تقارير ودراساتمناطق

الأمم المتحدة بعد 11سبتمبر: هل ما تزال قادرة على التكيف مع تحولات النظام الدولي؟

مقدمة:

شكلت أحداث 11 سبتمبر لعام 2001 نقطة تحول في مسيرة النظام الدولي. فقد أثرت هذه الأحداث بشكل ملموس على هيكل موازين القوة، بما تتيحه هذه الموازين من مكانة نسبية أو من هامش للحركة والمناورة بين الفاعلين الأساسيين في النظام الدولي، وأيضًا على منظومة القيم وقواعد السلوك السائدة في التفاعلات الجارية بين هؤلاء الفاعلين. وكان من الطبيعي، في سياق هذا التحول، أن يتغير الدور التقليدي الذي تلعبه، أو بالأحرى الذي كان يفترض أن تلعبه، الأمم المتحدة في هذا النظام. وقد ذهب البعض إلى حد التأكيد على أن النظام الدولي الذي كان سائدًا حتى 11 سبتمبر بات على وشك الانهيار، إن لم يكن قد انهار بالفعل، بل وأن فكرة إقامة العلاقات الدولية على قواعد مؤسسية يحكمها القانون باتت في ذاتها موضع شك. إذ تبدو “جماعة الدول” في الوقت الراهن وكأنها تعود أدراجها إلى “حالة الطبيعة” التي كانت عليها قبل محاولات بناء الأطر المؤسسية الرامية لتنظيم العلاقات فيما بينها ونقلها إلى “حالة المجتمع”، وهي محاولات كانت قد تواصلت على مدى قرن بأكمله.
ومع تسليمنا بخطورة الوضع الذي تواجهه الأمم المتحدة، بل والتنظيم العالمي ككل، بعد أحداث 11 سبتمبر، إلا أننا نعتقد أن هذه الأحداث لم تكن منشئة للتحولات التي طرأت على النظام الدولي بقدر ما كانت كاشفة لخلل كامن في بنية النظام نفسه، وهو خلل راحت أحداث سبتمبر تزيده عمقًا إلى درجة باتت تهدد بانهياره. ومن المتوقع أن يظل التنظيم الدولي المتصدع على قيد الحياة إلى أن تنضج العوامل اللازمة لإقامة نظام عالمي جديد يحل محله.
وتحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على حقيقة التحول الذي طرأ على طبيعة ومضمون الدور الذي تلعبه الأمم المتحدة في النظام الدولي في أعقاب، أو بسبب، أحداث 11 سبتمبر، والبحث فيما إذا كانت الأمم المتحدة ما تزال قادرة على التكيف مع تحولات النظام الدولي بعد 11 سبتمبر أم أن دورها قد انتهى كلية أو بسبيله إلى الانتهاء. وفي تقديرنا أنه يصعب الإلمام بكل أبعاد وحقائق هذا التحول أو الإجابة بدقة عن التساؤل المطروح ما لم نُلقِ الضوء أولًا على السياق التاريخي لعلاقة فريدة ربطت بين الولايات المتحدة، التي تنفرد الآن بقيادة النظام الدولي، وبين الأمم المتحدة التي شكلت الإطار المؤسسي لهذا النظام منذ الحرب العالمية الثانية.
1 – السياق التاريخي للعلاقة بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة:
الولايات المتحدة الأمريكية ليست دولة عادية في مجتمع الدول، شأنها في ذلك شأن بقية الدول الأخرى، وإنما هي دولة فريدة في التاريخ الإنساني كله، ومن ثم فمن الطبيعي أن يكون لها دور يعكس هذا التفرد أو التميز في تاريخ وتطور العلاقات الدولية وبالتالي في تاريخ وتطور التنظيم الدولي.
وفي تقديرنا أنه ما كان يمكن للتنظيم العالمي أن ينشأ ويتطور على النحو الذي تم به من دون الولايات المتحدة. ليس معنى ذلك أن مساهمة الولايات المتحدة في تنظيم مجتمع الدول كانت دائمًا وبالضرورة مساهمة إيجابية، لكن ثقل الولايات المتحدة في النظام الدولي، وخاصة منذ مطلع القرن العشرين، جعلها تبدو على الدوام كأنما هي المشكلة والحل في الوقت نفسه، وسواء كانت حاضرة ومشاركة رسميًا في التنظيم الدولي أو غائبة عنه. فغيابها عن عضوية عصبة الأمم جعل التنظيم الدولي يبدو عاجزًا ومشلولًا، ومشاركتها النشطة في الأمم المتحدة ساهمت في تحويل التنظيم الدولي إلى أداة تستخدمه لإحكام هيمنتها على النظام الدولي.
وكانت هذه الدولة، الحديثة النشأة والتكوين، قد اختارت لنفسها نهجًا في السياسة الخارجية يجنبها الانغماس في شئون القارة الأوربية، في مقابل أن تمتنع هذه الأخيرة عن التدخل في شئون الأمريكتين (مبدأ مونرو: 1823). نجحت الولايات المتحدة في المحافظة على هذا النهج الانعزالي حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، حين وجدت نفسها، ولأسباب عديدة، مضطرة للدخول في هذه الحرب التي شارك فيها 33 دولة و70 مليون مقاتل، وراح ضحيتها10 ملايين قتيل و20 مليون جريح، ونجم عنها خسائر مادية بلغت 208 مليارات دولار. غير أن اندلاع هذه الحرب الطاحنة والمدمرة كان حافزًا لتشكيل عدد ضخم من الهيئات والمنظمات واللجان غير الحكومية التي أخذت على عاتقها التفكير في دراسة الوسائل الكفيلة بمنع الحرب مستقبلًا. وكان من بين أهم هذه الهيئات هيئة غير حكومية تسمى “عصبة دعم السلام” The League to Enforce Peace تأسست عام 1915 وكان الرئيس الأمريكي الأسبق وليام تافت أحد زعمائها البارزين، كما كان الرئيس الأمريكي ويدرو ويلسون نفسه أحد المتحمسين لمبادئها وأهدافها.
في هذا السياق لم يكن غريبًا أن يشكل الرئيس الأمريكي ويلسون، والذي شارك بنفسه في مؤتمر الصلح الذي عقد في فرساي في نهاية الحرب، قوة الدفع الرئيسية في اتجاه تبنيّ المؤتمر لفكرة إقامة تنظيم سياسي عالمي يستهدف حل المشكلات الدولية بالطريق السلمية والحيلولة دون نشوب حرب عالمية جديدة، من خلال نظام مؤسسي للأمن الجماعي والضمانات المتبادلة. كما لم يكن غريبًا أن يقع اختيار المؤتمر على الرئيس الأمريكي ويلسون بالذات ليتولى بنفسه رئاسة اللجنة الخاصة التي شكلها لصياغة المشروع النهائي للمنظمة المقترحة “عصبة الأمم”.
غير أن الرأي العام الأمريكي لم يكن ناضجًا أو مستعدًا بعد لتقبُّل خطوة بدت وكأنها تشكل قطيعة مع تقاليد انعزالية راسخة. ولأن الكونجرس الأمريكي كان أحد المعاقل الرئيسية لهذه التقاليد الانعزالية فقد رفض التصديق على معاهدة الصلح، وهو ما حال دون أن تصبح الولايات المتحدة عضوًا في أول منظمة سياسية دولية كان الرئيس الأمريكي نفسه هو أكبر الداعين لها والمشاركين في وضع دستورها!. وهكذا عادت الولايات المتحدة لتمارس سياستها الانعزالية التقليدية، مما أدَّى إلى أن تصبح المنظمة الدولية الوليدة نهبًا لصراعات أوربية ما لبثت أن أفضت إلى حرب عالمية ثانية وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة مرة أخرى للمشاركة فيها.
والواقع أنه عندما راح الرئيس الأمريكي روزفلت يهيئ الرأي العام الداخلي- وقبل أن تقدم اليابان على ضرب ميناء بيرل هاربر في ديسمبر من عام 1940- للاستعداد للمشاركة في الحرب، كان يدرك تمام الإدراك أن عليه تهيئته في الوقت نفسه للقبول بمشاركة الولايات المتحدة في الترتيبات اللازمة لإدارة النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب. لذلك لم يكن غريبًا أن تشهد سنوات الحرب نشاطًا هائلًا، سواء من جانب المنظمات الأمريكية غير الحكومية أو من جانب الإدارة الأمريكية أو حتى من جانب الكونجرس الأمريكي بمجلسيه، لبحث ودراسة أنسب السبل لإقامة تنظيم عالمي جديد يحل محل عصبة الأمم، يتلافى ما وقعت فيه هذه الأخيرة من أخطاء ويكون مقبولا في الوقت نفسه من جانب الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، حتى لا يتكرر ما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وقد أسفر هذا النشاط عن بلورة الأفكار الرئيسية التي صيغت في شكل مشروع للميثاق تم التفاوض حوله مع كل من الاتحاد السوفييتي وبريطانيا أولًا قبل أن يطرح للنقاش في المؤتمر التأسيسي للمنظمة الدولية الجديدة.
تجدر الإشارة إلى أن العالم كله كان حريصًا في الوقت نفسه على ضمان مشاركة الولايات المتحدة في هذه المنظمة، وقدم كلٌ ما في وسعه من وسائل الإغراء والتشجيع، ومنها الموافقة على انعقاد مؤتمرها التأسيسي في مدينة سان فرانسيسكو وأن تصبح مدينة نيويورك مقرًا دائمًا لها، من أجل تحقيق هذا الهدف. ولذلك لم يكن غريبًا أن يوافق مجلس الشيوخ الأمريكي على ميثاق الأمم المتحدة بأغلبية ساحقة هذه المرة (98 صوتًا ضد صوتين)، وأن تصبح الولايات المتحدة هي أول دولة تودع وثائق تصديقها لدى المنظمة الدولية الجديدة.
ورغم الأهمية الاستثنائية التي حظي بها الوجود الأمريكي لأول مرة داخل التنظيم الدولي العالمي، إلا أن الولايات المتحدة لم تكن في نهاية المطاف سوى واحدة من ثلاث دول كبرى متحالفة ومنتصرة في الحرب العالمية الثانية قام على أكتافها نظام الأمن الجماعي الذي شكل العمود الفقري للأمم المتحدة. وهذه المجموعة، والتي ضمت الاتحاد السوفييتي وبريطانيا إلى جانب الولايات المتحدة، هي التي قررت، ولأسباب تتعلق بالمواءمة السياسية، ضم فرنسا والصين إلى مشاوراتها عندما كانت الحرب تشرف على نهايتها.
وقد ظهر في مؤتمر سان فرانسيسكو الذي اجتمع للاتفاق على الصيغة النهائية لميثاق الأمم المتحدة وجود ثلاث مجموعات من الدول متباينة المصالح:
الأولى- مجموعة الدول الكبرى في مواجهة الدول الصغيرة والمتوسطة. وهي مجموعة تقتصر على الدول الخمس التي حددها مشروع الميثاق بالاسم وميزها عن باقي الدول الأعضاء بمنحها مقاعد دائمة في مجلس الأمن وحق الاعتراض على قراراته (الفيتو)، وهو ما أثار حفيظة باقي الدول. وتقع الولايات المتحدة ضمن هذه المجموعة بالطبع، وبلغ من حرصها على المحافظة على المزايا الممنوحة للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن حدًا دفع بالسناتور كوناللي، إلى تمزيق نسخة من الميثاق في إحدى جلسات المؤتمر وهو يعلق صائحًا: “من دون الفيتو لن يكون هناك ميثاق أصلًا”.‍
الثانية- مجموعة الدول الاستعمارية في مواجهة الدول الجديدة والدول غير الاستعمارية. وبينما سعت هذه الأخيرة لتوسيع سلطة الأمم المتحدة لإحكام نظام الوصاية ومتابعة تطور الأوضاع في الدول التي لا تتمتع بالحكم الذاتي، حاولت الأولى عرقلة هذا الاتجاه. وقد اتخذت الولايات المتحدة موقفًا مناهضًا بشكل عام للاستعمار التقليدي، وإن كان بدرجة أقل وضوحًا من موقف الاتحاد السوفييتي الأكثر راديكالية.
الثالثة- مجموعة الدول الفقيرة في مواجهة الدول الغنية. وبينما سعت الأولى لتوسيع نطاق السلطات الممنوحة للأمم المتحدة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية حاولت الدول الأخرى تركيز الجهود الأممية على المجالات المتعلقة بصيانة السلم والأمن الدوليين. وقد أسفر الجدل الذي ثار حول هذه القضية عن رفع مستوى المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى مصاف الفروع الرئيسية، ولكن دون سلطات حقيقية. ولم تكن الولايات المتحدة تمانع في دعم هذا الاتجاه.
ورغم توجس الولايات المتحدة من المشاركة، ولأول مرة في تاريخها، في منظمة دولية مسئولة عن حفظ السلم والأمن في العالم، إلا أن تلك المشاركة أتاحت لها فرصة فريدة لتحقيق عدة مزايا استراتيجية كبرى: منبر دائم مقيم على أرضها تستطيع أن تتعرف من خلاله على مجمل ودقائق الشئون الدولية، وشبكة اتصالات وقنوات دبلوماسية مفتوحة، بأقل التكلفة، مع الأغلبية الساحقة من دول العالم، في وقت كانت فيه هذه الدولة الكبرى، الحديثة العهد والقليلة الخبرة بالشئون الدولية تهيئ نفسها وتتطلع لتولي مسئوليات عالمية كبرى. على صعيد آخر لم يكن بوسع المنظمة الدولية الوليدة أن تقيد إرادة الولايات المتحدة أو تعرقل خططها في شيء وذلك لعوامل تعود إلى طبيعة وبنية الأمم المتحدة نفسها، من ناحية، وما تملكه الولايات المتحدة من أدوات للضغط والتأثير على سياسات وبرامج هذه المنظمة، من ناحية أخرى. فمجلس الأمن، وهو الفرع الوحيد الذي يملك صلاحية وسلطة إصدار القرار الملزِم، لا يستطيع أن يتخذ قرارًا ضد رغبتها لأن بوسعها استخدام حق الفيتو للحيلولة دون صدور هذا القرار. والجمعية العامة كانت، عند نشأة الأمم المتحدة، تتشكل من دول حليفة في معظمها، مما مكنها من التمتع بأغلبية مريحة مضمونة (أتوماتيكية) في داخلها. يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة، وبسبب ثقلها الاقتصادي الضخم، كانت تسهم وحدها في الميزانية العادية للأمم المتحدة بنسبة تجاوزت40% في البداية قبل أن يتم تحديد حد أقصى لنسبة مساهمة أي دولة منفردة (25%)، وهو ما مكن الولايات المتحدة من ممارسة نفوذ وتأثير فريد لم يكن بوسع أي دولة أخرى أن تمارسه داخل الأمم المتحدة.
وهكذا راحت الولايات المتحدة تمارس دورها الجديد في السياسة العالمية كقوة عظمى في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وهي مطمئنة إلى أن الأمم المتحدة لا يمكن إلا أن تكون سندًا لسياستها الخارجية. وظل الحال على هذا المنوال لسنوات طويلة حتى بعد انقسام حلفاء الحرب العالمية الثانية إلى معسكرين متصارعين واندلاع الحرب الباردة بينهما. غير أن موقف الولايات المتحدة من منظومة الأمم المتحدة ككل، وليس من منظمة الأمم المتحدة وحدها، طرأ عليه، ولأسباب عديدة سنفصلها فيما بعد، تغير تدريجي اعتبارًا من منتصف الستينات ليتحول إلى صدام مفتوح اعتبارًا من منتصف السبعينات. وقد تجسد هذا الصدام في عدد من القرارات كان أبرزها: انسحاب الولايات المتحدة من منظمة العمل الدولية لفترة محدودة قبل العودة إليها، ثم انسحابها من منظمة اليونسكو، وهو الانسحاب الذي استمر لأكثر من عشرين عامًا، وممارسة الضغوط المالية على منظمة الأمم المتحدة نفسها بالامتناع عن تسديد نسب كبيرة من الحصص المالية المقررة عليها في مواعيدها. وراحت الولايات المتحدة تشدد ضغوطها على الأمم المتحدة لتصل ذروتها مع صعود اليمين الأمريكي المتطرف، والذي تمكن بقيادة ريجان من الوصول إلى السلطة في الولايات المتحدة عام 1980.
وهكذا فعندما بدأت رياح التغيير تهب على الاتحاد السوفييتي، بوصول جورباتشوف إلى السلطة في منتصف الثمانينات، كان إدراك الولايات المتحدة للأمم المتحدة قد طرأ عليه تغير ولم تعد ترى فيها سوى جهاز بيروقراطي انحرف عن المسار المرسوم له. ومع ذلك فحين آلت قيادة النظام الدولي للولايات المتحدة منفردة، في أعقاب سقوط المعسكر الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوفييتي، لم تحرك الولايات المتحدة ساكنًا لإجراء الإصلاحات الشاملة المطلوبة، وفي المقدمة منها إصلاح بنية وهياكل صنع القرار في مجلس الأمن، وفضلت الإبقاء على الأمم المتحدة مشلولة الإرادة وفي حالة لا تصلح إلا لاستخدامها كحامل أختام يضفي الشرعية على قرارات يتم إعدادها خارجها وتعكس موازين القوة الجديدة في النظام الدولي، كما سنشير لاحقًا.

2 – الأمم المتحدة ومحاولات التكيف مع تحولات النظام الدولي:
اتسم النظام الدولي الذي أفرز “الأمم المتحدة” بوجود مجموعتين من الدول أحدهما منتصر والآخر مهزوم؛ المجموعة المنتصرة أصبحت هي نفسها “الأمم المتحدة”، وفرضت على المجموعة المهزومة أن تبقى خارج المنظمة الدولية الوليدة حتى إشعار آخر. ولم يكن أيًا من المجموعتين، المنتصرة والمهزومة معًا، يشكل كتلة متجانسة المصالح والأهداف عند نشأة الأمم المتحدة. فالمجموعة المنتصرة كانت تنقسم، كما سبقت الإشارة، إلى محورين؛ أحدهما يتكون من الدول الكبرى التي تحملت العبء الأكبر في تحقيق النصر وهي: الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي (السابق)، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين، تم الاعتراف له بوضع خاص في المنظمة الدولية الوليدة من خلال العضوية الدائمة في مجلس الأمن وحق الاعتراض أو “الفيتو”، والآخر يتكون من بقية الدول، المتوسطة والصغيرة، والتي فرض عليها أن تسلم في المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة بالمزايا الممنوحة للدول الكبرى، وأن تقبل بأوضاع لم تكن مرحبة بها أو مرتاحة لها. أما المجموعة الأخرى التي كانت تقف خارج أسوار المنظمة الدولية الوليدة عند نشأتها فإنها كانت تنقسم بدورها إلى نوعين من الدول: الدول “المهزومة” التي جرى احتلالها وتقسيمها (ألمانيا)، أو فرضت عليها شروط وإصلاحات قاسية لإعادة تأهيلها (اليابان)، والبلدان التي كانت ما تزال خاضعة للاستعمار الغربي،وخاصة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
غير أن النظام الدولي الذي أفرز الأمم المتحدة سرعان ما طرأ عليه تحول جذري. فقد تصدع تحالف الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، وانقسم إلى معسكرين أيديولوجيين متصارعين يسعى كل منهما للهيمنة على العالم. وأثار هذا الانقسام سلسلة من التفاعلات وردود الأفعال غيرت من قواعد اللعبة التي كان قد تم الاتفاق عليها في الميثاق. ففي ظل النظام الدولي ثنائي القطبية تغير مفهوم “العدو” ولم يعد العدو قاصرًا بالضرورة على دول المحور ومن كان يقف معها في خندق واحد أثناء الحرب، كما تغيرت النظرة إلى الاستعمار التقليدي، وأصبحت المستعمرات نفسها وحركات التحرر الوطني فيها محلًا للصراع على النفوذ بين القطبين المتنافسين. وكان لهذا التحول في بنية النظام الدولي انعكاساته الهائلة على مسيرة الأمم المتحدة سلبًا وإيجابًا، كما سنرى فيما بعد. بل إنه يمكن القول إنه ما كان يمكن لمنظمة “الأمم المتحدة” أن تنشأ أصلًا، أو لقامت على قواعد وأسس مختلفة تمامًا، لو أن هذا التحول في النظام الدولي تم قبل انعقاد مؤتمرها التأسيسي في سان فرانسيسكو. وعلى أي حال فقد ساعد هذا التحول على فتح طريق العالمية أمام الأمم المتحدة بعد أن كانت أقرب إلى كونها منظمة للدول المتحالفة والمنتصرة في الحرب العالمية الثانية.
وإذا كانت الأمم المتحدة قد تمكنت من البقاء طوال أكثر من خمسين عامًا رغم حدة الصراع المحتدم بين القطبين العظيمين من أجل الهيمنة على العالم، فذلك يعود أساسًا إلى أن الحرب التي اندلعت بينهما ظلت “باردة” طوال هذه المدة بعد أن حكمتها موازين الرعب النووي وقوانينه، ومع ذلك فقد تعين على الأمم المتحدة أن تكيف نفسها باستمرار مع نظام دولي تتسم تفاعلاته وأوضاع وموازين القوة فيه بديناميكية غير مسبوقة في التاريخ.
أولًا- الأمن الجماعي في ظل النظام الدولي ثنائي القطبية:
كان ميثاق الأمم المتحدة قد وضع نظامًا دقيقًا ومتكاملًا للأمن الدولي يقوم على فكرة أن أمن الجزء، أي أمن أي دولة منفردة، يرتبط ارتباطًا عضويًا بأمن الكل، أي أمن المجتمع الدولي كله ممثلًا في الأمم المتحدة، ومن ثم يتعين على هذه الأخيرة أن تتصدى جماعيًا لأي عدوان أو تهديد قد تتعرض لـه أي دولة عضو، وتضمن هذا النظام عناصر وآليات محددة أهمها: 1- مجموعة مبادئ وقواعد سلوك عامة وموحدة يتعين أن تلتزم بها كافة الدول، كبيرها وصغيرها، في العلاقات الدولية. 2- جهاز يملك صلاحية مراقبة سلوك الدول كما يملك سلطة فرض الجزاءات، بما فيها القيام بعمل عسكري، في مواجهة الخارجين على قواعد الشرعية الدولية (مجلس الأمن). 3- مجموعة من الأجهزة والآليات المكملة هدفها إما مساعدة الدول على تسوية خلافاتها بالطرق السلمية أو تهيئة الوسائل الكفيلة بتمكين مجلس الأمن من القيام بوظائفه، بما في ذلك الجانب العسكري منها.
غير أن تشغيل هذا النظام ووضعه موضع التطبيق توقف على تحقق شرط جوهري وهو توافق آراء وإجماع الدول دائمة العضوية. ولأن هذه الدول كانت قد تمكنت من تحقيق التحالف بينها أثناء الحرب العالمية الثانية فقد بني صرح نظام الأمن الجماعي كله على افتراض أن التحالف الذي تحقق أثناء الحرب سيستمر بعدها. ومع ذلك فقد ثبت من تطور الأحداث فيما بعد أن هذا الافتراض لم يكن صحيحًا، إذ انشق التحالف المنتصر في الحرب إلى معسكرين متصارعين بعدها. وكان من الطبيعي أن يكون لهذا الانشقاق آثار وانعكاسات خطيرة على نظام الأمن الجماعي. فمن ناحية لم تستكمل آليات هذا النظام نفسه، لأن لجنة أركان الحرب (المنصوص عليها في المادة 47 كجهاز معاون لمجلس الأمن في الأمور العسكرية) لم تتمكن من الاتفاق على وضع المادة 43 (والخاصة بتشكيل جيش دولي يمكن لمجلس الأمن أن يستخدمه عند الضرورة) موضع التنفيذ، مما أدى إلى تجميد لجنة الأركان وحرمان مجلس الأمن نفسه من الأداة العسكرية التي تمكنه من قمع العدوان أو ردعه. ومن ناحية أخرى أدت الحرب الباردة بين المعسكرين المتصارعين إلى إسراف الدول دائمة العضوية في استخدام حق النقض (الفيتو) في غير الأغراض التي شرعت له، مما أدى إلى عرقلة عمل مجلس الأمن إلى درجة الشلل أحيانًا. و تشير الأرقام إلى أن حق النقض استخدم أكثر من 200 مرة خلال مرحلة الحرب الباردة (1946-1985)، وإلى أن الاتحاد السوفيتي كان أكثر الدول الدائمة العضوية استخدامًا لهذا الحق، حتى منتصف الستينيات، قبل أن تنعكس الآية وتصبح الولايات المتحدة هي الأكثر استخدامًا لهذا الحق، تليها المملكة المتحدة ثم فرنسا.
كان معنى هذا أن نظام الأمن الجماعي، وفقًا للتصور المنصوص عليه الميثاق، أجهض في الواقع قبل أن يولد طفلًا مكتمل التكوين. ولذلك بدأت الدول الكبرى، وخاصة دول المعسكر الغربي، تبحث عن ترتيبات جماعية أخرى لحماية أمنها خارج إطار نظام الأمن الجماعي المنصوص عليه في الميثاق. وفي هذا السياق، ولد حلف شمال الأطلنطي عام 1949 ثم حلف وارسو عام 1955. وبصرف النظر عما قيل وقتها عن شرعية قيام هذه الأحلاف استنادًا إلى نص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز حق الدفاع الجماعي عن النفس، إلا أن قيامها أثر تأثيرًا سلبيًا خطيرًا على الأمم المتحدة. فبظهور هذين الحلفين واشتعال الحرب الباردة بينهما حل نظام جديد هو “نظام مناطق النفوذ” محل “نظام الأمن الجماعي” المنصوص عليه في الميثاق ويتناقض معه كليًا. فنظام الأمن الجماعي يتعامل مع الكون كله كوحدة واحدة ويرتب مسئولية جماعية على الكل لمواجهة أي عدوان يقع على الجزء، بينما نظام مناطق النفوذ يؤدي عملًا إلى تقسيم العالم ووضع كل قسم تحت الحماية المنفردة لقوة عظمى والحيلولة دون أن يكون لأي طرف آخر، بما في ذلك الأمم المتحدة نفسها، أي دور للمحافظة على السلم والأمن الدوليين داخل هذا الحيز المحجوز، وهو ما حدث بالفعل. ولذلك لم تتمكن الأمم المتحدة طوال فترة الحرب الباردة من القيام بأي دور داخل منطقة النفوذ المباشر لكل من الاتحاد السوفيتي أو الولايات المتحدة. ولم يكن باستطاعة قرار “الاتحاد من أجل السلام”، والذي اتخذته الجمعية العامة في 3 نوفمبر 1950 بعد إصابة مجلس الأمن بالشلل أثناء الأزمة الكورية، من إيجاد نظام بديل أكثر فعالية. فهذا القرار يتيح للجمعية العامة صلاحية التعامل مع الأزمات الدولية في حالة إصابة مجلس الأمن بالشلل نتيجة لاستخدام الفيتو، لكنه لا يملك أن يزودها بسلطات لا تتمتع بها بحكم الميثاق. والمعروف أن الجمعية العامة، بعكس مجلس الأمن، لا تملك سلطة إصدار القرار الملزم في مواجهة الدول الأعضاء.
وعلى أي حال فقد اختبرت فاعلية لنظام “الاتحاد من أجل السلم” مرتين عام 1956، الأولى: أثناء الأزمة التي تفجرت بسبب تدخل الاتحاد السوفيتي لقمع ثورة المجر بقوة السلاح، والثانية: أثناء أزمة السويس التي تفجرت بسبب العدوان الثلاثي على مصر. واتضح بالدليل القاطع منذ ذلك الوقت أن قرار الاتحاد من أجل السلام قد يفيد في إيجاد مخرج لدور تقوم به الأمم المتحدة في الأزمات التي تقع خارج نطاق النفوذ المباشر لأي من القوتين العظميين وبموافقتهما معًا (وهو ما حدث في أزمة السويس)، لكنه عديم الفائدة تمامًا بالنسبة للأزمات التي تقع داخل مناطق النفوذ هذه أو بالنسبة للأزمات التي تكون إحدى القوتين العظميين طرفًا مباشرًا فيها.
في هذا السياق يمكن القول إن دور وفاعلية الأمم المتحدة في تسوية الأزمات الدولية العنيفة في مرحلة الحرب الباردة اختلف باختلاف طبيعة هذه الأزمات، والتي يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط منها:
1. الأزمات التي اندلعت داخل منطقة النفوذ المباشر لإحدى القوتين العظميين، وهو نمط لم تستطع الأمم المتحدة، سواء من خلال مجلس الأمن أو من خلال الجمعية العامة، أن تلعب أي دور فاعل في معالجته. فقد تحولت الأزمات التي تقع داخل هذه المناطق إلى ميدان محجوز للمعالجة داخل أطر مؤسسية أخرى تهيمن عليها القوتين العظميين (حلف وارسو بالنسبة للاتحاد السوفييتي، وحلف الأطلنطي ومنظمة الدول الأمريكية بالنسبة للولايات المتحدة).
2. الأزمات التي انخرطت فيها إحدى القوتين العظميين كطرف مباشر (فيتنام أو أفغانستان على سبيل المثال)، وهو نمط من الأزمات عجزت الأمم المتحدة، أحيانًا، عن مجرد مناقشته (أزمة فيتنام)، بينما اقتصر دورها، في أحيان أخرى، على مجرد توفير غطاء لانسحاب القوة المهزومة (أزمة أفغانستان).
3. الأزمات التي دار رحاها خارج مناطق النفوذ المباشر أو لم تكن إحدى القوتين العظميين طرفًا مباشرًا فيها. وكان هذا هو النمط الوحيد من الأزمات الذي سمح فيه النظام الدولي ثنائي القطبية للأمم المتحدة بأن تلعب دورًا اختلفت أشكاله من أزمة لأخرى (جهود وساطة، لجان توفيق ومساع حميدة، لجان بحث وتقصي حقائق، قوات طوارئ دولية..إلخ)، كما اختلفت فاعليته أيضًا من حالة إلى أخرى وتوقفت على عوامل عديدة من بينها: حجم المصالح الدولية المهددة، طريقة إدارة الأزمة من جانب أطرافها ودرجة ارتباطهم بالقوتين العظميين..إلخ.
ورغم ضعف دور الأمم المتحدة عمومًا في معالجة الأزمات الدولية خلال مرحلة الحرب الباردة، إلا أن التوازن الدولي النسبي الذي ساد خلال تلك الفترة حال دون أن تصبح الأمم المتحدة أداة في يد أي من المعسكرين المتصارعين، ومع ذلك يتعين علينا أن نتذكر أن موازين القوة الفعلية في النظام الدولي كانت تميل في الواقع لصالح الولايات المتحدة وحلفائها وهو ما ألقى بظلاله السلبية على الأمم المتحدة بدليل أن إسرائيل تمكنت في مرحلة الحرب الباردة من أن تشن في عام 1967عدوانًا على الدول العربية المجاورة، وأن تحتل أراضي شاسعة من هذه الدول، وأن تحتفظ بهذه الأراضي كورقة مساومة تفرض من خلالها شروطها للتسوية على الدول العربية. ولم يتمكن مجلس الأمن من مجرد الإشارة في قراره بوقف إطلاق النار إلى انسحاب القوات المتحاربة إلى الخطوط التي كانت عندها قبل بدء العمليات العسكرية كما اعتاد أن يفعل في مثل هذه الأزمات. وكان ذلك مؤشرًا مبكرًا على عجز الأمم المتحدة عن تقديم الحماية الضرورية لمن يحتاجها من الدول الصديقة للاتحاد السوفييتي من خارج دول الكتلة الشرقية.
ومع وصول الجناح اليميني في الحزب الجمهوري بقيادة ريجان إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980 زاد الضغط الأمريكي على الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. وكانت الانتقادات الأمريكية لهذه المنظمات قد بدأت تزداد حدة مع منتصف السبعينيات، وخصوصًا بعد صدور قرار الجمعية العامة رقم 3389 والذي يعتبر الصهيونية لونًا من ألوان العنصرية، وارتفاع صوت العالم الثالث، الذي طالب في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “بنظام اقتصادي عالمي جديد” وفي اليونسكو “بنظام إعلامي عالمي جديد”. غير أن هذه الانتقادات ما لبثت أن تصاعدت إلى أن وصلت إلى حد إعلان الحرب على الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة التي اعتبرتها الولايات المتحدة بوقًا للدعاية السوفيتية. ووصل الأمر إلى حد انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو وامتناعها عن تسديد جانب كبير من التزاماتها المالية إلى الأمم المتحدة. وكان الهدف من تلك الضغوط تحجيم هذه المنظمات وضمان عدم تجاوزها للخطوط الحمراء التي ترسمها الإدارة الأمريكية. وتسبب الموقف الأمريكي في أكبر أزمة مالية في تاريخ الأمم المتحدة التي أصبحت تكاد تكون عاجزة عن دفع رواتب موظفيها.
في أتون هذا المناخ الدولي الملتهب وصل جورباتشوف إلى السلطة وبدأ إصلاحاته السياسية والاقتصادية التي انتهت بانهيار المعسكر الاشتراكي ثم بتفتت الاتحاد السوفيتي نفسه. وقد ساعدت هذه الإصلاحات في البداية على إحداث تقارب أمريكي سوفيتي غير مسبوق استفادت منه الأمم المتحدة. فقد شهدت الفترة 1986-1990 نشاطًا ملحوظًا للتوصل إلى تسويات لعدد كبير من الأزمات مثل: الأزمة الأفغانية، والحرب العراقية الإيرانية، والأزمة الكمبودية، وأزمات الجنوب الإفريقي..إلخ. غير أنه تبين فيما بعد أن هذه التسويات تمت نتيجة لتغيير الاتحاد السوفييتي موقفه التقليدي منها، بسبب ضعفه الشديد وأزمته الخانقة، وليس العكس. وهذا هو ما كشفت عنه الأزمة الكويتية.

ثانيًا- أزمة الخليج والفرصة الضائعة:
عندما اندلعت الأزمة الكويتية بسبب الغزو العراقي في 2 أغسطس عام 1990 كان حائط برلين قد سقط وانتهت الحرب الباردة بالفعل. ولاحت فرصة نادرة ليس فقط لإحياء نظام الأمن الجماعي كما ورد في الميثاق ولكن لاستكمال مقوماته وربما لتطويره أيضًا، بعد أن طالب بوش، وغيره من زعماء العالم، بإقامة “نظام عالمي جديد” تلعب فيه الأمم المتحدة الدور الرئيسي في المحافظة على السلم والأمن في العالم. فقد أوحي هذا الشعار الجديد بأن الطريق أصبح مفتوحًا لتشغيل نظام الأمن الجماعي، بنصه وروحه، لأن الحرب الباردة، والتي اعتبرت مسئولة عن تعطيله، كانت في طريقها إلى الانتهاء. وفي هذا السياق بدأ مجلس الأمن يتصرف تجاه الأزمة الكويتية بطريقة مختلفة تمامًا وغير معهودة. فقد اجتمع أكثر من مرة على مستوى وزراء الخارجية، وأشار في قراراته جميعها، صراحة ولأول مرة، إلى أنه يتصرف وفقًا للفصل السابع، وبدأ يطبق نظام العقوبات المنصوص عليه في الميثاق بحذافيره وبطريقة بالغة القسوة والصرامة.
غير أن مسار الأحداث كشف فيما بعد، وللأسف الشديد، حقيقة أن هذا الشعار لم يقصد به سوى المحافظة على تماسك تحالف دولي تشكل في مواجهة، وبسبب أخطاء، العراق، وأن إحياء نظام الأمن الجماعي لم يكن مطروحًا أصلًا على أجندة الإدارة الأمريكية. ولذلك ما أن حصلت الولايات المتحدة على القرار 678، والذي يفوض التحالف الدولي الذي تقوده باستخدام القوة ضد العراق، حتى أحست بأنها أصبحت حرة تمامًا وطليقة الحركة. ولذلك أصيب مجلس الأمن بالسكتة القلبية خلال الفترة الممتدة من 29 نوفمبر 1990(تاريخ صدور قرار التفويض) وحتى نهاية الحرب في مارس 1991، اعتبر بعض الباحثين أنه تعرض خلالها لعملية اختطاف. فلم يكن بوسع المجلس أن يجتمع وأن يتداول بشكل طبيعي حول تطورات الأوضاع والاقتراحات المقدمة للتسوية، ولم تكن له أي سيطرة أو إشراف أو حتى علم بسير العمليات العسكرية. ولذلك لم يكن غريبًا أن يصرح السكرتير العام للأمم المتحدة وقتها (بيريز دي كويلار) بأن هذه الحرب ليست حرب الأمم المتحدة. ولم يكن أمام مجلس الأمن من خيار آخر سوى وضع خاتمه على القرار 687 الذي أملته الخارجية الأمريكية وأدى إلى وضع العراق تحت الوصاية الدولية أو بالأحرى تحت الوصاية الأمريكية. فالواقع أن الولايات المتحدة أدارت أزمة الكويت بالطريقة التي تحقق لها هدفين رئيسيين. الأول- ضمان تواجد أمريكي عسكري كبير ودائم في منطقة الخليج. والثاني- التعجيل بانهيار الاتحاد السوفييتي عن طريق إثبات عجزه وتدهور مكانته في النظام الدولي. وقد تمكنت بالفعل من تحقيق هذين الهدفين بالكامل. غير أن تأثير هذه السياسة على الأمم المتحدة كان سلبيًا للغاية. فقد أدى رفع شعار “النظام العالمي الجديد” والدور الهائل الذي لعبه مجلس الأمن إبان المرحلة الأولى للأزمة إلى رفع درجة التوقعات المطلوبة من الأمم بطريقة لم تكن الولايات المتحدة على استعداد لمسايرتها. ولذلك ما لبثت الفجوة بين السياسة الفعلية للولايات المتحدة وبين ما يتوقعه الرأي العام من الأمم المتحدة أن اتسعت إلى أن باتت على طرفي نقيض.
وقد برزت هذه الفجوة أولًا في سياق تطورات الأزمة العراقية في مرحلة ما بعد تحرير الكويت، وقبل أحداث 11 سبتمبر. فقد فرضت مناطق محظورة على الطيران العراقي بقرارات من خارج إطار الشرعية الدولية، ودون استشارة مجلس الأمن، واستخدمت القوة العسكرية مرات متكررة ضد العراق بسبب خلافات حول عمل لجنة التفتيش الدولية وبدون تصريح من مجلس الأمن، وثبت أن عددًا من أعضاء لجنة التفتيش كانوا يعملون جواسيس لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل ويتلقون تعليماتهم من مصادر غير السكرتير العام بالمخالفة الصريحة لأحكام القوانين والأعراف الدولية، وقد ساهم ذلك كله في إضعاف هيبة ومصداقية الأمم المتحدة.

ثالثًا- الأمم المتحدة بين شعار النظام العالمي الجديد وواقع الفوضى الدولية:
بمجرد انتهاء “حرب تحرير الكويت” لم تظهر الولايات المتحدة أي حماس لإصلاح هياكل ومؤسسات الأمم المتحدة الموروثة عن الحرب الباردة وظلت هذه الهياكل، وخاصة ما يتصل منها بنظام الأمن الجماعي، كما كان عليه الحال دون أي تغيير ودون أي محاولة جادة لإحياء ما تجمد منها. فما تزال “لجنة أركان الحرب” التابعة لمجلس الأمن حبرًا على ورق، ولم تدخل المادة 43 الخاصة بإنشاء جيش دولي حيز التنفيذ..إلخ. ومع ذلك فقد حدث تغير جوهري في أسلوب إدارة الأمم المتحدة للأزمات الدولية نتيجة للتغير الذي حدث في موازين القوة في النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
ومن تحليلنا للطريقة التي أدارت بها الأمم المتحدة الأزمات الدولية بعد انهيار نظام القطبية الثنائية أمكن التمييز بين ثلاثة أنماط:
1. نمط الأزمات التي لم ترغب الولايات المتحدة أن تتدخل فيها الأمم المتحدة على أي نحو، وأهم نماذجه: القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي. ويعود السبب الرئيسي وراء استبعاد الأمم المتحدة إلى رغبة الولايات المتحدة بالانفراد بالنفوذ في هذه المنطقة من العالم، وإفساح المجال للتسوية، من خلال مفاوضات مباشرة، تعكس ثقل الخلل القائم في موازين القوى لصالح إسرائيل، بصرف النظر عن مدى اتساق هذه التسوية مع ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي.
2. نمط الأزمات الذي يقف على الطرف النقيض من هذا النمط السابق والذي يقحم فيه مجلس الأمن إقحامًا دون أي مبرر أو سند من القانون أو الأخلاق. وتعتبر أزمة لوكربي نموذجًا صارخًا لهذا النمط. فقد كان يتعين معالجة هذه الأزمة، وبسبب طابعها القانوني البحت، في محكمة العدل الدولية وليس في مجلس الأمن. لكن الولايات المتحدة، ولأسباب سياسية بحتة، أقحمت مجلس الأمن فيها إقحامًا؛ وأقدم -تحت تأثير ضغوطها المباشرة- على فرض عقوبات على ليبيا بالمخالفة لأحكام الميثاق والقانون الدولي. وبذلك أصبح مجلس الأمن هو المسرح والأداة لتصفية حسابات قديمة من مخلفات الحرب الباردة.
3. نمط الأزمات التي تقع على مسافات مختلفة من ذلك الخط الواصل بين النمطين السابقين، وهو النمط الذي أصبح غالبًا على أسلوب الأمم المتحدة في إدارتها للأزمات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة وحتى أحداث سبتمبر 2001. ووفقًا لهذا النمط لعبت الأمم المتحدة دورًا يختلف، من حيث الكثافة والفاعلية، باختلاف طبيعة الأزمة ودرجة مساسها بمصالح الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، ومدى استعداد هذه الدول لوضع الإمكانات المادية والبشرية اللازمة تحت تصرف الأمم المتحدة.
وقد لوحظ أن درجة انخراط الأمم المتحدة في الأزمات التي يمكن تصنيفها ضمن هذا النمط قد زاد زيادة كبيرة جدًا وغير مسبوقة خلال السنوات الخمس التي أعقبت الحرب الباردة ثم عادت للتراجع بسرعة بعد ذلك. فخلال هذه الفترة القصيرة وحدها قامت الأمم المتحدة بعدد من العمليات يكاد يوازي ما سبق لها أن قامت به من عمليات في تاريخها كله. وبعد أن كانت نفقات عمليات حفظ السلام لا تتجاوز مبلغ 800 مليون دولار قبل نهاية الحرب الباردة فإنها وصلت إلى أربعة بلايين دولار في عام 1993. لكن الفشل الذي واجه هذه العمليات وخاصة في الصومال وفي يوغوسلافيا أدى إلى تقلص نشاط الأمم المتحدة مرة أخرى، حجمًا ونوعًا، في هذا المجال. وتراجعت نفقات حفظ السلام إلى 3ر1 بليون دولار عام 1996 ثم إلى حوالي 900 مليون دولار عام 1998، أي إلى المستوى الذي كانت عليه تقريبًا قبل نهاية الحرب الباردة.
وعلى الرغم من وجود أسباب كثيرة تفسر فشل العديد من عمليات حفظ السلام التي قامت بها الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة، ثم تراجع هذه العمليات كليًا، إلا أن مسئولية الولايات المتحدة عن هذا الوضع تعتبر هي الأهم والأخطر وذلك للأسباب التالية:
1. الرفض التام للأفكار الرامية إلى تشكيل قوات دولية دائمة تكون تحت تصرف مجلس الأمن، سواء في إطار نص المادة 43 من الميثاق أو في إطار المقترحات التي تقدم بها السكرتير العام للأمم المتحدة وضمنها “خطة السلام” التي أعدها بناء على طلب من مجلس الأمن.
2. الإصرار على عدم وضع أي قوات أمريكية مشاركة في عمليات حفظ السلام تحت قيادة الأمم المتحدة، وعلى أن تتم هذه المشاركة إما تحت قيادة أمريكية مستقلة أو في إطار عملية منفصلة تمهد لعملية الأمم المتحدة، مما عقد من عمليات الإعداد والتنسيق.
3. عدم الاستعداد لتحمل أي خسائر بشرية في الميدان والمسارعة بالفرار عند أول احتكاك (وهو ما حدث في الصومال مثلًا وتسبب في إنهاء مهمة الأمم المتحدة هناك).
4. عدم الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الأمم المتحدة. وقد بلغت جملة المتأخرات المالية للولايات المتحدة تجاه الأمم المتحدة عند نهاية الحرب الباردة 7ر1 بليون دولار أي أكثر من ثلثي إجمالي مديونية الدول الأعضاء. من هذه المبالغ حوالي 700 مليون دولار تخص الميزانية العادية وحوالي بليون دولار تخص ميزانية قوات حفظ السلام. ويعتبر إصرار الولايات المتحدة على عدم الوفاء بالالتزامات هو المسئول الرئيسي عن إحجام الأمم المتحدة عن القيام بعمليات جديدة أو التأخر في الاستجابة للمواقف الطارئة مما تسبب أحيانًا في كوارث رهيبة. والمثال الواضح على ذلك ما حدث في رواندا حيث لم تتمكن الأمم المتحدة من أداء دورها على الوجه الأكمل، وهو ما تسبب في مذابح وعمليات إبادة جماعية راح ضحيتها ما يقرب من مليون شخص.
في هذا السياق يتضح أن الأمم المتحدة تعرضت أولًا لأزمة ثقة وفقدت مصداقيتها حتى عندما كانت في ذروة نشاطها إبان الفترة القصيرة التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة مباشرة، وذلك بسبب الانتقائية واعتماد معايير مزدوجة في تعاملها مع الأزمات الدولية. وكان تحدي منظمة الوحدة الإفريقية لمجلس الأمن، بسبب موقفه من أزمة لوكربي، أحد النماذج البارزة على التآكل التدريجي لهيبة الأمم المتحدة. وبعد فقدان الثقة والمصداقية عادت الأزمة المالية من جديد لتهدد الأمم المتحدة بخطر العجز والشلل الكامل وبدأت تحجم عن القيام بأي عمليات نوعية لحفظ السلام تحت دعوى خفض النفقات الذي ما برحت الولايات المتحدة تصر عليه. غير أن الأمر لم يقتصر على محاولة تهميش دور الأمم المتحدة من خلال الضغط المادي والحرمان من الموارد المالية. فقد وصلت الاستهانة بالأمم المتحدة حدًا جعل حلف شمال الأطلسي يقرر استخدام القوة العسكرية ضد يوغوسلافيا دون أن يكلف نفسه عناء السعي للحصول على إذن أو تصريح بذلك من مجلس الأمن. وكان ذلك هو البداية العملية لانكشاف موقع ومكانة الأمم المتحدة الحقيقية في عصر الهيمنة الأمريكية المنفردة.

رابعًا- الأمم المتحدة في مفترق طرق جديد: أزمة كوسوفا نموذجًا:
يمكن القول إن تدخل حلف شمال الأطلسي عسكريًا في أزمة كوسوفا لم يشكل في تقديرنا، رغم نبل دوافعه، مجرد سابقة لا مثيل لها منذ نشأة الأمم المتحدة، ولكنه يعتبر أيضًا نقطة تحول في مسار الأمم المتحدة. فعلى الرغم من انتهاج الولايات المتحدة، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، لسياسة منظمة تهدف إلى تهميش وإضعاف دور الأمم المتحدة، إلا أن الحرص على وجود غطاء من الشرعية الدولية ظل قائمًا في جميع الأحوال. وعلى سبيل المثال فقد ظلت الولايات المتحدة تدعي أن العمليات العسكرية التي تقوم بها منفردة أو بالتعاون مع دول أخرى ضد العراق هي عمليات مشروعة قانونًا، لأنها تأتي في إطار تفويض سابق من مجلس الأمن ما زال ساري المفعول، من وجهة نظرها، وأن الهدف النهائي لهذه العمليات هو تطبيق قرارات صادرة عن مجلس الأمن. لكن الولايات المتحدة لم تهتم حتى بمجرد استيفاء النواحي الشكلية اللازمة لإضفاء المشروعية على سياستها في البلقان. وكان بوسع الولايات المتحدة أن تطلب انعقاد الجمعية العامة في دورة طارئة تطبيقًا لقرار “الاتحاد من أجل السلام” للحصول على غطاء شرعي للتدخل العسكري في أزمة كوسوفا إذا ما اصطدمت بالفيتو السوفييتي في مجلس الأمن. وقد رأى البعض في هذا المنحى الجديد إشارة أمريكية مبكرة على إصرار الولايات المتحدة على ممارسة سياسة حرة طليقة من كل قيد حتى ولو تم ذلك عبر جثة الأمم المتحدة.
إن المقارنة بين السياق الدولي والإقليمي لاستخدام القوة المسلحة في أزمتي الخليج والبلقان من شأنها أن تبرز الفروق الهائلة بين الحالتين على كافة الأصعدة القانونية والسياسية. ففي الخليج كان هناك عدوان واضح وصريح تمثل في اجتياح عسكري من جانب دولة عضو في الأمم المتحدة لدولة أخرى عضو في نفس المنظمة الدولية. والتحالف الدولي الذي تشكل لتحرير الكويت كان يمكن تبريره بسهولة في إطار الترتيبات الجماعية المشروعة للدفاع عن النفس، فضلًا عن أن المجتمع الدولي كان على استعداد لقبول منطق الولايات المتحدة والدول الإقليمية المجاورة في حقها للدفاع عن مصالحها الحيوية التي هددها الغزو العراقي للكويت. ورغم ذلك فقد حرص التحالف الدولي على الحصول على تفويض صريح ومسبق باستخدام القوة لحمل العراق على تطبيق قرارات مجلس الأمن. صحيح أن الولايات المتحدة أساءت استخدام التفويض الصادر لها من مجلس الأمن فيما بعد، وفرضت بشكل غير شرعي مناطق محظورة على الطيران العراقي، وتدخلت على نحو غير مشروع أيضًا في عمل اللجنة الدولية للتفتيش على الأسلحة العراقية، وهو ما أضر كثيرًا بمصداقية الأمم المتحدة، غير أن ذلك كله لا ينفي حقيقة وجود أساس قانوني وسياسي قوي لاستخدام القوة العسكرية في أزمة الخليج.
أما الوضع في البلقان فكان جد مختلف. فلم يكن هناك عدوان واضح وصريح من جانب دولة على دولة أخرى، رغم الإقرار الكامل بهمجية السلوك الصربي ضد مسلمي إقليم كوسوفا وبضرورة تقديم الحماية الدولية لهم. والتدخل العسكري للناتو لم يكن قابلًا للتبرير في إطار ترتيبات الدفاع الجماعي، لأنه لم يحدث عدوان على أي دولة عضو في الحلف، ولم تقم أي دولة متضررة من السلوك الصربي بطلب المساعدة منه. من ناحية أخرى فإن الناتو لم يتصرف بوصفه منظمة إقليمية تهدف إلى تأديب أحد أعضائها، لأن يوغوسلافيا ليست عضوًا في الحلف، ولم يصرح مجلس الأمن لأي منظمة إقليمية باتخاذ إجراءات قسرية ضد يوغوسلافيا. لذلك كله بدت عملية الناتو العسكرية في البلقان مدفوعة باعتبارات استراتيجية لاستئصال النفوذ الروسي من منطقة شرق أوروبا، كما بدت محنة المسلمين في كوسوفا وكأنها مجرد غطاء لإخفاء الأهداف الحقيقية للتدخل الأمريكي في البلقان، ومن هنا فإن تعاطفنا مع قضية مسلمي كوسوفا لا يجب أن يصرف انتباهنا عن بحث انعكاسات هذا التدخل على التوازنات الاستراتيجية في العالم وهي انعكاسات يمكن أن تكون سلبية للغاية.

3 – الأمم المتحدة بعد 11 سبتمبر ومحاولات فرض الهيمنة:

على الرغم من الأهمية الاستثنائية لأحداث 11 سبتمبر في مسار النظام الدولي، بسبب تحكمها في معظم التفاعلات الدولية التي أعقبتها، إلا أنه يصعب الادعاء بأن هذه الأحداث شكلت نقطة فارقة في مسيرة الأمم المتحدة على نحو أدى إلى اختلاف سلوكها بعد الأحداث عما كان قبلها. فمحاولات تهميش دور الأمم المتحدة بدأ قبل هذه الأحداث واستمر بعدها، واعتماد المعايير المزدوجة أسلوبًا للتعامل مع القضايا المتشابهة بدأ قبل هذه الأحداث واستمر بعدها..وهكذا. ومع ذلك يصعب القول إن الأمم المتحدة لم تتأثر بهذه الأحداث، خصوصًا وأنه طرأ على سلوك الولايات المتحدة، الفاعل الرئيسي في النظام الدولي، تحول هائل بعد أحداث 11 سبتمبر وبسببها. فقد تغيرت رؤية الولايات المتحدة لنفسها وللعالم لدلالات تلك الأحداث، والتي وقعت بعد تسعة أشهر فقط من تولي إدارة أمريكية جديدة تعبر عن اليمين الأمريكي المتطرف، ووصل رئيسها إلى السلطة بحكم قضائي لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة بعد أن عجز عن الحصول على أغلبية الناخبين وفي ظل انتخابات تم التشكيك في نزاهتها. وكان من الطبيعي أن تحاول هذه الإدارة الجمهورية اليمينية المتطرفة استغلال هذه الأحداث وتوظيفها لخدمة برنامجها السياسي الخاص تحت شعار “الحرب على الإرهاب”، عندما أدركت أن هذه الأحداث تتيح أمامها فرصة حقيقية لإزاحة عدد من القيود والعقبات التي كانت تحد من حرية حركتها فيما مضى، وربما تمنحها بعض الحق في تبرير محاولات فرض موقفها باعتباره الأكثر تعبيرًا عن الشرعية الدولية والأخلاقية، خصوصًا بعد أن التف الشعب الأمريكي حول رئيسه الجديد في لحظة وعي قومي بوجود خطر خارجي كبير. وفي سياق حربها المعلنة على الإرهاب لم تعد الإدارة الأمريكية الجديدة ترى في الأمم المتحدة سوى مجرد أداة يمكن، بل ويتعين، تسخيرها كليًا لخدمة مواقفها ورؤاها. وانطلاقًا من هذه الرؤية راحت الولايات المتحدة تلجأ للأمم المتحدة الدولية حين تريد وتعرض عنها حين تريد، وتوظف كل وسائل التهديد والترغيب التي في حوزتها، وهي كثيرة، لتحصل منها على ما تريد أو لتحول دون أن يصدر عنها ما لا تريد.
والواقع أن هذا السلوك الأمريكي الضاغط على الأمم المتحدة لم يختلف كثيرًا، من حيث النوع أو الأهداف، بعد 11 سبتمبر عما كان عليه قبلها، وإن كان قد اختلف كثيرًا من حيث درجة حدته وانتقائيته وطريقة اختيار الأساليب المستخدمة في تحقيق أهدافه المختارة. ولأن قضايا كثيرة تهم العالمين العربي والإسلامي تصدرت جدول أعمال مجلس الأمن في أعقاب أحداث 11 سبتمبر فقد أصبحت من بين أكثر قضايا العالم عرضة للضغط والابتزاز الأمريكي وتم التعامل معها وفق معايير مزدوجة لا تتفق في كثير من الحالات مع روح وصحيح القانون الدولي. ولذلك بدت الحرب الأمريكية على الإرهاب وكأنها بالفعل حربًا على العالمين العربي والإسلامي.
ففي عام 2001 عقد مجلس الأمن 221 جلسة اتخذ خلالها 51 قرارًا وتم استخدام الفيتو مرتين، ومن جانب الولايات المتحدة فقط. وكان نصيب القضايا التي تهم العالمين العربي والإسلامي من هذه الحصيلة حوالي 65% من عدد الجلسات و60% من عدد القرارات و100% من عدد مرات استخدام الفيتو. وفي عام 2002 عقد المجلس 272 جلسة اتخذ خلالها 68قرارًا وتم استخدام الفيتو مرتين أيضًا، ومن جانب الولايات المتحدة فقط. وكان نصيب القضايا التي تهم العالمين العربي والإسلامي من هذه الحصيلة نسبة تقترب من النسبة التي حصل عليها في العام السابق. وسنحاول فيما يلي إبراز طبيعة التحول الذي طرأ على موقف الأمم المتحدة بعد 11 سبتمبر من عدد من القضايا الدولية التي تهم العالمين العربي والإسلامي.

أولًا- الأمم المتحدة وقضية “الإرهاب الدولي”:
لم تكن الضربات التي وجهت إلى الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001 هي أول أو آخر الأعمال التي أفرزتها ظاهرة “الإرهاب الدولي”، والتي كانت قد وجدت طريقها إلى جدول أعمال النظام الدولي منذ فترة طويلة. وقد تزايد اهتمام المجتمع الدولي بهذه الظاهرة وطالب بمقاومتها والقضاء عليها بعد أن أصبحت تشكل تهديدًا حقيقيا للسلم والأمن الدوليين. وفي هذا السياق دأبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، اعتبارًا من عام 72، على تبني مشروع قرار دوري يتعلق بهذه القضية. غير أن هذا القرار كان شديد الحرص على مراعاة الهموم السياسية والأمنية لدول العالم الثالث، وخاصة ما يتعلق منها باحترام سيادة الدول، وبضرورة التمييز بين الإرهاب وبين المقاومة المشروعة التي تمارسها حركات التحرر الوطني.
ونتيجة للتحولات التي طرأت على النظام الدولي مع بداية التسعينيات، طرأ تغيير نسبي على نص هذا القرار الدوري الذي بدأ يركز على أوجه مكافحة الإرهاب وعلى ضرورة القضاء على كل صوره وأشكاله، دون أن يعير نفس الاهتمام السابق للأمور المتعلقة بحق تقرير المصير أو بسيادة الدول أو بضرورة التمييز بين أعمال الإرهاب وأعمال المقاومة المشروعة، والتي كان يهتم بها العالم الثالث بصفة خاصة. واتساقًا مع هذا التوجه الجديد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في عام 1994 إعلانًا خاصًا بالتدابير التي يتعين اتخاذها للقضاء على الإرهاب تضمن إدانة قوية للإرهاب، واعتبر أن قمعه أمر مطلوب وواجب للمحافظة على السلم والأمن الدوليين، وحث الدول الأعضاء على التعاون لمكافحة أعمال الإرهاب وتقديم مرتكبيها للعدالة، وحدد طائفة متنوعة من الالتزامات التي يتعين على الدول الوفاء بها للقضاء على الإرهاب. ثم عادت الجمعية العامة وشكلت، عام 1996، لجنة خاصة لإعداد اتفاقية دولية لمنع تمويل الإرهاب تم الانتهاء منها والموافقة عليها واعتمادها بالفعل عام 1999، وبدأ فتح باب التوقيع عليها بمقر الأمم المتحدة اعتبارًا من 10 يناير وحتى 31 ديسمبر عام 2001
ورغم كل هذا الاهتمام، ظلت الولايات المتحدة، وحتى منتصف التسعينيات، تتعامل مع قضية الإرهاب بطريقة يغلب عليها الطابع الروتيني، حيث لم تكن تمانع، على ما يبدو، شأنها في ذلك شأن العديد من دول أوربا الغربية، من استخدام بعض المنظمات المتطرفة التي تمارس الإرهاب كوسيلة للضغط والابتزاز السياسي في مواجهة دول بعينها. وهكذا سار الحال على نفس المنوال إلى أن وقع الهجوم على سفارتي الولايات المتحدة في تنزانيا ونيروبي عام 1998 فخرجت قضية الإرهاب إلى بؤرة الاهتمام في مجلس الأمن الذي اتخذ قرارًا (القرار رقم 1189 لسنة 1998) بوجوب امتناع كافة الدول الأعضاء عن تنظيم أي أعمال إرهابية في دولة أخرى أو التحريض عليها أو المساعدة أو المشاركة فيها على أي صورة من الصور أو قبول أنشطة منظمة في أراضيها بهدف ارتكاب تلك الأعمال.
غير أن نقطة التحول الرئيسية من قضية الإرهاب جاءت في أعقاب هجمات 11 سبتمبر المذهلة. فللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة يتمكن طرف خارجي من نقل الإرهاب إلى عمق الأراضي الأمريكية ذاتها ويلحق بمواطني الولايات المتحدة وبرموز قوتها الأساسية خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة. ورغم تعاطف العالم كله مع الولايات المتحدة وإبداء استعداده الكامل للتعاون معها لإلقاء القبض على المتورطين في هذا الحادث وتقديمهم للمحاكمة، إلا أن الولايات المتحدة صممت على خوض “الحرب على الإرهاب” وفق مفهومها هي وبطريقتها الخاصة. ولسوء الحظ فإن هذه الأحداث المأساوية وقعت في ظل إدارة أمريكية شديدة التطرف حاولت، كما سبقت الإشارة، الاستفادة من تلك الأحداث وتوظيفها لصالح أجندتها السياسية الخاصة التي لم تكن تعير أي اهتمام للقانون الدولي أو للأمم المتحدة وتعتمد القوة وحدها أسلوبًا لتحقيق أهدافها. وهكذا راحت تلقي بكل ثقلها داخل الأمم المتحدة لكي تحصل منها على أقوى إدانة ممكنة للإرهاب، وتفرض على المجتمع الدولي أن يقدم لها كل صور التعاون الممكنة لمكافحته، ولكن دون أن تقيد نفسها بأي تعريف محدد ومتفق عليه للإرهاب أو حتى بوسائل مكافحته.
فبعد ساعات من وقوع أحداث 11 سبتمبر أصدر رئيس مجلس الأمن بيانًا أدان فيه بقوة الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة ووصفها بأنها مأساة وتحد للإنسانية كلها، ودعا كافة دول العالم إلى العمل سويًا لتقديم مرتكبيها للعدالة بأقصى سرعة ومضاعفة الجهود لمنع حدوث مثلها مستقبلًا..إلخ. وفي اليوم التالي مباشرة أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1368 الذي اعتبر مثل هذه العمليات الإرهابية تهديدًا للسلم والأمن الدوليين وأعلن عن استعداده لاتخاذ كافة الخطوات الضرورية لمحاربة كل أشكال الإرهاب. ثم ما لبث مجلس الأمن أن اتخذ قرارين إضافيين وهما القرار 1373 (28 سبتمبر 2001) و القرار 1377 (28 نوفمبر 2001)، واللذين يشكلان نقطة تحول في موقف الأمم المتحدة من موضوع الإرهاب.
فالقرار 1373 أعلن منذ اللحظة الأولى أنه صدر في إطار الفصل السابع من الميثاق، وفرض على الدول الأعضاء اتخاذ مجموعة من الإجراءات التنفيذية على كافة الأصعدة المالية والأمنية والإدارية وغيرها لمكافحة الإرهاب، وجرم قيام رعايا الدول عمدًا بتوفير الأموال أو جمعها بأي وسيلة أو بأي صورة مباشرة أو غير مباشرة كي تستخدم في عمليات إرهابية، وحظر على الدول نفسها تقديم أي شكل من أشكال الدعم الصريح أو المستتر إلى أي أشخاص أو هيئات أو منظمات ضالعة في أي أعمال إرهابية، وألزمها في الوقت نفسه بتقديم ما بحوزتها من معلومات مفيدة في مكافحة الإرهاب..إلخ. ولم يكتفِ القرار بتحديد هذه الإجراءات ولكنه شكل أيضًا لجنة منبثقة عن مجلس الأمن تتألف من جميع الدول الأعضاء لمتابعة ومراقبة عملية التنفيذ وطالب جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بموافاتها بتقرير عن الخطوات التي اتخذتها لتنفيذه. أما القرار 1377 فقد اعتمد الإعلان العالمي لمكافحة الإرهاب، وأعلن عن إدانته القاطعة لجميع أعمال الإرهاب وأساليبه وممارساته باعتبارها أعمالًا إجرامية ولا مبرر لها، أيًا كانت بواعثها وأشكالها ومظاهرها، وأينما ارتكبت، وأيًا كان مرتكبوها.
وهكذا شرعت الولايات المتحدة، مسلحة بهذه القرارات القوية، في إعلان الحرب بطريقتها الخاصة على الإرهاب، مؤكدة أن هذه الحرب ستكون طويلة وعلى مراحل. ولم تمض أسابيع محدودة حتى كانت المرحلة الأولى منها قد بدأت بالحرب على أفغانستان.

ثانيًا- الأمم المتحدة والحرب في أفغانستان:
كانت الولايات المتحدة طرفًا رئيسيًا في الأحداث التي هبت على أفغانستان منذ الاحتلال السوفييتي لها عام 1979، ولعبت دورًا محوريًا في حشد وتنظيم المقاومة الإسلامية ضد هذا الاحتلال، وتعاونت مع كل الأطراف لتحقيق هذا الغرض، بما في ذلك ابن لادن نفسه. لكن ما أن تحقق الانسحاب السوفييتي من أفغانستان وبدأ الصراع على السلطة بين أجنحة الفصائل التي شاركت في الحرب ضد الوجود السوفييتي حتى نفضت الولايات المتحدة يدها من الشأن الأفغاني. وعندما طال صراع الفصائل في أفغانستان وتبين أن استمرار هذا الصراع قد تكون لـه عواقب وخيمة على استقرار الأوضاع في المنطقة تعاونت الولايات المتحدة مع باكستان لمساعدة حركة طالبان على السيطرة على الأوضاع هناك. غير أن علاقة الولايات المتحدة بالحركة ما لبثت أن تدهورت لأسباب عديدة ربما كان أهمها حماية الحركة لأسامة بن لادن الذي أصبح يشكل العدو الأول للولايات المتحدة خصوصًا بعد توجيه الاتهامات له بتورطه وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه بتدبير أعمال إرهابية ضد الأهداف والمصالح الأمريكية. وتحولت العلاقة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان إلى عداء سافر، ثم إلى مواجهة مفتوحة بعد حادث تدمير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998،ووصل الأمر إلى حد قيام الولايات المتحدة بقصف أفغانستان بالصواريخ عقب هذا الحادث في محاولة لقتل ابن لادن وتدمير المعسكر الذي يستخدمه لتدريب كوادر تنظيم القاعدة.
غير أن الولايات المتحدة كانت تبدو عازفة عن معالجة مشكلتها مع حركة طالبان أو معالجة الأزمة الأفغانية ككل من خلال مجلس الأمن. إذ يشير سجل القرارات الصادرة عن مجلس الأمن إلى ندرة القرارات الصادرة عن الأزمة الأفغانية خلال التسعينيات وحتى توجيه الاتهام إلى ابن لادن بتورطه في حادث تدمير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 98. فمنذ هذا الحادث وحتى أحداث سبتمبر عام 2001 لم يتخذ مجلس الأمن سوى ثلاثة قرارات، أي بواقع قرار واحد كل عام (القرارات: 1267 و 1333 و 1363 في 99 و2000، 2001 على التوالي)، وقد استهدفت هذه القرارات في مجملها محاصرة حركة طالبان، وتقييد حريتها في رعاية وإيواء التنظيمات الإرهابية، وتضمنت إدانة للحركة بسبب سماحها باستخدام الأراضي التي تسيطر عليها لإيواء وتدريب الإرهابيين والتخطيط للعمليات الإرهابية. وقد أشارت بعض هذه القرارات إلى أسامة بن لادن بالاسم واتهمته مع آخرين مرتبطين به بإدارة شبكة معسكرات لتدريب الإرهابيين، واستخدام أفغانستان كقاعدة لرعاية العمليات الإرهابية، وطالبت الحركة بتسليمه واعتبرت أن عدم القيام بذلك يعد تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، كما طالبتها في الوقت نفسه بالكف عن توفير الملاذ الآمن للإرهابيين الدوليين ومنظماتهم، وإغلاق جميع المعسكرات التي يتلقون فيها تدريبهم في الأراضي التي تقع تحت سيطرتها. وقد تضمنت بعض هذه القرارات عقوبات محدودة على حركة طالبان وأسامة بن لادن معًا مثل: تجميد الأموال والأصول التابعة لهما بشكل مباشر أو غير مباشر، وطالبت الدول الأعضاء بإغلاق جميع المكاتب التابعة لطالبان ومكاتب الخطوط الجوية الأفغانية “أريانا” في أراضيها، وتخفيض بعثاتها الدبلوماسية وسحب رعاياها العاملين لدى طالبان، وخصوصًا الموظفين والمستشارين الذين يقدمون خدماتهم ومشورتهم في المجالات الأمنية، وكذلك منع دخول جميع القيادات الأمنية والسياسية لطالبان إلى أراضيها أو المرور العابر بها ما لم يكن ذلك لأغراض إنسانية أو دينية أو لأغراض التسوية السياسية للصراع في أفغانستان. ومن أجل مراقبة تنفيذ الدول لهذه الالتزامات شكل المجلس لجنة تابعة له تتألف من جميع أعضاء المجلس وكلفها بتقديم تقارير دورية لـه حول تنفيذ الدول لالتزاماتها المنصوص عليها في تلك القرارات، والانتهاكات المحتملة التي يتم إبلاغ اللجنة بها، وما تقترحه من توصيات لزيادة فاعلية التدابير المتخذة ضد حركة طالبان.
غير أن درجة اهتمام مجلس الأمن بالأزمة الأفغانية شهدت نقلة نوعية بعد أحداث سبتمبر 2001. فقد عقد المجلس منذ بداية هذه الأحداث وحتى نهاية عام 2002 حوالي 22 جلسة اتخذ خلالها 9 قرارات تخص أفغانستان. ومع ذلك فمن المهم جدًا ملاحظة أن الولايات المتحدة لم تلجأ لمجلس الأمن إطلاقًا لتطلب منه اتخاذ إجراءات عسكرية عقابية أو للحصول على تصريح باستخدام القوة العسكرية ضد حركة طالبان. فقد اعتبرت أن العمل العسكري أمر يخصها وحدها ويدخل في نطاق الدفاع الشرعي عن النفس، وبالتالي يحق لها القيام به بصورة فردية أو جماعية. وقد بدأت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية بالفعل في أفغانستان في 7 أكتوبر، أي بعد أقل من شهر من وقوع أحداث سبتمبر، دون أن يكون لمجلس الأمن أي دور طوال مرحلة العمل العسكري. الانشغال الرئيسي لمجلس الأمن تركز على قضيتين رئيسيتين:
الأولى- تقديم الغطاء السياسي الدولي لنظام “ما بعد طالبان” والذي تم تجهيزه وإعداده أمريكيًا في الواقع، من خلال مؤتمر بون، والذي عقد تحت مظلة الأمم المتحدة. وفي هذا السياق صدر في 6 ديسمبر قرار مجلس الأمن رقم 1383 مرحبًا بالاتفاق الذي توصلت إليه ووقعت عليه الفصائل الأفغانية المجتمعة في بون يوم 5 ديسمبر. وأبدى القرار ارتياح المجتمع الدولي لهذا الاتفاق واستعداده لتعزيز المصالحة الوطنية والمعاونة على وضع نهاية لاستخدام أفغانستان كقاعدة للارهاب، ودعوة مختلف الدول، وخاصة الدول المانحة، للمساعدة على إعادة إعمار أفغانستان وإعادة بناء مؤسساتها..إلخ.
الثانية- تشكيل قوة دولية للمحافظة على استقرار الأوضاع الأمنية في أفغانستان. وفي هذا السياق أصدر مجلس الأمن في 20 ديسمبر قراره رقم 1386 الذي رحب فيه بخطاب وزير الخارجية البريطاني إلى السكرتير العام للأمم المتحدة بشأن استعداد بريطانيا لتولي قيادة القوة الدولية العاملة في أفغانستان، ودعا الدول الأعضاء للمساهمة في هذه القوة التي كلفها بالعمل في إطار من التنسيق والتشاور مع السلطة الانتقالية في أفغانستان ومع الممثل الخاص للسكرتير العام للأمم المتحدة، وتقديم المساعدة الضرورية واللازمة للسلطة الانتقالية الأفغانية في جهودها الرامية لتأسيس وتدريب قوات أمنية أفغانية مسلحة جديدة.
ويمكن القول إن القرارات الأخرى التي صدرت حول الأزمة الأفغانية بعد 11 سبتمبر لم تخرج مطلقًا عن هذا السياق ودارت جميعها حول إدانة حركة طالبان، وتقديم الدعم السياسي والعسكري للنظام البديل الذي لعبت الولايات المتحدة الدور الأساسي في إقامته. بعبارة أخرى يمكن القول إن مجلس الأمن لم يشغل نفسه كثيرًا بالحرب ضد أفغانستان ولم يعلق على مدى مشروعيتها، وإن كانت قراراته وتصرفاته اللاحقة تشير إلى أنه قد أقرها ضمنًا، ولم يوجه أي انتقادات إلى التجاوزات الأمريكية التي حدثت خلالها، سواء فيما يتعلق بأنواع الأسلحة المستخدمة أو ضحايا الأعمال العسكرية من المدنيين، أو كيفية معاملة المعتقلين الذين تم أسرهم خلال الحرب وترحيلهم إلى القاعدة الأمريكية في جوانتامو..إلخ. ولذلك يمكن القول دون أي مغالاة إن الدور الذي لعبه مجلس الأمن في الأزمة الأفغانية هو أقرب إلى دور المحلل للسياسة الأمريكية منه إلى دور الجهاز المسئول عن السلم والأمن في العالم وفقًا لما هو منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
وهناك شكوك كثيرة في الواقع تحوم حول شرعية الحرب التي شنتها الولايات على أفغانستان، والتي يصعب تصنيفها ضمن الحروب المشروعة دفاعًا عن النفس. كما أن سلوك الولايات المتحدة أثناء الحرب يؤكد على أن الولايات المتحدة لم تعر اتفاقات جنيف أي اهتمام. فهي، من ناحية، كانت معنية بتوفير أكبر قدر من الحماية لجنودها حتى ولو أدى ذلك إلى وقوع خسائر كبيرة من المدنيين الأفغان، ولم تتردد، من ناحية ثانية، في ارتكاب مذابح ومجازر ضد المتهمين بانتمائهم إلى طالبان أو إلى تنظيم القاعدة تدخل في عداد جرائم الحرب كما أنها رفضت، من ناحية ثالثة، اعتبار الأسرى والمحتجزين لديها أسرى حرب تنطبق عليهم اتفاقات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها، على الرغم من تأكيد الصليب الأحمر بأنهم كذلك بالفعل، وعاملتهم معاملة غير إنسانية لا تليق بالآدميين. لكن مجلس الأمن لم يجرؤ حتى على مناقشة هذه الموضوعات.

ثالثًا- الأمم المتحدة وتصعيد المواجهة مع العراق:
ظلت القضية العراقية مطروحة بقوة على جدول أعمال مجلس الأمن منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفيتي وشكلت أحد المفاصل الأساسية في تاريخ الأمم المتحدة ومجلس الأمن طوال مرحلة التسعينيات، وعلى النحو الذي سبقت الإشارة إليه. ورغم أن هذه القضية شهدت فصولًا عديدة من التصعيد، الذي وصل إلى حد توجيه الولايات المتحدة للعراق ضربات عسكرية قاسية، ومن التهدئة، إلا أنها كانت قد بدأت تأخذ طابعًا روتينيًا أو شبه روتيني منذ إنهاء عمل لجنة المفتشين الدوليين الأولى (يونسكوم) في نهاية عام 98. صحيح أن مجلس الأمن كان قد شكل، قبل وقوع أحداث سبتمبر، لجنة تفتيش دولية جديدة (أنموفيك)، إلا أن العراق كان يشترط، لقبول عودتها لممارسة مهام عملها في العراق، أن يكون لها جدول زمني محدد وواضح وأن تلتزم الأمم المتحدة برفع الحظر المفروض على العراق منذ عام 90 بمجرد انتهاء عملها وثبوت خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وهو ما رفضته الولايات المتحدة. ولذلك بقيت الأزمة العراقية تراوح مكانها دون أن يطرأ أي تغير جوهري على معطياتها: العقوبات القاسية المفروضة على العراق منذ أكثر من عشر سنوات ما تزال مستمرة، ويحصل العراق على احتياجاته الأساسية من الخارج من خلال اتفاق “النفط مقابل الغذاء” المبرم مع الأمم المتحدة وبإشرافها، وهو اتفاق ظل يتجدد دوريًا دون عوائق تذكر، والطيران الأمريكي والبريطاني يغير من وقت لآخر على العديد من المواقع العراقية، بدعوى خرق العراق لمناطق حظر الطيران غير الشرعية أصلًا والمفروضة بالقوة خارج نطاق مجلس الأمن، ويسقط كثير من الضحايا المدنيين بسبب تلك الغارات.
تجدر الإشارة إلى أن وسائل الإعلام العالمية كانت قد بدأت تتحدث منذ فترة طويلة سبقت أحداث سبتمبر عن تعرض الشعب العراقي لما يشبه الإبادة الجماعية بفعل الحصار المفروض عليه، وخاصة بعد قيام الوكالات الدولية المتخصصة بنشر تقارير مفزعة عما يحدث للعراق بسبب الحصار. ويحتوي كتاب جيف سيمونز الذي نشره مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان “التنكيل بالعراق: العقوبات والقانون والعدالة” على حقائق تشيب لها الولدان، مستمدة مما ورد في تقارير المنظمات الدولية، عن مظاهر هذه الإبادة، وعلى سبيل المثال يشير سيمونز في كتابه نقلًا عما ورد في إحدى تقارير المدير الإقليمي لبرنامج الغذاء العالمي: “ثمة ما يزيد على 4 ملايين شخص، أي خمس سكان العراق، يواجهون خطرًا غذائيًا شديدًا. ويشمل هذا العدد 4ر2 مليون طفل دون الخامسة، و زهاء 600 ألف من النساء الحوامل/ المرضعات والمعوزات المعيلات لأسرهن، فضلًا عن مئات الآلاف من النساء في سن الكهولة اللواتي لا يجدن من يساعدهن.. و70% من السكان لا يحصلون على الطعام أو على طعام قليل.. ويبدو معظم الناس هزيلي الأجسام. إننا عند نقطة اللاعودة في العراق، والهيكل الاجتماعي للبلاد يتفكك وقد استنفد الناس قدرتهم على المواجهة”. ثم يضيف الكاتب نقلًا عن تقرير أعدته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة عن محنة المدنيين العراقيين المتفاقمة عام 1995 مؤكدًا “وفاة أكثر من مليون عراقي بينهم 567 ألف طفل كنتيجة للعقوبات الاقتصادية..” ص 258.
ورغم ذلك كله ظلت الأزمة مع العراق-وبسبب إصرار الولايات المتحدة على استمرار فرض الحظر- تراوح مكانها في مجلس الأمن وكأنها مجرد قضية عادية ذات طابع روتيني. ولذلك فإن الجلسات التي خصصها مجلس الأمن طوال عام 2001 الذي شهد أحداث سبتمبر الرهيبة كانت محدودة العدد أصدر خلالها ثلاثة قرارات لم يكن فيها جديد يلفت الأنظار. ولذلك بدت وكأنها دليل على تجميد الأزمة عند مستوى صراعي معين انتظارًا لفرصة تسمح بتصعيدها وتبرره.
وعلى الرغم من أنه لم تثبت أي صلة بين العراق وبين الإرهاب عمومًا أو بين العراق وأحداث سبتمبر على وجه الخصوص، إلا أنه ما أن فرغت الولايات المتحدة من حربها غير الحاسمة ضد أفغانستان، حتى أعلنت عن وجود محور للشر يتكون من ثلاث دول هي: العراق وإيران وكوريا الشمالية، وأن هذه الدول تمتلك أسلحة الدمار الشامل وتسعى للحصول عليها ويمكن أن تنتقل منها إلى المنظمات الإرهابية، وبدأت تتحرش فجأة بالعراق. وهكذا عادت الأزمة العراقية لتحتل من جديد مركز الصدارة على جدول الأعمال الدولي، وبالتالي على جدول مجلس الأمن، وراحت الولايات المتحدة تؤكد أن هدفها الوحيد هو نزع أسلحة الدمار الشامل التي تصر على أن العراق مازال يمتلكها وما زال مستمرًا في وضع وتنفيذ خطط وبرامج خاصة بتطويرها. وحتى عندما أعلنت الولايات المتحدة أن هدفها الحقيقي هو إسقاط النظام العراقي، فقد حاولت ربط هذا الهدف بموضوع أسلحة الدمار الشامل من منطلق استحالة نزع سلاح العراق في ظل استمرار وجود صدام حسين على رأس هذا النظام الذي لم يتعاون في السابق، ولن يتعاون في المستقبل مع المفتشين الدوليين المكلفين بنزع سلاحه. غير أن هذا المنطق الأمريكي لم يكن مقنعًا للكثيرين. ولذلك راحت أوساط دولية عديدة، على المستويين الرسمي والشعبي، تشكك فيه وتبحث عن حقيقة الأهداف الخفية وراءه، كما راحت فجوة التوفيق بين أهداف أمريكا المعلنة وأهدافها الخفية من وراء تصعيد الأزمة مع العراق تزداد وضوحا واتساعًا على الدوام.
كان من الواضح أن جناح الصقور في الإدارة الأمريكية هو الذي بادر وضغط، ربما لأسباب داخلية، لتصعيد الأزمة مع العراق وحاول الانفراد بملفها وإدارتها. ولذلك لم يكن من المستغرب أن يتسم أسلوبه بقدر هائل من الاستفزاز. فأصر في البداية على حق الإدارة الأمريكية فى استخدام كل ما في حوزتها من وسائل، بما فيها القوة المسلحة، للإطاحة بالنظام العراقي دون ما حاجة للحصول على تفويض جديد من مجلس الأمن، أو حتى من الكونجرس الأمريكي. وكان من الطبيعي أن يثير هذا الأسلوب الفج سيلًا من الانتقادات الحادة على الصعيدين الداخلي والخارجي اضطرت معه الإدارة الأمريكية، ربما تحت ضغط الجناح الأكثر اعتدالًا، إلى تقديم تنازل تكتيكي، بالسعي للحصول على موافقة مجلس الأمن والكونجرس الأمريكي معًا، ولكن دون أي مساس بمضمون الأهداف أو تغيير في الخطط الاستراتيجية.
وهكذا راح الرئيس الأمريكي يكرس كل خطابه السنوي أمام الجمعية العامة في سبتمبر 2002 للأزمة مع العراق في محاولة لإقناع الرأي العام العالمي والأمريكي معًا بمنطق الإدارة، فكال الاتهامات للنظام العراقي، مؤكدًا على أنه بات يشكل تهديدًا خطيرًا ليس لأمن الولايات المتحدة أو لأمن الجيران فقط وإنما للسلم والأمن في العالم أجمع، وطالب بالارتفاع إلى مستوى التحدي ومواجهة التهديد!. وكان من الأمور ذات المغزى تعمد الرئيس بوش توجيه قائمة اتهامات طويلة للنظام العراقي لا تركز على قضية أسلحة الدمار الشامل وحدها وإنما تتسع لتشمل كل شيء: بدءًا بانتهاك حقوق الإنسان وانتهاءً بسرقة الممتلكات الكويتية!، وهو ما اعتبره المراقبون دليلًا قاطعًا على أن الهدف هو إزاحة النظام و ليس مجرد التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل. ولأن الولايات المتحدة عجزت حتى عن مجرد تقديم أدلة مقنعة وقاطعة على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل أو أنه ما زال يشكل تهديدًا حقيقيًا لأمن أحد فقد تزايدت الشكوك حول مجمل الادعاءات الأمريكية وبات الكثيرون أكثر ميلًا إلى الاعتقاد بأن للولايات المتحدة أهدافًا خفية أملتها أوضاعها الداخلية، من ناحية، وطموحاتها الإمبريالية المتجددة للهيمنة على العالم، من ناحية أخرى.
وأمام تنامي الشكوك الدولية حول حقيقة النوايا الأمريكية حاول المجتمع الدولي استغلال التحول الذي طرأ على أسلوب الولايات المتحدة في إدارة الأزمة، بعد اضطرارها للجوء إلى الأمم المتحدة، ليؤكد على أمرين على جانب كبير من الأهمية، أولهما- أن التثبت من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وليس الإطاحة بنظام صدام، هو الهدف الأولى بالرعاية وهو الذي يستوجب ويبرر تدخل مجلس الأمن، وثانيهما- أن استخدام القوة ضد العراق، في حال امتناع هذا الأخير عن التعاون مع لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، يتطلب قرارًا صريحًا وتفويضًا جديدًا من جانب مجلس الأمن. ولا جدال في أن الموقف المرن والواضح الذي اتخذه النظام العراقي هذه المرة، بالإعلان عن خلو العراق الكامل من أسلحة الدمار الشامل وإعادة التأكيد على عدم سعيه لامتلاكها وإبداء الاستعداد التام لاستقبال لجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة دون أي شروط مسبقة وسعيه الجاد لإبرام اتفاق بهذا الغرض مع الأمم المتحدة، فاجأ جناح الصقور في الإدارة الأمريكية وساعد القوى الدولية والإقليمية ذات المصلحة لبذل جهود فعالة لمحاولة كبح جماح الثور الأمريكي الهائج، ولو مؤقتًا، تمهيدًا لتكثيف الجهود الرامية لمنع اندلاع الحرب.
غير أن جناح الصقور في الإدارة الأمريكية لم يستسلم وراح يحاول بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة تخريب المحاولات الرامية لحصر القضية في موضوع التأكد من خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل. ولأنه لا يوجد خلاف حقيقي على الأهداف الاستراتيجية بين الحمائم والصقور في هذه الإدارة الأمريكية المتطرفة، فقد كان من السهل عليهما أن يتفقا على إعادة توزيع الأدوار بينهما بحيث يتولى جناح الحمائم مهمة استيفاء الإجراءات الشكلية اللازمة لإضفاء الشرعية القانونية، محليًا ودوليًا، على الأهداف التي سبق لجناح الصقور أن حدد مضمونها. وهكذا ضغطت الإدارة الأمريكية بجناحيها، ونجحت بالفعل، في تحقيق سلسلة من “المنجزات” مكنتها من الاستمرار بالإمساك بخيوط الأزمة رغم طرح ملفها على الأمم المتحدة ممثلة في مجلس الأمن. فقد نجحت، أولًا، في حمل الأمم المتحدة على إرجاء إرسال لجنة التفتيش إلى العراق رغم الاتفاق الذي تم إبرامه مع كل من رئيس لجنة التفتيش والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية، وهو اتفاق قبلت العراق بموجبه كل الشروط اللازمة لضمان جدية التفتيش ودقته. ولم يكن هناك أي مبرر قانوني لهذا الإرجاء. ثم نجحت، ثانيًا، في تغيير موقف هانز بليكس، رئيس لجنة المفتشين الدوليين، وإقناعه بضرورة صدور قرار جديد من مجلس الأمن قبل عودة المفتشين للعراق، على الرغم من معارضة الكثيرين لذلك. ثم نجحت، ثالثًا، في استصدار قرار بأغلبية ساحقة من الكونجرس الأمريكي بمجلسيه الشيوخ والنواب يطلق يد الرئيس في شن الحرب على العراق دون التقيد بصدور قرار بذلك من مجلس الأمن.
غير أن معظم هذه الإنجازات كان على حساب القانون الدولي وانتهاكًا له. فصدور تصريح عن هانز بليكس في أعقاب لقاء له مع ممثلي الإدارة الأمريكي، لتأييد المطلب الأمريكي بضرورة استصدار قرار جديد من مجلس الأمن، يعد بذاته فضيحة أخلاقية وتجاوزًا لصلاحيات رجل هو في النهاية موظف دولي لا يجوز له أن يتلقى تعليمات إلا من السكرتير العام للأمم المتحدة، وقيام الكونجرس الأمريكي باتخاذ قرار بتفويض الرئيس بشن الحرب في نزاع معروض على مجلس الأمن، يعد خرقًا واضحًا وصريحًا للقانون الدولي واستفزازًا متعمدًا للمجتمع الدولي كله. بل إن الإدارة الأمريكية لم تتردد في أن تقوم بعملية مبادلة رخيصة من أجل أن تحصل على تفويض بالحرب من الكونجرس. فقد اضطرت إلى تقديم رشوة إلى اللوبي اليهودي، وهي فضيحة أخرى من العيار الثقيل، ووقعت على قانون يلزمها بالتعامل مع القدس الموحدة باعتبارها العاصمة الأبدية لإسرائيل. وهي رشوة تدل بذاتها على أن مشاعر العرب والمسلمين هي آخر ما يمكن أن تفكر فيه الإدارة الأمريكية. وفي هذا السياق أصبح الطريق ممهدًا أمام الإدارة الأمريكية للتقدم رسميًا بمشروع قرار جديد لمجلس الأمن لم يكن هدفه الحقيقي سوى الحصول على تفويض دولي يتيح لها أن تمسك، منفردة، بملف الأزمة العراقية تتصرف فيه كيف تشاء وبالأسلوب الذي تراه.
مشروع القرار الأمريكي الذي طرح على مجلس الأمن لم يضع الأساس لتعامل دولي نزيه مع أزمة تشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين ولكنه عكس محاولة فجة لفرض الإرادة الأمريكية المنفردة على مجلس والأمن ومثل، من ثم، تحديًا للمجتمع الدولي كله ووضع الأمم المتحدة أمام امتحان خطير. فقد تضمنت فقراته العاملة صياغات عديدة شكلت استهانة كاملة بالقواعد والأعراف الدولية يبدو أنها صممت خصيصًا لاستفزاز العراق ودفعه نحو التصلب. من نماذج هذه الاستفزازات، على سبيل المثال وليس الحصر:
1. أن على العراق تقديم المعلومات ليس فقط عما يملكه من أسلحة محظورة وعن البرامج المتعلقة بإنتاج وتطوير هذه الأسلحة وإنما أيضًا عن “البرامج التي يدعي أنها لأغراض لا علاقة لها بإنتاج الأسلحة أو موادها” (الفقرة 2). أي أن مهمة إثبات خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل لا تقع على عاتق لجنة التفتيش وإنما على عاتق العراق أساسًا. وقيام العراق بتقديم بيانات كاذبة أو إغفاله تقديم مثل هذه البيانات أو عدم التعاون مع اللجنة بالشروط المحددة في القرار يمثل انتهاكًا ماديًا يبرر استخدام القوة ضده (الفقرة 10). وتنم هذه الفقرات عن تحرش واضح ونية مبيتة مع سبق الإصرار لضرب العراق.
2. أن على العراق أن يسمح للجنة التفتيش باستجواب من ترغب من المسئولين والعلماء وغيرهم من الأشخاص العاملين في برامج التسليح سواء داخل العراق أو خارجه، ودون حضور رسميين عراقيين (الفقرة 3)، كما أن للجنة الحق في الحصول على أسماء كل من شاركوا في هذه البرامج (فقرة 4). وتؤكد هذه الفقرات ما تردد عن نية الولايات المتحدة إفراغ العراق من علمائه واستيعابهم في الولايات المتحدة بعد منحهم الجنسية الأمريكية.
3. والعراق مطالب بأن يقبل تواجد قوات أمن تابعة للأمم المتحدة ترافق فرق التفتيش، وأن يكون لهذه القوات الحق في الدخول إلى أي مكان، بما في ذلك القصور الرئاسية، دون إخطار سابق، وفي إعلان مناطق حظر جوي أو بري ومنع المرور واستخدام الطائرات ذات الأجنحة الثابتة والدوارة..إلخ (الفقرة 5). أي أن يقبل بالتفتيش تحت تهديد السلاح.
4. كما تضمن مشروع القرار الأمريكي فقرة تتيح لأي من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أن يطلب تمثيله في فرق التفتيش مع تمتعه بكافة الحقوق وإجراءات الحماية ذاتها التي تمنح لبقية أعضاء الفريق.(الفقرة 5). وتمثل هذه الفقرة في حد ذاتها فضيحة قانونية وسياسية وأخلاقية لأنها تخلط بين الدور الذي تلعبه الدول دائمة العضوية، من خلال مجلس الأمن باعتباره الجهاز المسئول عن حفظ السلم والأمن الدوليين، والدور الذي يلعبه الخبراء الذين يعينهم السكرتير العام للأمم المتحدة تنفيذًا للقرارات الصادرة عن مجلس الأمن. أي أن الولايات المتحدة تريد، بعبارة أخرى، أن تحمل مجلس الأمن على الموافقة رسميًا على إرسال مندوب (جاسوس) أمريكي ضمن فرق التفتيش يتولى إرسال تقاريره مباشرة للرئيس بوش وليس إلى كوفي عنان.
كل هذه الإشارات لم تكن تحمل سوى دلالة واحدة وهي أن الولايات المتحدة مصممة على تنفيذ مخططها تجاه العراق بالقوة المسلحة، سواء تم ذلك بتفويض أو بدون تفويض من مجلس الأمن. وبات العراق بالفعل قاب قوسين أو أدنى من أنياب الفك الأمريكي المفترس. وللحقيقة فقد حاول المجتمع الدولي عرقلة هذا الجموح الأمريكي، ودارت على مدى ستة أسابيع كاملة مفاوضات في كواليس الدبلوماسية العالمية، عمومًا، وفي كواليس مجلس الأمن، على وجه الخصوص بدت خلالها “الأمم المتحدة” وكأنها مصممة على مقاومة الصلف الأمريكي وعلى أن يكون لها دور ما في صناعة القرارات المتعلقة بحفظ السلم والأمن في العالم حتى لا تتحول إلى مجرد حامل أختام في خدمة الطاغية الدولي الجديد. غير أنه سرعان ما تذكرت أن حقائق وموازين القوة الجديدة لم تعد تسمح لها بهذا الطموح، لتنتهي تلك المفاوضات بصيغة حصلت في النهاية على إجماع مجلس الأمن في صورة القرار 1441. غير أن الصيغة عكست الخلل الكاسح في موازين القوى الدولية لصالح الولايات المتحدة بأكثر مما عكست توافقًا أو إجماعًا دوليًا حقيقيًا على مضمون القرار الذي تم تبنيه في 8 نوفمبر 2002.
فالقرار الذي تم تبنيه هو تقريبًا نفس مشروع القرار الأمريكي الذي كان المجتمع الدولي كله يعترض عليه باعتباره منافيًا للشرعية الدولية، وعملت بالتالي على تعديله ليصبح أكثر اتساقًا مع هذه الشرعية. فقد أبقي على النص الذي يتعامل فيه مع العراق باعتباره مدانًا، وليس متهما، بعد أن شكك في نواياه وقرر أنه في حالة انتهاك مادي مستمر لقرارات سابقة صدرت عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع. وألقي بمسئولية إثبات وجود أسلحة دمار شامل في العراق على عاتق الحكومة العراقية، والتي بات عليها أن تثبت بنفسها خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل وألزمها بالكشف ليس فقط عن كل برامج تطوير أسلحة الدمار الشامل ولكن أيضًا عن كل البرامج “التي تدعي أنه لا علاقة لها بإنتاج الأسلحة”، وليس على عاتق لجان التفتيش الدولية التي خولها صلاحيات واسعة تمس بكرامة العراق وسيادته،صحيح أن القرار 1441 لم يتبن الطلب الأمريكي بضرورة أن تمارس فرق التفتيش عملها في صحبة وتحت حراسة قوات دولية، غير أن المطالب الأخرى التي تبناها القرار كانت في مجملها مطالب تعجيزية واستفزازية وشكلت عبئًا نفسيًا رهيبًا على العراق وجعلت عملية التفتيش برمتها أقرب ما تكون بالحملة البوليسية التي تستهدف إلقاء القبض على الحكومة العراقية، بعد فضحها، منها إلى عملية تفتيش تستهدف إثبات خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل. الفرق الجوهري الوحيد بين المشروع الأمريكي وبين القرار الذي تبناه مجلس الأمن كان خلو الأخير من نص يجيز تلقائية العمل العسكري في حالة عدم تعاون العراق مع فرق التفتيش أو عدم وفائه بما هو مطلوب منه، وهو ما اعتبره البعض انتصارًا يستحق الإشادة ونجاحًا للجهود الرامية إلى إجهاض الحرب وتسوية الأزمة بالوسائل السلمية. غير أن أي محلل مدقق لنص القرار 1441 وروحه يمكن أن يكتشف بسهوله أنه صيغ بطريقة تنطوي على قدر كبير من الغموض المتعمد حول هذه النقطة تحديدًا كي يسمح للولايات المتحدة بتفسيره كما يحلو لها. صحيح أنه يقضي بالعودة إلى مجلس الأمن لمتابعة ملف الأزمة وفحص تقارير رئيسي فريقي التفتيش، لكنه لا يشير صراحة إلى ضرورة صدور قرار جديد يحدد طبيعة الإجراءات العقابية أو “العواقب الوخيمة” التي تنتظر العراق في حالة ثبوت انتهاكه للقرار، حسبما كانت تطالب فرنسا في مشروعها الذي لم يطرح للتصويت أصلًا. وكان معنى ذلك أنه يمكن لمجلس الأمن أن يجتمع ويناقش لكنه ليس مطالبًا بالضرورة باتخاذ قرار جديد يثبت انتهاك العراق للقرار 1441 ويحدد طبيعة الإجراءات التي يتعين القيام بها، وهي إجراءات ينص الميثاق على أنها لابد أن تكون تحت إشراف المجلس ورقابته. وكان من شأن هذا الصمت أن يبقي الباب مفتوحًا أمام الولايات المتحدة لتستعيد قدرتها على الإدارة المنفردة للملف العراقي من جديد ويمنحها حرية التصرف في الأزمة على هواها بمجرد صدور أدنى إشارة، وخاصة من لجان التفتيش، تفيد بعدم تعاون العراق. وهكذا عاد المجتمع الدولي من جديد إلى المربع رقم واحد أي إلى جوهر المشروع الأمريكي الأصلي الذي رفض شكلًا.
وإذا كانت مداولات الأسابيع الستة التي سبقت صدور القرار 1441 قد كشفت عن شيء فهو إعادة التأكيد على أن الخلل الراهن في موازين القوة العالمية لم يعد يسمح للأمم المتحدة بالقيام بأي دور حقيقي في تسيير الشئون الدولية وخاصة فيما يتعلق بمعالجة الأزمات التي تهدد السلم والأمن الدوليين. صحيح أن هذا الدور لم يكن في يوم من الأيام فاعلًا وقويًا على النحو المنصوص عليه في الميثاق وكان يتآكل باستمرار مع تطور الخلل في موازين القوة الدولية، لكنه كان موجودًا. الجديد في الأمر أن عملية التآكل هذه تشرف الآن على نهايتها. إذ تبدو الأمم المتحدة الآن وكأنها في طريقها إلى التحول لتكون مجرد محلل لما يريده الطاغية الأمريكي المهيمن على النظام الدولي.
غير أن الأمر لم يحسم نهائيًا بعد. فقد قبل العراق قرار مجلس الأمن، على الرغم من قسوته ومن كل ما فيه من تجاوزات، وأعد الإعلان المطلوب عن برامجه التسليحية وسلمها في الوقت المناسب، وكان العراق، حتى كتابة هذه السطور، لا زال مستمرًا في التعاون مع المفتشين الدوليين، والذين لم يصدر عنهم ما يشير، من قريب أو بعيد، إلى أنه يعرقل عملهم أو أن عمليات التفتيش التي تمت حتى الآن تتضمن أي دلائل تشير، من قريب أو بعيد أيضًا، إلى أنه مازال يمتلك أسلحة دمار شامل أو يعمل على امتلاكها وتطويرها، ومع ذلك فإن الولايات المتحدة ما تزال تحشد قوات ضخمة نحو الخليج استعدادًا لشن الحرب على العراق، وتدعي أن الإعلان العراقي عن برامج التسلح لم يقل كل الحقيقة، وبالتالي يعد دليلًا ماديًا جديدًا على استمرار تحدي العراق لقرارات مجلس الأمن وخرقه للقرار 1441، وهو ما يخولها الحق في شن الحرب “لنزع سلاح العراق بالقوة” دون ما حاجة لتصريح أو لقرار جديد من مجلس الأمن. ورغم أن معظم دول العالم ما تزال ترفض هذا المنطق وترى أن لجان التفتيش هي وحدها المخولة بتقرير ما إذا كان العراق يخفي أسلحة دمار شامل من عدمه، وأن مجلس الأمن هو وحده الذي يتعين عليه حينئذ أن يقرر طبيعة الإجراءات التي يتعين اتخاذها ضد العراق إذا ما ثبت خرقه للقرار 1441، إلا أن كل الدلائل تشير إلى أن الولايات المتحدة ماضية في تنفيذ استراتيجيتها الخاصة دون أن تعير أي اهتمام لما يقوله المجتمع الدولي. غير أن الموقف لم يحسم، وهو ما يضع الأمم المتحدة على مفترق طرق جديد.

رابعًا- الأمم المتحدة وحرب شارون في الضفة والقطاع:
تبنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وخاصة منذ بداية عملية التسوية في مدريد، سياسة تقوم على استبعاد أي دور للأمم المتحدة والحرص على أن تجري هذه العملية من خلال التفاوض المباشر بين الأطراف تحت الرعاية الأمريكية المنفردة. وعندما كانت مسيرة التسوية تتعثر وتندلع الاضطرابات في الأراضي المحتلة، سواء بسبب رفض السلطات الإسرائيلية تنفيذ تعهداتها بموجب اتفاقات أوسلو أو بسبب تصاعد أعمال القمع الإسرائيلية أو أعمال المقاومة الفلسطينية، ويتطلب الأمر عرض القضية على مجلس الأمن فإن الإدارات الأمريكية المختلفة كانت عادة ما تسعى أولًا إلى تثبيط همم الأطراف- وهي دائمًا فلسطينية أو عربية- التي تسعى لعرض الأمر على الأمم المتحدة، وإن لم تنجح تسعى لإفراغ مشروعات القرارات المعروضة من مضمونها، فإن لم تنجح تستخدم الفيتو لصالح إسرائيل. أما المساعي الأمريكية نفسها لدفع عملية التسوية فكانت تنشط أحيانًا وتخبو أحيانًا وتتقدم وتتراجع وفق ما تمليه الأوضاع المحلية (الإسرائيلية والأمريكية) وكذلك الأوضاع الإقليمية والدولية.
وكانت إدارة جورج بوش الابن قد تبنت، منذ وصولها إلى السلطة في يناير 2000، سياسة شديدة الحذر تجاه القضية الفلسطينية. فقد رفضت أن تستكمل الدور النشط الذي كانت إدارة كلينتون قد حاولت أن تقوم به، وخاصة في الشهور الأخيرة من ولايتها، للتوصل إلى تسوية نهائية للصراع العربي الإسرائيلي، وبالذات الشق الفلسطيني منه. وبنت حساباتها على أساس أن الظروف غير ناضجة لدور أمريكي نشط للتوصل إلى تسوية نهائية في الوقت الراهن، وأن فشل المحاولة الأمريكية في كامب ديفيد ساهم في تفجير الانتفاضة الفلسطينية واندلاع العنف بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وأيضًا في وصول شارون للحكم ببرنامج يقوم على إنهاء الانتفاضة وتوقف “العنف الفلسطيني” كلية قبل أي حديث عن المفاوضات، وبالتالي في تعقيد الأمور أكثر مما هي معقدة أصلًا. وقد تزامن وصول بوش على رأس إدارة أمريكية جديدة مع وصول شارون للسلطة في إسرائيل تقريبًا. ومن الناحية العملية فقد توافق موقف بوش، العازف عن تنشيط الدور الأمريكي في عملية السلام والعمل على حمل الأطراف المعنية على استئناف المفاوضات من حيث توقفت، مع موقف شارون الرافض لأي تحرك دبلوماسي قبل “وقف العنف”. غير أن الأسوأ من ذلك أن بوش اعتبر أن عرفات هو الذي يتحمل المسئولية الأساسية في فشل مفاوضات كامب ديفيد، ورفض مقابلته في وقت فتح فيه باب البيت الأبيض على مصراعيه أمام شارون. وقد شجع هذا الموقف شارون على انتهاج سياسة بالغة القسوة ضد الفلسطينيين، إذ لم يتردد في استخدام الدبابات وطائرات الأباتشي وطائرات إف 16 لاغتيال النشطين الفلسطينين حتى ولو أدى ذلك لقصف الأحياء السكنية وهدم البيوت على من فيها من المدنيين. ولم تتردد الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم الحماية اللازمة لهذه السياسة العدوانية في مجلس الأمن بما في ذلك الاستعداد الدائم لاستخدام الفيتو.
وعندما بلغ تصعيد شارون ذروته ضد الفلسطينيين وأصبح الوضع غير محتمل ويشكل خرقًا سافرًا لكل الأعراف والقوانين الدولية، تقدمت مجموعة دول العالم الثالث بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يطالب الأطراف المعنية باتخاذ إجراءات فورية لعودة الاتصالات بينها على كافة المستويات، وتنفيذ الالتزامات الأمنية المتبادلة، والاتفاق على إجراءات جديدة لبناء الثقة، بما في ذلك كل ما سبق الاتفاق عليه في مؤتمر شرم الشيخ. كما طالب القرار إسرائيل بوقف سياسة العزل والحصار للمناطق المحتلة ووقف سياسة الاستيطان، ودفع المستحقات المالية عليها للسلطة الفلسطينية، والوقف الكامل لبناء المستوطنات، بما في ذلك توسيع المستوطنات القائمة. وأخيرًا طالب القرار المجتمع الدولي بإرسال قوات مراقبة دولية لحماية الفلسطينيين. وكان يمكن لهذا القرار أن يمر، بعد أن وافق عليه تسع دول أعضاء وامتناع أربع، لولا إصرار الولايات المتحدة على استخدام الفيتو عندما طرح مشروع القرار للتصويت على المجلس في 27 مارس 2001. وكان هذا الفيتو بمثابة منح شارون ضوءًا أخضر للاستمرار في سياسته.
غير أن شارون كان يدرك في الوقت نفسه أن هناك سقفًا وخطًا أحمر لا يستطيع تجاوزه. فلم يكن مسموحًا له، حتى ذلك الوقت، بتدمير السلطة الفلسطينية بالكامل أو إعادة احتلال المناطق التي سبق أن انسحب منها الجيش الإسرائيلي في إطار اتفاق أوسلو، وكان يتطلع بشغف لفرصة تمكنه من رفع السقف وزحزحة الخطوط الحمراء. وفجأة لاحت له الفرصة في 11 سبتمبر.
والواقع أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت قد داهمت الجميع في لحظة بدا فيها مأزق القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية واضحًا. فشارون كان قد بدأ يدرك أن قدرته على إخماد الانتفاضة وعلى قهر إرادة الشعب الفلسطيني بقوة السلاح تتضاءل مع مرور الوقت، وأن عجزه عن تحقيق الأمن الذي وعد به الناخب الإسرائيلي لن يجلب له سوى المتاعب السياسية وربما يؤدي إلى انهيار التحالف الذي يقوده في نهاية المطاف. أما عرفات فكان قد بدأ بدوره يدرك أن استمرار الانتفاضة، في ظل إصرار الطرف الإسرائيلي على وقفها الكامل كشرط لاستئناف المفاوضات، سوف يؤدي، إن عاجلا أو آجلا، إلى تآكل سلطته الحقيقية ونقلها إلى الشارع المنتفض وإلى قياداته الفعلية على الأرض. ولأنه لم يكن بمقدور العالم الخارجي أن يتخذ موقف المتفرج على طوفان الدم الجاري في هذه البقعة الحساسة من العالم، فقد نشطت الجهود الدولية الرامية للعثور على صيغة تسمح للطرفين بالخروج من مأزقيهما. وبدا الأمر وكأن هذه الجهود قد أثمرت بالفعل، من حيث الشكل على الأقل، حين وافق الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي-من حيث المبدأ- على ترتيب لقاء (أو سلسلة لقاءات) تجمع بين بيريز وعرفات للبحث في آلية تسمح باستئناف المفاوضات. غير أن شارون نفسه كان أول من عمل على إفشال هذه اللقاءات.
في سياق كهذا لم يكن من المستغرب أن يدرك شارون أحداث الحادي عشر من سبتمبر باعتبارها فرصة لتحقيق ما عجز عن تحقيقه من قبل وهو الإجهاز على الانتفاضة بالقوة وإجبار الشعب الفلسطيني على الاستسلام لشروطه. ولأن لشارون مصلحة واضحة في إلصاق تهمة ما حدث في نيويورك وواشنطن، وبأسرع ما يمكن، بالعرب وبالمسلمين قاطبة فقد راحت أجهزة الإعلام المرتبطة بإسرائيل والحركة الصهيونية تروج لهذه المقولة وتحاول تثبيتها في الأذهان بكل السبل بينما راح شارون يطلق العنان لآلته العسكرية ويحررها من كل القيود. ولتبرير هذا التصعيد، ولكسب مشاعر الولايات المتحدة حكومة وشعبًا إلى جانبه، لم يتردد شارون في تجاوز كل الخطوط الأخلاقية الحمراء. فراح يتحدث عن “عرفات” باعتباره “زعيم الإرهاب” في المنطقة ويمثل بالنسبة لإسرائيل ما يمثله “ابن لادن” بالضبط بالنسبة للولايات المتحدة!. و ما أن أعلنت الولايات المتحدة “الحرب على الإرهاب” حتى نصب شارون من نفسه متطوعًا في صفوف المقدمة، زاعمًا بأنه يقف مع الولايات المتحدة في الخندق نفسه. وكان للرجل منطقه الفج والمغلوط في مخاطبة الولايات المتحدة على النحو التالي: لديكم “ابن لادن” ولدينا “عرفات”، والاثنان وجهان لعملة واحدة هي الإرهاب، فتكفلوا أنتم بالأول واتركوا لنا الثاني، فنحن أولى به!. ولم يستبعد الكثيرون أن يتصرف شارون على هذا النحو، لكن المذهل أن يتفق بوش معه ويؤيده ويسايره في هذه السياسة الإجرامية الخطرة. وقد دفع هذا الموقف الصعب بالرئيس عرفات إلى اتخاذ كل ما يملك من إجراءات، فقام بإعلان “وقف إطلاق النار من جانب واحد” في حضور وزير الخارجية الألماني أثناء زيارة هذا الأخير للضفة الغربية، آملًا في الوقت نفسه حفز أوربا على أن تلعب دورًا أكثر إيجابية وتخفف من حدة الضغوط الأمريكية -الإسرائيلية عليه.
والواقع أن التقييم الأمريكي لمجمل الأوضاع في أعقاب 11 سبتمبر مباشرة جعل الولايات المتحدة تتصرف وكأنها تحاول أن تنأى بنفسها بعيدًا، ولو مؤقتًا ومن حيث الشكل، عن شارون وتبنت سياسة تقوم على تهدئة الأوضاع في الأراضي المحتلة، على عكس ما كان يرغب شارون. ويبدو أن هذه السياسة نجحت إلى حد ما في إعادة رسم بعض الخطوط الحمراء التي كان شارون يعمل جاهدًا للسماح له بتجاوزها. فرغم إقدامه على احتلال مناطق واسعة من الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وخاصة عقب اغتيال وزير السياحة رحبعام زئيفي، إلا أنه اضطر في النهاية إلى الانسحاب من هذه المناطق بعد أن عاث فيها بالطبع قتلًا وفسادًا وتدميرًا. وفي هذا السياق وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة، تحت ضغط الأزمة، للحديث عن أهمية إقامة “دولة فلسطينية” بوضوح لم يعرف من قبل. وبدأت عملية إخراج منظم لهذا الموقف الجديد. فصرح كولن باول بأن إقامة دولة فلسطينية “شكل على الدوام أحد مكونات الرؤية الأمريكية لتسوية الصراع في الشرق الأوسط”. ثم جاء دور الرئيس الأمريكي نفسه ليؤكد في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على أن واشنطن ترغب في “أن تتعايش دولتا إسرائيل وفلسطين بسلام وضمن حدود آمنة ومعترف بها طبقًا لقرارات الأمم المتحدة”. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يتحدث فيها رئيس أمريكي، في وثيقة رسمية، عن “فلسطين” وليس عن الفلسطينيين وعن دولة وليس عن وطن، وهي دولة تبدو في النص المكتوب وكأنها تقف على قدم المساواة مع الدولة الإسرائيلية.
غير أنه تعين الانتظار حتى 12 مارس من عام 2002 كي يصدر من مجلس الأمن قرار تؤكد ديباجته على “رؤية تتوخى منطقة تعيش فيها دولتان، إسرائيل وفلسطين، جنبًا إلى جنب ضمن حدود آمنة ومعترف بها” (القرار 1397). ورغم الدلالات السياسية الهامة لهذه الخطوة، إلا أنه يلاحظ أن الفقرات العاملة لهذا القرار، والذي لم يشر أبدًا إلى أن المجلس يتصرف وفقًا للفصل السابع من الميثاق، لم تتجاوز الصياغات التقليدية التي لم تكن قادرة على التأثير على ما يجري على أرض الواقع وهي صياغات كانت كالعادة تطالب مثلما فعل هذا القرار أيضًا “بوقف العنف ودعوة الجانبين للتعاون في تنفيذ خطة تينت وتقرير ميتشل..إلخ”.
بعبارة أخرى يمكن القول إن القرار 1397 جاء في مرحلة كانت الولايات المتحدة تعمل فيها جاهدة على تهدئة الأوضاع داخل الأراضي الفلسطينية بما يكفي لاستئناف مفاوضات هدفها الأساسي هو مجرد تثبيت الهدنة على الأرض إلى أن يتم حسم المشكلة الأفغانية. غير أن الإشارات الصادرة من مراكز صنع القرار الأمريكي كانت تشير إلى أن الولايات المتحدة تستعد في مرحلة ما بعد الحرب الأفغانية لتصفية ما تعتبره جيوبًا للإرهاب في العالم العربي لم يكن من المستبعد أن تشمل كل القوى العربية التي ترفع شعار الكفاح المسلح في مواجهة إسرائيل. ويبدو أن الولايات المتحدة بدأت تتصرف؛ وكأن مجرد إزاحة القوى التي تعتمد أسلوب الكفاح المسلح وسيلة لتحرير الأرض، سوف يشكل في حد ذاته عاملًا يساعد على تمهيد الطريق لإقامة دولة فلسطينية مسالمة ترضي طموحات إسرائيل الإقليمية والأمنية، أي دولة فلسطينية بالمقاييس الشارونية.
والواقع أنه ما أن فرغت الولايات المتحدة من حربها على أفغانستان حتى عادت لتمارس سياستها التقليدية المنحازة كلية لإسرائيل. بل إن بوش لم يتردد في وصف شارون بأنه رجل سلام والتعامل مع عرفات كما لو كان زعيمًا لمنظمة إرهابية بعد أن كان شريكًا في السلام تفتح له أبواب البيت الأبيض. وفي هذا السياق باتت الفرصة التي كان يتوق لها شارون متاحة ولم يتردد في محاصرة وتدمير مقر عرفات ثم اجتياح كبرى مدن الضفة الغربية وارتكاب مذابح ومجازر فيها وخاصة في معسكر جنين.
وربما تكون الولايات المتحدة قد اضطرت للانحناء للعاصفة عندما وافقت في 19 إبريل على قرار مجلس الأمن رقم 1405 الذي رحب فيه بمبادرة الأمين العام الرامية إلى استقاء معلومات دقيقة بشأن أحداث التي وقعت في مخيم جنين للاجئين عن طريق فريق لتقصي الحقائق. وكانت الولايات المتحدة هي نفسها التي بادرت بطرح مشروع القرار الذي تمت الموافقة عليه بالإجماع عقب محادثة هاتفية جرت بين الأمين العام للأمم المتحدة ووزيري الخارجية والدفاع أكدا خلالها أن إسرائيل ستتعاون تعاونًا تامًا مع الفريق الذي سيعينه الأمين العام. غير أن ما جرى بعد ذلك كان وصمة عار للأمم المتحدة وللولايات المتحدة في نفس الوقت. فقد قام الأمين العام بالفعل بتشكيل فريق لتقصي الحقائق. ومع ذلك راحت إسرائيل تثير التحفظات تلو التحفظات: مرة حول صلاحيات الفريق وأسلوب عمله (على الرغم من أنه كانت قد بذلت محاولات مستميتة لإجهاض تشكيل لجنة تحقيق واستبدلت بلجنة لتقصي الحقائق) ومرة حول تشكيل الفريق (بعد أن كانت قد وافقت عليه وسافر الفريق بالفعل إلى جنيف ومكث هناك ينتظر الإذن له بدخول الأراضي المحتلة)..إلخ. وفي النهاية اضطر الأمين العام إلى حل الفريق دون أن يجرؤ أحد على استصدار قرار لإجبار إسرائيل على السماح بدخول اللجنة أو حتى بالاكتفاء بإدانتها. وهنا كان من الطبيعي أن ينتفض المجتمع الدولي، ممثلًا في الجمعية العامة التي انعقدت في دورة استثنائية طارئة وقررت في 7 مايو تكليف الأمين العام بتقديم تقرير عن الأحداث التي وقعت في جنين وفي المدن الفلسطينية الأخرى مستفيدًا من الموارد والمعلومات المتاحة. ورغم وضوح الحقائق وضوح الشمس فإن التقرير الذي عرضه الأمين على الجمعية في يوليو من نفس العام تحاشى هو الآخر إدانة إسرائيل مما عرض التقرير والأمين العام للأمم المتحدة نفسه لانتقادات ومرة حتى من جانب المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان.
هذا الموقف السلبي بل والمتواطئ للأمم المتحدة شجع شارون مرة أخرى على المضي في غيه. ولأنه ليس هناك حدود للإجرام الإسرائيلي فإن إسرائيل لم تتردد في ارتكاب جريمة القتل مع سبق الإصرار ضد موظفي الأمم المتحدة أنفسهم، ولأنه لا حدود أيضًا للانحياز الأمريكي لإسرائيل، فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتردد في استخدام الفيتو، في 19 ديسمبر 2002، ضد مشروع قرار تقدمت به سوريا لإدانة إسرائيل؛ بسبب قيام سلطات الاحتلال بقتل موظفين مدنيين يعملون لحساب الأمم المتحدة، وقتل موظف دولي في مخيم جنين، وتدمير مخزن تابع لبرنامج الغذاء العالمي يحتوي على 537 متر مكعب من المواد الغذائية المقدمة لإغاثة الشعب الفلسطيني، وكانت الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي اعترضت على المشروع حيث صوت إلى جانبه 12 دولة عضو، وامتناع اثتين عن التصويت (النرويج والمملكة المتحدة).
لم يكن استخدام الولايات المتحدة للفيتو لحماية إسرائيل مبررًا في أي وقت، لكن في هذه المرة بالذات تجاوزت الأمور كل الحدود المقبولة. لذلك يكن القول في ختام هذه الدراسة لمسيرة الأمم المتحدة الطويلة ومحاولاتها المضنية للتكيف مع نظام دولي لم يكف عن التحول أن عام 2002 كان يرحل عن عالمنا وهو يرثي حال الأمم المتحدة، بعد أن أصبحت إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي يمكنها شن العدوان وارتكاب جرائم حرب في حق شعب أعزل ورفض دخول لجنة تقصي حقائق إلى أراضيها دون أن تتعرض لعقاب أو حتى للوم أو إدانة، وأن الولايات المتحدة أصبحت هي الدولة الوحيدة التي تملك، فعليًا، حق الفيتو وتستخدمه لا لحفظ السلم والأمن العالميين، وإنما لحماية دولة مارقة تسمى إسرائيل.
****

الهوامش:

*اعتمدت هذه الدراسة سواء في إطارها النظري أو في الوقائع والأحداث السابقة على العام 1995 على دراسات سابقة نذكر منها:
– حسن نافعة، الأمم المتحدة في نصف قرن: دراسة في تطور التنظيم الدولي منذ 1945، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة (202)، الكويت، أكتوبر 1995.
– حسن نافعة، إصلاح الأمم المتحدة، مركز البحوث والدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 1995.
– مارسيل ميرل، أزمة الخليج والنظام العالمي الجديد (ترجمة حسن نافعة)، دار سعاد الصباح، القاهرة، 1993.
– حسن نافعة، دور الأمم المتحدة في تحقيق السلم والأمن العالمي في ظل التحولات العالمية الراهنة، في: علي الدين هلال وجميل مطر (محرران)، الأمم المتحدة: ضرورات الإصلاح بعد نصف قرن، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1996.
أما فيما يتعلق بالبيانات والوقائع اللاحقة على هذا التاريخ، وخصوصًا ما يتعلق منها بالتصويت في مجلس الأمن، فقد تم الحصول عليها من موقع الأمم المتحدة على شبكة الانترنت www.un.org وبالأخص من الملفات الخاصة بمكتبة داج همرشولد والتي يمكن الوصول إليها من خلال هذا الموقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى