السياسة الخارجية لسوريا ما بعد الأسد: قراءة في الأهداف والأداء

مقدمة:
تداولت صحيفة “واشنطن بوست” صورًا للرئيس السوري أحمد الشرع، وهو يُحرك قطع الشطرنج بهدوءٍ وثقة، أثناء إقامته بفندق “سانت ريجيس” بالعاصمة الأمريكية واشنطن، خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة في 9 نوفمبر 2025. ترمز صور الشرع إلى وضع السياسة الخارجية السورية الجديدة؛ حيث تُصاغ السياسة الخارجية لسوريا ما بعد الأسد في بيئةٍ إقليمية شديدة التوتر والاضطراب نتيجة تبعات عملية طوفان الأقصى، تخطو فيها خطوات حذرة على رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية، متبنيةً مقاربة براجماتية قائمة على “تصفير المشكلات” حسب تعبير الرئيس السوري أحمد الشرع[1]. تهدف دمشق من خلال تلك السياسة إلى إعادة تعريف دورها الجيوسياسي وموضعها ضمن نظامٍ إقليميٍ جديد، يشهد تراجع النفوذ الإيراني أو محور المقاومة، مقابل محاولات إقليمية ودولية لملء الفراغ وفرض واقع جديد في المنطقة[2].
بالرغم من أهمية التحديات التي تُواجهها سوريا في المجال الخارجي، فإن ذلك لا يعني أن صياغة السياسة الخارجية تتم بمعزلٍ عن قضايا الداخل؛ فسوريا ورثت تركةً ثقيلة نتيجة حكم آل الأسد للبلاد، خاصةً عقب ثلاثة عشر عامًا من حربٍ أهلية مدمرة، حولت سوريا إلى دولةٍ معزولة عالميًا، ومنهكة اقتصاديًا نتيجة العقوبات المفروضة عليها، ومفككة بين قوى دولية وإقليمية تتقاسم مناطق النفوذ فيما بينها. ومن هذا المنطلق يمكن القول إجمالًا، أن هناك أربعة أهداف وقضايا مركزية للسياسة الخارجية السورية الجديدة تتشابك مع بعضها البعض، تسعى الإدارة الجديدة في دمشق للتعامل معها، وتتمثل تلك الأهداف في الآتي: اكتساب الشرعية الدولية، ملف قوات قسد والاحتلال الإسرائيلي للجولان والجنوب السوري، ورفع العقوبات الدولية وإعادة الإعمار، وملف الطاقة.
تُشير إحدى التعريفات للسياسة الخارجية بأنها عملية تكيفية قوامها تحديد أهداف معينة للدولة؛ لإحداث تغيرات في البيئة الخارجية من شأنها أن تعود على الدولة بمنافع معينة، أي بمعنى آخر أن الدولة تتصرف في إطار بيئة دولية شديدة التعقيد والتغير، تواجه فيها مجموعة من التحديات والفرص، ومن ثم تكون السياسة الخارجية أداة الدول، لتغيير مظاهر غير مرغوبة، والمحافظة على المظاهر المرغوبة التي تعود عليها بالنفع[3].
في ضوء ذلك، يروم هذا التقرير لقراءة كيفية تعاطي الإدارة السورية الجديدة في المجالين الدولي والإقليمي مع الأهداف المركزية آنفة البيان، والتوقف على النجاحات والإخفاقات في هذا الصدد، وعليه ينقسم التقرير إلى ثلاثة محاور رئيسية: يتطرق الأول إلى الأهداف السياسية والأمنية، بينما يتناول المحور الثاني الأهداف ذات الطابع الاقتصادي. أما المحور الثالث، فتم تخصيصه لتقييم أداء سوريا في سياساتها الخارجية ومدى نجاحها في تحقيق تلك الأهداف من عدمه.
المحور الأول- الأهداف السياسية والأمنية للسياسة الخارجية السورية الجديدة… من الجهادية إلى طاولة المفاوضات: جذور البراجماتية
بدايةً، لا يمكن فهم السياسة الخارجية السورية الحالية والبراجماتية التي تميزت بها، دون الرجوع إلى تاريخ تحول “هيئة تحرير الشام” ذاتها -التي تمثل نواة الإدارة الجديدة في دمشق- من فرعٍ لتنظيم القاعدة في سوريا إلى تنظيم محلي أعلن فك ارتباطه بالقاعدة في يوليو 2016، ويُفسر ذلك في إطار نظرية “النُظم المفتوحة”، التي تهتم بكيفية تفاعل الفاعلين من غير الدول مع البيئة المحيطة بهم، وقدرتهم على التكيف معها من أجل البقاء[4].
تمدنا قراءة ذلك التحول بعدسةٍ مُفسرة، لكيفية بناء هيئة تحرير الشام خبرة التعامل بالمجال الدولي، واكتسابها القدرة على التعامل ببراجماتية مع جميع الأطراف وبناء علاقات تعاون حتى مع أعدائها، وهو ما يُساعدنا بالتالي على بناء تصور لدور سوريا ما بعد الأسد في المجال الخارجي.
بدأت جبهة النصرة في التشكل كفرعٍ تابع لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، التابع بدوره لتنظيم القاعدة آنذاك مع نهاية 2011، غير أنه في منتصف 2013، بدأت أولى ملامح التحول حينما أعلنت جبهة النصرة الانفصال عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، ومبايعتها لأيمن الظواهري أمير تنظيم القاعدة[5]، ويرجع ذلك لخلاف نشب بين أيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي أمير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق آنذاك، حيال إعلان البغدادي من جانب واحد اندماج دولة العراق الإسلامية وجبهة النصرة دون إعلام الظواهري، ورفض البغدادي الامتثال له، ما أدى في نهاية المطاف إلى اندلاع القتال بين التنظيمين مطلع عام 2014 وأنهى الظواهري رسميًا علاقات القاعدة بالدولة الإسلامية[6].
جاء التحول الجذري في عامي 2016 – 2017، حينما أعلن أبو محمد الجولاني “أحمد الشرع” عن تأسيس “هيئة تحرير الشام”، وهو تشكيل ضم عددًا من الفصائل مثل جيش الأحرار وحركة الفجر وغيرهما، وأعلنت هيئة التحرير في بيان تأسيسها إنهاء ارتباطها بتنظيم القاعدة، وإضفاء الطابع القطري والمحلي على التنظيم، فضلًا عن إنهاء تبعيتها الفكرية للسلفية الجهادية[7]، وكان ذلك القرار مدفوعًا بعوامل عدة منها على سبيل المثال وجود تنسيق أمني بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا، لمحاربة التنظيمات الإرهابية خاصةً “داعش” و”جبهة النصرة”، كما سعت هيئة التحرير لفرض الهيمنة على فصائل المعارضة المسلحة في مناطق شمال سوريا المفككة بالأساس، وكسب الحاضنة الشعبية السورية، بترسيخ صورة ذهنية بأن هيئة تحرير الشام فصيل من أبناء الشعب[8].
لم يكن ذلك التحول حبرًا على ورق، بل ترجمته هيئة تحرير الشام على أرض الواقع، حيث شكلت بتاريخ 2 نوفمبر 2017 حكومة الإنقاذ في شمال غربي سوريا، واستعانت بشخصيات تكنوقراط مستقلة من خارج هيئة تحرير الشام[9]، ودخلت في اتصالات ومفاوضات مع تركيا، وقبلت نقاط المراقبة المتفق عليها وفق محادثات الأستانة بين تركيا وروسيا وإيران حول سوريا وحمايتها، كما حاربت هيئة تحرير الشام جيوب تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة إدلب[10]، واعتقلت عددًا من رموز القاعدة في سوريا كأبو جليبيب الأردني والعريدي[11].
سعت هيئة تحرير الشام عبر تلك التحركات إلى الاعتراف بها من قِبل الغرب، وإزالتها من قوائم الإرهاب، والتأكيد على أنها باتت حسنة السلوك السياسي وخارج نظرية الجهاد المعولم التي تتبناها القاعدة، وأنها تسعى لصياغة نظريتها الخاصة بها فكريًا وممارساتيًا[12]، لدرجة تشبيه عبد الرحيم عطون -الشرعي العام للتنظيم آنذاك- هيئة تحرير الشام بحركة طالبان باعتبار الأولى حركة مماثلة في سوريا تعمل على إنهاء التنظيمات الجهادية المتشددة[13].
الجدير بالملاحظة أن ذلك النهج البراجماتي، استمرت هيئة تحرير الشام بالعمل به حتى في خضم معركة “ردع العدوان” (التي تمر ذكراها الأولى وقت كتابة تلك السطور) مع أعدائها؛ حيث أفادت تقارير إلى وجود اتصالات بين فيلق القدس وهيئة تحرير الشام أثناء انهيار الجيش السوري وتخلي إيران عن الأسد، وتمكنت إيران من الحصول على وعود بعدم التعرض للمقامات الشيعية والسفارة الإيرانية، وحتى في ظل تعرض السفارة الإيرانية للنهب في 8 ديسمبر 2024، نفت هيئة الإذاعة الحكومية في طهران أن يكون المهاجمين تابعين لهيئة تحرير الشام، ما يُشير إلى الوفاء بوعدها[14].
بجانب إيران، تواصلت هيئة تحرير الشام مع روسيا كذلك في أعقاب معركة حلب في ديسمبر 2024، وهو ما أظهرته تصريحات لأسعد الشيباني وزير الخارجية السوري الحالي في مقابلة لإحدى الصحف، حيث صرح بأنه تواصل مباشرةً مع “جهة عليا” روسية خلال لقاء بوفد روسي بمعبر باب الهوى، وأرسل رسالة للروس مفادها أن “إسقاط نظام بشار لا يعني خروج روسيا من سوريا”، وأن المصالح الحقيقية للروس في سوريا يمكن تحقيقها مع الحكومة الجديدة[15].
تُبرز المواقف سالفة الذكر، الدور الذي يمكن أن تضطلع به سوريا إقليميًا ودوليًا في ظل الإدارة الجديدة؛ فكما تشير أدبيات السياسة الخارجية إلى أن القائد السياسي المتمرس بالعمل السياسي في مجال السياسة الخارجية قبل وصوله للسلطة، يزداد احتمال تأثيره في صياغة السياسة الخارجية لدولته؛ كونه يعرف كيف تُدار السياسة الخارجية، وانعكاساتها على مصالح الدولة، وهو ما يظهر في حالة الشرع وحكومته. فضلًا عن ذلك، فإن وصول أحمد الشرع إلى سدة الحكم في سوريا كانت بطريقة “درامية”؛ أي جاءتبواسطة تحرك عسكري ضد النظام السابق، وتلك الطريقة وفق أدبيات السياسة الخارجية، تمنح القائد السياسي سلطةً في إدارة الشؤون الخارجية للدولة[16]، وهو ما نلمسه من خلال التحركات الدبلوماسية البراجماتية للإدارة الجديدة في أعقاب سقوط الأسد.
وفيما يلي نتناول الهدفين الأبرز سياسيًا وأمنيًا على أجندة السياسة الخارجية السورية الجديدة، وهما: اكتساب الشرعية الدولية، وحلحلة ملفي “قسد” والاحتلال الإسرائيلي للجولان.
أولا- اكتساب الشرعية والاعتراف الدوليين:
شكلت مسألة اكتساب الشرعية والاعتراف الدوليين هاجس اللحظة عند الإدارة الجديدة بدمشق منذ سقوط نظام الأسد؛ فالإدارة الجديدة أو هيئة تحرير الشام تم إدراجها رسميًا في قوائم الإرهاب الأمريكية منذ ديسمبر 2012، وفي العام الذي يليه صنفت وزارة الخارجية الأمريكية أبو محمد الجولاني أو أحمد الشرع كإرهابي عالمي، وعرضت الوزارة مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل الإدلاء بمعلوماتٍ عنه[17]، كما أُدرجت هيئة تحرير الشام كذلك على قائمة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن في مايو 2014، عندما توصلت لجنة مجلس الأمن إلى وجود ارتباط بين الهيئة وتنظيم القاعدة[18].
ترتب على إدراج الهيئة بقوائم الإرهاب عزلها دبلوماسيًا، ومنعها من الحصول على الدعم المالي أو المساعدات من الدول والمنظمات الدولية، ومنع اعتراف العديد من الدول بها كطرفٍ سياسي شرعي، وهو ما حد من قدرتها على التفاعل مع المجتمع الدولي أو المشاركة في المفاوضات الدبلوماسية[19]. بناءً عليه، واستكمالًا لسعيها لكسب الاعتراف الدولي منذ تشكيلها حكومة الإنقاذ كما سبق القول، طرق أحمد الشرع أبواب الخليج وتحديدًا المملكة العربية السعودية، كأول زيارةٍ خارجية له بعد توليه السلطة في أعقاب سقوط حكم الأسد[20].
جاءت تلك الزيارة، تزامنًا مع دعمٍ سعودي للإدارة الجديدة عقب سقوط نظام الأسد، تمثل في زيارة وفد سعودي لدمشق في 22 ديسمبر 2024، وإقامة جسر جوي محمل بالمساعدات الغذائية والطبية لدمشق، فضلا عن عقد السعودية لقمة الرياض في 12 يناير 2025، والتي دعا فيها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى رفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا[21].
حملت زيارة الشرع للرياض دلالات مرتبطة بطموح سوريا لاستعادة موقعها في النظام الإقليمي العربي، وتعزيز مكانة الشرع كرئيسٍ شرعي لسوريا أمام العالم العربي[22]، وتوجيه رسالة واضحة إلى إيران بأن دمشق خرجت من عباءة النفوذ الإيراني بعدما كانت من أبرز حلفائها الإقليميين[23]، وهي للمفارقة قد تُعد امتدادًا للسياسة الخارجية لنظام الأسد في السنوات الأخيرة، الرامية للتقارب مع الخليج على حساب إيران؛ لضمان البقاء في السلطة·.
بجانب ما سبق، تُدرك السلطة في دمشق أن السعودية هي “عراب المصالحة لواشنطن”[24]؛ حيث لعبت السعودية دورًا هامًا في إقناع إدارة ترامب بالنظر إلى الشرع كشريكٍ شرعي وموثوق فيه؛ لا سيما وأن الإدارة الجديدة في دمشق قد اتخذت نهجًا أكثر عقلانيةً ومرونةً تجاه المخاوف السائدة في أروقة الحكم في الخليج تجاه الجماعات الإسلامية، وهو ما اتضح من خلال تصريح الشرع بأنه “ليس امتدادًا للأحزاب الإسلامية سواء التنظيمات الجهادية أو الإخوان المسلمين، وليس امتدادًا للربيع العربي”[25].
برز الدور السعودي في دعم أحمد الشرع، برعايته للقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والشرع في 14 مايو 2025 بالرياض، والذي يُعد أول لقاء بين رئيسٍ أمريكي ورئيسٍ سوري منذ 25 عامًا، ووعد فيه ترامب برفع العقوبات المفروضة على سوريا، التي وصفها بأنها “عقوبات قاسية وسببت الشلل”، لكنه في ذات الوقت رهن ذلك الوعد بمطالب أبرزها الانضمام لاتفاقات التطبيع مع إسرائيل، وترحيل “الإرهابيين الفلسطينيين” في إشارة إلى المقاومة الفلسطينية المقيمة في سوريا[26].
لم يكن الخليج وخاصةً السعودية القِبلة الوحيدة التي توجهت لها دمشق طلبًا للشرعية، فتركيا التي جمعتها علاقات وثيقة مع “هيئة تحرير الشام” منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم في مارس 2020، وزودتها بالأسلحة والتدريب والمعلومات الاستخبارية التي مهدت للهجوم الذي أطاح بنظام الأسد[27]، تركيا كانت هي الوجهة الثانية للشرع بعد السعودية مباشرةً، بل وكانت بجانب السعودية من أكثر الدول التي تردد عليها الشرع.
يرجع ذلك إلى إدراك دمشق لدور تركيا البارز في دعم شرعية الإدارة الجديدة؛ حيث عملت على التقارب مع القوى الإقليمية خاصةً الإمارات والسعودية، بإقناعهم حول جدوى الاستثمار في مستقبل سوريا، انطلاقًا من المصالح المشتركة بينهم لا سيما في ملف رفع العقوبات عن سوريا ما بعد الأسد، حيث تدرك أنقرة أن اللوبي السعودي ونفوذه في أروقة الحكم في واشنطن، قادر على إقناع ترامب برفع العقوبات وإنهاء تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمةٍ إرهابية[28].
تجلى ذلك التقارب في اشتراك تركيا في اللقاء الذي جمع بين ترامب وبن سلمان والشرع في الرياض، ويمكن القول إن قرار ترامب برفع العقوبات في مايو 2025، كان نتيجة ذلك التقارب، والإلحاح عليه بضرورة رفع العقوبات لإنهاء عزلة سوريا، وإعادة دمجها في المنظمات الدولية والمجتمع الدولي[29]، وهو ما كشفت عنه بالفعل تصريحات ترامب فيما بعد حول ذلك الدور المشترك في رفع العقوبات المفروضة على سوريا[30].
أيضًا عقدت تركيا اجتماعًا ثلاثيًا في 15 مايو 2025 بمدينة أنطاليا، ضم وزراء الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني والأمريكي ماركو روبيو، وكان يهدف هذا الاجتماع إلى تحسين العلاقات بين دمشق وواشنطن، وسبل بناء علاقة استراتيجية، ومناقشة تفاصيل رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا[31]. هذا فضلًا عن ترتيب تركيا لاجتماعٍ بين الشرع، والمبعوث الأمريكي الخاص لسوريا توم باراك، في 24 مايو 2025، خلال زيارة الشرع الثالثة لتركيا، والتي جاءت وفق بيان الرئاسة السورية “في إطار جهود الحكومة السورية الجديدة لإعادة بناء العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة”[32]، وهو ما يدل على الدور التركي الواضح في تعزيز شرعية الحكومة الجديدة دوليًا، وتقريب وجهات النظر بينها وبين إدارة ترامب.
بجانب القوى الإقليمية في المنطقة، حرصت سوريا كذلك على كسب دعم روسيا، وتجنب القطيعة كليًا معها؛ فروسيا أحد أعضاء مجلس الأمن الدائمين، وتحتاج سوريا لدعمها في مسألة رفع تنصيف أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب[33]؛ وفي هذا الإطار صرح مرهف أبو قصرة وزير الدفاع السوري، أنه: “في السياسة، لا يوجد أعداء دائمون”، وأن موقف روسيا تجاه الحكومة السورية الجديدة “تحسن بشكلٍ كبير” منذ سقوط الأسد[34]، وعليه استقبلت دمشق وفدًا روسيًا برئاسة نائب وزير الخارجية، ميخائيل بوغدانوف في أواخر يناير 2025، وبحثا معًا مسألة إعادة ترتيب العلاقات، وأفادت المعلومات المسربة خلال ذلك اللقاء بوجود اتفاق بين الطرفين تحتفظ موسكو بموجبه بوجودٍ عسكري منخفضٍ في سوريا[35].
أكدت زيارة الشرع لموسكو في 15 أكتوبر 2025 على مبدأ “تصفير الأعداء الخارجيين”، تلك الزيارة التي أبدى خلالها الشرع اهتمامه بإعادة نشر الشرطة العسكرية الروسية في جنوب سوريا؛ لإدارة التوترات مع إسرائيل، في تكرارٍ لدور موسكو تحت حكم الأسد، حيث كانت القوات الروسية في الجنوب بمثابة حاجز بين إيران وإسرائيل[36]، وهو ما يُشير إلى صحة التسريبات المشار إليها آنفًا.
اللافت في زيارة الشرع لموسكو، أنها لم تقف عند حد العلاقة بين البلدين، بل شملت كذلك وبشكلٍ غير مباشر إيران العدو التقليدي للإدارة الجديدة بدمشق؛ فعقب زيارة الشرع لموسكو، زار المبعوث الخاص للرئيس الروسي بوتين للشؤون السورية ألكسندر لافرينتييف طهران في 20 أكتوبر 2025، وتكهنت الصحف المؤيدة للتيار الإصلاحي في إيران والمقربة من دوائر السلطة، حول دور لافرينتييف في إيصال رسائل الشرع لإيران، بشأن رغبته في إعادة فتح قنوات الاتصال بين البلدين، وأن تلك الزيارة تُعد جزءً من مساعي إيران “للعودة لسوريا عبر روسيا”[37].
وبالرغم من عدم وضوح ذلك الدور، إلا أن هناك دلائل على رغبة الشرع في إقامة علاقات مع إيران، ويظهر ذلك في تصريحاته؛ فقُبيل سقوط نظام الأسد، صرح لشبكة سي إن إن الأمريكية، “يتعين على إيران أن تُعيد النظر في علاقاتها مع حكومة الأسد، وإقامة علاقات جديدة مع هيئة تحرير الشام”[38]، كما صرح خلال مقابلة له لشبكة بي بي سي، في سبتمبر 2025 “بأنه لا قطيعة دائمة مع إيران، وأن العلاقات بينهما يجب أن تكون قائمة على احترام الوضع السوري الحالي، وعدم التدخل في الشئون الداخلية”[39].
ثانيًا- حلحلة الأوضاع الأمنية… ملف قسد والاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري:
شكلت الإطاحة بنظام بشار الأسد خطوةً ضرورية، لكن ليست كافية، لإرساء الاستقرار والأمن في سوريا، فالبلاد ما زالت مُفككة، والعديد من المناطق في سوريا لا تزال بعيدة عن قبضة دمشق؛ كونها إما خاضعة لسيطرة فصائل مسلحة مدعومة من الخارج وتبرز “قوات سوريا الديمقراطية” كمثالٍ واضح في هذا الصدد، وإما أنها خاضعة لسيطرة قوات أجنبية مباشرة ويبرز احتلال إسرائيل للجولان وتوغله في الجنوب السوري مثالا على ذلك. وفي ظل ضعف القوات المسلحة السورية الجديدة، ووجود تحديات في مجال إصلاح قطاع الأمن، لجأت سوريا إلى القوى الإقليمية والدولية، لحلحلة ملف الأمن والضغط على كلٍ من قسد وإسرائيل.
وقع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في 10 مارس 2025 اتفاقًا مبدئيًا حول آلية دمج قوات قسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية[40]، وبالرغم مما تبدو عليه تلك الخطوة من أهمية، إلا أن الاتفاق يترك العديد من القضايا الجوهرية دون حل، لا سيما فيما يتعلق بآليات تنفيذه والتي يكتنفها الغموض، حيث لم يكن واضحًا كيفية دمج القوات العسكرية لقسد في وزارة الدفاع السورية[41]. كان لعدم الوضوح ذلك، وانعدام الثقة بين الطرفين، حيث تراشقا الاتهامات بينهما بالتباطؤ والتلكؤ في تنفيذ بنود الاتفاق وعرقلته، أثره في تجدد الاشتباكات بين الطرفين بين الفينة والأخرى، كانت آخرها في 22 ديسمبر 2025، حينما اندلعت اشتباكات بحلب بين قوات قسد والجيش السوري[42].
بناءً عليه، حرصت دمشق على التقارب مع أنقرة، التي تنظر بدورها إلى قوات قسد كتهديدٍ لأمنها القومي وتُصنفها على أنها تنظيم إرهابي، كأحد أدواتها لتثبيت سيادتها وإعادة بسط سلطتها على كامل أراضي سوريا[43]، وتجلى ذلك التقارب على المستوى الدبلوماسي، خلال زيارات الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني لتركيا، والتي لم تخل من الحديث عن ملف قوات قسد، وصياغة رؤية مشتركة لإنهاء “التهديد المستمر” الذي تُشكله القوات الكردية على وحدة أراضي سوريا وأمن تركيا القومي، من خلال التنسيق الميداني والأمني المباشر[44].
وعلى المستوى الأمني، أعلنت وزارة الدفاع التركية في 2 يناير 2025 عن وجود محادثات مكثفة مع الجانب السوري لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، وصرح وزير الدفاع التركي باستعداد بلاده لتقديم تدريب عسكري إذا طلبت الحكومة الجديدة في دمشق ذلك[45]، وبالفعل تم توقيع اتفاق بين البلدين في أغسطس 2025 للتدريب والاستشارة العسكرية، بدأت بموجبه وحدات من الجيش السوري التدريب في ثكناتٍ عسكرية تركية، علاوة على تزويد دمشق بمنظومات تسليح وأدوات دعم لوجستي مع تدريب الجيش على استخدامها[46].
بالرغم من أن الشراكة بين سوريا وتركيا أمر محوري في ملف قسد؛ كونهما يتشاركان الرؤية نفسها، إلا أن الارتباط الأمني بين الولايات المتحدة وقسد، الذي يُمثل أحد مرتكزات الاستراتيجية الأمريكية في سوريا، خاصةً في ملف مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، يُعد عائقًا رئيسيًا لتلك الشراكة، وعليه عملت دمشق على سحب بساط شرعية قوات قسد كشريكٍ رئيس في الحرب ضد داعش عند واشنطن، ودفع قسد لتنفيذ بنود اتفاق مارس سالف البيان، من خلال إعلان الشرع أثناء زيارته لواشنطن نوفمبر 2025، الانضمام للتحالف الدولي ضد داعش.
أثار ذلك الإعلان قلق لدى قوات قسد؛ حيث عُقدت عدة لقاءات داخلية لمناقشة التداعيات على الدعم السياسي والعسكري الذي تحظى به، والممكن خسارته لصالح حكومة دمشق[47]، وينبع ذلك القلق من دعم الولايات المتحدة لسوريا، في رؤيتها حول ضرورة دمج قوات قسد تحت لواء الإدارة المركزية في دمشق؛ ففي سبتمبر 2025، أعلنت واشنطن تسريح عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين المعنيين بسوريا من مناصبهم بمنصة سوريا الإقليمية، على أثر نشوب خلاف بينهم وبين المبعوث الأمريكي لسوريا توم باراك بشأن ذلك الملف[48]، كما صرح قائد القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) الأدميرال براد كوبر بأن “دمج قوات سوريا الديمقراطية داخل الجيش السوري سيُعزز الاستقرار الداخلي، ويُحسن قدرات الدولة على ضبط الحدود وملاحقة تنظيم داعش”[49].
يبرز التحدي الثاني في الاحتلال الإسرائيلي للجولان، وتوغل قواته في الجنوب السوري، فمنذ 8 ديسمبر 2024، ظل التدخل الإسرائيلي عاملًا أساسيًا في تشكيل بيئة الأمن في جنوب سوريا، وعلى اختلاف شكل التدخل ونطاقه، فإن الأثر الأشمل ظل ثابتًا والمتمثل في تقويض سلطة الدولة، ومحافظة إسرائيل على موطئ قدم استراتيجي في الجنوب[50].
أطلقت إسرائيل عملية “سهم باشان” في 8 ديسمبر 2024 عقب سقوط نظام الأسد مباشرةً، والتي دمرت نحو 80% من قدرات القوات البرية والبحرية والجوية للجيش السوري، كما تقدمت القوات الإسرائيلية بريًا بالمنطقة العازلة في الجولان السوري المحتل، وسيطرت على مواقع استراتيجية مثل جبل الشيخ[51].
هدفت إسرائيل من وراء ذلك التحرك العسكري، فتح دورة جديدة من المفاوضات الدبلوماسية لتحقيق أهداف استراتيجية متنوعة، والتي تراوحت بين تحديد قواعد جديدة للتعامل مع تركيا -الداعم الرئيسي للحكومة السورية الجديدة- وإعادة صياغة اتفاقية 1974 لإضعاف أي حكومة سورية جديدة والدفع نحو التطبيع بين البلدين[52]، وهو ذات النهج الذي طبقته إسرائيل في كلٍ من غزة ولبنان، حيث اتخذت من العمليات والتهديدات العسكرية ورقة ضغط في المسار التفاوضي؛ لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات، وقبول الإملاءات الإسرائيلية[53].
لجأت سوريا إلى دول الخليج لمواجهة الضغوطات الإسرائيلية؛ وكانت الإمارات هي الأبرز في ذلك الصدد؛ حيث توسطت سرًا بين دمشق وتل أبيب في فتح قنوات اتصال بينهما، وتقريب وجهات النظر[54]، وفي 12 يوليو 2025، خلال زيارة الشرع لأذربيجان، أفادت وسائل إعلام غربية، برعاية باكو لاجتماعٍ بين مسؤولين إسرائيليين وسوريين[55]، تم فيه مناقشة إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مستقبلي بين الطرفين، وطرح اقتراح إعادة العمل باتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، إلى جانب سلسلة من تدابير بناء الثقة، تمهيدًا لاتفاق سلام شامل على مدى خمس سنوات[56]. كان لتلك التحركات التي قامت بها سوريا بالإضافة إلى اللقاء الذي جمع الشرع بترامب في الرياض، والذي خرج منه الرئيس الأمريكي بانطباعٍ جيد عن الشرع، أثره في تراجع عمليات القصف الإسرائيلية على سوريا وكذا تراجع عمليات التوغل البري في الجنوب[57].
اضطلعت الولايات المتحدة، والتي حرص الشرع على التقرب منها وكسب دعمها منذ توليه السلطة، بدور الوسيط في المحادثات بين دمشق وتل أبيب، ففي 19 أغسطس 2025 التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وفدٍ إسرائيلي برئاسة رون ديرمر وزير الشؤون الاستراتيجية برعاية أمريكية، حيث تم تناول اتفاقية فض الاشتباك بين إسرائيل وسوريا الموقعة عام 1974، ويُعد ذلك اللقاء الثاني بعد اجتماعٍ مماثل في يوليو 2025[58]، وخلال لقائه بالشرع في 9 نوفمبر 2025، أعلن دونالد ترامب أن إدارته تعمل بالتعاون مع إسرائيل لتعزيز العلاقات مع سوريا، واستعدادها لنشر قوات في قاعدة جوية في دمشق، للمساعدة في إتاحة تنفيذ اتفاقٍ أمني تتوسط فيه الولايات المتحدة بين سوريا وإسرائيل[59].
تراجعت خلال الفترة التي سبقت زيارة الشرع لواشنطن، الهجمات الإسرائيلية على سوريا تراجعًا حادًا، على أمل التوصل إلى اتفاقٍ يُرضي إسرائيل، لكن لقاء الشرع مع الرئيس الأمريكي انتهى من دون الإعلان عن التوصل لاتفاق، ما دفع إسرائيل للتصعيد مجددًا وبوتيرةٍ أكثر عدائية، حيث قام نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في 19 نوفمبر2025، بجولةٍ ميدانية في المنطقة السورية العازلة بمشاركة وزيري الدفاع يسرائيل كاتس، والخارجية جدعون ساعر، إضافة إلى رئيس أركان الجيش إيال زامير. عقب ذلك بيومين، استأنفت إسرائيل توغلاتها البرية في الجنوب السوري، ووسعتها على نحوٍ لافت مقارنةً بالأشهر السابقة لزيارة الشرع لواشنطن[60].
اللافت في النظر بشأن مسألة الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، هو موقف الولايات المتحدة، فالشرع بخطابه المتوازن، المترافق بدعمٍ عربي -تركي، نجح في دفع واشنطن للابتعاد عن المقاربة الإسرائيلية شيئًا فشيئًا، وهو ما ظهر في عدم دعمها للتوغل الإسرائيلي في العمق السوري، خاصةً في أحداث السويداء[61]، وتحذريها من “عرقلة تطور سوريا إلى دولةٍ مزدهرة”[62].
تزامن مع تعثر المحادثات السورية -الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، فتح دمشق لمسارٍ موازٍ مع روسيا، لمواجهة التوغلات والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب السوري، حيث طلب الشرع خلال زيارته لموسكو في أكتوبر 2025، إعادة نشر قوات الشرطة العسكرية الروسية في مناطق الجنوب، خاصةً درعا والسويداء موازنةً الخطر الإسرائيلي المتنامي في تلك المنطقة[63].
المحور الثاني- الأهداف الاقتصادية للسياسة الخارجية السورية الجديدة
ويتضمن هذا المحور ملفين؛ هما: رفع العقوبات وعلاقتها بمسألة إعادة الإعمار، وكذلك ما يتعلق بأمن الطاقة.
أولًا- رفع العقوبات الدولية وملف إعادة الإعمار
قبل سقوط نظام الأسد، كان الاقتصاد السوري في حالةٍ يُرثى لها، ففي نهاية عام 2024 خسرت الليرة السورية 99% من قيمتها مقارنةً بما كانت عليه عام 2011، وكان ما لا يقل عن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر[64]، ووفق البنك الدولي، تحتاج عملية إعادة الإعمار في سوريا، ما بين 140 مليار دولار أمريكي و645 مليار دولار أمريكي، وتُمثل تقديرات تكاليف إعادة الإعمار تلك نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024، وهو ما يعكس حجم الدمار الواسع الذي خلفه النزاع وسنوات الانكماش الاقتصادي المصاحبة له[65].
تكشف تلك الأرقام عن حجم التحديات الهائلة أمام الإدارة الجديدة في الملف الاقتصادي، والتي عززتها العقوبات الاقتصادية المفروضة دوليًّا على سوريا، ومن ثم شرعت الإدارة الجديدة من خلال دبلوماسيتها النشطة في العمل بشكلٍ مكثف على مسألة رفع العقوبات الدولية وجلب الاستثمارات؛ كخطوةٍ هامة للتعافي وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي.
استقبلت دمشق عقب سقوط نظام الأسد أكثر من عشرين دبلوماسيًا ومسؤولًا أجنبيًا رفيع المستوى، وكان من بين تلك الوفود وفد للاتحاد الأوروبي، حيث زارت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المساواة والاستعداد وإدارة الأزمات، حجة لحبيب سوريا في 24 يناير 2025، وأعلنت عن تقديم حزمة مساعدات إنسانية بقيمة 235 مليون يورو (حوالي 241 مليون دولار)، وناقشت المفوضة رفع العقوبات عن سوريا من أجل “تشجيع السلطات الجديدة على بناء دولة شاملة للجميع تحتضن جميع مواطنيها ومكوناتها المتنوعة”[66].
عقب هذا الاجتماع وغيره من المحادثات الدبلوماسية مع الإدارة الجديدة بدمشق، تم التمكن من التوصل إلى اتفاقٍ مبدئي خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذي عُقد في 27 يناير 2025، يقضي بتخفيف العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على سوريا، كبادرة حسن نية، على افتراض أن تتخذ دمشق إجراءات إيجابية في المقابل[67]، ثم جاء 20 مايو 2025، أي عقب أسبوعٍ من إعلان ترامب رفع العقوبات عن سوريا، ليشهد موافقة الاتحاد الأوروبي أيضًا على رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق، ورهن ذلك القرار بمدى احترام القادة السوريين لحقوق الأقليات والاتجاه في المسار الصحيح للديمقراطية[68].
وضعت القرارات الأمريكية والأوروبية حدًا لعزلة البنوك السورية في النظام المالي العالمي فضلا عن إنهاء تجميد أصول البنك المركزي؛ حيث تمكنت سوريا من الانضمام مرةً أخرى لنظام سويفت·، وإتاحة أول تحويل إلكتروني لها منذ أكثر من عقد، وذلك أمر مهم لإجراء التحويلات مع المؤسسات المالية الغربية من أجل ضخ مبالغ ضخمة لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد الذي دمرته الحرب[69].
بالتوازي مع رفع العقوبات الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة وأوروبا، عمل الشرع على التقارب مع الخليج في إطار كسب دعمهم في ملف إعادة الإعمار، فزار الشرع الإمارات في 13 أبريل 2025، تلك الزيارة التي أكد فيها محمد بن زايد الرئيس الإماراتي دعمه لسوريا في ملف إعادة الإعمار[70]، وتمكنت سوريا في 16 مايو 2025 أي بعد نحو شهر من الزيارة الأولى، وبالتزامن مع رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية، من توقيع اتفاقية أولية مع شركة موانئ دبي العالمية لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس، ثاني أكبر ميناء بحري في سوريا، وهو يُعد محور طموحات سوريا في إعادة الإعمار والتكامل الإقليمي؛ كونه يضطلع بدورٍ هام في التجارة والخدمات اللوجستية الإنسانية، بطاقةٍ استيعابية تبلغ نحو 20 ألف حاوية سنويًا، وقد تطورت تلك الاتفاقية الأولية عقب زيارة أحمد الشرع الثانية للإمارات في 7 يوليو 2025، إلى منح امتياز لمدة 30 عامًا لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس[71].
وبالنسبة للسعودية، فقد كان ملف إعادة الإعمار على رأس مباحثات الرئيس السوري أحمد الشرع مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال زيارته في فبراير 2025[72]، حيث أشار الشرع إلى دور السعودية الهام في بناء مستقبل سوريا[73]، وبالفعل أعلنت السعودية في 23 يوليو 2025 عنإبرام اتفاقيات استثمار وشراكة مع سوريا بقيمة تزيد على 5 مليارات دولار، في خطوةٍ تهدف إلى دعم جهود إعادة الإعمار في البلاد بعد سنوات الحرب، وأوفدت الرياض نحو 150 مستثمرًا وممثلًا عن القطاعين العام والخاص، ترأسه وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح؛ للمشاركة في المنتدى السعودي السوري 2025، والذي كان على رأس أولوياته دعم ملف إعادة الإعمار في سوريا[74].
برزت قطر بجانب الإمارات والسعودية، كإحدى الدول الخليجية الداعمة لسوريا في ملف إعادة الإعمار، حيث أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عقب زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى سوريا، أنه “تم التوصل لإطارٍ شامل لإعمار البلاد مع قطر، وأن المناقشات غطت قطاعات حيوية بما في ذلك البنية التحتية، وضمان استعادة أسس الاستثمار والخدمات المصرفية”[75]، وأعلنت قطر بجانب السعودية سداد الالتزامات المالية المتأخرة على سوريا لدى مجموعة البنك الدولي، والتي تبلغ نحو 15 مليون دولار، وهو ما سيُتيح استئناف دعم البنك الدولي لسوريا، والحصول على مخصصات مالية لدعم القطاعات الملحَّة[76].
مكنت تلك الخطوة دمشق من إعادة التواصل والتعاون مع المؤسسات المالية الدولية بعد سنواتٍ من القطعية في عهد نظام الأسد؛ لجذب استثمارات لتنمية القطاعات وإعادة الإعمار، بدلًا من الاعتماد على القروض والمساعدات فقط، وفي هذا الإطار استقبلت دمشق في يونيو 2025، أول بعثة فنية من صندوق النقد الدولي منذ 18 عامًا، وشملت النقاشات بين الطرفين ضرورة وجود إصلاحات هيكلية، شملت تحسين أنظمة الضرائب والجمارك، وتمكين البنك المركزي من اعتماد سياسة نقدية لضمان استقرار الأسعار واستعادة الثقة في الليرة، بالإضافة إلى تعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب[77].
بالتزامن مع دعم الخليج المالي في ملف إعادة الإعمار السوري، تمكنت سوريا خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع لتركيا في 4 فبراير 2025، من الحصول على دعم تركيا في مجال إعادة الإعمار لا سيما في بناء شبكات البنية التحتية والممرات التجارية، حيث صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “إننا مستعدون لدعم إعادة إعمار المدن المدمرة في سوريا”[78].
مثلت مبادرة وزير النقل التركي عبد القادر أوغلو، التي أعلن عنها في مارس 2025 بشأن إعادة تأهيل قطاع النقل والمواصلات في سوريا، أبرز التحركات التركية الداعمة لدمشق في ملف إعادة الإعمار، وهدفت تلك المبادرة التي تتكون من 11 محور و39 خطوة تنفيذية إلى تحسين البنية التحتية وتعزيز الكفاءة الإدارية المحلية، خاصةً في تلك المتعلقة بشبكات الطرق، وتأهيل الموانئ والمطارات، وهو ما يُمكن من دمج الاقتصاد السوري تدريجيًا في المنظومة الإقليمية الأوسع، لا سيما إذا ترافق الأمر مع تحسينات في شبكات النقل داخل سوريا وربطه بخطوط تمتد نحو العراق والأردن وعمان، وتعد هذه البنية التحتية العابرة للحدود من المحددات الجوهرية لتعافي الدول الخارجة من النزاعات، كونها تُسهل عودة النشاط الإنتاجي وتُعزز من التماسك الاقتصادي بين المناطق المنفصلة بفعل الحرب[79].
ثانيًا- ملف الطاقة
يُعد ملف الطاقة من أهم الملفات التي تشغل بال الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، تحديدًا في ظل احتياج سوريا الشديد له، عقب إيقاف إمداد الطاقة من قسد وإيران والذي ترتب عليه تراجع إنتاج مصفاة حمص لـ 50% من طاقتها التشغيلية، وتراجع إنتاج مصفاة بانياس نحو 60% من طاقتها التشغيلية. وعليه، شهدت سوريا حراكًا مكثفًا على المستوى الخارجي في ملف الطاقة للتغلب على تلك الأزمة[80]، ففي اجتماع ضم أحمد الشرع ومحمد الخليفي وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية في 22 ديسمبر 2024، أعلن الشرع أن الدوحة مستعدة للاستثمار في قطاع الطاقة والمؤانئ السورية[81]، وكانت أولى بوادر الدعم القطري، وصول أول ناقلة نفط قطرية محملةً بالغاز لميناء بانياس بتاريخ 12 يناير 2025، كما بدأت سوريا في 13 مارس 2025 باستيراد الغاز الطبيعي من قطر عبر الأردن، بكمية مليوني متر مكعب يوميًا، وذلك في إطار منحة يُمولها “صندوق قطر للتنمية”؛ بهدف معالجة النقص الحاد في إنتاج الكهرباء في سوريا وتحسين أداء البنية التحتية[82].
برز اسم كلً من أذربيجان وتركيا كذلك، كدول محورية في ملف الطاقة السوري؛ فأذربيجان تنظر إلى صعود هيئة تحرير الشام كفرصة مواتية لها لتوسيع صادراتها من الطاقة، وتشترك مع أنقرة في رؤيتها للإدارة الجديدة كحليفٍ استراتيجي[83]، وفي هذا الصدد زار الشرع باكو في 12 يوليو 2025 كأول زيارةٍ رسمية له لأذربيجان، وركزت المباحثات على تعزيز العلاقات الثنائية وبوجهٍ خاص في مجال الطاقة، حيث تضمنت خططًا لتصدير الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر تركيا[84]، وبالفعل بدأت تركيا في 2 أغسطس 2025، بتوريد الغاز الطبيعي من أذربيجان لسوريا لاستخدامه في توليد الطاقة الكهربائية، حيث ستُصدر أذربيجان 2 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا لسوريا من حقل شاه دنيز للغاز في بحر قزوين، عبر خط الغاز التركي – السوري “كيليس -حلب”، وسيترتب على ذلك إعادة تشغيل محطات الكهرباء في حلب وحمص، ورفع عدد ساعات تشغيل الكهرباء إلى خمس ساعات يوميًا، أي ما يُعادل تحسن بمعدل 40%[85].
المحور الثالث- أداء السياسة الخارجية السورية بين النجاحات والتحديات
باستقراء أداء السياسة الخارجية السورية الجديدة خلال عام، نستطيع القول إجمالًا أن الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع قد حققت نجاحات لافتة؛ حيث نجح الشرع في تسريع إدماج سوريا في النسق الإقليمي العربي والدولي، وإخراجها من عزلتها، ولعل إلقاء الشرع خطابًا عبر منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، ليكون أول رئيس سوري بعد نور الدين الأتاسي يحضر اجتماعات الأمم المتحدة، بجانب موافقة الولايات المتحدة على دخول الشرع لأراضيها بعدما كان مطلوبًا ومصنف إرهابيًا، خير دليل على تقبل المجتمع الدولي لسوريا “الجديدة” تحت حكم الشرع[86].
حققت سوريا تقدمًا ملحوظًا في مسألة رفع العقوبات، سواء كانت تلك المفروضة على الإدارة الجديدة – هيئة تحرير الشام-، أو على مستوى سوريا كدولة، ويتضح ذلك في رفع مجلس الأمن اسم أحمد الشرع من قائمة العقوبات المفروضة على تنظيمي داعش والقاعدة بناءً على مقترحٍ أمريكي[87]، تبع ذلك القرار، رفع دول مثل بريطانيا العقوبات عن الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب[88]، وكذلك كندا، حيث قامت في 5 ديسمبر 2025 برفع اسم سوريا من قائمة “الدول الأجنبية الداعمة للإرهاب”، وحذفت اسم “هيئة تحرير الشام” من قائمة “الكيانات الإرهابية”[89].
وفيما يخص العقوبات الاقتصادية، فكما سبق وأسلفنا، فقد نجحت سوريا في إقناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي برفع العقوبات عنها، لكن الجديد في الأمر، هو أن زيارة الشرع لواشنطن في نوفمبر 2025 قد آتت أُكلها، فقانون قيصر والذي تصدر أجندة المباحثات في تلك الزيارة، كونه الأصعب في إجراءات إلغائه؛ إذ يستلزم موافقة الكونجرس على ذلك، قد صوت مجلس النواب الأمريكي لصالح إلغائه في 11 ديسمبر 2025، وهو ما سيتطلب فقط موافقة مجلس الشيوخ وترامب على إلغاء العقوبات لدخوله حيز التنفيذ، بيد أن التحدي يتمثل في الشروط التي رُهن بها ذلك القرار، والتي تتمثل في إلزام البيت الأبيض بتقديم تقارير دورية تؤكد التزام الحكومة السورية الجديدة بمكافحة الإرهاب واحترام حقوق الأقليات، وغيرها من الشروط، والتي في حالة عدم استيفائها خلال فترتين متتاليتين، يمكن إعادة فرض العقوبات مرةً أخرى[90].
بالرغم من النجاحات التي حققتها سوريا، إلا أن هناك تحديات حقيقية ما زالت تواجهها، فمن حيث ملف إعادة الإعمار الذي يرتبط بشكلٍ وثيق بمسألة رفع العقوبات الدولية؛ فإن الأمر لا يقتصر فقط على النجاح في رفع تلك العقوبات، ولا ما ترتب عليه من نجاح دمشق في جذب الاستثمارات وتوقيع العديد من مذكرات التفاهم التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات في مشروعات البنية التحتية؛ التي تثور حولها تساؤلات عن مدى شفافيتها؛ من حيث آليات الاتفاق على تلك الصفقات وشروطها، وكذلك طريقة اختيار الشركات المنوط بها العمل على مشاريع البنية التحتية، التي تُظهر عدم وجود عملية تنافسية حقيقية، علاوةً على عدم خضوع خطط المشروعات المتفق عليها لأي عملية مراجعة رسمية من الخبراء أو حتى المجتمعات المحلية المتأثرة بمثل تلك المشروعات[91].
عطفًا على ما سبق، فإن عملية إعادة الإعمار مرهونة كذلك بمدى نجاح الإدارة الجديدة في تحقيق انتقال سياسي شامل للجميع يُتيح مشاركة مختلف قطاعات المجتمع في الحكم، وإصلاح الإطار المؤسسي وحوكمة عملية إعادة الإعمار، وهي مسألة مهمة في تفادي الوقوع تحت هيمنة الجهات السياسية القوية سواء محلية كانت أم خارجية، وحماية الفئات الضعيفة من التهميش والإقصاء[92]. وقد أخفقت الحكومة الجديدة في ذلك بشكلٍ واضح، ومن أبرز الأمثلة في هذا الصدد، فشل الحوار الوطني الذي دشنته الإدارة الجديدة خلال الفترة 24 – 25 فبراير 2025، الذي هدف إلى إرساء الأسس الحاكمة للمرحلة الانتقالية، وصياغة الدستور، حيث عدم التمكن من بلورة رؤية وطنية جامعة للمرحلة الانتقالية؛ نتيجة إقصاء الأطراف الأخرى بطريقة غير مباشرة، فضلًا عن الانتهاكات التي تم ارتكابها في أحداث الساحل والسويداء ضد العلويين والدروز[93].
تقودنا المناقشة السابقة حيال إصلاح الإطار المؤسسي، إلى تحدٍ آخر مرتبط بمدى إدراك النظام الجديد لجدوى المؤسسية في السياسة الخارجية، وفي هذا الصدد تقول كيلي كاسيس، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط وروسيا، ومديرة قسم العلاقات الدولية بمركز الشؤون السياسية والخارجية بفرنسا: “بالرغم من إشراك النظام الجديد لتكنوقراط ودبلوماسيين أصغر سنًا ممن عاشوا خارج سوريا، لتقديم صورة جيدة للمجتمع الدولي، فإن عملية صنع القرار لا تزال متركزة في أيدي قلة من الموالين وإخوة أحمد الشرع، ولا تشهد المؤسسات إصلاحًا حقيقيًا”، مشيرة إلى “وجود تشابه لافت في البنية العامة مع نظام الأسد، الرامية إلى احتكار السلطة وترسيخها”[94]، وهو ما يُعد مؤشرًا على تكرار تجربة النظام السابق في بناء تحالفات شخصية، ولعل تصريحات ترامب حيال أحمد الشرع ووصفه بالرجل القوي ذي الماضي القوي، دلالة على اعتماد الشرع على الكاريزما الشخصية في التأثير على القادة وبناء التحالفات.
يبزر التحدي الثالث في ملف الأمن، والذي بالرغم من تحركات دمشق المكثفة فيه والتعاون مع العديد من القوى الإقليمية والدولية، إلا أنها لم تنجح في إخضاع قسد ولا إسرائيل لشروطها، فالبنسبة لإسرائيل، فقد أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في 10 ديسمبر 2025، أن بلاده “أبعد ما تكون” عن التوصل إلى اتفاقٍ أمني مع سوريا مما كانت عليه قبل أسابيع[95]، وقد جاء ذلك التصريح أعقاب تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في منطقة القنيطرة السورية، وتصريح وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي بأن “الحرب على سوريا باتت حتمية”[96].
تؤثر رغبة إسرائيل في التواجد بالجنوب السوري، والاستمرار بالعمليات العسكرية، بالسلب على استمرار “اتفاق السويداء” الهش بالأساس مستقبلًا، حيث تُحفز على تصعيد المواجهات بين دمشق وقوات الأمن الدرزية الداخلية، خاصةً في ظل رغبة الدروز في إنشاء حكم ذاتي بعيد عن دمشق، ودعم إسرائيل لهم لوجستيًا وعسكريًا[97].
وبشأن قوات قسد، فإنه ومع اقتراب نهاية العام وهي المهلة المحددة لتنفيذ بنود اتفاق مارس، فإن هناك مؤشرات دالة على طرح الخيار العسكري كأحد السيناريوهات في تعامل دمشق مع قسد، وهو ما تُظهره تصريحات سيبان حمو، القيادي في قوات قسد، لموقع المونيتور: “إن سوريا تمرّ بمرحلةٍ شديدة الحساسية”، موضحًا أن الوضع يتضح يومًا بعد يوم، وأن خطر اندلاع الصراع ما زال قائمًا، وهو ما يعكس فشل الجهود الدبلوماسية التي قادتها دمشق في ذلك الملف[98].
يتمثل التحدي الرابع في صياغة سياسات خارجية تجاه القضايا التي تمس الانتماء الإسلامي، وتبرز قضية حرب الإبادة في غزة كمثالٍ واضح في هذا الصدد، فبجانب عدم وجود موقف واضح حتى اللحظة، من جانب الإدارة الجديدة تجاه الحرب في غزة، وهو ما يمكن تفسيره في إطار انصباب تركيز الإدارة الجديدة على حل المشكلات المتعلقة بالشأن السوري فحسب والنأي عن قضايا الدول الأخرى، إلا إنه تبرز مؤشرات مقلقة حيال طريقة تعامل الإدارة الجديدة مستقبلًا مع تلك القضية، ومن ذلك على سبيل المثال اعتقال قوات الأمن السوري لعددٍ من قادة حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في أبريل 2025[99] بناءً على طلب ترامب، وسعى الإدارة الجديدة للتقارب مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، والتي تمكنت من الضغط على الجانب الإسرائيلي، خلال زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن في 26 ديسمبر 2025، لاستئناف المحادثات بين الطرفين بعد جمودٍ دام نحو شهرين[100]، علاوة على أن صفقة الغاز القطري تجعل من التطبيع الاقتصادي مع الاحتلال أمرًا واقعًا؛ كون قطر لا تستطيع توفير الغاز لسوريا بسبب محدودية البنية التحتية الحالية لخطوط الأنابيب، وبدلًا من ذلك فإن الغاز الذي يتدفق من حقل ليفياثان الإسرائيلي إلى محطة رحاب في شمال الأردن، سيكون المكان الوحيد الذي يمكن منه إعادة توجيه الغاز لسوريا، مما يعني أن الغاز سيتدفق فعليًا من إسرائيل، وليس من العقبة[101]، وهو ما يُمثل ورقة ضغط مستقبلية تخدم المصالح الإسرائيلية.
خاتمة- سوريا عند مفترق طرق: هل يكمن الحل في السياسة الخارجية وحدها؟
يتضح لنا من قراءة واقع السياسة الخارجية السورية من حيث الأهداف والأداء خلال عام، التعويل المفرط للإدارة الجديدة بدمشق على السياسة الخارجية البراجماتية، وكسب الدعم الإقليمي والدولي، لإيجاد حلول لمشكلاتها الداخلية، وفي الحقيقة فإن مثل هذا النهج، تتبعه الدول التي تُعاني الهشاشة الاقتصادية، ولا تملك الدفاع عن نفسها إزاء الاعتداءات الخارجية.
لا ننكر أن معظم مشكلات سوريا مرتبط بالخارج، ويتطلب التعامل معه لتحسين الأوضاع، لكن يبقى الداخل هو العماد الحقيقي للسياسة الخارجية، ولعلنا نذكر في هذا الصدد مقولة حامد ربيع، في مقدمة كتابه شديد الأهمية “نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط”، بأن “كل من يتصور أن سياسة داخلية فاشلة قادرة على أن تقود إلى سياسة خارجية ناجحة يرتكب مغالطة حقيقية؛ كون السياسة الخارجية هي أحد وجوه السياسة القومية التي لا يُمكن أن تستمد قوتها إلا من جسد يملك عناصر المناعة، وقيادة صالحة للأخذ بزمام الموقف وتطويعه نحو الأهداف القومية”[102].
وبمعنى أخر، فإن التحديات الداخلية لسوريا ذات الطبيعة المعقدة والمركبة، إذ لم تتم معالجتها بشكلٍ صحيح، فإنها ستجعل كل خطوة صحيحة في المجال الخارجي، وكل نجاح تكتسبه سوريا منه، هباءً منثورًا، وآية ذلك إذ ما دققنا النظر في مسائل عدة منها على سبيل المثال، أن مسألة رفع العقوبات الدولية وخاصةً قانون قيصر، كانت مرهونة بدرجةٍ كبيرة بمدى نجاح الإدارة في التعامل مع الداخل، وهي بذلك تُمثل أداة ضغط على سوريا، بدلا من أن تكون خطوةً حقيقية نحو مسار نهضة سوريا. كما أن مسألة الشرعية والتي نجح الشرع في تحقيقها على المستوى الدولي، تبقى منقوصة إذا لم تدعمها الشرعية الداخلية، وفي تلك الحالة فإن الشرع يستنسخ سياسات النظام السابق.
وفي ظل فشل الإدارة السورية في سياسة الملفات الداخلية بدءً من عدم التمكن من تمثيل كافة طوائف المجتمع في مسار المرحلة الانتقالية، ومرورًا بتباطؤ في مسار العدالة الانتقالية، وانتهاءً بعدم الاستقرار الأمني المزمن وأحداث العنف الطائفي، تقف سوريا عند مفترق الطرق بين الحفاظ على المكتسبات التي حققتها نتيجة جهودها في المجال الخارجي، وبين تحدياتها الداخلية، وعليه نطرح سيناريوهين في هذا الصدد:
1- استنساخ تجربة نظام الأسد والفشل الكامل
فمع استمرار الجمود في السياق الداخلي لسوريا واستمرار هشاشته، وهو ما يتبين من خلال عجز الشرع وحكومته في التعامل مع التحديات الداخلية آنفة البيان، والتركيز المفرط على السياسة الخارجية كما أوضحنا، يمكن القول إن الإدارة الحالية تستنسخ بطريقةٍ أو بأخرى، السياسات الخارجية لنظام الأسد؛ فالنظام السابق طرح نفسه بوصفه حاميًا للأقليات ونظامًا علمانيًا واتسم بالبراجماتية كذلك، حيث تمكن من اللعب على التناقضات بين الدول والمناورة وتجنب الضغوط الخارجية، ومكنته تلك السياسات من الحفاظ على استقرار داخلي لكنه هش، انفجر في وجهه في نهاية المطاف بقيام الثورة السورية.
2- انعكاس النجاحات الخارجية على الداخل السوري على المدى الطويل
يُطرح السيناريو الثاني، بناءً على الرأي القائل بأن ما حققته سوريا من نجاحاتٍ على المستوى الخارجي، سيكون له انعكاس وصدى إيجابي في الداخل السوري، خاصةً في ملف إعادة الإعمار وتعافي الاقتصاد برفع العقوبات الدولية، وأنه من المبكر جدًا الحكم على فشل تلك السياسات؛ كون الأثر لا يظهر بين ليلةٍ وضحاها، لا سيما في بلدٍ خرج من صراعٍ مدمر دام 13 عامًا، وعليه فإنه يجب التريث في استقراء انعكاسات المكتسبات الخارجية على الداخل السوري.
⁕ باحث في العلوم السياسية.
[1] إبراهيم حميدي، أحمد الشرع: استراتيجية سوريا تصفير المشاكل… ولا يمكننا نسخ “الاتفاقات الإبراهيمية”، المجلة، 25 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع: 26 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/48zNalv
[2] ساشا العلو وفاضل خانجي، تحديّات السياسة السورية الجديدة: أسئلة البوصلة والخيارات الاستراتيجية، عمران للدراسات الاستراتيجية، 10 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 26 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/48k5u0T
[3] محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية، 1998)، ص ص 23-24.
[4] شهرزاد أدمام، الفواعل العنيفة من غير الدول: دراسة في الأطر المفاهيمية والنظرية، سياسات عربية، المجلد الثاني، العدد الثامن، أبريل 2014، ص ص 76-77.
[5] نجوان سليمان، الجهاديون الجدد ونموذج طالبان، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط، 20 ديسمبر 2021، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/ykh6zt5m
[6] كيف اختلف تنظيم “الدولة الإسلامية” عن تنظيم القاعدة؟، بي بي سي عربي، 10 يونيو 2015، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/ysdzad2s
[7] عباس شريفة، “هيئة تحرير الشام” … النشأة والتحولات الفكرية والعقيدة السياسية، المجلة، 8 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4ituW8T
[8] صافيناز محمد أحمد، دلالات فك الارتباط بين جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 10 أغسطس 2016، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3fpwuxab
[9] عباس شريفة، “هيئة تحرير الشام” … النشأة والتحولات الفكرية والعقيدة السياسية، مرجع سبق ذكره.
[10] نجوان سليمان، الجهاديون الجدد ونموذج طالبان، مرجع سبق ذكره.
[11] اعتقالات رموز القاعدة في إدلب… تكتيك آني أم خطوة استراتيجية؟، جسور للدراسات، 29 نوفمبر 2017، تاريخ الاطلاع: 29 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4rxHpMW
[12] المرجع السابق.
[13] نجوان سليمان، الجهاديون الجدد ونموذج طالبان، مرجع سبق ذكره.
[14] علي هاشم ومحمد علي شعباني، الخبر من الداخل: حزب الله وإيران في مشهدية سقوط الأسد، أمواج ميديا، 9 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 30 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5df7j5zj
[15] إبراهيم حميدي، أسعد الشيباني لـ”المجلة”: رؤيتنا لسوريا كانت واضحة لدينا قبل إسقاط الأسد… وهكذا فككنا “العقدة الروسية” ، المجلة، 19 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 30 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3XXBG5b
[16] محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، مرجع سبق ذكره، ص ص 377-380.
[17] ماثيو ليفيت، كيف أُدرجت هيئة تحرير الشام على قوائم الإرهاب الأمريكية – ولماذا يجب أن تبقى هناك في الوقت الحالي، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 17 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/422fa4w8
[18] سلطة الأمر الواقع في دمشق على قائمة الإرهاب: ما الذي سيحدث الآن؟، الأمم المتحدة، 12 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3uxcfpzc
[19] يحيى كناكريه، هل يمكن إزالة هيئة تحرير الشام وزعيمها الجولاني من قوائم الإرهاب؟، بي بي سي عربي، 24 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/z6j9uj5z
[20] مجدي القسوس، سوريا تحت قيادة الشرع تفتح صفحة جديدة مع الخليج، فهل تنجح بإعادة بناء الجسور بعد عقود من العزلة؟، بي بي سي عربي، 2 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2u54e566
[21] وزير الخارجية السعودي يشدد على أهمية رفع العقوبات الأحادية والأممية على سوريا في ختام قمة الرياض، بي بي سي عربي، 12 يناير 2025، تاريخ الاطلاع: 3 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/42tbux3f
[22] ريهام محمد، تقارب “سعودي – سوري”: دلالات وأبعاد زيارة الشرع إلى الرياض، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 3 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4pexBWs
[23] حاكم سوريا الجديد يتجول في المنطقة فيما الإيرانيون يتناقشون على رمال متحركة، أمواج ميديا، 4 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yx6mn98w
· الشواهد الدالة على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، رفض الأسد لطلبات إيران بفتح جبهة في الجولان ضد إسرائيل في بداية طوفان الأقصى والبقاء على الحياد بناءً على طلب الإمارات، إغلاق البعثة الدبلوماسية لحركة أنصار الله في دمشق كشرط مسبق لتقارب الأسد مع السعودية، للنظر أكثر الرجوع إلى:
1- جورجيو كافيرو، هل تنجح الإمارات العربية المتحدة في إبقاء الأسد خارج دائرة تقاذف اللهب بين إيران وإسرائيل؟، أمواج ميديا، 10 أكتوبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4bewrhyy
2- نيكول غرايفسكي، لم سمحت إيران بسقوط بشار الأسد، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط، 12 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yb2vca4s
3- علي هاشم ومحمد علي شعباني، الخبر من الداخل: حزب الله وإيران في مشهدية سقوط الأسد، مرجع سبق ذكره.
[24] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مدى مصر، 9 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/48t2Plg
[25] الشرع: أنا لست امتدادًا للحركات الإسلامية والربيع العربي، سكاي نيوز عربية، 28 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع: 3 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4oub5HS
[26] محمد فرحان، في لقاء دام نصف ساعة – ماذا طلب ترامب من الشرع في الرياض؟، دوتشيه فيليه عربي، 14 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 3 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4iAWJEm
[27] هارون ي. زيلين وسونر چاغاپتاي، فصل جديد في العلاقات التركية – السورية، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 24 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/a4xuzuxd
[28] جورجيو كافيرو، لِم تجنح العلاقة بين السعودية وتركيا في سوريا إلى التعاون أكثر منها إلى الصدام؟، أمواج ميديا، 31 يناير 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4utxh67b
[29] صافيناز محمد أحمد، رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا: الأبعاد الاقتصادية والأمنية والسياسية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 18 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5dk8bfnk
[30] ترامب يكشف عن إعلان هام بشأن سوريا اليوم ويشيد بدور أردوغان بإسقاط نظام الأسد، آر تي عربي، 25 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4oxMhi4
[31] لمناقشة رفع العقوبات عن دمشق.. لقاء أمريكي تركي سوري في أنطاليا، العربي 2، 15 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/48zVFvI
[32] الرئاسة السورية تنشر تفاصيل لقاء الشرع والمبعوث الأميركي، سكاي نيوز عربية، 25 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3XzF0U8
[33] وحدة الدراسات السياسية، تحديات الإدارة السورية الجديدة بين المتطلبات الداخلية والضغوط الخارجية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 16 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3jt798tb
[34] نشاط سوري مكثف في ملف العلاقات الخارجية وسط سياسة تغازل الجميع، سي إن بي سي عربي، 8 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/44PIWns
[35] فراس فحام، سوريا الجديدة: تموضعها الإقليمي وعلاقاتها الخارجية، مركز الجزيرة للدراسات، 4 مارس 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4xmcb8vd
[36] Kelly Kassis, Russia’s Enduring Grip on Syria, Royal United Services Institute, 11 November 2025, Accessed: 5 December 2025, Available at: https://tinyurl.com/3s5pdr6d
[37] هل تسعى روسيا إلى كسب تأييد إيران في مرحلة سوريا ما بعد الأسد؟، أمواج ميديا، 30 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5528srb4
[38] إيران تعرب عن رغبتها في الحفاظ على العلاقات مع سوريا بعد سقوط الأسد، أمواج ميديا، 9 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4nsem84c
[39] أحمد الشرع يتحدث عن علاقة سوريا بإسرائيل وروسيا وإيران، قناة بي بي سي عربي على اليوتيوب، 13 سبتمبر 2025، تاريخ المشاهدة: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/msux9vvu
[40] عبدي: اتفاق «مبدئي» على دمج قوات «قسد» ضمن وزارة الدفاع السورية، الشرق الأوسط، 13 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/n7DES
[41] Ibrahim Al-Assil, The Damascus – Sdf Agreement: A Turning Point for Syria?, Middle East Institute, 19 march 2025, Accessed: 10 December 2025, available at: https://tinyurl.com/yustpscx
[42] اشتباكات بالأسلحة الثقيلة في أحياء حلب وسط تبادل للاتهامات بين “قسد” والجيش السوري، سي إن إن عربي، 22 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 3 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4rh2te3b
[43] أحمد فهمي، هل تتجه أنقرة ودمشق نحو شراكة أمنية ضد قسد؟، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية،28 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/EMi8C
[44] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مرجع سبق ذكره.
[45] Burcu Ozcelik &Serhat Erkmen, Can Turkey Stabilise Syria?, Royal United Services Institute, 13 January 2025, Accessed: 10 December 2025, Available at: https://tinyurl.com/4phw4adt
[46] وحدات من الجيش السوري تبدأ التدريب في ثكنات عسكرية بتركيا، الجزيرة.نت، 30 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/IDr1U
[47] صبحي فرنجية، الشرع في واشنطن… ماذا يعني الانضمام إلى التحالف ضد “داعش”؟، المجلة، 7 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/2O81
[48] مصادر لرويترز: الاستغناء عن دبلوماسيين أميركيين بارزين معنيين بالملف السوري، العربية، 18 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/4CmQ9
[49] إيلي يوسف، خلاف أميركي – إسرائيلي يتعمّق حول “سوريا الجديدة”، الشرق الأوسط، 10 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/twg7e
[50] Abdullah Al- Jabassini, Security Transformations In Southern Syria: Authority, Armed Networks, And Foreign Intervention, Arab Reform Initiative, 4 December 2025, Accessed: 12 December 2025, Available at: https://tinyurl.com/yc7h8pbp
[51] باسل المحمد، كيف دمر “سهم باشان” 80% من قدرات سوريا العسكرية، الجزيرة.نت، 6 مارس 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/wRfYM
[52] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مرجع سبق ذكره.
[53] نادية مصطفى، ما بعد عام كامل من الطوفان والعدوان والمقاومة: جديد الدوائر المفرغة بين الحرب والسياسة، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 7 أكتوبر 2024، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3CT6SLH
[54] تيمور أزهري وسليمان الخالدي، حصري مصادر: الإمارات تتوسط في محادثات سرية بين إسرائيل وسوريا، رويترز، 8 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2s42mnmh
[55] استضافة أذربيجان قادة سوريا الجدد تثير حالة من القلق في إيران، أمواج ميديا، مرجع سبق ذكره.
[56] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مرجع سبق ذكره.
[57] حسين عبد العزيز، بعد السقوط.. المقاربة الإسرائيلية في سورية والرد عليها، العربي الجديد، 9 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/VLuTA
[58] صلاح شرارة، بوساطة أمريكية – محادثات سورية – إسرائيلية بباريس لبحث التهدئة، دوتشيه فيليه عربي، 20 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/7q0NS
[59] ترامب “يعمل على تحسين العلاقات مع سوريا بالتعاون مع إسرائيل”، ودمشق تنضم للتحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بي بي سي عربي، 9 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/37t72mjr
[60] حسين عبد العزيز، بعد السقوط.. المقاربة الإسرائيلية في سورية والرد عليها، مرجع سبق ذكره.
[61] المرجع السابق.
[62] ترامب يحذر إسرائيل من “عرقلة تطور سوريا” ويشيد بأحمد الشرع … ماذا قال؟، سي إن إن عربي، 1 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/bdnjs3ny
[63] شيماء عبد الحميد، زيارة الرئيس السوري إلى روسيا: قراء في الدلالات والأهداف، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 17 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/L9Nhy
[64] Qutaiba Idlbi & others, Reimagining Syria: A roadmap for peace and prosperity beyond Assad, (Washington DC: Atlantic Council,2025), p13.
[65] The Syrian conflict: physical Damage and reconstruction Assessment (2011-2024), World Bank, 31 august 2025, Accessed: 7 December 2025, available at: https://tinyurl.com/jr9wyfb9
[66] مارك بييريني، الأوروبيون يعودون إلى سورية، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط، 4 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yjrmxved
[67] المرجع السابق.
[68] الاتحاد الأوروبي يعلن رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، بي بي سي عربي، 20 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4tmsaaa9
· نظام سويفت هو نظام مراسلة فوري يسمح بانتقال سلسل وسريع للمال عبر الحدود، وأنشئ ذلك النظام عام 1973 ويربط 11 ألف بنك ومؤسسة في أكثر من دولة حول العالم.
[69] سوريا تعود إلى نظام سويفت رسميًا، الجزيرة. نت، 20 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/61mGM
[70] Syria’s Sharaa meets UAE counterpart in second visit to a Gulf country as leader, Reuters, 13 April 2025, Accessed: 8 December 2025, available at: https://tinyurl.com/yck2tkvv
[71] ليوناردو مازوكو، تحليل معمق: الإمارات العربية المتحدة تستعد لدخول سوريا الجديدة من أوسع أبوابها، أمواج ميديا، 14 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/mry58dth
[72] وزير الداخلية السوري للعربية: زيارة الشرع ستبحث الوضع الاقتصادي وإعادة الإعمار، العربية.نت، 2 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/WeEr6
[73] الشرع يبدأ زيارة للسعودية هي الأولى للخارج منذ تسلمه الرئاسة، دوتشيه فيليه عربي، 2 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/62hd3
[74] أحمد مسعود، المنتدى السعودي السوري 2025.. انطلاقة استثمارية نحو إعادة الإعمار، سي إن إن الاقتصادية، 23 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/Lr9NR
[75] الشيباني: ناقشنا مع قطر إعادة الإعمار في سوريا، العربية.نت، 30 يناير 2025، تاريخ الاطلاع: 9 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/RuTBH
[76] السعودية وقطر تعلنان تسديد ديون سوريا لدى البنك الدولي، سكاي نيوز عربية، 27 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 9 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/AsE6q
[77] شيماء عبد الحميد، تمهيدًا لمرحلة جديدة من مسار العلاقات بين البلدين: قراءة في زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 11 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/PRwfB
[78] هبة محمد، الشرع زار أنقرة وأجرى مباحثات مع أردوغان: دعم تركي لمكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار، القدس العربي، 4 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 9 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/h7tCS
[79] أماني السروجي، مشروع ربط تركيا بسوريا عبر السكك الحديدية: قراء في الدوافع والتحديات، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 24 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 9 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/JozmE
[80] شيماء عبد الحميد، حراك مكثف وتحديات عدة: هل تغير اتفاقات الغاز السوري ترتيبات الأوضاع في شرق المتوسط؟، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 15 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4pVuNgU
[81] قطر والأردن يعلنان دعم الإدارة الجديدة في سوريا بقيادة أحمد الشرع، بي بي سي عربي، 22 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 7 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yhzbk8jx
[82] شيماء عبد الحميد، حراك مكثف وتحديات عدة: هل تغير اتفاقات الغاز السوري ترتيبات الأوضاع في شرق المتوسط؟، مرجع سبق ذكره.
[83] باكو خلادزي، كيف يمكن أن يعيد سقوط الأسد رسم خارطة العلاقات بين الدول الوازنة في جنوب القوقاز؟، أمواج ميديا، 27 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 7 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/bddvtwjh
[84] استضافة أذربيجان قادة سوريا الجدد تثير حالة من القلق في إيران، أمواج ميديا،16 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع: 7 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5n93khhr
[85] شيماء عبد الحميد، حراك مكثف وتحديات عدة: هل تغير اتفاقات الغاز السوري ترتيبات الأوضاع في شرق المتوسط؟، مرجع سبق ذكره.
[86] حسام العسال، الشرع حاضر في الجمعية العامة بعد تلقيه استثناء، فماذا نعرف عن عقوبات الأمم المتحدة على سوريا؟، بي بي سي عربي، 5 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4b3vzd9a
[87] مجلس الأمن يقرر شطب اسم أحمد الشرع من قائمة العقوبات، الأمم المتحدة، 6 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/v63ubr8s
[88] محمد شيخ يوسف وحسان رستم، بريطانيا ترفع العقوبات عن الشرع وخطاب بعد قرار مماثل لمجلس الأمن، العربي الجديد، 7 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/WIn7K
[89] على خطى أمريكا وبريطانيا.. كندا ترفع سوريا من قائمة “الدول الداعمة للإرهاب”، سي إن إن عربية، 6 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/63n5ujfm
[90] فلاح الياس، سوريا ـ ترحيب رسمي وشعبي بإلغاء النواب الأمريكي “قانون قيصر”، دوتشيه فيليه عربي، 11 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/CwHS4
[91] نادر الأتاسي، صفقات بدون تفاصيل: الاقتصاد السياسي الغامش للمشاريع الضخمة الجديدة في سوريا، مبادرة الإصلاح العربي، 17 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/0Q6yW
[92] يزيد صايغ، سورية تحتاج إلى خطة لإعادة الإعمار، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط، 31 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/fdexp2hj
[93] صافيناز محمد أحمد، عام على سقوط الأسد: إلى أين تتجه سوريا في 2026؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجة، 7 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2vtm2tt2
[94] Kelly Kassis, “I would say that while the new regime has tried to include younger technocrats and diplomats who have lived outside of Syria in order to present a new face to the international community, decision making is still concentrated in the hands of a few loyalists and sharaa’s brothers. Institutions aren’t being genuinely reformed and there is a shadow government operating behind the scenes. So the structure unfortunately bears striking resemblance to the Assad regime because the primary purpose is to monopolise and consolidate power, ”Expert says”, interview by Zain Al-Abidin Muhammad, 3 January 2026, linkedin.
[95] إسرائيل: نحن أبعد ما يكون عن اتفاق أمني مع سوريا، سكاي نيوز عربية، 11 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/gNtRS
[96] وزير إسرائيلي: الحرب على سوريا باتت حتمية، آر تي عربي، 9 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/Jxo1q
[97] صافيناز محمد أحمد، عام على سقوط الأسد: إلى أين تتجه سوريا في 2026؟، مرجع سبق ذكره.
[98] باسل المحمد، ما خيارات الحكومة السورية تجاه قسد في حال انتهاء مهلة اتفاق 10 آذار بلا تنفيذ؟، سوريا تي في، 6 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/7XP5Q
[99] سوريا: إلقاء القبض على قياديين بارزين في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، فرانس 24، 22 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 4 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/PZAKK
[100] محادثات سورية إسرائيلية جديدة لبحث “الاتفاق الأمني”، سكاي نيوز عربية، 4 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 4 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/JD1Wi
[101] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مرجع سبق ذكره.
[102] حامد ربيع، نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، الطبعة الأولى، 2022)، ص 2.
السياسة الخارجية لسوريا ما بعد الأسد: قراءة في الأهداف والأداء
زين العابدين محمد⁕
مقدمة:
تداولت صحيفة “واشنطن بوست” صورًا للرئيس السوري أحمد الشرع، وهو يُحرك قطع الشطرنج بهدوءٍ وثقة، أثناء إقامته بفندق “سانت ريجيس” بالعاصمة الأمريكية واشنطن، خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة في 9 نوفمبر 2025. ترمز صور الشرع إلى وضع السياسة الخارجية السورية الجديدة؛ حيث تُصاغ السياسة الخارجية لسوريا ما بعد الأسد في بيئةٍ إقليمية شديدة التوتر والاضطراب نتيجة تبعات عملية طوفان الأقصى، تخطو فيها خطوات حذرة على رقعة الشطرنج الإقليمية والدولية، متبنيةً مقاربة براجماتية قائمة على “تصفير المشكلات” حسب تعبير الرئيس السوري أحمد الشرع[1]. تهدف دمشق من خلال تلك السياسة إلى إعادة تعريف دورها الجيوسياسي وموضعها ضمن نظامٍ إقليميٍ جديد، يشهد تراجع النفوذ الإيراني أو محور المقاومة، مقابل محاولات إقليمية ودولية لملء الفراغ وفرض واقع جديد في المنطقة[2].
بالرغم من أهمية التحديات التي تُواجهها سوريا في المجال الخارجي، فإن ذلك لا يعني أن صياغة السياسة الخارجية تتم بمعزلٍ عن قضايا الداخل؛ فسوريا ورثت تركةً ثقيلة نتيجة حكم آل الأسد للبلاد، خاصةً عقب ثلاثة عشر عامًا من حربٍ أهلية مدمرة، حولت سوريا إلى دولةٍ معزولة عالميًا، ومنهكة اقتصاديًا نتيجة العقوبات المفروضة عليها، ومفككة بين قوى دولية وإقليمية تتقاسم مناطق النفوذ فيما بينها. ومن هذا المنطلق يمكن القول إجمالًا، أن هناك أربعة أهداف وقضايا مركزية للسياسة الخارجية السورية الجديدة تتشابك مع بعضها البعض، تسعى الإدارة الجديدة في دمشق للتعامل معها، وتتمثل تلك الأهداف في الآتي: اكتساب الشرعية الدولية، ملف قوات قسد والاحتلال الإسرائيلي للجولان والجنوب السوري، ورفع العقوبات الدولية وإعادة الإعمار، وملف الطاقة.
تُشير إحدى التعريفات للسياسة الخارجية بأنها عملية تكيفية قوامها تحديد أهداف معينة للدولة؛ لإحداث تغيرات في البيئة الخارجية من شأنها أن تعود على الدولة بمنافع معينة، أي بمعنى آخر أن الدولة تتصرف في إطار بيئة دولية شديدة التعقيد والتغير، تواجه فيها مجموعة من التحديات والفرص، ومن ثم تكون السياسة الخارجية أداة الدول، لتغيير مظاهر غير مرغوبة، والمحافظة على المظاهر المرغوبة التي تعود عليها بالنفع[3].
في ضوء ذلك، يروم هذا التقرير لقراءة كيفية تعاطي الإدارة السورية الجديدة في المجالين الدولي والإقليمي مع الأهداف المركزية آنفة البيان، والتوقف على النجاحات والإخفاقات في هذا الصدد، وعليه ينقسم التقرير إلى ثلاثة محاور رئيسية: يتطرق الأول إلى الأهداف السياسية والأمنية، بينما يتناول المحور الثاني الأهداف ذات الطابع الاقتصادي. أما المحور الثالث، فتم تخصيصه لتقييم أداء سوريا في سياساتها الخارجية ومدى نجاحها في تحقيق تلك الأهداف من عدمه.
المحور الأول- الأهداف السياسية والأمنية للسياسة الخارجية السورية الجديدة… من الجهادية إلى طاولة المفاوضات: جذور البراجماتية
بدايةً، لا يمكن فهم السياسة الخارجية السورية الحالية والبراجماتية التي تميزت بها، دون الرجوع إلى تاريخ تحول “هيئة تحرير الشام” ذاتها -التي تمثل نواة الإدارة الجديدة في دمشق- من فرعٍ لتنظيم القاعدة في سوريا إلى تنظيم محلي أعلن فك ارتباطه بالقاعدة في يوليو 2016، ويُفسر ذلك في إطار نظرية “النُظم المفتوحة”، التي تهتم بكيفية تفاعل الفاعلين من غير الدول مع البيئة المحيطة بهم، وقدرتهم على التكيف معها من أجل البقاء[4].
تمدنا قراءة ذلك التحول بعدسةٍ مُفسرة، لكيفية بناء هيئة تحرير الشام خبرة التعامل بالمجال الدولي، واكتسابها القدرة على التعامل ببراجماتية مع جميع الأطراف وبناء علاقات تعاون حتى مع أعدائها، وهو ما يُساعدنا بالتالي على بناء تصور لدور سوريا ما بعد الأسد في المجال الخارجي.
بدأت جبهة النصرة في التشكل كفرعٍ تابع لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق، التابع بدوره لتنظيم القاعدة آنذاك مع نهاية 2011، غير أنه في منتصف 2013، بدأت أولى ملامح التحول حينما أعلنت جبهة النصرة الانفصال عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، ومبايعتها لأيمن الظواهري أمير تنظيم القاعدة[5]، ويرجع ذلك لخلاف نشب بين أيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي أمير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق آنذاك، حيال إعلان البغدادي من جانب واحد اندماج دولة العراق الإسلامية وجبهة النصرة دون إعلام الظواهري، ورفض البغدادي الامتثال له، ما أدى في نهاية المطاف إلى اندلاع القتال بين التنظيمين مطلع عام 2014 وأنهى الظواهري رسميًا علاقات القاعدة بالدولة الإسلامية[6].
جاء التحول الجذري في عامي 2016 – 2017، حينما أعلن أبو محمد الجولاني “أحمد الشرع” عن تأسيس “هيئة تحرير الشام”، وهو تشكيل ضم عددًا من الفصائل مثل جيش الأحرار وحركة الفجر وغيرهما، وأعلنت هيئة التحرير في بيان تأسيسها إنهاء ارتباطها بتنظيم القاعدة، وإضفاء الطابع القطري والمحلي على التنظيم، فضلًا عن إنهاء تبعيتها الفكرية للسلفية الجهادية[7]، وكان ذلك القرار مدفوعًا بعوامل عدة منها على سبيل المثال وجود تنسيق أمني بين روسيا والولايات المتحدة في سوريا، لمحاربة التنظيمات الإرهابية خاصةً “داعش” و”جبهة النصرة”، كما سعت هيئة التحرير لفرض الهيمنة على فصائل المعارضة المسلحة في مناطق شمال سوريا المفككة بالأساس، وكسب الحاضنة الشعبية السورية، بترسيخ صورة ذهنية بأن هيئة تحرير الشام فصيل من أبناء الشعب[8].
لم يكن ذلك التحول حبرًا على ورق، بل ترجمته هيئة تحرير الشام على أرض الواقع، حيث شكلت بتاريخ 2 نوفمبر 2017 حكومة الإنقاذ في شمال غربي سوريا، واستعانت بشخصيات تكنوقراط مستقلة من خارج هيئة تحرير الشام[9]، ودخلت في اتصالات ومفاوضات مع تركيا، وقبلت نقاط المراقبة المتفق عليها وفق محادثات الأستانة بين تركيا وروسيا وإيران حول سوريا وحمايتها، كما حاربت هيئة تحرير الشام جيوب تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة إدلب[10]، واعتقلت عددًا من رموز القاعدة في سوريا كأبو جليبيب الأردني والعريدي[11].
سعت هيئة تحرير الشام عبر تلك التحركات إلى الاعتراف بها من قِبل الغرب، وإزالتها من قوائم الإرهاب، والتأكيد على أنها باتت حسنة السلوك السياسي وخارج نظرية الجهاد المعولم التي تتبناها القاعدة، وأنها تسعى لصياغة نظريتها الخاصة بها فكريًا وممارساتيًا[12]، لدرجة تشبيه عبد الرحيم عطون -الشرعي العام للتنظيم آنذاك- هيئة تحرير الشام بحركة طالبان باعتبار الأولى حركة مماثلة في سوريا تعمل على إنهاء التنظيمات الجهادية المتشددة[13].
الجدير بالملاحظة أن ذلك النهج البراجماتي، استمرت هيئة تحرير الشام بالعمل به حتى في خضم معركة “ردع العدوان” (التي تمر ذكراها الأولى وقت كتابة تلك السطور) مع أعدائها؛ حيث أفادت تقارير إلى وجود اتصالات بين فيلق القدس وهيئة تحرير الشام أثناء انهيار الجيش السوري وتخلي إيران عن الأسد، وتمكنت إيران من الحصول على وعود بعدم التعرض للمقامات الشيعية والسفارة الإيرانية، وحتى في ظل تعرض السفارة الإيرانية للنهب في 8 ديسمبر 2024، نفت هيئة الإذاعة الحكومية في طهران أن يكون المهاجمين تابعين لهيئة تحرير الشام، ما يُشير إلى الوفاء بوعدها[14].
بجانب إيران، تواصلت هيئة تحرير الشام مع روسيا كذلك في أعقاب معركة حلب في ديسمبر 2024، وهو ما أظهرته تصريحات لأسعد الشيباني وزير الخارجية السوري الحالي في مقابلة لإحدى الصحف، حيث صرح بأنه تواصل مباشرةً مع “جهة عليا” روسية خلال لقاء بوفد روسي بمعبر باب الهوى، وأرسل رسالة للروس مفادها أن “إسقاط نظام بشار لا يعني خروج روسيا من سوريا”، وأن المصالح الحقيقية للروس في سوريا يمكن تحقيقها مع الحكومة الجديدة[15].
تُبرز المواقف سالفة الذكر، الدور الذي يمكن أن تضطلع به سوريا إقليميًا ودوليًا في ظل الإدارة الجديدة؛ فكما تشير أدبيات السياسة الخارجية إلى أن القائد السياسي المتمرس بالعمل السياسي في مجال السياسة الخارجية قبل وصوله للسلطة، يزداد احتمال تأثيره في صياغة السياسة الخارجية لدولته؛ كونه يعرف كيف تُدار السياسة الخارجية، وانعكاساتها على مصالح الدولة، وهو ما يظهر في حالة الشرع وحكومته. فضلًا عن ذلك، فإن وصول أحمد الشرع إلى سدة الحكم في سوريا كانت بطريقة “درامية”؛ أي جاءتبواسطة تحرك عسكري ضد النظام السابق، وتلك الطريقة وفق أدبيات السياسة الخارجية، تمنح القائد السياسي سلطةً في إدارة الشؤون الخارجية للدولة[16]، وهو ما نلمسه من خلال التحركات الدبلوماسية البراجماتية للإدارة الجديدة في أعقاب سقوط الأسد.
وفيما يلي نتناول الهدفين الأبرز سياسيًا وأمنيًا على أجندة السياسة الخارجية السورية الجديدة، وهما: اكتساب الشرعية الدولية، وحلحلة ملفي “قسد” والاحتلال الإسرائيلي للجولان.
أولا- اكتساب الشرعية والاعتراف الدوليين:
شكلت مسألة اكتساب الشرعية والاعتراف الدوليين هاجس اللحظة عند الإدارة الجديدة بدمشق منذ سقوط نظام الأسد؛ فالإدارة الجديدة أو هيئة تحرير الشام تم إدراجها رسميًا في قوائم الإرهاب الأمريكية منذ ديسمبر 2012، وفي العام الذي يليه صنفت وزارة الخارجية الأمريكية أبو محمد الجولاني أو أحمد الشرع كإرهابي عالمي، وعرضت الوزارة مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل الإدلاء بمعلوماتٍ عنه[17]، كما أُدرجت هيئة تحرير الشام كذلك على قائمة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن في مايو 2014، عندما توصلت لجنة مجلس الأمن إلى وجود ارتباط بين الهيئة وتنظيم القاعدة[18].
ترتب على إدراج الهيئة بقوائم الإرهاب عزلها دبلوماسيًا، ومنعها من الحصول على الدعم المالي أو المساعدات من الدول والمنظمات الدولية، ومنع اعتراف العديد من الدول بها كطرفٍ سياسي شرعي، وهو ما حد من قدرتها على التفاعل مع المجتمع الدولي أو المشاركة في المفاوضات الدبلوماسية[19]. بناءً عليه، واستكمالًا لسعيها لكسب الاعتراف الدولي منذ تشكيلها حكومة الإنقاذ كما سبق القول، طرق أحمد الشرع أبواب الخليج وتحديدًا المملكة العربية السعودية، كأول زيارةٍ خارجية له بعد توليه السلطة في أعقاب سقوط حكم الأسد[20].
جاءت تلك الزيارة، تزامنًا مع دعمٍ سعودي للإدارة الجديدة عقب سقوط نظام الأسد، تمثل في زيارة وفد سعودي لدمشق في 22 ديسمبر 2024، وإقامة جسر جوي محمل بالمساعدات الغذائية والطبية لدمشق، فضلا عن عقد السعودية لقمة الرياض في 12 يناير 2025، والتي دعا فيها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى رفع العقوبات الدولية المفروضة على سوريا[21].
حملت زيارة الشرع للرياض دلالات مرتبطة بطموح سوريا لاستعادة موقعها في النظام الإقليمي العربي، وتعزيز مكانة الشرع كرئيسٍ شرعي لسوريا أمام العالم العربي[22]، وتوجيه رسالة واضحة إلى إيران بأن دمشق خرجت من عباءة النفوذ الإيراني بعدما كانت من أبرز حلفائها الإقليميين[23]، وهي للمفارقة قد تُعد امتدادًا للسياسة الخارجية لنظام الأسد في السنوات الأخيرة، الرامية للتقارب مع الخليج على حساب إيران؛ لضمان البقاء في السلطة·.
بجانب ما سبق، تُدرك السلطة في دمشق أن السعودية هي “عراب المصالحة لواشنطن”[24]؛ حيث لعبت السعودية دورًا هامًا في إقناع إدارة ترامب بالنظر إلى الشرع كشريكٍ شرعي وموثوق فيه؛ لا سيما وأن الإدارة الجديدة في دمشق قد اتخذت نهجًا أكثر عقلانيةً ومرونةً تجاه المخاوف السائدة في أروقة الحكم في الخليج تجاه الجماعات الإسلامية، وهو ما اتضح من خلال تصريح الشرع بأنه “ليس امتدادًا للأحزاب الإسلامية سواء التنظيمات الجهادية أو الإخوان المسلمين، وليس امتدادًا للربيع العربي”[25].
برز الدور السعودي في دعم أحمد الشرع، برعايته للقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والشرع في 14 مايو 2025 بالرياض، والذي يُعد أول لقاء بين رئيسٍ أمريكي ورئيسٍ سوري منذ 25 عامًا، ووعد فيه ترامب برفع العقوبات المفروضة على سوريا، التي وصفها بأنها “عقوبات قاسية وسببت الشلل”، لكنه في ذات الوقت رهن ذلك الوعد بمطالب أبرزها الانضمام لاتفاقات التطبيع مع إسرائيل، وترحيل “الإرهابيين الفلسطينيين” في إشارة إلى المقاومة الفلسطينية المقيمة في سوريا[26].
لم يكن الخليج وخاصةً السعودية القِبلة الوحيدة التي توجهت لها دمشق طلبًا للشرعية، فتركيا التي جمعتها علاقات وثيقة مع “هيئة تحرير الشام” منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم في مارس 2020، وزودتها بالأسلحة والتدريب والمعلومات الاستخبارية التي مهدت للهجوم الذي أطاح بنظام الأسد[27]، تركيا كانت هي الوجهة الثانية للشرع بعد السعودية مباشرةً، بل وكانت بجانب السعودية من أكثر الدول التي تردد عليها الشرع.
يرجع ذلك إلى إدراك دمشق لدور تركيا البارز في دعم شرعية الإدارة الجديدة؛ حيث عملت على التقارب مع القوى الإقليمية خاصةً الإمارات والسعودية، بإقناعهم حول جدوى الاستثمار في مستقبل سوريا، انطلاقًا من المصالح المشتركة بينهم لا سيما في ملف رفع العقوبات عن سوريا ما بعد الأسد، حيث تدرك أنقرة أن اللوبي السعودي ونفوذه في أروقة الحكم في واشنطن، قادر على إقناع ترامب برفع العقوبات وإنهاء تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمةٍ إرهابية[28].
تجلى ذلك التقارب في اشتراك تركيا في اللقاء الذي جمع بين ترامب وبن سلمان والشرع في الرياض، ويمكن القول إن قرار ترامب برفع العقوبات في مايو 2025، كان نتيجة ذلك التقارب، والإلحاح عليه بضرورة رفع العقوبات لإنهاء عزلة سوريا، وإعادة دمجها في المنظمات الدولية والمجتمع الدولي[29]، وهو ما كشفت عنه بالفعل تصريحات ترامب فيما بعد حول ذلك الدور المشترك في رفع العقوبات المفروضة على سوريا[30].
أيضًا عقدت تركيا اجتماعًا ثلاثيًا في 15 مايو 2025 بمدينة أنطاليا، ضم وزراء الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني والأمريكي ماركو روبيو، وكان يهدف هذا الاجتماع إلى تحسين العلاقات بين دمشق وواشنطن، وسبل بناء علاقة استراتيجية، ومناقشة تفاصيل رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا[31]. هذا فضلًا عن ترتيب تركيا لاجتماعٍ بين الشرع، والمبعوث الأمريكي الخاص لسوريا توم باراك، في 24 مايو 2025، خلال زيارة الشرع الثالثة لتركيا، والتي جاءت وفق بيان الرئاسة السورية “في إطار جهود الحكومة السورية الجديدة لإعادة بناء العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة”[32]، وهو ما يدل على الدور التركي الواضح في تعزيز شرعية الحكومة الجديدة دوليًا، وتقريب وجهات النظر بينها وبين إدارة ترامب.
بجانب القوى الإقليمية في المنطقة، حرصت سوريا كذلك على كسب دعم روسيا، وتجنب القطيعة كليًا معها؛ فروسيا أحد أعضاء مجلس الأمن الدائمين، وتحتاج سوريا لدعمها في مسألة رفع تنصيف أحمد الشرع وهيئة تحرير الشام من قوائم الإرهاب[33]؛ وفي هذا الإطار صرح مرهف أبو قصرة وزير الدفاع السوري، أنه: “في السياسة، لا يوجد أعداء دائمون”، وأن موقف روسيا تجاه الحكومة السورية الجديدة “تحسن بشكلٍ كبير” منذ سقوط الأسد[34]، وعليه استقبلت دمشق وفدًا روسيًا برئاسة نائب وزير الخارجية، ميخائيل بوغدانوف في أواخر يناير 2025، وبحثا معًا مسألة إعادة ترتيب العلاقات، وأفادت المعلومات المسربة خلال ذلك اللقاء بوجود اتفاق بين الطرفين تحتفظ موسكو بموجبه بوجودٍ عسكري منخفضٍ في سوريا[35].
أكدت زيارة الشرع لموسكو في 15 أكتوبر 2025 على مبدأ “تصفر الأعداء الخارجيين”، تلك الزيارة التي أبدى خلالها الشرع اهتمامه بإعادة نشر الشرطة العسكرية الروسية في جنوب سوريا؛ لإدارة التوترات مع إسرائيل، في تكرارٍ لدور موسكو تحت حكم الأسد، حيث كانت القوات الروسية في الجنوب بمثابة حاجز بين إيران وإسرائيل[36]، وهو ما يُشير إلى صحة التسريبات المشار إليها آنفًا.
اللافت في زيارة الشرع لموسكو، أنها لم تقف عند حد العلاقة بين البلدين، بل شملت كذلك وبشكلٍ غير مباشر إيران العدو التقليدي للإدارة الجديدة بدمشق؛ فعقب زيارة الشرع لموسكو، زار المبعوث الخاص للرئيس الروسي بوتين للشؤون السورية ألكسندر لافرينتييف طهران في 20 أكتوبر 2025، وتكهنت الصحف المؤيدة للتيار الإصلاحي في إيران والمقربة من دوائر السلطة، حول دور لافرينتييف في إيصال رسائل الشرع لإيران، بشأن رغبته في إعادة فتح قنوات الاتصال بين البلدين، وأن تلك الزيارة تُعد جزءً من مساعي إيران “للعودة لسوريا عبر روسيا”[37].
وبالرغم من عدم وضوح ذلك الدور، إلا أن هناك دلائل على رغبة الشرع في إقامة علاقات مع إيران، ويظهر ذلك في تصريحاته؛ فقُبيل سقوط نظام الأسد، صرح لشبكة سي إن إن الأمريكية، “يتعين على إيران أن تُعيد النظر في علاقاتها مع حكومة الأسد، وإقامة علاقات جديدة مع هيئة تحرير الشام”[38]، كما صرح خلال مقابلة له لشبكة بي بي سي، في سبتمبر 2025 “بأنه لا قطيعة دائمة مع إيران، وأن العلاقات بينهما يجب أن تكون قائمة على احترام الوضع السوري الحالي، وعدم التدخل في الشئون الداخلية”[39].
ثانيًا- حلحلة الأوضاع الأمنية… ملف قسد والاحتلال الإسرائيلي للجنوب السوري:
شكلت الإطاحة بنظام بشار الأسد خطوةً ضرورية، لكن ليست كافية، لإرساء الاستقرار والأمن في سوريا، فالبلاد ما زالت مُفككة، والعديد من المناطق في سوريا لا تزال بعيدة عن قبضة دمشق؛ كونها إما خاضعة لسيطرة فصائل مسلحة مدعومة من الخارج وتبرز “قوات سوريا الديمقراطية” كمثالٍ واضح في هذا الصدد، وإما أنها خاضعة لسيطرة قوات أجنبية مباشرة ويبرز احتلال إسرائيل للجولان وتوغله في الجنوب السوري مثالا على ذلك. وفي ظل ضعف القوات المسلحة السورية الجديدة، ووجود تحديات في مجال إصلاح قطاع الأمن، لجأت سوريا إلى القوى الإقليمية والدولية، لحلحلة ملف الأمن والضغط على كلٍ من قسد وإسرائيل.
وقع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في 10 مارس 2025 اتفاقًا مبدئيًا حول آلية دمج قوات قسد ضمن وزارتي الدفاع والداخلية[40]، وبالرغم مما تبدو عليه تلك الخطوة من أهمية، إلا أن الاتفاق يترك العديد من القضايا الجوهرية دون حل، لا سيما فيما يتعلق بآليات تنفيذه والتي يكتنفها الغموض، حيث لم يكن واضحًا كيفية دمج القوات العسكرية لقسد في وزارة الدفاع السورية[41]. كان لعدم الوضوح ذلك، وانعدام الثقة بين الطرفين، حيث تراشقا الاتهامات بينهما بالتباطؤ والتلكؤ في تنفيذ بنود الاتفاق وعرقلته، أثره في تجدد الاشتباكات بين الطرفين بين الفينة والأخرى، كانت آخرها في 22 ديسمبر 2025، حينما اندلعت اشتباكات بحلب بين قوات قسد والجيش السوري[42].
بناءً عليه، حرصت دمشق على التقارب مع أنقرة، التي تنظر بدورها إلى قوات قسد كتهديدٍ لأمنها القومي وتُصنفها على أنها تنظيم إرهابي، كأحد أدواتها لتثبيت سيادتها وإعادة بسط سلطتها على كامل أراضي سوريا[43]، وتجلى ذلك التقارب على المستوى الدبلوماسي، خلال زيارات الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني لتركيا، والتي لم تخل من الحديث عن ملف قوات قسد، وصياغة رؤية مشتركة لإنهاء “التهديد المستمر” الذي تُشكله القوات الكردية على وحدة أراضي سوريا وأمن تركيا القومي، من خلال التنسيق الميداني والأمني المباشر[44].
وعلى المستوى الأمني، أعلنت وزارة الدفاع التركية في 2 يناير 2025 عن وجود محادثات مكثفة مع الجانب السوري لتعزيز التعاون العسكري بين البلدين، وصرح وزير الدفاع التركي باستعداد بلاده لتقديم تدريب عسكري إذا طلبت الحكومة الجديدة في دمشق ذلك[45]، وبالفعل تم توقيع اتفاق بين البلدين في أغسطس 2025 للتدريب والاستشارة العسكرية، بدأت بموجبه وحدات من الجيش السوري التدريب في ثكناتٍ عسكرية تركية، علاوة على تزويد دمشق بمنظومات تسليح وأدوات دعم لوجستي مع تدريب الجيش على استخدامها[46].
بالرغم من أن الشراكة بين سوريا وتركيا أمر محوري في ملف قسد؛ كونهما يتشاركان الرؤية نفسها، إلا أن الارتباط الأمني بين الولايات المتحدة وقسد، الذي يُمثل أحد مرتكزات الاستراتيجية الأمريكية في سوريا، خاصةً في ملف مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، يُعد عائقًا رئيسيًا لتلك الشراكة، وعليه عملت دمشق على سحب بساط شرعية قوات قسد كشريكٍ رئيس في الحرب ضد داعش عند واشنطن، ودفع قسد لتنفيذ بنود اتفاق مارس سالف البيان، من خلال إعلان الشرع أثناء زيارته لواشنطن نوفمبر 2025، الانضمام للتحالف الدولي ضد داعش.
أثار ذلك الإعلان قلق لدى قوات قسد؛ حيث عُقدت عدة لقاءات داخلية لمناقشة التداعيات على الدعم السياسي والعسكري الذي تحظى به، والممكن خسارته لصالح حكومة دمشق[47]، وينبع ذلك القلق من دعم الولايات المتحدة لسوريا، في رؤيتها حول ضرورة دمج قوات قسد تحت لواء الإدارة المركزية في دمشق؛ ففي سبتمبر 2025، أعلنت واشنطن تسريح عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين المعنيين بسوريا من مناصبهم بمنصة سوريا الإقليمية، على أثر نشوب خلاف بينهم وبين المبعوث الأمريكي لسوريا توم باراك بشأن ذلك الملف[48]، كما صرح قائد القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) الأدميرال براد كوبر بأن “دمج قوات سوريا الديمقراطية داخل الجيش السوري سيُعزز الاستقرار الداخلي، ويُحسن قدرات الدولة على ضبط الحدود وملاحقة تنظيم داعش”[49].
يبرز التحدي الثاني في الاحتلال الإسرائيلي للجولان، وتوغل قواته في الجنوب السوري، فمنذ 8 ديسمبر 2024، ظل التدخل الإسرائيلي عاملًا أساسيًا في تشكيل بيئة الأمن في جنوب سوريا، وعلى اختلاف شكل التدخل ونطاقه، فإن الأثر الأشمل ظل ثابتًا والمتمثل في تقويض سلطة الدولة، ومحافظة إسرائيل على موطئ قدم استراتيجي في الجنوب[50].
أطلقت إسرائيل عملية “سهم باشان” في 8 ديسمبر 2024 عقب سقوط نظام الأسد مباشرةً، والتي دمرت نحو 80% من قدرات القوات البرية والبحرية والجوية للجيش السوري، كما تقدمت القوات الإسرائيلية بريًا بالمنطقة العازلة في الجولان السوري المحتل، وسيطرت على مواقع استراتيجية مثل جبل الشيخ[51].
هدفت إسرائيل من وراء ذلك التحرك العسكري، فتح دورة جديدة من المفاوضات الدبلوماسية لتحقيق أهداف استراتيجية متنوعة، والتي تراوحت بين تحديد قواعد جديدة للتعامل مع تركيا -الداعم الرئيسي للحكومة السورية الجديدة- وإعادة صياغة اتفاقية 1974 لإضعاف أي حكومة سورية جديدة والدفع نحو التطبيع بين البلدين[52]، وهو ذات النهج الذي طبقته إسرائيل في كلٍ من غزة ولبنان، حيث اتخذت من العمليات والتهديدات العسكرية ورقة ضغط في المسار التفاوضي؛ لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات، وقبول الإملاءات الإسرائيلية[53].
لجأت سوريا إلى دول الخليج لمواجهة الضغوطات الإسرائيلية؛ وكانت الإمارات هي الأبرز في ذلك الصدد؛ حيث توسطت سرًا بين دمشق وتل أبيب في فتح قنوات اتصال بينهما، وتقريب وجهات النظر[54]، وفي 12 يوليو 2025، خلال زيارة الشرع لأذربيجان، أفادت وسائل إعلام غربية، برعاية باكو لاجتماعٍ بين مسؤولين إسرائيليين وسوريين[55]، تم فيه مناقشة إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مستقبلي بين الطرفين، وطرح اقتراح إعادة العمل باتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، إلى جانب سلسلة من تدابير بناء الثقة، تمهيدًا لاتفاق سلام شامل على مدى خمس سنوات[56]. كان لتلك التحركات التي قامت بها سوريا بالإضافة إلى اللقاء الذي جمع الشرع بترامب في الرياض، والذي خرج منه الرئيس الأمريكي بانطباعٍ جيد عن الشرع، أثره في تراجع عمليات القصف الإسرائيلية على سوريا وكذا تراجع عمليات التوغل البري في الجنوب[57].
اضطلعت الولايات المتحدة، والتي حرص الشرع على التقرب منها وكسب دعمها منذ توليه السلطة، بدور الوسيط في المحادثات بين دمشق وتل أبيب، ففي 19 أغسطس 2025 التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وفدٍ إسرائيلي برئاسة رون ديرمر وزير الشؤون الاستراتيجية برعاية أمريكية، حيث تم تناول اتفاقية فض الاشتباك بين إسرائيل وسوريا الموقعة عام 1974، ويُعد ذلك اللقاء الثاني بعد اجتماعٍ مماثل في يوليو 2025[58]، وخلال لقائه بالشرع في 9 نوفمبر 2025، أعلن دونالد ترامب أن إدارته تعمل بالتعاون مع إسرائيل لتعزيز العلاقات مع سوريا، واستعدادها لنشر قوات في قاعدة جوية في دمشق، للمساعدة في إتاحة تنفيذ اتفاقٍ أمني تتوسط فيه الولايات المتحدة بين سوريا وإسرائيل[59].
تراجعت خلال الفترة التي سبقت زيارة الشرع لواشنطن، الهجمات الإسرائيلية على سوريا تراجعًا حادًا، على أمل التوصل إلى اتفاقٍ يُرضي إسرائيل، لكن لقاء الشرع مع الرئيس الأمريكي انتهى من دون الإعلان عن التوصل لاتفاق، ما دفع إسرائيل للتصعيد مجددًا وبوتيرةٍ أكثر عدائية، حيث قام نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في 19 نوفمبر2025، بجولةٍ ميدانية في المنطقة السورية العازلة بمشاركة وزيري الدفاع يسرائيل كاتس، والخارجية جدعون ساعر، إضافة إلى رئيس أركان الجيش إيال زامير. عقب ذلك بيومين، استأنفت إسرائيل توغلاتها البرية في الجنوب السوري، ووسعتها على نحوٍ لافت مقارنةً بالأشهر السابقة لزيارة الشرع لواشنطن[60].
اللافت في النظر بشأن مسألة الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، هو موقف الولايات المتحدة، فالشرع بخطابه المتوازن، المترافق بدعمٍ عربي -تركي، نجح في دفع واشنطن للابتعاد عن المقاربة الإسرائيلية شيئًا فشيئًا، وهو ما ظهر في عدم دعمها للتوغل الإسرائيلي في العمق السوري، خاصةً في أحداث السويداء[61]، وتحذريها من “عرقلة تطور سوريا إلى دولةٍ مزدهرة”[62].
تزامن مع تعثر المحادثات السورية -الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، فتح دمشق لمسارٍ موازٍ مع روسيا، لمواجهة التوغلات والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب السوري، حيث طلب الشرع خلال زيارته لموسكو في أكتوبر 2025، إعادة نشر قوات الشرطة العسكرية الروسية في مناطق الجنوب، خاصةً درعا والسويداء موازنةً الخطر الإسرائيلي المتنامي في تلك المنطقة[63].
المحور الثاني- الأهداف الاقتصادية للسياسة الخارجية السورية الجديدة
ويتضمن هذا المحور ملفين؛ هما: رفع العقوبات وعلاقتها بمسألة إعادة الإعمار، وكذلك ما يتعلق بأمن الطاقة.
أولًا- رفع العقوبات الدولية وملف إعادة الإعمار
قبل سقوط نظام الأسد، كان الاقتصاد السوري في حالةٍ يُرثى لها، ففي نهاية عام 2024 خسرت الليرة السورية 99% من قيمتها مقارنةً بما كانت عليه عام 2011، وكان ما لا يقل عن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر[64]، ووفق البنك الدولي، تحتاج عملية إعادة الإعمار في سوريا، ما بين 140 مليار دولار أمريكي و645 مليار دولار أمريكي، وتُمثل تقديرات تكاليف إعادة الإعمار تلك نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024، وهو ما يعكس حجم الدمار الواسع الذي خلفه النزاع وسنوات الانكماش الاقتصادي المصاحبة له[65].
تكشف تلك الأرقام عن حجم التحديات الهائلة أمام الإدارة الجديدة في الملف الاقتصادي، والتي عززتها العقوبات الاقتصادية المفروضة دوليًّا على سوريا، ومن ثم شرعت الإدارة الجديدة من خلال دبلوماسيتها النشطة في العمل بشكلٍ مكثف على مسألة رفع العقوبات الدولية وجلب الاستثمارات؛ كخطوةٍ هامة للتعافي وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي.
استقبلت دمشق عقب سقوط نظام الأسد أكثر من عشرين دبلوماسيًا ومسؤولًا أجنبيًا رفيع المستوى، وكان من بين تلك الوفود وفد للاتحاد الأوروبي، حيث زارت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المساواة والاستعداد وإدارة الأزمات، حجة لحبيب سوريا في 24 يناير 2025، وأعلنت عن تقديم حزمة مساعدات إنسانية بقيمة 235 مليون يورو (حوالي 241 مليون دولار)، وناقشت المفوضة رفع العقوبات عن سوريا من أجل “تشجيع السلطات الجديدة على بناء دولة شاملة للجميع تحتضن جميع مواطنيها ومكوناتها المتنوعة”[66].
عقب هذا الاجتماع وغيره من المحادثات الدبلوماسية مع الإدارة الجديدة بدمشق، تم التمكن من التوصل إلى اتفاقٍ مبدئي خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذي عُقد في 27 يناير 2025، يقضي بتخفيف العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على سوريا، كبادرة حسن نية، على افتراض أن تتخذ دمشق إجراءات إيجابية في المقابل[67]، ثم جاء 20 مايو 2025، أي عقب أسبوعٍ من إعلان ترامب رفع العقوبات عن سوريا، ليشهد موافقة الاتحاد الأوروبي أيضًا على رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على دمشق، ورهن ذلك القرار بمدى احترام القادة السوريين لحقوق الأقليات والاتجاه في المسار الصحيح للديمقراطية[68].
وضعت القرارات الأمريكية والأوروبية حدًا لعزلة البنوك السورية في النظام المالي العالمي فضلا عن إنهاء تجميد أصول البنك المركزي؛ حيث تمكنت سوريا من الانضمام مرةً أخرى لنظام سويفت·، وإتاحة أول تحويل إلكتروني لها منذ أكثر من عقد، وذلك أمر مهم لإجراء التحويلات مع المؤسسات المالية الغربية من أجل ضخ مبالغ ضخمة لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد الذي دمرته الحرب[69].
بالتوازي مع رفع العقوبات الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة وأوروبا، عمل الشرع على التقارب مع الخليج في إطار كسب دعمهم في ملف إعادة الإعمار، فزار الشرع الإمارات في 13 أبريل 2025، تلك الزيارة التي أكد فيها محمد بن زايد الرئيس الإماراتي دعمه لسوريا في ملف إعادة الإعمار[70]، وتمكنت سوريا في 16 مايو 2025 أي بعد نحو شهر من الزيارة الأولى، وبالتزامن مع رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية، من توقيع اتفاقية أولية مع شركة موانئ دبي العالمية لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس، ثاني أكبر ميناء بحري في سوريا، وهو يُعد محور طموحات سوريا في إعادة الإعمار والتكامل الإقليمي؛ كونه يضطلع بدورٍ هام في التجارة والخدمات اللوجستية الإنسانية، بطاقةٍ استيعابية تبلغ نحو 20 ألف حاوية سنويًا، وقد تطورت تلك الاتفاقية الأولية عقب زيارة أحمد الشرع الثانية للإمارات في 7 يوليو 2025، إلى منح امتياز لمدة 30 عامًا لتطوير وتشغيل ميناء طرطوس[71].
وبالنسبة للسعودية، فقد كان ملف إعادة الإعمار على رأس مباحثات الرئيس السوري أحمد الشرع مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال زيارته في فبراير 2025[72]، حيث أشار الشرع إلى دور السعودية الهام في بناء مستقبل سوريا[73]، وبالفعل أعلنت السعودية في 23 يوليو 2025 عنإبرام اتفاقيات استثمار وشراكة مع سوريا بقيمة تزيد على 5 مليارات دولار، في خطوةٍ تهدف إلى دعم جهود إعادة الإعمار في البلاد بعد سنوات الحرب، وأوفدت الرياض نحو 150 مستثمرًا وممثلًا عن القطاعين العام والخاص، ترأسه وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح؛ للمشاركة في المنتدى السعودي السوري 2025، والذي كان على رأس أولوياته دعم ملف إعادة الإعمار في سوريا[74].
برزت قطر بجانب الإمارات والسعودية، كإحدى الدول الخليجية الداعمة لسوريا في ملف إعادة الإعمار، حيث أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عقب زيارة أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى سوريا، أنه “تم التوصل لإطارٍ شامل لإعمار البلاد مع قطر، وأن المناقشات غطت قطاعات حيوية بما في ذلك البنية التحتية، وضمان استعادة أسس الاستثمار والخدمات المصرفية”[75]، وأعلنت قطر بجانب السعودية سداد الالتزامات المالية المتأخرة على سوريا لدى مجموعة البنك الدولي، والتي تبلغ نحو 15 مليون دولار، وهو ما سيُتيح استئناف دعم البنك الدولي لسوريا، والحصول على مخصصات مالية لدعم القطاعات الملحَّة[76].
مكنت تلك الخطوة دمشق من إعادة التواصل والتعاون مع المؤسسات المالية الدولية بعد سنواتٍ من القطعية في عهد نظام الأسد؛ لجذب استثمارات لتنمية القطاعات وإعادة الإعمار، بدلًا من الاعتماد على القروض والمساعدات فقط، وفي هذا الإطار استقبلت دمشق في يونيو 2025، أول بعثة فنية من صندوق النقد الدولي منذ 18 عامًا، وشملت النقاشات بين الطرفين ضرورة وجود إصلاحات هيكلية، شملت تحسين أنظمة الضرائب والجمارك، وتمكين البنك المركزي من اعتماد سياسة نقدية لضمان استقرار الأسعار واستعادة الثقة في الليرة، بالإضافة إلى تعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب[77].
بالتزامن مع دعم الخليج المالي في ملف إعادة الإعمار السوري، تمكنت سوريا خلال زيارة الرئيس أحمد الشرع لتركيا في 4 فبراير 2025، من الحصول على دعم تركيا في مجال إعادة الإعمار لا سيما في بناء شبكات البنية التحتية والممرات التجارية، حيث صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “إننا مستعدون لدعم إعادة إعمار المدن المدمرة في سوريا”[78].
مثلت مبادرة وزير النقل التركي عبد القادر أوغلو، التي أعلن عنها في مارس 2025 بشأن إعادة تأهيل قطاع النقل والمواصلات في سوريا، أبرز التحركات التركية الداعمة لدمشق في ملف إعادة الإعمار، وهدفت تلك المبادرة التي تتكون من 11 محور و39 خطوة تنفيذية إلى تحسين البنية التحتية وتعزيز الكفاءة الإدارية المحلية، خاصةً في تلك المتعلقة بشبكات الطرق، وتأهيل الموانئ والمطارات، وهو ما يُمكن من دمج الاقتصاد السوري تدريجيًا في المنظومة الإقليمية الأوسع، لا سيما إذا ترافق الأمر مع تحسينات في شبكات النقل داخل سوريا وربطه بخطوط تمتد نحو العراق والأردن وعمان، وتعد هذه البنية التحتية العابرة للحدود من المحددات الجوهرية لتعافي الدول الخارجة من النزاعات، كونها تُسهل عودة النشاط الإنتاجي وتُعزز من التماسك الاقتصادي بين المناطق المنفصلة بفعل الحرب[79].
ثانيًا- ملف الطاقة
يُعد ملف الطاقة من أهم الملفات التي تشغل بال الإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، تحديدًا في ظل احتياج سوريا الشديد له، عقب إيقاف إمداد الطاقة من قسد وإيران والذي ترتب عليه تراجع إنتاج مصفاة حمص لـ 50% من طاقتها التشغيلية، وتراجع إنتاج مصفاة بانياس نحو 60% من طاقتها التشغيلية. وعليه، شهدت سوريا حراكًا مكثفًا على المستوى الخارجي في ملف الطاقة للتغلب على تلك الأزمة[80]، ففي اجتماع ضم أحمد الشرع ومحمد الخليفي وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية في 22 ديسمبر 2024، أعلن الشرع أن الدوحة مستعدة للاستثمار في قطاع الطاقة والمؤانئ السورية[81]، وكانت أولى بوادر الدعم القطري، وصول أول ناقلة نفط قطرية محملةً بالغاز لميناء بانياس بتاريخ 12 يناير 2025، كما بدأت سوريا في 13 مارس 2025 باستيراد الغاز الطبيعي من قطر عبر الأردن، بكمية مليوني متر مكعب يوميًا، وذلك في إطار منحة يُمولها “صندوق قطر للتنمية”؛ بهدف معالجة النقص الحاد في إنتاج الكهرباء في سوريا وتحسين أداء البنية التحتية[82].
برز اسم كلً من أذربيجان وتركيا كذلك، كدول محورية في ملف الطاقة السوري؛ فأذربيجان تنظر إلى صعود هيئة تحرير الشام كفرصة مواتية لها لتوسيع صادراتها من الطاقة، وتشترك مع أنقرة في رؤيتها للإدارة الجديدة كحليفٍ استراتيجي[83]، وفي هذا الصدد زار الشرع باكو في 12 يوليو 2025 كأول زيارةٍ رسمية له لأذربيجان، وركزت المباحثات على تعزيز العلاقات الثنائية وبوجهٍ خاص في مجال الطاقة، حيث تضمنت خططًا لتصدير الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر تركيا[84]، وبالفعل بدأت تركيا في 2 أغسطس 2025، بتوريد الغاز الطبيعي من أذربيجان لسوريا لاستخدامه في توليد الطاقة الكهربائية، حيث ستُصدر أذربيجان 2 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا لسوريا من حقل شاه دنيز للغاز في بحر قزوين، عبر خط الغاز التركي – السوري “كيليس -حلب”، وسيترتب على ذلك إعادة تشغيل محطات الكهرباء في حلب وحمص، ورفع عدد ساعات تشغيل الكهرباء إلى خمس ساعات يوميًا، أي ما يُعادل تحسن بمعدل 40%[85].
المحور الثالث- أداء السياسة الخارجية السورية بين النجاحات والتحديات
باستقراء أداء السياسة الخارجية السورية الجديدة خلال عام، نستطيع القول إجمالًا أن الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع قد حققت نجاحات لافتة؛ حيث نجح الشرع في تسريع إدماج سوريا في النسق الإقليمي العربي والدولي، وإخراجها من عزلتها، ولعل إلقاء الشرع خطابًا عبر منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، ليكون أول رئيس سوري بعد نور الدين الأتاسي يحضر اجتماعات الأمم المتحدة، بجانب موافقة الولايات المتحدة على دخول الشرع لأراضيها بعدما كان مطلوبًا ومصنف إرهابيًا، خير دليل على تقبل المجتمع الدولي لسوريا “الجديدة” تحت حكم الشرع[86].
حققت سوريا تقدمًا ملحوظًا في مسألة رفع العقوبات، سواء كانت تلك المفروضة على الإدارة الجديدة – هيئة تحرير الشام-، أو على مستوى سوريا كدولة، ويتضح ذلك في رفع مجلس الأمن اسم أحمد الشرع من قائمة العقوبات المفروضة على تنظيمي داعش والقاعدة بناءً على مقترحٍ أمريكي[87]، تبع ذلك القرار، رفع دول مثل بريطانيا العقوبات عن الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب[88]، وكذلك كندا، حيث قامت في 5 ديسمبر 2025 برفع اسم سوريا من قائمة “الدول الأجنبية الداعمة للإرهاب”، وحذفت اسم “هيئة تحرير الشام” من قائمة “الكيانات الإرهابية”[89].
وفيما يخص العقوبات الاقتصادية، فكما سبق وأسلفنا، فقد نجحت سوريا في إقناع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي برفع العقوبات عنها، لكن الجديد في الأمر، هو أن زيارة الشرع لواشنطن في نوفمبر 2025 قد آتت أُكلها، فقانون قيصر والذي تصدر أجندة المباحثات في تلك الزيارة، كونه الأصعب في إجراءات إلغائه؛ إذ يستلزم موافقة الكونجرس على ذلك، قد صوت مجلس النواب الأمريكي لصالح إلغائه في 11 ديسمبر 2025، وهو ما سيتطلب فقط موافقة مجلس الشيوخ وترامب على إلغاء العقوبات لدخوله حيز التنفيذ، بيد أن التحدي يتمثل في الشروط التي رُهن بها ذلك القرار، والتي تتمثل في إلزام البيت الأبيض بتقديم تقارير دورية تؤكد التزام الحكومة السورية الجديدة بمكافحة الإرهاب واحترام حقوق الأقليات، وغيرها من الشروط، والتي في حالة عدم استيفائها خلال فترتين متتاليتين، يمكن إعادة فرض العقوبات مرةً أخرى[90].
بالرغم من النجاحات التي حققتها سوريا، إلا أن هناك تحديات حقيقية ما زالت تواجهها، فمن حيث ملف إعادة الإعمار الذي يرتبط بشكلٍ وثيق بمسألة رفع العقوبات الدولية؛ فإن الأمر لا يقتصر فقط على النجاح في رفع تلك العقوبات، ولا ما ترتب عليه من نجاح دمشق في جذب الاستثمارات وتوقيع العديد من مذكرات التفاهم التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات في مشروعات البنية التحتية؛ التي تثور حولها تساؤلات عن مدى شفافيتها؛ من حيث آليات الاتفاق على تلك الصفقات وشروطها، وكذلك طريقة اختيار الشركات المنوط بها العمل على مشاريع البنية التحتية، التي تُظهر عدم وجود عملية تنافسية حقيقية، علاوةً على عدم خضوع خطط المشروعات المتفق عليها لأي عملية مراجعة رسمية من الخبراء أو حتى المجتمعات المحلية المتأثرة بمثل تلك المشروعات[91].
عطفًا على ما سبق، فإن عملية إعادة الإعمار مرهونة كذلك بمدى نجاح الإدارة الجديدة في تحقيق انتقال سياسي شامل للجميع يُتيح مشاركة مختلف قطاعات المجتمع في الحكم، وإصلاح الإطار المؤسسي وحوكمة عملية إعادة الإعمار، وهي مسألة مهمة في تفادي الوقوع تحت هيمنة الجهات السياسية القوية سواء محلية كانت أم خارجية، وحماية الفئات الضعيفة من التهميش والإقصاء[92]. وقد أخفقت الحكومة الجديدة في ذلك بشكلٍ واضح، ومن أبرز الأمثلة في هذا الصدد، فشل الحوار الوطني الذي دشنته الإدارة الجديدة خلال الفترة 24 – 25 فبراير 2025، الذي هدف إلى إرساء الأسس الحاكمة للمرحلة الانتقالية، وصياغة الدستور، حيث عدم التمكن من بلورة رؤية وطنية جامعة للمرحلة الانتقالية؛ نتيجة إقصاء الأطراف الأخرى بطريقة غير مباشرة، فضلًا عن الانتهاكات التي تم ارتكابها في أحداث الساحل والسويداء ضد العلويين والدروز[93].
تقودنا المناقشة السابقة حيال إصلاح الإطار المؤسسي، إلى تحدٍ آخر مرتبط بمدى إدراك النظام الجديد لجدوى المؤسسية في السياسة الخارجية، وفي هذا الصدد تقول كيلي كاسيس، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط وروسيا، ومديرة قسم العلاقات الدولية بمركز الشؤون السياسية والخارجية بفرنسا: “بالرغم من إشراك النظام الجديد لتكنوقراط ودبلوماسيين أصغر سنًا ممن عاشوا خارج سوريا، لتقديم صورة جيدة للمجتمع الدولي، فإن عملية صنع القرار لا تزال متركزة في أيدي قلة من الموالين وإخوة أحمد الشرع، ولا تشهد المؤسسات إصلاحًا حقيقيًا”، مشيرة إلى “وجود تشابه لافت في البنية العامة مع نظام الأسد، الرامية إلى احتكار السلطة وترسيخها”[94]، وهو ما يُعد مؤشرًا على تكرار تجربة النظام السابق في بناء تحالفات شخصية، ولعل تصريحات ترامب حيال أحمد الشرع ووصفه بالرجل القوي ذي الماضي القوي، دلالة على اعتماد الشرع على الكاريزما الشخصية في التأثير على القادة وبناء التحالفات.
يبزر التحدي الثالث في ملف الأمن، والذي بالرغم من تحركات دمشق المكثفة فيه والتعاون مع العديد من القوى الإقليمية والدولية، إلا أنها لم تنجح في إخضاع قسد ولا إسرائيل لشروطها، فالبنسبة لإسرائيل، فقد أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في 10 ديسمبر 2025، أن بلاده “أبعد ما تكون” عن التوصل إلى اتفاقٍ أمني مع سوريا مما كانت عليه قبل أسابيع[95]، وقد جاء ذلك التصريح أعقاب تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في منطقة القنيطرة السورية، وتصريح وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي بأن “الحرب على سوريا باتت حتمية”[96].
تؤثر رغبة إسرائيل في التواجد بالجنوب السوري، والاستمرار بالعمليات العسكرية، بالسلب على استمرار “اتفاق السويداء” الهش بالأساس مستقبلًا، حيث تُحفز على تصعيد المواجهات بين دمشق وقوات الأمن الدرزية الداخلية، خاصةً في ظل رغبة الدروز في إنشاء حكم ذاتي بعيد عن دمشق، ودعم إسرائيل لهم لوجستيًا وعسكريًا[97].
وبشأن قوات قسد، فإنه ومع اقتراب نهاية العام وهي المهلة المحددة لتنفيذ بنود اتفاق مارس، فإن هناك مؤشرات دالة على طرح الخيار العسكري كأحد السيناريوهات في تعامل دمشق مع قسد، وهو ما تُظهره تصريحات سيبان حمو، القيادي في قوات قسد، لموقع المونيتور: “إن سوريا تمرّ بمرحلةٍ شديدة الحساسية”، موضحًا أن الوضع يتضح يومًا بعد يوم، وأن خطر اندلاع الصراع ما زال قائمًا، وهو ما يعكس فشل الجهود الدبلوماسية التي قادتها دمشق في ذلك الملف[98].
يتمثل التحدي الرابع في صياغة سياسات خارجية تجاه القضايا التي تمس الانتماء الإسلامي، وتبرز قضية حرب الإبادة في غزة كمثالٍ واضح في هذا الصدد، فبجانب عدم وجود موقف واضح حتى اللحظة، من جانب الإدارة الجديدة تجاه الحرب في غزة، وهو ما يمكن تفسيره في إطار انصباب تركيز الإدارة الجديدة على حل المشكلات المتعلقة بالشأن السوري فحسب والنأي عن قضايا الدول الأخرى، إلا إنه تبرز مؤشرات مقلقة حيال طريقة تعامل الإدارة الجديدة مستقبلًا مع تلك القضية، ومن ذلك على سبيل المثال اعتقال قوات الأمن السوري لعددٍ من قادة حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في أبريل 2025[99] بناءً على طلب ترامب، وسعى الإدارة الجديدة للتقارب مع إسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، والتي تمكنت من الضغط على الجانب الإسرائيلي، خلال زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن في 26 ديسمبر 2025، لاستئناف المحادثات بين الطرفين بعد جمودٍ دام نحو شهرين[100]، علاوة على أن صفقة الغاز القطري تجعل من التطبيع الاقتصادي مع الاحتلال أمرًا واقعًا؛ كون قطر لا تستطيع توفير الغاز لسوريا بسبب محدودية البنية التحتية الحالية لخطوط الأنابيب، وبدلًا من ذلك فإن الغاز الذي يتدفق من حقل ليفياثان الإسرائيلي إلى محطة رحاب في شمال الأردن، سيكون المكان الوحيد الذي يمكن منه إعادة توجيه الغاز لسوريا، مما يعني أن الغاز سيتدفق فعليًا من إسرائيل، وليس من العقبة[101]، وهو ما يُمثل ورقة ضغط مستقبلية تخدم المصالح الإسرائيلية.
خاتمة- سوريا عند مفترق طرق: هل يكمن الحل في السياسة الخارجية وحدها؟
يتضح لنا من قراءة واقع السياسة الخارجية السورية من حيث الأهداف والأداء خلال عام، التعويل المفرط للإدارة الجديدة بدمشق على السياسة الخارجية البراجماتية، وكسب الدعم الإقليمي والدولي، لإيجاد حلول لمشكلاتها الداخلية، وفي الحقيقة فإن مثل هذا النهج، تتبعه الدول التي تُعاني الهشاشة الاقتصادية، ولا تملك الدفاع عن نفسها إزاء الاعتداءات الخارجية.
لا ننكر أن معظم مشكلات سوريا مرتبط بالخارج، ويتطلب التعامل معه لتحسين الأوضاع، لكن يبقى الداخل هو العماد الحقيقي للسياسة الخارجية، ولعلنا نذكر في هذا الصدد مقولة حامد ربيع، في مقدمة كتابه شديد الأهمية “نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط”، بأن “كل من يتصور أن سياسة داخلية فاشلة قادرة على أن تقود إلى سياسة خارجية ناجحة يرتكب مغالطة حقيقية؛ كون السياسة الخارجية هي أحد وجوه السياسة القومية التي لا يُمكن أن تستمد قوتها إلا من جسد يملك عناصر المناعة، وقيادة صالحة للأخذ بزمام الموقف وتطويعه نحو الأهداف القومية”[102].
وبمعنى أخر، فإن التحديات الداخلية لسوريا ذات الطبيعة المعقدة والمركبة، إذ لم تتم معالجتها بشكلٍ صحيح، فإنها ستجعل كل خطوة صحيحة في المجال الخارجي، وكل نجاح تكتسبه سوريا منه، هباءً منثورًا، وآية ذلك إذ ما دققنا النظر في مسائل عدة منها على سبيل المثال، أن مسألة رفع العقوبات الدولية وخاصةً قانون قيصر، كانت مرهونة بدرجةٍ كبيرة بمدى نجاح الإدارة في التعامل مع الداخل، وهي بذلك تُمثل أداة ضغط على سوريا، بدلا من أن تكون خطوةً حقيقية نحو مسار نهضة سوريا. كما أن مسألة الشرعية والتي نجح الشرع في تحقيقها على المستوى الدولي، تبقى منقوصة إذا لم تدعمها الشرعية الداخلية، وفي تلك الحالة فإن الشرع يستنسخ سياسات النظام السابق.
وفي ظل فشل الإدارة السورية في سياسة الملفات الداخلية بدءً من عدم التمكن من تمثيل كافة طوائف المجتمع في مسار المرحلة الانتقالية، ومرورًا بتباطؤ في مسار العدالة الانتقالية، وانتهاءً بعدم الاستقرار الأمني المزمن وأحداث العنف الطائفي، تقف سوريا عند مفترق الطرق بين الحفاظ على المكتسبات التي حققتها نتيجة جهودها في المجال الخارجي، وبين تحدياتها الداخلية، وعليه نطرح سيناريوهين في هذا الصدد:
1- استنساخ تجربة نظام الأسد والفشل الكامل
فمع استمرار الجمود في السياق الداخلي لسوريا واستمرار هشاشته، وهو ما يتبين من خلال عجز الشرع وحكومته في التعامل مع التحديات الداخلية آنفة البيان، والتركيز المفرط على السياسة الخارجية كما أوضحنا، يمكن القول إن الإدارة الحالية تستنسخ بطريقةٍ أو بأخرى، السياسات الخارجية لنظام الأسد؛ فالنظام السابق طرح نفسه بوصفه حاميًا للأقليات ونظامًا علمانيًا واتسم بالبراجماتية كذلك، حيث تمكن من اللعب على التناقضات بين الدول والمناورة وتجنب الضغوط الخارجية، ومكنته تلك السياسات من الحفاظ على استقرار داخلي لكنه هش، انفجر في وجهه في نهاية المطاف بقيام الثورة السورية.
2- انعكاس النجاحات الخارجية على الداخل السوري على المدى الطويل
يُطرح السيناريو الثاني، بناءً على الرأي القائل بأن ما حققته سوريا من نجاحاتٍ على المستوى الخارجي، سيكون له انعكاس وصدى إيجابي في الداخل السوري، خاصةً في ملف إعادة الإعمار وتعافي الاقتصاد برفع العقوبات الدولية، وأنه من المبكر جدًا الحكم على فشل تلك السياسات؛ كون الأثر لا يظهر بين ليلةٍ وضحاها، لا سيما في بلدٍ خرج من صراعٍ مدمر دام 13 عامًا، وعليه فإنه يجب التريث في استقراء انعكاسات المكتسبات الخارجية على الداخل السوري.
⁕ باحث في العلوم السياسية.
[1] إبراهيم حميدي، أحمد الشرع: استراتيجية سوريا تصفير المشاكل… ولا يمكننا نسخ “الاتفاقات الإبراهيمية”، المجلة، 25 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع: 26 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/48zNalv
[2] ساشا العلو وفاضل خانجي، تحديّات السياسة السورية الجديدة: أسئلة البوصلة والخيارات الاستراتيجية، عمران للدراسات الاستراتيجية، 10 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 26 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/48k5u0T
[3] محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية، 1998)، ص ص 23-24.
[4] شهرزاد أدمام، الفواعل العنيفة من غير الدول: دراسة في الأطر المفاهيمية والنظرية، سياسات عربية، المجلد الثاني، العدد الثامن، أبريل 2014، ص ص 76-77.
[5] نجوان سليمان، الجهاديون الجدد ونموذج طالبان، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط، 20 ديسمبر 2021، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/ykh6zt5m
[6] كيف اختلف تنظيم “الدولة الإسلامية” عن تنظيم القاعدة؟، بي بي سي عربي، 10 يونيو 2015، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/ysdzad2s
[7] عباس شريفة، “هيئة تحرير الشام” … النشأة والتحولات الفكرية والعقيدة السياسية، المجلة، 8 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4ituW8T
[8] صافيناز محمد أحمد، دلالات فك الارتباط بين جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 10 أغسطس 2016، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3fpwuxab
[9] عباس شريفة، “هيئة تحرير الشام” … النشأة والتحولات الفكرية والعقيدة السياسية، مرجع سبق ذكره.
[10] نجوان سليمان، الجهاديون الجدد ونموذج طالبان، مرجع سبق ذكره.
[11] اعتقالات رموز القاعدة في إدلب… تكتيك آني أم خطوة استراتيجية؟، جسور للدراسات، 29 نوفمبر 2017، تاريخ الاطلاع: 29 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4rxHpMW
[12] المرجع السابق.
[13] نجوان سليمان، الجهاديون الجدد ونموذج طالبان، مرجع سبق ذكره.
[14] علي هاشم ومحمد علي شعباني، الخبر من الداخل: حزب الله وإيران في مشهدية سقوط الأسد، أمواج ميديا، 9 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 30 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5df7j5zj
[15] إبراهيم حميدي، أسعد الشيباني لـ”المجلة”: رؤيتنا لسوريا كانت واضحة لدينا قبل إسقاط الأسد… وهكذا فككنا “العقدة الروسية” ، المجلة، 19 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 30 نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3XXBG5b
[16] محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، مرجع سبق ذكره، ص ص 377-380.
[17] ماثيو ليفيت، كيف أُدرجت هيئة تحرير الشام على قوائم الإرهاب الأمريكية – ولماذا يجب أن تبقى هناك في الوقت الحالي، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 17 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/422fa4w8
[18] سلطة الأمر الواقع في دمشق على قائمة الإرهاب: ما الذي سيحدث الآن؟، الأمم المتحدة، 12 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3uxcfpzc
[19] يحيى كناكريه، هل يمكن إزالة هيئة تحرير الشام وزعيمها الجولاني من قوائم الإرهاب؟، بي بي سي عربي، 24 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/z6j9uj5z
[20] مجدي القسوس، سوريا تحت قيادة الشرع تفتح صفحة جديدة مع الخليج، فهل تنجح بإعادة بناء الجسور بعد عقود من العزلة؟، بي بي سي عربي، 2 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2u54e566
[21] وزير الخارجية السعودي يشدد على أهمية رفع العقوبات الأحادية والأممية على سوريا في ختام قمة الرياض، بي بي سي عربي، 12 يناير 2025، تاريخ الاطلاع: 3 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/42tbux3f
[22] ريهام محمد، تقارب “سعودي – سوري”: دلالات وأبعاد زيارة الشرع إلى الرياض، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 3 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4pexBWs
[23] حاكم سوريا الجديد يتجول في المنطقة فيما الإيرانيون يتناقشون على رمال متحركة، أمواج ميديا، 4 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yx6mn98w
· الشواهد الدالة على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، رفض الأسد لطلبات إيران بفتح جبهة في الجولان ضد إسرائيل في بداية طوفان الأقصى والبقاء على الحياد بناءً على طلب الإمارات، إغلاق البعثة الدبلوماسية لحركة أنصار الله في دمشق كشرط مسبق لتقارب الأسد مع السعودية، للنظر أكثر الرجوع إلى:
1- جورجيو كافيرو، هل تنجح الإمارات العربية المتحدة في إبقاء الأسد خارج دائرة تقاذف اللهب بين إيران وإسرائيل؟، أمواج ميديا، 10 أكتوبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4bewrhyy
2- نيكول غرايفسكي، لم سمحت إيران بسقوط بشار الأسد، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط، 12 ديسمبر 2024، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yb2vca4s
3- علي هاشم ومحمد علي شعباني، الخبر من الداخل: حزب الله وإيران في مشهدية سقوط الأسد، مرجع سبق ذكره.
[24] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مدى مصر، 9 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 2 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/48t2Plg
[25] الشرع: أنا لست امتدادًا للحركات الإسلامية والربيع العربي، سكاي نيوز عربية، 28 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع: 3 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4oub5HS
[26] محمد فرحان، في لقاء دام نصف ساعة – ماذا طلب ترامب من الشرع في الرياض؟، دوتشيه فيليه عربي، 14 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 3 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4iAWJEm
[27] هارون ي. زيلين وسونر چاغاپتاي، فصل جديد في العلاقات التركية – السورية، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 24 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/a4xuzuxd
[28] جورجيو كافيرو، لِم تجنح العلاقة بين السعودية وتركيا في سوريا إلى التعاون أكثر منها إلى الصدام؟، أمواج ميديا، 31 يناير 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4utxh67b
[29] صافيناز محمد أحمد، رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا: الأبعاد الاقتصادية والأمنية والسياسية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 18 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5dk8bfnk
[30] ترامب يكشف عن إعلان هام بشأن سوريا اليوم ويشيد بدور أردوغان بإسقاط نظام الأسد، آر تي عربي، 25 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4oxMhi4
[31] لمناقشة رفع العقوبات عن دمشق.. لقاء أمريكي تركي سوري في أنطاليا، العربي 2، 15 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/48zVFvI
[32] الرئاسة السورية تنشر تفاصيل لقاء الشرع والمبعوث الأميركي، سكاي نيوز عربية، 25 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3XzF0U8
[33] وحدة الدراسات السياسية، تحديات الإدارة السورية الجديدة بين المتطلبات الداخلية والضغوط الخارجية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 16 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 4 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/3jt798tb
[34] نشاط سوري مكثف في ملف العلاقات الخارجية وسط سياسة تغازل الجميع، سي إن بي سي عربي، 8 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/44PIWns
[35] فراس فحام، سوريا الجديدة: تموضعها الإقليمي وعلاقاتها الخارجية، مركز الجزيرة للدراسات، 4 مارس 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4xmcb8vd
[36] Kelly Kassis, Russia’s Enduring Grip on Syria, Royal United Services Institute, 11 November 2025, Accessed: 5 December 2025, Available at: https://tinyurl.com/3s5pdr6d
[37] هل تسعى روسيا إلى كسب تأييد إيران في مرحلة سوريا ما بعد الأسد؟، أمواج ميديا، 30 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5528srb4
[38] إيران تعرب عن رغبتها في الحفاظ على العلاقات مع سوريا بعد سقوط الأسد، أمواج ميديا، 9 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4nsem84c
[39] أحمد الشرع يتحدث عن علاقة سوريا بإسرائيل وروسيا وإيران، قناة بي بي سي عربي على اليوتيوب، 13 سبتمبر 2025، تاريخ المشاهدة: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/msux9vvu
[40] عبدي: اتفاق «مبدئي» على دمج قوات «قسد» ضمن وزارة الدفاع السورية، الشرق الأوسط، 13 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/n7DES
[41] Ibrahim Al-Assil, The Damascus – Sdf Agreement: A Turning Point for Syria?, Middle East Institute, 19 march 2025, Accessed: 10 December 2025, available at: https://tinyurl.com/yustpscx
[42] اشتباكات بالأسلحة الثقيلة في أحياء حلب وسط تبادل للاتهامات بين “قسد” والجيش السوري، سي إن إن عربي، 22 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 3 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4rh2te3b
[43] أحمد فهمي، هل تتجه أنقرة ودمشق نحو شراكة أمنية ضد قسد؟، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية،28 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/EMi8C
[44] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مرجع سبق ذكره.
[45] Burcu Ozcelik &Serhat Erkmen, Can Turkey Stabilise Syria?, Royal United Services Institute, 13 January 2025, Accessed: 10 December 2025, Available at: https://tinyurl.com/4phw4adt
[46] وحدات من الجيش السوري تبدأ التدريب في ثكنات عسكرية بتركيا، الجزيرة.نت، 30 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/IDr1U
[47] صبحي فرنجية، الشرع في واشنطن… ماذا يعني الانضمام إلى التحالف ضد “داعش”؟، المجلة، 7 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://url-shortener.me/2O81
[48] مصادر لرويترز: الاستغناء عن دبلوماسيين أميركيين بارزين معنيين بالملف السوري، العربية، 18 سبتمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 10 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/4CmQ9
[49] إيلي يوسف، خلاف أميركي – إسرائيلي يتعمّق حول “سوريا الجديدة”، الشرق الأوسط، 10 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/twg7e
[50] Abdullah Al- Jabassini, Security Transformations In Southern Syria: Authority, Armed Networks, And Foreign Intervention, Arab Reform Initiative, 4 December 2025, Accessed: 12 December 2025, Available at: https://tinyurl.com/yc7h8pbp
[51] باسل المحمد، كيف دمر “سهم باشان” 80% من قدرات سوريا العسكرية، الجزيرة.نت، 6 مارس 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/wRfYM
[52] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مرجع سبق ذكره.
[53] نادية مصطفى، ما بعد عام كامل من الطوفان والعدوان والمقاومة: جديد الدوائر المفرغة بين الحرب والسياسة، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 7 أكتوبر 2024، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3CT6SLH
[54] تيمور أزهري وسليمان الخالدي، حصري مصادر: الإمارات تتوسط في محادثات سرية بين إسرائيل وسوريا، رويترز، 8 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2s42mnmh
[55] استضافة أذربيجان قادة سوريا الجدد تثير حالة من القلق في إيران، أمواج ميديا، مرجع سبق ذكره.
[56] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مرجع سبق ذكره.
[57] حسين عبد العزيز، بعد السقوط.. المقاربة الإسرائيلية في سورية والرد عليها، العربي الجديد، 9 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/VLuTA
[58] صلاح شرارة، بوساطة أمريكية – محادثات سورية – إسرائيلية بباريس لبحث التهدئة، دوتشيه فيليه عربي، 20 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/7q0NS
[59] ترامب “يعمل على تحسين العلاقات مع سوريا بالتعاون مع إسرائيل”، ودمشق تنضم للتحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية، بي بي سي عربي، 9 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/37t72mjr
[60] حسين عبد العزيز، بعد السقوط.. المقاربة الإسرائيلية في سورية والرد عليها، مرجع سبق ذكره.
[61] المرجع السابق.
[62] ترامب يحذر إسرائيل من “عرقلة تطور سوريا” ويشيد بأحمد الشرع … ماذا قال؟، سي إن إن عربي، 1 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/bdnjs3ny
[63] شيماء عبد الحميد، زيارة الرئيس السوري إلى روسيا: قراء في الدلالات والأهداف، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 17 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/L9Nhy
[64] Qutaiba Idlbi & others, Reimagining Syria: A roadmap for peace and prosperity beyond Assad, (Washington DC: Atlantic Council,2025), p13.
[65] The Syrian conflict: physical Damage and reconstruction Assessment (2011-2024), World Bank, 31 august 2025, Accessed: 7 December 2025, available at: https://tinyurl.com/jr9wyfb9
[66] مارك بييريني، الأوروبيون يعودون إلى سورية، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط، 4 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yjrmxved
[67] المرجع السابق.
[68] الاتحاد الأوروبي يعلن رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، بي بي سي عربي، 20 مايو 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4tmsaaa9
· نظام سويفت هو نظام مراسلة فوري يسمح بانتقال سلسل وسريع للمال عبر الحدود، وأنشئ ذلك النظام عام 1973 ويربط 11 ألف بنك ومؤسسة في أكثر من دولة حول العالم.
[69] سوريا تعود إلى نظام سويفت رسميًا، الجزيرة. نت، 20 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/61mGM
[70] Syria’s Sharaa meets UAE counterpart in second visit to a Gulf country as leader, Reuters, 13 April 2025, Accessed: 8 December 2025, available at: https://tinyurl.com/yck2tkvv
[71] ليوناردو مازوكو، تحليل معمق: الإمارات العربية المتحدة تستعد لدخول سوريا الجديدة من أوسع أبوابها، أمواج ميديا، 14 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/mry58dth
[72] وزير الداخلية السوري للعربية: زيارة الشرع ستبحث الوضع الاقتصادي وإعادة الإعمار، العربية.نت، 2 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/WeEr6
[73] الشرع يبدأ زيارة للسعودية هي الأولى للخارج منذ تسلمه الرئاسة، دوتشيه فيليه عربي، 2 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/62hd3
[74] أحمد مسعود، المنتدى السعودي السوري 2025.. انطلاقة استثمارية نحو إعادة الإعمار، سي إن إن الاقتصادية، 23 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/Lr9NR
[75] الشيباني: ناقشنا مع قطر إعادة الإعمار في سوريا، العربية.نت، 30 يناير 2025، تاريخ الاطلاع: 9 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/RuTBH
[76] السعودية وقطر تعلنان تسديد ديون سوريا لدى البنك الدولي، سكاي نيوز عربية، 27 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 9 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/AsE6q
[77] شيماء عبد الحميد، تمهيدًا لمرحلة جديدة من مسار العلاقات بين البلدين: قراءة في زيارة الشرع إلى الولايات المتحدة، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 11 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 8 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/PRwfB
[78] هبة محمد، الشرع زار أنقرة وأجرى مباحثات مع أردوغان: دعم تركي لمكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار، القدس العربي، 4 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 9 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/h7tCS
[79] أماني السروجي، مشروع ربط تركيا بسوريا عبر السكك الحديدية: قراء في الدوافع والتحديات، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 24 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 9 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/JozmE
[80] شيماء عبد الحميد، حراك مكثف وتحديات عدة: هل تغير اتفاقات الغاز السوري ترتيبات الأوضاع في شرق المتوسط؟، مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية، 15 أغسطس 2025، تاريخ الاطلاع: 5 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4pVuNgU
[81] قطر والأردن يعلنان دعم الإدارة الجديدة في سوريا بقيادة أحمد الشرع، بي بي سي عربي، 22 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 7 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/yhzbk8jx
[82] شيماء عبد الحميد، حراك مكثف وتحديات عدة: هل تغير اتفاقات الغاز السوري ترتيبات الأوضاع في شرق المتوسط؟، مرجع سبق ذكره.
[83] باكو خلادزي، كيف يمكن أن يعيد سقوط الأسد رسم خارطة العلاقات بين الدول الوازنة في جنوب القوقاز؟، أمواج ميديا، 27 فبراير 2025، تاريخ الاطلاع: 7 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/bddvtwjh
[84] استضافة أذربيجان قادة سوريا الجدد تثير حالة من القلق في إيران، أمواج ميديا،16 يوليو 2025، تاريخ الاطلاع: 7 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/5n93khhr
[85] شيماء عبد الحميد، حراك مكثف وتحديات عدة: هل تغير اتفاقات الغاز السوري ترتيبات الأوضاع في شرق المتوسط؟، مرجع سبق ذكره.
[86] حسام العسال، الشرع حاضر في الجمعية العامة بعد تلقيه استثناء، فماذا نعرف عن عقوبات الأمم المتحدة على سوريا؟، بي بي سي عربي، 5 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4b3vzd9a
[87] مجلس الأمن يقرر شطب اسم أحمد الشرع من قائمة العقوبات، الأمم المتحدة، 6 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/v63ubr8s
[88] محمد شيخ يوسف وحسان رستم، بريطانيا ترفع العقوبات عن الشرع وخطاب بعد قرار مماثل لمجلس الأمن، العربي الجديد، 7 نوفمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/WIn7K
[89] على خطى أمريكا وبريطانيا.. كندا ترفع سوريا من قائمة “الدول الداعمة للإرهاب”، سي إن إن عربية، 6 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/63n5ujfm
[90] فلاح الياس، سوريا ـ ترحيب رسمي وشعبي بإلغاء النواب الأمريكي “قانون قيصر”، دوتشيه فيليه عربي، 11 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/CwHS4
[91] نادر الأتاسي، صفقات بدون تفاصيل: الاقتصاد السياسي الغامش للمشاريع الضخمة الجديدة في سوريا، مبادرة الإصلاح العربي، 17 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/0Q6yW
[92] يزيد صايغ، سورية تحتاج إلى خطة لإعادة الإعمار، مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط، 31 أكتوبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/fdexp2hj
[93] صافيناز محمد أحمد، عام على سقوط الأسد: إلى أين تتجه سوريا في 2026؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجة، 7 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/2vtm2tt2
[94] Kelly Kassis, “I would say that while the new regime has tried to include younger technocrats and diplomats who have lived outside of Syria in order to present a new face to the international community, decision making is still concentrated in the hands of a few loyalists and sharaa’s brothers. Institutions aren’t being genuinely reformed and there is a shadow government operating behind the scenes. So the structure unfortunately bears striking resemblance to the Assad regime because the primary purpose is to monopolise and consolidate power, ”Expert says”, interview by Zain Al-Abidin Muhammad, 3 January 2026, linkedin.
[95] إسرائيل: نحن أبعد ما يكون عن اتفاق أمني مع سوريا، سكاي نيوز عربية، 11 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/gNtRS
[96] وزير إسرائيلي: الحرب على سوريا باتت حتمية، آر تي عربي، 9 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/Jxo1q
[97] صافيناز محمد أحمد، عام على سقوط الأسد: إلى أين تتجه سوريا في 2026؟، مرجع سبق ذكره.
[98] باسل المحمد، ما خيارات الحكومة السورية تجاه قسد في حال انتهاء مهلة اتفاق 10 آذار بلا تنفيذ؟، سوريا تي في، 6 ديسمبر 2025، تاريخ الاطلاع: 12 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/7XP5Q
[99] سوريا: إلقاء القبض على قياديين بارزين في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، فرانس 24، 22 أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 4 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/PZAKK
[100] محادثات سورية إسرائيلية جديدة لبحث “الاتفاق الأمني”، سكاي نيوز عربية، 4 يناير 2026، تاريخ الاطلاع: 4 يناير 2026، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/JD1Wi
[101] إحسان صلاح وناجح داود، سوريا الجديدة تحت تأسيس إسرائيلي – أمريكي، مرجع سبق ذكره.
[102] حامد ربيع، نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، الطبعة الأولى، 2022)، ص 2.




