إيران وسوريا: سيناريوهات العلاقات الجديدة ما بعد بشار

مقدمة:
شهدت العلاقات الإيرانية -السورية حالةً من التوتر والترقب خلال عامٍ كاملٍ بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2025، حاولت خلاله إيران تدارك الموقف، ومن ثم الانتقال من لحظة الارتباك جراء الحدث المفاجئ إلى محاولة إعادة ترتيب الأوراق لصياغة علاقتها مع الحكومة السورية الجديدة، وذلك عبر بثّ رسائل أكثر دفئًا وإبدائها رغبة في استعادة العلاقات. وهو ما يُقابل بردٍ حذرٍ من قبل النظام السوري الجديد، خاصةً في ظل وضعٍ لا يسمح له بمعارضة القوى الفاعلة التي أدت إلى إنجاح الثورة وسقوط نظام الأسد. حيث تُعارض تلك القوى (تركيا، وإسرائيل، والسعودية) عودة إيران إلى الساحة السورية، مما يجعل إعادة العلاقة إلى طبيعتها في القريب المنظور أمرًا صعبًا. ومن ثم، يأتي هذا التقرير لقراءة الديناميكية التفاعلية للمشهد عبر تحليل مواقف جميع أطرافه الفاعلة، سواء الفاعلين الأصليين (سوريا وإيران)، أو أولئك الإقليميين (تركيا، وإسرائيل، والسعودية)، وذلك بعد تقديم لمحة تاريخية عن العلاقات الإيرانية -السورية وبدايات التواجد الإيراني في سوريا ما بعد الثورة 2011. ويأتي التقرير في أربعة محاور رئيسة على النحو التالي: العلاقات السورية -الإيرانية “لمحة تاريخية”، إيران والنظام الجديد في سوريا: الأيديولوجيا والمصلحة، تطبيع العلاقات بين إيران وسوريا: التحديات والعوامل المؤثرة، السيناريوهات المحتملة.
أولًا- العلاقات السورية -الإيرانية “لمحة تاريخية”
تبلورت البدايات الأولى للعلاقات السورية -الإيرانية في إطار بيئةٍ إقليمية متحولة؛ فقد دخلت إيران بعد الثورة الإسلامية 1979 في عداءٍ صريح مع الولايات المتحدة والغرب بوصفهما رؤوس “الاستكبار العالمي” كما أسماه آية الله الخميني (1989)؛ ما انعكس أيضًا في حالةٍ من التوتر في علاقاتها تجاه محيطها الإقليمي وخاصةً العالم العربي، إبان الحرب العراقية -الإيرانية (1980-1988)، والدعم الإيراني للحراك الشيعي في البلدان الخليجية منذ اندلاع الثورة وخلال فترة الثمانينيات (بالأخص انتفاضة محرم1400هـ/1979م)[1]. ما اضطر إيران أن تبحث عن حلفاء في المنطقة يُمثلون هدفًا استراتيجيًا لها، وهو ما وجدته في حزب الله اللبناني وسوريا، تلك الأخيرة التي كانت في حالة عداءٍ أيضًا مع الولايات المتحدة، إضافةً لعدائها مع حزب البعث العراقي، إلى جانب الخلفية العقدية (العلوية الشيعية) لقيادة النظام السوري “البعثي”، على نحوٍ مَكَّن من خلق تحالف جديد في المنطقة. حيث صار التحالف مع سوريا -الأسد بمثابة وسيط ومدخل إلى الساحة العربية، وقد كان لهذا التحالف أهمية خاصة في دعم حزب الله والمقاومة الفلسطينية للضغط على إسرائيل، فضلا عن التأثير في الأحداث اللبنانية والفلسطينية طوال العقدين الماضيين[2].
ولقد ظهرت قوة التحالف الإيراني -السوري بغض النظر عن الصراع الأيديولوجي بين الأيديولوجيا القومية العربية لحزب البعث العلماني زمن حافظ الأسد وابنه لاحقًا، وسياسة الوحدة الإسلامية لجمهورية إيران الإسلامية، فإن العلاقات بينهما كانت تدفعها التحالفات السياسية والاستراتيجية المشتركة لا البعد الأيديولوجي بشكلٍ رئيس. وقد تجلى هذا التحالف في عدة مواقف: بدايتها الموقف السوري ضد العراق في حربها مع إيران 1980-1988 والدعم السوري لإيران بالتدريب وتزويدها بصواريخ سكوت، ثم الموقف الإيراني من مؤتمر مدريد لـ “السلام” 1993 دعمًا لموقف سوريا في استعادة الجولان، ثم زيارة حافظ الأسد لإيران ولقائه بالرئيس الإيراني آنذاك هاشمي رفسنجاني والمرشد الأعلى علي خامنئي عام 1997، إضافة إلى اتفاق التجارة الحرة بين البلدين عام 2004.
لنصل إلى توقيع وزيري دفاع كل من سوريا وإيران اتفاقًا للتعاون العسكري ضد ما أسموه “التهديدات المشتركة” التي تُشكلها إسرائيل والولايات المتحدة عام 2006، ثم الموقف الإيراني في حرب يوليو 2006 وما قدمه من دعم لحزب الله (والذي ساعدت سوريا في تدريب قياداته عند نشأته الأولى خلال الثمانينيات على يد قوات الحرس الثوري) أثناء الحرب مع إسرائيل، مرورًا بسوريا، كما كانت الأخيرة بوابة العبور لكثيرٍ من الدعم الإيراني لحركة المقاومة في فلسطين[3].
وبالتالي، فقد منح هذا التحالف مجالًا لإيران لأن تعلب دورًا في الأحداث الإقليمية حتى مجيء لحظة الثورات العربية عام 2011، والتي امتدت لسوريا أيضًا. وفي هذا السياق، لعبت تحالفات النظام السوري دورًا في تحجيم الحراك الشعبي ومحاولة إفشاله، ما أدخل سوريا في أزمةٍ أمنية منحت تبريرًا للدعم الإيراني لنظام بشار الأسد عسكريًا وماليًا، ثم دخول حزب الله اللبناني على خط الدعم لنظام الأسد ما دلل على راهنية النظام السوري بالنسبة لإيران من الناحية الاستراتيجية تعزيزًا لدورها في المنطقة. حيث رأت إيران في الثورة السورية خطرًا يُهدد باندلاع الاحتجاجات في الداخل الإيراني، خاصةً بعد الانتفاضة الشعبية التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في عام 2009 والتي عُرفت بـ”الحركة الخضراء”. وقد وضعت الاحتجاجات الشعبية في سوريا إيران في موضعٍ حرج، من حيث المفاضلة بين النظام السوري الحليف لها، وبين مكانتها لدى الشعوب العربية والإسلامية ومبادئ الثورة الإسلامية، ما أظهرَ تناقضًا مع شعارات دعم المستضعفين وحركات المقاومة[4].
فقد اعتبرت إيران أن الحراك الشعبي في سوريا يُمثل مؤامرةً ضدها وضد حلفائها، حيث أعلن المرشد الأعلى خامنئي صراحةً في الخطاب الذي ألقاه في ذكرى رحيل الخميني في يوليو عام 2011، وفي تبريره للموقف الإيراني من الحراك الشعبي السوري، قائلا: “نؤيد الحركات الشعبية، لا تلك التي تقوم بتحريكٍ أمريكي أو صهيوني، وإذا كانت هناك حركة أو ثورة بتحريكٍ منهما لإسقاط بلد أو نظام ما، فإننا لا نقف إلى جانب هذه الحركات”. كما وصف الحرس الثوري الإيراني الانتفاضة السورية بأنها “مؤامرة خارجية”، وقام بإرسال قوات من جانبه للقتال على الأرض مع النظام السوري[5].
ويمكننا القول بأن الثورة السورية لم تُقابل بالحماس الذي قوبلت به الثورات العربية الأخرى من الجانب الإيراني لدور البعد الأيديولوجي في قراءة تلك الثورات من زوايا مختلفة، فقد رأى الخطاب الديني الإيراني في هذه الثورات -بداية اندلاعها- مقدمةً لصحوةٍ إسلامية تحمل روح الثورة الإسلامية الإيرانية، وهو ما عبّر عنه علي خامنئي قائلًا: “إن الهبات العربية استلهمت من الثورة الإسلامية مفاهيمها ومعانيها”، كذلك رأت الحركة الخضراء (حركة شعبية إيرانية) نفسها باعتبارها كانت النموذج الملهم لتلك الثورات العربية. ومع ذلك، اختلف الأمر مع اندلاع الثورة السورية على وجه الخصوص، إذ لم تتوان إيران ممثلة في المرشد الأعلى والتيار الديني عن الإعلان عن موقف المؤيد المطلق للحكومة السورية ضد الاحتجاجات الشعبية، وصاغ النظام الإيراني رواية تُعيد إنتاج الرواية الرسمية السورية عن الاحداث، حيث ركز الإعلام الإيراني على أن الثورة في سوريا لا تملك شرعية الثورات العربية الأخرى، وأنها مرتبطة بالخارج وهدفها إضعاف مواقف سوريا من المقاومة[6].
ومنذ بداية الأزمة، كانت إيران أحد أبرز داعمي النظام السوري سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، حيث انتشر في سوريا نحو 3 آلاف مقاتل ومستشار عسكري من الحرس الثوري الإيراني كدعمٍ لنظام الأسد، كما كان حزب الله القوة الضاربة للميليشيات الشيعية في سوريا، حيث شغل قادة الحزب موقعًا متقدمًا بين تلك الميليشيات كمستوى ثاني بعد قادة الحرس الثوري الإيراني.
وفي قناعة العديد من المحللين أن الدعم الإيراني لنظام الأسد قد اعتمد على المتغير المذهبي الطائفي إلى جانب البعدين العسكري والاقتصادي، فقد كان للبعد المذهبي دور مهم في تعزيز التأثير الإيراني الداخلي في سوريا، ولا سيما أن القيادة السورية الممثلة في عائلة الأسد هي من الطائفة العلوية (إحدى الطوائف الشيعية المغالية). وتُشير أغلب الدراسات إلى أن التشيع المنظم في سوريا بدأ منذ عهد حافظ الأسد، لكنه تصاعد وبشكلٍ معلن غير مسبوق في كنف بشار الأسد الذي سمح بنشر التشيع دون قيد. فقد أنفقت إيران ملايين الدولارات في ترميم المزارات الشيعية المنتشرة في أنحاء سوريا، والتي كان يزورها أكثر من 500 ألف زائر إيراني سنويًا في إطار السياحة الدينية، كما مولت طهران العديد من الحوزات العلمية والحسينيات والمعاهد الدينية الشيعية بسوريا، واستغلت هذا التمويل لتوسيع دائرة النفوذ الإيراني[7].
كما سمح نظام الأسد ببث برامج دينية شيعية في القنوات المحلية الفضائية، وقدم التليفزيون السوري الرسمي برنامجًا أسبوعيًا لمدة ساعة للداعية الشيعي عبد الحميد المهاجر، وشُيدت أكثر من 500 حسينية تنتشر في دمشق وحدها، إضافةً إلى عمليات التجنيس التي تشمل الشيعة الإيرانيين والمهاجرين العراقيين، في حين حُرِم الكثير من السوريين الأكراد من الحصول على الجنسية السورية. إذ تشير بعض التقارير أن النظام السوري فترة الأسد منح الجنسية لآلاف الشيعة، حيث تذكر مفوضية الأمم المتحدة للاجئين أن عدد العراقيين في سوريا بلغ عام 2007 أكثر من 1.2 مليون نسمة، وتبلغ نسبة الشيعة منهم أكثر من 57%. يُضاف إلى ذلك الدعم الاقتصادي والخدمات الاجتماعية التي تُقدمها إيران بغرض نشر التشيع مثل: إنشاء مستشفى الإمام الخميني في دمشق، واجتذاب البدو ورؤساء العشائر والقبائل السورية من خلال الدعم المالي والتمويل بالمواد الغذائية، وأخيرًا افتتاح كلية دينية شيعية في دمشق درس بها أكثر من 200 طالب في العام الدراسي 2006-2007، كما حصلت إيران من الحكومة السورية على تصريحٍ بإنشاء جامعة إيرانية كبيرة تُقدم منحًا دراسية مجانية للدراسة في قم وطهران[8].
لكن رغم ذلك، نُشير إلى موقف “الحياد” الذي اتخذه نظام الأسد حيال أحداث السابع من أكتوبر 2023 “طوفان الأقصى” حيث نأى بنفسه عن محور “وحدة الساحات”، وهنا تحدثت بعض التقارير عن شكوك من جانب إيران في تورط أجهزة الأمن السورية بتسريب معلومات حول تحركات قادة الحرس الثوري الإيراني المتواجدين في سوريا والذين قدموا دعمهم اللوجستي لحزب الله في رده على العدوان الصهيوني. فعلى العكس من توجه حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن، حرص النظام السوري على عدم الانجرار أو الانخراط في حرب غزة الأخيرة، فبقيت جبهة هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل هادئةً نسبيًا خلال الفترة الأولى من الأحداث، واقتصرت التحركات فيها على مناوشاتٍ قامت بها الميليشيات التابعة لإيران وتمثلت بإطلاق عناصرها قذائف على القسم المحتل من الجولان سقط أغلبيتها في أراضٍ زراعية، ولم يُسفر معظمها عن أضرار. لم يتقبل الإيرانيون تفهم الموقف السوري في الوقوف على الحياد تجاه حرب غزة، وعدم الانخراط في (وحدة الساحات)، مع رفض الأسد فتح جبهة الجولان، وهو ما يُشعر الحرس الثوري الإيراني، الذي بذل مجهودات كبرى في سبيل الدفاع عن النظام السوري، بالحرج وهو أمر لم يكن في حسبان الإيرانيين وإن استمروا في إعلان الدعم لبشار الأسد[9].
وهنا يمكننا القول بأن البُعد الاستراتيجي قد حكم التحالف بين إيران ونظام الأسد طيلة أكثر من عقدين من الزمان، حيث تماهت رغبة الطرفين في تبادل المصالح المشتركة، يجمعهما العداء للولايات المتحدة والعقوبات الدولية والتحديات الإقليمية.
ثانيًا- إيران والنظام الجديد في سوريا: الأيديولوجيا والمصلحة
كان الدعم الإيراني لنظام الأسد مدفوعًا بالسعي للحفاظ على توازن القوى لصالح محور المقاومة ضد إسرائيل، وهو ما صرح به كبير مستشاري السياسة الخارجية الإيرانية علي أكبر ولايتي عندما أعلنَ أن: “إيران ليست مستعدة لفقدان عامل التوازن هذا لصالح إسرائيل”. وبالتالي، فإن إيران ظلت متمسكة بنظام الأسد إلى الرمق الأخير، فقد زار وزير الخارجية الإيراني عبّاس عراقجي دمشق للقاء الأسد في 1 ديسمبر 2024 بعد سيطرة قوات المتمردين بقيادة هيئة تحرير الشام على مدينة حلب السورية، مؤكدًا تعهد إيران بدعم نظام الأسد في هجومه المضاد ضد المتمردين، حيث صرح قائلًا: “نحن نؤيد بشكلٍ قاطع الجيش والحكومة السورية… سيُحقق الجيش السوري النصر مرةً أخرى على هذه الجماعات الإرهابية كما في الماضي”. كما تحدث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مع الأسد عبر الهاتف في 2 ديسمبر 2024 قائلا إنه: “واثق من قدرة دمشق على الانتصار”[10].
لكن السقوط السريع، وغير المتوقّع، لنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2025 أدّى إلى خسارة قوى إقليمية ودولية لمصالحها ومساحات نفوذها في سوريا وخروجها من الساحة السورية. وكانت إيران على رأس قائمة الخاسرين، بعد أن فقدت سوريا، الحلقة الرئيسة في “الهلال الشيعي”[11]، والممر الحيوي لنقل الأسلحة والإمدادات إلى حزب الله اللبناني، الذي يُمثل خط دفاع مُتقدِّم، لمحاصرة إسرائيل وإبعاد التهديد عن الحدود الإيرانية. وقد مثّل الحدث تطورًا جيوسياسيًا خطيرًا فاجأ حتى أكثر الخبراء السوريين خبرة، ما أثار نقاشات حول ملامح العلاقة التي ستُقيمها إيران مع نظام الحكم الجديد في سوريا في المستقبل، خاصةً بعد الضربة التي تلقاها حزب الله من إسرائيل في 2024 وتراجع دور “محور المقاومة”.
فقد مثّل ذلك السقوط السريع عاملًا للارتباك الذي ساد الموقف الإيراني، ولا سيما فيما يتعلق بخروج قوات الحرس الثوري الإيراني المتواجدة على الأراضي السورية فضلًا عن الميليشيات التابعة له. فالموقف الرسمي الإيراني قُبيل السقوط عبَّرت عنه قيادات الدولة والخارجية الإيرانية، وهو الدعم الكامل والقاطع للأسد وحكومته وللشعب السوري، ووصف الفصائل المسلحة السورية بأنها جماعات “سلفية تكفيرية” و”إرهابية”، تسعى لتحقيق أهداف قوى إقليمية ودولية، هي تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ولكن هذا الموقف تغير بعد سقوط الأسد، ووصف الإعلام الإيراني الرسمي الفصائل السورية المسلحة بـ “المعارضة”، وهو ما اعتُبر اعترافًا من النظام الإيراني بالأمر الواقع، وتمهيدًا لموقفه من المرحلة الجديدة في سوريا بعد الأسد، مع استمرارية التصريحات المناوئة[12].
وقد أثارت التصريحات الرسمية الإيرانية العديد من التحفظات، لا سيما من قبل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي الذي دعا الشبابَ السوري إلى “الوقوف بكل قوة وإصرار لمواجهة مَن صمم هذا الانفلات الأمني ومن نفذه”، واصفًا الحكومة الجديدة بأنها: “نظامٌ استبداديٌ يخدم مصالح أمريكا” متوقعًا أن يقوم “الشرفاء” بمواجهتها، وهو ما اعتبرته سوريا الجديدة تهديدًا ببث الفوضى في سوريا، وحذرت إيران من تداعيات مثل هذه التصريحات. هذا إضافةً إلى تصريح قائد الحرس الثوري حسين سلامي أن: “سوريا ليست مكانًا للتدخل الأجنبي” وأنه يجب على إيران استخلاص العبر، حيث أثارت تلك التصريحات انزعاجًا في دمشق بشأن المرحلة الجديدة، إضافة إلى عمليات نهب السفارة الإيرانية، وتمزيق صور قادة إيران (آية الله الخميني، وعلي خامنئي)، والشخصيات البارزة (حسن نصر الله، وقاسم سليماني)، واتهام العديد من السوريين إيران وحزب الله بدعم قمع نظام الأسد، كما هرب الدبلوماسيون الإيرانيون وقادة فيلق القدس من سوريا[13].
وردًّا على هذا، صرّح وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بأن التصريحات القادمة من إيران تهدف إلى “التدخل في الشؤون الداخلية السورية وتحريض الشعب السوري”، لكن سرعان ما حاولت إيران استدراك المستجدات المفاجئة على الساحة السورية حين أرسل وزير الخارجية عبّاس عراقجي برسائل أكثر دفئا داعيًا إلى إجراء مفاوضات مع الحكومة السورية الجديدة، واللافت أن عراقجي أطلق هذه التصريحات في أعقاب القصف الإسرائيلي لمقر هيئة الأركان التابعة للجيش السوري الجديد، ومحيط القصر الرئاسي في دمشق. وقد أظهرت تلك التصريحات المتباينة أن طهران لم تكن قد اتخذت قرارًا واضحًا بشأن كيفية التعامل مع سوريا الجديدة حتى تلك اللحظة، وأنها تمر بحالة من الارتباك الشديد وخيبة الأمل العميقة[14].
في حين كان الرد من قبل الحكومة الجديدة متماهيًا مع لحظة التحول وبناء الدولة، حيث لم تُغلق الحكومة الجديدة الباب أمام المفاوضات بشأن العلاقات مع إيران، إذ صّرح الشيباني قائلا: “نهدف إلى إعادة بناء العلاقات مع كلٍ من روسيا وإيران، وقد تلقينا رسائل إيجابية بهذا الشأن”. ذلك في حين أدلى الرئيس السوري أحمد الشرع بأوَّل تصريح له بشأن إيران بعد ثلاثة أسابيع من سقوط نظام الأسد، قائلًا: “نُريد إقامة علاقات متوازنة مع الجميع، وعلى الرغم من الجراح التي تسببوا بها، فقد قمنا بواجبنا تجاه السفارة الإيرانية في سوريا، وكنا نتوقع تصريحات إيجابية من إيران، وكان ينبغي عليها أن تقف إلى جانب الشعب السوري”[15].
وبشكلٍ عام، فإن إيران قد وضعت مجموعة من المُحدِّدات لموقفها من النظام السوري الجديد، واعتبرتها مهمة في تحديد مستقبل سوريا، والحفاظ على استقرارها، واستقرار الدول المحيطة، وتتمثل في: ضرورة المحافظة على سيادة سوريا وسلامة أراضيها، وحق الشعب السوري في تقرير مستقبله دون تدخل أجنبي، وضرورة ألَّا تتحول سوريا إلى ملاذٍ آمن للإرهاب، وتشكيل حكومة شاملة بمشاركة كل أطياف الشعب السوري. وبالنظر إلى تلك المحددات، فيمكن القول بأن إيران حاولت، بعد تلقي الصدمة وتجاوز مرحلة الارتباك الأولى، التماهي مع النظام السوري الجديد، حيث أصدر الجانب الإيراني تبريرات التدخل في سوريا في المرحلة السابقة، في إشارة إلى إمكانية التواصل بين إيران والنظام السوري الجديد. ويمكن رصد أهم تلك التبريرات فيما يلي:
1- تدخُّل إيران في الشأن السوري كان بطلب رسمي من حكومةٍ قائمةٍ لمحاربة الإرهاب.
2- إيران كانت تسعى من خلال مساعدتها للأسد إلى إنقاذ سوريا من التحول إلى دولة فاشلة.
3- إيران تواصلت مع المعارضة السورية بشكلٍ غير مباشر، من خلال مسار آستانة.
4- القرار بشأن العلاقات المستقبلية مرهون بسلوك القوى الحاكمة في سوريا.
حيث أكدت إيران أنها لن تدخر جهدًا للمساعدة في إرساء الأمن والاستقرار في سوريا، كدولة مهمة ومؤثرة في منطقة غرب آسيا، ولهذا الغرض، سوف تُواصل مشاوراتها مع مختلف الأطراف المؤثرة في الشأن السوري من دول المنطقة. ولكن هذه اللغة الدبلوماسية رافقتها لغة التهديد في البداية، التي أشرنا إليها سابقًا[16].
ويمكن أن تفهم طبيعة المواقف الأوليّة بين الطرفين -السوري والإيراني- من زاويتين:
الأولى: التحديات التي يُواجهها النظام السوري الجديد، خاصةً فيما يتصل بالتحدي الأمني الإسرائيلي تجاه سوريا، ولا سيما بعد التصريحات التي أدلى بها المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك والتي أوحت بعدم نية الولايات المتحدة في وقف الهجمات الإسرائيلية على دول المنطقة، وعلى رأسها سوريا التي كثيرًا ما استُبيح مجالها الجوي أمام الضربات الإسرائيلية، حيث قال: “إسرائيل تضرب حيث تريد في الوقت الذي تريد”[17]. وهذا ما يدفع النظام السوري الجديد إلى اللجوء إلى لغة المهادنة تجاه إيران وأيضًا توجيه رسائل إيجابية إلى حزب الله اللبناني، فأوضح الرئيس الشرع خلال لقائه مع مجموعة من الإعلاميين في أغسطس 2025 أن سوريا تعالت على الجراح التي تسبب بها حزب الله في سوريا، وأكّد عدم نية سوريا الجديدة في التدخل في الشأن اللبناني قائلًا: “لا نريد إطلاق تصريحات تُحمس بعض الأطراف في لبنان ضد الحزب”[18]. كما حاول الشرع بناء علاقات جديدة مع العراق، خاصةً في مجال الطاقة عبر تفعيل خط نفط كركوك -بانياس الذي يرجع بالنفع على الطرفين، وهو ما قوبل بتحفظات قوى سياسية عراقية متحالفة مع إيران، حيث عارضت هذه القوى في مايو 2025 حضور الشرع للقمة العربية في بغداد رغم توجيه الحكومة العراقية الدعوة له، واكتفت دمشق بإرسال وزير الخارجية أسعد الشيباني لتمثيلها في القمة، ومن ثم رأى بعض المراقبين أنه من المحتمل أن تؤدي التهدئة مع إيران إلى التقدم في العلاقات العراقية -السورية[19].
الثانية: اتساق التهدئة بين طهران والحكومة السورية مع السياق الإقليمي بالنسبة لإيران، حيث المخاوف المتنامية من نهج الحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي حاولت في 9 سبتمبر 2025 اغتيال وفد حركة حماس المفاوض خلال اجتماعٍ له في الدوحة بقطر، ووجهت رسالة واضحة لدول الإقليم أنها لا تلتزم بأي خط أحمر، ما جعل الدوحة تحتضن قمة عربية وإسلامية طارئة، بحضور الرئيس السوري ونظيره الإيراني. إضافة إلى التخوفات الإيرانية من معاودة الضربات الإسرائيلية بعد حرب الـ 12 يومًا بين الجانبين[20].
ثالثًا- تطبيع العلاقات بين إيران وسوريا: التحديات والعوامل المؤثرة
رغم الدوافع المتوجهة نحو التهدئة بين الطرفين، ومحاولة تجاوز آثار الماضي، لكنه من المبكر استشراف القول بتطبيع العلاقات بين إيران والنظام السوري الجديد، خاصةً في ظل العديد من التحديات التي تقف في وجه تطبيع تلك العلاقات بين الجانبين، وتتمثل في عدة عوامل لكلا الطرفين.
- الموقف السوري
ترتبط العلاقات المستقبلية بين النظام السوري الجديد وإيران بعدة عوامل، والتي ستُشكل توجهات السياسة الخارجية للنظام السوري الجديد، ذلك حيث لا مكان للتصريحات الدبلوماسية المجردة عن أي عمل واقعي والذي يتجاوز رد الفعل الأولي، كما أنها لا تنحصر بالقرار السوري المنفرد، وإنما تتداخل فيها حسابات المصالح المشتركة مع القوى الإقليمية والدولية. ويُمكننا أن نُجمل تلك العوامل في الآتي:
1- بناء الدولة وشكل النظام الجديد:
لا يمكن توقع الشكل الذي سيكون عليه النظام السوري الجديد من حيث طبيعة الدولة ونظام الحكم، فوفق الإجراءات التي اتُخذت لإدارة المرحلة الانتقالية الراهنة لا توحي باختيار مسارًا محددًا، ومن ثم فلا يمكن الجزم بما يتعلق بشكل الدولة الجديدة، سواء كانت دولة ديمقراطية، أو إسلامية، أو دولة فيدرالية (محاصصة طائفية وعرقية بين العرب، والكرد، والسنة، والعلويين، والدروز)، أم سيؤول الأمر لدولةٍ فاشلة منقسمة. فمن المبكر الجزم بالشكل النهائي للدولة الجديدة في سوريا، وطبيعة نظامها السياسي بما سينعكس على سياساتها الخارجية وخاصة علاقتها مع إيران، كما أن أولويات النظام السوري الجديد تتركز حول استكمال رفع العقوبات الأمريكية عن قياداته وسوريا عمومًا، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وهو ما يُفسر حضور الرئيس الشرع اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة أواخر سبتمبر2025[21].
2 – مواقف القوى الفاعلة:
مثَّل دور القوى الإقليمية الفاعلة أهمية كبرى في إسقاط نظام الأسد، فلم يكن للفصائل المسلحة أن تنتظر دون وجود لحظة مواتية وتوافق إقليمي ودولي صادف بيئةً تسمح بالتغيير، ومن غير المتوقع أن يزول هذا الدور الإقليمي والدولي بعد سقوط نظام الأسد، إذ إن استمرارية النظام الجديد وتثبيت أركانه مرهون بشكلٍ كبيرٍ باستمرارية هذا التوافق بالقدر الذي يحفظ معه مصالح تلك القوى الفاعلة. فمن خلال النظر إلى ماجريات الأحداث، نرى أن الولايات المتحدة، التي منحت الضوء الأخضر لحلفائها، تركيا وغيرها، في دعم المعارضة حتى الانتصار، وجدت أن سقوط نظام الأسد سيُنهي الوجود الإيراني في سوريا، ويُضعف حزب الله، وهو ما يحقق الحماية لإسرائيل وقطع الطريق على الدعم الإيراني للمقاومة الإسلامية في فلسطين ضدها، وهو ما صرحت به مساعدة وزير الخارجية الأمريكي، باربرا ليف، بعد زيارتها دمشق، أنه: “لن يكون لإيران أي دور على الإطلاق في سوريا ولا ينبغي لها ذلك”[22]. هذا إضافة إلى الانخراط في مباحثاتٍ أمنية مع إسرائيل لتثبيت قواعد التهدئة ومنع الهجمات الإسرائيلية على الأراضي السورية، والتي طال بعضها قرب القصر الرئاسي السوري خلال إحدى الضربات.
وبالتالي، فمن غير المتوقع أن يُغامر النظام السوري الجديد بالانفتاح على إيران على المدى القريب، ما من شأنه أن يُثير تحفظات الإدارة الأمريكية، ذات المنحى الجمهوري الذي ينتهج نهجًا تصعيديًّا ضد إيران، ما يُرجح استمرار سوريا في التعامل الحذر مع إيران ما لم يُتوصل إلى اتفاقٍ نووي جديد بين الولايات المتحدة وإيران، ما قد يُسهم في تخفيف تلك الأعباء عن النظام السوري وعلاقته بإيران، وهو ما ألمح إليه الرئيس الشرع في مطلع سبتمبر 2025 حين أشار إلى عدم الرغبة بإعطاء ذريعة لإسرائيل التي أرادت جعل سوريا ساحة للصراع مع إيران[23].
كما كانت أولى زيارات الشرع إلى الدولتين المنافستين لإيران على النفوذ في الإقليم، وهما السعودية وتركيا على الترتيب، وقد هدفت تلك التحركات لأمرين: التأكيد على توجهات سياسته الخارجية في هذه المرحلة، تعبيرًا عن عدم رغبته في إثارة الولايات المتحدة وإسرائيل ضده، ما يعني أن هذا النظام ماضٍ في نسج شبكة علاقات إقليمية ودولية سوف تؤثر على نفوذ إيران الإقليمي وفي سوريا بشكلٍ خاص. وعلى جانبٍ آخر، مراعاة للمشاعر الشعبية السورية ضد إيران، موحيًا بأنه لا مكان للإيرانيّين في سوريا في ظِل الإدارة السورية الجديدة[24].
وفيما يخص تركيا، والتي حضرت كلاعبٍ أساسي في الثورة السورية، فإن سيطرة نفوذها سيمتد في كل المناطق الخاضعة لسلطة الدولة السورية الجديدة، وذلك على حساب إيران كجزءٍ من الصراع على النفوذ بين أنقرة وطهران، خاصةً بعد انتصار حليفتها أذربيجان على أرمينيا الحليفة لإيران في النزاع على إقليم ناغورنو كارباخ، بما يعني تمدد النفوذ التركي في دول آسيا الوسطى وما يتبعه من التعاون العسكري والأمني والاقتصادي، تحت مظلة “منظمة الدول التركية”[25].
يتماثل في هذا الصدد الموقف السعودي الذي رأى في سقوط نظام الأسد وسيطرة المعارضة (السنية) نجاحًا في تحجيم الدور الإيراني في المنطقة، وجعلها تحت ضغوطٍ مستمرة من قبل إسرائيل والغرب، لتظل دومًا منصرفة عن دعم وكلائها، وبالأخص الحوثيين في اليمن الذين عجزت المملكة السعودية عن الانتصار عليهم، مع ما يمثلونه من تهديدٍ أمني للعمق السعودي وتهديد المصالح الحيوية، وبالأخص امدادات النفط السعودي[26].
ويُوضح لنا هذا التوافق الإقليمي والدولي على خروج إيران من الساحة السورية ومنعها من العودة إليها، أنه ليس بمكنة للنظام السوري الجديد عدم اعتبار مصلحة تلك الأطراف الفاعلة وتواطؤها على خروج إيران من اللعبة، وتحجيم دورها الإقليمي، ومن ثمَ فمن غير المتوقع أن يُغامر النظام الجديد بإقامة علاقات مع إيران تمكنها من معاودة ممارسة نفوذها داخل الساحة السورية في المنظورين القريب والمتوسط[27].
- الموقف الإيراني
لا يمكن الجزم بوجود رغبة قوية لدى إيران بتطبيع العلاقة مع النظام السوري الجديد، في ظل رفض الأخير لعودة سوريا لأن تكون ممرًا للأسلحة الإيرانية المتجهة إلى حزب الله في لبنان والمقاومة الإسلامية في فلسطين المحتلة، وهذا ما يمكن استنتاجه من تصريح علي أكبر لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، الذي ربط بين تطبيع إيران العلاقة مع النظام السوري الجديد وبين “ما ستقوم به دمشق على الأرض”، موضحًا أن إيران تنتظر “رؤية ترتيبات واضحة” فعلية على أرض الواقع. وبناءً على ذلك، فقد تكون الرسائل الإيجابية التي أرسلتها إيران عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي ناتجة عن الضغوطات التي تُعانيها إيران جراء المخاوف من عودة الهجمات الإسرائيلية ضدها بموافقة من الإدارة الأمريكية، وقد تتراجع عن هذه النبرة الإيجابية إذا لم تر طهران مؤشرات على استعداد دمشق بشكلٍ جدي للتطبيع وإفساح المجال مجددًا أمام نفوذ إيراني في سوريا، ومن ثم معاودة بث الروح في جسد “الهلال الشيعي” المحتضر[28].
وبالتالي، فثمة عوامل كثيرة تتحكم في صياغة الموقف الإيراني من النظام السوري الجديد، وتحكم العلاقة المستقبلية معه، منها:
1 – الأيديولوجيا المصلحية الإيرانية:
تقوم سياسات إيران الخارجية على عدة عوامل يقف في مقدمتها مصلحتها القومية والمحافظة عليها، وإن اضطرها ذلك إلى تجاهل أي اعتبارات، حتى لو كانت اعتبارات دينية أو مذهبية، ما وقع في دعمها لأرمينيا (المسيحية) في مواجهة أذربيجان (ذات الأغلبية الشيعية) والحليفة لتركيا وإسرائيل، وأيضًا المزاوجة بين الدبلوماسية الرسمية التي تسعى للتعاون العلني والعلاقات السرية التي تستغل حركات المعارضة والطوائف والأقليات، ولذا، فقد رجحت إيران مصلحتها على سقوط الأسد الذي رأت أن هناك إرادة قوية -إقليميًا ودوليًا- لإسقاطه، وأن أي تحرك لمساعدته قد يُعرضها لضربةٍ قوية لا تستطيع أن ترد عليها في إطار سياسة التصعيد المتبادل[29].
2 – استعادة النفوذ الإيراني:
يوجد عدة مصالح لإيران تجعلها في محاولةٍ مستمرة لاستعادة نفوذها ومد مصالحها مع النظام السوري الجديد، منها مصالح سياسية تتمثل في كسر حالة الحصار الدولي حولها، لا سيما أن خروجها من سوريا يُفقدها توزان القوى مع الأطراف الإقليمية الأخرى، وبخاصةٍ النفوذ التركي المتمدد. كما تُحاول إيران أن تستعيد مصالحها الاقتصادية، وتحديدًا عقب بعد تزايد المشاكل الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الغربية، بالإضافة إلى محاولة استعادة الديون المستحقة لها على النظام السابق، واسترداد استثماراتها في سوريا مثل خط نقل الغاز الإيراني ومشروع الربط البري.
كما أن طهران في حاجةٍ لاستعادة نفوذها في سوريا من أجل ترميم “محور المقاومة”، والبقاء على مقربة من إسرائيل، وإعادة تقوية حزب الله اللبناني المحاصر من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل لمنع وصول الإمدادات الإيرانية إليه، حيث تُمثل سوريا المخرج الوحيد من تلك المعضلة. وأخيرًا، من مصلحة إيران استعادة نفوذها في سوريا للحفاظ على العتبات المقدسة وحماية أتباع الطائفة الشيعية في سوريا كأحد مبررات التدخل العسكري الإيراني والإنفاق المالي الضخم على نظام الأسد، وهذا الدور ما تسعى إيران لاستعادته باعتبارها الدولة الراعية للمذهب الشيعي حول العالم بحسب وصفها لذاتها[30].
3 – الانقسامات الداخلية في سوريا:
يُمكن اعتبار الانقسام الداخلي في سوريا فرصة جيدة لاستعادة إيران نفوذها؛ ففي ظل وجود مكونات عرقية وإثنية عديدة (أكراد، وعلويون، وشيعة، ودروز) تطالب بنصيب من السلطة ما يسمح بنفوذ القوى الخارجية وأولها إيران التي حتمًا ستوظف المكونات الشيعية والعلوية، والتي طالما حظيت برعايتها، من أجل استعادة نفوذها. فقد تلعب العلاقات التاريخية مع الشيعة والعلويّين، دورا في هذا السياق، إذ ليس من المتوقع لهذه العلاقات أن تنقطع بشكلٍ كامل بمجرد تغيُّر الحكومة في دمشق، حتى وإن تراجعت هذه العلاقات في المرحلة الحالية. وإذا سنحت الفرصة في المستقبل فسوف تستغل إيران هذه العلاقات التاريخية، خاصَّة إذا تعرَّضت هذه المجموعات إلى ضغوطٍ شديدة من جانب النظام الجديد، تدفعها إلى التعاون مع الخارج من أجل موازنة الضغوط. لكن نجاح هذه الفرص بالنسبة لإيران مرتهن بالتطورات والمتغيرات التي يمكن أن تشهدها سوريا في ظِل النظام السوري الجديد وعلاقاته الخارجية[31].
رابعًا- السيناريوهات المحتملة
تدور السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقات الإيرانية -السورية حول ثلاثة سيناريوهات، ترتبط جميعها بالمصالح المتعارضة للفاعلين الإقليميين والدوليين في المشهد السوري، وتتدخل فيها مصالح وأهداف وتحالفات طرفي العلاقة، وهما سوريا وإيران. والتفصيل فيما يلي:
1 – سيناريو علاقات التعاون:
وهو إقامة علاقات ثنائية متوازنة، تُراعي المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشأن الداخلي أو تهديد الأمن القومي، وتظهر آثارها في التنسيق بين الطرفين في القضايا المهمة والتعاون في شتى المجالات. ويعتمد تحقق هذا السيناريو على تغيير إيران استراتيجياتها في السياسة الخارجية تجاه سوريا، والتخلي عن فكرة استعادة النفوذ وإبقاء دمشق في محور المقاومة، هذا فضلا عن أهمية قبول القوى الفاعلة في الشأن السوري لهذه العلاقات التي لا بد أن تكون متفقة مع مصالح النظام الجديد. لكن على أرض الواقع يصعب تحقيق هذا السيناريو في ظل التعارض التام في الوقت الراهن بين المصالح الإيرانية والسورية، ولا سيما في ظل احتدام الغضب الشعبي السوري تجاه الدور الإيراني الداعم لنظام الأسد السابق لإفشال الثورة.
2 – سيناريو العلاقات الحذرة:
وهو إقامة حد أدنى من العلاقات، علنية كانت أو سرية، يغلب عليها عدم الثقة، والحذر، والتردد في التعاون، والمواقف المتحفظة، بسبب التاريخ الصراعي والمصالح الاستراتيجية المتناقضة بين الطرفين. حيث سيلتزم الطرفان في هذه العلاقات بأدنى درجات التعاون، في مسعى منهما لتجنُّب التصعيد، ويعتمد هذا على إقرار الطرفين بخطورة القطيعة الكاملة على مصالحهما، والسعي لإيجاد صيغ للتفاهم تحول دون التصعيد بينهما، ولو عبر وسطاء، رغم تمسُّك كل منهما بمصالحه الخاصَّة وتوجهاته في السياسة الخارجية. ويمكن القول بأن هذا السيناريو أقرب ما يكون إلى نموذج العلاقات بين إيران وحكومة طالبان، بعد سيطرة الأخيرة على أفغانستان في 2021، ومن المرجّح أن يكون السيناريو الذي سيُشكل العلاقة بين إيران وسوريا ما بعد بشار أيضًا[32].
3 – سيناريو العلاقات العدائية:
حيث يغلب على العلاقات طابع التوتر الشديد، والعداء المتبادل والمستمر، والدعاية السلبية والتحريض، وسَعْي كل طرف لتحقيق مصالحه على حساب مصالح الطرف الآخر. يتحقق هذا السيناريو في حال تمسك إيران باستراتيجياتها في السياسة الخارجية، وتحريضها ضد الدولة السورية الجديدة، ودعمها للثورة المضادة (بدعم المكونات الشيعية والعلوية ضد النظام الجديد)، وتمسُّك القوى الفاعلة في الشأن السوري والنظام السوري الجديد بإبعاد إيران من الساحة السورية ومنعها من القيام بأي دور فيها.
وهو سيناريو لا يرغب أيٌّ من الطرفين في تحققه بسبب التكلفة الشديدة له؛ فالنظام السوري الجديد يسعى إلى بناء الدولة وتثبيت أقدام حكمه، في مقابل عدم رغبة إيران في الدخول إلى صراعٍ علني يؤدي إلى تصعيدٍ من جانب قوى إقليمية ودولية أو يُتخذ ذريعة ضدها، خاصةً بعد الضربة الإسرائيلية وحرب الـ 12 يومًا مع إسرائيل، كما أنه يُستبعد أن توظِّف إيران الأقليات الشيعية والعلوية -في المرحلة الحالية- للقيام بثورة مضادة تؤدي إلى اضطرابٍ في سوريا، ومن ثم التأثير أمنيًا على تركيا وكذلك إسرائيل، وهو ما لن تسمح به الولايات المتحدة. هذا بالإضافة إلى أن إيران تمر بمرحلةٍ صعبة بعد ضرب حزب الله وسقوط الأسد وعودة الرئيس الأمريكي ترامب للحكم في الولايات المتحدة ووجود حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، حتى أنها تتوقع ضربة عسكرية جديدة قوية، يمكن أن تؤثر على مستقبل النظام الحاكم، ولهذا فإن إيران سوف تفكر جيدًا قبل أن تتورط في عملٍ ضد النظام السوري الجديد، تتخذه الولايات المتحدة حجَّةً لتوجيه ضربة قوية إليها[33].
خاتمة:
ظلت حالة القطيعة مسيطرة على العلاقة بين إيران والنظام الجديد في سوريا على مدار عامٍ كامل منذ سقوط الأسد في ديسمبر 2024، في ظل محاولةٍ دؤوبة من إيران لاستعادة مكانتها ونفوذها في الساحة السورية، وهو ما يُقابله حذر شديد من قبل النظام السوري الجديد والقوى الفاعلة الأخرى. ويعكس هذا التخوف السوري حالة التعارض التام بين مصالح إيران بعودتها إلى الساحة السورية واستعادة بعض المكاسب بعد الخسارة الفادحة التي مُنِيت بها بعد سقوط الأسد، وبين مصالح القوى الفاعلة الأخرى الرافضة لعودة إيران وإيجاد موطئ قدم لها في سوريا ما بعد بشار الأسد، ويُشكل هذا التعارض كلمة السر في الشكل الذي سيؤول إليه مستقبل العلاقة بين إيران والنظام الجديد في سوريا. تلك السياقات تجعل إقامة علاقات طبيعية بين البلدين في المنظور القريب أمرًا مستبعدًا، أو في حكم المستحيل، إلا في ظل تغيرات كبرى تؤدي إلى فتح أبواب الحوار بين الطرفين وتطبيع علاقاتهما في حالة توافق القوى الفاعلة الأخرى، دون أن يعني هذا استبعاد إقامة حد أدنى من العلاقات، تأخذ شكل العلاقة الحذرة، والتي تضمن للطرفين تحقيق عدم الإضرار بمصالحهما والحد الأدنى من التعاون، وتحول دون التصعيد السياسي أو العسكري بينهما، ومن ثم تبقى تلك الصيغة الأقرب لمستقبل العلاقات بين البلدين في المنظور القريب.
⁕ باحث في العلوم السياسية.
[1] احتجاجات شيعية في القطيف والإحساء بالمملكة العربية السعودية (التحرير).
[2]عمرو نبيل عبد الحكيم، النظرية البنائية في العلاقات الدولية: دراسة حالة للسياسة الخارجية الإيرانية، رسالة ماجستير، (جامعة حلوان، كلية التجارة، قسم العلوم السياسية، 2025م)، ص 91-92.
[3] للمزيد حول تطور مراحل العلاقات الإيرانية-السورية من 1979-2023م انظر: العلاقات السورية الإيرانية.. تاريخ وحاضر ومستقبل، الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين، 3مايو 2023م، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/d19KDk
[4] فادي شامية، المشروع الإيراني في ضوء الثورات العربية، ضمن: المشروع الإيراني في المنطقة العربية والإسلامية، (القاهرة، دار البشير، 2015) ص 151-152.
[5]المرجع السابق، ص155-162.
[6] فاطمة الصمادي، علاقة إيران بحركات المقاومة الإسلامية في المنطقة في ظل الثورات العربية، ضمن: المشروع الإيراني، مرجع سابق، ص 215-217.
[7] عمرو نبيل عبد الحكيم، المرجع السابق، ص92-93
[8] المرجع السابق، ص95.
[9]هل يفسد «طوفان الأقصى» العلاقات السورية – الإيرانية… أم هو سحابة صيف عابرة؟، تقرير، صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 6مايو 2024م، متاح متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/q8thLEtI
[10] Syrian forces regroup with help from Iran، Russia after shock rebel advance، the Washington post، 2 Dec 2024، available at: https://2u.pw/U9q5xp
[11] حول فكرة الهلال الشيعي” ودوره في السياسات الإقليمية لدى إيران، انظر: عمرو نبيل عبد الحكيم، مرجع سابق، ص55-67.
[12] إيران في سوريا بعد الأسد: محاولات يائسة لاستعادة النفوذ وعودة إلى سياسة الفوضى، تلفزيون سوريا، 12 مارس 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/StAdj9
[13] Iran in a ‘position of unprecedented weakness’ after the fall of Assad in Syria، France24، 9 dec 2024, available at: https://2u.pw/jgg5Rz
[14]مع تطور الأحداث، اصبحت التصريحات الإيرانية أكثر دبلوماسيةً في محاولة لتجاوز الصدمة وبناء علاقات مع النظام الجديد، وهو ما يؤكده تصريح مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، مجيد تخت روانجي، أن طهران مستعدة لإقامة “علاقات ودية” مع الإدارة السورية. انظر: تلفزيون سوريا، 20 فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/UQ2xyR
[15]رمضان بورصة، الخطة الإيرانية الثلاثية تجاه سوريا الجديد، الجزيرة نت، 16 مارس 2025م، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/DJ5UUD
[16] أحمد حسين بكر، مستقبل العلاقات السورية الإيرانية بعد سقوط نظام الأسد، منتدى الدراسات المستقبلية، 12 فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/n0c8h0y2
[17] نيويورك تايمز عن توم براك: إذا شعرت إسرائيل بالتهديد فسترد في أي وقت وأي مكان، النهار العربي، 26نوفمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/auvPPc
[18] الشرع: تنازلنا عن جراح حزب الله ونريد صفحة جديدة مع لبنان، سكاي نيوز عربي، 27أغسطس 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/kGsJFq
[19] «حل وسط» لأزمة حضور الشرع القمة العربية في بغداد، الشرق الأوسط، 22 أبريل 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/bWCifg
[20] فراس فحام، من التصعيد للرسائل الإيجابية.. ما مستقبل العلاقة بين دمشق وطهران؟، الجزيرة نت، 18 سبتمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/I0mt5P
[21] احمد حسين بكر، مستقبل العلاقات السورية الإيرانية بعد سقوط نظام الأسد، منتدى الدراسات المستقبلية، مرجع سابق.
[22] خطوة أميركية أولى نحو دمشق: الشرع يعِد بـ«مؤتمر وطني»، جريدة الأخبار، 21 ديسمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/jtFR8z
[23] العلاقة مع إسرائيل وملفات شائكة أخرى.. كوري ميلز يكشف فحوى اجتماعه مع الشرع، تلفزيون سوريا، 23 أبريل 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/sFKRzh
[24] بين الرياض وأنقرة، هل يحقق الشرع معادلة التوازن السعب، سكاي نيوز، 4فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/5i3zn5
[25] إيران في سوريا بعد الأسد: محاولات يائسة لاستعادة النفوذ وعودة إلى سياسة الفوضى، تلفزيون سوريا، 12 مارس 2025م، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/StAdj9
[26] إيران تحذّر من الأعمال العدائية والتوسعية الإسرائيلية على الأراضي السورية، تلفزيون سوريا، 28 فبراير 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/LIj2CO
[27] يدل اجتماع وزراء خارجية كل من إيران وسوريا والسعودية وأطراف أخرى في منتدى أوسلو للسلام في يونيو 2025م، في ظل اجتماع إيراني أمريكي حول بعض القضايا أبرزها الملف النووي، على هذا التحليل. انظر: وزراء خارجية سوريا والسعودية ومصر وعُمان يجتمعون مع نظيرهم الإيراني في النرويج، التلفزيون السوري، 10 يونيو 2025م، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/AoNhCH
[28] علي لاريجاني، تطبيع العلاقات مع سوريا ممكنة، لكنه يعتمد على تصرفات دمشق، تلفزيون سوريا، 15 أغسطس 2025، على الرابط التالي: https://2u.pw/2H4iLB
[29] الجماعات المسلحة المدعومة إيرانيًّا في سوريا: دورها ومستقبلها، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 16 يونيو،2023 متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/wnmY14
[30] إيران في سوريا بعد الأسد: محاولات يائسة لاستعادة النفوذ وعودة إلى سياسة الفوضى، تلفزيون سوريا، 12 مارس 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/StAdj9
[31] أحمد حسين بكر، مستقبل العلاقات السورية الإيرانية بعد سقوط نظام الأسد، منتدى الدراسات المستقبلية، مرجع سابق.
[32] إيران: قطع العلاقات مع سوريا “لا يعتبر أبديا”، سكاي نيوز عربي، 17 سبتمبر 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/kuJIdI
[33] هل تتسبب إسرائيل في إنعاش العلاقات السورية الإيرانية، الجزيرة نت، 28 أغسطس 2025، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/cdOVed
نشر في العدد 40 من فصلية قضايا ونظرات – يناير 2026




