الاقتصاد السياسي السوري: بين ميراث الأسد وما بعده

مقدمة:

على مدى خمسة عقود، تشكَّل الاقتصاد السوري داخل منظومة سلطوية اعتمدت المحسوبية كإحدى أهم أدواتها لإدارة الموارد وترتيب هرم النفوذ. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أعادت الدولة تشكيل المجال الاقتصادي عبر شبكات ولاء مترابطة بين الأجهزة السياسية والأمنية ورجال الأعمال المقرَّبين، ما خلقَ نخبةً اقتصاديةً لم تُبْنَ مكانتُها على الإنتاج أو الكفاءة، بل على القرب من السلطة. ومع اتِّساع هذه الشبكات، تحوَّلت من أدوات للسيطرة إلى بنية مؤسَّسية قائمة بذاتها، تتحكَّم في حركة رؤوس الأموال، وتوزيع الامتيازات، ومسارات الاستثمار، وتوجيه القطاعات الحيوية وفق اعتبارات سياسية أكثر منها اقتصادية.

ثم جاءت الحرب بعد عام 2011 لتعمِّق هذا النموذج بدل أن تضعفه، فقد أفرزت سنوات الصراع طبقةً جديدةً من أمراء الحرب والوسطاء المحليِّين ورجال الأعمال المرتبطين بالأجهزة العسكرية، ما أدَّى إلى تشكُّل اقتصاد حرب متعدِّد المراكز قائم على التهريب، والجباية، والتحكُّم بالمعابر، واستغلال الموارد الطبيعية. هذا التوسُّع في الشبكات الموازية عزَّز منطق الريع والصفقات السريعة، وقوَّض أُسُسَ الإنتاج الحقيقي، وخلق اقتصادًا هشًّا غير قادر على النمو الذاتي. ومع انهيار القطاع العام وتراجع الخدمات الأساسية، اتَّسعت الفجوة بين النخب المستفيدة وبقية المجتمع الذي عانَى من نقص فرص العمل وتدهور مستويات المعيشة.

ومع التحولات السياسية في عامي 2024-2025، ظلَّ هذا الإرث حاضرًا في بنية الدولة الجديدة، بل حاولت بعض الأطراف إعادة ترتيب شبكات النفوذ القديمة بما يتلاءم مع موازين القوة المستجدَّة. وبرزت مخاوف جدِّيَّة من إعادة تدوير النُّخب الاقتصادية التي راكمتْ نفوذَها خلال عقودٍ من المحسوبيَّة أو دمجها في مرحلة ما بعد الصراع، سواء بدوافع براجماتية أو نتيجة ضغوط إقليمية ودولية. هذه الهواجس تُلْقِي بظلالها على مستقبل الانتقال السياسي والاقتصادي، خصوصًا أن بقاء هذه الشبكات يهدد أي محاولة لتنفيذ إصلاحات هيكلية، أو بناء مؤسسات أكثر شفافية، أو ضمان توزيع عادل للموارد.

في هذه اللحظة الانتقالية الدقيقة، يصبح تفكيك شبكات الرأسمالية الزبائنية شرطًا أساسيًّا لنجاح إعادة الإعمار واستعادة الدولة. فالتحديات الاقتصادية الحالية -من الانهيار الإنتاجي، إلى شُحِّ التمويل، إلى هشاشة البنية المؤسسية- هي نتيجة تراكم طويل لاقتصاد مشوَّه يعتمد على الولاء والاحتكار لا على الابتكار والمنافسة. ولذلك، لا يمكن النظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها ضخًّا ماليًّا فحسب، بل كعملية لإعادة تشكيل قواعد الحكم الاقتصادي، وإرساء منظومة تقوم على الشفافية والمساءلة، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص المنتج، وتعيد الثقة الاجتماعية. هذا التحول هو ما سيحدِّد قدرةَ سوريا على بناء اقتصاد مستدام يُعيد توزيع الفرص ويؤسِّس لتنميةٍ حقيقيةٍ على المدى الطويل.

ويستعرض هذا التقرير عبر محورين، شبكات النفوذ الاقتصادي بعد اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، وهيكلة اقتصاد الحرب، مستعرضًا ديناميات اقتصاد الصراع السوري، فيما يتناول المحور الثالث إعادة توزيع الموارد الاقتصادية بعد انتهاء حقبة الأسد.

المحور الأول- شبكات النفوذ الاقتصادي: هيمنة جديدة بعد الحرب

يشهد الاقتصاد السوري إرثًا طويلًا من المحسوبية والولاءات الشخصية التي شكَّلت شبكة السلطة الاقتصادية خلال عقود حكم عائلة الأسد، وما زال هذا التراث يؤثِّر في التحديات التي تواجه مرحلة ما بعد الحرب.

أ) ترسيخ الاقتصاد عبر الولاءات والسيطرة: ميراث رأسمالية المحسوبية

تُعَرَّفُ رأسمالية المحسوبية (Crony Capitalism) كنظام يدمج السلطة السياسية بالاقتصاد، بحيث يصبح الولاء للنظام شرطًا للحصول على الفرص والموارد بدلًا من المنافسة، وقد شكَّل هذا النموذج في سوريا جوهر إرث الأسد، ففي عهد حافظ الأسد (1970-2000) تحوَّلت الدولة من منتج رئيس إلى ضامنٍ لأرباح نخبة مرتبطة بالأجهزة الأمنية، ومع بشار الأسد (2000-2024) تعمَّق هذا النموذج، حيث احتكرت دائرتُه الضيقةُ مفاصلَ الاقتصاد؛ ما جعل سوريا هَشَّةً أمام الأزمات. وبعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، ظهرت مخاوفُ من إعادة إنتاج نفس الآليات ما لم تُتَّخَذْ إصلاحاتٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص ومنع نشوء شبكات محسوبية جديدة[1].

ويكشف الواقع الحالي في سوريا عن امتداد هذا الإرث في تحكُّم قِلَّةٍ من الأفراد بمفاصل الاقتصاد الحيوية، حيث شكَّلت علاقاتُ الولاء والامتيازات الخاصة أدواتٍ لضمان السيطرة السياسية والاقتصادية على حدٍّ سواء، وقد أدَّت هذه الشبكات إلى تركيز الثروة في أيدي نخبة محدودة؛ ما صَعَّبَ تطوير قطاع خاص مستقل وأضعف القدرة المؤسَّساتية على مواجهة الأزمات. وفي مرحلة ما بعد الأسد، تُواجه الحكومةُ الانتقاليةُ تحديًا مزدوجًا، يتمثَّل في تفكيك هذه الشبكات دون زعزعة الاستقرار الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تأسيس آليات شفَّافة للمُساءلة وتوزيع الفرص بشكل عادل، لضمان ألا تتحوَّل الهيمنة السابقة إلى مصدر جديد للنفوذ والمحسوبية[2].

لقد ترسَّخ هذا الوضع خلال حكم الأسد في شكل «شبكة اقتصادية-سياسية متماهية» تضم أقارب ومسؤولين ومستفيدين دائمين يهيمنون على القطاعات الاستراتيجية بلا شفافية أو منافسة حقيقية. ووفق دراسة منشورة في مجلة قضائية‑قانونية، اقتصرت هذه النخبة على رجال أعمال موالين للنظام السوري، ومُنحت لهم امتيازات واسعة في قطاعات البنوك، الاتصالات، العقارات، والمصادر العامة[3]؛ وأصبحت المحسوبية والفساد ظاهرة منهجية في البلاد، حيث تحوَّلت موارد الدولة إلى أدوات لضمان استمرار السيطرة السياسية والاقتصادية، بدلًا من الاستثمار في التنمية العامة أو تعزيز قدرة المؤسسات على مواجهة الأزمات[4].

وفي ذلك السياق، أشارت تقارير رسمية، خلال السنوات التي سبقت اندلاع الاحتجاجات في عام 2011 وفي المراحل الأولى من الصراع، إلى أن ما يقارب 85% من عائدات النفط كان يُحَوَّلُ مباشرةً إلى شبكات النُّفوذ المرتبطة بعائلة الأسد. وفي تلك الحقبة، كان رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد وأحد أبرز رجال الأعمال الموالين للنظام الذين ظهر دورُهم في قطاعات مثل الاتصالات والاستثمارات العقارية والمصرفية، قد رسَّخ موقعه كمحور للاقتصاد السوري، إذ أظهرت التقديرات آنذاك أنه هيمنَ على نحو 60% من النشاط الاقتصادي عبر شبكة واسعة من الشركات العاملة في الاتصالات والطاقة والخدمات المالية والنقل. وقد جعل هذا النمط من السيطرة ممارسة أي نشاط تجاري من دون المرور عبره أمرًا شبه مستحيل. ومع انتشار الفساد والرشوة في مؤسسات الدولة، وتصاعد تهريب الرساميل إلى الخارج خلال سنوات ما قبل الحرب ومع بدايتها، تراجعت قدرة الاقتصاد السوري على الاستثمار والإنتاج، واتَّسعت فجوات الدخل وتقلَّصت الفرص المتاحة؛ ممَّا أسهم في تفاقم البطالة والفقر وحرمان الشباب من أي عوائد تنموية محتملة[5].

كما يُجَسِّدُ القطاعُ العام في سوريا أحدَ أبرز مظاهر رأسمالية المحسوبية، إذ تحوَّل تدريجيًّا إلى أداة لإدارة الولاءات السياسية أكثر من كونه مؤسسة إنتاجية. فقد توسَّع التوظيفُ الحكوميُّ منذ عهد حافظ الأسد وفق الولاء والامتياز، وليس وفق الاحتياجات الاقتصادية أو خطط التنمية، ما أدَّى إلى تضخُّم الجهاز الإداري، وتراجُع الكفاءة، وغياب الحوافز على الإنتاج. ومع حكم بشار الأسد، استمرَّت هذه البنية وتعمَّقت، حيث أصبح القطاع العام مكتظًّا بالعمالة غير المنتجة، يفتقر إلى الحوكمة والرقابة، ويعتمد على موارد الدولة لضمان ولاء الموظفين عوضًا عن الاستثمار في الإنتاج والخدمات[6].

هذا الهيكل جعل القطاع العام غير قادر على أداء دوره الطبيعي كمحرِّك للنمو أو داعم للخدمات العامة، فبات عبئًا ماليًّا يستهلك جزءًا كبيرًا من الموارد المحدودة، بينما تراجعت قدرته على الابتكار والمنافسة، كما عزَّز هذا التداخل بين الاقتصاد والسياسة استمرار منظومة المحسوبية؛ ممَّا أعاقَ فرصَ الإصلاح وعرقل جهود تحديث الإدارة العامة. لذلك، فإن أي تصور لاقتصاد سوري جديد بعد الأسد يتطلب إعادة هيكلة شاملة للقطاع العام، وتحرير التوظيف من الحسابات السياسية، وتطبيق معايير صارمة للكفاءة والمساءلة، لضمان بناء اقتصاد أكثر فاعلية واستدامة وقادر على التعافي[7].

ب) إعادة تشكيل السلطة الاقتصادية بعد الحرب: ولاءات جديدة ونفوذ مركزي

شهدت الفترة 2019-2021 صدامًا بين النظام السوري ورامي مخلوف؛ ما كشف هشاشة منظومة المحسوبية التقليدية. دفعت الأزمة بشار الأسد إلى تفكيك شبكاته القديمة مثل حمشو، فوز، وقاطرجي، وإعادة تشكيل شبكة جديدة تعتمد على واجهات مالية صغيرة غير معروفة مثل يسار إبراهيم، راميه ديب، ورزان حميرة، مرتبطين مباشرة بالقصر الجمهوري من دون نفوذ مستقل. أرسَى هذا التحوُّل نموذجًا أكثر انغلاقًا ومركزية قائمًا على الولاء الشخصي وليس تحالفات المصالح، ما عزَّز السيطرة الاقتصادية للنظام وأضعف فرص ظهور قطاع خاص مستقل أو بيئة جاذبة لإعادة الإعمار، ليظلَّ الاقتصاد السوري محكومًا بتوازن هَشٍّ بين النفوذ القديم والولاءات الجديدة[8].

ويُظهر الواقع الحالي من خلال تحقيق استقصائي لوكالة “رويترز” (يوليو 2025) أن عملية إعادة تشكيل الاقتصاد السوري بعد الحرب لا تتم ضمن إطار مؤسَّسي معلَن، بل عبر لجنة اقتصادية غير رسمية يقودها حازم الشرع، شقيق الرئيس أحمد الشرع، وتضمُّ رجالَ أعمال نافذين وشخصيات مدرجة على قوائم العقوبات، أبرزهم إبراهيم سكريَّة المعروف بـ “أبو مريم الأسترالي”؛ وقد بدأت اللجنة تحركاتها في عام 2024 بتفويض غير معلن من الرئاسة السورية بحجَّة “استعادة الأموال المنهوبة وإعادة هيكلة الاقتصاد”، لكنها تعتمد في عملها على التفاوض المباشر مع رجال الأعمال وتقديم خيارين: المصادرة الكاملة أو الدخول في شراكات تخضع لسيطرتها، وقد تمَّ في إطار اللجنة الاقتصادية إعادة توزيع أصول تُقَدَّرُ بأكثر من 1.6 مليار دولار[9].

وتُشير الأدلَّة إلى أن البنية الجديدة للسلطة الاقتصادية ليست قطيعة مع نظام “الاقتصاد العائلي” الذي ترسَّخ خلال عقود حكم الأسد، بل هي إعادة ترتيب داخلية للثروة والموارد، حيث تُستبدل شبكات الاحتكار والمحاباة القديمة بشبكة جديدة تُديرها الدائرة الحاكمة باستخدام أدوات مماثلة، مثل السيطرة على تراخيص الاستثمار وإعادة توزيع حصص الشركات وإخضاع القطاع الخاص لتسويات تفتقر للشفافية والمساءلة، ما يهدِّد فرصَ التعافي الاقتصادي الحقيقي ويحوِّل مرحلةً ما بعد الحرب إلى إعادة ترسيخ بنية سلطوية اقتصادية تحدُّ من قدرة سوريا على جذب الاستثمارات وبناء بيئة إنتاجية تنافسية[10].

ج) تأثير تفكيك شبكات النفوذ على العدالة الانتقالية

يعدُّ التعامل مع شبكات رأس المال التي ترعرعت في ظل نظام الأسد معضلة ينبغي إحسان التعامل معها، فعودة رجال أعمال من خارج سوريا مثل محمد حمشو، وسامر فوز، وخلدون الزعبي -وهم من أبرز الواجهات الاقتصادية التي اعتمد عليها النظام السابق في تمويله وتعزيز نفوذه خلال الحرب- لا تعكس مجرَّد تحرُّكات فردية، بل تمثِّل اختبارًا لقدرة الدولة الجديدة على تفكيك منظومة المحسوبية دون خسارة الموارد والخبرات التي ما تزال تلك الشبكات تمتلكها. وهنا يتحدَّد المسار بين تسوية منظَّمة تساعد على كشف شبكات الفساد وضخ رأس المال في الاقتصاد، وبين إعادة تدوير النفوذ القديم بما يقوِّض ثقةَ السوريين بالعدالة الانتقالية ويعيد إنتاج السلطة الاقتصادية السابقة[11].

وقد كشف سقوط نظام الأسد عن فضيحة فساد وظيفي غير مسبوقة في سوريا، بعد الإعلان في يناير 2025 عن وجود نحو 400 ألف موظف وهمي يتقاضون رواتب دون أي عمل فعلي، ما أبرز حجم الانهيار الإداري المتراكم خلال العقود الماضية. وتواجه حكومة تسيير الأعمال تحديات كبيرة لإعادة هيكلة الجهاز الحكومي، إذ يعمل فعليًّا نحو 900 ألف موظف بينما تحتاج الدولة أقل من نصف هذا العدد. ومع السعي للتخلُّص من “الموظَّفين الأشباح” وتحقيق وفرةٍ ماليةٍ، تظهر مخاطر اجتماعية وسياسية نتيجة التسريحات الواسعة واستبدال قطاعات كاملة كالأمن والجيش والبعث، إلى جانب بدء خصخصة الشركات الحكومية، في ظلِّ وعود بمضاعفة الرواتب وتحسين المعيشة[12].

يتبيَّن من ذلك أن حملات التطهير الواسعة بعد سقوط نظام الأسد، رغم طرحها كعدالة انتقالية، تؤدي عمليًّا إلى هزَّة اقتصادية واجتماعية في بلد تتجاوز فيه البطالة 60%. فإقصاء وإقالة مئات الآلاف دون معايير واضحة تُعَمِّقُ الانقسامات، خصوصًا بين الفئات المرتبطة تاريخيًّا بمؤسسات الدولة. ويُعيد ذلك أخطاء العراق بعد 2003، حيث أدَّى الإقْصاء الواسع إلى تفكُّك المؤسَّسات وتصاعد التوتُّرات الطائفية. وفي سوريا اليوم، يهدِّد تداخل الاستبعاد الاقتصادي والسياسي بتعزيز الهويات المنقسمة وتقويض شرعية الانتقال، ما يجعل العدالة الانتقالية – إذا لم تُبْنَ على محاسبة فردية شفافة – عاملَ زعزعة لا عاملَ استقرار[13].

وتوضِّح إجراءاتُ السلطات الجديدة، مثل إعادة تشكيل الشرطة وفق مرجعيات دينية، أن العدالة الانتقالية تواجه تحديًا مزدوجًا: تفكيك النفوذ القديم وإعادة إنتاج أشكال جديدة من السيطرة. فالاعتماد على الانتماءات العقيدية في التعيينات والتدريب يعمِّق الانقسامات ويُعيد إنتاج آليات الإقصاء بصيغة جديدة، بينما يصبح الأمن أداةً للتحكُّم بالموارد والأسواق والمجتمع، ممَّا يجْعل إعادةَ هيكلةِ الشرطة خطوةً محوريةً لرسم ملامح النفوذ الاقتصادي والسياسي المستقبلي ويؤثر على استقرار المرحلة الانتقالية[14].

المحور الثاني- هيكلة اقتصاد الحرب: ديناميات اقتصاد الصراع السوري

شهد الاقتصاد السوري منذ 2011 تحولات عميقة، حيث تحوّل النشاط الإنتاجي إلى اقتصاد حرب يعتمد على الافتراس والجبايات والتحويلات الخارجية. وتزاوجت السياسات النيوليبرالية مع الاستبداد لتعميق التفاوتات الاجتماعية، فيما شكلت العقوبات الدولية حاجزًا أمام إعادة الإعمار وتنمية اقتصاد رسمي مستقر.

أ) تحويل النشاط الإنتاجي إلى اقتصاد حرب

يشير مصطلح “الاقتصاد السياسي للحرب الجديدة” إلى نظام مختلف جذريًّا عن “اقتصاد الحرب” المركزي والمكتفي ذاتيًّا الذي اتَّسمت به الحروب الشاملة في القرن العشرين. هذه الحروب تُوصف بأنها “حروب مُعولمة”، وتتميَّز بتفتيت الدولة ولامركزيتها، حيث يحل “نقل الأصول” (Asset Transfer) والدعم الخارجي محل الإنتاج المحلي المنهار كمصدر رئيسي لتمويل المجهود الحربي. يشمل نقل الأصول الأشكال الأساسية للافتراس مثل النهب، والسرقة، والابتزاز، وأخذ الرهائن. كما يشمل الضغط على السوق من خلال نقاط التفتيش والحصار، ممَّا يسمح للوحدات القتالية بالتحكُّم في الأسعار وإجبار السكان على بيع ممتلكاتهم بأسعار زهيدة للحصول على الضروريات[15].

مع تفكُّك البنية الإنتاجية في سوريا منذ 2012 وحتى سقوط نظام الأسد في 2024، تحوَّل الاقتصاد من إنتاجي إلى اقتصاد حرب قائم على البقاء تحت ضغط النزاع والعزلة والعقوبات. مع تراجع الزراعة والنفط والصناعة، أصبحت مصادر الدخل الأساسية مرتبطةً بالجبايات على الطُّرق والمعابر، والتحويلات المالية من المغتربين، والمساعدات الإنسانية، فيما نشأتْ شبكات اقتصادية موازية مرتبطة بالنُّخب العسكرية والأمنية، استفادت من الاستيراد غير الرسمي والبيع في السوق السوداء، إلى جانب توسُّع الاتجار غير المشروع بالمخدرات، بما فيها الكبتاجون كمصدر دخل لشبكات نافذة[16].

وتجاوزت هذه الشبكات الاقتصاد التقليدي لتشمل فرض “ضرائب حرب” وأموال حماية على السلع الأساسية، إضافة إلى التهريب والتجارة غير القانونية واختراق العقوبات. ومع انهيار النشاط الإنتاجي المحلي، أصبح الاعتماد على التحويلات الخارجية والمساعدات الإنسانية أمرًا حيويًّا لاستمرارية الاقتصاد. هذا النموذج القائم على الافتراس والسيطرة على التدفُّقات المالية العالمية يعزِّز مصالحَ راسخة في استمرار النزاع، ويحوِّل الاقتصاد إلى أداةٍ للبقاء السياسي بدل أن يكون محرِّكًا للتنمية والاستقرار[17].

وتجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد السوري، شهد بالتزامن مع الحرب، صدمةً اقتصاديةً حادَّة خلال الفترة من 2011 إلى 2022، حيث انهار نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي -28% في عام 2012. اقترنت هذه الأزمة بـ قفزات تضخمية ضخمة، بلغت ذروتها حوالي 50% في عام 2015. ورغم أن معدَّلات الانكماش هدأتْ واستقرَّ النموُّ حولَ الصِّفر بعد عام 2018، ظلَّ الاقتصاد يُعاني من بطالة هيكلية مستمرَّة عند مستويات مرتفعة (حوالي 15%) طوال الفترة، ممَّا يؤكِّد التأثير المدمِّر والطويل الأمد للصراع على البنية الاقتصادية ومستويات المعيشة[18].

ب) النيوليبرالية الاستبدادية: انعكاسات على ديناميات إعادة الإعمار

شهدت سوريا منذ مطلع الألفية تحوّلًا تدريجيًّا نحو سياسات تُوصف بالنيوليبرالية الانتقائية، لم تهدف إلى تحرير السوق فعليًّا، بل إلى إعادة تشكيلِه بما يخدم السلطة القائمة. تمَّ رفع بعض القيود على الاستثمار والقطاع الخاص والانفتاح على رؤوس الأموال، إلا أنَّ هذا التحوُّل لم يُنتج اقتصادًا تنافسيًّا، بل عَمَّقَ التفاوتات الاجتماعية، وأضعف الطبقة الوسطى، وقلَّص دور الدولة الاجتماعي مع تعزيز دورها الأمني. وهكذا تزاوجت النيوليبرالية مع الاستبداد، فحُوِّل الاقتصاد إلى فضاء مسيطَر عليه سياسيًّا تُدار فيه الموارد بما يخدم بقاء السلطة لا متطلبات التنمية[19].

تفاعل هذا الإرث النيوليبرالي-الاستبدادي مع اقتصاد الحرب بعد 2011، ممَّا زاد من هشاشة الاقتصاد السوري وعمَّق الانهيار البنيوي. تراجعت قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، بينما توسَّعت شبكاتُ الامتيازات الاقتصادية المرتبطة بالنزاع، وتحول القطاع الخاص إلى مساحة يهيمن عليها أمراء الحرب والمستفيدون من الظروف الاستثنائية، بما في ذلك العقوبات والتهريب. وفي مرحلة ما بعد الأسد، أصبح هذا الإرث يشكل تحديًا مركزيًّا أمام أي إصلاح اقتصادي، إذ يستلزم إعادة بناء السوق على أسس شفافة وقواعد عادلة تسمح بانتعاش الإنتاج واستيعاب الكفاءات وتقليص الاعتماد على اقتصاد الظل، وهو شرط أساسي لإعادة بناء دولة أكثر استقرارًا وشرعية وقدرة على التعافي[20].

في مواجهة هذا الإرث المعقَّد من النيوليبرالية الاستبدادية واقتصاد الحرب، اتَّجه أحمد الشرع منذ تولِّيه المرحلة الانتقالية في 2025 إلى تطبيق برامج إصلاحية تهدف إلى إعادة هيكلة الدولة وإطلاق سياسات اقتصادية جديدة، تعتمد على كفاءة مؤسساتية، وخفض الفساد والمحسوبية، وجذب الاستثمار[21]، وفي هذا الإطار، قام بتشكيل حكومة انتقالية تضم 23 وزيرًا بتوزيع طائفي/مناطقي (تضم وزيرًا درزيًّا وآخر كرديًّا ووزيرًا علويًّا)[22]؛ وفي محاولة لتوسيع المشاركة اقتصاديًّا، تبنَّت الحكومة الانتقالية برنامج تحرير اقتصادي واسع، يتضمَّن خصخصةَ غالبية الشركات الصناعية التي كانت تديرها الدولة، فضلًا عن تسريح جزء من موظفي القطاع العام وإلغاء ما يُعرف بـ «العمال الوهميِّين» من جداول الرواتب الحكومية[23].

وَسَعَتْ حكومة أحمد الشرع إلى اعتماد إجراءات اقتصادية ذات طابع رمزي، مثل زيادة رواتب القطاع العام، وتحرير التعامل بالدولار، وتوحيد الرسوم الجمركية، كوسيلة لشراء الوقت وإظهار قدرة الدولة في ظلِّ انهيار بنيوي شامل. ورغم تركيز السياسات على تجنُّب الأزمات الفورية عبر تأمين التمويل والطاقة، يكشف غياب رؤية اقتصادية واضحة وضعف الاعتراف الدولي عن استمرار الاقتصاد كأداة لإنتاج الشرعية السياسية لا لتحقيق التنمية، ممَّا يرسِّخ النمط السلطوي بواجهة جديدة ويحدُّ من فرص إعادة الإعمار المستدامة[24].

ج) تعطيل العقوبات الدولية لإعادة الإعمار

منذ 2011، تراكمت العقوبات الدولية على سوريا عبر مسار زمني معقَّد، بدأ بحظر النفط وتجميد الأصول وقيود البنك المركزي، ثم توسَّع بين 2013 و2018 ليشمل قطاعات الشحن والطيران والمصارف والطاقة والفوسفات. وشكَّل قانون قيصر في 2019 نقطة تحوُّل بالغة الأثر، إذ حوَّل العقوبات إلى نظام يجرِّم أي تعامل خارجي مع قطاعات البناء والطاقة، ما عطَّل الاستثمار في الإعمار. بين 2020 و2022 ظل الإطار العقابي ثابتًا مع استثناءات إنسانية محدودة، فيما بدأ الاتحاد الأوروبي منذ 2023 بتوسيع بعض الإعفاءات لمشروعات التعافي، وصولًا إلى تخفيف محدود في 2024 سمح بمرونة أكبر للمنظمات الدولية، لكنه لم يشمل القطاعات الحيوية، ما أبقى الاقتصاد السوري مشلولًا وجعل التخفيف ذا طابع إنساني أكثر من كونه اقتصاديًّا[25].

يمثِّل هذا الإطار القانوني -خصوصًا العقوبات الأمريكية بقيادة قانون قيصر وأوامر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)- أحد أبرز العوائق أمام إعادة الإعمار والتحول الاقتصادي، إذ تُبقي هذه العقوبات المصارف والشركات الدولية متردِّدة في أي تعامل مع الاقتصاد السوري. كما أنها تفرض تبعاتٍ واسعةً على أي طرف يحاول التوسُّع في الاستثمار أو التمويل، ما يحدُّ من تدفُّق رؤوس الأموال والخبرات الفنية اللازمة لإطلاق مشاريع بنيوية. أما العقوبات الأوروبية، رغم تعليق جزئي لبعض القيود في قطاعات الطاقة والنقل خلال 2025، فتظل مؤقَّتة وغير مؤكَّدة قانونيًّا، ما يزيد حالة عدم اليقين ويحدُّ من إمكانية إطلاق مشاريع طويلة الأمد[26].

ويتجاوز تأثير العقوبات مجرَّد تعطيل التمويل والتحويلات، ليطالَ عمليةَ الإصلاح الاقتصادي والمؤسَّسي نفسها. فالقيود على النظام المصرفي تمنع إعادة الاتصال بالنظام المالي العالمي، وتحافظ على اعتماد الاقتصاد على التعاملات النقدية غير الرسمية، ممَّا يقوِّض قدرةَ الدولة والقطاع الخاص على بناء بنية مالية شفافة وحديثة ويحدُّ من ترسيخ حوكمة فعَّالة. ونتيجة لذلك، يظل استمرار العقوبات عاملًا أساسيًّا في تعميق هشاشة الاقتصاد السوري وتقليص فرص بناء مؤسَّسات مستقرَّة قادرة على قيادة إصلاح مستدام بعد الحرب[27].

المحور الثالث- إعادة توزيع الموارد الاقتصادية بعد الأسد

مع سقوط نظام الأسد، بدأ الاقتصاد السوري يشهد إعادة توزيع غير مسبوقة للسلطة الاقتصادية، انعكست على مراكز النفوذ التقليدية والموارد الاستراتيجية. تراوحت هذه التحولات بين تغيُّر القوى الاقتصادية المحلية وإعادة تشكيل مراكز القرار بما يتماشى مع الظروف الجديدة بعد الحرب.

أ) تباين السيطرة على الموارد بين المناطق

بعد سقوط نظام الأسد، تحول الاقتصاد السوري إلى تركيبة معقَّدة متعدِّدة المراكز، حيث لم تعد الموارد الاقتصادية مركَّزة بالكامل في الحكومة المركزية بدمشق[28]. فالانقسام الإداري والجغرافي العميق أدَّى إلى ظهور ثلاث مناطق رئيسية تسيطر كلٌّ منها على مواردها بشكل شبه مستقل، ومناطق سيطرة دمشق والساحل تعتمد على المؤسَّسات الرسمية والعملة الوطنية، لكنها تُعاني من شُحِّ الموارد الطبيعية، وتعتمد على دعمٍ خارجيٍّ محدودٍ من حلفاء مثل روسيا وإيران. كما تحتفظ الحكومة المركزية بالنفوذ في القطاعات الاقتصادية الحساسة مثل الطاقة والمالية عبر شخصيات مرتبطة ببنية الحكم السابقة، ما يمنحها قدرة محدودة على التحكُّم في الاقتصاد رغم الانهيار الشامل[29].

في المقابل، تسيطر الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا على معظم الثروات النفطية والزراعية، ما يمنحها قدرة شبه مستقلَّة على إدارة مواردها. ومع ذلك، فإن العُزلة السياسية والعقوبات الدولية تحدُّ من استفادتِها الاقتصادية الكاملة، وتفرضُ قيودًا على الانفتاح التجاري والتطوير المحلي. أمَّا المناطق الواقعة تحت نفوذ المعارضة المدعومة من تركيا في الشمال الغربي، فاقتصادها يعتمد بشكلٍ كبيرٍ على التدفُّقات التجارية والمساعدات التركية، مع اعتماد محدود على الإنتاج المحلي[30].

هذا الانقسام في السيطرة على الموارد يجعلها أدوات نفوذ وصراع بين الأطراف المختلفة، ويضعف قدرة الدولة على توزيع الموارد بشكل عادل أو بناء اقتصاد موحَّد، كما أن انخفاض إنتاج النفط من أكثر من 400 ألف برميل يوميًّا قبل 2011 إلى نحو 91 ألفًا في 2023، قَلَّلَ من قدرة الدولة على التمويل، وأدَّى إلى اقتصادٍ متعدِّد المراكز، لأن أيَّ سياسات موحَّدة ترتبط بإعادة دمج المناطق واستعادة موارد الطاقة[31].

وفي ظلِّ الانقسام الإداري والجغرافي العميق الذي يعيد توزيع السيطرة على الموارد بين مناطق مختلفة في سوريا، يصبح إصلاح المؤسسات وتعزيز فعالية الدولة المركزية ضرورة لإدارة الموارد بشكل فعَّال. وتُعَدُّ إعادةُ توزيع السلطات على المستوى المحلي أمرًا حيويًّا لضمان استجابة السياسات الاقتصادية لاحتياجات المجتمعات المختلفة، بما في ذلك اللاجئون والنازحون والأُسر التي ترأسُها نساء. كما أن إشراك الأطراف الاقتصادية والاجتماعية في صنع القرار يساعد على تحديد أولويات الاستثمار وتوزيع الموارد بعدالة، ويقلِّل من سيطرة النخب على الاقتصاد، ويعزِّز شرعية الحكومة، ويزيد قبول المجتمع للسياسات الجديدة في سياق بلد متعدِّد المراكز الاقتصادية والإدارية[32].

ب) تأثير الانقسام على الخدمات العامة والاقتصاد المحلي

انعكس الانقسام الجغرافي والإداري في سوريا بشكل واضح على الخدمات العامة والبنية التحتية في سوريا؛ فقد شهدت مناطق مثل دمشق والمناطق الوسطى ضعفًا شديدًا في البنية التحتية ونقصًا في السيولة، مع تدهور التعليم والصحة والكهرباء، ما يزيد صعوبة إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي. بينما تمكَّنت بعضُ المناطق، مثل إدلب، من الاستفادة من شبكات دعم شبه مستمرة، مما خلق تفاوتًا واضحًا في جودة الخدمات والقدرة الإنتاجية بين المناطق[33].

توصَّلت قواتُ سوريا الديمقراطية “قسد” مع الحكومة الانتقالية بقيادة “أحمد الشرع” في مارس 2025 إلى اتفاق مبدئي لدمج القوات الكردية في الجيش السوري الجديد، بعد مفاوضات استمرَّت أشهر بدعم أمريكي ودولي[34]؛ وقد كشف الاتفاق عن تحوُّلات ملموسة في توزيع السلطة الاقتصادية، إذ سمح للحكومة الانتقالية باستعادة السيطرة على مناطق نفطية استراتيجية في شمال شرق البلاد (تضم 95% من موارد النفط والغاز في البلاد)، بينما ظلَّ الساحل والمناطق الوسطى تحت تأثير اضطرابات أمنية ونفوذ المليشيات المحلية التي فرضت سيطرتها على موارد اقتصادية حيوية. هذا الوضع أنتج اقتصادًا متعدِّد المراكز، حيث أصبح أي تخطيط اقتصادي موحَّد مرتبطًا بقدرة الحكومة على إعادة دمج هذه المناطق والتحكُّم في موارد الطاقة بشكل فعَّال[35].

منذ 2011، سيطرتْ قوى خارجية ومحلية على مساحات واسعة من سوريا، بما فيها معظم الحقول النفطية، ما خفض الإنتاج إلى نحو 91 ألف برميل يوميًّا وحدَّ من قدرة الدولة على التمويل، وخلق اقتصادًا يجعل أي سياسة موحَّدة مرهونة بإعادة دمج هذه المناطق واستعادة موارد الطاقة، وفي هذا السياق، يظل دور الدولة حاسمًا في تخصيص الموارد وحماية السوق الحيوي من الهيمنة الخارجية[36]. بينما يعتمد نجاح الحكومة الانتقالية على قدرتها على خلق بيئة مؤسَّسية شفَّافة تشجع الاستثمار المحلي والأجنبي وتمكِّن القطاع الخاص والمجتمع المدني من لعب دور حقيقي في توفير الخدمات وخلق فرص العمل بعيدًا عن المركزية التي فشلت في الماضي[37].

ج) بروز تحديات بشأن الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار

يؤكِّد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (فبراير 2025) أن الاقتصاد السوري يعاني تراجعًا حادًّا، حيث تقلَّص الناتج المحلي الإجمالي الحالي إلى أقل من نصف مستواه قبل الحرب، ومؤشر التنمية البشرية هبط إلى 0.557 مقارنة بـ0.661 عام 2010، ما يعكس خسارة ثلاثة عقود من التقدم التنموي. واستمرار معدل النمو البالغ 1.3% سنويًّا يعني أن استعادة مستوى 2010 ستستغرق نحو 55 عامًا، بينما يتطلب تحقيق تعافٍ ملموس نموًّا سنويًّا بين 3.7% و7.6% مع إصلاح الحوكمة وتعزيز الإنتاجية وإعادة بناء البنية التحتية الأساسية[38]. ويشير البرنامج إلى أن التعافي لا يمكن أن يقتصر على المساعدات الإنسانية قصيرة الأجل، بل يحتاج إلى استثمارات تنموية طويلة المدى لإعادة استقرار الاقتصاد والمجتمع، مع التركيز على استعادة القدرة الإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتنشيط القطاع الزراعي، وضمان الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والطاقة[39].

تُقدَّر تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار تشمل 82 مليارًا للبنية التحتية و75 مليارًا لإعادة بناء المساكن و59 مليارًا للمنشآت غير السكنية، وفقًا لتقديرات البنك الدولي (أكتوبر 2025). وتعكس هذه الكلفة حجم الدمار الواسع الذي طال ما يقرب من ثلث رأس المال الثابت قبل الحرب، حيث بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 108 مليارات دولار موزَّعة بين البنية التحتية (48%) والقطاع السكني وغير السكني، مع تصدُّر محافظات حلب وريف دمشق وحمص قائمة المناطق الأكثر تضرُّرًا. ويؤكِّد البنك الدولي أن نجاح جهود الإعمار يستلزم التزامًا جماعيًّا وتنسيقًا دوليًّا لإعادة الخدمات الأساسية، وإحياء المجتمعات المحلية، ووضْع أُسُسِ تنميةٍ أكثر صمودًا واستدامة للمستقبل[40].

على صعيد التعافي الفوري، أظهرت مؤشرات الاقتصاد السوري بعد عشرة أيام من سقوط نظام بشار الأسد بداية زخم إيجابي، حيث أعاد المصرف المركزي تشغيل الصرَّافات الآليَّة وخدمات الدفع الإلكتروني، وقفزت الليرة بأكثر من 45% لتقترب من مستويات ما قبل الانهيار. كما استأنفت المطارات الرئيسية عملها، وزادت حركة الطيران والشحن، وعودة الشاحنات عبر الحدود مع الأردن[41]. غير أن الخبراء يشيرون إلى أن استقرار الاقتصاد مرتبط بعودة إنتاج النفط والقمح وتشغيل المؤسسات، إضافة إلى توفير الأمن السياسي والاقتصادي، في ظلِّ توقُّعات البنك الدولي باستمرار ضعف الاستثمار الخاص وارتفاع معدَّلات الفقر[42].

وفي الوقت نفسه، شهدت سوريا زخمًا استثماريًّا إضافيًّا مع إعلان دول مثل السعودية (أكتوبر 2025) عن حزمة واسعة من المشاريع في مختلف القطاعات، بالتوازي مع دعم صندوق النقد الدولي لبناء مؤسسات اقتصادية قوية[43]. كما اندفعت الشركات التركية الكبرى لدخول سوق إعادة الإعمار في سوريا الذي تقدِّره تركيا بنحو 400 مليار دولار، لتنخرط في مشاريع رئيسية بقطاعات الطاقة والبنية التحتية والمطارات، في إطار جهود لدعم الاستقرار وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين، وتحويل سوريا إلى شريك اقتصادي إقليمي مستقر، ما يعكس عودة سوريا التدريجية إلى المشهد الاقتصادي الإقليمي والدولي[44].

ويمثِّل الانتقال السياسي فرصة لإعادة تعريف علاقة الدولة بالاقتصاد، عبر تفكيك شبكات النفوذ القديمة وبناء إطار اقتصادي يقوم على الشفافية واستقلالية المؤسسات وإعادة توزيع الموارد بعدالة أكبر. غير أن هذا المسار يواجه مقاومة الفاعلين المستفيدين من اقتصاد الحرب، إضافة إلى الشروط الدولية المرتبطة بالمساعدات. كما تتطلَّب إعادة دمج الاقتصاد السوري في المحيط الإقليمي إصلاح النظام الضريبي والجمركي، حسم قضايا الملكية والإعمار، ومعالجة توسع الاقتصاد غير الرسمي. ويقف صناع القرار أمام معادلة حساسة: الشروع في إصلاحات جذرية لتعزيز الثقة والاستثمار، أو استمرار نفوذ اقتصاد الظلِّ بما يهدِّد استقرار المرحلة الانتقالية[45].

خاتمة:

تُظهِر قراءة مسار الاقتصاد السوري عبر العقود أنَّ المحسوبية لم تكن مجرد انحراف عن منطق السوق، بل كانت الإطار الحاكم للمنظومة الاقتصادية برمَّتها. فقد أدَّت سيطرة شبكات النفوذ إلى تآكل مؤسسات الدولة، وإضعاف القدرة الإنتاجية، وتوجيه الموارد نحو شبكات خاصة بدلًا من التنمية العامة. ومع دخول البلاد مرحلة ما بعد الأسد، يتبيَّن أن هذا الإرث لا يزال حاضرًا في تفاصيل الواقع الاقتصادي، إذ لم تختفِ آليات الريع والاحتكار، بل اتَّخذت أشكالًا جديدة تتكيَّف مع موازين القوى المتغيرة. وهذا ما يجعل مهمة الإصلاح أكثر تعقيدًا، إذ لا تقتصر على تحسين السياسات، بل تتطلَّب إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والاقتصاد من جذورها.

لقد أفرزت سنوات الصراع واقعًا اقتصاديًّا هَشًّا يفتقر إلى أي ديناميكيات قادرة على توليد النمو أو استدامته. فالحرب أنتجت طبقة واسعة من المستفيدين من الفوضى، وصنعت اقتصادًا موازيًا أكثر قوة وتأثيرًا من الاقتصاد الرسمي، ما عمَّق التشظِّي وأضعف قدرة الدولة على استعادة دورها. وفي مواجهة هذه البنية المركَّبة، تبدو جهود إعادة الإعمار مهدَّدة بالوقوع في الفخ ذاته إذا لم تُقرن برؤية واضحة تهدف إلى تفكيك الممارسات القديمة، وإغلاق مسارات الفساد، ومنع إعادة تدوير النخب التي ارتبط نشاطها بالمحسوبية أو اقتصاد الحرب. فبدون هذا التحول البنيوي، ستبقى أي إعادة بناء مجرد تحسينات شكلية فوق أرضية غير مستقرَّة. وعليه، فإن مستقبل الاقتصاد السوري سيتحدَّد بقدرة الحكومة الانتقالية والقوى الفاعلة على رسم مسار جديد يتجاوز المنطق الذي حكم العقود الماضية. فبناء اقتصاد منتج يتطلَّب إصلاحًا إداريًّا ومؤسَّسِيًّا، وتعزيزًا لسيادة القانون، وخلق بيئة تمكِّن المبادرات الفردية والاستثمار الحقيقي بعيدًا عن التحكُّم السياسي. كما يتطلَّب إعادة توزيع عادلة للفرص، وإشراك المجتمعات المحلية في صنع القرار، واستعادة الثقة بين الدولة والمواطنين. إن نجاح هذه المهمَّة لن يكون سريعًا أو سهلًا، لكنه السبيل الوحيد لإرساء تعافٍ حقيقي يفتح الباب أمام اقتصادٍ قادرٍ على النموِّ والاستدامة، ويمنح السوريِّين فرصةً لبناء دولة جديدة لا يُعاد فيها إنتاج الماضي، بل تُصاغ فيها قواعد مستقبل مختلف.


باحث في العلوم السياسية.

[1] روان خربوطلي، رأسمالية المحسوبية في سورية: تطور الشبكات الاقتصادية والنخب (1970-2024)، مجلة قلمون، أبريل 2025، تاريخ الاطلاع: 13 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/kR5Cv

[2] Karam Shaar and Steven Heydemann, Networked Authoritarianism and Economic Resilience in Syria, Brookings Institution, 26 August 2024, available at: https://shorturl.at/dXYp7

[3] Noor Hamadeh, Exploring Business, Human Rights, and Authoritarianism in Syria, Arab Law Quarterly, Vol. 36, No. 4-5, 4 April 2022, pp. 5, available at: https://bit.ly/4q9z3Jz

[4] Mariam Shenawy & Selma Mhaoud, Assad-Era corruption still threatens Syria’s transition, report warns, OCCRP, June 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://tinyurl.com/y6znskke

[5] Fatih Kırşanlı, Crony Capitalism and Corruption in the Middle East and North Africa, Journal of Economy Culture and Society, Vol. 68, No. 68, December 2023, pp. 10-12, available at: https://bit.ly/4pGA9g4

[6]حسين القاضي، القطاع العام في سوريا بين التوظيف السياسي والتراجع الاقتصادي، مجلة قلمون، المجلد ٨، العدد ٣١، أبريل ٢٠٢٥، ص ١٧-٣٥، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4pJZEgL

[7] المرجع السابق.

[8] Karam Shaar and Steven Heydemann. Op. cit.

[9] Timour Azhari and Feras Dalatey, Syria is secretly reshaping its economy. The president’s brother is in charge, Reuters, 24 July 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://tinyurl.com/4j9nfhv6

[10] Ibid.

[11] تمارا عبود، النفوذ الاقتصادي في سوريا الجديدة.. تفكيك شبكات الأسد أم استيعابها؟، تليفزيون سوريا، مارس ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/NDp29

[12] مصطفى رستم، “الموظف الشبح”… يظهر بعد سقوط نظام الأسد، إندبندنت عربية، ٧ فبراير ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/eeQWi

[13] نادية أسعد، تطهير ما بعد البعث في سوريا: عدالة انتقالية أم محفز للانقسام؟، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: منتدى فكرة، ١٦ أكتوبر ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/4zfwzdm

[14] Amina Ismail and Khalil Ashawi, Syria’s new leaders turn to Islamic law in effort to rebuild Assad’s police, Reuters, 23 January 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://shorturl.at/KH3yn

[15] M. Kaldor, New & Old Wars, (Stanford: Stanford University Press, 2nd ed., 2007), pp. 95-118.

[16] حسام الحميد، الاقتصاد السياسي للحرب: السياسات الاقتصادية في سورية بعد 2011، مجلة قلمون، المجلد ٨، العدد ٣١، أبريل ٢٠٢٥، ص ١٢٩-١٥٨، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/48G8ztv

[17] المرجع السابق.

[18] World Bank Group, World Development Indicators, World Bank DataBank, n.d., Accessed: 13 December 2025, available at: https://bit.ly/4rRnj02

[19] جوزيف ضاهر، الاقتصاد السياسي في سورية: الديناميكيات النيوليبرالية والاستبدادية، مجلة قلمون، المجلد ٨، العدد ٣١، أبريل ٢٠٢٥، ص ٣٧-٥٢، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/4aU6Y4H

[20] المرجع السابق.

[21] الشرع، في أول خطاب رئيسًا: سأعمل على تشكيل حكومة شاملة تعكس تنوع سوريا، الشرق الأوسط، ٣١ يناير ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/DMDPs

[22] الشرع يشكل حكومة انتقالية “شاملة” تضم وزيرة واحدة، وتحذيرات أمريكية من هجمات محتملة مع حلول العيد، بي بي سي، ٣٠ مارس ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3KLKKHB

[23] Riham Alkousaa, Syria’s new Islamist rulers to roll back state with privatizations, public sector layoffs, Reuters, 31 January 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://shorturl.at/GYjzO

[24] Louisa Loveluck and Zakaria Zakaria, Syria’s dire economic woes threaten to undermine its new government, The Washington Post, 5 February 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://bit.ly/49aWpJf

[25] Vittorio Maresca di Serracapriola and Karam Shaar, What Should Be Done with EU Targeted Sanctions on Syria, observatory of political and economic Networks, Accessed: 13 December 2025, available at: https://opensyr.com/en/pages/p-35.

[26] Erwin van Veen, Sanctions, governance and reconstruction in Syria: Mapping a way forward, Clingendael – The Netherlands Institute of International Relations, April, 2025, available at: https://bit.ly/44wHV3J

[27] Ibid.

[28] Timour Azhari, A tale of two Syrias: free-market opening sows resentment of new rulers, Reuters, 29 April 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://tinyurl.com/5cmvvhr8

[29] Robert F. Worth, The honeymoon is ending in Syria: A former jihadist needs more than charisma to heal his shattered country, The Atlantic, 14 May 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://tinyurl.com/2s6pj4bc

[30] Ibid.

[31] شذى خليل، تحليل حول مستقبل الاقتصاد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، ١٩ ديسمبر ٢٠٢٤، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://rawabetcenter.com/archives/178142

[32] Yezid Sayigh, Syria Needs a Reconstruction Plan, Carnegie endowment, 31 October 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://shorturl.at/qWAVU

[33] Ibid.

[34] فلاديمير فان ويلجنبرج، تيسير الاتفاق الجديد مع “قوات سوريا الديمقراطية” هو مفتاح تحقيق الاستقرار في سوريا، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ٧ أبريل ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://tinyurl.com/msexuru9

[35] International Crisis Group, A helping hand for post-Assad Syria, International Crisis Group, May 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://tinyurl.com/mvnr4njx

[36] Azhari, Timour, A tale of two Syrias, Op. cit.

[37] Sinan Hatahet, Syria’s post-Assad honeymoon is over. Now the hard work of state-building begins, Atlantic Council, 23 January 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://tinyurl.com/kkd5fwsm

[38] UNDP, The Impact of the Conflict in Syria: a devastated economy, pervasive poverty and a challenging road ahead to social and economic recovery, UNDP, 24 February 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://shorturl.at/ptbMY

[39] يحتاج أكثر من نصف قرن – توقع أممي صادم لتعافي اقتصاد سوريا، دويتشه فيله، ٢٠ نوفمبر ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://p.dw.com/p/4qof0

[40] World Bank Group, Syria’s Post-Conflict Reconstruction Costs Estimated at $216 billion, World Bank Group, 21 October 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://tinyurl.com/4rnfp3te

[41] الاقتصاد السوري يبدأ مسار التعافي بعد 10 أيام من سقوط الأسد، اقتصاد الشرق بلومبرج، ١٨ ديسمبر ٢٠٢٤، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/wIQcE

[42] كريم حمادي، الاقتصاد السوري بعد سقوط الأسد إلى أين؟، جريدة النهار، ١٣ ديسمبر ٢٠٢٤، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/hLVlf

[43] السعودية تضع اللمسات الأخيرة على استثمارات واسعة في سوريا، سي إن إن الاقتصادية، ١٧ أكتوبر ٢٠٢٥، تاريخ الاطلاع: ١٣ ديسمبر ٢٠٢٥، متاح عبر الرابط التالي: https://shorturl.at/WyEu4

[44] Ceyda Caglayan, Turkish firms pursue ambitious plans in rebuilding of Syria’s economy, Reuters, 4 February 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://reut.rs/48veGRh

[45] Bilal Mahli, Syria’s Post-Conflict Recovery: Challenges and Prospects for Reconstruction and Stability, Policy Center for the New South, 11 April 2025, Accessed: 13 December 2025, available at: https://shorturl.at/YokzA

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى