المنطقة العربيةتقارير ودراسات

هل أحدثت جائحة كورونا تغييرًا في الصراعات الإقليمية؟

مقدمة:

ضربت أزمة كورونا العالم بينما هناك صراعات قوة تقليدية وغير تقليدية على قيادة النظام الدولي وعلى مناطق النفوذ الإقليمية، وجاءت الجائحة إلى المنطقة العربية على وجه الخصوص فيما هي قابعة في آثار صراعات ممتدة بين شعوبها وأنظمة الحكم فيها وبين التيارات السياسية المختلفة منذ الموجة الأولى للربيع العربي في 2011، ثم الموجة الثورية الجديدة في بلدان السودان والجزائر ولبنان والعراق، والتي تحولت بعضها إلى صراعات إقليمية ودولية متشعبة وغير معلوم أمدها أو حلولها.

ولا شك أن الجائحة كان لها تأثيراتها على تلك المسارات الملتبسة أساسًا، فقد طال تأثيرها دول عدة مستقرة وشبه مستقرة، حيث ضربت الجائحة قواعد الاستقرار فيها، سواء بما شهدته من احتجاج على الإجراءات الاحترازية أو بسبب صراعات على تحديد سلطات الأجهزة الأمنية، أفرزت الأزمة أيضًا صراعًا بين الحكومات والمواطنين على أولويات السياسات ومن يُحددها، أهي نخب المال والأعمال التي وقفت ضد الإغلاق أم جموع المواطنين الساعين للأخذ بالاعتبار تعليمات خبراء الصحة؟

إذا كانت الأمور على هذا النحو، فما بالك على مستوى الصراعات الإقليمية في مناطق مختلفة بالعالم، فقد شهدنا مؤخرًا التصعيد المصري بالتهديد بالتدخل الصريح في ليبيا، وتدهور حالة الهدنة في اليمن، وتصعيد تركيا ضد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، واحتمالات التصعيد المفتوحة في شرق المتوسط بين تركيا واليونان بالأساس. بالإضافة إلى صراعات إقليمية ممتدة ومتكررة بين الصين والهند أو بين السودان وإثيوبيا، أو شبه إقليمية بين الصين وهونج كونج حول حقوق وحريات المواطنين وحدود استقلال سلطات الإقليم والسلطات الصينية، كذلك التصعيد القومي اليميني المتطرف لسياسات نارندرا مودي في الهند ضد المسلمين هناك.

وعلى مستوى التنظيم الدولي نجد صراعًا تقع منظمة الصحة العالمية في القلب منه، حيث الانسحاب الأمريكي منها ووقف تمويلها، والتهديد البرازيلي باتباع المسار نفسه مع المنظمة، كذلك فإن الأمين العام للأمم المتحدة أطلق نداءً لوقف الصراعات مراعاةَ للجائحة، بينما لم تلتزم الكثير من القوى الدولية بهذا النداء، فرغم أنه في بعض بلدان الصراعات ضغطت أطراف محلية ودولية لوقف القتال مراعاةً لظروف الجائحة، كما حدث في اليمن وليبيا لكن الأمر لم يستغرق أكثر من هدن متقطعة لأيام، وتساءل البعض حول إمكانية أن يُمثل تحدي أزمة كورونا دافعًا لوقف أو تعليق الصراعات عبر العالم([1]). وتضم منطقتنا العربية البؤرة الأكبر للصراعات منذ قرابة عقد من الزمن، وتحاول هذه الورقة تحليل وتتبع التطورات التي حدثت للصراعات في المنطقة في ظل الجائحة.

ويأتي تقسيم الورقة على هذا النحو: أولا: أزمة كورونا وصراعات الموجة الأولى من الثورات في المنطقة العربية. ثانيًا: أزمة كورونا والصراع في دول الحراك الثوري الجديد. ثالثًا: مشاهد من صراعات القوى الإقليمية والدولية بالمنطقة. وخاتمة.

أولا: أزمة كورونا وصراعات الموجة الأولى من الثورات في المنطقة العربية:

بشكلٍ عام، وحتى بعيدًا عن الصراعات، كشفت الأزمة عن سوء وتردي الخدمات العامة الصحية في بعض البلدان العربية وما يرتبط بها من نقل عام وإمدادات وتموين، كما رفعت الجائحة النقاب عن سوء إدارة فج حول الوضع؛ من تعاون تفرضه الضرورة الموضوعية للقضاء على الجائحة إلى صراع لتفكيك أي احتجاج أو اعتراض على الأوضاع الصحية المتدهورة أو على التضحية بحياة الأطقم الصحية والمواطنين في سبيل تصدير الإنجازات للمواطنين، ومنع أية أصوات تحاول توضيح الصورة أو حتى معالجة الوضع بجهود مجتمعية غير منسقة مسبقًا مع الأجهزة الحاكمة كما هو الحال في مصر.

هذا الأمر أضاف فئة العاملين بالقطاع الصحي للفاعلين في هذا الصراع الاجتماعي، صحيح أنها فئة نشطة حتى مما قبل الثورات لكن كل حراك أو تعبير قوي عن السخط قد انطفأ منذ آخر احتجاجات شهدتها مصر وهي احتجاجات 20 سبتمبر 2019. لكن تجاهل مطالبات العاملين بالقطاع الصحي وارتفاع نسبة الوفيات والإصابات بين العاملين بالقطاع الصحي في مصر إلى 13% من إجمالى الإصابات بكورونا في منتصف أبريل الماضي، قد أدى إلى إطلاق دعوات بالاستقالة من وزارة الصحة سرعان ما تحولت لهجوم إعلامي مكثف وحملة تخويف وتخوين وصراع مع النقابة([2]). إن الصراع بين فئة العاملين بالقطاع الصحي والدولة يدور في سياق يتوجب معه فعليُا استعادتهم من الخارج لتحسين الخدمات الصحية، مع ذلك فإن السلطات تتعامل بعجرفة وعشوائية شديدة مع تدهور الخدمات الصحية.

كذلك فإن الأزمة أضافت للعديد من الدول العربية المرسلة للعمالة في الخارج أزمة جديدة تتعلق مؤقتًا بعمليات إجلاء مواطنيها من الدول المضيفة، كما تتعلق على المدى المنظور بقدرة اقتصاداتها على استيعاب تلك العمالة في حالة العودة الدائمة. خاصةً أنه في إطار سياسات التعامل مع الجائحة قررت العديد من دول الخليج العربي الأكثر تأثرًا بالتبعات الاقتصادية لأزمة كورونا -بسبب انهيار أسعار النفط وتفاقم العجز في ميزانياتها ومعاناتها من انكماش كبير- قررت أن تُعيد النظر في السياسات المتعلقة بالوافدين بحيث يتم تخفيض نسبهم وإنهاء خدمات الملايين منهم، مع تصاعد حملات تحريضية ضدهم([3]). هذه العودة المفاجئة تشكل تهديدًا بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتزايد الموجات الاحتجاجية وعوامل عدم الاستقرار.

ورغم أن أزمة كورونا -وفقًا لبعض التحليلات- أوقفت عمليًا أو مؤقتًا، الموجة الثانية للربيع العربي، حيث جاءت حلا سحريًا وهدية للدكتاتوريات العربية لم تكن تحلم بها. إذ أوقف الجزائريون تظاهرات الحراك، وكذلك فعل السودانيون، وانشغلت المجتمعات الأخرى بكورونا أكثر من انشغالها بأنظمتها الدكتاتورية، إلا أن توقف هذه الموجة الثورية الآن هو تمكين للدكتاتوريات ومفاقمة على المدى الطويل لأسباب الصراع الذي ينذر بصراعات قادمة قد تكون، بعد الانتهاء من هذه الجائحة، أكثر تدميرًا مما سبقتها([4]).

على جانب آخر، في بعض بلدان الصراعات في المنطقة العربية ضغطت أطراف محلية ودولية لوقف القتال مراعاة لظروف الجائحة كما حدث في اليمن وليبيا لكن –كما سبقت الإشارة- الأمر لم يستغرق أكثر من هدن متقطعة لأيام، ويأتي التناول على النحو التالي:

1-الحالة اليمنية:

بينما أعلن اليمن في 10 أبريل 2020 أول إصابة بفيروس كورونا، كان الوضع الصحي يُعاني من الأساس تدهورًا حادًا بسبب الحرب التي دخلت عامها السادس بين القوات الحكومية المدعومة سعوديًا وجماعة الحوثي المدعومة إيرانيًا، ووفقا لبعض التقارير فإن الجائحة أتت وقد أصاب وباء الكوليرا في اليمن 2.3 مليون شخص وتوفي 4000 يمني به، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى احتمالية وقوع 40.000 على الأقل من الموتى، ويمكن لـ 16 مليون من بين 29 مليون يمني أن يُصابوا بالفيروس([5]).

وبينما أطلق الأمين العام للأمم المتحدة دعوة لوقف إطلاق النار في جميع أنحاء العالم والتركيز على مواجهة كورونا باعتبارها المعركة الحقيقية، في 23 مارس 2020، ورحبت أطراف يمنية وإقليمية بهذه الدعوة، مع ذلك نجد أنه في التوقيت ذاته شهد الصراع في اليمن تطورات خطيرة سواء باستهداف أماكن متقدمة وتكثيف الضربات بطائرات مسيرة داخل الأراضي السعودية أو توسيع الحوثيين لقاعدة أهدافهم فيما يسمونها “دول العدوان”، ثم إعلان السعودية إسقاط طائرات مسيرة أطلقها الحوثيون، كل هذا عقب أيام من دعوة التهدئة([6]).

أيضا فإن المجلس الانتقالي الجنوبي الذي دعمته الإمارات بما يخدم مشروعات التقسيم في اليمن نكاية في المكون الإسلامي في الطرف الرسمي والحكومي اليمني، سرع من وتيرة عملياته العسكرية واستولى على عدة مدن ليفرض رعاته تعديلا على اتفاق الرياض الهش والمهدد بالانهيار والذي وُقع في 5 نوفمبر 2019 وأعاد إلى المشهد الصراع بين الشمال والجنوب برعاية إماراتية([7]). أثناء ذلك فإن الميليشيات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي داهمت ميناءَ عدن الجنوبي وسرقت مساعدات طبّية تبرّعت بها منظّمة الصحّة العالمية، من ضمنها تسع سيارات إسعاف مُرسلة إلى وزارة الصحّة. وشهد الصراع في اليمن هجمات عشوائية دمّرت المنشآت الطبّية وإمدادات المياه، الأمر الذي زاد مما وصفه المجتمع الدولي أسوأ أزمة بشرية من صنع الإنسان في العالم، بما فيها أسوأ تفشٍّ للكوليرا في التاريخ الحديث([8]). كذلك فإن المجلس أعلن في 26 أبريل الحكم الذاتي وحالة الطوارئ في المناطق التي يسيطر عليها في جنوب البلاد، في تحد للحكومة المعترف بها دوليًا، والمدعومة من السعودية، والتي اعتبرت هذا الإعلان تمردًا مسلحًا([9]).

وفي ظل هذه الحالة الصراعية الممتدة تواجه المؤسسات الإغاثية الدولية أزمة شديدة في القدرة على الوصول بالمساعدات لمناطق النزاع دون استهداف من قبل الأطراف المختلفة، وتتكرر دعواتها لوقف إطلاق النار وتمكينها من إيصال المساعدات الطبية العاجلة للمناطق المتضررة من الوباء دون جدوى؛ إذ تستمر استهدافات الحوثيين لمناطق داخل العمق السعودي ويستمر رد التحالف بقصف عشوائي داخل الأراضي اليمنية.

2-الحالة الليبية:

تعقد الصراع أكثر في ظل الجائحة، فعقب أسابيع من إعلان الجائحة عالمية وعقب إعلان أول حالة إصابة في البلاد في 24 مارس 2020، وبعد يومٍ واحد من نداء الأمين العام للأمم المتحدة بوقف القتال في مناطق النزاع لمواجهة فيروس كورونا، واصلت قوات شرق ليبيا بقيادة اللواء خليفة حفتر هجماتها على العاصمة طرابلس بل استهدفت مخازن للأدوية في منطقة السواني جنوبي طرابلس بـ”صواريخ جراد”، وذلك بعد يومين من استهدافها مخازن الأدوية بمستشفى الخضراء في طرابلس.

تعاني ليبيا حالة انهيار في القطاع الصحي، بفعل سنوات الاقتتال بين الحكومة المعترف بها دوليًا، وقوات اللواء خليفة حفتر، وقد زاد استهداف قوات حفتر للعديد من المنشآت الطبية من تردي البنية الصحية خلال الفترة الماضية([10]).  يبدو أن هذه الضربات حفزت القوات في الغرب الليبي لضرورة مواصلة القتال ضد حفتر وتحرير مدنهم من قبضة المليشيات الموالية له، ومن ثم استؤنف القتال من قبل حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا وداعميها الإقليميين وفي مقدمتهم تركيا وقطر، وقد حققت انتصارات عدة وطردت قوات حفتر من المنطقة الغربية بالكامل في أسابيع قليلة بدعم من الطرف التركي الفاعل.

لكن هذا التقدم وتزايد مساحة التوافق التركي الروسي، واستخدام الساحة الليبية سواء في تجريب الأسلحة أو للضغط على الأطراف الأوروبية، أدى لتزايد مخاوف مصر من إقامة قواعد عسكرية على حدودها الغربية وهو تخوف مشروع، لكن جاء التدخل باتجاه خاطئ لدعم الطرف الخاسر بتصعيد عسكري متمثل في عدة مناورات في البحر المتوسط وفي المنطقة الغربية العسكرية، وصولا للإعلان عن خطوط حمراء داخل ليبيا في 20 يونيو 2020 تتمثل في عدم تجاوز مدينة سرت والجفرة واستعداد مصر لتسليح القبائل الليبية للدفاع عن أرضهم([11]). تلى هذا التصعيد بفترة قصيرة دعوة وزارة الخارجية المصرية لرموز من بعض القبائل الليبية للقاء في القاهرة للحصول على تفويض بالتدخل العسكري المباشر في ليبيا مقابل وعود بتسليح القبائل الليبية وهو اللقاء الذي حدث في 15 يوليو 2020، وأدى لمزيد من التصريحات العدائية لحكومة الوفاق وحلفائها تجاه مصر.

كل ذلك عقد الصراع، حيث تخشى القوى الكبرى من وقوع صدام محتمل بين تركيا ومصر في ليبيا تُغذيه صراعات شخصية بين أنظمة الحكم، وتدفع باتجاهه قوى إقليمية أصغر حجمًا وأكبر تأثيرًا في القضايا العربية مثل السعودية والإمارات، واللتان تحملان مشروعًا شخصيًا لحكامها، مناوئا للمشروع التركي في إدارة صراعات المنطقة عبر تمدد النفوذ الاقتصادي والتجاري والعسكري، علمًا أنه في بداية الجائحة فإن التقارير كانت تشير إلى أن الإمارات نقلت آلاف الأطنان من الذخيرة والعتاد لخليفة حفتر لتحريضه على القتال واقتحام العاصمة في تحدي صريح للقرارات الأممية بوقف تصدير السلاح إلى ليبيا والتي باتت تخترقها الأطراف المختلفة فضلا عن تطبيق مراقبة السواحل الليبيبة بشكل انتقائي([12]).

صحيح أن السلطات التابعة لحكومة الوفاق ناشدت المجتمع الدولي بفرض تسوية وتهدئة لظروف وباء كورونا، وحذرت من جلب المرتزقة من مناطق ينتشر فيها الوباء كروسيا والسودان وسوريا، لكن الاتهامات المتبادلة بجلب المرتزقة تصاعدت وتيرتها وعززت بعضها تحقيقات صحفية وتليفزيونية وتقارير دولية.

إذن فالجائحة لم تبطئ وتيرة الصراع، ولم تؤد لما كان يفترض أن تؤدي إليه من تهدئة ودفع باتجاه الحل السلمي، وما أدى لتفاقم هذا الصراع أكثر هو قيام قوات تابعة لحفتر بإغلاق موانئ النفط ووقف تصديره، ما أدى لخسائر فادحة لاقتصاد يعتمد بنسبة 98% على الإيرادات النفطية، الأمر الذي عطل القطاعات الخدمية بالدولة، وجعلها أكثر عجزا في مواجهة الوباء.

يتضح من الاستعراض السابق كيف ارتبطت التطورات بانتقال مركز القيادة في المنطقة العربية نحو الخليج العربي في ظل التوسع العسكري والاقتصادي الإقليمي للإمارات، وقدرتها بما تملكه من فوائض مالية على دعم أو تقويض استقرار أنظمة سياسية في دول أكبر في المنطقة، ودعمها للصراع الصفري مع تنظيمات الإسلام السياسي، وطموحها لقيادة المنطقة على جثة الفاعلين التقليديين. فقد استغلت تحالفها مع النظام المصري واستخدمت الأراضي والمطارات المصرية وفقًا لتحقيقات صحفية دولية، لضرب أهداف ليبية ولتحويل ليبيا إلى أكبر مسرح حرب طائرات دون طيار في العالم([13]). كما دفعت بكل السبل باتجاه التصعيد المصري بالتهديد المتكرر بالتدخل الصريح في ليبيا، الأمر الذي زاد الأمور تعقيدًا من وجهة نظر البعض وأخل بالمصالح الاقتصادية المصرية لصالح معادلة أمنية وعسكرية مختلة([14])، لكنه أحدث توازنًا مع التدخل التركي القوي لصالح حكومة الوفاق من وجهة نظر البعض الآخر.

استدعت الجائحة أيضًا دورًا أمريكيًا أكبر للحد من النزاعات أو السيطرة عليها في ظل انشغال الولايات المتحدة بالتفشي الواسع فيها، وفي هذا الصدد يمكن قراءة الجهود الأمريكية المكثفة للتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار في ليبيا يتضمن طردا لكافة المقاتلين الأجانب والمرتزقة المتواجدين بشكل غير شرعي في الأراضي الليبية.

3-الحالة السورية:

فإن الجائحة انتشرت وسط إنكار حكومي سواء لجهة انهيار النظام الصحي وانشطاره بين أجزاء مختلفة وفرقاء متصارعين وعدم استيعابه لضحايا الحرب، أو لجهة أن حليفيه الأساسيين روسيا وإيران هما أحد أسوأ بؤر تفشي الوباء عالميًا، ومن ثم خشية النظام من فقد ما تبقى من مشروعيته لدى مؤيديه ومعارضيه. فالاعتراف بتفشي الفيروس قد يؤدّي إلى ضغوط شعبية وسياسية ضد النظام، سواء بين المؤيّدين أو أي معارضة باقية، خاصةً أن هناك تواجد إيراني كثيف في سوريا وبين العسكريين بصفةٍ خاصة، وإيران هي بؤرة التفشي الأسوأ في الشرق الأوسط ومن ثم كان هناك احتمالات كبيرة أنها مصدر انتشاره في المحور الشيعي في المنطقة إلى العراق وسوريا ولبنان، كما أن سوريا -من بين هذه الدول- الوحيدة التي لم توقف رحلاتها إلى إيران حتى منتصف مارس رغم تفشي الوباء فيها، ولاحقًا اُتهمت قوات حزب الله في سوريا بأنها مصدر الوباء، حيث أُصيب عشرات من عناصر حزب الله في سوريا ولبنان وتم إجلاؤهم سرًّا إلى معسكرات الحجر الصحي التي يسيطر عليها حزب الله في بيروت وداخل سوريا([15]).

وإذا كانت الجائحة قد خففت وتيرة العمليات العسكرية الروسية والإيرانية على الأراضي السورية نظرًا لانشغال الدولتين بمواجهة الجائحة على أراضيهما، فإن تفاقم أزمات قطاع الصحة في كافة المدن السورية وسوئها الشديد في مناطق مثل إدلب التي يقطنها قرابة 3.5 مليون شخص ويعيش معظمهم في مخيمات يصعب أن تخضع للإجراءات الاحترازية، كل ذلك يُنذر بكارثة وببؤرة صراع محتملة جراء احتمال تفشي الوباء بشدة في هذه المناطق وانفجار موجة لجوء جديدة قد تحمل انتقالا كبيرًا للفيروس إلى دول الجوار أيضا. كما أن الجائحة لم توقف الاهتمام الروسي باستغلال الأراضي والمنشئات العسكرية السورية والمرتزقة في بؤر صراع أخرى مثل ليبيا حيث تواصلت عمليات نقل المقاتلين بشكل مكثف رغم أزمة كورونا، فقد شهدا شهرا يونيو ويوليو 2020 حملة روسية متسارعة لتجنيد سوريين للقتال لصالح حفتر مقابل دعم تركيا لحكومة الوفاق([16]). كذلك كانت الجائحة سببًا واضحًا في التهدئة التركية في سوريا والتدخل المحدود من حيث عدد الخبراء والجنود في ليبيا أيضًا، وفُسر هذا بسبب الخوف من انتشار العدوى وسط الجنود([17]).

أيضًا فإن الاتفاقات الروسية التركية للتهدئة في شمال سوريا تبدو هشة جدًا ومعرضة للخرق وحدث هذا في أكثر من تصعيد في فبراير ويوليو وأغسطس 2020 رغم انتشار الجائحة؛ إذ تعتمد المعارك بالأساس على القصف الجوي والمدفعية الثقيلة، وهذا يهدد بموجات نزوح وبانتشار كثيف للوباء في مناطق النزوح ومخيمات اللجوء، وفي مؤشر خطير لعمليات التصعيد، وثق فريق “منسقو استجابة سوريا” في 18 أغسطس 2020 أكثر من 2387 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار بمساهمة روسية واضحة، وذكر في بيان له أن الطائرات الحربية الروسية، استهدفت إحدى أكثر المناطق المكتظة بالمدنيين عمومًا والمخيمات بشكل خاص والتي يتجاوز عددها أكثر من 74 مخيمًا([18]).

ثانيًا: أزمة كورونا والصراع في دول الحراك الثوري الجديد:

عندما ضربت الجائحة العالم كانت هناك 4 دول عربية في حالة حراك ثوري جديد التحقت بالموجة الأولى للربيع العربي التي لم تستقر بعد سواء بانتصار الأنظمة أو الشعوب، هذه الدول الأربع هي السودان والجزائر ولبنان والعراق، وسواء كان الجدل حول كونها موجة جديدة للربيع العربي أم امتداد له، إلا أنها تأثرت حتمًا بالجائحة؛ إذ تضرب قواعد التباعد الاجتماعي الخيار الاحتجاجي في عمقه القائم على التجمعات والمظاهر الاحتجاجية الجمعية في مواجهة الأنظمة، ولا شك أن تلك الأنظمة استغلت الجائحة للحد من الاحتجاج، لكن تعامل بعضها مع الجائحة والاحتجاج كان سببا إضافيا لتأجيج الغضب.

1-الحالتان اللبنانية والعراقية:

 في هاتين الحالتين فإن ما يُمكن تسميته الاقتصاد السياسي للقهر بات يحكم معادلة الاحتجاجات الممتدة منذ 2011 ضد الفساد والأنظمة الطائفية، لكن الفساد سرعان ما كان ينتصر على أية موجة احتجاجية في أيا من الدولتين، ففي لبنان جاءت الجائحة في أوج الاحتجاجت والصراع الممتد ضد نخب مالية فاسدة مسيطرة على الاقتصاد والسياسة اللبنانية، حيث الاحتجاجات في 17 أكتوبر 2019 وهي الموجهة للسلطة أولا ثم للمصارف الركيزة الاقتصادية الأساسية لهذه النخب ثانيًا. وصحيح أن أزمة كورونا أبطأت وتيرة هذه الاحتجاجات نتيجة لخوف المتظاهرين والمعتصمين على أنفسهم في ظل جائحة تفرض التباعد. لكن سوء إدارة الجائحة والاعتماد على الحلول الأمنية في مواجهة احتجاجات اقتصادية واجتماعية وتراكمات الفساد دون تقديم أيًا من المسئولين عنه للعدالة، وصولا لحادث انفجار مرفأ بيروت (الشريان الأساسي للحياة في المدينة وعموم لبنان) قد أدى إلى تجدد هذه الاحتجاجات رغمًا عن التحذيرات من تفشي وباء كورونا، لأنه حتى معادلة التعايش مع الفساد لم تعد ممكنة ولأن من بقي في منزله لم يعد آمنًا من الفساد وتبعاته.

وفي العراق، فإن الجدل بين تيارات تحاول التأسيس للمصلحة الوطنية العراقية بمنظور مستقل عن الرعاة الإقليميين عبر تعزيز مؤسسات الدولة، وتيارات أخرى تحاول إرضاء الرعاة الإقليميين، هذا الجدل قد حُسم بشكل جيد في ظرف الجائحة لصالح المصالح الذاتية للعراق وعدم الخضوع لابتزازات بضرورة فتح المزارات، أي أن الوباء وسّع الفجوة بين القوى السياسية الخاضعة للتأثير الإيراني وتلك التي تسعى إلى سياسة عراقية أكثر استقلالية([19]).

وفي الحالتين فإن الجائحة مثلت فرصة لتنظيمات دون الدولة للحلول محلها ففي لبنان، فقد رسّخ “حزب الله” مكانته كبديل عن الدولة اللبنانية عبر تخصيص قرابة خمسة آلاف طبيب ومسعف وممرّض لمكافحة الجائحة.

أيضًا بالنسبة للعراق، فقد كثّف ما يُسمى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” هجماته على البلدات في الشمال، في محاولة للاستفادة من أزمات بغداد المتراكمة التي تشمل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وانخفاض أسعار النفط والاحتجاجات التي تغطّي البلاد بأسرها. ففي خلال أزمة صحّة عامة، بإمكان تنظيم الدولة الإسلامية إعادة إحياء نفسه وتوسيع نفوذه عبر تلبية حاجات المجتمعات المحلّية بطرق لم تلبّها السلطات الأخرى، على غرار الحكومة العراقية. وبحدّ أدنى، تسمح إخفاقات بغداد لتنظيم الدولة الإسلامية بوضع نفسه في موقع يجعله بديلا عمليّاً([20]).

2- الجزائر والسودان:

إن الجائحة أبطأت وتيرة الاحتجاجات في البداية، إذ خفت وتيرة التظاهرات في الشارع لظرف موضوعي يفرض التباعد الجسدي، والذي لا يمكن مع وضع تظاهرات أو احتجاجات واعتصامات خصوصًا مع ضيق المساحات العامة في بعض الحالات، ومع انعدام الثقة في مؤسسات الدولة الصحية وقدرتها على استيعاب أعداد أكبر من المصابين حال انتشار الجائحة في أوساط المحتجين، لذا نجد أن هذه الأنظمة شددت مبكرًا على فرض الإجراءات الاحترازية بصرامة وخاصة ما يتعلق منها بمنع التجمعات، ففي الجزائر اعتبر وزير الإعلام، المتحدث باسم الحكومة، عمار بلحيمر في تصريح له في 16 مارس 2020 “أن استمرار الاحتجاجات الشعبية، في ظل تفشي فيروس كورونا، سيكون بمثابة (انتحار)”([21]).

ورغم استمرار الحراك لأكثر من عام وانتشاره في كافة المدن دون الاعتداد بالمسار الذي اتخذته النخبة الموالية لنظام بوتفليقة ولا الانتخابات التي أعقبته، فإن المسئولين عن الحراك قاموا بتعليقه وتحمل مسئوليتهم في عدم نشر الفيروس داعين السلطة لتحمل مسئولياتها، فجاءت الجمعة 20 مارس 2020  أول جمعة دون مسيرات شعبية في شوارع المدن الجزائرية([22]). لكن هذه السلطة، وفي ظل عجز هيكلي للنظام الصّحي، وفي ظل انهيار أسعار النفط التي تشكل المورد الوحيد لخزينة الدولة فشلت في التعامل مع الجائحة وتزايدت وتيرة الإصابات بمتوالية هندسية.

وفي السودان كانت الحكومة الانتقالية بقيادة حمدوك شديدة التخبط والارتباك سواء في إدارة الأزمة أو الصراعات مع القوى السياسية والحركات المسلحة الأخرى، خاصةً بتوسعها في التضييق على المؤسسات الخيرية بدعوى تفكيك نظام البشير.

في هذا السياق يُشار إلى أن المساعدات الطبية التي تقدمها بعض الدول إلى دول الربيع العربي بموجتيه الأولى والثانية قد مثلت أدوات في إدارة الصراع مع الثورات والقوى المنبثقة عنها، فقد استخدمت مصر والإمارات المساعدات للسودان لتعزيز نفوذهما لدى الطرف العسكري في دوائر الحكم السودانية، والدفع باتجاه تغيير مواقف السودان في بعض القضايا مثل الصراع على المياه وسد النهضة والتطبيع، فسرعان ما تغير موقف السودان في ملف سد النهضة جراء تدفق بعض المساعدات المصرية والإماراتية من دور المساند للمطالب الإثيوبية إلى دور أقرب للوسيط المنحاز لمصالحه وللمصالح المصرية([23]). ولم تمنع الجائحة أيضًا اشتباكات حدودية شبه دورية بين السودان وإثيوبيا لكن هذه المرة وقع ضحية لها بعضًا من قوات الجيش ما استدعى تصعيدًا إعلاميًا سودانيًا ضد أديس أبابا وهو ما ربطه البعض أيضًا بتغير موقف السودان من مفاوضات السد.

 

ثالثًا: مشاهد من صراعات القوى الإقليمية والدولية بالمنطقة:

1-الصراع الكردي التركي:

لم توقف أزمة كورونا الصراع الكردي التركي بل تزايدت حدة التوترات على خلفية إعلان وزير الدفاع التركي استمرار العمليات العسكرية وإطلاق عملية جديدة في شمال العراق في 17 يونيو 2020([24])، حيث تتصرف تركيا كدولة قومية شديدة الحساسية لملفات الأقليات ولفكرة التنظيمات المسلحة ما دون الدولة والمنتشرة في دول جوارها المباشر في العراق وسوريا ولبنان، كما تتحسس لأية فكرة ما دون القومية، فيما يناصر المناهضون لتركيا وللنظام السياسي التركي التحركات الكردية في الشمال السوري وفي العراق.

وتخشى تركيا من تكرار الوضع في شمال العراق على نحوٍ خطير في الشمال السوري، حيث يتدفق الدعم الشديد على قوات سوريا الديمقراطية في سوريا باعتبارها شريكًا للولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية المناهضة لتركيا في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، أو قضية الحرب على الإرهاب باعتبارها القضية الأهم على أجندة السياسة الدولية في المنطقة، وما يتقاطع معها من سيطرة تلك التنظيمات المسلحة على مصادر النفط والغاز سواء في سوريا أو العراق وما أحدثته العمليات العسكرية لها أو ضدها من تغييرات ديمغرافية ضخمة في التركيبة السكانية لتلك الدول، وهو ما سينعكس على أي مستقبل سياسي لهذه المنطقة التي تحولت ثورات الربيع العربي فيها إلى حرب على الإرهاب أو حروب أهلية على أقل تقدير.

2-أزمة كورونا والصراع الأمريكي الروسي الإيراني في المنطقة:

قبل إعلان منظمة الصحة العالمية بأسابيع قليلة عن الجائحة كانت المنطقة العربية على شفى حرب بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي العراقية، حيث قامت الولايات المتحدة بتصفية قائد فيلق القدس وذراع إيران الأطول في المنطقة قاسم سليماني، الأمر الذي ردت عليه إيران وحلفاؤها باستهداف مقرات للقوات الأمريكية في العراق والتهديد باستهدافها في كل دول المنطقة، من هنا صعد إلى سلم أولويات السياسة الخارجية الإيرانية هدف قديم بإخراج القوات الأمريكية من المنطقة، وهو توافق مع توجهات إدارة ترامب بسحب وتقليص القوات في إطار الموازنة بين تكاليف وعائدات السياسة الخارجية الأمريكية، لكن كان تسارع وتيرة انتشار الوباء في دول الخليج وفي العراق واحدًا من أسباب تسريع عملية تخارج الولايات المتحدة الأمريكية من المنطقة عسكريًا، يضاف إلى ذلك توتر العلاقة بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية جراء تصاعد نفوذ قوات الحشد الشعبي ليعلن لاحقًا عن جداول زمنية لخروج القوات الأمريكية من العراق([25]). فمع تطور انتشار الجائحة بالعراق قررت الولايات المتحدة سحب ثلث قواتها المتواجدة هناك  خلال الشهور الثلاثة الأخيرة من  2020 لتبقي فقط 3500 جندي من بين 5200 المتواجدين حاليًا([26]).

أي أن الجائحة على الأقل سرعت وتيرة سحب تلك القوات، وإذا كان هذا الانسحاب دليل على تهدئة الصراع مع إيران، فإن توسع وتزايد النفوذ الإيراني في العراق يصحبه مطالبات شعبية في إطار الاحتجاجات ضد الوضع القائم بإخراج العراق من الصراع الأمريكي الإيراني ومطالبات بتفكيك المليشيات ومحاربة الفساد، وهي المطالبات التي لا تزال عالقة وترتبط باحتجاجات ممتدة تجد لها وقودًا في إخفاقات الحكومة العراقية في مواجهة الجائحة، كما أن إيران تُترجم هذا الانسحاب باعتباره نصرًا لرؤيتها وضغوطها وأذرعها على الإدارة الأمريكية وقواتها في المنطقة.

وإذا كان من اثر غير مقصود لهذا الانسحاب الاقتصادي والأمني والعسكري الأمريكي من المنطقة فهو بتعبير البعض تغير معالم المنافسة الدولية في المنطقة، وتعاظم الدور الروسي، وانقسام وضعف الدور الأوروبي في ظل تصاعد نفوذ الصين الاقتصادي دون الأمني والسياسي، في ظل ارتباك النظام الدولي وإعادة الولايات المتحدة للنظر في سياستها الخارجية بحسابات ضيقة تتعلق بالتكلفة والعائد المباشرين، ما يخلق معضلة عربية ممتدة من الصراعات يتقاطع فيها المحلي وتفاصيله مع الإقليمي والدولي وتحمل تناقضاتها عوامل استمرارها، هذا بما يجعل صراعات المنطقة أكثر خطورة في ظل تحلل الدول القومية العربية([27]).

على جانب آخر، سرعان ما أصبحت إيران التي تمتلك حدودًا مباشرة مع الصين بؤرة كبيرة لفيروس كورونا ومنها انتقل لمعظم دول الخليج العربي، ومع ضعف نظامها الصحي وانهيارها ناشدت المجتمع الدولي بالضغط على الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات بحيث تستطيع استيراد المستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة كورونا باعتباره وباء عالميا لا يمكنها بمفردها التصدي له، وقد كانت مطالب إيران تلقى ترحيبًا وتعاطفًا من بعض الدول الأوروبية التي تواجه بعض شركاتها عقوبات أو تضطر للتحايل على سلسلة العقوبات الأمريكية (والتي كانت إدارة ترامب فرضتها عقب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه سلفه باراك أوباما) للتعامل مع إيران، الأمر الذي جعل الصراع بين الطرفين مفتوحًا على احتمالات تصعيد كبيرة.

وعلى إثر هذه التطورات صعدت إيران من لهجتها وتحركاتها ضد الولايات المتحدة وشهد الخليج العربي  أكثر من مرة احتكاكات بين زوارق تابعة للحرس الثوري الإيراني وسفن أمريكية في مياه الخليج، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى إعلان توجيه أمر للبحرية الأمريكية بإطلاق النار على أي زوارق إيرانية تتحرش بسفن بلاده.

وما يجب الالتفات إليه بشأن مستقبل الدور الإيراني، أنه إذا كان صحيحًا أن الجائحة أراحت النظام الإيراني الحالي من موجة احتجاجية عاتية سبقتها، فإن مؤشرات أداء الحكومة في مواجهة الجائحة ومؤشرات تدهور الاقتصاد الإيراني وتأثره الشديد بانخفاض أسعار النفط وإجراءات الإغلاق، تضيف إلى أسباب الاحتجاج ضده وتجعل الأوضاع في إيران قابلة للانفجار في أي لحظة وقد تشهد صراعا سياسيا محليا شديدا يؤثر في أدوارها في المنطقة وصراعها مع دول جوارها، وخصوصًا في ظل حروب أسعار النفط التي أشعلتها السعودية مع إيران وروسيا والولايات المتحدة قبيل الجائحة وفي بداياتها وألحقت خسائر فادحة بجميع منتجي النفط بما فيهم السعودية ودول الخليج.

وبشأن روسيا، تشير التحليلات أنه على الرغم من الصعوبات الداخلية التي تواجهها روسيا بسبب وباء “كوفيد -19″، إلّا أنها دأبت بشكلٍ ثابت أثناء الجائحة على تعزيز وجودها العسكري في سوريا وليبيا وشرق البحر الأبيض المتوسط ككل، في خطوة نجمت جزئيًا عن التطورات الأخيرة، لا سيما التوسع العسكري التركي، ومنذ الانسحاب الأمريكي من بعض القواعد شمال سوريا تتوسع روسيا أكثر سواء في الرقة أو إدلب وقد وسعت عملياتها في تلك المناطق، كما حولت سوريا لقاعدة لانطلاق المرتزقة إلى ليبيا، حيث ظلت “مجموعة فاجنر” لشهور في المنطقة الغربية من ليبيا تحارب لدعم خليفة حفتر والتصدي لتركيا التي تدعم “حكومة الوفاق الوطني”.

وقد لجأت موسكو بانتظام إلى استعمال تكتيكات سرية في تغطيتها الجوية، ووفقًا للجيش الأمريكي، ظهرت 14 طائرة من نوع “ميغ-29″ و”سوخوي-24” في تلك المنطقة وكانت جميع علاماتها التعريفية مطلية لإخفائها. وفي يناير، وبينما كانت الجائحة في طور التفشي في المنطقة نقلت روسيا جوًا مئات المتعاقدين مع الشركات العسكرية الخاصة، على الأرجح على خطوط “أجنحة الشام للطيران”  من دمشق إلى بنغازي([28]).

خاتمة:

أحدثت جائحة كورونا آثارًا متناقضة على الحروب والصراعات، ففي بعض الأحيان قادت تبعاتها للتهدئة (وإن كانت مؤقتة)، وفي قضايا أخرى قادت للتصعيد، كما أنها بشكلٍ مباشر تؤثر تبعاتها الاقتصادية في تمويل العمليات العسكرية وتصاعد مطالبات محلية بمراجعة الإنفاق العسكري وترشيده لصالح الإنفاق على قطاعات الصحة والخدمات المرتبطة بها من تعليم ونقل وتمويل برامج التأمين الصحي الشامل، في المقابل فإن توقف بعض الإيرادات وضعفها قد يقود لصراع أكبر على الموارد سواء موارد الطاقة أو الغذاء.

مثلما أوجدت الحالة المرتبطة بأزمة كورونا ارتباكا في النظام الدولي والنظم الإقليمية فإنها طرحت تساؤلات تتعلق بقدرة الاقتصادات على تحمل كلفة امتداد الصراعات القائمة، وكذلك حول مسئولية النظم السياسية عن جنودها خارج الوطن.

برغم عدم القدرة على الجزم بنطاق تأثيرات معينة للجائحة على حالة الصراعات الدولية والإقليمية، إلا أن نتائج تداعياتها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وكذلك على تقوية عوامل عدم الاستقرار والصراع والاستغلال السياسي للجائحة داخل العديد من النظم السياسية قد تدفع باتجاه تغيير وإحلال نظم سياسية، وقد تقود النظم الجديدة أو محاولات الإحلال تلك إلى تهدئة أو تصعيد الصراعات الإقليمية.

رغم حقيقة انتقال مركز الثقل فيما تبقى من نظام إقليمي عربي إلى مراكز المال في الخليج العربي باعتبارها قادرة على إبقاء نظم وإسقاط أخرى وتدعيم مجموعات مسلحة في مواجهة تيارات سياسية معتدلة، تظل المنطقة العربية رهينة التوافقات والصراعات الدولية التقليدية، وتظل الأطر التنسيقية سواء فيما بين نظم الربيع العربي أو النظم المحايدة أو نظم المحور المعادي للثورات هي تنسيقات أمنية وعسكرية وباتجاه هدف وحيد ومؤقت هو القضاء على تنظيمات الإسلام السياسي، بل لم تفكر تلك المحاور في تعزيز تحالفاتها في مواجهة الجائحة بل تزايد التفاخر بنماذج الخلاص الفردي لتلك الدول، وفي هذا الإطار فإن الصراع على قيادة المنطقة وقيادتها بالتطبيع مع أعدائها التقليديين واصطناع حروب مع حلفاء تقليديين يظل محل نقد شديد ومحل صراع بين الشعوب والنظم، وهو ما لا يضمن لتلك النظم استقرارًا، ويجعل من العلاقة بينهما علاقة يسودها الخوف وتوازن الرعب الذي قد ينفرط في أية لحظة.

ورغم افتراض أن الكوارث العالمية تحد من النزاعات والصراعات، إلا أن الملاحظ أننا إزاء تزايد الانقسامات في المنطقة ومحيطها الإقليمي بين المحور التركي القطري والمحور الإيراني والمحور الإماراتي السعودي المصري، وتتزايد مناطق الصراع بين هذه المحاور، سواء على مناطق النفوذ الاقتصادي والعسكري أو على قاعدة تأييد النظم المستبدة في مواجهة النظم الديمقراطية أو المحاور الطائفية التي لا غضاضة فيها أن تضم إسرائيل في مواجهة إيران، وتتزايد الاستقطابات بين مؤيدي تلك المحاور بشكل ينذر بصراعات ممتدة.

وعلى المستوى الدولي أيضًا، فإن هشاشة الأطر التعاونية في مواجهة الجائحة وبالذات آثارها الاقتصادية وعدم قدرة آليات النظام الدولي السائد والنظم الإقليمية المتفرعة عنه على الاستجابة الجماعية لتلك الجائحة بشكل أفضل، ومع احتمالية استمرارها في موجات ثانية وثالثة دون أفق للتعافي الاقتصادي، هنا يبقى الجوهر الصراعي للنظام الدولي سائدًا وعلى منتقديه أن يوحدوا جهودهم في أطر حضارية وإنسانية تقوض الأسس القديمة لتلك المنظومة الدولية على ما تنطوي عليه من انعدام عدالة وتكافؤ واستغلالية وصراعية.

ختامًا، لا يُشترط أن يكون الصراع مسلحا لكي تتابعه مراكز الفكر والرأي والقنوات الإعلامية والصحافة، فهناك صراعات حالية ومستقبلية على الاستحواذ على شركات الأدوية ومعامل إنتاج اللقاحات بالإضافة لشركات إنتاج البذور والتقاوي وسلاسل الإمدادات العالمية، وهي صراعات يمكن أن ينجم عنها وفايات أو أضرار بالاقتصادات والبشر بما يفوق الآثار التدميرية للحروب ما لم توجد أطرًا تعاونية لإدارتها.

*****

الهوامش

([1])  نادية محمود مصطفى، التحديات والصراعات التي تواجه العالم الإسلامي في ظل الاستراتيجيات العالمية منذ نهاية الحرب الباردة (1990-2020)، فصلية قضايا ونظرات، العدد 17، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، أبريل 2020، صـ11، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/32PtO9d

([2]) عمر سمير، أزمة الأطباء في مصر.. أي مستقبل ينتظرنا وأية سياسات؟، فكر أونلاين، بتاريخ 26/5/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/30YXkcx

([3]) إبراهيم محمد، كورونا ومستقبل العمالة العائدة من دول الخليج؟، موقع قناة DW عربية، بتاريخ، 17/5/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3lrhGUl

([4]) إبراهيم فريحات، في أثر كورونا على واقع الصراعات الدولية، العربي الجديد، بتاريخ 30/3/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/31CSSk7

([5]) تقرير لقناة DW عربية، بعنوان “فيروس كورونا في اليمن – بلد على حافة الهاوية”، بتاريخ 28/5/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2RuQNAR

([6]) التحالف بقيادة السعودية يُعلن إسقاط طائرات مسيرة أطلقها الحوثيون، قناة الحرة، بتاريخ 27/3/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://arbne.ws/3mrHwbk

([7]) حذرت من انهيار اتفاق الرياض.. الحكومة اليمنية تتهم “الانتقالي” بتنفيذ انقلاب في سقطرى، الجزيرة نت، بتاريخ 20/6/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2GdFb2Z

([8]) رانج علاء الدين، فيروس كورونا المستجدّ سيُطيل الصراع في الشرق الأوسط، بروكنجز الدوحة، بتاريخ 24/4/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://brook.gs/2QyPgt9

([9]) اليمن: المجلس الانتقالي الجنوبي يُعلن الحكم الذاتي، بي بي سي عربي، بتاريخ 26/4/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bbc.in/3mnangC

([10]) فيروس كورونا: كيف تأثرت بؤر الصراع في العالم العربي؟، بي بي سي عربي، بتاريخ 12/4/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bbc.in/31Fi1uJ

([11]) السيسي: تجاوز سرت والجفرة “خط أحمر” لمصر.. وأي تدخل لنا في ليبيا تتوفر له شرعية دولية، سي إن إن بالعربية، بتاريخ 20/6/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cnn.it/32yb4f6

([12]) Jason Burke and Patrick Wintour, Suspected military supplies pour into Libya as UN flounders, The Guardian, 11/3/2020, https://bit.ly/2GZJ9MV

 ([13])تحقيق: الإمارات ضالعة في ضربة قاتلة بطائرة مسيرة في ليبيا، بي بي سي عربي، بتاريخ 27/8/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bbc.in/3gEyuDA

([14]) KAY WESTENBERGER, Egypt’s Security Paradox in Libya, E- International relations, April 8, 2019, https://www.e-ir.info/pdf/78395

([15]) سوريّة حربٌ في زمن كورونا، جسور للدراسات، بتاريخ 7/4/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3luId2T

([16]) صراع الأمم في ليبيا: حملة روسية متسارعة لتجنيد سوريين للقتال لصالح حفتر مقابل دعم تركيا لحكومة الوفاق، مونت كارلو الدولية، بتاريخ 7/6/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2EDtQsn

([17]) سونر چاغاپتاي ودنيز يوكسل، لفيروس كورونا تأثيرات معاكسة على السياسة التركية في سوريا وليبيا، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بتاريخ 17/4/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/32jQZYL

([18]) هبة محمد، تصعيد عسكري روسي جديد شمال غربي سوريا… ومعركة تلوح في أفق إدلب، القدس العربي، بتاريخ 18/8/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/35CYfSR

([19]) ستيرلينغ جينسين, وليد الراوي، جائحة كورونا في العراق: رُبّ ضارةٍ نافعة، مركز كارنيجي للشرق الأوسط، بتاريخ 7/7/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3jnQbJp

([20]) رانج علاء الدين، مرجع سابق.

([21]) الحكومة الجزائرية: استمرار الاحتجاجات في ظل كورونا “انتحار”.. المحتجون يشاركون في مسيرات يومي الثلاثاء والجمعة أسبوعيًا، وكالة الأناضول للأنباء، بتاريخ 16/3/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/30YAH8n

([22]) دريس نوري، مستقبل الحراك الشعبي الجزائري في ظل تفشي وباء الكوفيد 19، مبادرة الإصلاح العربي، 7/4/2020، متاح عبر الرابط التالي:  https://bit.ly/2RqcvWV

([23]) أزمة سد النهضة: الخرطوم في صفّ القاهرة، موقع جريدة الأخبار اللبنانبة، بتاريخ 4/6/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/irwTs

([24]) سعيد عبد الرازق، تركيا تؤكد أنها ستواصل عملياتها العسكرية في كردستان العراق، موقع صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 1/7/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3lyBhBX

([25]) مسؤول عراقي: جداول زمنية في يونيو لانسحاب القوات الأمريكية، وكالة الأناضول للأنباء، بتاريخ 26/4/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/34EJ7nD

([26]) الولايات المتحدة ستسحب ثلث قواتها بالعراق خلال الأشهر القادمة، تي أر تي عربي، بتاريخ 28/8/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/31DgHZl

([27]) هشام جعفر، المنطقة العربية في زمن الكورونا: تفشّي الصراعات، موقع جدلية، بتاريخ 3/7/2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/VP415

([28]) آنا بورشفسكايا، نشاطات روسيا العسكرية في شرق المتوسط تكرر نهجها تجاه سوريا، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بتاريخ 17/6/2020، متاح عبر الرابط التالي:  https://bit.ly/3aQeaxD

 

فصلية قضايا ونظرات- العدد التاسع عشر – أكتوبر 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى