنّها في موضوعاتها ومجالاتها اتّسعت لتستوعب وتحيط بمجالات وموضوعات الحياة الاجتماعيَّة كافَّة. وضربت بجذورها في أعماق النفس الإنسانيَّة وصعدت بها إلى الآفاق الكونيَّة- ولم تزل تتداركها الأبصار بصيصًا رويدًا”[45].
وفي هذا المقام أقرّ أنني لم أكد -رغم الكد- أجد عبارة أرقى ولا أوفى ولا أوجز ولا أقطع في الرد على أصحاب دعوى التاريخانية ونسبوية الخطاب القرآني مما أردفت به د. منى على هذا؛ حيث قالت في بلاغة بالغة: “من ثم فإنَّ القرآن ليس تجميعًا لنصوص محفوظة؛ وإنّما هو جمع آيات التحمت عبر لحظات متدافعة في مواقع متجدِّدة وبأغراض توجيهيَّة معلومة، سواء كان هذا التوجيه بالإعمال أو بالإبطال، بالدعم والتثبيت، أو بالتقويم والتصويب، وإذا مَا انقضت المناسبات والملابسات بقيت هذه الآيات لا بمثابة الذكرى التي تسجّل واقعة انقضت، وليست كمحفظة تاريخيّة أو بيان توثيقيّ- وإنما بقيت هذه الآيات القرآنيَّة تحتفظ بكامل فعَّاليَّتها التوجيهيَّة النافذة عبر الزمان والمكان بالنسبة لكل موقف إنسانيّ؛ اجتماعيًّا كان أو تاريخيّا يحتوي على عناصر الموقف الأساسيّ الذي اعتبر سببًا في النزول، ولأنَّ المواقف التي تتخلل حياة الأفراد والجماعات والأمم- لا تخلو من عناصر تلازمها ملازمة الفطرة للإنسان فلا عجب أن يظل «البيان القرآنيّ» ينبض حيويَّة وفاعليّة- بوصفه تنزيلا من لدن عليم حكيم خبير، خالق الإنسان معلمه البيان، مدبّر الأمر ومهيأ الأسباب”[46].
- ضرورة النظرة الكلية والمعمارية التي تتوخى الإعجاز المعنوي -مع الإقرار بالإعجاز الجمالي- للقرآن لتناول كلياته وتحقيق مقاصده: “وليس لنا من سبيل لإدراك هذه الحقيقة إلا إذا تجاوزنا النظرة الجزئيّة إلى الكتاب الكريم، واستوعبنا آياته في إطار السور، ونجومه في إطار الأجزاء، وكذلك لن تحقق لنا المقدرة على التعامل مع كليّات الكتاب الحكيم، مَا لم نستطع تجاوز المبنى إلى المعنى، لتوخّي جوانب الإعجاز المعنويّ- وعندها يعود القرآن الكريم إلى موقعه الذي قدر له في حياة الأمّة بكونه فردًا مرشدًا ودليلا وفرقانًا وبيانًا للهدى والحق- لا على مستوى أفرادها فردًا، ولكن على مستوى أفرادها جمعًا- فالتخطيط الذي يمكن أن نستنبطه في نظم القرآن في ترتيبه الحالي، إنّما هو التخطيط للفعل الحضاريّ” [47]. وتعد هذه النقطة هي محور الارتكاز ومناط التجديد والفاعلية في منهجية التعامل مع القرآن من منصة مجتهد التخصص المفتقر كما تؤكد وتشدد أستاذتنا. ومن هنا أطالت في هذا المقام تشير إلى:
- ضرورة استيعاب الباحث لأبعاد مقصده في النسق القرآني جملة وليس فقط في الوقوف على الجزئيات فيما عساها أن تحمل من محتوى ” فهناك علاقات لا يمكن أن تكتشف إلا من خلال المعنى الكليّ، ومن خلال أنماط التجاور والتقابل، وعبر الانتقال بين مواضع ومواضع، أو من خلال متابعة إيقاعات «الخطاب القرآنيّ» في حركاته.”.
- التمييز والوصل بين تناول الفقيه للقرآن بغية “تخريج الأحكام الفقهية“، وبين مواقع التخصص اليوم ” فنحن نبحث في «القرآن (والوحي) [48]عن قواعد وأصول تنشئة الأمّة -حيث الأحكام هي أحد أبعاد البنيان- تدعمه وتقيم سياجه “… ” وعلى ذلك- فإنّ «فقه العصر هو فقه سنن الاجتماع»– ولا يقتصر على «أحكام الاجتماع» بل إنَّه لا بد من مراجعة شاملة لمفهوم «فقه الأحكام» ذاته حتى يتأتَّى الانتقال بالأحكام إلى «مقاصدها الشرعيّة» [49]، وعندها تعتبر الأحكام وسائط فاعلة في تأمين «حيويَّة الجماعة»، وفي دعم أواصر اللحمة والتماسك الداخليَّة، ولا تكون مجرد سياج خارجي لا يعدو أن يجمد في قالبه الشكليّ المجَّرد.”.
- بيان أنها في الدعوة إلى تبني النظرة الكلية و”الوحدة الموضوعية” في سياق الخطاب القرآني لا تقدم على “نظرة غير مسبوقة” قدر ما تدعو لتفعيلها في المنهج. فتشير إلى سابقين من أمثال الشاطبي ود.دراز (حيث تصفه بأنه “عالم جليل قدم لنا المعين النفيس في مدخله إلى القرآن الكريم” وتعتبر دراسته في مجال الأخلاقيات “تقدم خير نموذج لاحتواء المسلك المتكافئ وطبيعة البحث في التخصّص، حيث إنّه قدّم لنا الدليل العمليّ والأسوة الحسنة إزاء مَا نحن بصدده في هذا المقام“) [50]، وإلى مبادرات سيد قطب والشيخ الشعراوي. لكنها تخص بالأسبقية كلا من دراز والطاهر بن عاشور من حيث تقديمهما “نماذج الدراسات في مجال الاجتماعيَّات التي تحمل آثار الاجتهاد في فروع التخصّص من منطلق استيفاءٍ لأبعاد النظرة القرآنيَّة الكليَّة،…”.
- حاجة “مجتهد التخصص” إلى الإلمام بخصائص مصادره التي يستقي منها، “وهو- إذ يقبل على التحقُّق من هذا الشرط، عليه أن يقبل على تحصيل جملة مَا جاء به أئمة سبقوا في هذا المجال. وجاءوا بما جاءوا به من نفائس قلما استدركها اللاّحقون، ولكن لا ينبغي أن يستغرق في تفصيلاتها، ولا أن يقف عند منجزاتها، بل عليه أن يستخلص مَا يفيده في توجهه حول هذا المعنى لإضفاء قيمة جديدة فوق قيمتها المختزنة، وأن يعمل على الإضافة من خلالهما- للمستجد في مجاله”[51].
9- ليس التعامل مع القرآن في هذا الصدد من باب “التفسير“، فله أولو العلم من أهله، ” ولكنَّنا إزاء جهد إنشائيّ تأسيسيّ في مجالات المعرفة المعاصرة، وخاصة هذه المجالات التي لها علاقة مباشرة برصد وتوجيه اتجاهات الاجتماع البشريّ، ونحن إزاء هذه المهمة لا يسعنا إلا الرجوع إلى مصادر وجودنا الحضاريّ والكيانيّ، لنستمد منها قاعدة الانطلاق وأساس البناء” [52].
10- أولوية المصدر القرآني والتعامل مع كونه مصدقا على ما عداه مهيمنا عليه. وقد يبق بيان هذا في القواعد العامة للتعامل مع المصادر الإسلامية.
“إنّ هذه الأخيرة تقتضي علي:
[1] تبنّي النظرة الكليَّة في تناول الظواهر. [2] في اعتماد أساليب الدمج والتوليف بين الأجزاء في إطار الكليَّات. [3] البحث في العلاقات الارتباطيَّة الرأسيَّة والأفقيَّة في هذا السياق. [4] فضلا عن أنّ هذا التناول للظواهر الاجتماعيَّة موضع النظر يفرض المرونة والحيويّة بالقدر الذي يتسع لمتابعة عوامل الدفع الحضاريّ -أي: التغيرُّ والحركة- بل يتجاوز ذلك إلى القدر الذي يتَّسع لتوليد هذه العوامل في إطار تتحدّد فيه العلاقات بوضوح بين المتغيرات والثوابت… ومعطيات الحركة ومحاور الارتكاز… ” [53].كل ذلك لضبط التعامل مع الذكر الحكيم؛ بغرض استنباط “الوسيط المنهاجي” للتعامل قرآنيا مع التخصصات الحديثة، والواقع الراهن، والوصل بينهما بميزان المرجعية الإسلامية: عقيدة وشريعة وأخلاقًا. فما معالم هذا الوسيط المنهاجي؟ وما هي مقوماته وخصائصه؟ فالدكتورة منى تشير إلى “أن من مقتضيات التعامل المنهاجيّ مع مصادر التنظير الإسلاميّ، إيجاد هذا الوسيط الذي ينقل المدركات المستمدة من المنظور الإسلاميّ إلى مجالات التخصّص حتى يمكننا بلورة هذه الأخيرة في ضوء هذا المنظور. حتى تستوي قاعدة «المعرفة البديلة» في مجال «السلوكيَّات» على أصول منهاجيّة أصيلة خاصة بها، متكافئة في طبيعتها، متَّسقة في مقاصدها. وعلى ذلك فإنَّه من جراء عمليّات المطابقة والتواؤم، بين أصول مصدريّة، وكليّات تخصُّصيّة.. يمكننا أن ندخل في دائرة بناء «الأطر المرجعيّة المطلوبة»– ونعود لنذكر أنَّ هذا المطلب قوام تأمين الرؤية الكليّة في مباحثنا التفصيليَّة” [54].
رابعًا- معالم منهجية تنظير مستفادة من خصائص الخطاب القرآني:
من منطلق مفاهيم: الاستهداء والاعتبار والتأسي، التي تتعامل بها د. منى أبو الفضل مع الأصول الإسلامية -وبالأخص القرآن الكريم- تتجلى عديد من معالم الوسيط المنهاجي أو المنهاج الواصل بين القرآن والتخصص الاجتماعي والحضاري المعاصر، فتقول: “إنَّ الوسيط المنهاجيّ الذي نستمده من المصدر القرآنيّ يقوم بربط المباحث المتفرعة في مجال التخصّص بالحقل القرآنيّ كما يوفّر الرؤية الكليَّة المستمدة من طبيعة مصدره- وبالتالي يقدم «الإطار المرجعيّ» الذي يحفظ وحدة فروع التخصّص من جانب، ويمكّن من إقامة علاقات النسبة والتناسب بينها، ويؤمِّنها من الانشطار في تفريعات تبعدها عن مدار الغايات والمقاصد- والتي يكون بقاؤها مرهونًا ببقاء الرؤية الكليَّة. وعلى ذلك، فإن كان مفهوم «السلطة» يتميّز في المنظور الإسلاميّ عنه في المنظور الوضعيّ، فإنَّما يكون ذلك بمقدار ارتباطه بمصدر هذا التمايز، وبقدر مَا تستمر علاقاته بين الوسائل والمتغيّرات المختلفة في المنظومة القيميّة الكليّة المستمدة من هذا المنظور. ولكن مما يستوجب النظر في هذا المقام، ونحن نربط بين النظرة الكليَّة للظواهر موضع التخصّص، والنظرة الكليَّة التي تستمد من طبيعة المصدر القرآنيّ هو أنّ هذه النظرة لا تقتصر على موضع الظاهرة في كليّاتها.. أي: على العلاقات الارتباطيَّة التي توجد بين مستويات ومكونات هذه الظاهرة في جملة «الإطار المرجعيّ» وإنّما نجد أنَّ هذه النظرة الكليّة تحكم التعامل في داخل هذه المستويات وفيما بين المكوّنات وبعضها، أي أنّها تتخلل «حيويّات المنهاجيّة» ولا تقف عند أبعادها ومعالمها الخارجيَّة” [55].
ومن ثم تتبين بعض خصائص هذا المنهاج العام على سبيل الاستفادة من خصائص الخطاب القرآني وذلك على النحو التالي:
- فاقتداء بسمات الاتصالية القرآنية ينبغي أن تكون منهجية علوم الأمة والعمران اتصالية فعالة: “فإنَّنا نجد العناصر الاتِّصالية تتحقّق وتجتمع في البيان القرآنيّ على أكثر وجوهها إحكامًا وفعالية على النحو الذي يدفعنا إلى التعامل مع القرآن الكريم- كمصدر حيٍّ وحيويٍّ في تأصيلنا لأبعاد «منهاجيّتنا»– وإذا كان لـ«منهاجيّتنا» أن تتزود من نبع «الخطاب القرآنيّ» عند هذا المستوى فهي تكون إزاء درسها الأول في ضرورة تحقق العناصر الاتّصالية في مجالها. لأنّها من وجوه «الكفاءة المنهاجيّة» ومن عوامل الفعالية فيها”.
- وحيث إن المصدر القرآني مقاصدي بطبيعته فينبغي أن تكون المنهجية المستوحاة منه كذلك: “أمّا الدرس الثاني فهو أنّ «المنهاجيّة» التي تستأنس بالمصدر القرآنيّ لا بد لها أن تولي اهتمامًا خاصًا لبعد المقاصد والغايات ولا بد لها من أن تكون في النهاية بمثابة مسلك تعبُّدي يسمو بمجال التخصُّص على مقام العلم النافع…” [56].
- منهجية حيوية كحيوية الخطاب القرآني، وخاصة في التعامل مع الإنسان والمجتمع والظواهر في جمعيتها وكليتها بل فصل متعسف: “والدلالة العمليّة لذلك في مجال بحثنا هي في أنَّ «الأصول المنهجيّة» للتعامل مع مصادر التنظير الإسلاميّ لا بد أن تعتبر بهذا المعنى في أسلوب البيان القرآنيّ. فإن كان هناك موضع للتمييز بين تنوع جوانب ومصادر السلوك الإنسانيّ والسلوكيَّات في المجتمع، فإنَّ علينا أن نتعامل مع الإنسان في وحدته المتضمنة لأبعاده المتنوعة، وأن تنطلق مناهجنا في التعامل مع الظواهر الاجتماعيَّة من تلك القاعدة التي توفر لها أوسع قدر من التكامل الممكن أو سعة الأفق” [57].
- منهجية متحفظة في التعامل مع المنهجية الوضعية بسبب الاختلاف في الأصول المعرفية: “والوجه الآخر لهذه الملاحظة أنَّ علينا أن نتعامل بكثير من التحفظ مع المناهج المتداولة في مجال التخصُّص ليس فقط للاعتبار الجوهريّ الذي يحكم منحاها جميعًا- والذي ينشأ عن المنطلقات الفلسفيّة المعرفيّة التي تقوم عليها، وفيها مما يتنافى مع الأصول المعرفيّة الإسلاميَّة، ولكن لأنَّها لا محالة واقعة بين مثالب الإفراط والتفريط، على النحو الذي من شأنه أن ينعكس في كل من طبيعة ونتيجة الدراسات التي ترتكز إليها، وأول مَا نستفيده من التعامل مع أسلوب البيان القرآنيِّ هو ضرورة اتّساق الأصول المعرفيّة، ومحتوى الرسالة مع «الأصول المنهجيّة»، أو طرق الاقتراب أو التناول لها [58].
وتلخص د. منى هذه النقاط الأربع السابقة قائلة: “ومجمل هذه الدلالة هو أنَّ منهاجيّة تتعامل مع المصدر المنشئ للتنظير الإسلاميّ- لا بد أن تعيَ وتستوعبَ أبعاد الحيويَّة التي تميِّز الخطاب القرآنيّ، وحتى لا تولد المنهاجيّة ميتة أو جامدة، فعليها أن تستأنس بطبيعة ومنحى المصدر المنشئ، وبروح العالم المتعبّد المفتقر إلى بصائر النور المبين، ولسنا ملزمين بالوسائط «التراثيَّة» الكثيفة ولا بالمدخلات العصريَّة المريبة، ومن طرف آخر ومكمّل، فإنَّ المنهاجيّة التي تستلهم مصادرها التي نقصدها، لن تخرج لنا وقد حققت شرط التكافؤ الذي تقتضيه كل منهاجيّة ناجحة، وإنّما سوف تخرج لنا وقد استوفت أبعاد الاستواء والإحاطة التي تمكنها من قدر حيويَّة التفاعل مع عناصرها كافة، تلك التي تستمد من ذلك التراث المبنيّ على المصادر وتلك التي تستمد من الموقف المعاصر كما أشرنا، ونكون بذلك قد أمَّنا «التنظير الإسلاميّ» في مجالات المعرفة التي يسعى الباحث المسلم لأنّ يسترجع مواقفه فيها، خروجًا من مزالق التعمية والتجريد.. حيث إنّنا نعود لنتذكر أنَّ مقصد «التنظير الإسلاميّ» ليس مقصد الفيلسوف الحكيم، وإنّما هو مقصد المجاهد الرابض على ثغرة من ثغور الأمَّة، بعد أن تضاعفت تلك الثغور وتحولت إلى ثغرات في الهيئة والأساس. إذن- فالتماس «أسباب الحيويَّة» في الخطاب القرآنيّ، والتأسّي بها عند بنائنا للقواعد المنهاجيّة في التأصيل لعلوم الأمّة في واقعها المعاصر، من مقتضيات الوعي المنهاجيّ في هذه المرحلة، وهو أمر في غاية الأهميَّة” [59].
تلك بعض خصائص أساسية، لكنها تشي بأن مجمل خصائص منهج التعامل مع القرآن ومقوماته يجب أن يكون لها مردود وفائدة فيما يتعلق بالمنهجية الأخرى المستفادة في بناء علوم الأمة والعمران. ومن ثم ننتقل إلى مقومات هذه المنهجية الوسيطة للتنظير في العلوم السياسية خاصة، والتي تدور حول العمليتين اللتين سبق أن قررت أستاذتنا أنهما تمثلان ركني المنهج: عملية بناء الإطار المرجعي لعلم السياسة (المستوى الكلي للمنهج)، ودعاماتها المتمثلة في عمليات بناء المفاهيم السياسية (المستوى الجزئي للمنهج).
(أ) نحو إطار مرجعي للتعامل مع المصدر القرآني في العلوم السياسية:
الإطار المرجعي هو “منظومة نسقية” تتكون من مفاهيم محورية أو مركزية تتولد عنها وتتداعى إليها مفاهيم فرعية تتصل بها ضمن هذا النسق. وأبرز سمات هذا النسق هي: الاتساق، ثم التدرج، ثم التكامل[60]. وبالنسبة للإطار المرجعي المستفاد من القرآن الكريم فهو يقوم على أربع دعامات تصفها د. منى بكأنها ” الأوتاد الأربعة التي تشد قواعد البيت العتيق… قبلة الأمة، ومدار المناسك، ومهبط الوحي والعمارة والتشييد“.
أما بيانها فهي:
“- الدعامة الأولى:هي «عقيدة التوحيد»، التي على أساسها قامت الدعامات الأخرى، وبها استقامت ملامحها.
– والدعامة الثانية: هي «الاستخلاف»– مناط الخلق وغايته- ومقياس الأمانة ومنطوقها.
– أمّا الدعامة الثالثة:فهي وعاء هذا الاستخلاف وأداته، وقرار هذه العقيدة ونبتها وهي «الأمّة».
– وتأتي بعدها أساسًا لها، تؤمنها في وسائط بلوغ المهمة، «الشرعة»، والتي تمد الأمّة بضمانات القيام على الاستخلاف. ونكون بذلك إزاء.
الدعامة الرابعة: التي تكتمل بها المنظومة النسقيَّة، ويستوي عليها «الإطار المرجعيّ» للتعامل مع القرآن الكريم- في محاولتنا إرساء أصولنا المنهاجيّة في مجال العلوم الاجتماعيّة” [61].
هذا إطار مرجعي “للفعل الحضاري”. وإذا كان لكل فعل حضاري “[1]منظومة قيميّة تشكّل «البواعث والمنطلقات والدوافع والأبعاد المعنويَّة» لهذا الفعل وأهدافه- وهي عادة مَا يطلق عليها «الثقافة» -[2]كما أنَّ لكل فعل حضاريّ قاعدته البشريّة التي تحمل هذه المنظومة القيميَّة وتتفاعل من خلالها مع البيئة -عبر الزمان والمكان- وهذه هي الجماعة التي تحمل سمات مميَّزة-أيَّا كانت تسميتها- [3]ثم إنَّ لكل فعل حضاريّ من المسالك والطرائق والوسائل التي تصطنعها الجماعة، والتي تتغيرَّ من حقبة تاريخيّة إلى أخرى- والتي قد تتفاوت فيها الجماعات، [4]بقدر تمكّنها من بيئتها الماديّة، وبقدر مَا تدركه من الأسباب الفنيّة والعقليّة، والتي تستثمرها في بلوغ أهدافها”.
إذن الإطار المرجعي الإسلامي يتطابق مع نسق الفعل الحضاري وأركانه بشكل مطلق، لكن النسق الإسلامي يتميز عن سائر الأنساق بمحتوياته، وبالأخص “تمايز المنظومة القيمية، والتي تنبثق هي في الجوهر والأساس من عقيدة التوحيد. ومن ثم تعد المنظومة النسقيّة التي تنتظم «الفعل الحضاريّ» هنا منظومة اعتقاديَّة- قيميَّة، ويكون فيها التوحيد بمثابة الناظم والأساس معًا الذي ينتظم كافة المفاهيم الأخرى، والذي يتخلّل المستويات المختلفة في «الإطار المرجعيّ للفعل الحضاريّ». ومن خلال الناظم التوحيدي تتولد الأطر المرجعية الفرعية على مستوى التخصص (العلوم السياسية) أو داخل أفرع ودراسات التخصص نفسه.
ومن ثم فالمفاهيم داخل الإطار الرجعي تقع في ثلاثة مستويات:
- المفاهيم الكلية الإطارية: وتنطوي على المنظومة النسقية للفعل الحضاري الإسلامي (الرباعية).
- سلسلة المفاهيم المحورية: تنتظم دائرة من دوائر الفعل الحضاري (مستوى التخصص: السياسة).
- المفاهيم الفرعية المولدة: باعتبارها “مقدّمة لعمليّات التنظير واستنباط النماذج التحليلية وغيرها من أدوات النظر العلميّ في هذا المجال”[62].
وهذا ينقلنا -من غير انفصال ولا انقطاع- إلى عملية بناء المفاهيم السياسية في إطار المرجع القرآني: خصائصها ونماذج منها.
(ب) المفاهيم القرآنية ذات المغزى السياسي: خصائص ونماذج
تذكر د. منى خصائص عامة للمفاهيم الإسلامية على اختلاف مستوياتها (إطارية، محورية، فرعية).
وهي أن المفاهيم:
- “هي وسيط للربط والتأليف وتحقيق التواصل بين مجالات الحياة المختلفة- حيث إنّها تتخللها جميعًا.«مثال: مفاهيم الشورى، البيعة، العقد».
- هي محتوى لقيم فاعلة -وتخلُّلها للدوائر المختلفة «للفعل الحضاريّ» يكسب تلك الدوائر مَا بها من اتّساق ويصبغها بملامح مشتركة.
- هي مصدر تأمين قدر من التوازن بين المركز، وتوفر قابليَّات التصويب الذاتيّ داخل الجماعة لاستدراك الاختلالات التي تقع في مسار وأطوار «الفعل الحضاريّ». إنَّ وحدة منبت هذه المفاهيم، وكذلك طبيعة هذه المفاهيم، من شأنها دعم «الأطر المرجعيّة» في المستويات المختلفة ودفعها في اتجاه تأكيد منبعها «التوحيديّ الاعتقادي».
- التوحيد؛ كناظم لتلك المفاهيم كلا على حدة وفي نظمها مجتمعةً، إنّما يكسبها أبعادًا جانبيَّة تنعكس في طبيعة «الفعل الحضاريّ» النابع عنها بما يحيل بينها وبين أحاديَّة الاتجاه.
- تعكس هذه المفاهيم جملة التصوُّر الإسلاميّ في بعده الحركيّ الأدائيّ الذي يرتبط بمعنى التحقّق ويدفع إليه دفعًا. ويتضح ذلك في التأصيل لـ «فعل الوجوب» الذي يلازم «مفاهيم الأداء في المنظومة النسقيّة الإسلاميّة للفعل الحضاريّ»– أيًا كان المستوى الذي تدرك عنده هذه المنظومة” [63].
ونظرًا لأهميتها وأولويتها تتخير د. منى المفاهيم الإطارية لتقف عند بعض خصائصها على سبيل الإيجاز:
- “إن من خصائص «المفهوم الإطاريّ»– وهي -أيضًا- من شروط تحقُّقه، أن يكون من الكليّات الجامعة، التي تحمل ملامح المنظومة القيميّة الاعتقاديّة والكليّات الجامعة وتحوي بدورها جملة من المفاهيم الفرعيّة.
- تتسم هذه المفاهيم بقابليّة لتوليد واستيعاب المفاهيم الجديدة فيما يستجد من فرعيّات وجزئيّات نطاقها الحيويّ.
- كذلك توجد علاقة ترابطيّة واضحة فيما بين المفاهيم الإطاريّة وبعضها… تحكم نزولا وصعودًا، وتنتظم في علاقات تقاطعيَّة من خلال تشابك «المفاهيم الفرعيَّة المتولّدة عنها».
- كذلك يلاحظ وجود نوع من التدرج والتتابع في سن المفاهيم الإطاريَّة من واقع انبثاقها عن المنظومة القيميّة الاعتقاديَّة التي تنتظمها أصلًا” [64].
وهاهنا مجمع البحرين ومصب الرافدين؛ حيث تلتقي عمليتي بناء الإطار المرجعي وبناء المفاهيم بين يدي الكتاب الحكيم من أجل تنوير مجال التخصص؛ لتتبدى حزمة من العمليات أو الإجراءات المنهجية المحلية على النحو التالي:
” إذا مَا انتقلنا من بناء «الإطار المرجعيّ» على النحو السابق فإنّنا يمكن أن نتخذه منطلقًا لنا في التعامل مع «المصدر القرآنيّ المنشئ» في مجال التخصّص المعنيّ. ولكننا سرعان مَا نجد أنفسنا إزاء مرحلة تالية في «العمل المنهاجيّ» حيث يكشف التعامل المباشر مع السورة أنَّ هناك حاجة لعمليّات مرحليّة،
[1] تبدأ باستقراء وتخريج جملة المفاهيم الفرعيَّة الواردة في السورة والتي تكون لها دلالات معنويَّة في ضوء المفاهيم الكليّة، سواء منها «المفاهيم الإطاريّة» أو عموميّات التخصّص. [2] ويلي ذلك عمليّة تحديد لنماذج الآيات المحوريّة، التي يمكن أن تشكّل- من خلال ظاهرة المفاهيم الواردة فيها، أو من خلال مَا تستنبطه من معانٍ معقولة، ترتبط «بالإطار المرجعيّ» ذاته- مفتاحًا لاستخلاص الدلالات الواردة في السورة أو اكتشاف المنحى العام لها من منظور «الفعل الحضاريّ القرآنيّ» [3] ويمكن بذلك أن نكون عند أوّل المستويات لتكشيف موضوعيّ- من منطلق الكليّات- يقدم لنا رصيدًا من المدخلات التي يمكن البناء عليها”[65].ومن ثم تقدم أستاذتنا نماذج مبسطة لهذه العمليات بالنظر في خمس سور قرآنية هي (الشورى، والحديد، والنور، والإسراء والحج)، باستقراء جملة المفاهيم الفرعية الوارد في السورة، ثم نماذج للآيات المحورية التي وردت فيها تلك المفاهيم، ثم استخلاص محور السورة ومفادها. كل ذلك من زاوية البحث السياسي[66].
[1] إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار، المعجم الوسيط، تحقيق: مجمع اللغة العربية، ج3، باب (فضل).
[2] وإن كانت د. منى نفسها تقرر بتواضع جم بأنها مسبوقة في هذا: بعضه أو جملته.
انظر: منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996).
لكن هذه الورقة في محاولتها تسكين جهد الدكتورة ضمن خريطة المتعاملين المحدثين مع القرآن الكريم تكشف ريادتها وسبقها في مضمار مدخل “الباحث المتخصص المفتقر”.
[3] ما سبق أبو بكر الأمة بكثرة صلاة ولا زكاة ولكن بشيء وقرفي صدره، وما عمرّ عمر بن عبد العزيز طويلًا لكنه ترك النموذج وضرب المثل، وما اشتهرت نفيسة العلم بكثرة رواية ولا بجمعٍ ولا تأليف، لكنها أرسلت عبر تراثنا روحًا لطيفة يستشعرها كل من يردد اسمها، وما عرف لسيف الدين قطز سوى معركة واحدة، لكنها كانت فاصلة وحافظة للمؤمنين والعالمين، وأعظم المقامات لا تنال بكثرة الكلام والضجيج، بل ربما نالها إنسان بكلمة واحدة في مقام رفيع، ومن ذلك ما أخرجته لنا أستاذتنا د. منى أبو الفضل.
[4] منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، ص33.
[5] استعملت د. منى هذا التعبير (والذي اقتبسناه لعنوان الدراسة واستشعرناه في حديثها مع القرآن وبين يديه)، استعملته في ورقتها التي عنونت لها برؤية النور -أم: قبس وضاء- في سانحة الالتحام بالحياة.
[6] راجع: منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، ص 16.
[7] أشارت إلى طرف منها في مطلع ورقة “رؤية النور”.
[8] منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، ص 28.
[9] المرجع السابق، ص 16.
[10] منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق.
[11] راجع: أمين الخولي، تقديم (في): محمد أحمد خلف الله، الفن القصصي في القرآن الكريم، (القاهرة: منشورات مكتبة مصر، ط2، 1955).
[12] محمد إقبال، تجديد التفكير الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، (القاهرة: دار الهداية، ط2، 2000).
[13] يجب ملاحظة الأخذ والعطاء المتبادل بين كل من إقبال وقطب ومالك ومحمود شاكر، والتقارب بين قطب ودراز على غير موعد. وكذلك يجب ملاحظة استيعاب أستاذتنا د. منى لهذا الخيط وللخيط المضاد الموازي، واختيارها الصريح أن ترتبط بخط التجديد التأصيلي لاسيما مع د.دراز والشيخ الطاهر بن عاشور فضلا عن شذرات ذهبية من الإمام الشاطبي.
وتقول د. منى أبو الفضل:
“ولنا هنا أن نشير إلى أنَّه بقدر استيعاب المبادرات التي يقوم بها الأئمَّة والمجتهدون في مجال التفسير لمعاني القرآن الكريم لهذه النظرة الكليَّة، وبقدر تمكُّنهم من جوهر «الوحدة» التي ينطوي عليها «النظم القرآنيّ»، في معناه ومقصده وليس فقط في شكله وبنيانه فقط، بقدر مَا تأتي هذه التفسيرات وافية نافذة شاملة تحمل فيها دلالات توجيهيّة عمليّة بالنسبة للجمهور الذي تخاطبه.. ونجد نماذج للتفاسير الحديثة التي تستوي على قاعدة النظرة القرآنيَّة الشاملة.. لتنطلق منها عند أحد المستويات في تناول الآيات والجزئيّات، وعند مستوى آخر لتتَّخذ منها منفذًا في تنزيل الدلالات المستفادة من الذكر الحكيم على قضايا العصر، في مثل أعمال الشهيد سيد قطب مثلًا. ولا يخفي كذلك من أنَّ قوة ونفاذ أسلوب الشيخ متولي الشعراوي في التفسير القرآنيّ إنّما مرجعها هذه النظرة القرآنيَّة الشاملة إلى مواضع التناول الخاصّة، حتى وهو يقدّم النموذج الحيّ المعاصر على نهج «تفسير القرآن بالقرآن» في جدليَّة يتفاوت فيها الاستقراء للجزئيّات لبناء النسيج الكلي والاستنباط للكليات لتنزيلها على واقع الجزئيّات. أمّا عن نماذج الدراسات في مجال الاجتماعيَّات التي تحمل آثار الاجتهاد في فروع التخصّص من منطلق استيفاءٍ لأبعاد النظرة القرآنيَّة الكليَّة، فربما وجدنا نموذجًا لذلك في أعمال الشيخ الطاهر بن عاشور. ولا شك أنَّ دراسة د.محمد عبد الله دراز في مجال الأخلاقيات، لتقدم خير نموذج لاحتواء المسلك المتكافئ وطبيعة البحث في التخصّص”.
منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، ص ص 27-28.
[14] كان للدكتورة منى موقف خاص من هذا الكاتب وكتابه هذا، تقول فيه: “ويجدر بنا أن نشير كذلك في صدد الجهود المستجدة الرائدة في هذا المجال والتي تسعى إلى تخريج رؤية مستقلة وبديلة لواقع التطور الحضاريّ المعاصر، من استقراء جديد لمنهج الوحي القرآنيّ، تلك المحاولة التي أقدم عليها الراحل أبو القاسم حاج حمد- والذي أُخِذَ- بناء تأمل لآيات الكتاب الكريم في سياقها الكلي لمعرفة موضع الغيب في الفعل الإنسانيّ- على مستوى التجارب الحضاريّة المختلفة ليخرج منها بدلالات ترتبط بما يحمله الواقع الحضاريّ المعاصر من قابليّات وإمكانات في تطوُّره. وقد يختلف الناظر في هذا العمل، مع صاحبه في بعض منطلقاته، وقد يتحفظ على بعض نتائجه، فضلًا عما قد يستوقفه في مواضع متفرقة من أسلوب التناول.. غير أنَّه- لا يسعه إلا أن يجد في هذه المحاولة آفاقًا جديدة جديرة بالنظر والاعتبار”.
منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، ص 28.
[15] وتسمي د. منى هذا الفصيل الأخير بدعاة التفسير المادي للتاريخ، وترى أن دراساتهم “تخرج في الواقع قلبًا وقالبًا نهجًا وعرضًا -عن إطار «التنظير الإسلاميّ» بالمعنى الذي نستعمله هنا، ومن هؤلاء خليل أحمد خليل ومحمد أركون ومحمد عيتاني ونصر أبو زيد ومحمد شحرور، وأمثالهم”.
منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، ص 22.
[16] عُني هذا الخط بالتأويل والقراءة والتحليل على مستوى عقدي ومنهجي مختلف. فالعقيدة تبدأ من تصور الكون والعالم من منظور المعارف الطبيعية الحديثة، والمنهج هو الطريقة البحثية والدراسية التي أفرزتها لأكاديميات الحديثة (في الغرب تحديدًا). فبرزت مداخل تصورية (عقدية) مثل: التطور الكوني، والتغير الطبيعي، والجدل بين الغيب والطبيعة والإنسان، والتاريخانية، وجدل الأضداد، وجدل الأزواج، وجدل المطلق والنسبي، والمعاصرة… ومقتربات منهجية من مثل: المقترب الاجتماعي -النفسي، ومقترب الفن القصصي، ومقترب تحليل الخطاب، وتحليل النص، واللغوي -المعرفي، ونظرية الحدود، ونظرية السياق الحابس،….
[17] عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تقديم: د. محمد عمارة، (القاهرة. دار الشروق، ط1، 2007)، ص ص 19- 21.
[18] لويس جريس، يوميات من التاريخ المصري الحديث 1775-1952، (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998)، ص ص 109-111.
[19] نصر محمد عارف، في مصادر التراث السياسي الإسلامي: دراسة في إشكالية التعميم قبل الاستقراء والتأصيل، تقديم: منى أبو الفضل، سلسلة المنهجية الإسلامية (7)، (هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1994).
[20] راجع: منى أبو الفضل، تقديم، (في): نصر محمد عارف، في مصادر التراث السياسي الإسلامي: دراسة في إشكالية التعميم قبل الاستقراء والتأصيل، مرجع سابق.
[21] راجع: حامد عبد الله ربيع، مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2007)، الجزء الأول، ص ص 5-16.
[22] وقد كانت تعتز بها جدًّا وحاولت أكثر من مرة تطويرها والإضافة إليها لكي تخرج في ثواب قشيب إلى أن عاجلها الذي إذا جاء لا يؤخر.
[23] منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، ص7.
[24] المرجع السابق.
[25] المرجع السابق.
[26] المرجع السابق.
[27] المرجع السابق، ص ص7-8.
[28] ولاحظ أن د. منى قابلت بين الظن والهوى، وبين الحق والهدى من هذا المعين، وقد وافقت في ذلك ابن تيمية -رحمه الله- الذي كرر هذا المعنى في أكثر من موضع من كتبه وهو ينظر للمنهجية أيضًا.
[29] منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، 8-9.
[30] المرجع السابق، ص 9.
[31] المرجع السابق.
[32] المرجع السابق، ص 11.
[33] المرجع السابق، ص ص 11-12.
[34] المرجع السابق، ص ص 12-13.
[35] المرجع السابق، ص 13.
[36] إبراهيم بن موسى الشاطبي، الموافقات، تحقيق: عبد الله دراز، (بيروت: دار المعرفة، بدون تاريخ)، ج4، ص 314-316.
والعلوم التي يشير الشاطبيّ إليها هي «الغيب، وأخبار الماضين، والحلال والحرام» أو «العقيدة والشريعة» والتذكرة والمواعظ والعلوم عند ابن عاشور.
[37] منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، ص 13.
[38] المرجع السابق، ص 14.
[39] المرجع السابق.
وما بين المعقوفتين مصحح من:
منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، (في): الطيب زين العابدين (تحرير)، المنهجية الإسلامية والعلوم السلوكية والتربوية: بحوث ومناقشات المؤتمر الرابع للفكر الإسلامي، (هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط3، 1995)، المجلد الأول، ص 203.
[40] راجع في ذلك مَا جاء في مطلع «تفسير التحرير والتنوير» لسماحة الأستاذ العلامة الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1 /43) واطلع على رده على الإمام الشاطبيّ الذي نفى أن يشتمل القرآن المجيد على أيَّة علوم أو معارف لم تكن متداولة بين العرب في عصر التنزيل فحجّر -رحمه الله- واسعًا.
محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، (تونس: الدار التونسية للنشر، 1984)، ج1، ص 43.
[41] منى أبو الفضل، نحو منهاجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي بين المقدمات والمقومات، مرجع سابق، ص 17، ص 22.
[42] المرجع السابق، ص 19.
[43] المرجع السابق، ص 17.
[44] المرجع السابق، ص 20.
[45] المرجع السابق، ص 21.
[46] وفي هذا الهامش تشير د. منى إلى نفر من هؤلاء، فتقول: “ولكن هنا يجب التنبيه إلى أنَّ مثل هذه الدراسات التي تصدر عن دعاة التفسير الماديّ للتاريخ ومن إليهم- إنّما تخرج في الواقع قلبًا وقالبًا نهجًا وعرضًا -عن إطار «التنظير الإسلاميّ» بالمعنى الذي نستعمله هنا، ومن هؤلاء خليل أحمد خليل ومحمد أركون ومحمد عيتاني…
[47] المرجع السابق، ص 24.
[48] وفي هذا إشارة إلى السنة وإلى حسن اعتبارها بها ولها.
[49] يمثل هذا موقف عام من المصدر الفقهي الذي وصفته بالنظر الجزئي في وسائد الحفاظ على بنية الأمة. المرجع السابق، ص 25.
[50] المرجع السابق، ص 23، 27.
[51] المرجع السابق، ص ص 27-28.
[52] المرجع السابق، ص 28.
[53] المرجع السابق، ص ص 31-32. والترقيم من عندنا.
[54] المرجع السابق، ص ص 38 – 39.
[55] المرجع السابق، ص ص 33-34.
[56] المرجع السابق، ص 19.
[57] المرجع السابق، ص 20.
[58] المرجع السابق، ص20.
[59] المرجع السابق، ص 23.
[60] المرجع السابق، ص ص 39-40.
[61] المرجع السابق، ص 40.
[62] المرجع السابق، ص 43.
[63] المرجع السابق، ص ص 44-45.
[64] المرجع السابق، ص 44.
[65] المرجع السابق، ص 45.
[66] المرجع السابق، ص ص 45-49.