المجتمع السوري والنظام الجديد: خريطة القواعد المساندة

مقدمة:

بعد سقوط النظام السوري، وجدت سوريا نفسها أمام مسارين محتملين: إما الغرق في فوضى شاملة، أو الانطلاق في مشروع تأسيس وطن جديد يقوم على العدالة بين جميع المكوّنات الاجتماعية والعرقية[1]. فالمجتمع السوري مجتمع معقَّد من حيث تركيبه نظرًا لتنوعه الطائفي، وقد زاد من هذا التعقيد سنوات الظلم والاستبداد التي عاشها حتى بات الصراع بين أطيافه سمةً من سماته، فعقود من الاستبداد والتمييز وغياب العدالة كانت كافية لتمزيق المجتمع وتعميق خلافاته ، وعند النظر للمجتمع السوري اليوم بعد تحرُّره من طغيان نظام الأسد، لا يمكن لنا تجميل الصورة أو التغاضي عن الهشاشة المستفحلة فيه، فالجراح ليست في المباني المهدمة والذكريات النازفة وحسْب، بل أيضًا في الروح المجتمعية والنسيج الاجتماعي، والتي تظهر في الثقة المتصدِّعة والروابط الهشَّة وشعور السوريين بالخذلان والاغتراب داخل أسوار الوطن[2].

في هذا الإطار الجامع بين الألم والأمل يأتي هذا التقرير ليسلِّط الضوءَ على واقع المجتمع السوري في ظلِّ النظام الجديد في محاولة لفهم طبيعة خريطة القوى المجتمعية ودورها في بناء سوريا الجديدة وما الفرص والتحديات التي تواجه هذه العملية البنائية.

أولًا- المجتمع السوري: خلفية ونظرة تاريخية

أ) المجتمع السوري: المكونات والتركيب البنيوي

يُعَدُّ المجتمع السوري من أكثر مجتمعات المشرق تنوُّعًا في بنيته القومية والدينية والثقافية، وهي سمة تاريخية تعود إلى موقع سوريا الجغرافي بوصفها صلةَ وصلٍ بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

  • البنية القومية والإثنية

العرب هم أكبر مكوِّنات الشعب السوري، ويشكِّلون أكثر من 80٪ من مجموع السكَّان،العربية هي اللغة الرسمية للدولة، ويتحدَّث بها السوريون باللهجة السورية التي تداخِلُها بعض المفردات غير العربية، وقد خرج من سوريا الكثير من الأدباء والشعراء واللغويين العرب، وتأسَّس في دمشق أول مجمع للغة العربية في العالم. أمَّا الأكراد، فهم أكبر الأقليات القومية، وبدأ تواجدهم في سوريا منذ عام 1952 بسبب الاشتباكات بين الجماعات الكردية والجيش التركي، ويعيش معظمهم في الحسكة ومنطقتين صغيرتين شمال حلب، وكثير منهم يعيش في المدن الكبرى وغالبية الأكراد من السُّنَّة، وفيهم أعداد قليلة من المسيحيين والأيزيديين.

في عام 1962 تم تجريد أكثر من 20٪ من الأكراد من جنسيتهم، كما منعتْهم الدولة من استخدام اللغة الكردية في مدارسهم أو في الصحف والكتب، وعلى الرغم من ذلك فهي تسمح لهم بإنشاء الأحزاب السياسية الموجودة بكثرة ضمن مناطقهم. وتضم سوريا أيضًا أقليات قومية أصغر مثل التركمان المنتشرين في ريفيْ حلب واللاذقية، والأرمن في حلب ودمشق، والسريان والآشوريين في الجزيرة العليا، والشركس في بعض المدن[3].

  • البنية الدينية والطائفية

يُشِكِّلُ المسلمون السُّنَّة الغالبية الدينية في سوريا وهم موزَّعون على معظم المدن والبلدات السورية. يليهم العلويون الذين يتمركزون في الساحل (اللاذقية وطرطوس وجبال العلويين)، يعود تشكُّل المذهب العلوي إلى محمد بن نصير البصري في القرن الثالث للهجرة، واستمر المذهب من بعده في كنف الدولة الحمدانية، حتى تمَّ إنشاء مركزين للطائفة أحدهما في حلب، والآخر في بغداد.

انقرض مركز بغداد بعد حملة هولاكو عليه، وانتقل مركز حلب إلى اللاذقية. وبقي العلويون هناك ضمن الدول الإسلامية المتعاقبة محل صراع ومعارك حتى تقسيم سوريا وتشكل الدولة العلوية عام 1920 حتى 1936، ثم عودتهم مرة أخرى على يد حافظ الأسد وابنه اللذين أسسا لنظام مركب طائفي وأمني.

أما الشيعة فقد كانوا يمثلون أقلية صغيرة محدودة في بعض المناطق، ولكن العلاقات الاقتصادية السياسية بين سوريا وإيران في عهد بشار الأسد انعكست كسياسة تشييع ممنهجة في كثير من المناطق، وبالأخصِّ في الأرياف، مستغلَّة حاجتها الاقتصادية، وظهرت مراكز أكثر وضوحًا للشيعة السوريين والإيرانيين في بعض مناطق دمشق.

أما المسيحية فقد كان سكَّان سوريا من أوائل الشعوب التي اعتنقت المسيحية، حيث اعتنق الآراميون وبعض القبائل العربية المقيمة في سوريا المسيحية. وتعدُّ سوريا مركزًا مهمًّا للديانة المسيحية، إذ يوجد على امتدادها العشرات من الأديرة والكنائس والمراكز المقدَّسة في التاريخ المسيحي.

لعب كثير من مسيحيي البلاد دورًا فكريًّا وثقافيًّا وسياسيًّا مهمًّا، وساعد في ذلك الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمسيحيين، إذ يوجد أغلبهم في المدن، وينتمي أغلبهم لطبقات اقتصادية عُليا. ويُضاف إلى هؤلاء الدروز الذين يتركَّزون في محافظة السويداء، فضلًا عن الإسماعيليِّين المنتشرين في بعض مناطق حمص وحماة وريف حلب[4].

  • التوزيع الجغرافي للمكوِّنات

يُظهر التوزيع الجغرافي للسكَّان السوريين تمركزًا واضحًا للمكوِّنات الاجتماعية؛ إذ يتركَّز الأكراد في الشمال الشرقي، والعلويون في الساحل، والدروز في الجنوب، والمسيحيون في المدن الكبرى وبعض الأرياف، بينما ينتشر العرب السُّنَّة في أغلب المناطق. هذا التنوُّع الجغرافي ساهم في تشكيل هُويات محلِّية متعدِّدة، انعكست خلال الثورة في أنماط التحالفات والانقسامات بين الأطراف المختلفة[5].

  • البنية الاجتماعية والاقتصادية

قبل الثورة، كان المجتمع السوري يتكوَّن من ثلاث طبقات رئيسة: طبقة عليا تضم النخب السياسية والاقتصادية، وطبقة متوسطة حضرية متعلِّمة، وطبقة فقيرة واسعة في الأرياف والمدن الصغيرة. وقد أدَّت سياسات “اقتصاد السوق الاجتماعي” في العقد الأول من الألفية الثالثة إلى اتِّساع الفجوة الطبقية وتراجع الطبقة الوسطى، ما زاد من هشاشة النسيج الاجتماعي[6]. ومع اندلاع الحرب انهارت شبكات التضامن المحليَّة وبرزت اقتصاديات جديدة تقوم على التهريب، والمساعدات، واقتصاد الحرب، ما عمَّق الانقسام الطبقي وأضعف الترابط المجتمعي.

أمَّا المجتمع المدني والمنظمات المحلية فيمكننا القول بأنه عند استلام الأسد الأب السلطة فإنه ضَيَّقَ الخناق على المنظمات والجمعيات، وشدَّد الرقابة عليها وأُدخلت تعديلات على قانون الجمعيات تزيد من الرقابة عليها، فانخفض عددها إلى 513 بعد أن كانت تزيد عن 596 خلال مرحلة ما قبل وصول البعث 1946-1963، أما في عام 2000 ومع قدوم الأسد الابن كان هناك انفتاح محدود على المعارضة السياسية، وكان هناك مطالبات بتنظيم قانون عمل الأحزاب والجمعيات ومنحها حرية أكبر، هذه المطالبات واجهها تصعيد من قبل مسؤولين في النظام السابق حتى قام البعض بوصف المجتمع المدني بالاستعمار الجديد، مع ذلك وفَّرت وزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك تسهيلات لتشكيل منظمات جديدة في سورية أخذت طابع “المنظمات غير الحكومية المنظمة حكوميًّا (GO-NGOs)” أو القطاع نصف الحكومي، كما في نموذج الأمانة السورية للتنمية التي أسَّستها أسماء الأسد زوجة بشار عام 2001 والتي حاولت من خلالها تصدير نفسها كداعمة للتنمية المجتمعية، لكنها في الحقيقة كانت مجرد صورة شكلية للمجتمع المدني لا أكثر[7].

ب) المجتمع السوري بعد ثورة 2011

إن التنوُّع الاجتماعي من أهمِّ خصائص سوريا الديمغرافية، فهو مجتمع لديه تنوُّع إثني وديني وطائفي، إلا أن هذا التنوع لا يعكس بالضرورة تفاعلًا وحركة سياسية وثقافية، فقد تعرَّض لسلسلة من السياسات الإكراهية أسْهمت في وضع المجتمع بكليته أو بخصوصيته في أتون عملية استنزاف وانقسام مستمرة وعلى مختلف الصعد، لا سيما في حقبة سيطرة حزب البعث والذي لجأ إلى إدارة الديمغرافيا بسياسات توازن حرجة، هدفها إضعاف ثنائيات التنوُّع لصالح “طائفة الموالاة للنظام”، وازدادت معدلات التشظِّي والتهشيم في ظلِّ التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أفرزها الصراع السوري منذ عام 2011.

لقد شهد المجتمع السوري انقسامات وخطوط تمايز متعدِّدة، إمَّا أنها نشأتْ أو تعزَّزت بفعل النظام وهو المؤثر الأشد، أو نتيجة تطور الأحداث في الميدان أو في إطار القوى الثورية نفسها فضلًا عن تدخُّلات الخارج.

فبقدْر ما شكَّلت الثورة السورية على امتداد البلاد لحظة تأسيس مهمَّة في بلورة خطاب مجتمعي موحَّد، يتضمَّن مطالب وحقوقًا واحدة، بقدر ما دفعت النظام وأجهزته الأمنية للمضيِّ قُدُمًا في مواجهة هذه اللحظة وحواملها، ليجعل منها شرارة تغيير نحو هندسة سياسية واجتماعية، أرادها النظام معزِّزة لبقائه، وبالتالي فمنذ الأيام الأولى للحراك الثوري سَيَّرَ النظام “مسيرات حاشدة” لمؤيديه وكأنه بذلك يقوم بإعلان مبكِّر لانقسام اجتماعي ثلاثي: مجتمع ثائر، ومجتمع موالٍ ويمثِّل أصحاب المصلحة من كل الأديان والأعراق مع وضوح جلي للطائفة العلوية فيه، ومجتمع حيادي (أو ما يُعرف بالصامت)، وهي كتلة مجتمعية وازنة وثقلها الرئيسي في المدن الكبرى.

ومع تعدُّد مستويات التعبير الثوري الذي أضْحى يركِّز على الأدوات المسلَّحة، ومع عدم استطاعة الثوَّار السلميِّين في السيطرة على مراكز المدن، وتغلُّب منطق المعارك العسكرية على الأحداث السورية واعتماد الجيش الحر والفصائل المسلَّحة منذ منتصف 2012 عقيدة هجومية، بدأت خارطة السيطرة تتبدَّل بشكل متزايد لصالح الجيش الحر والفصائل الإسلامية. ومنذ عام 2018 الذي شهد انخفاض معدلات العسكرة في سوريا، يُظهر التدقيق في الوضع الاجتماعي السوري، بوضوح، تأثره بالقوى المحلية والدولية المسيطرة على كل منطقة، لنصبح أمام بنى اجتماعية سورية متباينة في أهدافها، كالبنى الخاضعة لسيطرة النظام، وتلك الموجودة في مناطق السيطرة التركية، وأخرى في محافظتي درعا والسويداء، ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فضلًا عن السوريين في مخيمات اللجوء المحاذية للحدود التركية، وداخل تركيا، وكذلك في الأردن ولبنان، وصولًا إلى السوريين في دول اللجوء المستقر في بعض الدول الأوروبية وأمريكا وكندا[8].

وقد خلَّفت الحرب السورية آثارًا اجتماعية هائلة، فقد أدَّت الحرب التي شَنَّها نظام الأسد البائد إلى قتل نحو نصف مليون سوري على أقل تقدير، إضافة إلى عشرات آلاف من الجرحى والمعتقلين والمفقودين، هذا بالإضافة إلى تسجيل أكثر من 8 مليون لاجئ سوري في دول الجوار والعالم عام 2015، كما تذكر تقارير لعام 2023 أن أكثر من نصف سكان سوريا قد غادروها لاجئين أو مهاجرين[9].

وتتكامل صورة المأساة السورية عندما تتكشَّف أرقام التهجير القسري والنزوح الجماعي الداخلي؛ فبحسْب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، تجاوز عدد النازحين داخليًّا سبعة ملايين شخص، بينما بلغ عدد اللاجئين في الخارج أكثر من ستة ملايين[10]. وقد غيَّرت هذه التحرُّكات السكَّانية الخارقة التوازن الديموغرافي في العديد من المناطق، إذ خلت بعض المدن من سكانها الأصليين، وتحولت مناطق أخرى إلى طابع طائفي أو قومي جديد. كما أدَّت “الهجرة الانتقائية” للنخب المهنية والمسيحيين والطبقة الوسطى إلى فقدان المجتمع السوري جزءًا مهمًّا من رأس ماله البشري[11]. هذا فضلًا عن تضاعف معدلات الفقر والبطالة وانعدام الأمن… إلخ.

أمَّا على صعيد الإطار الاجتماعي بات المجتمع السوري جزرًا معزولة، وخليطًا غير متجانس لجموع بشرية بعضها يعاني من حجم عنف السلطة المركزية وما تسببت به من تهجير وانتهاك الكرامة وألوان العذاب، والبعض الآخر يتمثَّل في فئاتٍ مجبرة على العيش تحت ظل سلطات أمر واقع، فاضطرت للاحتماء بانتماءات تقليدية دينية أو قومية أو طائفية أو مناطقية، أو للانزياح إلى الظل والانشغال بتأمين لقمة العيش العزيزة[12].

ثانيا- المجتمع السوري والنظام الجديد: متطلبات الداخل وتحدياته

بانتصار الثورة السورية عسكريًّا في 8 ديسمبر 2024 أُزيحت قوى السلطة القديمة عن المشهد السياسي بقوى سلطة جديدة، حيث تم جمع قادة الفصائل المشاركة في غرفة العمليات العسكرية في إطار “مؤتمر النصر” الذي عقد في 29 يناير 2025 وانتهى باتخاذ جملة من القرارات كان أبرزها وقف العمل بدستور 2012، وحل الجيش والأجهزة الأمنية ومجلس الشعب، وحظر حزب البعث، وحل الفصائل المسلَّحة المشاركة في غرفة العمليات العسكرية، بما فيها هيئة تحرير الشام، وانتخاب أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًّا إلى حين صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات[13]. وفي هذا السياق ورثت هذه الإدارة الجديدة حطام دولةٍ وقوى مجتمع غائبة ومجتمع مُتغوَّل عليه حتى الرُّهاب والعجز المطلق[14]. ومن هنا مثَّل سقوط نظام الأسد نقطة تحوُّل سياسية فارقة، ليس فقط من حيث تفكيك السلطة القائمة، بل من حيث إعادة ضبط المفاهيم المتعلِّقة بالشرعية، والمشاركة، وبناء الدولة. فقد كانت كافَّة الكيانات السياسية المعارضة -بما فيها تلك التي تأسَّست في الخارج أو في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام- قائمةً على فرضية “العمل السياسي في مواجهة نظام قائم”، مما جعلها ترتبط عضويًّا بمرحلة ما قبل السقوط، سواء في الخطاب أو في البنية التنظيمية، وبالتالي فإنه عقب السقوط، تغيَّرت المعادلة بالكامل: لم يعد هناك “نظام خصم” موحَّد تُبنى على أساسه الهُوية السياسية المعارضة، وإنما دولة ناشئة تواجه تحدِّي التأسيس من الصفر، في ظل فراغ مؤسَّساتي، وتعدُّد القوى المحلية، وضعف المركزية، وتفاوت في التمثيل بين القوى المدنية، السياسية، والعسكرية[15].

وفي هذا الإطار تواجه سوريا الجديدة العديد من التحديات الداخلية أبرزها:

1- التحدي الأمني: تمكَّنت الإدارة الجديدة، عقب سقوط النظام مباشرة، من تثبيت قدرٍ نسبي من السِّلم الأهلي عبر منع تفجُّر أعمال انتقام واسعة بين مكوِّنات المجتمع، ونجحت كذلك في حماية مؤسسات الدولة من الانهيار، إذ لم تشهد البلاد موجات نهب أو تخريب كبرى خلال لحظة الفراغ السياسي. ومع ذلك، ما زالت التحديات الأمنية ثقيلة، وعلى رأسها انتشار السلاح بشكل واسع، سواء امتلاكًا أو تجارةً، إضافة إلى العقبات التي تواجهها قوى الأمن في مناطق متعدِّدة، ولا سيما في ريف الساحل، حيث تتعرَّض لهجمات متكرِّرة تتَّخذ تدريجيًّا طابع حرب العصابات، وتعود في معظمها إلى مجموعات مرتبطة بالنظام السابق وترفض التسوية.

وفي محاولة لضبط مظاهر العنف المجتمعي التي تغذِّيها التوتُّرات الطائفية وبعض حوادث الثأر المحدودة، تعمل الإدارة الجديدة على إعادة بناء أجهزة وزارة الداخلية عبر استقدام عناصر جديدة وتدريبها. غير أنَّ أولويَّتها الأبرز ما تزال تتمثَّل في توحيد الفصائل العسكرية ودمجها داخل الهيكلية الجديدة لوزارة الدفاع. وعلى الرغم من موافقة عدد من الفصائل على حل نفسها والانضمام إلى الجيش الناشئ، لا تزال فصائل أخرى، خصوصًا في درعا والسويداء، تبدي مقاومة لهذا المسار.

أمَّا التحدِّي الأكثر تعقيدًا، فيتمثَّل في موقف قوات سورية الديمقراطية (قسد)، التي تضم ما بين 40 و60 ألف مقاتل، وتفرض سيطرتها على ثلاث محافظات في شمال شرقي البلاد (الرقة، والحسكة، ودير الزور)، وهي مناطق تمثِّل نحو ربع مساحة سوريا وتتمتَّع بموارد طبيعية كبيرة. وتشترط قسد للانضواء تحت الإدارة الجديدة الاحتفاظ بسلاحها، والدخول في الجيش بوصفها كتلة واحدة لا كأفراد، إضافة إلى الإبقاء على مؤسسات الإدارة الذاتية التي تدير بها مناطقها[16].

2- التحدي الاقتصادي: وجدت الدولة الجديدة نفسها أمام اقتصاد منهار، أنهكتْه سنوات الحرب الطويلة واستنزفه الفساد المتجذِّر، وزاد من هشاشته فقدان السيطرة على المناطق الغنية بالثروات النفطية والزراعية. كما أسهمت العقوبات الدولية في تعميق الأزمة، بحيث باتت تطيل المدَّة اللازمة لظهور أي آثار إيجابية محتملة لرفعها مستقبلًا أو لبدء تنفيذ مشاريع استثمارية جديدة. فحجم الدمار الذي أصاب البنى التحتية والقطاعات الإنتاجية يحتاج إلى وقت طويل لمعالجته، فضلًا عن أن الآثار المتراكمة للعقوبات التي خلَّفت اختلالات بنيوية عميقة تجعل مسار التعافي الاقتصادي أكثر تعقيدًا وبطئًا ممَّا كان يُعتقد[17].

3- تحدي السلم الأهلي المجتمعي رغم تعدُّد الفاعلين: مجتمعيًّا، ترك نظام الأسد أثرًا بالغ السلبية على التنوُّع الإثني والديني والطائفي في سوريا؛ إذْ حَوَّلَ هذا التنوُّع إلى مصدر بلاء، ورسَّخ خلال سنوات الثورة الانقسام والعداء الطائفي، ممَّا جعل عملية استعادة السلم الأهلي والحفاظ عليه مهمَّة شاقَّة. وقد ازدادت حدَّة التوتُّر بفعل الاحتقان الداخلي والتحريض الخارجي، لتتحوَّل منصَّات التواصل الاجتماعي إلى ساحات لتبادل الاتهامات وتأجيج الصراعات، حتى بات المجتمع يعيش في حالة استعداد دائم للاشتعال، حيث تكفي منشورات أو مقاطع فيديو لاندلاع اشتباكات. وفي محاولة لاحتواء دوامة العنف ومنع الانجرار إلى انتقامات واسعة، اعتمدت الدولة الجديدة سياسة العفو الشامل، مع استثناء كبار المجرمين وقادة الانتهاكات. غير أن هذا الخيار وضعها أمام معادلة بالغة الصعوبة: فالمجتمع الدولي جعل حماية الأقليات ومنع أعمال الانتقام شرطًا أساسيًّا لمنح الاعتراف والدعم، في حين تمنح الحاضنة الشعبية للثورة والدولة الوليدة أولوية قصوى لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا. وهكذا تجد الدولة نفسها مضطرة إلى الموازنة بين مطلبين مُلِحَّيْن لا يمكن إغفال أحدهما دون دفع ثمن كبير[18].

4- استمرار تأثير الولاءات القديمة: كثير من الكيانات الحزبية والشخصيات العامة التي وُجدت في مرحلة ما قبل السقوط ما زالت تسعى للتموضع داخل النظام الجديد، أحيانًا بنفس العقليات والهياكل التي ساهمت في الأزمة. هذه الاستمرارية في الذهنية السياسية تهدد بإعادة إنتاج منظومات النفوذ بدل تفكيكها، وتقوِّض فرص تجديد الحياة السياسية[19].

ثالثًا- القوى المجتمعية في سوريا الجديدة: محاولات المساندة وتعثراتها

بناءً على ما سبق تبرز الحاجة في بناء سوريا الجديدة إلى جهود القوى المجتمعية الفاعلة المتمثِّلة في التنظيمات والمؤسسات الاجتماعية الأهلية والمدنية التي تشكِّل في تنظيمها ومأسستها ورُؤاها وخططها قوى لازمة لمساندة السلطة في تحقيق مراد الدولة، وتعمل على خدمة أعضائها وأفراد المجتمع، وتتجلَّى قوى المجتمع في آليَّات بناء النقابات والاتحادات ومؤسسات الإعلام، والأحزاب والجمعيات المختلفة والتنظيمات الاجتماعية القبلية ما قبل مدنية، وطرق تداول إدارتها، ومدى العمل على تحقيق الوظائف المنوطة بها في خدمة أعضائها وفئات المجتمع التي لا تصل إليها وظائف السلطة العامة[20].

وفي هذا السياق نقف قليلا عند مجموعة من القوى المجتمعية المؤثِّرة في المسار البنائي لسوريا الجديدة:

1- القوى العشائرية والقبلية

شكَّلت العشائر في سوريا حجر الأساس للبنية الاجتماعية، خاصة في المناطق الريفية والصحراوية. فقد كانت العشيرة تمثل الملاذ والحماية والهوية للأفراد، وظلَّت على مدى قرون الإطار الذي ينظم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية[21].

إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 60٪ و70٪ من السوريين ينتمون إلى عشيرة أو قبيلة. وعلى الرغم من النموِّ الحضري، لا تزال الروابط العشائرية فاعلة بين ملايين السوريين في الريف والمدينة. وقد برز هذا الثقل المجتمعي للعشائر مع اندلاع الثورة عام 2011، فلا يغيب عن الأذهان أن الشرارة الأولى انطلقت في محافظة درعا ذات الطابع العشائري. وكان للعشائر دور واضح في الانتفاضة ضد الحكم الاستبدادي، خاصة في المناطق التي عانت من التهميش الاقتصادي كدير الزور والرقة وحلب وإدلب والحسكة وحمص وحماة[22].

في المقابل، حاول النظام البائد منذ البداية استمالة العشائر أو تحييدها لضبط الأوضاع، لكن التطورات أثبتتْ أن الولاءات التقليدية خرجت عن سيطرته، وتركتْ بصمتَها على مجريات الواقع. فقد اندفع أبناء العشائر إلى صفوف التظاهرات ثم إلى صفوف المعارضة المسلَّحة حتى إن كثيرًا من العسكريِّين المنشقِّين عن النظام آنذاك كانوا من خلفيات عشائرية، ممَّا دعم الجيش السوري الحر بفئات مقاتلة لها قواعد اجتماعية متينة، وفي الوقت نفسه كان النظام قد انتهج سياسات براجماتية لضمان ولاء زعماء القبائل، فجعل الولاءات العشائرية جزءًا من معادلته السلطوية.

ومع تصاعد عسكرة الثورة، انخرط أبناء القبائل في فصائل متباينة. سعت جميع الأطراف إلى استقطاب العشائر إلى صفِّها. فعلى سبيل المثال أدركت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” أنها لا تستطيع دحر تنظيم داعش دون كسب دعم القبائل العربية، فعقدت تحالفات مع عشائر الرقة ودير الزور والحسكة، كما أنشأت مجالس صلح عشائرية محلية. من جهة أخرى، أدركت تركيا كذلك أهمية دور العشائر، فاستضافت في أعزاز اجتماعًا موسعًا لوجهاء العشائر عام 2017، وانبثق عنه المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية الذي امتدَّ نفوذُه على المناطق التي يُسيطر عليها الجيش الوطني في المناطق المحرَّرة آنذاك، دعمًا للثورة وحدًّا من نفوذ قسد، إلى جانب مجالس أخرى للعشائر في إدلب ودير الزور وغيرها[23].

ورغم كل التحديات، لا يمكن تجاهل استمرار الثقل المجتمعي للعشائر في رحلة بناء سوريا الجديدة، وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى افتتاح مكتب مجلس القبائل والعشائر في حلب بوصفه تطورًا لافتًا ومحطة أولى في مسار بناء شراكة مؤسسية بين الدولة الجديدة ومكوِّناتها الاجتماعية، وعلى رأسها العشائر، بما يرسِّخ دورهم في صياغة مستقبل سوريا الجديدة. ويمكن تحقيق هذا الإدماج عبر عدَّة خطوات وسياسات، منها مأسسة دور العشائر عبر إنشاء مجالس صلح أهلية مدعومة حكوميًّا، تضم شيوخ العشائر إلى جانب وجهاء لتتولَّى حلَّ النزاعات المدنية والجزائية البسيطة على الطريقة العشائرية ولكن تحت مظلَّة القانون. مثل هذه المجالس يمكن أن تساهم في تخفيف العبء عن القضاء الرسمي وحل القضايا بسرعة ومرونة.

كذلك من المهمِّ تشجيع التمثيل السياسي المنظَّم للعشائر، عبر تشكيل تجمُّعات ذات مرجعية عشائرية على أسس برامج تنموية، بما يضمن مشاركة أبناء القبائل في الحياة السياسية بشكل حديث، كمجالس الأعيان.

كما أن التمكين الاقتصادي والتنموي للعشائر أمر ضروري، وفي هذا الإطار يمكن دعم مبادرات محلية تقودها العشائر لإعادة إعمار مناطقها وتنميتها. كما أن لدى القبائل تقاليد راسخة في التكافل الاجتماعي وجمع الديات والتبرعات لحل الأزمات داخل مجتمعهم ومن ثم يمكن توظيف هذه الثقافة إيجابيًّا عبر إنشاء صناديق تنمية محلية تشرف عليها شخصيات عشائرية موثوقة بالتنسيق مع الدولة، لتمويل مشاريع إعادة الإعمار والبنى التحتية والخدمات في المناطق الريفية المدمَّرة. مثل هذا التعاون سيُعزز ثقة الأهالي بالسلطة الجديدة ويُشعرهم بأنهم جزءٌ من عملية البناء، وفي الوقت نفسه يحدُّ من أي نزعات لاستغلال الفراغ من قبل قوى خارج إطار الدولة[24].

2- القوى الكردية في الشمال الشرقي

يمتدُّ الإقليم الكردي في سوريا، أو ما يسمى اليوم الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES)، من المالكية على تخوم العراق وتركيا شرقًا إلى منبج وعين العرب غربًا. وتمثِّل هذه المنطقة جغرافيًّا حزامًا انتقاليًّا بين الصحارى والسهول الزراعية، وتحتضن ثروة مائية ونفطية كبيرة، أبرزها منابع الفرات وحقول رميلان والجبسة والعمر.

وخلال السنوات التي أعقبت اضطرابات 2011، أسَّس الأكراد نموذج حكمهم الذاتي القائم على ثلاثية اللامركزية والتشاركية والدفاع الذاتي. ورغم أن هذا النموذج يبدو ذا طابع إداري، فإنه يعكس في عمقه ممارسة فعلية للسلطة عبر التحكم بالمكان؛ فإدارة الجغرافيا تعني السيطرة على السكان والموارد والحدود.

ومع سقوط نظام الأسد وتشكيل الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، لم تعد مسألة إدماج الموارد الكردية في الدولة الجديدة صراعًا كلاسيكيًّا بين مركز وأطراف، بل باتت اختبارًا لهيكل الاقتصاد الوطني الناشئ. فالمركز السياسي في العاصمة يدرك أن استقراره المالي مرتبط بتدفق النفط والغاز والقمح من الشمال الشرقي، وأن تعافي الاقتصاد السوري مرهون بدمج منظومة إدارة الموارد ضمن إطار وطني جامع.

وقد مثَّلت المفاوضات التي جَرَتْ بين سلطة دمشق والأكراد وانتهتْ باتفاق مبدئي بينهم في مارس 2025 يقضي بوقف إطلاق النار واندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة محاولة في هذا المسار[25].

3- المجتمع المدني والمنظمات المحلية:

ابتداءً نشير إلى أنه مع اندلاع الثورة عام 2011 حرص النظام في مناطقه على إيقاف عملية تشكيل المنظمات سوى تحت رقابة أمنية شديدة، وقد شكَّل حينها جمعيات تابعة له تخدم أجندته السياسية والاقتصادية، إذ بلغ عدد المنظمات بين أعوام 2011-2021 التي شكَّلتها شبكات مقرَّبة من الأسد وتعمل لصالحه ما يزيد عن 40 جمعية من أصل 83 جمعية عاملة في حلب في مناطق النظام.

لكن سرعان ما بدأت الجمعيات والمنظمات تنتشر بكثرة في المناطق التي خرجت من سيطرة النظام، لكن كان هناك تباين في تنظيمها تبعًا لأطراف المعارضة التابعة لها وممَّن تتلقَّى الدعم، وعلى هذا الأساس يمكن تقسيمها إلى منظمات مرخَّصة في تركيا وتعمل في مناطق الإنقاذ المؤقَّتة، ومنظمات مرخصة لدى حكومة الإنقاذ وتعمل محلِّيًّا، ومنظمات غير مرخصة لديها تنسيق مع الحكومة المؤقَّتة، ومنظمات دولية تعمل في مناطق الحكومتين[26].

وممَّا تجْدر الإشارة إليه أن المنظمات العاملة في مناطق المعارضة نجحتْ في بناء تجربة تنظيمات مدنية مؤثِّرة ببوادر ذاتية ومجتمعية، حيث تلقَّت المنظَّمات أشكالًا مختلفة من الدعم، أبرزها جاءت عبر تشكيل صناديق دعم دولية مختلفة، فشهدت سنوات الثورة عودةً لنشاط المنظمات الدولية في سورية لا سيما تلك المرتبطة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) التي زادت نشاطها في تركيا بشكل ملحوظ وعزَّزت من برامجها ليشمل الشريحة السورية في تركيا.

عاشت هذه المنظمات فترات متباينة من النشاط بسبب الأجندة والأولويات الدولية المتعلِّقة بحجم الاهتمام والمصالح ضمن القضية السورية، حيث اتَّسمت أعوام 2015-2019 بالازدهار، بينما تراجع دور المنظمات مع بدء مسار “التعافي المبكر” بعد قرار الأمم المتحدة الخاص بالمساعدات الإنسانية عام 2021 رقم 2585 ثم عاد ليتحسَّن خلال “كارثة الزلزال” وصولًا لنهاية العام 2023 الذي كانت خلاله المنظمات في أسوء أحوالها المادية جرَّاء تراجع الاهتمام الدولي بالقضية السورية على حساب قضايا أخرى كالأوكرانية والفلسطينية “طوفان الأقصى والعدوان على غزة”[27].

عند بدْء عملية “ردع العدوان” التي قادت للتحرير، عملتْ منظمات المجتمع المدني على مرحلتين: الأولى، مع بدء العملية العسكرية وركزت نشاطها في حلب باعتبارها التجربة الأولى بعد إدلب، فاتَّخذ عمل المنظمات فيها طابعًا إسعافيًّا وإغاثيًّا، إذ ساهمت في طمأنة السكان وتنظيم الحياة العامة، مع استمرار العمليات العسكرية في بقية أنحاء البلاد[28].

أمَّا المرحلة الثانية فكانت بعد سقوط النظام، حيث كشف توسُّع المساحات الجغرافية وعدم وجود الكوادر أو السياسات الكافية، مدى صعوبة تحقيق الحدِّ الأدنى من معايير التعامل مع الواقع السوري الجديد، وقد كان خيار التركيز على العاصمة دمشق من قبل المنظمات من التكتيكات التي اتَّبعتْها من أجل الحفاظ على ذات مستوى الزخم والتأثير، ممَّا أدَّى لضعف النشاط في المحافظات السورية الأخرى، وتراجع الدور السابق في محافظة حلب مقارنةً مع البدايات. بينما تمَّ تغطية حالة الفراغ المدني في المحافظات السورية الأخرى بالاعتماد على المجتمعات الأهلية والمحلية أو بدْء تشكيلها كما في حالة محافظة حمص عندما شعر المجتمع بضرورة تعويض هذا الغياب عبر إطلاق مبادرة محلية هي “مجموعة السلم الأهلي في حمص”، ويمكن ملاحظة ذات الأمر في محافظة درعا عبر المساهمات المادية من قبل المجتمع المغترب لأبناء المحافظة خلال سنوات الثورة السورية.

من ناحية أخرى، استطاعت عدَّة منظَّمات كانت عاملةً في مناطق النظام وغير متورِّطة في دعمه في إعادة رسم سياسات جديدة بما يتماشى مع الوضع الراهن واستعادة نشاطها كما في نموذج “منظمة سند التنموية”، أو منظمة “الغرفة الفتية” وذلك باتباع تكتيك استضافة شخصيات معارضة للنظام قد عادت لسورية، وذلك ضمن برامج حوارية أو تدريبية مختلفة، وقد لقتْ مبادراتها قبولًا واسعًا من الناحية الاجتماعية؛ بكون هذه المنظمات لديها جمهور واسع من المجتمع المحلي المقيم داخل سورية[29].

من جهة أخرى، سَعَتْ منظمات المعارضة لإعادة تموضعها في المناطق الجديدة، كما عملت المنظمات الشبابية على استقطاب شخصيات مختلفة في دمشق وحلب كنوع من محاولة التعامل مع احتياج المجتمع المحلي وفهم احتياجاته وتحقيق الانتشار المطلوب، بسبب أن الكوادر القديمة غير كافية من أجل توسيع الانتشار والتأثير خاصةً في دمشق وحلب.

وفي هذا السياق يمكن تقسيم واقع المنظمات العاملة في سورية بعد سقوط النظام، ووفق الواقع الجديد لخمسة نماذج: منظمات عملت في مناطق حكومة الإنقاذ وتوسَّعت كما في “حالة الاستجابة الطارئة”، منظمات عملت في مناطق الحكومة المؤقتة وتوسعت كما في حالة “وحدة المجالس المحلية”، منظمات تابعة للأسد وعاملة في مناطق النظام قبل سقوطه كما في حالة “الأمانة السورية للتنمية”، ومنظمات لم تدعم النظام وعملت في مناطقه، لكنها أعادت صياغة موقفها من الثورة كما في حالة “منظمة سند التنموية”، ومنظمات ومبادرات تشكَّلت بعد سقوط النظام السابق كما في حالة “رجعنا يا شام” و”بقجة”[30].

نشير أيضًا إلى أنه لم تتَّسع بعد رقعة استهداف المنظمات غير الحكومية في المحافظات والمدن السورية البعيدة عن مركزية حلب ودمشق، لكنها شهدت بعض المبادرات التي شملت بعض النشاطات والفعاليات الثقافية والمعارض الفنية مثل “معرض الفن التشكيلي” الذي أقامه “منتدى خيزران الثقافي” وجمعية “بصمة فن” في السلمية، وأيضًا فعالية لتكريم المعتقلين الخارجين من سجون الأسد من قِبَلِ “جمعية الأمل”.

كما يُلاحظ ارتفاعٌ في عدد المبادرات الاجتماعية التي تدعو لتجميل المحافظات السورية كتنظيف الشوارع والطرقات وطلاء المحال بعلم الثورة السورية، أو تقديم الدعم الإغاثي للسكَّان المحليِّين. وهي مظاهر انتشرت بكثافة في مناطق المعارضة سابقًا كجزء من الشعور بالمسؤولية والانتماء لسورية، وعادت للتوسُّع والانتشار بعد سقوط النظام في المحافظات السورية. ويمكن ملاحظة بدء الجانب التنسيقي مع الحكومة السورية من خلال حملة “رجعنا يا شام” التي أطلقها الدفاع المدني السوري وبمشاركة نحو 37 مؤسسة وفريقًا تطوعيًّا و1300 عامل في المجال الإنساني، بهدف إعادة تأهيل وتجميل شوارع العاصمة دمشق، حيث شمل النشاط أيضًا حملات شبابية لتحسين المظهر الحضاري للمدن، مثل حملة ترميم مدخل مدينة الحارة في محافظة درعا، وتأهيل حديقة بطرني في اللاذقية[31].

وفي سياق تنظيم العمل المدني اجتمعت وزارة الشؤون الاجتماعية السورية، عقب تشكيل حكومة تصريف الأعمال مع مجموعة من المنظمات السورية، بهدف إعادة تنظيم المجتمع المدني وبدء صياغة علاقة قائمة على التعاون والتنسيق، مما يمهد لتعزيز الشفافية وبناء الثقة مع المنظمات[32].

وفي هذا السياق صدر في شهر مارس 2025 عن وزارة الشؤون الاجتماعية السورية تعميم موجَّه إلى مؤسسات المجتمع المدني، ينص على عدم مخاطبة المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة والشركاء الدوليين أو الاتحادات العربية أو التواصل معهم أو مخاطبة وزارة الخارجية والمغتربين أو تبادل وثائق المشاريع ومقترحات وخطط التعاون إلا عن طريق مديرية التخطيط والتعاون الدولي في سوريا.

كما نظَّمت وزارة الشؤون الاجتماعية بعد ذلك في أبريل 2025 ورشة حوارية بعنوان “مقدمات أولية لتطوير قانون المنظمات غير الحكومية”، شارك في الورشة ممثلون عن المنظمات غير الحكومية في سوريا، وتركَّزت محاورها على أشكال قوانين المنظمات غير الحكومية في عدد من دول العالم، إضافة إلى مناقشة مواضيع متعلِّقة بعدم وجود عقد اجتماعي مكتمل في سوريا، وغياب التعريف المعياري للمجتمع المدني، وأطر عمل المنظمات غير الحكومية، ومعايير وضوابط النفع العام. وفي هذا السياق أكَّدت الوزيرة هند قبوات، أن العمل الحالي يتركَّز على بناء دولة جديدة بالشراكة مع جميع الجهات الحكومية والمجتمع المدني بغية الوصول إلى دولة واحدة قوية[33].

وعلى الرغم من هذا المشهد المحفوف بالآمال نشير إلى أن المجتمع المدني في سوريا بعد التحرير يواجه مجموعة من التحديات التي يجب مواجهتها حتى يستمر في مسار البناء كقوة مجتمعية فاعلة ويمكن تلخيص هذه التحديات في خمس نقاط أساسية:

أولًا- توقف الدعم الدولي، حيث تغيَّرت السياسات الخارجية، فتراجع دور بعض المنظمات وضعفت قدرتها على تغطية الاحتياجات الواسعة رغم حضور الدعم المحلي لكنه محدود، ثانيًا- ضعف التنمية التشاركية، حيث وصل الانقسام للمنظمات الإغاثية والإنسانية، فبين منظمات دعمت الثورة وأخرى دعمت النظام تعمَّق الشرخ وتلاشى التعاون فيما بينها، ثالثًا- مشكلات الترخيص والتحول المؤسَّساتي، فبعض المؤسسات تجد صعوبة في الانتقال من العمل التطوعي الجماعي إلى العمل المؤسسي الرسمي وهذا ما يتطلَّب تنظيم عمل هذه المنظمات في قانون وتسهيل انتقالها للعمل المؤسَّسي عبر أحكام قانونية وإجراءات تبيِّن ما يجب اتِّباعه من خطوات، رابعًا التحدِّي المجتمعي، فالمجتمع السوري متنوِّع وعمل تلك المنظمات لم يَبْقَ محصورًا في الشمال، والواقع المجتمعي اليوم مفتَّت وضائع، فعلى تلك المنظمات استعادة الثقة بين السوريين ورأب الصدع، إذ تختلف الأولويات ما بين دمشق وحلب وأريافهما، والساحل ودرعا، وهذا ما يتطلَّب إعادة بناء وتأهيل رأس المال الاجتماعي، وأخيرًا إرساء السلم الأهلي، حيث تبرز الحاجة للحوار المشترك من الأحياء الصغيرة وصولًا للمحافظات[34].

4- الأحزاب السياسية:

بعد سقوط النظام السابق ودخول سوريا المرحلة الانتقالية، فإنها تعيش حالة من الغموض القانوني والحذر السياسي فيما يتعلَّق بتأسيس الأحزاب. فالإعلان الدستوري المؤقَّت كَفَلَ مبدئيًّا حريةَ العملِ السياسي، لكنه ربطَ ممارستَها بإصدار قانون جديد ينظِّم الحياة الحزبية، وهو ما لم يتحقَّق حتى الآن، ما جعل المشهد السياسي عمليًّا خاليًا من أحزاب جديدة. هذا الفراغ التشريعي وضع القوى السياسية أمام معضلة: فهناك من يرى أنَّ النص الدستوري يكْفي لِبَدْءِ التأسيس، بينما يعتقد آخرون أنَّ غياب القانون قد يفتح الباب لفوضى سياسية أو تشكيلات قائمة على الهويات الضيقة، كما أن استمرار غياب أحزاب قانونية ومنظَّمة يعمِّق هشاشةَ المجال العام، ويزيد مخاطر عودة العصبيَّات الطائفية والمناطقية، وذلك في ظلِّ ضعفِ الثقافة السياسية لدى الجمهور وتعدُّد الانقسامات الجغرافية. وإزاء ذلك، يرى خبراء أن تنظيم العمل الحزبي لم يَعُدْ ترفًا، بل ضرورة لبناء استقرار سياسي طويل الأمد، وأن نجاح التعدُّدية الحزبية مرهونٌ بوجود إطار قانوني واضح، وإرادة سياسية حقيقية، وتهيئة مجتمعية تسمح بنشوء أحزاب وطنية قادرة على تمثيل السوريين في مرحلة ما بعد الاستبداد[35].

5- الإعلام:

لا يمكننا إغفال أهمية الإعلام، لا بوصفه مصدرًا للمعلومة فحسْب، بل أيضًا كفاعل سياسي واجتماعي له دور كبير في بناء الدول، وفي هذا الصدد نشير إلى أنه في العقود التي سبقت سقوط نظام الأسد، شكَّل الإعلام أداة سلطوية بيد الدولة، خاضعًا للرقابة الشديدة، ويفتقر لأي استقلال مهني. ومع دخول سوريا مرحلةً جديدة، برزت الحاجة الملحَّة إلى إعادة تعريف الإعلام كمؤسسة مستقلَّة، لا كذراع للحكومة.

بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، سادَ مناخٌ عامٌّ يتَّسم بانفتاح نسبيٍّ في المشهد الإعلامي السوري. فقد لُوحظ في الأشهر الستةِ الأولى تحسُّن ملحوظٌ في حرية التعبير، تمثَّلَ في السماح بتعدُّد الأصوات، وانخفاض مستوى الرقابة المباشرة، وتزايد الجرأة في طرح قضايا كانت تُعد “محظورة” سابقًا.

هذا الانفراج الجزئي لا يعود إلى غياب الأجهزة الأمنية القديمة وحسْب، بل أيضًا إلى وجود إرادة سياسية أوَّليَّة لدى الحكومة الجديدة لفتح المجال العام وتخفيف القيود المفروضة على الصحافة، فوفق التصريحات الرسمية تسعى الدولة الجديدة إلى بناء علاقة متوازنة مع الإعلام، من خلال الاعتراف بدوره الرقابي، وضمان مساحة للتعدُّدية في التعبير، والسماح للصحافة بالعمل في إطار القانون دون تدخُّل مباشر.

ومن النماذج الجيِّدة التي تأتي ضمن مسار تنظيم الإعلام في سوريا الجديدة نقابة إعلاميي درعا وهي تجربة تستمدُّ أهمِّيَّتَها من خصوصية السياق المحلي الذي نشأتْ فيه، وتاريخها المتَّصل بمراحل الثورة السورية منذ عام 2011.

ففي السنوات الأولى للثورة، لعب الناشطون الإعلاميون دورًا مركزيًّا في توثيق الانتهاكات ونقل تطوُّرات الأحداث، دون امتلاكهم أدوات الحماية أو الغطاء القانوني والمؤسَّساتي. ومع اتِّساع دائرة النزاع المسلَّح وظهور سلطات متعدِّدة، تعرَّض العديدُ من الإعلاميِّين لانتهاكات ممنهجة من قبل أطراف مختلفة، نتيجة غياب الثقافة القانونية والمؤسَّسية لدى هذه التشكيلات، وفي محاولة للحدِّ من الانتهاكات وتنظيم الممارسة الإعلامية، ظهرتْ في عددٍ من المناطق، خصوصًا بين عامي 2013 و2018، مبادرات ذات طابع نقابي أو تنظيمي، تفاوتَتْ في هيكلتِها وأثرِها بحسْب الجغرافيا ومدى استقرارها. إلا أن استعادة قوات النظام السيطرة على الجنوب السوري في 2018 أدَّى إلى تفكيك معظم هذه المبادرات، واضطرار الفاعلين الإعلاميِّين إلى التوقُّف أو الخروج من البلاد، ما شَكَّلَ قطيعةً مؤقَّتة في المسار التنظيمي للإعلام المحلي في الجنوب.

بعد سقوط النظام مجدَّدًا في الجنوب، وفي ظلِّ الفراغ المؤسَّساتي والتداخل بين الفاعلين المحليين، تشكَّلت نقابة إعلاميي درعا كاستجابة تنظيمية جديدة تستند إلى تجربة ميدانية سابقة.

جاءت هذه النقابة ضمن مسارٍ يهدف إلى تنظيم وضع الإعلاميِّين، وخاصة ممَّن عملوا خلال الثورة دون مؤهِّل أكاديمي رسمي، من خلال تطوير آلية للاعتراف بخبراتهم المهنية، وتوفير مظلَّة نقابية تمثِّلهم، وتسهيل عملية إعادة دمجهم في المنظومة الإعلامية الرسمية للدولة الجديدة. كما أن النقابة طرحتْ نفسَها كفاعلٍ في ضبط الممارسة الإعلامية ضمن مرحلة بناء الدولة، من خلال التعاون مع المؤسسات المحلية، وتقديم توصيات تتعلَّق بتنظيم الخطاب الإعلامي، ومواءمته مع متطلبات الانتقال السياسي والاستقرار العام[36].

وعلى الرغم من إيجابية هذا النموذج وإيجابية توجُّه الدولة بشكل عام في علاقتها بالإعلام، فإن الواقع الميداني لا يزال يواجه تحديات بنيوية، أبرزها استمرار العقليات البيروقراطية القديمة داخل بعض المؤسسات الرسمية، وعدم وجود هيئة مستقلة تنظم العمل الإعلامي بعيدًا عن وصاية الوزارة، بالإضافة إلى ضعف التنسيق بين الإعلام المحلي والجهات المركزية في الدولة الناشئة، وبناءً على ذلك طرحت بعض الجهات الإعلامية، كالرابطة وبعض النقابات المحلية، تصورات تتعلَّق بإنشاء مجلس وطني مستقلٍّ للإعلام، أو هيئة إعلامية عامة بصلاحيات تنظيمية غير خاضعة للسلطة التنفيذية، لكن هذه المقترحات لا تزال قيدَ النقاش ولم تتحوَّل بعدُ إلى مسارات تشريعية واضحة[37].

خاتمة: مستقبل المساندة المجتمعية في بناء سوريا الجديدة.. سيناريوهات

يظهر للناظر في واقع المجتمع السوري اليوم أنه يعيش لحظة تاريخية يحفها الشعور بالحرية وتحمل في طيَّاتها آمالًا عظيمة وأحلامًا بمستقبلٍ ينعم فيه المجتمع السوري بالعدل والكرامة، وهذا الشعور العام يبثُّ في المجتمع روح المسؤولية تجاه بناء هذا الوطن من جديد والتي ظهر طرفٌ من آثارها فيما سبق ذكره، وبالأخصِّ ما يتعلَّق بالمبادرات المجتمعية التي يقوم بها الشباب السوري في محاولة لمساعدة الدولة الناشئة في سَدِّ حاجات المجتمع، ولكن يبقى السؤال إلى أيِّ مدى ستستمر المساندة المجتعية، وهل استمراريَّتها مشروطة بعوامل معيَّنة، من هنا تظهر عدَّة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: وهو استمرار الوضع الراهن الذي يتمثَّل في مستوى من المساندة المجتمعية، لكنه يعمل في ظلِّ ضعف مؤسسات الدولة واستمرار الهشاشة السياسية والاقتصادية، وفي هذه الحالة ستستمر المساندة كما هي في الوضع الحالي اعتمادًا على شبكات المجتمع الذاتية ولكن ستكون مساندة محدودة نظرًا للتحديات القانونية والتنظيمية المُعيقة، وسيكون جُلُّ اعتمادها على المساعدات الدولية، وفي هذه الحالة ستزيد الفجوة بين المناطق في مستوى الخدمات المقدمة نظرًا لدور المساندة المتناثر وغير المنظم.

السيناريو الثاني: وهو ما يتعلَّق باستمرار المساندة -بل وزيادتها- إذا توفَّرت العوامل المساعدة على ذلك من قِبَلِ الدولة، ففي حالة حدوث استقرار سياسي نسبي قد تتَّجه سوريا إلى الاعتراف بالمجتمع المدني ووضع إطار قانوني ينظم عمله، وضبط وتحسين العلاقة بين الدولة وبين مختلف فئات المجتمع عن طريق إنشاء شراكات تجعل هناك مساحة من الحوار والعمل المشترك.

السيناريو الثالث: وهو الأسوأ إذا انكمشت المساندة؛ وهذا قد يحدث في حال زيادة الانقسامات المجتمعية وزيادة الهشاشة السياسية والاقتصادية والضغوطات الخارجية.

يمكننا القول إن المساندة المجتمعية في سوريا في صورتها ومداها وفعاليتها سترتبط بالمسار السياسي ومدى قدرة الدولة على استعادة مؤسَّساتها، والوضع الاقتصادي العام، وكذلك سيؤثِّر فيها مدى استقرار المجتمع واستيعابه للعائدين من مناطق اللجوء وحل نزاعاته الممتدَّة وإعادة بناء شبكات الثقة.

إن الأهمية التاريخية والاستراتيجية لسوريا تجعلها محطَّ كلِّ الأنظار اليوم، فهي تعيش لحظةً تاريخيةً غير مسبوقة، فبعد عقود طويلة من الاستبداد ومن المركزية الشديدة جاءت لحظة التحرُّر التي بقدْر الآمال التي تحملها بقدر المخاوف والتحديات والأسئلة التي تفرضها، وأهمها سؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق شهدت سوريا في الشهور الماضية محاولات ومبادرات مجتمعية عديدة يقودها إعلاميون، وحقوقيون، ومثقفون في الداخل السوري، لتأسيس نقابات مستقلة، وإطلاق منصات للحوار المدني تسعى إلى تنظيم المجتمع والمساهمة في بناء الدولة، وعلى الرغم من محدودية تأثيرها نتيجة لقلة الموارد وضعف مؤسسات الدولة التي ما زالت في محاولة متعسِّرة للنهوض، فإنها تحمل آمالًا واسعة تبشِّر بإمكانية صياغة عقد اجتماعي جديد، غير أنَّ الطريق ليس خاليًا من التحديات السياسية والقانونية والمؤسَّساتية والمجتمعية، ممَّا يستدْعي رؤيةً واضحةً، وإرادةً مشتركةً، وإصلاحات جذرية تحوِّل هذا التحوُّل التاريخي إلى خطوة راسخة في مسار إعادة بناء الدولة والمجتمع.


باحثة في العلوم السياسية.

[1] سعيد حامد، التحديات والمخاطر في مرحلة ما بعد سقوط النظام في سوريا، الجزيرة، 18 يناير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/SexDZ

[2] المجتمع السوري وأزمة المواطنة: هشاشة تعرّت أم اكتسبت، سوريا اليوم، 23 سبتمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/vnBjj

[3] طوائف وأعراق المجتمع السوري، الجزيرة، 27 مايو 2013، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/brhfX

[4] المرجع السابق.

[5] المكونات القومية في سوريا ” الواقع الديموغرافي، شبكة الجيوستراتيجي للدراسات، 30 أبريل 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/WXfYt

[6] The Impact of the Conflict in Syria, United Nations Development Program, 2024, available at: https://shorturl.at/7ciTX

[7]ريم ريا، منظمات المجتمع المدني في سوريا: من الظل إلى المشاركة الوطنية، سوريا اليوم، 29 سبتمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/WPjoE

[8] المجتمع السوري المهشم مستقبل سوريا، مركز الجزيرة للدراسات، 23 مايو 2023، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/gyWBf

[9] حسن جيران، قوى السلطة وقوى المجتمع؛ جدلية التعاضُد والتعارُض، مركز الحوار السوري، 16 مايو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/BkkTX

[10] Syria situation, UNHCR, 2024, available at: https://shorturl.at/p5YQO

[11] خالد تركاوي، عبد الوهاب عاصي، التحول السكاني في سورية، مركز جسور للدراسات، 25 مارس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/YQwFQ

[12] حسن جيران، قوى السلطة وقوى المجتمع؛ جدلية التعاضُد والتعارُض، مرجع سابق.

[13] تحديات الإدارة السورية الجديدة بين المتطلبات الداخلية والضغوط الخارجية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 16 فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/ODId6

[14] حسين جيران، قوى السلطة وقوى المجتمع جدلية التعاضد والتعارض، مرجع سابق.

[15] باسل منصور، تحولات الإعلام في سوريا الجديدة: من الثورة إلى الدولة وبناء الكيانات السياسية، باسل منصور، 18 أغسطس 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/kUvzU

[16] تحديات الإدارة السورية الجديدة بين المتطلبات الداخلية والضغوط الخارجية، مرجع سابق.

[17] محمود النجار، سياسة الإدارة السورية الجديدة، تألق في الخارج وتعثر في الداخل، الملتقى الاستراتيجي، 15 أكتوبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/cvuZF

[18] المرجع السابق.

[19] باسل منصور، تحولات الإعلام في سوريا الجديدة: من الثورة إلى الدولة وبناء الكيانات السياسية، مرجع سابق.

[20] حسين جيران، قوى السلطة وقوى المجتمع جدلية التعاضد والتعارض، مرجع سابق.

[21] دور العشائر في سورية: من جذور الماضي إلى آفاق المستقبل، ريالست عربية، 29 يوليو 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/R04y8

[22] عامر النمر، العشائر السورية فاعل جديد في المعادلة السياسية، السوري اليوم، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/58lwL

[23] المرجع السابق.

[24] المرجع السابق.

[25] الأكراد في سوريا الجديدة: جغرافيا السلطة بعد 2025، سوريا الغد، 19 أكتوبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/dobAB

[26] ريم ريا، منظمات المجتمع المدني في سوريا: من الظل إلى المشاركة الوطنية، مرجع سابق.

[27]محمد السكري، المنظمات والجمعيات السورية: بين تركة الاستبداد واستراتيجيات البناء الوطني، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 20 فبراير 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/aTH2q

[28] ريم ريا، منظمات المجتمع المدني في سوريا: من الظل إلى المشاركة الوطنية، مرجع سابق.

[29] محمد السكري، المنظمات والجمعيات السورية: بين تركة الاستبداد واستراتيجيات البناء الوطني، مرجع سابق.

[30] المرجع السابق.

[31] المرجع سابق.

[32] محمد السكري، المنظمات والجمعيات السورية: بين تركة الاستبداد واستراتيجيات البناء الوطني، مرجع سابق.

[33] ريم ريا، منظمات المجتمع المدني في سوريا: من الظل إلى المشاركة الوطنية، مرجع سابق.

[34] المرجع السابق.

[35] باسل المحمد، العمل الحزبي بسوريا. غموض قانوني وحذر سياسي، الجزيرة، 21 أكتوبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/RbOAj

[36] باسل منصور، تحولات الإعلام في سوريا الجديدة: من الثورة إلى الدولة وبناء الكيانات السياسية، مرجع سابق.

[37] المرجع سابق.

يارا عبد الجواد

باحثة في العلوم السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى