الآثار المجتمعية لجائحة كورونا على العلاقات والتفاعلات داخل المجتمعات


تمهيد:
ثمة مشروع لتوثيق شهادات الناجين من وباء إنفلونزا الأسبانية الذي اجتاح العالم مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وانتشر عبر الجنود إلى أمريكا وأوروبا، وحصد مئات الآلاف من الموتى بما يزيد عن مجموع الوفيات الناتجة عن الحربين العالميتين الأولى والثانية معًا. اعتمد هذا المشروع على جمع حكايات شهود هذه الفترة بالولايات المتحدة الأمريكية ممن تجاوزت أعمارهم التسعين عامًا. من الملفت للنظر في هذه الشهادات، أن هذا الحدث “وباء الإنفلونزا الإسبانية” لم تنته آثاره بمرور الزمن. فمن ضمن هذه الشهادات، يروى أحدهم أن أمه قد ورثت قلقًا لانهائيًا بسبب معاصرتها لهذا الوباء، فقد ظلت تنتابها نوبات قلق من كل شيء بخاصة تغير الطقس، فكانت ترقب منسوب البركة التي تجاور منزلها في الحي الصغير طيلة حياتها، وكل يوم تحدثهم في الهاتف عن قلة منسوب المياه بالبركة المحتضرة مما يعني أن العالم أوشك على الانهيار، وفي طريقه نحو الهاوية.
شهدت هذه السيدة حوادث عدة، انتحار والدها عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها؛ الكساد والحرب العالمية الثانية؛ ثم فقد زوجها، ومع كل هذه الأحداث المؤلمة يذكر الابن أن حدث الوباء هو الذي حدد شخصية المرأة التي أصبحت أمه، فحينما اجتاح وباء الأنفلونزا بلدتها الصغيرة خارج فيلادلفيا كانت والدته تبلغ من العمر 7 أو 8 سنوات ومريضة في المنزل. وصفت أمه مشاهد الوقوف على الشرفة والتحديق في الجيران عبر الشارع. لقد ماتوا. كانت جثثهم ملقاة في الفناء الأمامي. ثم رأت الجثث أمام منازل أخرى وحتى في الشارع. حتى الحيوانات الأليفة ماتت. لقد كان جائحة عام 1918 مروعة. ومنذ ذلك اليوم حتى وفاتها سكنها هذا القلق الأبدي، ولم يترك أثره فيها فقط، ولكن حينما سكن أخيه بجوار هذه البركة، ظل يترقب منسوب المياه سرًا، وظل هو نفسه ينظر إلى الطيور ويتساءل عما إذا كانت ستجلب الوباء القادم الذي سيكون حتمًا نهاية الأزمنة، لا لشيء سوى أنهما أبناء هذه السيدة”([1]).
هذه القصة وغيرها الكثير توضح كيف تُعد الأوبئة من الخبرات الاجتماعية التي تترك تأثيرات طويلة المدى، وتظل انعكاساتها عبر أجيال ممتدة، وقد تساهم في تطوير أو تغيير الملامح الاجتماعية للدول، خاصة مع زخم التفاعلات التي تصاحب فترة وجود الوباء.
فيذكر المؤرخ فرانك إم سنودن “أستاذ فخري للتاريخ وتاريخ الطب في جامعة ييل” أن الأوبئة مثل فيروس كورونا هي مرآة للبشرية، تعكس العلاقات الأخلاقية التي تربط الناس ببعضهم البعض. وفي كتابه “الأوبئة والمجتمع: من الطاعون الأسود حتى الوقت الحاضر” يدرس فرانك م. سنودن الطرق التي شكل بها تفشي الأمراض والأوبئة الحقل السياسي والثورات المدمرة والتمييز العنصري. فقد ساهمت بعض الأوبئة في تحديد نتائج الحروب كالحمى الصفراء التي تفشت في صفوف جنود نابليون، ولعبت أوبئة دورًا في اندلاع حروب أخرى، وتطور الطب الحيوي على إثر انتشار الأوبئة، وكان للطاعون دور في مجيء الثورة الصناعية. بشكل عام غيرت الأوبئة المجتمعات التي انتشرت فيها، وأثرت على العلاقات بين الأفراد، وعلى شكل الفنون والآداب، فتأثير ها واسع النطاق، يمتد عبر القرون والقارات(.([2]
فيؤكد فرانك إم سنودن أن الأوبئة لا تقل في تأثيراتها الكبرى على المجتمعات من الأزمات الاقتصادية الكبرى والحروب، فقد كانت الأمراض المعدية أهم سبب للمعاناة والموت حتى عام 2010 مع حمى الإيبولا(([3]، وتختلف الآثار المجتمعية والسياسية الناتجة عن كل وباء، فليس لجميع الأوبئة نفس القدر من التأثير، فقد كان الطاعون هو الأخطر، حينما قضى على نصف سكان العالم، ولم يكن هنالك عدد كافي لدفن الموتى، وظل تأثيره المدمر على المجتمعات فترة طويلة، عانى الناس وقتها من الفوضى وظهرت طوائف دينية جديدة، وتطورت استراتيجيات مقاومة الأوبئة والصحة العامة، واستخدمت صلاحيات واسعة لفرض حالة طوارئ غير مسبوقة والحصار وإجراءات شاملة للعزل الصحي… إلخ.
وعلى الرغم من أن الأزمة الحالية التي يمر بها العالم مع تفشي وباء كورونا “كوفيد-19” تأتي في سياق مغاير تمامًا للأزمات المشابهة تاريخيًا كالطاعون الأسود والإنفلونزا وسارس وغيرها؛ حيث تلعب وسائل التواصل الاجتماعي عاملا مركبًا آخر بين نشر الوعي والشائعات وتخفيف حدة “التباعد الاجتماعي” الذي طُبق مع هذه الأزمة؛ فإن هذه الفترة شهدت ظهور سلوكيات وتوجهات جديدة استجابة للوضع الحالي([4]). في هذا التقرير سنتناول بعض الآثار المجتمعية لجائحة كورونا على العلاقات والتفاعلات داخل المجتمعات.
ويمكننا رصد نوعين من استجابات الأفراد للأوبئة بوجه عام وكورونا على وجه التحديد؛ استجابة على المدى القصير واستجابات لها آثارها الممتدة التي يصعب القطع بها، فيصعب قياس تأثيرات هذا الوباء على المدى الطويل حتى بالرجوع للسرد التاريخي للأوبئة السابقة، لأن لكل وباء سياقاته الخاصة وطبيعة البنية الاجتماعية التي سمحت بانتشاره، حتى وإن اشتركت المجتمعات في كثير من الأمور، فكما يذكر رانك إم سنودن: “إن الأمراض الوبائية ليست أحداثًا عشوائية تصيب المجتمعات بشكل نزوي ودون سابق إنذار، بل على العكس من ذلك كل مجتمع يتميز بخصوصيته وبنقاط ضعفه الخاصة. ولدراستها يجب فهم بنية المجتمع ومستوى معيشته وأولوياته السياسية”(([5].
ولهذا فإن دراسة الآثار المجتمعية لفيروس كوفيد 19 لا ينفك عن فهم حال المجتمعات قبل هذه اللحظة، كما أنه تجدر الإشارة إلى أنه إذا كان من اليسير القطع بمآلات التغيير والتحولات التي أحدثها الفيروس في كل المجتمعات على المدى القصير إلا أنه يصعب القطع بمآلات هذه التغييرات على المدى الطويل، وهل ستترتب تغييرات جذرية في العالم نتاج هذا الفيروس أم لا؟
فيذكر عالم الاجتماع إدغار موران: “لسنا متيقنين من مصدر الفيروس: سوق في مدينة ووهان الصينية يفتقر للشروط الصحية أو ربما مختبر مجاور له، لذلك لا نعلم سبل التحولات التي يخضع لها الفيروس أو احتمالاتها إبان فترات انتشاره. أيضا لا نعلم متى سيتراجع الوباء أو إمكانية بقائه مستوطنا. كذلك لا نعلم قط، إلى أي حد سيجعلنا العزل الصحي نكابد موانع، وقيودا، وتقنيات ثم مستويات ذلك. في نفس الوقت، يصعب علينا، الإحاطة بالمآلات السياسية، الاقتصادية، المحلية والعالمية لتلك القيود التي انطوت عليها إجراءات العزل الصحي. أخيرا، لا نعلم إن كان ينتظرنا الأسوأ، أو الأفضل، أو مزيجا بينهما : جراء مختلف ذلك، نحن بصدد الاتجاه نحو لا يقينيات جديدة”([6]).
لا يقلل ذلك من حجم التغييرات قصيرة المدى التي لم يكن يتوقعها الكثيرون مع انتشار فيروس كوفيد 19، فكما ذكر الفيلسوف الفرنسي بورنو لاتور “أن الدرس الأول الذي علمنا إياه الفيروس التاجي خلال الأيام الأولى من الإغلاق هو الأكثر ذهولا: لقد أثبتنا بالفعل أنه من الممكن، في غضون أسابيع قليلة، تعليق نظام اقتصادي في كل مكان في العالم”([7]).
ويركز هذا التقرير على التغيرات الاجتماعية التي أحدثتها جائحة COVID-19 على المدى القريب، أي تغييرات قد عايشها معظم سكان العالم، وبالطبع ثمة آثار مرتقبة على المدى البعيد ولكن لا يمكن الجزم بتوقعاتها الحاسمة. ويتناول هذا التقرير المحاور التالية:
- الخوف من المخاطر الاقتصادية والفقر أكثر من المخاطر الصحية
- العلاقات الأسرية في ظل انتشار وباء كوفيد -19
- التباعد الاجتماعي وإعادة التفكير في المساحات الاجتماعية الآمنة وغير الآمنة
- “العقلانية الهشة” الحاكمة للتفاعلات اليومية
- تزايد الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية ومآلاتها الاجتماعية
- الشعور بالوحدة والقلق والاكتئاب أثناء الجائحة: التأثير والتغيرات الاجتماعية
أولًا- الخوف من المخاطر الاقتصادية والفقر أكثر من المخاطر الصحية:
بحسب التقرير الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن تأثيرات فيروس كوفيد 19 على التنمية(([8]، تسببت تدابير العزل المنزلي للحد من انتشار كوفيد 19 في انقطاع مؤقت للدخل لكثير من الفئات الأكثر تضررًا من محدودي ومتوسطي الدخل، هؤلاء الذين لا يتوفر لديهم أي أصول مادية يمكن الاعتماد عليها عند ظهور مخاطر مفاجئة. فعبر 28 دولة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هنالك 36٪ من الناس غير آمنين ماليًا – ولا يعتبر هؤلاء حاليًا فقراء الدخل، فدخلهم أعلى من نصف متوسط الدخل في بلادهم، ولكنهم يفتقرون إلى الأصول المالية للحفاظ على أسرهم فوق خط الفقر لأكثر من 3 أشهر. هذا الخطر يرتفع بشكل خاص بين الفئات الأشد فقرًا، والأسر ذات العائل الوحيد، خاصة الأسر التي تعولها نساء، اللاتي يواجهن مضاعفة التحديات من فقدان الدخل، وصعوبات في رعاية الأطفال مع إغلاق المدارس ومسؤوليات الرعاية الجديدة، ونقص في دعم الأسرة. كما أن أكثر من 40 في المائة من سكان العالم ليس لديهم أي حماية اجتماعية(([9].
وفي هذا الإطار يُطرح التساؤل: هل ستمتد التأثيرات المادية لوباء كوفيد 19 على العالم خلال السنوات القادمة؟ وفقا لتقديرات البنك الدولي(([10] فمن المرجح أن يتسبب هذا النظام في حدوث أول زيادة في الفقر العالمي منذ عام 1998، عندما ضربت الأزمة المالية الآسيوية. ومن المتوقع أن يرتفع معدل الفقر العالمي -وهو نسبة سكان العالم الذين يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم- من 8.2% في عام 2019 إلى 8.6% في عام 2020، أو من 632 مليون نسمة إلى 665 مليون شخص.
كما تشير بعض التقديرات الأخرى إلى أن “كوفيد-19” سوف يدفع 49 مليون شخص إلى الفقر المدقع في عام 2020. وتعتمد الأماكن التي يحصد فيها الفيروس أكبر عدد من الوفيات في المقام الأول على عاملين: أولا: تأثير الفيروس على النشاط الاقتصادي، وثانيًا: عدد الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من خط الفقر الدولي. وتتوقع تقديرات صندوق النقد الدولي أن تتقلص الاقتصادات المتقدمة بنسبة 6% في عام 2020، في حين ستتقلص الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية بنسبة 1%. ومع ذلك، فإن البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل ستعاني من أكبر العواقب من حيث الفقر المدقع، مع زيادة عدد الأشخاص الذين يعيشون على مقربة من خط الفقر الدولي. ومن المعروف أن الدول الأكثر فقرًا هي الأكثر عرضة للهشاشة الاجتماعية، والأكثر تهديدًا لاستقرار الأسر ومن ثم المجتمع على المدى الطويل.
فجائحة كوفيد 19 ليست مجرد أزمة صحية، ولكنها أيضا أزمة إنسانية وتنموية تهدد بإحداث آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية لسنوات قادمة، لا سيما في البلدان المثقلة بالفعل بالفقر والصراع. ويزداد وقع الأزمة على الفئات الأشد فقرًا، والمحتاجين للرعاية الصحية ومتحدي الإعاقة، والعاملين في الوظائف المحفوفة بالمخاطر. فقد جلبت العولمة بعض الفرص الاقتصادية للبلدان النامية، ولكن كما يتضح بسبب جائحة كوفيد 19 أنها جلبت معها الاضطرابات أيضًا، في الوقت نفسه، تعيد هذه الاضطرابات المصاحبة للوباء إثارة المحلية وعودة كثير من الدول للاهتمام بالمحلي بصورة أكثر جدية من طرح مساعدات حقيقية للدول الفقيرة(([11].
ثانيًا- العلاقات الأسرية في ظل انتشار وباء كوفيد 19:
قد أعادت جائحة كوفيد 19 تشكيل علاقاتنا الاجتماعية، فقد فرض الحجر الصحي على الأسر في جميع أنحاء العالم ما يمكنه وصفه بالقرب القسري فقد أرغم الحجر الصحي أفراد الأسرة الواحدة على البقاء تحت سقف واحد والتواصل معهم على مدار الساعة، وترتب على هذا القرب القسري للأسر عدة نتائج منها سلبية وبعضها إيجابية.
فقد ارتفعت معدلات العنف المنزلي في كثير من الأسر في دول متعددة، وزادت معدلات الطلاق، وفرضت المزيد من الأعباء على الأسر بعد انغلاق الحضانات والمدارس والجامعات، والعمل من المنزل.
وبالنسبة إلى أثر الوباء على تزايد معدلات العنف المنزلي فنجد في الصين وهي أولى الدول التي فرضت الحجر الصحي بعد ظهور الفيروس، وهونغ كونغ، التي طبقت إغلاقا شاملا في احتواء الوباء، وقد خلف الوباء بعض الشروخ العميقة في العلاقات الأسرية. فبحسب سوزان تشوي، عالمة اجتماع بالجامعة الصينية في هونغ كونغ، ثمة زيادة ملحوظة في الخلافات الزوجية بسبب ضغوط العزل المنزلي التي ترافقت مع الضغوط المالية الناجمة عن الركود الاقتصادي إثر تفشي الوباء(([12].
فقد شهدت مدينة شيآن شمال غربي مقاطعة شانشي، ارتفاعا غير مسبوق في طلبات الطلاق بعد إعادة فتح مكاتب تسجيل الزواج في مارس2020. و في مقاطعة هوبي الوسطى، بالقرب من المكان الذي بدأ فيه الوباء في ووهان، تلقت 162 تقريرًا عن العنف المنزلي في فبراير، وهو ثلاثة أضعاف التقارير الـ 47 المبلغ عنها خلال نفس الشهر في عام 2019(([13].
وفي تقرير عن بعض الطلبة بالولايات المتحدة الأمريكية وعلاقتهم مع أسرهم خلال الحجر الصحي تنوعت الإجابات بين زيادة التوتر وحدة الخلافات بينهم على أمور تافهة، واستغراب بعض الطلاب حضور والديهم بهذه الكثافة يوميًا، إلا أن البعض قد استمتع بشعورهم بأنهم كعائلة محاصرين معًا، والاحتفاء بتمضية وقت ممتع معهم لم يكن متاحًا من قبل، ومشاركة الضغوط المتزايدة معهم([14]).
على الرغم من أننا لا نعرف سوى القليل عن الكيفية التي يمكن أن تشكل بها الأوبئة نتائج طويلة المدى مثل معدلات الطلاق والزواج والولادة، فإن الأبحاث حول آثار الكوارث، والتي تشبه في بعض النواحي الأوبئة، تشير إلى أن طبيعة الكارثة قد تحدد كيفية التأثير على التركيبة السكانية المتعلقة بالزواج. فبعد إعصار هوغو، على سبيل المثال، زادت معدلات الطلاق والزواج والولادة في العام التالي في المناطق الأكثر تضررًا من الإعصار مقارنة بالمناطق التي لم تتأثر.
وفي المقابل، بعد هجمات 11 سبتمبر وتفجير مدينة أوكلاهوما عام 1995، انخفضت معدلات الطلاق. قد تعكس هذه الآثار المتباينة الاختلافات في سياقات نوعي الكوارث، فقد تضمنت الهجمات الإرهابية خسائر كبيرة في الأرواح بالإضافة إلى شيوع حالة من عدم اليقين والخوف بشأن الهجمات المستقبلية، وفي مواجهة مثل هذه التهديدات الشديدة يسعى الناس عادةً إلى التقارب والبحث عن العلاقات الآمنة من المقربين، وهذا قد يفسر سبب تحول الأزواج لبعضهم البعض وتقليل احتمالية الطلاق بعد هجمات 11 سبتمبر. على النقيض من ذلك، لم يتضمن إعصار هوغو عددًا كبيرًا من الوفيات ولكنه تطلب إعادة بناء المجتمعات على مدى فترة زمنية أطول، وهو ما رتَّب على الأرجح ضغوطًا ضريبية أكثر وقعت أعباؤها على الأسر مما ساهم في ارتفاع نسب الطلاق. فالكيفية التي تشكل بها الأوبئة التركيبة السكانية المتعلقة بالزواج والطلاق يمكن أن تعتمد على السمات السياقية المحددة للوباء والتغيرات الاقتصادية المصاحبة له.
لذلك تبين الكثير من الدراسات أن الفقراء وذوي الدخل المنخفض أكثر عرضة لعدم استقرار علاقاتهم الزوجية والأسرية، نظرًا لأنهم أكثر عرضة لتحديات وصعوبات اقتصادية أكبر. بالإضافة إلى ذلك، فإن معدل الطلاق أعلى بالفعل بالنسبة لهؤلاء الأزواج مقارنة بالأزواج ذوي الدخل المتوسط والمرتفع، لذلك، قد يظهر معدل الطلاق انخفاضًا أو زيادة أو عدم تغيير بعد الأزمة، اعتمادًا على نوعية العلاقات الزوجية قبل الأزمة([15]).
ثالثًا- التباعد الاجتماعي وإعادة التفكير في المساحات الاجتماعية الآمنة وغير الآمنة:
لتجنب انتشار الفيروس، فرضت السلطات في جميع أنحاء العالم التباعد الاجتماعي الذي يترتب عليه العزلة بين الناس في مناطق العاصمة بأكملها وإجبار السكان على البقاء في المنزل، وإغلاق أماكن الاجتماعات والمدارس، والعزلة الطوعية لكبار السن والمجموعات الفرعية الأخرى المعرضة للخطر. في حين أن هذه التدابير يمكن أن تكون فعالة ضد انتقال المرض، فإنها تؤدي أيضًا إلى العزلة الاجتماعية لكثير من الناس. ويمكن للعزلة الاجتماعية أن تحفز الشعور بالوحدة، بالإضافة إلى أنها يمكن أن تعزز أعراض الإجهاد اللاحق للصدمة والارتباك والغضب. وقد جاء هذا الوباء في وقت يعيش فيه عدد أكبر من الناس في أسر نووية(([16].
وطرح بعض الباحثين تساؤلات عدة حول تأثير هذا التباعد الاجتماعي على تعريفنا للمسافات الآمنة والعلاقات الودية المقربة بعد شهور من العزلة والتباعد الاجتماعي. فثمة افتراض بين العديد من علماء الأنثروبولوجيا أن المسافات التي نحتفظ بها بيننا وبين الآخرين يتم تعلمها وتصبح جزءًا من اللاوعي الاجتماعي والثقافي. على سبيل المثال، في حين أنه من الشائع، أن يُقبّل العرب والفرنسيون بعضهم البعض عند اللقاء، فإن الناس في إنجلترا وأمريكا الشمالية يتصافحون، وفي أماكن أكثر شيوعًا، يحتضنون، بينما يميل اليابانيون إلى تحية بعضهم البعض بالانحناء. من الواضح أن هذه الآداب الاجتماعية تختلف على أساس الطبقة والنوع والخلفية الاجتماعية والمكانية.
درس عالم الأنثربولوجيا إدوارد ت. هول (1966) المسافة الاجتماعية التي تتعلق بالتواصل بين الأشخاص، كان هول مهتمًا بالنقطة أو المسافة التي قد يشعر فيها بعض الناس بالتطفل إذا لم يتم احترام هذه المسافات. تغيرت هذه الاحتمالات المختلفة للمكان المتجسد بشكل جذري خلال جائحة COVID-19؛ أصبح “التباعد الاجتماعي” وارتداء أقنعة الوجه هو المعيار في العديد من البلدان، لا يمكننا تقبيل واحتضان العائلة والأصدقاء أو حتى مصافحة الزملاء لفترة من الوقت. هذه التوقعات الجديدة للتباعد الاجتماعي سيكون من الصعب استمرارها، لأنها تتعارض مع استجاباتنا المجسدة للتفاعل الاجتماعي وأنماطنا المكتسبة من إشراك الآخرين والتفاعل معهم.
ومن ناحية أخرى تحد أغطية الوجه بشكل كبير من قدرة الطبيب على قياس مشاعر المريض. فيمكن لهذه الأقنعة أن تعرقل محاولات العاملين في مجال الرعاية الصحية لتقديم الدعم غير اللفظي للأشخاص في رعايتهم، فحتى مع الألم، فإن المرضى الذين يتلقون دعمًا غير لفظيًا عاليًا من أطبائهم يظهرون تسامحًا متزايدًا. إن سلوك الأطباء المنفصل والتباعد -مثل غياب الابتسام والنظرة المباشرة للعين- له تأثير معاكس ويرتبط بنتائج أسوأ للمرضى. وجدت دراسة حديثة أجريت على 719 مريضًا مصابًا بنزلات البرد، أنه كلما زاد تعاطفهم مع طبيبهم تعافوا بشكل أسرع. طُلب من كل مريض أن يسجل التعاطف الذي أظهره له الطبيب على مقياس من 1 إلى 10، أولئك الذين حصلوا على درجة مثالية للطبيب 10 (حوالي ثلث المرضى) قللوا من شدة الأعراض، وتعافوا بشكل أسرع وكان لديهم أيضًا وظيفة مناعية أعلى، حوالي 50 ٪ أفضل من الآخرين([17]).
ولكن قد تكون هناك آثار جانبية طويلة المدى لأنماط التواصل وعدم القرب والتواصل المباشر خلال فترة انتشار الوباء، خاصة على الأطفال الصغار، الذين ما زالوا يتعلمون ممارسات وأنماط التواصل الاجتماعي. كما يثور التساؤل: ماذا عن آثار الوباء على المجموعات التي عانت بالفعل من العزلة الاجتماعية والبعد، وكذلك العنف الاجتماعي وعنف الدولة والإهمال، قبل سنوات من اندلاع هذا الوباء(([18]؟
فطالما كان التباعد الاجتماعي أو العزلة الاجتماعية جزءًا من التجربة الثقافية للسكان المهمشين لفترة طويلة. فوضع توصيف محدد لما هو نقي صنع معه تعريف لما هو غير نقي/ قذر، ترسيخ تميز الأبيض خلق معه عنصرية ضد السود، وهكذا، كما وصفته ماري دوجلاس حيثما يوجد نظام تصنيف يوجد مستبعدون، وفي الجائحة ظهرت هذه الفجوة العنصرية غير المتكافئة، ولكن لم تصنع شيئا جديد.
ليس من المستغرب أن وصف COVID-19 بأنه “فيروس صيني” أدى إلى هجمات ضد الآسيويين في أمريكا الشمالية، وفي القاهرة تعرض مواطن صيني للتنمر والهجوم عليه من قبل بعض الطلاب استهزاء به([19]). كما أنه ليس من المفاجئ أن يتهم المهاجرون الأفارقة في الصين بأنهم ناشرون للأمراض، ربما بسبب جلدهم الأسود، وهو ما تربطه الاستعارات العنصرية المحلية بالمرض والخطر.
ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن التباعد الاجتماعي يظل إمكانية أكبر للنخبة والطبقة الوسطى، مما يخلق مسافة أكبر بين الفئات والطبقات الاجتماعية. يرى بورنو لاتور أن أحد الأسباب الرئيسية لمثل هذه المسافة والتفاوت هو اللحظة النيوليبرالية التي نعيش فيها، فالأشخاص الأكثر تضررًا من الوباء هم الفئات الأضعف، كالعمال بالأجور المتدنية، والمشردون، واللاجئون، إلخ.
ففي غانا أثر الإغلاق على أعداد كبيرة من العاملين في القطاع غير الرسمي (الباعة الجائلين، الباعة في السوق)، والمهاجرين الذين يأتون من المناطق الريفية البعيدة، وليس لديهم منازل في المدينة ولا يمكنهم العودة بسهولة إلى قريتهم. وفي سنغافورة كان العمال المهاجرون من جنوب آسيا أكثر عرضة لخطر الإصابة بالفيروس لأنهم لم يكن لديهم سوى القليل من القدرة على ممارسة التباعد الاجتماعي وعاشوا في مهاجع ضيقة وغير صحية. وفي الولايات المتحدة، تم وصف COVID-19 بأنه “قنبلة زمنية عنصرية”؛ فالأمريكيون الأفارقة أكثر عرضة للإصابة بالفيروس بسبب ارتفاع معدلات الإصابة بمرض السكري بينهم، وزيادة معدلات الفقر ومعدلات الوفيات.
فالتباعد الاجتماعي وإن كان إلزامًا صحيًا وإجراءًا فرضته منظمة الصحة العالمية وحكومات الدول المختلفة إلا أنه ظل رفاهية طبقية لا تتحملها ظروف الكثير من المواطنين الفقراء والمهمشين. ومن ثم فقد أعاد الوباء مساءلة قضية العدالة الاجتماعية والمساواة، فرغم أنه للوهلة الأولى يبدو فيروسا منتشرا في الأجواء لا يفرق بين الجميع، فكل الدول بطبقاتها المتنوعة وأعراقها المنتشرة عرضة للإصابة، إلا أن فرص الوقاية والشفاء ورفاهية الحماية منه ليست متوفرة للجميع. ومن هنا كان العبء الاقتصادي بسبب الوباء أكثر تأثيرًا على العلاقات الاجتماعية من المرض نفسه([20]).
وقد ظهرت مقالات عدة تتحدث عن أسباب تأخر استجابة السود للتعافي من الوباء، وأسباب انتشار كورونا بين أوساط السود في أمريكا وكيف أعاد الوباء مساءلة قضايا العنصرية ومدى توفر الفرص الجيدة للعلاج والخدمات الطبية والرعاية الاجتماعية التي يحظى بها السود. وفي المقابل وردت تقارير أخرى تنتقد ما تم تداوله بأن الأمريكان السود هم الناقل الرئيسي للوباء في الولايات المتحدة لاعتبارات عنصرية أكثر منها حقائق واقعية(([21].
رابعًا- “العقلانية الهشة” الحاكمة للتفاعلات اليومية:
على عكس الفكرة السائدة التي سادت لعقود، التي تتأسس على “عقلانية” الإنسان، وافتراض اتخاذه قرارًا منطقيًّا، وبالتالي القيام بسلوكيات رشيدة، تُشير سيكولوجيا الأوبئة إلى وجود طبيعة مزدوجة للسلوك الإنساني؛ حيث يغلف بقشرة من العقلانية تُخفي اتجاهات وتحيزات لا منطقية. وفي الأوقات الطبيعية، يتمكن غالبية البشر من الحفاظ على قدر من العقلانية بطريقة أو بأخرى، غير أنه في الأزمات تأخذ اللاعقلانية بزمام الأمور، ويدفع الخوف والقلق والارتياب الفرد نحو سلوكيات متناقضة غير منطقية، ويستعيد الفرد نمطًا أشبه بالحياة البدائية غير المتحضرة التي تحركها المشاعر والاحتياجات البدائية حتى تسيطر على الفرد تمامًا.
يؤكد عالم الاجتماع “ألفريد شوتز” (Schutz) أن هذه “العقلانية الهشة” تحكم في الأوقات الطبيعية ملامح الحياة اليومية، وهو ما أطلق عليه الروتين، فالحياة اليومية للأفراد والمجتمع عبارة عن روتين، بما يتضمنه ذلك من أنماط معتادة من التفاعلات والعلاقات والسلوكيات، وهو ما يشكل واقع الحياة المشتركة، غير أن هناك بعض الأحداث الاستثنائية التي تخرج تمامًا عن هذا الروتين، وتتحدى الأوضاع الروتينية الثابتة، عندها تكون الاستجابة لهذه التهديدات عبارة عن موجات من الفزع تُغيّر ممارسات الحياة اليومية، وقد تتضاعف مع مرور الوقت حالة الفزع من تغير الأوضاع المعتادة، لتنتج تصرفات لا تعالج المشكلات والمخاطر التي يتوقعها الأفراد، ولكن على العكس من ذلك تزيدها سوءًا، وتعجل من حدوث هذه المخاوف، مثال على ذلك، هلع الشراء، وتزايد نسب الاستهلاك للمواد الغذائية الأساسية والرفاهيات وخلو المتاجر الكبرى من المنتجات الاستهلاكية مع بداية الأزمة وانتشار وباء الكورونا خوفًا من نفادها، وكذلك المطهرات والمنظفات، وغيرها من التصرفات الأنانية الناتجة عن هذا الشعور بالفزع(([22].
وهنا يأتي سؤال عن دور الدولة في التحكم في سلوكيات الأفراد وضبطها بما يتوافق مع تحقيق مصلحة الجميع، ولكن بقدر ما أعادت الأزمة أهمية تدخل الحكومة وفرضها ضوابط جمعية على المواطنين لتتحكم في سلوكياتهم الاجتماعية للحد من انتشار الفيروس، كالحجر الصحي أو ضبط حركة البيع في الأسواق، وغيرها، بقدر ما أعادت المساءلة والتشكيك في قدرتها على التصرف، والوثوق في صحة القرارات التي تتخذها([23]).
ولا يتوقف الأمر على السلوكيات غير الرشيدة، ولكن خلال فترات الوباء أو الكوارث تثار الأسئلة الكبرى؛ فنجد في فيلم “الختم السابع” للمخرج السويدي انجمار بيرجمان التمازج بين الشخصي والجماعي والعالمي وقت انتشار الطاعون وكيف تفشى القلق بين الناس، ودفع الوباء البشر للتفكير في تلك الأسئلة الوجودية الكبرى؛ فقد أثار اندلاع الطاعون، على سبيل المثال، السؤال عن علاقة الإنسان بالله؛ كيف يمكن أن تحدث جائحة من هذا النوع مع إله حكيم وكامل العلم؟ من الذي سيسمح بتعذيب الأطفال بآلام شديدة وبأعداد هائلة؟ فقد قتل الطاعون الأسود نصف سكان القارات([24]). ومع انتشار الكورونا قال البعض أن هذا هو انتقام الطبيعة واستدعيت الممارسات الطبية الشعبية بكثرة(([25].
ففي دراسة للباحث أحمد عبدالموجود الشناوي عن الريف المصري وأزمة كورونا نجد أن أبناء الريف في مصر قد عانوا من صعوبة في تبني عادات وتقاليد وسلوكيات جديدة عكس المعتاد في فترة وجيزة، وتحولت الأفعال اليومية الاعتيادية إلى ما يشبه الجريمة مثل الخروج من المنزل خلال فترة حظر التجوال، بالإضافة إلى توقف الأعمال والأنشطة كالبيع في الأسواق في الريف، كذلك عدم القدرة على التأقلم مع ضرر التباعد الاجتماعي، ما انعكس على مدى الاستجابة والنظر للجائحة بوصفها ابتلاء من الله، وزاد الإقبال على طرق الوقاية والعلاج التقليدية والعلاج بالأعشاب([26]).
خامسًا- تزايد الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية ومآلاتها الاجتماعية:
من الواضح أن الاعتماد على القطاع الرقمي قد زاد بكثافة مع فرض العزل المنزلي، فالكثير من الشركات وقطاع الأعمال والمصالح الخاصة والحكومية اعتمدت على تقديم خدماتها من خلال الإنترنت، وسمحت لموظفيها بالعمل من المنزل، وإن كان التوجه نحو العمل من المنزل قد أخذ حظًا كبيرًا من التطبيق خلال السنوات السابقة، ولكنه على الناحية الأخرى اتضح أن هنالك العديد من الأعمال والخدمات كان يمكن أن تكون مجرد بريد إلكتروني. وقد اتُخذت بسبب الأزمة قرارات كان هنالك تباطؤ بيروقراطي في تنفيذها، وتم السماح بالتعليم المنزلي الجزئي أو التعلم عبر الإنترنت للأطفال من رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر([27]).
تشجيع الأزمة الشركات على أخذ خطوة فعلية نحو استمرار العمل المنزلي(([28]يثير إشكاليات أخرى، وهي مدى قدرة القطاع الرقمي في الدول المختلفة متقدمة ونامية على السواء على الاستمرار، ومدى سعة وقدرة البنية التحتية على الاستجابة لهذا الطلب الواسع الممتد في الفترات الراهنة ومستقبليًا مع توقعات بحدوث انكماش اقتصادي؟ وما الفرص المتاحة لمواطني الدول التي لا تتوفر فيها هذه البنية التحتية للجميع؟
الإشكالية الأخرى هي مآلات هذا الاعتماد على التقنية في مجالات كالتعليم والعلاج والعمل وغيرها على التواصل الإنساني وعلى مخرجات هذه الخدمات، كالاستشارات الطبية والخدمات العلاجية والعلاقة بين المعلم والتلاميذ، ومدى الاستيعاب وحسن الفهم، مع وجود الإتاحة وتوفير الوقت والجهد والانتشار. يرى البعض أنه في عصر الرقمنة هذا سيجعل التواصل الافتراضي ينسينا شعور القرب في العلاقات. كما أن هنالك صعوبة في استمراره كنمط أوحد، سيظل هنالك حاجة للبشر للتواصل والتفاعل المباشر في التعليم والعمل وتلقي الخدمات أو حتى الترفيه.
سادسًا- الشعور بالوحدة والقلق والاكتئاب أثناء الجائحة: التأثير والتغيرات الاجتماعية
لا يقتصر أثر الأزمة على الظروف المادية وتزايد معدلات الفقر، ولكن للأزمة آثار مباشرة على قلق الناس وتوترهم. وأشارت استطلاعات الرأي التي أجريت في أوائل مارس بالولايات المتحدة الأمريكية إلى أن 60٪ من الأميركين كانوا قلقين “جدا” أو “إلى حد ما” من أنهم أو شخص ما في أسرهم سيتعرض للإصابة بالفيروس وهذا قبل تصاعد حالات الفيروس بالولايات المتحدة. كما يشكل الحبس الإلزامي مشاكل للأشخاص المعرضين لخطر العنف المنزلي، مع ارتفاع حالات إساءة المعاملة في هذا الوباء([29]).
ويرى بعض الأخصائيين النفسيين أننا قد نشهد أزمة صحية بسبب تداعيات الجائحة على الصحة النفسية. فقد أظهرت دراسة أجريت في هونغ كونغ في أعقاب تفشي متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد “سارس” أن الناجين من المرض ظلوا يعانون من الضغوط النفسية والاكتئاب بمستويات مثيرة للقلق بعد عام من الجائحة. لكن دراسة أخرى كشفت عن تبعات إيجابية لوباء “سارس” منها توطيد العلاقات بين أفراد العائلة والأصدقاء، وذكر 60 % من المشاركين أنهم أصبحوا أكثر حرصا على مشاعر أفراد عائلاتهم وأكثر اهتماما بالصحة النفسية(([30]. لذا فمن المتوقع أنه حتى عندما ينحسر الوباء وتعود الحياة إلى طبيعتها النسبية، أن تستمر الضغوط النفسية والاقتصادية لأشهر.
في حالة الوباء نجد عدة دراسات تشير إلى مصاحبة مشاعر القلق للأفراد حتى بعد انقضاء الوباء نفسه، فقد عايش الأفراد مشاعر القلق والتوتر والخوف من العدوى والخوف على الأقارب والأصدقاء أو فقدان أشخاص عزيزة، والقلق والخوف على فقدان الوظيفة، والخوف من وصمة العار التي تصاحب عادة المرض وتغير شكل الحياة المعتاد للبعض([31])، والخوف من الموت مع تزايد أعداد المتوفين ونشر أخبار الوفاة وأعدادها، خاصة مع تشابه أعراض الكورونا مع نزلات البرد العادي، فيصاب المرء بالتوتر في كل مرة يتعرض لهذه الأعراض، فيتولد الخوف من المجهول، هذا الفيروس الخفي، فضلا عن الأزمات الاقتصادية والضغوط النفسية المصاحبة للحجر المنزلي(([32].
ملاحظات عامة ختامية:
يمكننا في ختام التقرير الإشارة لبعض الملاحظات والتساؤلات التي يمكن أن تفيد لاحقا في دراسة وتتبع أعمق لأثر جائحة كورونا على المجتمعات والعلاقات الاجتماعية:
- أظهر فيروس كوفيد19 مدى سرعة انتشار شيء عالميًا فقط من خلال الانتقال من فم إلى آخر. هذا دليل قوة لنظرية برونو لاتور عن الشبكة، فطالما حاول إقناع علماء الاجتماع بهذا الأمر منذ 40 عامًا، فيرى لاتور أننا لا ينبغي أن نفكر في الشخصية والجماعية على أنهما مستويين متميزين. ولمواجهة هذه الأحداث يحتاج البشر إلى إدراك أننا جميعًا في هذا الموقف سواء، وأن ما يؤثر على شخص واحد في أي مكان يؤثر على الجميع في الكوكب الأرضي، وبالتالي فإننا نحتاج إلى التفكير بهذه الطريقة بدلا من الانقسامات العرقية والإثنية وإلخ([33]). ويضيف لاتور أن ما نحتاجه ليس فقط تعديل نظام الإنتاج ولكن الخروج منه تمامًا. لقد أظهر لنا الوباء أن الاقتصاد طريقة ضيقة ومحدودة للغاية لتنظيم الحياة وتحديد من هو المهم ومن غير المهم، فالفيروس يتطلب الخروج من نظام الإنتاج السائد([34]).
- يثير سلافوي جيجك أسئلة حول سيادة الدولة ودور الدول القومية مع الانغلاق وحصر الاهتمام بالشؤون المحلية والانكفاء حول الإثني والديني، مقابل الدعاوى الكبرى للديمقراطية والانفتاح العولمي، تلك الدعاوى التي تضعها الكورونا على المحك، وإجابة الدول المختلفة عن هذه التساؤلات سيتغير معه بالضرورة شكل المجتمعات وحيوات الأفراد ونمط الإدارة، وشكل النظام الحاكم على المدى البعيد.
- ما يمكن قياسه على مستوى الطبقات والفئات المتنوعة داخل المجتمع الواحد يمكن رصده على مستوى المجتمعات نفسها، فكما حملت سلوكيات البشر التضامن الإنساني أو السلوكيات الأنانية كالاستهلاك أو الاحتكار، كذلك حدث على مستوى الدول، فمثلا أسرعت الجمهورية التشيكية إلى سرقة شحنة كمامات كانت في طريقها نحو إيطاليا،أيضا اختلست الولايات المتحدة الأمريكية لصالحها مخزونا من الكمامات الصينية، متوجهة أصلا إلى فرنسا. بناء عليه، أطلقت الأزمة الصحية العنان لتداعيات أزمات متسلسلة، تشمل هذه الأزمة المتعددة أو الهائلة: الوجودي وصولا إلى السياسي مرورا بالاقتصاد، ثم من الفردي إلى الكوني مرورا بالعائلات، والأديان، والدول. فكيف لفيروس ضئيل انطلق من حاضرة مجهولة إحداث كل هذا التخبط في العالم.
- تغيير بعض العادات والطقوس الاجتماعية في الأفراح والجنائز سواء بمن أصر على ممارسة نفس الطقوس قبل انتشار الوباء وفرض الحظر، أو من اتخذ ممارسات أخرى مراعاة لحظر التجمعات، وردود الفعل على دفن موتى الكورونا، سواء بالنفور ومنع الدفن أو التضامن والمواساة مع أهل المتوفين. ثمة تأكيد مرة أخرى أن فيروس كوفيد 19 لم يفرض ممارسات جديدة أو تغييرات جذرية على العلاقات الاجتماعية، فقد عزز ما كان بالفعل موصولا راسخا، وهدد ما كان غير سوي أو هشا بطبعه ولكن تزايدت هشاشته مع فرض ظروف جديدة كطول المكوث في نفس المكان لشهور طويلة.
- أعاد الوباء مساءلة الأولويات وتحديد ما هو ضروري وما هو غير ضروري في الممارسات اليومية المعتادة من قبل، ولكن هل ستستمر تقييمنا لما هو ضروري وما هو غير ضروري في الطقوس الاجتماعية اليومية لما بعد انتهاء انتشار الفيروس؟ تجدر الإشارة إلى أنه لم تكن استجابات الفئات والأعمار والأجيال المختلفة واحدة على انتشار الوباء، فكانت الأجيال الأكبر سنًا هي الأكثر عرضة للشعور بالخطر والتهديد والانعزال لعدم القدرة على إجادة التعامل التقني، ولضعف المناعة.
- ثمة استجابات أخرى لطبقات كادحة تتمثل في اللاستجابة لأي من التعليمات الخاصة للوقاية من الإصابة بالفيروس، فقد بيَّن انتشار الفيروس عمق اللامساواة والتهميش في بنية المجتمعات نفسها، وبالتالي لم يكن لديهم أزمات الطبقات الأخرى من الشعور بالعزلة والوحدة والكآبة من الحجر المنزلي، أو عدم القدرة على التواصل عن بعد لفترات طويلة والتعلم عن بعد والعلاج عن بعد وغيرها من الممارسات، لأن مخاطر الفقر والتهديد بالجوع أرغمتهم على النزول يوميًا في ظل انتشار الفيروس طلبًا للرزق، وبعضهم لا يمتلك رفاهية العزل المنزلي حال الإصابة في بيوت مكدسة مزدحمة، ودورات مياه مشتركة ومساحات غير آمنة، يصبح معها شرط كاستمرار غسل اليدين بالماء والصابون رفاهية لهم.
- تعليق الممارسات والشعائر الدينية وأثرها على الناس كصلاة الجمعة والعيدين وصلاة الجماعة بشكل عام، دفع البعض لخلق مساحات جديدة بعيدة عن الدولة ورقابتها إصرارا على إقامة نفس الشعائر في مجموعات صغيرة، وإصرار البعض الآخر على رفض هذه المخالفات وإبلاغ الشرطة عنها. فهل أحدث انتشار الفيروس كوفيد 19 تغييرا في علاقات الناس مع الدين ومع الشعائر والطقوس الدينية، وهل ذلك له أثر ممتد على المدى المتوسط والبعيد أم أنها تفاعلات لحظية انتهت بالسماح بالعودة إلى الصلاة في المساجد، ولن يكون لها مآلات أبعد من مشاعر الحزن لتعليق الشعائر والفرحة لاستعادتها مرة أخرى؟
*****
الهوامش
([1]) Centers for disease control and prevention, Pandemic Influenza Storybook, access date 1-8-2020, available at URL: https://bit.ly/3jRtIEG
(([2] عبده حقي، الأوبئة مرآة لأنفسنا.. هناك روايات كتبت حول الأحداث الكبرى وتأثر الأدب والثقافة معا، حوار مترجم مع فرانك إم سنودن، 2020/04/13، تاريخ الدخول: 25-8-2020، متوفر على الرابط التالي: https://bit.ly/33dQ8Jw
([3]) Epidemics in Western Society Since 1600 with Frank, Yale courses, lecture 1, Mar 16, 2011, acess date: 5-8-2020, available at URL: https://bit.ly/3mO846J
([4]) الأوبئة مرآة لأنفسنا، هناك روايات كتبت حول الأحداث الكبرى وتأثر الأدب والثقافة معا، مرجع سابق.
(([6] إدغار موران: “تمثِّل فترة ما بعد الوباء مغامرة يكتنفها الغموض”، ترجمة سعيد أبو بوخليط،بتاريخ 28/04/2020، تاريخ الدخول 10-8-2020، متوفر على الرابط التالي:
([7]) Jonathan watts, The influential French thinker explains the politics of the Gaia principle, the problems of post-truth and how coronavirus gives us a model for spreading ideas, access date: 25-8-2020, available at URL: https://bit.ly/2R63tOv
([8]) How COVID-19 is changing the world: a statistical perspective, p 44, access date: 25-8-2020 available at URL: https://bit.ly/32ajTMf
([12]) Association for Psychological Science, Pandemic Effects on Marriage and Relationships, 28-Apr-2020, access date: 28-8-2020, available at URL: https://bit.ly/3m1sqsK
([14]) What Students Are Saying About Family Conflict in Quarantine, Starting Over and Health Care Heroics, New York Times, April 23, 2020, accessed: 20-8- 2020, available at URL: https://nyti.ms/3h5uaNS
([15]) Pandemic Effects on Marriage and Relationships, op. cit.
([16]) Karl Samuelsson, Stephan Barthel, Johan Colding, Gloria Macassa, Matteo Giusti, Urban nature as a source of resilience during social distancing amidst the coronavirus pandemic, 2020-04-12, available at: https://osf.io/3wx5a
([17]) Bianca Nobilo, Coronavirus has stolen our most meaningful ways to connect, CNN, access date: 20-8-2020, available at URL: https://cnn.it/3hd7Hyt
([18]) Amiri, M., Pagheh, B., Amiri, M., The impact of the coronavirus crisis on human social life, Poster presentation at the online meeting related to the COVID-19 crisis, June 2020, available at: https://bit.ly/2RjP8yh
(([19] تعاطفٌ مصري مع صيني تعرّض للتنمر في القاهرة بسبب «كورونا”، جريدة الشرق الأوسط، 10 مارس 2020، تاريخ الدخول: 30-8-2020، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/329jRUC
([20]) Girish Daswan, iNear and Far: how COVID-19 will affect social interactions, June 19 – 2020, access date: 25-8-2020, available at URL: https://bit.ly/3ieFIzJ
- Gus Wezerek, Racism’s Hidden Toll in America, how long you live depends on the color of your skin, Aug. 11, 2020, URL: https://nyti.ms/3jZfzpa
- Sabrina String, It’s not obesity.. It’s slavery: we know why Covid 19 is killing so many black people, The New York Times, May 25, 2020, available at: https://nyti.ms/33bLL1E
(([22] هالة الحفناوي، “سيكولوجيا الأوبئة”: ماذا يحدث للمجتمعات عند تعرّضها لوباء مفاجئ؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 17 مارس، 2020، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3hdc10F
(([23] نعوم تشومسكي، إدغار موران: التحذير من ديكتاتوريات أزمة كورونا، ترجمة سعيد بوخليط، صحيفة الحدث، 08 أيلول 2020، تاريخ الدخول: 8-2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2R4S8OT
([24]) رحمة الحداد، الفن والإيمان في زمن الوباء في فيلم الختم السابع، 23/04/2020، تاريخ الدخول: 20-8-2020، متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3icq487
([25]) Jonathan watts, The influential French thinker explains the politics of the Gaia principle, the problems of post-truth and how coronavirus gives us a model for spreading ideas, The Guardian, 6 June 2020, access date: 25-8-2020, available at URL: https://bit.ly/35e2QuF
(([26] أحمد عبدالموجود الشناوي، الريف المصري وأزمة كورونا، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، سلسلة مقالات معاصرة: فيروس كورونا COVID 19 الأزمة والمواجهة، ص 5-6، تاريخ الدخول: 25-8-2020 متاح على الرابط التالي: https://bit.ly/3m608NU
([27]) Sherry Turkle, A healthier digital lifestyle, in: Coronavirus Will Change the World Permanently. Here’s How, POLITICO MAGAZINE, 03/19/2020, available at: https://politi.co/2Fhi0Ex
([28]) Allar Tankler, Does This Change Everything? The digital divide and coronavirus, 22 April 2020, access date 26-8-2020 available at URL: https://bit.ly/3hhQYKA
([29]) Amy Dawel, Eryn Newman, Sonia McCallum, Coronavirus lockdown made many of us anxious. But for some people, returning to ‘normal’ might be scarier, May 25, 2020, access date: 27-8-2020, available at URL: https://bit.ly/2DFdkHY
([30]) Yi-Ling Liu, Is Covid-19 changing our relationships?, BBC, 5th June 2020, access date: 27-8-2020, Available at URL: https://bbc.in/2ZiLCbP,.
(([31] د.ريهام محيي الدين، سيكولوجية الخوف من الكورونا، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، متاح من خلال الرابط التالي: https://bit.ly/3czWzv2
([32]) Amiri, M., Pagheh, B., Amiri, M., The impact of the coronavirus crisis on human social life. Op. cit.
(([33] عبده حقي، الأوبئة مرآة لأنفسنا..، مرجع سابق.
([34]) Jonathan watts, The influential French thinker explains the politics of the Gaia principle, op. cit.
فصلية قضايا ونظرات- العدد التاسع عشر – أكتوبر 2020