د. منى أبو الفضل

منى أبو الفضل: الوسطية مشروع لا موقف

تعتبر الدكتورة – منى أبو الفضلأستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة- أول من أصل للمنظور الحضاري الإسلامي وطرحه كاقتراب منهجي في دراسة العلوم السياسية..

كتاباتها تنويعية على معزوفة التجدد الحضاري، ومن أبرزها كتاب “الأمة القطب” الذي ظهر عقب الثورة الإيرانية.
إنها نموذج للرائدة التي لا تكذب أهلها منهجيا ولا معرفيا، تشربت وتمثلت قوام حضارتها؛ فخرج مشروعها فيه شفاء للعقل والوجدان الإسلامي من سيطرة الآخر معرفيا ومنهجيا.
وفي حوارها مع “إسلام أون لاين.نت” ترفع الملام عن الوسطية وتضعها داخل مدارها الحضاري كحالة ونموذج وموقف وليس كوسط أو متوسط حسابي، وهو ما يطرح ضرورة بناء نماذج معرفية تنطلق من رؤيتنا الحضارية الإسلامية، وهو ما يوفر مظلة آمنة لإعادة بناء مفهوم الوسطية من جديد.
محنة المفهوم
*
الوسطية.. ماذا بقي من المفهوم بعد هذا التداول والتدويل في التوظيف والمعنى والتنقل الزئبقي بين المدارس التي تتبناها، والمسارات المختلفة التي توظفها.. فالكل يشهر المفهوم بحسبانه رمز الاعتدال ضد الغلو.. ألم يأن للوسطيين أن تخشع تفسيراتهم لمنهج واضح؟! فالمصطلح يحتاج إلى تحرير محدد يقيه عمليات “التشنيع” التي باتت تسمه بأنه صار مصطلحا سيئ السمعة؟
كون جميع الأطياف السياسية تحاول تبني مفهوم الوسطية يبرز القيمة التي تكاد تكون فطرية وإنسانية له؛ فتبني الأحزاب: الجمهوري والديمقراطي في أمريكا وأحزاب المحافظين والليبراليين والعمال في إنجلترا يعني عمليا تراجع فكرة الثورية والراديكالية التي كان يتشدق بها أي نظام سياسي جديد؛ بما يعني أنه يتخذ القيم الوسطى فضيلة أيا كان اتجاهه، وعادة مَن يكونون على حافة الاتجاهات المختلفة هم أقليات، وكأنه يوجد نظام فطري يجعل المواقف السياسية كالنظام الفطري يميل للاحتماء بالوسطية.
ونحن إذا فكرنا فلسفيا فسنجد الوسطية كأنها متوطنة في أصل الأشياء، وهو ما عبر عنه أرسطو بما سماه “الوسط الذهبي”، وسواء في الفلسفات القديمة أو الحديثة أن نجد لسبب أو لآخر البشر في سلوكهم يميلون للاحتماء بالوسط، وعندما ننظر فيزيائيا أو واقعيا فإننا بحكم طبيعة السنن والقوانين الكونية إذا تمايلنا باتجاه الأطراف فسنكون معرضين للانحراف بشكل أكثر أو السقوط لذلك نفس الميزان الكوني يبحث عن الوسط؛ فكأن العالم المعنوي كالعالم الطبيعي يكون أميل لنقطة التوازن.
نقطة التوازن تترجم في العالم المعنوي والأخلاقي، وعندما يقال الميزان رمز الوسطية في ذاتها أو في القيمة وتوازن انحرافاتها فسنجد أنه لا يمكن أن نحدد قيمة الانحراف القيمي إلا داخل كون خاضع لسنة الانضباط والاعتدال، وتصبح وسطية القيمة في توسطها أحيانا انحراف اتجاهين ومقابله رد فعل يقتضي اتخاذ خطوط أميل للانحراف حتى يعود الأمر للاعتدال مجددا أو لعملية التوازن.
وإذا تأملنا مفهوم الوسطية والميزان فسنجد أنه ينجم عنها ما نسميه الاستقرار الحميد وليس الاستقرار المرتبط بالجمود أو السكون؛ إذ إن كل شيء لابد أن تكون فيه حركة لأنها دليل الحياة.
*
هذا على الصعيد القيمي والفلسفي، ولكن ماذا عن التوظيف السياسي للمفهوم وتحديدا في العالم العربي؟
إذا انتقلنا للعالم العربي فسنجد هناك التوظيف الانتهازي على المستوى السياسي من قبل أطراف معروفة بأنها تفتقر إلى القيم، وهذه تقوم بعملية يمكن أن نسميها “تلبيس إبليس” وفقا للتعبير التراثي، وقوامها تحوير وقلب دلالي للمفاهيم، إنها عملية أشبه بالنفاق تجد نموذجها في مثال “العجل الذهبيالقرآني، الذي ظاهره براق وخادع على حين يحمل باطنه الخواء والفراغ بحيث إذا نفخ فيه الهواء أحدث صوتا مدويا، ولكن لا يمكن أن نعتد به.
وإسقاطا على واقعنا؛ جاء السادات وأعلن أنه ونظامه السياسي يمثلان الوسطية، ولكن هذه الوسطية لم تترجم سياسيا في واقع ملموس، ثم استولت على المفهوم مجموعات أخرى ادعت تمثيلها له، وتوالت الجماعات التي استولت عليه، لذلك ينبغي أن ندقق في المجموعات التي تعلن تبنيها للمفهوم، ولا يجب أن نستقي الصفة أو التقويم من جهات مطعون بها؛ لأن الصفة تكتسب مصداقيتها وقيمتها من الجهة أو الجهات الصادرة عنها، ولذلك من الطبيعي ألا يكون لأي تقييم وزن إلا إذا كان صادرا من جهة لها حيثيتها وقيمتها.
والوسطية قيمة لا تخص المجال السياسي دون غيره؛ إذ هي جزء من منظومة من يحاول التركيز على السياسة؛ فإن السياسة بطبيعتها صراع يعتمد على الكلام كأحد الأسلحة المتاحة، وهذا للأسف عالم النفاق الذي يعتمد على من يمتلك قدرًا أكبر من الانتهازية، ولذلك فإنه من الحرام -وهنا لغة حرام بمعنى غير المقبول وغير الصالح وأنه غير مقبول عقلا ومنطقا- أن ننتقي بعدا واحدا من أبعاد الوسطية الاعتدال الميزان ثم نخص به مجالا معينا دون آخر.
الجانب القوي يعطي نوعا من المصداقية، كما أن الوسطية أو العدل يرتبط بصفات البعد عن الانحرافات والتطرفات، أي البعد عن الميزان الذي به تستقيم الحياة أيا كان المجال.
*
إذن هنا ينبغي أن نطرح سؤالا هاما وهو: كيف نميز بين المفهوم في أصله والمفهوم المزيف الذي أخضع لعملية تشويه سياسي؟
البعد الذي يمكنه منح هذا المفهوم ثقله ومصداقيته ويدعم صلاحيته هو البعد التقويمي، وأن تكون إجراءات تقويمه مرتبطة بأبعاد الحياة المختلفة سلوكا وفلسفة وفكرا.
وليس هناك من شك أن الدستور والمعيار أو المصدر لتحديد هذا المفهوم يجب أن يكون معيارا شاملا وينطبق على كافة مناحي الحياة.
وأرى هنا أن مصدر هذا المعيار هو القرآن ليس فقط {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}، وإنما من أجل الشهادة؛ فالشهادة مرتبطة بالعدل في الأحكام، ومرتبطة بمجال حياتي وسلوكي، وأيضا بدور فعلي واقعي، فحتى في صياغتها في الإسلام جاءت في المجال المعنوي وفي مجال يربطها بصناعة الحياة، وهناك شيء آخر عندما نحاول أن نبحث في القرآن الكريم في مواضع مختلفة فإننا سنعثر على تناسق عجيب بين أمة وسط لا تقطر ولا تبذر وبين ذلك قواما.
فالوسطية تتجلى في مجالات مختلفة من السلوكيات في الحياة لها نفس القيمة، وهي تشكل العمود الذي هو فلسفة وممارسة معا في وحدة لا تتجزأ.
الموقف والمشروع
*
البعض اكتفى من مفهوم الوسطية بالتوسط الميكانيكي بين النقيضين لا إفراط ولا تفريط، دون تعميق عدد من القيم الإسنادية الحاضنة لمركزية الوسطية بحيث تتحول بهم ومعهم من مجرد موقف إلى مشروع!
نحن الذين اكتفينا بقيمة واحدة، ونحن من جزأ القيمة، ونحن من رصدها من بعد واحد؛ إذ العيب ليس في المفهوم وإنما فيمن يفهمه فهما خاطئا، فإذا أردنا فهمها ففي القرآن تفصيل وبيان للأمة الوسط، والوسط الذي توصف به الأمة هو وسط جامع وهنا قوة وإعجاز القرآن؛ فالقرآن ليس معجم ألفاظ، ولا ينظر إليه مجزأ في مجال واحد، ولكن القرآن في مجال الوسطية كل منا باجتهاده يستطيع أن ينظر إلى القرآن في مواضعه المختلفة من منظور الوسطية ليجد في القرآن تفسيرًا كاملا للوسطية داخل تعدد المواقف وفي المجال الذي أنظر من خلاله.
وعلى سبيل المثال الآية؛ فإن الآية الافتتاحية في سورة البقرة {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تعني أن كل القرآن هدى، لكن حضور كلمة هدى في البدء يعني أن كل الآيات التالية الواردة بين دفتي المصحف هي هذا الهدى، بمعنى أن الآية إجمال سيتلوه تفصيل وبيان وهذا من إعجاز القرآن، إجمال يعقبه بيان.
فالقرآن في حيويته وإيقاعه يشتمل على إحكام وتفاصيل تتابع الآيات في القرآن الكريم مرتبطة بإيقاع القبض والبسط التفصيلي، ففي القبض هناك الخلاصة المركزة وتأتي التفاصيل في مواقف متعددة في أوجه مختلفة من الحياة، وهي تبدأ في سورة البقرة مع قوله أحل لكم كذا وكذا بطريقة سردية، وهي بدورها تتراوح بين التفصيل والإحكام، ولكن الإحكام أو التفصيل بدورهما نسبيان؛ فهناك تفصيل تفصيلي وهناك أيضا ما يقع بين التفصيل والإجمال، وبين الإحكام والتفصيل، فهناك مجال متسع لفهم واستيعاب المعاني.
ويتوقف هذا على أننا قد نضل في المعنى عبر التفصيل، أو نحظى بالإصابة في الفهم والإدراك، وهذه الإصابة تتوقف على جهاز آخر كالوارد في المحكم والمتشابه؛ فالذين في قلوبهم زيغ يتوهون في أفعال الإدراك في القرآن الكريم التي لا تعتمد على إدراك اللغة وحدها، وإنما على عدة قابليات للإدراك.
وسطية العقل والقلب
*
هل نفهم من هذا أن الوسطية كمفهوم يمتد في مساحات ومجالات أخرى ممتدة بحيث تشمل المجال المعرفي والوجداني؟
تأمل فكرة زيغ القلب وهي من إعجاز القرآن وفصاحته المبينة، ووفقا للغة العربية فإن القلب يشمل العقل والوجدان معا وهما صلب القلب، ولذلك نحن ليس لدينا في نموذجنا المعرفي تلك الخبرة التي يمتلكها الآخر؛ وهي أن الإنسان مكون من عقل، وهو بدوره منفصل عن العواطف والأحاسيس، ونحن في الإسلام لا نقصر أدوات الفهم والإدراك على العقل وأدواته فحسب، ومن ثم ليست هناك عقلانية بالمعنى الغربي التي جعلت من العقل وثنا، والتي هي صفة التجزيء في الإنسان وتحويله إلى أجزاء منفصلة ومبعثرة لا جامع بينها؛ فأصل لغتنا التي هي أساس الفهم والإدراك والرؤية أنك لا تستطيع أن تفصل فيها القلب والجسد.
إن جهاز الإدراك متلبس وكامن في وحدة الإنسان وفي صورته العملية؛ فهناك الصلاة التي هي حركات جسدية واستكانة نفسية وروحية سكينة وتأمل، وهنا تتجسد وحدة الإنسان الكاملة.
وعند هذه النقطة ينبغي أن نشير إلى أن التراث الإسلامي لم يعرف فلسفات الحلول التي عرفتها حضارات أخرى، وهي ناتجة عن اعتبار هذه الفلسفات أن الروحي هو ضد الجسدي بالضرورة الجسدي، وللأسف فإن بعضا من مصطلحات هذه الفلسفات وجدت في بعض التراث الإسلامي تأثرا بغلبة الفكر الفلسفي اليوناني والروماني.
الوسطية.. والطريق الثالث
*
جزء من محنة مفهوم الوسطية على مستوى الإدراك المفاهيمي والممارسة ومحاولات البعض ربطه ببعض المفاهيم الغربية الرأسمالية والاشتراكية (الطريق الثالث)، وتم الزج بالوسطيات داخل الوسطيات.
هناك باستمرار محاولة للبحث عن الطريق الثالث في المنظومات التي تسمح بطبيعتها بوجود الفكرة ونقيضها، فهناك تنشأ حاجة فطرية للبحث عن الطريق الثالث الذي يوصف بأنه الوسط، فكل ما يوصف بالطريق الثالث وتحت مسميات مختلفة هو نوع من دفعة حياة في طريق الوسطية؛ فإذن عندما نقول الإسلام دين الفطرة فكأن الفطرة هي توخي شيء سليم يخرج من مآزق، ولذا ترجم في الفلسفة السياسية حديثا وقديما باسم (Golden Mean) أو “المتوسط الذهبي” كما عبر عنها أرسطو.
وأرسطو يختلف كثيرا عن أفلاطون وسقراط، وقد استطاع أن يعبر عن الوسط؛ لأنه كان أقرب إلى الواقع.
فلسفة أرسطو مرتبطة بالمنهج الإمبريقي (التجريبي)، فهو منهج رصد ما يقع في الحياة والذي يحاول استخلاص فلسفته وحكمته منها، بينما منهج أفلاطون -مثل سقراط- قائم على أنه يبحث عن محاورات كلامية وأكثر اعتمادا على اللغة وتفكيكها أيضا وهو قريب لأفلاطون في عمليات التفكيك الكلامي واعتماد المنطق؛ ومنطلقه الفلسفي عالم الخيال والانفصال الكامل عن الواقع المعاش كأنه في اليوتوبيا Utopia وليس في عالمنا الأرضي المعاش.
*
لكن هذا يدعونا للتساؤل عن الفوارق بين مفهوم الوسطية ومفهوم الطريق الثالث؟
الفارق الأساسي أن الطريق الثالث هو الوقوف عند نقطة وسط بين طرفي نقيض، أي بين الإفراط والتفريط، وهو قائم على الاقتطاع من كلا الطرفين والجمع بينهما؛ أما مفهوم الوسطية الإسلامي فهو لا يتعامل بطريقة الوسط الحسابي الأرسطي بحيث يعد الفضيلة بأنها الوسط بين رذيلتين، إنما هو قائم على منظومة متكاملة من الممارسات والسلوكيات والأفكار التي تتفرع عن مركز ما.
وهذا المركز هو التوحيد؛ فهو جوهر الإسلام، وذروة سنامه، ولذلك يغفر الله الذنوب جمعيا عدا الشرك؛ لأن آثار الشرك أصداؤها أنها -شعوريا أو لا شعوريا- تؤثر في مجالات مختلفة؛ لذلك أنا اعتبر أن أمة الوسط يمكن فلسفتها في جوانب مختلفة، لكن بدون عمود التوحيد لا يوجد وسط؛ فتكون كلها مواقف قابلة على المستوى السياسي –مثلا- تنقلب إلى انتهازية، وأيضا اعتبر أن عدم تحديد الوسط من مدخل اللغة والمصطلحات والتعريفات الحدية أنها من إعجاز القرآن؛ حيث إنه يخلق مجالا حيويا فيه اتساع ولا يحكم البشر بمواصفات ضيقة يخرج منها عقول أكثر ضيقا، وإنما هو مفتوح للحياة.
*
هذه السيولة الدلالية والمراوحة ألا تحتجز المفهوم في خانة التميع واللايقين؟!
بالتأكيد لا؛ هي مرونة وعدم التحديد أو قل التقييد، هي من أهم مميزات الدين الباقي، ومن الضروري أن نشير مثلا إلى أن الدين ليس هو الشريعة وليس هناك المقابلة بين الحلال والحرام بالشكل الحدي القطعي، وإنما لدينا خمسة مستويات (مندوب وواجب…)، وهناك تداخل فيما بينها، تداخل يتشابه مع الأمة التي هي مكونة من أجناس ودوائر مختلفة: الدائرة الإفريقية والدائرة التركية.
إذن الحياة ليست هي الاستقطابات الثنائية، وليست هي اللونين الأسود والأبيض فقط، فإن هذه النظرة تولد الجمود.
التحديات إذن غمرت الحياة وستشكل أمراضا في النفوس والعقول وستولد أيضا التطرف.
إن النفس السوية هي النفس المنفتحة الأفق، ولذلك من خصائص الأمة التي تتكون من شعوب مختلفة وجغرافيا ممتدة أن تكون حاضنة لمفهوم الوسط الذي يستطيع أن يوحد ويمزج هذه العناصر المختلفة.
*
ختاما دكتورة منى.. من الوسط.. الأمة أم الدين؟
هذا يسير للغاية؛ حيث إن الله يقول: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ}، فليس هناك إلا دين واحد، فكيف تكون الوسطية عندئذ؟! أما الأمم فهي متعددة وكثيرة لذلك هناك أمة وسط بين الأمم.

حوار – مصطفى عاشور وفاطمة حافظ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق