المنطقة العربيةتقارير ودراسات

ما مصير الصفقات الإسرائيلية في فلسطين والأردن؟

مقدمة:

في الوقت الذي اتخذ فيه العالم هدنة من الصراعات الخارجية، وركَّزت كل دولة على مواجهة تداعيات جائحة فيروس كوفيد-19، نجد أن دولة الاحتلال الصهيوني، تعاملت مع الوضع كفرصة لمزيد من الهيمنة والسيطرة على الأراضي الفلسطينية، واختلاس ما بقي من حقوق شعبها.

تاريخيًّا، تتميز إسرائيل دومًا باستغلال الحدث، وإذا لم يكن ثمة حدث للاستغلال، فإنها تصنعه وتفتخر به، وحتى في حالة وجود حدث معارض لها، تتجاهله كأنه لم يكن، وليس هناك أدل من رؤية أوباما “لا مفاوضات إلا بوقف الاستيطان”، فماذا فعلت إسرائيل؟ أكملت استيطانها بكل هدوء، فكيف تترك حادثًا مثل تفشِّي فيروس كورونا، في حقبة كحقبة ترامب.

وفي المقابل وجدت السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة ومعهم المملكة الأردنية في خندق واحد، في ظل حالة من التجاهل العربي التام لهم، وهو ما دفع ملك الأردن للهجوم بقوة على سياسات الكيان الصهيوني، في وقت يعلم فيه الغرب أن الملك حسين أحد أهم دعاة السلام في المنطقة.

يبحث هذا التقرير، تداعيات فيروس كورونا على القضية الفلسطينية، وتحديدًا قضايا الضم، التي تحوَّلت إلى بوابة لقوافل التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، حيث يبحث الكيفية التي استغلَّت بها إسرائيل الجائحة، وأبعاد التطبيع العربي، ومآلاته على قضايا الضم، ومستقبل القضية وفقًا للمستجدات الأخيرة.

1- نتنياهو من صفقة القرن إلى الكورونا:

ادَّعت حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن لديه مشروعًا لتسوية الصراعات في الشرق الأوسط، وفي مقدِّمتها الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال مشروع تسوية شامل ونهائي، وقد وجدت بنود الصفقة التي أعلنها ترامب لحل الصراع حالة من الرفض الفلسطيني والأردني التام، لما تمثِّله من تهديد وجودي على القضية الفلسطينية من جهة، والأمن القومي الأردني من جهة أخرى.

حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي استغلال الحادث في توحيد الصف الداخلي خلفه، لتحقيق حلمه بضم المزيد من الأراضي، مستفيدًا من حالة الهلع التي أصابت الجميع، للضغط على خصمه السياسي بيني غانتس، ليقبل رؤيته في الضغط للمزيد من الضم، وكان لتوقيت إعلان الصفقة دلالات واضحة تستهدف مكاسب سياسية داخلية، فترامب أعلن عن الصفقة قبل الانتخابات الإسرائيلية في محاولة لدعم صديقه الصهيوني، ورغم بنود الصفقة إلا أنها لم تحدث النتائج المتوقَّعة لها، ووجد نتنياهو نفسه في مأزق عدم قدرته على تشكيل الحكومة، واضطر للدخول في انتخابات لمرة ثالثة، خاصة بعد فشل المحاولة الأولى في دعمه بإعلان القدس عاصمة للدولة العبرية، وقراره بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لإسدال الستار على قرار تأخَّر لعقود من وجهة نظر الصهاينة. إلا أن نتنياهو وجد في انتشار فيروس كورونا الفرصة الأفضل للتحرُّك في تنفيذ أكبر قدر من صفقة القرن، حيث “إن تطبيق بند من بنود صفقة القرن هو طريق إلى تصفية القضية الفلسطينية بقوة الاحتلال، بعزمهم ضم أراضي غور الأردن، التي تمثل الشريط الممتد بين بحيرة طبرية، والبحر الميت والذي سيصبح بعد الضم الحدود الشرقية الجديدة للأراضي المحتلة مع الأردن، وكذلك تريد دولة الاحتلال ضم أجزاء من مساحات الضفة الغربية المحتلَّة، بجانب ضم 130 مستوطنة، ما يعني أن إقامة شبه دويلة أو محمية فلسطينية، لا ترتقي بفعلها إلى مستوى بلدية في الدول الحقيقية، وأنه بموجب الصفقة الأمريكية فإن الاحتلال سيضم 30-40% من مساحة الضفة الغربية، بما في ذلك كامل شرقي القدس، تمهيدًا لضم الضفة كاملة للسيادة الإسرائيلية مستقبلًا”([1]).

واستغل نتنياهو جائحة كورونا لفرض أمر واقع من خلال مجموعة من الآليات، التي بدأها بالتحالف مع بيني غانتس زعيم حزب أبيض وأزرق، من أجل فرض السيادة الإسرائيلية على أراضٍ فلسطينية وأردنية، لكسب المزيد من أصوات اليمين المتطرف، حيث يسعى نتنياهو لاستغلال غانتس في تطبيق رؤيته، بما يساعده في استغلال مكاسب محلية، لحملته السياسية. رغم أن موقف غانتس في السابق، كان ضرورة الاتفاق مع الفلسطينيِّين، وعدم شروع إسرائيل في تنفيذ الأمر بمفردها، كي لا يرفضه المجتمع الدولي، إلا أن كورونا أجبرت غانتس على القبول برؤية نتنياهو.

حاول نتنياهو استغلال جائحة كورونا في محاولة منه لحرق خصمه العنيد غانتس، الذي وجد نفسه مضطرًّا لتشكيل حكومة طوارئ مع نتنياهو، كي لا يظهر أمام الشعب بصورة سيئة، فقبل الدخول مع نتنياهو في حكومة مشتركة كان ذلك أقرب للمستحيل -أن يدخل غانتس في تحالف مع نتنياهو قبل جائحة كورونا- ولذلك شهدت إسرائيل ثلاث انتخابات متتالية في فترة زمنية قصيرة جدًّا، لعجز نتنياهو عن الحصول على أغلبية تمكِّنه من تشكيل الحكومة، في ظل رفض حزب أزرق أبيض. إلا أن كورونا أنقذت الأول من انتخابات رابعة، كان من الممكن أن يخسر فيها المزيد، في ظل تزايد الاتهامات الموجَّهة له([2]).

ومثَّلت حكومة الطوارئ إنقاذًا لتوجُّهات نتنياهو المتشدِّدة في خطط الضم، فقد جاءت في وقت الحديث عن محاكمته في قضايا الفساد والرشوة التي حصل عليها، فكان من المنتظر أن يمثل أمام القضاء، في وقت يسعى فيه لكسب الانتخابات، لتحصين نفسه من أي عقوبة. والمحصِّلة، أن حكومة الطوارئ منحت نتنياهو الفرصة في تطبيق مزايا صفقة القرن، وحرمان الجانب الفلسطيني من أي محاولة للتفاوض، وترك السلطة والفصائل لتضرب رأسها عرض الحائط، مستغلًّا انشغال العالم في أزمة كورونا.

2- خصوصية المواطن الفلسطيني في عصر كورونا:

استغلت الحكومة الإسرائيلية حاجتها لإصدار مجموعة من الإجراءات التي ترى أنها تستهدف الحفاظ على الصحة العامة وسلامة المواطنين، فأتاحت لجهاز الأمن “الشاباك” الحق في اختراق الهواتف المحمولة لجميع المواطنين، لإرسال رسائل تحذير للمصابين، وتتبُّع المخالطين لهم، وقد استعانت الحكومة في تأكيد شرعية القرار، وفقًا لحالة الاستثناء التي سبَّبها الفيروس، وضمان التزام المصابين والمخالطين لهم بالحجْر المنزلي([3])، وقد أتاح هذا القرار الحق لجهاز الشاباك في تتبُّع تفاصيل حياة أكثر من مليوني فلسطيني، وهو أمر سيساعد الجهاز في المستقبل على تسريب بيانات الفلسطينيِّين، بغرض ابتزازهم والتشهير بهم أو حتى تجنيدهم، ورغم أن العالم الغربي قد هاجم قيام الصين بهذا الأمر في البداية، بحجَّة أن ذلك انتهاك كامل لخصوصية الأفراد، إلا أنهم تجاهلوا الأمر ذاته مع دولة الاحتلال([4]).

وما يضاعف مساوئ حالة الطوارئ حاليًّا في الأراضي المحتلة غياب السلطة التشريعية، المتمثلة في تجميد الكنيست الإسرائيلي، نتيجة حالة الشلل السياسي الذي ضرب النظام السياسي عقب ثلاث جولات انتخابية؛ ولذلك فالسلطة التنفيذية حاليًّا لا تعرقلها أي ضوابط رقابية. فقد تضخَّمت الصلاحيات التي تتمتَّع بها الحكومة، بحجَّة سرعة إنجاز الإجراءات الاحترازية، رغم أنها حكومة تسيير أعمال مؤقَّتة، لحين تشكيل حكومة نظامية تتمتَّع بكافَّة الحقوق الدستورية.

ويعدُّ هذا القرار أحد أهم أدوات الحكومة الإسرائيلية في المستقبل لإحكام السيطرة على أيِّ تحرُّك لإثارة الشغب في حال تنفيذ بنود صفقة القرن، حيث سيساعدهم في سرعة احتواء أي احتمالية لاندلاع انتفاضة جديدة.

3- تهجير المقدسيِّين وإفقار الفلسطينين

قامت حكومة الاحتلال باستغلال جائحة كورونا في تشديد الخناق على التجار المقدسيِّين، وزيادة ممارسات الإفقار ضدهم، حيث راكمت الضرائب عليهم، ولم تعفِهم منها، ناهيك عن اتخاذ أي إجراءات حمائية اقتصادية، لمساعدتهم على تخطِّي الأزمة([5]). كما فعلت مع نظرائهم من التجار الإسرائيليِّين، في ممارسة عنصرية، تستهدف تهجير المقدسيِّين من القدس، وتفريغها من أيِّ تواجدٍ فلسطيني.

فمذ بدأت جائحة كورونا والسلطات الإسرائيلية تغرق في سياسة التهويد في القدس والخليل بصفة خاصة، فقامت بالاستيلاء على قرية بيتا والقرى المحيطة بها، حتى وصلت لجبل العرمة في نابلس([6])، وقد “شلَّت جائحة كورونا اقتصاد الضفَّة الغربيَّة، وبما ينعكس على دخل السلطة الفلسطينية، ثم ما كادت السلطة تخفِّف من قيودها على حركة السكان، حتى قرَّرت الانسحاب من الاتفاقيات الموقَّعة مع إسرائيل، وبما يشمل مجمل علاقات التنسيق بينهما، بما في ذلك استلامها أموالها الضريبية المستحقَّة لها من الاحتلال، وهو ما يعني أزمة اقتصاديَّة ثالثة عامَّة تشمل السلطة نفسها والمواطنين، وضغطًا مباشرًا على كلِّ فرد فلسطيني”([7]).

على الجهة الأخرى، ما تزال سياسات السلطة التي تقودها حركة فتح في استنهاض الجماهير الفلسطينية شبه منعدمة، ولم توضِّح نيَّتها التوجُّه للشعب وترك التنسيق الأمني، “ولم تصارح قيادة السلطة الجماهير بخطواتها القادمة، بالرغم من أنَّها حمَّلت الجماهير عبئًا اقتصاديًّا ضخمًا بعجزها عن دفع فاتورة الرواتب… أمَّا الإدارة والممارسة، فلا تشجِّع الجماهير على المسارعة إلى تقديم التضحيات، وهي ترى أن السلطة صارت مكسبًا محتكرًا لطبقة معيَّنة، كما يتَّضح في القوانين المستجدَّة والتعيينات والترقيات، دون مراعاة للتحدِّي السياسي الخطير”([8]).

4- التطبيع العربي: محاولة جديدة

في ظل انشغال العالم بغلق حدوده ووقف حركة الطيران لمنع انتشار الفيروس، قامت الإمارات بإرسال طائرتين للمساعدات الطبية إلى فلسطين، لمساعدة السلطات في أزمة نقص الدواء والأدوات الطبية اللازمة، ورغم الترحيب والفخر الذي أعلنه أنصار سياسات محمد بن زايد، إلا أنه غاب عنهم مجموعة من الاعتبارات، أولًا: أن تنسيق إرسال المساعدات تمَّ بين حكومة الإمارات والحكومة الإسرائيلية، ودون أي تنسيق مع السلطة الفلسطينية، أو حتى إعلامها بأنه ثمة طائرات مساعدات في الطريق إليهم، بل إن السفير الفلسطيني في أبوظبي لم يكن يعرف بأمر المساعدات، وهو الأمر الذي دفع مسؤولي السلطة الفلسطينية لرفض تلك المساعدات، لأنها ألغت وجودهم، وأكَّدت على رؤية الكيان الصهيوني بعدم وجود دولة فلسطينية، وأن الفلسطينيِّين ضمنيًّا جزء من الدولة اليهودية الكبرى، وهو ما دفع حركة فتح لوصف الحادث بالمشبوه، كما أن إرسال مساعدات إلى الضفة الغربية بالتنسيق مع المسؤول الإسرائيلي حاكم الضفة الغربية فحسب، هو بمثابة إعلان وقبول بسياسات الضم التي تقوم بها إسرائيل([9]).

بعد تلك الحادثة، وفي وقت انشغال العالم العربي والإسلامي بمدى جدية وإصرار إسرائيل على قرارات الضم، خرجت بيانات رسمية تعلن عن اتفاق أمريكي – إسرائيلي – إماراتي، مفاده تطبيع العلاقات بين تل أبيب وأبوظبي، برعاية أمريكية، مقابل توقف خطة ضم الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل، بحسب ما صرَّح وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش، معتبرًا إياه إنجازًا دبلوماسيًّا تاريخيًّا للأمير محمد بن زايد([10]). في حين رد نتنياهو وسفير واشنطن في إسرائيل، أن الاتفاق يؤجِّل خطط الضم بصورة مؤقَّتة دون أن يلغيها تمامًا([11]).

يرى أنصار الإمارات أن القرار تاريخي وداعم للقضية الفلسطينية بوقف إجراءات الضم، بينما ترى حماس وأنصار المقاومة، أن التطبيع طعنة في ظهر مشروع الدولة الفلسطينية المستقلَّة. فقد دعتْ مبادرة السلام العربية التي طرحتْها السعودية في عام 2002 إلى إنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وحل الدولتين وفقًا لحدود 1967، واعتبار القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، قبل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولكن غيَّرت الإمارات والبحرين النهج، وتحرَّكتا نحو التطبيع دون اعتبار للقضية الفلسطينية.

ومع ذلك، أعلن المتحدث باسم السلطة الفلسطينية أن تقييمه للقرار يتوقَّف على الكيفية التي ستتعامل بها حكومة إسرائيل، فإذا قبلت بقرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام، التي تعطي لفلسطين الحق في تأسيس دولتها على حدود 1967، أما أنها ستخالف كعادتها تلك البنود، وستأخذ من الاتفاق مع الإمارات ما يحقق لها مصالحها وحسب([12]).

تدرك الإمارات أن تطبيع العلاقات بينها وبين دولة الاحتلال الإسرائيلي دون سبب منطقي، سيجعلها تاريخيًّا في مكانة الخائن للقضية، ولذلك حاولت أن تكسب موقفًا تدلِّل عليه في تاريخها، بأنها أوقفت سياسات الضم، من خلال تنازلها وقبولها التطبيع مع إسرائيل مقابل إنقاذ أراضي فلسطين، وذلك لأنه غير مفهوم أن تدخل دولة لم تحارب من الأساس في اتفاق سلام بينها وبين دولة عدائية، فما السبب للسلام، إذا لم يكن هناك حرب، ولكنها استخدمت قضية الضم، كبوابة لفتح التطبيع على مصراعيه.

وهناك سبب آخر قد يفسِّر الاتفاق الأخير، وهو أن أبوظبي أرادت أن تمنح دونالد ترامب إنجازًا سياسيًّا كبيرًا يمكن أن يستخدمه للترويج في أوساط اليمين اليهودي، لكسب المزيد من أصواته في الانتخابات الرئاسية المقبلة، لاسيما أن الاتفاق جاء قبل شهرين فقط من الانتخابات، وفي ظل تراجع إحصاءات دعم ترامب، تبدو الحاجة لحدث كبير، يمكن الترويج له، وفي حال نجاح ترامب، سيكون من الواجب عليه رد الجميل للإماراتيِّين، وما يدعم هذا التصور، أن الإمارات منخرطة في تحالف استراتيجي حقيقي مع الكيان الصهيوني، سواء أعلنت أم أخفت، كما أن موقفها من صفقة القرن واضحًا، عندما حضرت مؤتمر الإعلان الرسمي عن الصفقة.

وداخليًّا، يعد حدوث اتفاق سلام تاريخي بين إسرائيل ودولتين عربيتين هما الإمارات والبحرين، أعظم ما يمكن أن يحقِّقه مسؤول إسرائيلي، وإنجاز كبير في مجال السياسة الخارجية لنتنياهو، وهو إنجاز لم يتمكَّن سوى زعيمين إسرائيليِّيْن آخريْن من تحقيقه، عندما وقع مناحم بيجن على معاهدة سلام مع مصر في عام 1979. ووقَّع إسحاق رابين على معاهدة سلام مع الأردن في عام 1994([13]). ففي الوقت الذي يعاني فيه نتنياهو محليًّا، وجد ضالَّته في تحقيق نجاح أوسع من بوابة الخليج، وهو ما أهدتْه له دولة الإمارات العربية المتحدة.

كان من اللافت أن تهبط طائرة إماراتية للمرة الأولى بعلمها على مطار صهيوني وبتنسيق كامل مع حكومة الاحتلال علنًا، ولكن ثمة أمور وجب ذكرها هنا، أن الموقف الإماراتي ليس جديدًا ولا وحيدًا، فثمة حادث كاشف يتمثَّل في ورشة البحرين الاقتصادية، التي عقدت لتسويق صفقة القرن اقتصاديًّا، وهي الورشة التي شاركت أبوظبي والبحرين ومسقط فيها رسميًّا، كما أن القاهرة والدوحة والكويت وغيرها من العواصم العربية، أشادت بالجهود الأمريكية، ما يعني تأييدًا لما حدث، أو عجزًا عن مواجهته، والمحصلة، أن ما تقوم به الإمارات اليوم سيكون بداية حقيقية لتصفية القضية الفلسطينية بصورة كاملة، وذلك في ظل تزايد وجهة النظر التي ترى أن جزءًا رئيسيًّا من تخلُّف المنطقة وانهيارها وعدم تقدُّمها، يعود بسبب القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، الذي سيُحل بمجرد تصفية الصراع([14]). ولذلك لا يمكن النظر إلى موقف الإمارات من الضم، بأنها بادرت بالتطبيع مع تل أبيب لانقاذ أرض فلسطين، بل هو إعلان تصفية حقيقي ونهائي للقضية الفلسطينية، بالدخول في حالة سلام دائم مع إسرائيل، وبالتالي أي دعوة للمقاومة، هي إضرار بالإقليم العربي برمَّته، وإزعاج لحالة الاستقرار المنشودة.

خاتمة: ردود الفعل بين فلسطين والأردن

إن الأحداث الكبيرة تنتج تجليات عظيمة عادة، ولذلك لا يُتوقع أن يمرَّ قيام إسرائيل بضم مساحات شاسعة من أراضي فلسطين والأردن مرور الكرام، وهو الأمر الذي يفهم بجلاء من تصريح الملك حسين، “بأن إقدام إسرائيل على الضم، سيحدث عواقب وخيمة لا يمكن تحملها”، وهو يدرك ما يقول بناء على التقارير التي يحصل عليها من أجهزته الأمنية والاستخباراتية، خاصة مع وجود الملايين من الفلسطينيِّين على أرض الأردن. فضم مساحات أراضي غور الأردن يعني إطباق الطوق على ما تبقَّى من الأراضي الفلسطينية المحتلَّة وعزلها عن التواصل الحدودي مع الأردن. وهذا يعني استحالة قيام دولة فلسطينية حسب رؤية حل الدولتين. مما يعني انتهاء رؤية حل الدولتين. ويعني انهيار وحل السلطة الفلسطينية وانتهاء دورها الوظيفي. والذهاب لخيار الدولة الواحدة والمقصود بها هي يهودية دولة الاحتلال أحادية القومية. والانقلاب على كل ما تمَّ توقيعه مؤخرًا من اتفاقيات ومعاهدات بين دولة الاحتلال وقيادة السلطة الفلسطينية. ويعني الضم أيضًا ممارسة الهمز واللمز بالتوطين وإحياء طرح ساسة دولة الاحتلال للوطن البديل. وهو ما يعني تشكيل خطر حقيقي على الهوية الأردنية. وعلى أمنها الوطني ويستهدف مصلحة الأردن العليا، حيث من الممكن أن تقدم قوات الاحتلال على تهجير موجة جديدة من الفلسطينيِّين للأردن بقوة السلاح وبقوة المحاصرة والتضييق والتطفيش([15]).

وللمفارقة، تشابه تصريح الملك حسين مع تصريحات الاتحاد الأوروبي، بتحذيره إسرائيل من خطورة الضم على استقرار المنطقة([16])، ويخشى الاتحاد الأوروبي من التهديدات الدبلوماسية والسياسية؛ التي أعلنتها السلطات الأردنية بسحب السفير الأردني وإبلاغ السفير الإسرائيلي بأنه شخص غير مرغوب به، وهو ما قد يهدِّد معاهدة السلام التي عقدت في تسعينيات القرن الماضي ولو أن هذا المسار مستبعد في الوقت الحالي، حيث قد تستبدله الحكومة، بالنظر إلى اتفاقية الغاز، وكذلك التنسيق الأمني والاستخباراتي الذي سيتأثَّر بقوة، في حال تم تنفيذ الضم، وقد سعت الأردن لرفع تكلفة الضم، لتهديد إسرائيل، وهو ما كان سببًا من أسباب التأجيل الذي حدث، مهما حاولت دولة الاحتلال التقليل من الضغوط الأردنية([17]).

إذ يرى الرافضون للضم، أنه قد يعيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي للمربع صفر، في حال اندلعت مظاهرات عارمة، وأدَّتْ إلى سقوط ضحايا من الجانبين، وسيزداد الأمر سوءًا، إذا عادت المقاومة بالتفجيرات، من خلال تفجير المطاعم والكافيهات والأتوبيسات، حينها لن يكون هناك حديث حول حل الدولتين، بل سيعود التفاوض حول ضرورة تجنُّب الأعمال العنيفة الدموية، وهو السيناريو الذي يخشى منه الاتحاد الأوروبي، لأنه سيلغي مكتسبات اتفاق أوسلو، الذي يرى أن سياسات الضم تؤدِّي إليه، لأنها لن تترك خيارًا أخر أمام الفلسطينيِّين([18]).

أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية فقد حاولت تهديد الكيان الصهيوني بإعلان الانسحاب من الاتفاقيات الموقعة بينهما، ثم تلته برفض الحصول على أموال المحاصصة الضريبية، للتأكيد على جدِّيَّتها في هذا الموقف، إلا أنها لم توضِّح استراتيجية متكاملة للمقاومة ومواجهة إسرائيل، فقد وجدت السلطة الفلسطينية نفسها في موقف لا تحسد عليه، بعدما وجدت أن طريق المفاوضات قد أثبت فشلًا ذريعًا في تحقيق أي مطالب ولو هامشية.

ومن جانب آخر، وفي ظل حالة الغليان الشعبي من ضياع حلم دولة فلسطينية، وفقًا للبنود التعجيزية التي اشترطتها وثيقة ترامب للسلام، فأخذت دعوات المصالحة تتزايد، لتنسيق الجهود الوطنية، والتحرُّك في خطوات مواجهة السياسات الصهيونية، ثم جاءت مبادرة أنقرة، وجلست فتح وحماس ووعدت كلا الحركتين بحل الأزمات بينهما، من خلال تشكيل لجنة لإنهاء الانقسام، وبالتوازي تشكيل لجنة وطنية من شتى الفصائل الفلسطينية، لتنسيق الجهود في تطوير مقاومة شعبية شاملة في شتى المساحات، استغلالًا لحالة الزخم التي حقَّقتها المظاهرات التي انطلقت في الشهور الماضية للتأكيد على الحقوق الفلسطينية، والتي أظهرت أنه ثمة تحول استراتيجي في رؤية فصائل المقاومة المسلحة لكيفية النضال، بحيث اقتربت المسافة بينها وبين بعض توجُّهات السلطة وحركة فتح([19]).

إلا أن السؤال الجاري، ما الذي سيجعل اتفاق المصالحة هذه المرة أقدر على الصمود؟ فالسلطة لا ترى أي مشكل في المسار التفاوضي ونتائجه الوخيمة التي تحقَّقت حتى يومنا هذا، حيث تربط بين الفشل وبين المحايد غير النزيه القابع في البيت الأبيض، وهو ما يوضِّح حجم الهُوة بين فتح وحماس، حيث ترى الأخيرة أن مسار أوسلو أهدر حقوق الفلسطينيِّين.

ربما الأمر أخطر ما يكون نظرًا لدخول إسرائيل في علاقات طبيعية مع عدد من الدول العربية، ما يعني تفريغ القضية الفلسطينية من حاضنتها الإقليمية، كما أن عوامل نجاح المصالحة ما زالت غائبة، وما تزال في مرحلة البيانات والشعارات التي تسعى لاحتواء الغضب الفلسطيني ليس إلا، وهو ما دفع إسرائيل للتجرُّؤ واتخاذ خطوات تصعيد مستمرَّة.

إن القول بفشل السلطة الفلسطينية اليوم، لا يعني القبول بانسحابها وإلغائها بدون ترتيب مسبق، لا سيما وأن حياة مئات الآلاف من الأسر الفلسطينية، قد أصبحت جزءًا لا يتجزَّأ منها، وبالتالي فانسحاب السلطة، وتركها الجماهير في مواجهة ديونها والتزاماتها الاقتصادية، قد يحدث نتائج سلبية أكبر، وبالتالي ربما هناك طريقة أخرى للتعامل مع السلطة، تبدأ من ترسيخ عقيدة تقديم مواجهة الكيان الصهيوني على تصفية الحسابات الداخلية، فقد أهدرت فلسطين سنوات من نضالها في صراعات أبنائها بعضهم مع بعض.

فأول الحلول أن تصبح قضية السلطة الأولى، هي كيفية مواجهة العدو، وسيترتب على هذا الأمر إعادة تشكيل هوية السلطة ورؤيتها، بحيث تصبح نموذجًا حيًّا لمكونات الشعب الفلسطيني وممثلًا عنهم، وحينها يجب أن تستعد لمواجهة شاملة من حكومة الاحتلال، ولكنها يجب أن تستعد لهذا الأمر وتدرك سيناريوهات الخروج منه، من تلك النقاط يمكن بناء رؤية استراتيجية حقيقية موحَّدة للفصائل الفلسطينية وبتنسيق لجهودها وتوزيع للمهام بينها بدلًا من الصراع بينهما، وحينها لن يكون هناك خوف على من سيمثل السلطة.

وأخيرًا، هناك خط رفيع بين العجز والانفجار، فإسرائيل تدرك أن السلطة عاجزة عن التحرُّك، وبالتالي فهي تمضي في سياساتها، وتقرِّر القيام بفعل أو تأجيله وفقًا لأهدافها التكتيكية، إلا أن انهيار السلطة الفلسطينية، سيعني لا محالة العودة للمربع السابق لمرحلة ما قبل اتفاق أوسلو، حيث المقاومة في كل مكان، وحينها لن تتمكَّن إسرائيل من مواجهة الغضب الشعبي، حيث كان واضحًا أن خطط الضم تواجه تحديات كبيرة، وأن التحذيرات التي خرجت من قلب الأجهزة الإسرائيلية، تحذِّر من مغبَّة حدوث فوضى غير مأمونة العواقب، تستغلها فصائل المقاومة في تهديد أمن إسرائيل.

كما أن تطبيق الضم كان سيزيد من حالة الكراهية ضد إسرائيل في الغرب والعالم أجمع، ولذلك كان ضريبة الأمر أكبر من المتوقع، ولذلك فربما كان أحد أسباب التصعيد الخطابي الإسرائيلي في إصراره على الضم، يعود إلى تهيئة الطريق أمام دخول الدول العربية في موائد التطبيع الصهيوني، حيث استغلَّته الإمارات -وتلتها البحرين- بأنها ظهرت وكأنها كانت تدافع عن أراضي فلسطين، في حين صمتت باقي الدول، لأنها مجبرة على الأمر، أو مستفيدة من المزايا التي ستحصل عليها من واشنطن بفضل التطبيع، سواء كانت شرعية دولية، أو صفقات تسليح عسكرية، أو دعمًا في قضايا معينة.

*****

الهوامش

([1])  أحمد محيسن، “ضم الضفة والأغوار.. التداعيات على فلسطين والأردن (1 من 2)”، عربي 21، 25 مايو 2020، تاريخ الاطلاع: 10 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي:

https://cutt.us/aZS9b

([2])  زايد الدخيل، “إسرائيل تستغل انشغال العالم بفيروس الكورونا لضم أراضي الغور”، الغد، 6 مايو 2020، تاريخ الاطلاع: 1 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/BJko8

([3]) بيروت حمود، “إسرائيل تستغل كورونا لأهداف أمنية”، الأخبار اللبنانية، 18 مارس 2020، تاريخ الاطلاع: 3 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/09loM

([4])  المرجع السابق.

([5]) “إسرائيل تستغل كورونا في إفقار المقدسيِّين”، رام الله الإخباري، 25 سبتمبر 2020، تاريخ الاطلاع 27 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/EaPbw

([6])  صحف عربية: هل يستغل نتنياهو وباء كورونا من أجل أهداف سياسية”، بي بي سي عربي، 14 مارس 2020، تاريخ الاطلاع: 12 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/8hq8w

([7]) ساري عرابي، الرد على ضم الضفة.. المعاناة لا تكون من طرف واحد!، عربي 21، 9 يونيو 2020، تاريخ الاطلاع: 10 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/HirVf

([8]) ساري عرابي، هل تريد السلطة استنهاض الجماهير لمواجهة تحدِّي الضم؟!، عربي 21، 23 يونيو 2020، تاريخ الاطلاع: 3 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/I7qcv

([9]) كيف استغلت الإمارات جائحة كورونا لتعزيز التطبيع مع إسرائيل؟ (تقرير)، وكالة الأناضول، 12يونيو 2020، تاريخ الاطلاع: 11 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/PmAR5

([10]) قرقاش: قرار وقف ضم الأراضي الفلسطينية إنجاز دبلوماسي تاريخي، سكاي نيوز عربية، 13 أغسطس 2020، تاريخ الاطلاع: 30 أغسطس 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/259Da

([11])  عبدالجبار أبو راس، أنور قرقاش يصدق على تصريحات نتنياهو بشأن “خطة الضم”، وكالة الأناضول، 15 أغسطس 2020، تاريخ الاطلاع: 10 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/gwbfr

([12]) الإمارات وإسرائيل: اتفاق على التطبيع واختلاف على الضم، الغد، 14 أغسطس 2020، تاريخ الاطلاع: 10 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/qaM25

([13]) أورين ليبرمان، تحليل.. من يستفيد من اتفاق الإمارات والبحرين مع إسرائيل وكيف حدث؟، سي إن إن العربية، 15 سبتمبر 2020، تاريخ الاطلاع 18 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/d1J2f

([14]) ساري عرابي، “صفقة القرن” والتردّي العربي.. سياقات ودلالات، الجزيرة نت، 1 فبراير 2020، تاريخ الاطلاع: 7 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/H5EnN

([15]) أحمد محيسن، مرجع سابق.

([16]) إيكونوميست: ضم الضفة الغربية يكلف إسرائيل ثمنًا باهظًا، الجزيرة نت، 28 يونيو 2020، تاريخ الاطلاع: 20 أغسطس 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/oD0VA

([17]) جواد العناني، الأردن وسيناريوهات الضم، العربي الجديد، 28 مايو 2020، تاريخ الاطلاع: 30 أغسطس 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/pnQWv

([18]) خطط ضم الضفة الغربية: هل تدفع إسرائيل الفلسطينيين إلى “خيار الجنون الثوري”؟، بي بي سي عربي، 17 يونيو 2020، تاريخ الاطلاع: 4 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/cXIY4

([19])  ساري عرابي، اجتماع الأمناء العامِّين للفصائل الفلسطينية.. مسافات مملوءة بالخطابة!، عربي 21، 8 سبتمبر 2020، تاريخ الاطلاع: 10 سبتمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/TUG4U

 

فصلية قضايا ونظرات- العدد التاسع عشر – أكتوبر 2020

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى