آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيةالعالم الإسلامي

مواطن التحدي الداخلية لاستقرار حكم طالبان

 

مقدمة:

أفغانستان واحدة من أفقر دول العالم، في عام 2020 كان ما يقرب من نصف السكان يعيشون تحت خط الفقر، و19.1 مليون شخص يعانون من الجوع، مع ارتفاع في أسعار المواد الأساسية؛ حيث تشير تقارير إلى ارتفاع أسعار المحروقات والدقيق والفول والزيت بنسب تصل إلى 63%، وواحد من كل ثلاثة أطفال تحت سن الخامسة ناقص النمو، كما أن تسعة من كل عشرة أفغان يعانون من نقص الغذاء، ويشكل الركود في القطاع المالي مشكلة لمنظمات الإغاثة. فضلًا عن توقُّف تلقِّي رواتب العاملين في العديد من القطاعات الأساسية بسبب التغير المفاجئ وانهيار السلطة وتجميد الأموال، تعاني أفغانستان أصلًا في قطاع العمل من عدم استقرار العمال في مهنهم ووظائفهم، تصل هذه النسبة إلى 9 من 10 في الذكور وتقريبًا كل الإناث، اللاتي يعانين أصلًا في دخولهن سوق العمل، وهو ما يؤثر بصورة سلبية على الأسر التي تعولها النساء. ويقدَّر عدد الأشخاص المحتاجين لمساعدات إنسانية بحوالي 18.4 مليون شخص، بما في ذلك 9.7 مليون من الأطفال، هناك حاجة لحوالي 606 مليون دولار حتى نهاية العام، لم يتوفر منهم في نوفمبر 2021 أكثر من 20%.

كما أن القطاع المالي برمَّته يعاني من الركود، حتى إن البنك المركزي لا يستطيع الوصول إلى احتياطياته في الخارج، وتشير التقديرات إلى أن طالبان لا يمكنها الوصول سوى إلى 0.1 – 0.2 من تسعة مليارات دولار أمريكي من التمويل الدولي. أفغانستان دولة شابة؛ حيث يبلغ عدد من هم في سن العمل 55.5%، ويبلغ عدد من هم دون 15 عامًا 41.8%، أما من تجاوز سنُّهم 64 عامًا فتبلغ نسبتهم 2.6% فقط، الشباب هم من يشكِّلون عبئًا كبيرًا على السكان العاملين في البلاد. إذ إن نسبة الإعالة بلغت 80.1% في عام 2020، وهي من بين أعلى المعدلات في العالم، هذا يعني أن كل شخص في سن العمل يجب أن يدعم 0.8 شخصًا أقل من 15 عامًا أو أكثر من 64 عامًا. تحتل الدولة المرتبة الأخيرة على مؤشر السلام العالمي في عام 2021. دفعت العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وراء الهروب والهجرة داخل وخارج أفغانستان. وقد أدَّى انسحاب القوات الدولية وعودة طالبان والتراجع في مساعدات التنمية إلى تفاقم الوضع بصورة أكبر من ذي قبل، ويؤدِّي هذا الوضع إلى هجرة العديد من الأفغان؛ سواء داخل أفغانستان أو خارجها إن تمكَّنوا من المغادرة، ينتقل معظمهم إلى باكستان وإيران المجاورتين: والبلدان يستضيفان حاليًّا حوالي 80% من المهاجرين الأفغان، في حين يتَّجه عدد قليل فقط إلى الدول الغربية. وصلت أفغانستان إلى المرتبة الثالثة عالميًّا في عدد اللاجئين بعد سوريا وفنزويلا، وفي مايو 2021 كان عدد النازحين حوالي 390 ألف شخص حوالي 80% منهم من النساء والأطفال، ومنذ بداية العام يُقدَّر عدد النازحين بحوالي نصف مليون[1].

ويركز هذا التقرير على صورة الداخل الأفغاني من منظور (التحدي/ الاستجابة)، بعد أن سيطرت طالبان على السلطة في أفغانستان، وسقوط العاصمة الأفغانية كابل بيد مقاتليها في 15 أغسطس 2021، من حيث أهم التحديات التي واجهت حكم طالبان في الفترة من 15 أغسطس إلى آخر نوفمبر 2021؛ سواء سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أمنية؟ وذلك عبر استعراض لمحة تاريخية عن أثر التدخل الخارجي بواسطة الاحتلال الأمريكي في إفساد البيئة الداخلية الأفغانية والفشل في إدارة الدولة وموضع طالبان في هذا المشهد وكيفية صعودها، ثم استعراض طريقة طالبان في التعامل مع التحديات والصورة التي ترسمها عن نفسها، ثم تعقيب يتناول تقديرًا لهذه التحديات وتعامل طالبان معها.

أولًا- لمحة تاريخية عن التدخل الخارجي والفراغ الناشئ عن الانسحاب الأمريكي

يعد التدخل الخارجي في أفغانستان بالغزو والاحتلال ثم بالنفوذ بعد رحيل القوات الأمريكية وحلف شمال الأطلنطي من خلال الوكلاء والعملاء وإفساد الأوضاع، سببًا رئيسيًّا في الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزْرية التي ترْزح تحتها أفغانستان الآن. أزال الاحتلال قبل عشرين عامًا الدولة الأفغانية البسيطة، ولم يتسرَّع في إنشاء غيرها كما حدث في بقاعٍ أخرى مثل كوسوفا والبوسنة والعراق، وحين قرَّر إنشاء دولة في أفغانستان يصنعها على عينه فإنه فشل فشلًا ذريعًا، بعد أن اعتمد على تصورات ساذجة عبر استيراد نماذج ظن أنها صالحة لإقامة الدولة الأفغانية ومجتمعها على النحو الذي يريد.

يقول الوزير البريطاني روري ستيوارت وزير الدولة البريطاني السابق للتنمية الدولية، والذي عمل مسئولًا في التحالف في العراق، وأدار منظمة تنموية في أفغانستان أثناء بداية الاحتلال: “اقترح مسئول الأمم المتحدة الكبير، الأخضر الإبراهيمي، ووزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، وجود بصمة خفيفة. خشي كلاهما من أن وجود بصمة ثقيلة في أفغانستان سيجعل الحكومة تعتمد بشكل كبير على الأموال الأجنبية والقوات الأجنبية ويؤدِّي إلى تمرد. في البداية سمح رامسفيلد بألفي جندي أميركي فقط وحظر بناء أي دولة. لم تُبذل أي محاولة لإنشاء أي شيء يمكن مقارنته بالمهمة في كوسوفو أو، فيما بعد، في العراق. ولضمان عدم إغراء موظفيه المثاليين في الأمم المتحدة بإدارة أفغانستان، منع الإبراهيمي فتح مكاتب ميدانية للأمم المتحدة في العديد من المقاطعات. وبدلًا من ذلك، أعطيت القيادة للحكومة الانتقالية الأفغانية برئاسة حامد كرزاي.

بحلول عام 2004، بعد ثلاث سنوات من التدخل، كان الفساد أسوأ بكثير مما كان عليه خلال الاحتلال السوفيتي أو حكم طالبان، وكانت الشرطة وحشية، والنظام القضائي يعمل فقط مع أولئك الذين يستطيعون دفع الرشاوى. ارتفع إنتاج الخشخاش -الذي قضت عليه حركة طالبان تقريبًا بحلول عام 2000- مع تدفُّق الأرباح إلى كبار المسئولين الحكوميين.

ثم قام الناتو بإطلاق ما كان في الواقع تدخُّلًا ثانيًا أثقل: عملية لتغيير النظام لم تستهدف هذه المرة طالبان ولكن إلى هياكل السلطة التي أقامها حليف التحالف كرزاي. بحلول عام 2005، انتشرت “فرق إعادة الإعمار الإقليمية” التابعة للناتو في جميع أنحاء البلاد، وبدأت الأمم المتحدة في نزع سلاح أمراء الحرب وميليشياتهم وتسريحهم، وبدأ عدد قوات الناتو في الارتفاع، واستمرَّت الخطط المتَّبعة في أفغانستان تستخدم المزيد من الجنود حتى بلغت الذروة في 2011 بقوات بلغ عددها 110 آلاف جندي أمريكي بخلاف قوات الحلفاء.

بينما واصلت الولايات المتحدة تحسين خططها، نفذت طالبان رؤيتها الخاصة لكيفية إرساء الأمن والحكم وسيادة القانون (الشريعة)، وكلَّما زادت القوة العسكرية التي نشرها المتدخلون ضدهم، زاد قدرتهم على تقديم أنفسهم على أنهم يقودون الجهاد من أجل أفغانستان والإسلام ضد احتلال عسكري أجنبي.

حاولت الولايات المتحدة بالفعل العودة إلى بصمة أخف في عام 2014، ولكن بحلول ذلك الوقت، كان قد حدث ضرر هائل. لقد شكلت الطفرة جيشًا أفغانيًّا كان يعتمد كليًّا على الطائرات والتكنولوجيا الأمريكية باهظة الثمن، وأنشأت مجموعة جديدة من عصابات الرأسماليين الذين تغذوا من العقود العسكرية الأجنبية، وتفاقم الفساد. وتسبَّبت العمليات العسكرية في مقتل آلاف الأشخاص، بمن فيهم العديد من المدنيين، ممَّا أدَّى إلى تعميق الكراهية. وقد سمح وجود أكثر من 100000 جندي دولي في القرى الريفية لطالبان بتقديم نفسها على أنها تقاتل من أجل أفغانستان والإسلام ضدَّ احتلال أجنبي. في عام 2005، وتحت الأثر الخفيف، قال محلل استخباراتي بريطاني إن هناك ما بين 2000 و3000 مقاتل من طالبان في أفغانستان. بعد ست سنوات، بعد مقتل عشرات الآلاف من الأفغان وإنفاق نصف تريليون دولار، قدَّر الجنرال ريتشارد بارونز من الجيش البريطاني أن هناك 36 ألف مقاتل من طالبان في البلاد[2].

كيف تعاملت طالبان خلال فترة تمدُّدها؟

لا يُمكن عدُّ سيطرة طالبان على أفغانستان مجرد انعكاس لتردِّي الأوضاع أو سأم الأفغان من حكومة يمكن وصفها بالعميلة وفي ظلِّ احتلال عسكري، فهذا اختزال لحقيقة المشهد الذي قامت فيه طالبان ببذل الكثير من الجهد القتالي والسياسي طيلة عشرين عامًا فقدوا خلالها العديد من عناصرهم وقياداتهم، لكنهم قاموا بهذا الانتصار عبر تخطيط واستغلال للأوضاع المتردية لصالحهم وبسط نفوذهم رويدًا رويدًا في مختلف أنحاء أفغانستان.

وتشرح صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها جانبًا من جوانب تخطيط طالبان للاستيلاء على السلطة، ويقدِّم التقرير وصفًا لكيفية زرع طالبان لعملاء سرِّيِّين في مختلف قطاعات مؤسَّسات الحكم في أفغانستان، حيث أمضى هؤلاء العملاء السريون -الذين كانوا غالبًا حليقي الذقن ويرتدون الجينز والنظارات الشمسية- سنوات في التسلُّل إلى وزارات الحكومة الأفغانية والجامعات والشركات ومنظمات الإغاثة. وبينما كانت القوات الأمريكية تستكمل انسحابها في أغسطس، خرج هؤلاء العملاء عن الظل في كابل والمدن الكبرى الأخرى في جميع أنحاء أفغانستان، وفاجأوا جيرانهم وزملاءهم. وسحبوا أسلحتهم من مخابئها، وساعدوا طالبان على الاستيلاء بسرعة على السيطرة من الداخل.

كانت هذه الشبكة من العملاء تابعة لشبكة حقاني، التي تولَّى زعيمها وزارة الداخلية في حكومة تصريف الأعمال التي عيَّنتها طالبان لإدارة شئون البلاد عقب استيلائها على مقاليد الحكم، وتعمل خلايا مماثلة تابعة لطالبان في مدن أفغانية رئيسية أخرى. في قندهار، ثاني أكبر مدينة في أفغانستان، قال المحاضر الجامعي أحمد والي حقمال إنه طلب مرارًا من قادة طالبان الإذن بالانضمام إلى الكفاح المسلح ضد الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة بعد أن أكمل درجة البكالوريوس في الشريعة. يتذكر قائلًا: “كنت مستعدًا لأخذ AK-47 (كلاشنكوف) والذهاب؛ لأنه لا يوجد أفغاني يمكنه تحمُّل غزو بلدهم”. “ولكن بعد ذلك قال لنا شيوخنا: لا، لا تأتوا إلى هنا، ابقوا هناك، اعملوا في الجامعات لأن هؤلاء هم أيضًا شعبنا ووسائل الإعلام والعالم يخدعهم بشأننا”.

قالت فيريشتا عباسي، المحامية الأفغانية، إنها كانت تشك منذ فترة طويلة في رجل عمل معها في مجمع محصن، كامب بارون بالقرب من مطار كابل، والذي استضاف مكاتب لمشاريع التنمية التي تمولها الولايات المتحدة ودول غربية أخرى. ولكن لم تكتشف سوى بعد يوم من سقوط كابل – عندما ظهر الرجل على شاشة التلفزيون وهو يحمل بندقية كلاشينكوف – أنه كان في الحقيقة قائدًا لطالبان. قالت السيدة عباسي التي تقيم الآن في لندن: “لقد صدمت”. لقد كانت السيدة عباسي وزميلاتها حاسرات رؤوسهن أمام هذا الرجل، الذي هو أسد مسعود كوهيستاني الذي قال في مقابلة مع CNN إن على النساء تغطية وجوههن[3].

وإذا كانت مواقع مهمة مثل فيسبوك ويوتيوب اعتبارًا من عام 2014 -كجزء من الهجوم على الدولة الإسلامية- قامت بحظر حسابات طالبان، فإنهم تعلَّموا كيفية إنشاء حسابات جديدة بسرعة وظلُّوا نشيطين للغاية على موقع تويتر. واعتبارًا من عام 2017، كانت الحرب الإعلامية لطالبان تتفوَّق على الحكومة الأفغانية، لقد نجحت رسائل طالبان لأنها كانت أسرع وأكثر دقَّة في كثير من الأحيان من الرسائل الحكومية الرسمية، وتمَّ إنتاج المجلات على الإنترنت باللغات الإنجليزية والباشتو والدارية والعربية، على سبيل المثال، مع محتوى مخصَّص لجمهور مختلف[4].

حرصت الحركة على ألَّا تلتفت لمن زاحمها على المقاومة، وتركتهم يقاتلون بعيدًا عنها، مع السماح لكل القوى المطلوبة دوليًّا والمغضوب عليها، من القاعدة والحركة الإسلامية التركمانية والجماعات الشيشانية، والبلوش المتمردين على الحكومة الإيرانية، وحتى حركة طالبان باكستان المطلوبة من حليفتها باكستان بالعمل من داخل أفغانستان، وربما لاستخدامهم في صراعها الإقليمي والدولي، ولم تَسْعَ إلى طردهم أو التضييق عليهم، وإنما اكتفت في اتفاق الدوحة بالتعهُّد بعدم استخدام أراضيها ضد الدول، وهو ما تعهَّدت به للروس والإيرانيين والصينيين خلال زيارات وفودها لعواصم هذه الدول.

كما نجحت طبقة المشايخ والعلماء في أفغانستان وباكستان في دعم طالبان، أو الصمت عليهم، وبالمقابل فإن طالبان اعتمدت عليهم بشكل كبير، مقابل حرص العلماء والمشايخ في كلا البلدين على عدم التدخل في شئون طالبان وتحرُّكاتها على مدى عشرين عامًا، مع أن لدى بعضهم تحفظًا على بعض مواقف الحركة وأعمالها، ولكن ظلَّ العلماء في البلدين يلتزمون الصمت، فلم يدخلوا في صراعات حزبية ولا فصائلية، ولا في فتاوى آنية يندمون عليها، وإنما ظلُّوا فوق السلطة، وفوق أي تجمع سياسي أو حزبي أو فصائلي.

وقد حرصت طالبان أيضًا على الرفق بحاضنتها، فلم تفرض عليهم إتاوات ولا ضرائب ترهقهم، ولم تضيِّقْ على عيشهم، مما جعلهم يستقبلونها بالأحضان في كل المدن والبلدات التي دخلتها.

أما ما يتعلق بتعاملها مع المعارضين والمخالفين فقد قرَّرت عفوها الكامل عن كل أعضاء الحكومة ومن تعاون معها، ودخلت في حوارات جدية مع المعارضين لتشكيل حكومة لم تشأ الإعلان عنها بمفردها، وهو ما دفع المعارض منهم مثل قلب الدين حكمتيار وغيره للإشادة بها، بل والتعهد بالدفاع عن النظام الإسلامي الجديد ضد البغاة والخارجين عليه[5].

ثانيًا- ماذا فعلت طالبان؟

طالبان الجديدة اليوم تواجه أيضًا أفغانستان الجديدة التي تغيَّرت كثيرًا، وعلى رأس هذا التغيُّر عدد الطلبة في الجامعات المتعددة الذين بلغوا حوالي 170 ألف طالب وطالبة مسجلين هذا العام، بالإضافة إلى انتشار الإنترنت، واستخدام أكثر من 22 مليون أفغاني لأجهزة الموبايل، فضلًا عن ميزانية دولة تعتمد أكثر من 75 في المئة منها على المنح والمساعدات الأجنبية، كل ذلك لم يكن موجودًا يوم سقطت الحركة عام 2001[6].

ويعتمد التقرير بشكلٍ أساسي في هذا القسم على ما بثته حركة طالبان من خلال حسابها باللغة العربية على موقع التغريد القصير على الإنترنت (تويتر) المعروف باسم (الإمارة الإسلامية @alemara_ar)[7] بهدف بيان ما يقوله التنظيم عن نفسه أو بمعنى أدق عن إدارته لشؤون الدولة الأفغانية أو الإمارة كما بات اسمها الجديد، وكذلك تحليل الصورة التي يقدِّم بها نفسه للعالم وللمواطنين الأفغان، خاصة في ظل تعتيم وسائل الإعلام العالمية على أخبار الداخل الأفغاني وعدم اكتراثها بمتابعة جهود سلطاته الجديدة في بيان مدى قدرتها على تحسين ظروف المواطنين الأفغان من عدمها، وتركيز هذه الوسائل على أخبار الصراعات والنزاعات والقتال والتخويف بشكلٍ عام من السلطة الجديدة.

يمكننا أن نضع تصنيفًا للاهتمامات التي حرصت طالبان على الاهتمام بها وإبرازها في سبعة محاور:

1- المصالحة وطمأنة الداخل والخارج

منذ اللحظات الأولى لسيطرتها على المناطق التي باتت تسقط بين يدي مقاتليها تباعًا كان الإفراج عن المعتقلين والسجناء تقليدًا أساسيًّا اتبعته الحركة في أنحاء أفغانستان، واستمرَّ بعد سيطرتها، كما حرصت منذ اليوم الأول قبل سقوط العاصمة الأفغانية كابل وفور سيطرتها عليها في 15 أغسطس 2021 على طمأنة البنوك، وغرف التجارة، ومحلات الصيرفة، وبقية الأسواق في كابل وباقي البلد، وأن على المستثمرين المحليين والأجانب ألا يقلقوا أبدًا حيال أموالهم وثرواتهم، فكل شيء سيسير بشكل طبيعي، ولن تلحق البنى التحتية أي ضرر أو نقص من جهتهم. وأعلنت طالبان أن الإمارة الإسلامية لا تفكر في الانتقام من أي أحد، وتعلن العفو والأمان لجميع موظفي إدارة كابل سواء كانوا في القطاع العسكري أو المدني، وعلى الجميع أن يبقوا في البلد، وفي أماكنهم ومنازلهم، وألا يحاولوا مغادرة البلاد.

وكذلك حرصت طالبان على طمأنة جميع السفارات في كابل، والبعثات الدبلوماسية، والهيئات الدولية، ومساكن أتباع الدول الأجنبية، والعاملين في مجال الأعمال الخيرية والإغاثية؛ سواء كانوا أجانب أو محليين، أنه لن يواجههم أي مشكلة من قبل الإمارة الإسلامية، بل سيتم توفير بيئة آمنة لهم، وأنه لن يواجههم أي خطر أو تهديد، وأن على الجميع أن يبقوا في كابل في ثقة واطمئنان، فقد تم توظيف قوات الإمارة الإسلامية لاستباب الأمن في مدينة كابل وجميع مدن البلد.

وقال المتحدث باسم طالبان: إنهم لن يسمحوا لأي أحد أو جهة باستخدام  الأراضي الأفغانية ضد الآخرين. نحن على تواصل مع رئيس لجنة المصالحة عبد الله عبد الله، وسنتواصل مع غيره من الساسة، ولا نريد أن نتجاهل أي طرف.

بل إنه وفق مرسوم صادر من بلدية كابل في 28 سبتمبر 2021: فإن بيوت كابل التي فَرَّ مالكوها إلى الغرب ستؤجَّر، وتودع الأجرة في البنك المركزي إلى حين عودة المالكين؛ لتعود البيوت والأجرة لأصحابها بعد عودتهم إلى أفغانستان.

2- ضبط الأمن ومكافحة الجريمة

حرصت طالبان بعد سيطرتها على إظهار قدرتها على بسط الأمن ومقاومة الجريمة في ربوع أفغانستان، ولذا أخذت تعلن باستمرار عن أخبار تظهر قدرتها على ضبط المجرمين وتوفير الأمن للمجتمع الأفغاني، ومواجهة تنظيم الدولة، كما أعلنت طالبان عن تخصيص أرقام يمكن التواصل معها عن طريق تطبيق الواتساب للتواصل مع لجنة استماع الشكاوى في كابل، وذلك لكلِّ من يتعرَّض لأي خطر أو تهديد، وبثت أخبار إلقاء القبض على اللصوص، خاصة المتنكرين في زي المجاهدين، وتم تفعيل الخطوط الساخنة لقيادة الشرطة بمدينة كابل، بالإضافة إلى تعيين الطاقم الدوري. وتخصيص رقم موحَّد لسكان العاصمة ليتصلوا به عند حدوث أي فوضى أو شغب.

وبحسب تصريحات المسئولين الأمنيين، فقد بلغ عدد المجرمين في مراكز التوقيف الذين تم القبض عليهم بعد أسبوعين من دخول طالبان كابل (2000) شخص، معظمهم من اللصوص المسلحين والناهبين.

وأحبطت القوات الأمنية عملية تهريب (25) طنا من حجر اللازورد (لابيس لازولي) في ولاية بدخشان شمالي أفغانستان، وألقت القبض على المتهين. كما ضبطت 1.6 مليون دولار و79 مليون أفغانية في ولايات (لوجر، وخوست، وبنجشیر)، وتم تسليمها لبنك أفغانستان المركزي.

وتم القبض على أشهر مهربي الخشب، وكميات من الأخشاب التي يتم تهريبها في ولاية كونر، وصرَّح حاكم الولاية، بأن عمليات مكافحة التهريب مستمرة بكل جدية، ولا توجد مسامحة في هذا الشأن. واتُّخذت إجراءات مشدَّدة في جميع الأنحاء لمنع التهريب بجميع أشكاله.

وضبطت رئاسة الجمارك والزراعة بولاية ننجرهار شحنة من الدجاج الفاسد المستورد، وتمَّ إتلاف جميعها في حضور مسئولي عدد من الإدارات الحكومية. وطلب المسئولون من التجار ألَّا يستوردوا البضائع منتهية الصلاحية أو رديئة الجودة، وسيتم اتخاذ إجراءات صارمة في حق كل من يخالف هذا القرار.

وقرَّر المجلس الوزاري برئاسة رئيس الوزراء الملا محمد حسن آخند في 9 نوفمبر 2021 إنشاء وحدة خاصة لاستعادة الأراضي المغصوبة.

وفي مقابل قيام القوات الأمنية بجهود ضبط الأمن فإن طالبان قرَّرت فتح باب الشكوى في هذه القوات عند تجاوزها أو مخالفتها لما هو منوط بها من سلوك يحترم المواطنين الأفغان، فأعلنت وزارة «الأمر بالمعروف والجلب والتجنيد واستماع الشكاوى» لجميع المواطنين، بأن كل من لديه شكوى عن رجال الأمن أو منسوبي الحكومة فبإمكانه الإبلاغ عنهم بالشواهد والأدلة، عن طريق الواتساب أو عنوان البريد.

وقال المتحدث باسم طالبان: أطمئن العالم بأن أفغانستان لن تكون مركزا لإنتاج أي نوع من المخدرات، وخلال حكمنا السابق استطعنا تخفيض نسبة زراعة الخشخاش إلى (صفر).

3- الإدارة المحلية وإصلاح البنية التحتية

لم يكن خافيًا أن فترة حكم طالبان السابقة نهاية القرن الماضي شهدت مشكلات كبيرة في إدراك طالبان لطبيعة الإدارة السياسية عمومًا وفي القلب منها الإدارة المحلية، وهذه التجربة الجديدة محك جديد لاختبار مدى الاختلاف الذي يمكن أن تظهره طالبان بين تجربتها الجديدة وتجربتها السابقة[8].

كما أن برامج الإدارة المحلية التي قامت بها الجهات المانحة لم تستطع إصلاح دوائر هذه الإدارة، وقامت على أُسُسٍ من افتراضات خاطئة، لم تغيِّر من مساوئ هذه الإدارة ومقاومة ما بها من فساد، وخلصت دراسة نشرها مركز كارنيجي حول الإدارة المحلية في أفغانستان خلال السنوات الماضية إلى أنه لا يمكن لمساعدات الحكم المحلي أن تفعل شيئًا يُذكر لتغيير الديناميكيات الأساسية للعلاقات بين المركز والأطراف ما لم تؤثِّر على السلطات الأوسع نطاقًا والحوافز التي تدفع المركزية أو اللامركزية[9].

في هذا البيئة أعلنت طالبان العديد من الأخبار عن جهودها في إصلاح البنية التحتية وتعبيد الطرق وإعادة بناء الجسور، وإصلاح وإنشاء مشاريع الطاقة الكهربائية، وتوفير المياه، وإصلاح الأوضاع الاجتماعية ومحاربة الإدمان والتسول.

فقامت رئاسة المنفعة العامة بالبدء في أعمال إعادة بناء أحد أكبر الجسور المنهدمة على طريق (قندهار – هرات) السريع، وتم توقيع عقد مع شركة (جلو جالاكسي للبناء) لتعبيد وتسوية الطريق السريع بين مدينة قلات عاصمة ولاية زابل ومدينة ميدان شهر عاصمة ولاية ميدان وردك، بحيث يتم إتمام المشروع خلال ثلاثة أشهر. وتم البدء في أعمال مشروع تعبيد وترميم طريق (كابل-قندهار) السريع، وكذلك تعبيد طريق (517) في منطقة بوابة “دهيك” التابعة لمدينة فراه وهو الذي يربط الولاية بطريق (قندهار- هرات) الدائري، وكذلك تعبيد طريق “مملي” في مديرية خوجياني، وبدء أعمال إعادة بناء جسر (براو) الواقع في مديرية سروضه شرقي أفغانستان، كما تم البدء في أعمال رصف الأسفلت للطريق بين (كابل – ميدان شهر) بطول 8 كيلو مترات، حيث كان هذا الطريق وعرًا ومتضرِّرًا للغاية، وتم افتتاح أعمال بناء جسر على نهر أرغنداب بقيمة 3,6 مليون أفغانية، في منطقة “سرخ سنك” بمديرية أرغنداب بولاية زابل.

وتمَّ البدء في أعمال إصلاح أجهزة تهوية وإنارة نفق “سالنك”، بالإضافة إلى تعبيد طريق سالنك الجبلي بالإسفلت. وتركيب أعمدة الإنارة في شوارع مدينة لشكرجاه بولاية هلمند جنوبي أفغانستان. وتم تركيب اللوحات واللافتات في الشوارع، والدوارات، والتقاطعات بمدينة كابل.

وتم الانتهاء من مشروع الطاقة الكهربائية في مديرية جريشك بولاية هلمند، وتم افتتاحه وتسليمه للاستفادة العامة، ويبلغ قدرة هذا المشروع الاستيعابية إلى 22 ميجاوات.

وقالت إدارة تنظيم شئون المياه إنه سيتم استئناف الأعمال المتبقية لمشاريع سدود مياه (شاه عروس، وباشدان، وبخش أباد).

وتمَّ تخصيص أرض حكومية بسعة (400) كيلو متر مربع لإنشاء مرکز للأبحاث الزراعية التابع لکلية الز‌راعة، في قرية “كركري” بمديرية حضرت سلطان بولاية سمنجان شمالي أفغانستان.

وفوَّض مجلس وزراء إمارة أفغانستان الإسلامية إلى جمعية الهلال الأحمر الأفغاني مسئولية تشخيص وتسجيل جميع المتسولين في مدينة كابل، وإعداد خطة شاملة لكفالتهم ورعايتهم، وتقديمها إلى مجلس الوزراء لتقييمها. وتمَّ جمع ونقل عشرات من مدمني المخدارت من شوارع مدينة کابل لمعالجتهم وإعادة تأهيلهم.

وتم توزيع سلال غذائية على 950 أسرة متضررة من فيروس كورونا في مدينة بارون عاصمة ولاية نورستان شرقي أفغانستان.

وقرَّرت إدار ة مرور ولاية غزني إعادة المركبات التي تمَّ إيقافها في النظام السابق إلى أصحابها، وذلك بعد إتمام المراحل القانونية.

وفي مجال الدعوة الدينية قرَّرت طالبان توحيد خطبة الجمعة، وتكليف الخطباء أن يخطبوا في مواضيع محدَّدة، صحيح أن هذا التكليف جاء في صورة رجاء للخطباء بأن يخطبوا في هذه المواضيع، ولم يكن بصيغة الأمر والتكليف وتهديد بعقوبة للمخالف، ولكن وجوده كان لافتًا ومستحقًّا للرصد، وقد طلبت لجنة الدعوة والإرشاد، والتجنيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخطباء في أول جمعة بعد سيطرتها على السلطة منتصف أغسطس أن يلقوا خطب الجمعة في المواضيع التالية:

  1. بيان مصالح (النظام الإسلامي) للمواطنين، ودعوة الناس إلى الوحدة والاتفاق.
  2. حث المواطنين على التعاون من أجل بناء الوطن والنهوض به، وعدم محاولة الهروب منه، وإعادة الكوادر والثروات إلى البلد.
  3. الرد بالدليل على الدعايات السلبية للعدو واستفزازاته، من أجل قناعة الشعب واطمئنانه.

وفي الجمعة التالية طلبت من الخطباء بأن يبينوا في خطب الجمعة (المكانة الشرعية لطاعة ولي الأمر وأهميتها)، وأن ينبهوا المواطنين ويحثوهم على طاعة الأمير العام، ومن يولون عليهم من المسئولين والقادة.

ولم يتم رصد طلبات أخرى بمضمون خطب الجمعة معلنة بعد ذلك.

4- جهود التنمية الاقتصادية

يُعتبر التحدِّي الاقتصادي أحد أهم التحديات التي تواجه أفغانستان بعد استنزاف مواردها وتدمير الصراعات لبنيتها التحتية فضلًا عما تفرضه هذه الحالة من عزوف عن الاستثمار، وبعد عودة طالبان للسلطة لا بد أن يكون هذا التحدِّي هو المحك الحقيقي لبيان مدى قدرتها على إدارة شئون الدولة، فالتجارب في أكثر من دولة أثبتت أن الفشل في الجانب الاقتصادي أقسى على الحكومات من الفشل في الجانب الأمني، ويمكن للحكومات أن تستمر في السلطة رغم فشلها الأمني، ولكن يصعب عليها أن تبقى في ظل فشل اقتصادي.

إدراكًا لهذا المعنى حرصت طالبان على تصدير صورة عن الأوضاع الاقتصادية تشير إلى تحسُّن الأحوال الاقتصادية تحت إدارتها، وأنها تبذل جهودًا متنوِّعة وصادقة من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية ومناخ الاستثمار والتصدير والاستيراد.

فبعد توقُّف لبضعة أيام، تم استئناف العلاقات التجارية مع دولة أوزبكستان من جديد، حيث وصلت أول شاحنة تحمل الملبوسات إلى أراضي أفغانستان. ثم تمَّ استئناف الحركة التجارية مع إيران عن طريق معبر (إسلام قلعة) الحدودي، ووقَّعت أفغانستان على عقد استيراد 100 ميجاوات كهرباء من إيران لخمس سنوات، خلال زيارة وفد برئاسة وزير الطاقة والمياه إلى إيران.

وقامت رئاسة الزراعة والري في ولاية ننجرهار شرقي أفغانستان في إطار برنامج (SNAPP2) بتوزيع مستلزمات زراعية متنوعة على 250 مزارعا في مختلف مديريات الولاية. تشتمل هذه المستلزمات على مضخة دواء، ومقص الأشجار، ومنشار، وسلم، وآلة قطف الثمار، وأطلق مسئولو رئاسة الزراعة والري في ولاية بكتيا مشروع توزيع بذور القمح المحسنة والأسمدة الكمياوية على 6000 مزارع في جميع مديريات الولاية المذكورة. وبدعم مالي من مؤسستي FAO و PAC تمَّ توزيع بذور القمح المحسَّنة على أكثر من 7000 مزراع في ولايات جوزحان، ولغمان، وكابل، وكونر. وبدأت المؤسسات المساعدة مع مسئولي الزراعة بتنفيذ مشروع إنشاء مزارع وحقول في 260 هكتارًا من الأرض الزراعية، بحيث سيتم غرس 104 آلاف شتلة من (الليمون، والبرتقال، والخوخ، والرمان، والبرقوق…) في مختلف مديريات ولاية ننجرهار. ويتم جمع آلاف الكيلوجرامات من الزيتون كل يوم من أربع مزارع في ولاية ننجرهار، ثم يتم إرسالها إلى مصانع الزيتون للمعالجة، وبعد مرورها علی عدَّة مراحل يتم إنتاج الزيت والمخللات المشهورة عالميًّا.

وأعلنت طالبان زيادة بنسبة ۱۳۲ ٪ في الصادرات من أفغانستان وفق بيانات وزارة المالية؛ حيث بلغت قيمة الصادرات خلال الأشهر الثلاث (من منتصف أغسطس حتى منتصف نوفمبر تقريبًا) 26.83 مليار أفغانية بينما کانت قيمة الصادرات في الأشهر الثلاثة قبلها 11.58 مليار أفغانية. وخلال أسبوعين من نوفمبر، تمَّ تصدير 698 طنًّا من الفواكه المجفَّفة منها 585 طنًّا من الزبيب، إلى مختلف الدول في أوروبا، وأمريكا، وآسيا، وأستراليا.

كما أن الشركات الأفغانية قامت بتصدير 76 طنًّا من علف الدواجن إلى دولة طاجيكستان، وسيتم تصديره إلى دول أخرى أيضا. ونوَّهت إلى أنه يتم إنتاج علف الدواجن في أفغانستان وفق المعايير الدولية، وتسعى الحكومة الأفغانية إلى إيجاد سوق له على مستوى العالم.

وخلال الأسابيع الثلاثة الأولى من نوفمبر، تمَّ تصدير 550 طنا من الصنوبر الأفغاني (الذهب الأسود) إلى الصين. ونوَّهت طالبان بعد ثلاثة أشهر فقط من سيطرتها على أفغانستان إلى أن صادرات أفغانستان تشهد توسُّعًا لم يسبق له مثيل، وهو مؤشِّر إيجابي في ازدهار اقتصاد أفغانستان.

وبدأت تمارس طالبان سلوكًا شفَّافًا في الإعلان عن مداخيل وعوائد السلطة بعد حوالي شهرين ونصف فقط، حيث أعلنت وزارة المالية بإمارة أفغانستان الإسلامية بأن عوائد الأيام الـ 78 الماضية بلغت 26 مليارًا و915 مليون أفغانية. وأكدت الوزارة أن العوائد في ازدياد مستمر، حيث بلغت العوائد يوم 17 نوفمبر فقط 557 مليون أفغانية.

وقال مسئولو الجمارك في ولاية بكتيا: إن الإيرادات الجمركية شهدت تزايدًا بنسبة 8%، وذلك بعد منع الفساد والقضاء عليه. ونفوا وجود رسوم على التصدير لغير الفحم.

وأصدرت طالبان بيانًا باسم إمارة أفغانستان الإسلامية بشأن حظر استخدام العملات الأجنبية في البلد في 2 نوفمبر 2021، وقد قرَّر البيان أنه طبقًا لما تقتضيه الأوضاع الاقتصادية والمصالح الوطنية فعلى جميع الأفغان استخدام العملة الأفغانية في جميع صفقاتهم وجميع المعاملات، وتجنُّب استخدام أي عملة أجنبية أخرى؛ لأن استخدام العملات الأجنبية يؤثِّر سلبًا على اقتصاد البلد ويضرُّ جميع المواطنين. ومن يخالف هذا القرار فسيكون عرضة للمساءلة القانونية.

وتوصَّلت طالبان إلى إعلان شركة الاتحاد الغربي (ويسترن يونيون) استئناف خدماتها المصرفية في أفغانستان. بالإضافة إلى عدم أخذ رسوم على التحويلات المالية من تاريخ (3 إلى 17 سبتمبر).

وأعلنت طالبان منتصف سبتمبر أن مسئولي أفغانستان وتركمانستان سيجتمعون قريبًا لمناقشة وتنفيذ مشروع “TAPI” ومشروع الكهرباء داخل أفغانستان، وإنشاء سكة حديدية بين معبر تورغندي وهرات، ووعد وزير خارجية تركمانستان بإسقاط الغرامات عن التجار الأفغان الذين تم تغريمهم بسبب إغلاق الحدود.

كما توصَّلت طالبان مع باكستان إلى فتح أبواب المعابر الحدودية (24 ساعة) للحركة التجارية، و(12 ساعة) للمسافرين، كما سيسمح للشاحنات الأفغانية الذهاب إلى بشاور و كراتشي، وإعفاء صادرات (الفواكه الطازجة والمجفَّفة) من أفغانستان إلى باكستان من الضرائب، وإصدار تأشيرات لمدة شهر واحد، للتجار الأفغان في معبر “طورخم” الحدودي.

وفي مجال المعادن والتنقيب عنها قالت طالبان إن علينا أن نقوم بالتنقيب عن معادننا، حتى ننهض بأنفسنا، ونعزِّز قدراتنا، ونرفع من طاقتنا، وأعلنت وزارة المعادن بالإمارة الإسلامية بدء عمليات التنقيب في معدن (الطلق) في ولاية ننجرهار شرق أفغانستان، والذي يتمُّ تصديره إلی العديد من الدول من بينها: ترکمانستان، وطاجيکستان، وباکستان، والأردن وتركيا وإيران، بما يوفِّر فرص عمل لأکثر من 6000 شخص. وقامت للمرة الأولى بتصدير حديد التسليح (حديد البناء) الأفغاني إلى باكستان.

وقالت طالبان إنها تسعى إلى توفير مزيد من التسهيلات لصانعي السجاد، والذي تفيد الإحصائيات، بأن حوالي مليون ونصف مليون من المواطنين الأفغان يعملون في نسيج السجاد اليدوي المشهور عالميًّا ويعتبر من أقدم وأهم الصناعات الأفغانية.

وأعلنت كذلك عن استئناف شركة إنتاج القطن المتوقفة عن العمل، فعالياتها من جديد في ولاية قندوز شمالي أفغانستان. وقام والي قندهار بزيارة مصانع القطن والصوف في الولاية، وتفقَّد حالة مباني وآلات المصانع، وأكد على إعادة تفعيل هذه المصانع من جديد.

وافتتح حاكم ولاية هرات مطبعة “المشارق” لطباعة الكتب الشرعية، والتي تم تأسيسها بقيمة 2,5 مليون دولار، في الحي الصناعي بمدينة هرات غرب أفغانستان.

ولعله بناءً على التحسُّن الوارد في المؤشِّرات السابقة أعلنت وزارة المالية بإمارة أفغانستان الإسلامية عن صرف رواتب الأشهر الثلاثة الماضية لجميع موظفي الحكومة في20 نوفمبر 2021.

5- إعادة حركة الطيران

كما بادرت طالبان إلى سرعة إعادة تشغيل المطارات وعودة حركة الطيران لطبيعتها، فبدأت المطارات تعود للعمل تدريجيًّا بعد تسعة أيام فقط من تسلُّم طالبان للسلطة. فقد تمَّ تشغيل مطار مزار شريف، وأصبح جاهزًا للرحلات المحلية والدولية في 24 أغسطس. وبدأت رئاسة المنفعة العامة بإمارة أفغانستان الإسلامية بإصلاح الأجزاء المتضرِّرة من مطار قندهار، وأصبح جاهزًا تمامًا للملاحة الجوية في  29 أغسطس.

وتم فتح المجال الجوي الأفغاني للملاحة الجوية في 9 سبتمبر، بعد افتتاح غرفة التحكُّم في مطار كابل الدولي، بعد خروج القوات الأمريكية بنهاية أغسطس، وتسلُّم طالبان للمطار وإصلاحه بمساعدة قطرية، وأصبح بإمكان الطائرات الأجنبية عبور المجال الجوي الأفغاني. ثمَّ تمَّ افتتاح مطار كابل الدولي رسميًّا أمام الرحلات التجارية المحلية والدولية وفقًا لهيئة الطيران المدني الأفغانية، وأصبح جاهزًا للإقلاع والهبوط من الساعة 6 صباحًا حتى 6 مساءً بدايةً من 20 سبتمبر.

واستؤنفت الرحلات الجوية الدولية من مطار قندهار (مطار أحمد شاه بابا) في 7 أكتوبر، وتمَّ فتح مطار ننجرهار شرقي أفغانستان في وجه الطيران المدني بعد توقف استمرَّ عشرين عاما في 21 نوفمبر.

وبدأت شركة الطيران الأفغانية “أريانا أفغان” رحلاتها الجوية من مطار كابل إلى ولايات (هرات، ومزار شريف، وقندهار) في 5 سبتمبر. واستأنفت رحلاتها اليومية بين كابل ودبي، ومن قندهار إلى دبي، وبين كابل وإسلام أباد في 6 و7 و11 نوفمبر على التوالي.

وأعلنت رئاسة الجوازات استئناف إصدار جوازات السفر للمواطنين في 5 أكتوبر. وقال الرئيس العام للجوازات إنهم يستوردون مكائن جديدة لطباعة الجوازات، ورفع إمكانيات إدارة الجوازات.

6- تحسين القدرات القتالية التنظيمية

تسعى طالبان من خلال إعادة تأهيل قواتها إلى مزيد من الانضباط والنظامية بعد سنوات من القتال كحركة مقاومة، وما يقتضيه ذلك من لامركزية، وقلة القدرات الاحترافية، لذلك بادرت إلى افتتاح أكثر من مركز عسكري للتدريب والتأهيل وتلقين الجنود محاضرات عسكرية نظامية. في هذا السياق قال المتحدث باسم وزارة الداخلية الأفغانية إنه يتم العمل على إنشاء وإعداد جيش قوي ومنظم في أفغانستان.

فتم افتتاح مركز للتدريب العسكري في ولاية زابل؛ حيث شارك في الدفعة الأولى 400 من جنود إمارة أفغانستان الإسلامية في 30 سبتمبر. وتخرج 100 عسكري من معسكر علي بن أبي طالب في ولاية بروان، في 13 أكتوبر. وتخرَّج 44 مجاهدًا من اللواء العسكري الرابع في مدينة جريشك عاصمة ولاية هلمند جنوبي أفغانستان، في 19 أكتوبر. وتخرَّجت دفعة مكونة من 300 مجاهد من اللواء البري الثاني بفيلق (البدر 205) في ولاية زابل، في 13 نوفمبر. وتمَّ تخريج ۱۰۰ جندي من القوات الخاصة بعد تلقيهم تدريبات في المعسکرات التابعة لفيلق هلمند، وتخرجت دفعة أخرى من المجاهدين في ولاية بكتيكا، شرقي أفغانستان في 6 نوفمبر. وتخرَّج 180 مجاهدًا من معسكر “محمد بن قاسم” في مديرية تجاب بولاية كابيسا، وذلك بعد تلقِّيهم دروسا عسكرية (نظرية وعملية) خلال دورة استمرت لشهرين في 7 نوفمبر.

وبدأ جنود الإمارة في تقديم استعراض عسكري قدمه 700 مجاهد من القوات الخاصة الذين تخرَّجوا من فيلق “البدر 205” بولاية قندهار جنوب أفغانستان في 8 نوفمبر. وتمَّ تخريج 250 مجاهدًا من الفيلق (المركزي 313)  في 15 نوفمبر.

وتمَّ التنويه لجنود طالبان والتابعين لهم في العاصمة وكافة الولايات: بأن عليهم أن يتجنَّبوا إطلاق النيران في الهواء، بل عليهم أن يسجدوا لله شكرًا، وليعلموا أن الأسلحة والرصاصات التي بأيديهم من ممتلكات بيت المال، ولا يحق لأحد إضاعتها. كما أن الرصاصات البادرة [الطائشة] قد تضرُّ المواطنين.

وتمَّ إنشاء محكمة عسكرية في هيكلة الإمارة الإسلامية.

7- إعادة بناء الصورة من خلال حقوق الإنسان والثقافة والرياضة والترفيه

حرصت طالبان عبر خطابها الإعلامي على تقديم صورة تعبِّر عن انفتاحها وعن استتْباب الأمن بالعاصمة ومختلف الولايات ورضا الأفغان عن سيطرتها على مقاليد السلطة في البلاد، فنشرت أنه في صباح اليوم الأول من سيطرة الإمارة الإسلامية على العاصمة كابل، ذهبت الفتيات إلى المدارس، والعملية التعليمية مستمرة دون أي انقطاع.

وبعكس الممارسات التي قامت بها طالبان عندما سيطرت على أفغانستان نهاية القرن الماضي في التعامل مع الآثار التاريخية، قام وفد من اللجنة الثقافية بزيارة رئاسة حفظ وتسجيل الآثار التاريخية بوزارة الثقافة والإعلام بالعاصمة کابول. وطمأن الوفدُ الموظفين بأن يحضروا جميعًا إلى أعمالهم. وبالنسبة لـ”قلعة جريشك” وهي من المعالم التاريخية القديمة، والتي كانت تستخدمها الإدارة السابقة كمعتقل خلال السنوات العشرين الماضية. وتمَّ محاولة إنشاء بناء جديد مكان المعتقل داخل القلعة، لكن بعد التوعية توقَّف عمل إنشاء البناء الجديد بشكل فوري، وتعتزم وزارة الثقافة والإعلام ترميم هذا المعلم التاريخي، وستتخذ خطوات جادة في هذا الصدد[10].

وكذلك “كنز باختر”، قالت طالبان إنه محفوظ ومصون في الخزانة المركزية الأفغانية، وتلك الشائعات التي تداولتها بعض الوسائل الإعلامية عن هذا الكنز الثمين وأنه قد تم نقله من مكانه، فلا صحة لها بتاتًا. وتتعهَّد إمارة أفغانستان الإسلامية بحفظ هذا الكنز وحراسته بكل جدية.

وفيما يتعلَّق بالتعامل مع المرأة حاولت طالبان منذ اللحظات الأولى لسيطرتها أن تُظهر أنها تتعامل مع المرأة بشكل طبيعي في حدود الالتزام بالضوابط الشرعية، فأعلنت أنه مسموح للفتيات والنساء بالتعليم والعمل وفق ضوابط الشرع، كما أن من حق كلِّ مواطن أن يُطالب بحقوقه بكلِّ جُرأة، والإمارة الإسلامية مستعدَّة لتلبية جميع الطلبات الإيجابية.

وتمَّ بث لقاءات مصوَّرة مع النساء بعد سيطرة طالبان للحديث عن انطباعاتهنَّ عن الأوضاع في ظل سيطرة قوات إمارة أفغانستان الإسلامية، وشعورهنَّ بالأمان وقدرتهن على الخروج إلى الأسواق.

وحين انهالت مجموعة من النساء بالسب والشتم والتهديد على مجاهدي الإمارة الإسلامية في العاصمة كابل في 20 أغسطس 2021، بغرض استفزازهم حتى يوثِّقن ذلك ويستخدمنه في تشويه سمعة الإمارة الإسلامية. قالت طالبان إن المجاهدين استقبلوا هذا الكمَّ الهائل من الشتائم والتهديد بالابتسامة والتغاضي.

وفي المقابل سُمح بمسيرات نسائية في مختلف ولايات أفغانستان، تعلن عن تأييدها للنظام الإسلامي والحجاب، وترفض التبرج والسفور تحت غطاء الديمقراطية، وتطالب بحقوق المرأة في ضوء الضوابط والأحكام الشرعية والقيم والمبادئ الدينية.

وصرَّح وکيل وزارة الثقافة والإعلام “ذبيح الله مجاهد”، بأن هناك ضرورة للنساء في عدد من الدوائر الحكومية مثل: (الصحة، والتعليم العالي، والمدارس، والشرطة، والادعاء العام، والمحاكم)، وقد باشرت النساء أعمالهن في بعض الدوائر بالفعل، وقريبًا سيبدأن فعالياتهن في بقية المجالات أيضًا. وقال إن موظفات وزارة (شئون المرأة) سيتم توظيفهن في بقية الدوائر الحكومية، كما سيصرف لهن رواتب الفترة الماضية أيضًا.

وتم تتويج هذه الصورة الجديدة المتعلِّقة بالمرأة بصدور مرسوم خاص من قبل سماحة أمير المؤمنين بشأن حقوق المرأة في 3 ديسمبر 2021، الذي قَرَّر أنه يتوجَّب على جميع المسئولين، والعلماء الكرام، ووجهاء القبائل اتخاذ خطوات جادة بشأن ضرورة مراعاة الحقوق التالية للمرأة، وأخذ المرسوم يعدِّد عددًا من هذه الحقوق التي شملت اشتراط رضى المرأة البالغة في النكاح وعدم إكراهها عليه. ولا يحق لأحد أن يزوجها مقابل حل النزاع فهي ليست مالًا. كما أن المرأة المتوفى عنها زوجها، حرة في تحديد مصيرها بعد انقضاء عدتها (أربعة أشهر وعشرة أيام أو وضع الحمل)، ولا يحق للحمو (أخ الزوج) ولا لغيره أن يتزوجها رغمًا عنها، بشرط أن يُراعى في ذلك الكفاءة وعدم وقوع الفتنة أو الفساد. وليس لأحد أن يمنع المرأة من أخذ نصيبها في الإرث.

وتضمَّن المرسوم توجيه جميع المحاكم لتسجيل الدعاوى المتعلِّقة بحقوق النساء وخاصة الثكالى منهن بشكل أصولي، حتى لا يشعرن باليأس في سبيل الحصول على حقوقهن ودفع الظلم عنهن. وعلى حكَّام الولايات والمديريات أن يتعاونوا مع الوزارات المذكورة والمحاكم في تطبيق جميع بنود هذا المرسوم[11].

وبالنسبة للطوائف الأخرى حرصت طالبان على ترك انطباعات جيِّدة لدى أتباعها، وأبرزت تعليقات قادتهم، مثل: رئیس معابد السیخ والهنود في کابول الذي قال: نحن في أمن وأمان، لا نشعر بأي خوف أو قلق. قبل ذلك کان هناك خوف وقلق عند الناس علی أرواحهم وأموالهم، والآن لیست هناك مشاکل، نحن مطمئنون.

وأبدت طالبان أيضًا اهتمامًا بالمجال الرياضي، فالتقى عضو المکتب السياسي للإمارة الإسلامية (أنس حقاني) في 22 أغسطس 2021 بكابتن المنتخب الوطني للكريكت، في العاصمة كابل، وتحدَّثا حول البرامج المستقبلية، وسبل تحسين المستوى والأداء الرياضي لدى الفريق. وفي 21 سبتمبر 2021 تمَّ تعيين رئيس للجنة الأولمبية، وتم تنظيم العديد من المنافسات الرياضية المختلفة.

افتتحت طالبان كذلك عددًا من المتنزهات والملاهي بعد إصلاحها وإعادة بنائها.. مثل منتزه ومدينة للملاهي في ولاية قندوز شمال أفغانستان.، بالإضافة لتدشين بناء مركز ترفيهي لذوي الاحتياجات الخاصة في حي “المهدي” بمنطقة “جبرييل” بمدينة هرات، ويعتبر هذا المشروع الأول من نوعه في الولاية. وطلب رئيس دائرة الثقافة والإعلام بولاية هرات من المؤسسات الخيرية والأثرياء أن يساهموا في بناء هذا المشروع قدر استطاعتهم.

خاتمة- طالبان والتحديات: تقدير وتقييم

استعرض التقرير بعض جوانب صعوبة الأوضاع في أفغانستان مع لمحة تاريخية لها، من أجل إدراك طبيعة التركة التي ترثها طالبان، كما استعرض كيفية تعامل طالبان وتفاعلها مع هذه التحديات والصورة التي تقدِّم بها نفسها وما تراه من أولويات، وفي ظل هذه المعطيات السابق ذكرها يمكننا أن نوجز نظرة عامة للتحديات والتعامل معها من جانب طالبان في الفقرات التالية:

1- التحدي الاقتصادي

يعتبر تحدِّي تحسين الأوضاع الاقتصادية من أهم التحديات التي تواجه طالبان وسلطتها الجديدة على أفغانستان، في ظل أهمية إحداث طالبان لتوازن في علاقاتها الخارجية مع الصين وروسيا من جهة وأوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى، فضلًا عن توازنات الإقليم في التعامل مع باكستان وإيران والهند، فكيف ستتعامل طالبان في ظل حالة العزلة الرسمية المفروضة عليها من جميع هذه الأطراف، التي تتعامل بها من باب التعامل مع أمر واقع دون أن تعترف بها، فيترتَّب على هذا الاعتراف التزامات بتقديم مساعدات أو إبرام اتفاقيات طويلة المدى في القطاعات الاقتصادية والتنموية وتمويل المشروعات المختلفة بشكل جدِّيٍّ يؤدِّي إلى تحسين حقيقي في الأوضاع المعيشية للمواطنين الأفغان، والأهم ما هي الأثمان التي ستضطر طالبان لدفعها لهذه الأطراف سواء كانت تنازلات سياسية أو وطنية أو ميلًا لطرف على حساب طرف، وهو ما سيجعلها تدخل في سياسة محاور يدرك قادة طالبان مدى خطورة الانزلاق في الانتساب لأيٍّ منها، ولكن في الوقت نفسه ستحرص كل الأطراف على ربط مساعداتها ومشاركتها في التنمية على مقابل باهظ تدرك أن طالبان قد تضطر لدفعه في مقابل توطيد أركان حكمها، وهذه هي المعركة الحقيقة التي سيتعيَّن على طالبان خوضها بين أشواك المجتمع الدولي الذي ستتعامل معه.

يتبنَّى خطاب طالبان لوم الغرب وإلقاء التبعة عليه فيما يتعلَّق بالأزمة الإنسانية والاقتصادية بأفغانستان، فطالما أنه هو الذي تسبَّب باحتلاله للبلد في سوء أوضاعها، فإن توقُّفه عن منح المساعدات هو سبب هذه الأزمة. المتحدِّث باسم طالبان، سهيل شاهين، يوجه أصابع الاتهام إلى المجتمع الدولي، ويخبر مراسلة بي بي سي أن معاناة الشعب الأفغاني نتجت عن تصرُّفات الغرب. ويضيف “إذا كانوا يقولون إن هذا البلد يتجه نحو كارثة ومجاعة وأزمة إنسانية، فمن مسئوليتهم اتخاذ إجراءات مناسبة لمنع كل هذه المآسي”. ويرى أن “على المجتمع الدولي والدول الأخرى التي تتحدَّث عن حقوق الإنسان… أن تعيد النظر في الخطوات التي اتَّخذتها وأدَّت إلى أزمة إنسانية في أفغانستان”. ويتَّفق معظم المراقبين على أن حلَّ هذه المشكلة سيأتي من التمويل الدولي، ولا شأن يتَّضح فيه هذا أكثر من الاقتصاد، فعندما انقطعت صنابير المساعدات الدولية، انهار الاقتصاد[12]. على سبيل المثال قطعت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID تمويلها منذ 22 نوفمبر 2021 بالرغم من استئناف أفغانستان علاقاتها التجارية وحركة الطيران بها، مما أثار قلق المقاولين وسيزيد من معاناة الشعب الأفغاني[13].

وتُعد أفغانستان من الدول الحبيسة القليلة في العالم، حيث لا منفذ لها على البحر، وهو ما يجعلها أسيرة الدول التي توفِّر لها هذه الإطلالة، ولكن بقدر ما تحتاج أفغانستانُ باكستانَ في المنفذ البحري، تحتاج باكستانُ أفغانستانَ في توفير عمق عسكري بمواجهة الهند، بالإضافة إلى تهدئة عرقية البشتون في باكستان، والذين يشكِّلون حوالي 40 مليون نسمة، بالإضافة إلى قدرة موقع أفغانستان على تقديم خطوط ترانزيت لها ولحلفائها، للوصول لأسواق آسيا الوسطى وما بعدها من أسواق.

على سبيل المثال هناك مشروع مارشال الصيني الاقتصادي العالمي للوصول إلى الأسواق العالمية لتسويق بضائعها ومنتوجاتها، المعتمد على استئناف خط الحرير القديم، أو ما بات يعرف اليوم بـ”طريق واحد.. حزام واحد”. وقد كلّفها مئات المليارات من الدولارات للاستثمار في بنى تحتية في باكستان وأفغانستان وإيران؛ أملًا في الوصول إلى أسواق آسيا الوسطى، ومن ثم إلى المنطقة العربية فإيران وتركيا وأوروبا[14].

2- تحدي التماسك التنظيمي والاجتماعي

من التحديات المهمَّة أيضًا الحفاظ على الوحدة والتماسك التنظيمي داخل الحركة والمجتمعي داخل الدولة والمجتمع، فهذا الوجه الموحَّد الذي بدتْ عليه طالبان والتماسك الذي ظهرت به طوال السنوات الماضية وحتى أثناء مفاوضاتها مع الأمريكيين المحتلين لأفغانستان وما كان يمكن أن يثيره هذا المسلك من انشقاقات واعتراضات، فإن ذلك لم يحدث إلا بشكل محدود.

لكن بعد سيطرة طالبان على أفغانستان وانتصارها، تُبرز أصوات غربية وجود تنافس حادٍّ على القيادة بين التنظيم التقليدي لحركة طالبان وحليفتها شبكة حقاني التي يتزعَّمها سراج الدين حقاني الذي تولَّى حقيبة الداخلية في حكومة تصريف الأعمال التي أعلنت عنها طالبان.

الصحفية الأسترالية لين أودونيل مديرة مكتب وكالة الأنباء الفرنسية ووكالة الأسوشيتد برس في أفغانستان بين عامي 2009 و 2017 كتبت مقالا في مجلة السياسة الخارجية Foreign Policy تحدَّثت فيه عن هذا الصراع، بين اثنين من كبار الشخصيات في طالبان: الزعيم السياسي عبد الغني برادر، الذي شارك في تأسيس طالبان مع الملا محمد عمر، وسراج الدين حقاني الذي يرأس شبكة حقاني، تقول إن الانقسام يتَّسع بين برادر، الذي أبرم ما يسمى باتفاق السلام في عام 2020 مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وحقاني، الذي شن هجمات انتحارية في ساحة المعركة الأفغانية. قال رحمة الله نبيل، الرئيس السابق للمخابرات للحزب السابق، إن برادر، نائب رئيس الوزراء المؤقت الآن، يُنظر إليه على أنه “رجل أمريكا”، بينما يمثل حقاني، القائم بأعمال وزير الداخلية، الوجه الأكثر معاداة للغرب في الجماعة، والذي يروق لباكستان. ويتم في هذا السياق تفسير هجوم على مستشفى عسكري في كابل، أدَّى إلى مقتل حليف حقاني، حمد الله مخلص، قائد الفيلق العسكري في العاصمة[15].

لا يمكن الجزم بمدى دقَّة هذه المعلومات التي تحرص طالبان على نفيها[16]، ولكن لا يمكن استبعادها من قراءة المشهد الأفغاني الجديد، وهو سلوك معتاد يظهر بين المنتصرين بعد الوصول إلى السلطة، وهو تحدٍّ لا شك أن طالبان ستتعرَّض له إن لم تكن تعاني منه فعلًا الآن.

3- تحدِّي التعامل مع الجماعات المسلحة وتنظيم الدولة والقاعدة

تقلِّل طالبان من خطر تنظيم الدولة ويقول مسئولوها إن الحرب في أفغانستان قد انتهت أخيرًا وإنهم جلبوا السلام والأمن إلى أفغانستان وأي شيء يقوض هذه المقولة غير مرحب به.

يحمل تنظيم الدولة في أفغانستان اسم “الدولة الإسلامية -ولاية خراسان” وخراسان هو الاسم القديم لآسيا الوسطى التي تشمل عدَّة دول ومن بينها أفغانستان. وأكد التنظيم وجوده لأول مرة في أفغانستان عام 2015 ونفَّذ هجمات في السنوات التالية، لكن منذ استيلاء طالبان على السلطة شنَّ هجمات انتحارية في مناطق من البلاد لم يسبق أن نشط فيها التنظيم.

لقد شَنَّ التنظيم هجمات دامية على مساجد للأقلية الشيعية في مدينة قندوز الشمالية ومعقل طالبان في قندهار. وتكمن المخاوف من نجاح التنظيم في تجنيد بعض المقاتلين الأجانب من آسيا الوسطى وباكستان المتمركزين في البلاد بالإضافة إلى أعضاء طالبان المحبطين إذا تحولت الحركة إلى فصائل متنافسة في المستقبل، خلال الأيام الأخيرة استسلم العشرات من أعضاء التنظيم لقوات طالبان في ننجرهار[17].

4- تحدي استمرار طالبان في الحفاظ على صورتها الجديدة واكتساب الشرعية الدولية

وإذا كانت طالبان قد قدَّمت بعض السلوكيات والمواقف التي بدتْ فيها مثالية إلى حدٍّ كبير، خاصة في مجال الحقوق المالية رغم الضائقة الاقتصادية كتأجير بيوت المهاجرين الذين تركوها وحفظ عوائد هذا التأجير بالابنك المركزي لحين عودتهم لأفغانستان، وكذلك في مجال حقوق الإنسان عمومًا رغم حداثة سيطرتهم الحالية على السلطة وتزايد احتمالات التربُّص بهم من خصومهم، فإن التقارير التي تصدر عن هيئات ووسائل إعلام كبيرة وتنقل صورة مغايرة تحتاج إلى موالاة في تفنيدها بوثائق وإحصاءات، مثل تصريح نائبة رئيسة مفوضية حقوق الإنسان بالأمم المتحدة التي تحدَّثت عن مقتل ثمانية نشطاء أفغان منذ أغسطس الماضي واحتجاز عشرات بصورة غير قانونية[18].

لا شكَّ أن طالبان قدَّمت صورةً جديدة بل ورشيدة ومهنية، فرضت نفسها حتى على عددٍ من وسائل الإعلام التي ربما تتحيَّز ضدها، فتم توثيق الترحيب الكبير بوصولهم إلى السلطة، وإقرار التجار والمواطنين باستتباب الأمن وعدم وجود من يحصل منهم على رشاوى وإتاوات، بعد أن كانوا يدفعون سابقًا في ظل الحكومة السابقة[19]. لكن سيظل استمرار هذه الحالة رهنًا باستقرار الأوضاع الاقتصادية وزيادة معدلات النمو والتنمية الاقتصادية وحفظ الأمن، والمؤشرات الواردة حتى الآن مقلقة وغير مبشِّرة، باستثناء بعض الجهود المبذولة من بعض الدول الإسلامية خاصة قطر وتركيا وباكستان، وغيرها. لكن هل تكفي؟

سؤال ينتظر إجابة خلال الشهور وربما الأعوام القادمة عن مدى نجاعة هذه الجهود، وقدرتها على جلب اعتراف دولي وأممي بحكومة طالبان بما يجعلها عضوًا طبيعيّا في المجتمع الدولي، وتحصل أفغانستان بموجب ذلك على أرصدتها المجمَّدة وتيسير التعامل الدولي معها بما ينعكس بصورة إيجابية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للشعب الأفغاني، وعلى قدرة طالبان على مواجهة التحديات الداخلية بكفاءة أكبر.

======================

الهوامش

[1] Clara Albrecht, Britta Rude and Tanja Stitteneder, Afghanistan’s Free Fall – Return of the Taliban and Flight as a Last Resort, CESifo Forum, ifo Institute – Leibniz Institute for Economic Research at the University of Munich, November 2021, Vol. 22, Issue 6, pp. 47-56, available at: https://bit.ly/3mxAwuO

[2] Rory Stewart, The Last Days of Intervention.. Afghanistan and the Delusions of Maximalism, Foreign Affairs, November/December 2021, available at: https://fam.ag/3prfYWT

[3] Yaroslav Trofimov and Margherita Stancati, Taliban Covert Operatives Seized Kabul, Other Afghan Cities From Within, Wall Street Journal, 28 November 2021, available at: https://on.wsj.com/3FxQT28

[4] Andrew Hoskins and William Merrin, Remember Afghanistan?, Digital War, Vol. 2, Issue 1-3, December 2021, Published online: 18 November 2021, pp. 1-8, available at: https://cutt.us/8ShrM

[5] أحمد موفق زيدان، دروس أفغانية للثورة السورية، عربي 21، 23 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3EtqhxK

[6] أحمد موفق زيدان،  طالبان.. تحديات وفرص ما بعد الانتصار، عربي 21، 13 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3mx3Ce7

[7] حساب الإمارة الإسلامية على موقع تويتر: https://twitter.com/alemara_ar

[8] لمزيد من إلقاء الضوء على تجربة طالبان السابقة في الحكم، انظر:

– مدحت ماهر الليثي ومحمد صلاح عبد العال، الإسلاميون وبناء الدولة في أفغانستان: أين الخلل؟، حولية أمتي في العالم (السياسات العامة في نظم ومجتمعات العالم الإسلامي: نماذج وخبرات)، كتاب غير دوري يهتم بقضايا العالم الإسلامي، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، دار المفكرون الدولية للنشر، 2020)، ص ص 417-439.

[9] Frances Z. Brown, Aiding Afghan Local Governance: What Went Wrong?, Carnegie, 8 November 2021, available at: https://bit.ly/3qo0vGu

[10] قارن مع الموقف من آثار باميان إبان الإمارة الطالبانية الأولى، في: مدحت ماهر، أفغانستان والجوار: السياسات والانعكاسات والدلالات، حولية أمتي في العالم، العدد الخامس، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2002)، ص ص 175-176.

[11] مرسوم سماحة أمير المؤمنين بشأن حقوق المرأة، موقع justpaste.it، 3 ديسمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي:

https://justpaste.it/82lq4

[12] أفغانستان تحت حكم طالبان: ما حال الأفغان بعد 100 يوم من تولي الحركة مقاليد السلطة؟، BBC عربي، 23 نوفمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/zaZuV

[13] Alexander Ward, Pause in USAID’s Afghanistan funds rankles contractors, Politico, 24 November 2021, available at: https://politi.co/30WW8cz

[14] أحمد موفق زيدان، لعبة الجغرافيا الاقتصادية في أفغانستان، عربي 21، 9 أغسطس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3Fp8YiO

[15] Lynne O’Donnell, Taliban Splintered by Internal Divisions, External Spoilers, Foreign Policy, 12 November 2021, available at: https://bit.ly/3szEVBy

[16] نشر حساب (الإمارة الإسلامية) على موقع تويتر تغريدة في 15 سبتمبر 2021، جاء فيها: منذ أيام يتم تداول شائعات في مواقع التواصل الاجتماعي من قبل بعض الجهات المغرضة، حول إصابة الملا برادر آخند نتيجة نزاع داخلي في القصر الرئاسي و… إلى غير ذلك من الترهات والأكاذيب. وقريبًا سيتم بث لقاء حصري مع السيد (الملا برادر آخند)، للرد على جميع تلك الشائعات. متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/bixkH

[17] سيكوندر كيرماني، أفغانستان تحت حكم طالبان: المعركة الشرسة خلف الستار بين طالبان وتنظيم الدولة الإسلامية، BBC عربي، 30 أكتوبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/4LyTw

[18] هاجر العرفاوي، هل يفجر تجاهل أفغانستان الأوضاع الإنسانية؟، الشرق، 16 ديسمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3er9p06

[19] محمد فرحات، تجار أفغانستان سعداء تحت راية “طالبان”.. ضحايا الإتاوات الهاربة، العين الإخبارية، 6 سبتمبر 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3sAygXI

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى