تقارير ودراسات

مشروع إعادة بناء المجال السياسي المصري

مشروع إعادة بناء المجال السياسي المصري

في ضوء امتداد ثورة 25 يناير

 

27/02/2011

 

انطلاقًا من طبيعة ثورة الشعب التي فجّرها شباب مصر الواعي الباسل، ومن كونها ثورة الجميع وللجميع، وأنها تستمر بجهد الجميع، وتتجسد فيها سائر عناصر الشخصية المصرية الأصيلة وجذورها القيمية والمعنوية، يجب أن يُستحث السعي إلى إنجاز مشروع نهضوي وتنموي شامل تنتظم فيه سائر قطاعات الشعب وقواه، وبما يتجاوز الثنائيات والإقصاءات  ويؤسس للوحدة في إطار التنوع والتعدد، ويمهد للفاعلين في المجالات الحياتية المختلفة.

 

وكما توحدت الدوافع التي فجّرت الثورة، والتي تجسدت في قيم اتفق عليها الجميع من رفض القهر والاستبداد، وضرورة استعادة الكرامة المهدرة، واستعادة مكانة المواطن والوطن، وتجاوز الانتماءات الضيقة الحزبية والطائفية، والأمل في حياة كريمة، يجب أن تستمر هذه الدوافع وهذه الوحدة في سائر قطاعات الحياة المصرية وأن تفرز ثقافاتها في الاقتصاد والاجتماع والثقافة.

ومن هذا المنطلق تتجلى ملامح أساسية لمشروع سياسي جمعي وتوحيدي، يجسد خصائص الثورة المصرية، ويشيد بنيانًا اجتماعيًا وسياسيًا غير استقطابي ولا إقصائي، ويخرج بنا من نطاق المشروع السياسي التقليدي الراكد، الذي سيطر على رؤى المجتمع وجوانب حياته بمنظار ضيق ضعيف وخانق، ويتوجه بنا إلى رحاب مشروع سياسي جديد وإبداعي في أهدافه ومنطلقاته وأبعاده وآلياته، ورؤيته للإنسان والعالم، والوطن والمواطن، والسياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة.

يتأسس هذا المشروع الفكري لحياة سياسية مصرية على نظرة جديدة للإنسان، ومنظومة قيم يجب أن توجِّه الحياة السياسية إلى سعادة الإنسان المصري، وتقدم للأمة والعالم نموذجًا متقدمًا وراقيًا في منطلقاته وآلياته؛ سعيًا نحو إصلاح النظام العالمي والاتجاه به نحو إسعاد البشرية وتحقيق أحلامها التي لم تكن مستحيلة أو ممتنعة إلا بفعل عوامل الاستبداد والفساد والقهر والتجهيل والعدوان على الكرامة الإنسانية الأصيلة.

هذا المشروع الذي أفرزته ثورة القيم والحرية والعدالة والكرامة هو مشروع تغيير شعبي بعرض الحياة الإنسانية والسياسية المصرية وطولها ليشمل كافة مجالاتها وميادينها، ويغطي دوائر الاجتماع والاقتصاد والثقافة ويصل فيما بينها بوصال نهضوي شامل، ومن خلال برامج وخطط وأفكار إبداعية تستلهم نفس الروح التي انطلقت منها ثورة 25 يناير واستمرت تمضي بها حتى هدفها الأول، ولا تزال ماضية بها إلى غاياتها العلا.

هذا المشروع السياسي، ومن ورائه الرؤية الإنسانية والحضارية، تهدف إلى الحفاظ على خط الثورة المصرية، التي قدمت للعالم حتى الآن نموذجًا فريدًا في التغيير والتضحية من أجل الكرامة والحرية، وحتى تظل فعاليات هذه الثورة مستمرة في جوانب الوطن ونفوس المصريين، حتى بعدما ترسو مساراتها ضمن إطار سياسي منتظم، يعبر عن الثورة وكونها نقطة تحول في تاريخ الدولة والمجتمع في مصر والأمة والعالم.

من هذا المنطلق تتأكد الصلة القوية التي تبنيها ثورة 25 يناير بين المشروع السياسي وإعادة بناء الحياة السياسية الجديدة في مصر ومحو سائر سلبياتها، وبين المشروع التنموي والنهضوي الشامل الذي يمضي باتجاه كافة قطاعات المجتمع المصري الرسمية وغير الرسمية، المؤسسية والفردية، وتدفع إلى التغيير فيها من خلال منظومة القيم التي جسدتها ثورة مصر وشعبها وشبابها.

ومن هنا يجب التأكيد على مبادئ أساسية وحدود لمشروع إعادة بناء المجال السياسي المصري في داخل الحياة السياسية المصرية وطبيعة قواها وعلاقاتها البينية وتفاعلاتها، أو فيما يتعلق بعلاقات مصر مع الأمة والعالم، وسياساتها الخارجية.

 

أولا- على صعيد إعادة بناء الحياة السياسية في داخل مصر:

يتأسس المجال السياسي المصري الجديد على جملة من المعايير الأساسية التي تمثل امتدادًا لروح الثورة المصرية، وتجسيدًا لمنطلقاتها وقيمها وأهدافها وهي:

1.  العدالة هي القيمة السياسية العليا التي يجب أن تستظل بها كافة فعاليات الحياة السياسية المصرية: بحيث تُقام العدالة ميزانًا حاكمًا لكل القوى والتفاعلات، ولا يُسمح الإنسان بظلم أو اعتداء على الحقوق.

2.  المساواة الأصلية تفرض عدم التمييز بين أفراد الشعب وقواه وطوائفه وفئاته في الحقوق السياسية والإنسانية على أي أساس غير موضوعي.

3.  تحرير النشاط السياسي البنّاء من كافة القيود غير الضوابط القانونية العامة، ومن كل حَجْر تمارسه الدولة أو قوى مجتمعية ما.

4.  الانطلاق من حق الاختلاف، وأولوية التعدد والتنوع في الرؤى والأفكار والمصالح والاتجاهات السياسية، والاعتراف بحق كل كيان سياسي، والأفراد، في التعبير عن رؤاهم والدعوة لها، وتمثيل مصالحهم عبر المجال السياسي والعام.

5.  اعتبار تفعيل الحقوق الإنسانية وصيانة الحريات الأساسية للإنسان المصري كاملة غير منقوصة، هو المعيار لجودة وسلامة الحياة السياسية المصرية.

6.  تكريس حقيقة أن المشاركة السياسية والعامة من قِبل الأفراد والجماعات في تحديد منطلقات المجتمع وقِيمه وأهدافه، واجب قبل أن تكون حقًا للجميع بغض النظر عن أية انتماءات.

7.  تعزيز مكانة الهوية المصرية ذات الروافد الحضارية الممتدة عبر التاريخ، والتي عبرت عنها ثورة الشعب المصري وقيمها، وعدم السماح بمحاولات التلاعب بهذه الهوية أو دعاوى انتفائها، ترويجًا لمشروعات حزبية ضيقة، أو خارجية مفرِّقة.

8.  تأكيد الاعتزاز بالمخزون الثقافي الحضاري المصري، القادر على إفراز قيم الحياة السياسية المنشودة، والذي تجسَّد في قيم الثورة الشعبية ويجب أن يكون مرجعًا أساسيًا للقوى السياسية والمجتمعية والثقافية.

9.  حرص المد الثوري المصري الساعي إلى التجديد والبناء على عدم الانجراف إلى معارك فكرية وسياسية جانبية، لطالما أهدرت طاقات المجتمع وجهوده، وضرورة تركيز التفاعلات السياسية على ما يحقق النموذج الراقي للشعب المصري، وثورته، ويدفع للأمام المنجزات السياسية والتنموية.

10.    الحرص على تكاتف وتماسك القوى الصادقة التي أسهمت –والتي تسهم- في التغيير السياسي والإصلاح  العام، وضرورة الحذر من محاولات الالتفاف على هذا المدّ أو صرف مساره عن غاياته الحقيقية.

11.    ضرورة الانفتاح على إنجازات سائر التجارب السياسية عن العالم شرقه وغربه، والاستفادة من الرؤى والأفكار، والتجارب والآليات التي أثبتت فعاليتها ونجاحها، في ظل الوعي بمستلزمات الاستفادة عبر الحضارات والأمم.

12.    تطوير النظر إلى المجال العام بوصفه ميدانًا أوسع من المجال السياسي وحدوده، بحيث يتسع النشاط العام والفكر العام في مصر لامتدادات مجالات الحياة المختلفة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبحيث تكون الحياة تتويجًا لتفاعلات المشروعات التنموية والنهضوية وموجِّهًا لثمراتها.

13.    التأكيد على الجانب التنموي للسياسة المصرية؛ بحيث تحرص قوى الحياة السياسية على رفاهية الشعب وحفظ كرامته الإنسانية من خلال مستوى معيشة إنساني، وتأكيد دور كل فرد في المجتمع في المشروع التنموي العام.

14.    تأكيد العطاء المتبادل بين التماسك والسلام الاجتماعي وبين السياسات العامة تجاه الأسرة والطفولة والأمومة والشباب وعناية الدولة بضروريات حياة اجتماعية سليمة واحتياجاتها.

15.    تأكيد الوصل والتفاعل بين المجال السياسي والمجال الثقافي؛ بحيث تسهم السياسات الرسمية في دعم وتنمية الوعي الثقافي لدى المواطنين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى