تقارير ودراساتد. نادية مصطفى

لماذا التغيرات في التوازنات والتسويات الإقليمية والعالمية؟ إشكاليات العلاقة بين الداخلي والخارجي

اعتادت الأوساط السياسية والإعلامية والفكرية عبر أرجاء العالم أن تركز الاهتمامات على مفاصل التغيرات المحتملة بعد الانتخابات الرئاسية، أو التشريعية في بعض الدول، وخاصة القوى العظمى والكبرى المهيمنة على توازنات النظام العالمي، وعلى التنافسات حول النظم الإقليمية وفي داخلها.

وهي في نفس الوقت دول تقدم بعضها ونفسها كقوى ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة سلميًا بين أصحاب التوجهات الحزبية والسياسية والفكرية المتنوعة، كذلك هي دول تمتد آثار عمليتها الديمقراطية إلى الخارج بصورة أو بأخرى، وعلى نطاقات جغرافية تختلف باختلاف الدولة المعنية، قوة عظمى أو كبرى أو إقليمية.

وهذا الاهتمام من جانب الأوساط السياسية والإعلامية والفكرية المختلفة، وإن اختلفت الدوافع والأهداف باختلاف الأقاليم المعنية أو القضايا العالمية المعنية، يعني أمرين أساسيين: الأول- أن توجهات السياسات الخارجية، ولو في نظم ديمقراطية مؤسسية، تتأثر بالتغير في الرئاسات وتطبيق أدوراها الدستورية في صنع وتنفيذ السياسة الخارجية. الثاني– أن الاستراتيجية الخارجية لهذه الدول ذات أبعاد عالمية وإقليمية لابد أن تنعكس -بقدر ما وبصورة ما- على الأزمات والقضايا العالمية، السلمية والمسلحة على حد سواء.

ورغم أن هذين الأمرين يبدوان من البديهيات أو من المعروف بالضرورة في دراسة السياسات الخارجية المقارنة أو الدراسات النظمية الدولية إلا أنه يظل دائمًا السؤال التالي قائمًا: ما قدر التغير الذي سيحدث وما اتجاهه وسرعته؟ والأهم هو ما علاقته بطبيعة الأطر الداخلية والإقليمية للقضايا المعنية؟

ولذا لابد أن نستدعي للتفكير وجها آخر للعملة والذي يتلخص في المقولة التالية:

إن التغيرات في التوازنات والتسويات الإقليمية والعالمية ليس نتاجًا للتغير في قيادات القوى العظمى أو الكبرى فقط -ومن ثم التغير في توجهاتها الخارجية- ولكن يتحدّد قدر هذا التغير وحسابات المصالح حوله بتأثير قوى داخلية وإقليمية أيضًا، ومدى قدرة فواعلها على فرض توجهاتها حول كيفية تحقيق أهدافها، وحول حساباتها للمكاسب والخسائر مقارنة بنظائرها لدى القوى الكبرى.

(1)

وتلخص هذه المقولة إشكاليات التفكير في جانب من جوانب العلاقة المركبة بين الداخلي والخارجي. وهي العلاقة التي تأخذ أنماطًا مختلفة على مستويات عدة، وعلى نحو لا يعطي أولوية مطلقة لجانب من العلاقة على حساب الجانب الآخر.

ويرجع التعدد في أنماط هذه العلاقة إلى أسباب عدة، وإن اشتركت جميعها في الاهتمام الشديد بنتائج الانتخابات في الدول الكبرى من ناحية، وفي التفكير بآثارها الخارجية من ناحية أخرى.

وإذا كانت الأمثلة من هذه النماذج والأنماط قد توالت ولم تكف، عبر مراحل تطور النظام الدولي وموضع القوى العظمى والكبرى منه في كل مرحلة، إلا أن العقود الثلاثة الأخيرة منذ نهاية الحرب الباردة تقدم لنا الخبرة والدلالة الأكثر معاصرة وتذكُّرًا لها، وخاصة أن العالم العربي والإسلامي كان له حضور ظاهر في قلب هذه العقود الثلاثة؛ سواء من حيث التدخلات الخارجية في الصراعات المسلحة المعقدة والممتدة، أو في عمليات الإصلاح أو الثورات السياسية والمجتمعية؛ وهي التدخلات التي زاوجت بين الأدوات العسكرية والاقتصادية، وبين الأدوات الثقافية المجتمعية من ناحية، كما استثمرت من ناحية أخرى مصادر الصراعات التي تذخر بها تربة دول هذا العالم العربي والإسلامي.

ولقد أودعت هذه التدخلات الخارجية كافة تلك الأدوات فرديًّا أو جماعيًّا، سواء من الغرب أو الشرق أو الأمم المتحدة، تحت عنوان “الحرب العالمية على الإرهاب”؛ وهو للأسف الإرهاب الذي وصف بالإسلامي وإن تنوعت أشكاله وطبائع المتهمين به (قاعدي، داعشي، طالباني، حماسي، إخواني، حزب الله، إيراني، تركي، جهادي… إلخ).

وإذا كانت أعداد دورية قضايا ونظرات منذ تدشينها –منذ خمس سنوات- قد توالت على الاقتراب من هذه الإشكاليات في ثوبها “الجديد” خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة[1]، وإذا كانت البدايات في هذه التقارير قد اقترنت بالأسئلة عن آثار مجيء ترامب للرئاسة في أمريكا بصفة خاصة، فإن العدد قبل السابق[2] والعدد الحالي[3] قد تزامنا مع الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية منذ أغسطس 2020، وخلال الانتخابات، ثم فوز بايدن وتوليه السلطة في أول 2021 بعد الأزمة الطاحنة التي شهدتها مؤسسات الديمقراطية الأمريكية يوم 6 مارس قبل تنصيب بايدن مباشرة.

ومن ثم كان لابد أن يتجدد في الذهن، خلال الشهور الستة الأولى من 2021 والتي يغطيها ملف هذا العدد، تلك المقولة السابق طرحها عاليًا وما تفرع عنها من أسئلة.

وتقدم لنا خريطة موضوعات الملف ومضامينها عدة نماذج من التفاعلات بين هذا العامل الخارجي (التغير في توصيف السياسة الخارجية للدول العظمى) وبين استجابات وردود فعل فواعل إقليمية متعددة، على نحو قد يساعد على مناقشة هذه المقولة والإجابة عن هذه الأسئلة.

(2)

بالنظر إلى موضوعات الملف، نجد أنه يمكن تصنيفها في ست مجموعات من نماذج الاستجابات وردود الفعل للتغير في الرئاسة الأمريكية، وجميعها -ولكن بدرجات وأشكال مختلفة- تبين أن المحصلة المبدئية لهذا التغير من أعلى النظام الدولي، ليست نتاج تأثيره المنفرد الأحادي، ولكن نتاج تفاعله مع ردود الفعل والاستجابات المختلفة لفواعل داخلية وإقليمية مؤثرة في إدارة تسويات وتوازنات حول قضايا إقليمية وعالمية طالما أثارت التساؤل حول أثر تغير الرئاسات الأمريكية عليها.

ويمكن تصنيف موضوعات الملف (دولا، قضايا، أقاليم) بين مجموعة من النماذج، وكل منها يعكس خصائص مشتركة بين حالات هذا النموذج وإن اختلفت في خصائص أخرى. والتصنيف التالي تصنيف إجرائي وصفي لا يحمل أي أبعاد قيمية تقيـيمية عن ما هو الصواب أو الخطأ أو لصالح من وضد من. فكل نموذج يمكن أن يتم تقييم آثاره بطرق مختلفة باختلاف المواقف السياسية والمرجعيات للفواعل المعنية بهذا التقييم.

وهذا التصنيف لحالات موضوعات الملف بين نماذج متنوعة يستهدف أمرين منهجيين: من ناحية التدريب على المقارنات (مقاربة أو اختلاف) بين الأطر الوطنية والإقليمية المتنوعة عبر الأمة والعالم. فرغم التنوعات المتعددة إلا أن هناك خصائص مشتركة في التحديات والاستجابات.

ومن ناحية أخرى: تجاوز تفاصيل الأحداث والمواقف والسياسات -بعد حسن فقهها- والانطلاق نحو رؤية استراتيجية كلية شاملة عن نماذج مقاومة الأمة الحضارية في مواجهة التحديات المتجددة من النظام العالمي الراهن وعلى رأسها التغير والانتقال في رئاسة قيادة هذا النظام.

وهذه النماذج هي:

(1) نموذج تداول أدوار الهيمنة (الولايات المتحدة الأمريكية- الصين- روسيا)، وإدارة مشكلات التحالف الأورو-أطلنطي.

ويطرح هذا النموذج الأسئلة التالية: هل يشهد النظام العالمي توجها إلى حرب باردة أم انفراجا جديدا بين الصين وروسيا وبين الولايات المتحدة؟ وهل يرتهن هذا الاحتمال المتأرجح بالرئاسة الأمريكية الجديدة مقارنة بالسابقة، وبأزمة المؤسسات الديمقراطية الأمريكية بالأساس أم يرتهن أيضًا بتوجهات الرئاسة الممتد عبر عقدين تقريبًا في كل من روسيا والصين؟ ناهيك أيضًا عن بعض التغيرات المفاجئة في بعض الأوضاع الإقليمية؟

كيف تؤثر مشكلات تداول أدوار الهيمنة المحتملة على نمط التحالف الأورو-أطلنطي؟ وألا تلعب طبيعة القيادات الأوروبية (وخاصة البريطانية) دورها أيضًا إلى جانب دور الرئاسة الأمريكية الجديدة في البيت الأبيض؟ هل يعود الأورو-أطلنطي إلى التماسك في مواجهة الصين وروسيا معًا باعتبارهما التهديدات الأخطر لأمن هذا التحالف؟

والأهم كيف ستؤثر هذه التغيرات المحتملة على توزيع الأدوار بين جميع هذه القوى الكبرى تجاه قضايا العالم العربي الإسلامي وخاصة محاولات تسوية الحروب الأهلية المندلعة في مناطق عدة، وتصاعد عدوان وتوسع الكيان الصهيوني؟

(2) نموذج تحدٍّ متجدد ومستفز للقيادة الأمريكية وللتحالف الغربي:

يمثل هذا النموذج عدة حالات متداخلة تتسم بالصراع الصريح مع الولايات المتحدة، وتوالى على إدراتها عدة رئاسات أمريكية، إلا أن الستة أشهر الأخيرة منذ تولي بايدن الرئاسة قد شهدت تصاعد التحدي السياسي والعسكري من جانب هذه الحالات.

فالحوثيون في اليمن صعَّدوا من هجماتهم على الأراضي السعودية وفتحوا جبهات مواجهة على أرض اليمن غير آبهين بتصنيفهم كجماعة إرهابية، تنبيهًا  منهم لإدارة بايدن عن خطورة وضع حليفتها السعودية، ومساندة منهم لإيران في مفاوضات الملف النووي.

 وإيران تدخل معركة إعادة التفاوض على الملف النووي بأسلحة التصعيد العسكري (المناورات) والسياسي (تصريحات  الصمود والاتهامات).

وفي حين تستعد الولايات المتحدة للانسحاب من أفغانستان، وفي مواجهة تردد إدارة بايدن بالإسراع فيه (إعلان تأجيله بعد مايو2021) تصاعدت أعمال العنف المسلح في أرجاء أفغانستان (لم يتم تحديد المسؤل عن كثير منها: طالبان أم الحكومة الأفغانية أم داعش؟)؛ سواء لتحذير الإدارة الأمريكية من مغبة الانسحاب السريع أو لتهديد الإدارة الأمريكية من عواقب عدم الانسحاب.

وأخيرًا: استعادت أذربيجان في نهاية إدارة ترامب السيطرة على إقليم ناغورنو كاراباخ بعد ما يزيد عن العقدين من سيطرة أرمينيا، وتشهد عملية إحكام السيطرة وتقنينها مناورات بين القوى الإقليمية المعنية: روسيا، إيران، تركيا، وبين الغرب حليف أرمينيا، فهل ستمتد آثار علاقة الإدارة الأمريكية الجديدة مع كل من روسيا وتركيا، وهي علاقة متأرجحة ومتوترة، على هذه القضية؟

(3) نموذج صعود متجدد للمقاومة الفلسطينية الحضارية (المدنية–الشعبية والعسكرية) ضد الاحتلال الصهيوني:

منذ يناير 2020 حين صفعت إدارة ترامب العرب بما عرف بصفقة القرن، وما تلا ذلك من هرولة تطبيع بعض النظم العربية (الإمارات، البحرين، السودان، المغرب) مع الكيان الصهيوني، تعالى التساؤل من جانب المحبطين: هل انتهت القضية الفلسطينية على هذا النحو؟ ورغم أن إدارة بايدن لم تعط الأولوية في برنامجها –خلال مائة يوم- لهذه القضية إلا أن تجدد المقاومة الشاملة في القدس والضفة الغربية المحتلة وفلسطين 1948، ومن غزة منذ 27 رمضان 1443، في مواجهة التصعيد العلني العدواني للاحتلال الصهيوني من أجل  استكمال التهويد من ناحية، وحصاد “معركة سيف القدس” لمواجهة خطة “حراس الأسوار” الصهيونية من ناحية أخرى، فرض على الإدارة الأمريكية الجديدة استدعاء القضية الفلسطينية بين أولوياتها، بل إن هذه المقاومة الشاملة المتجددة تحدت بقوة كل المقولات التقليدية الانهزامية عن أثر اختلالات توازن القوى العربية-الإسرائيلية على القضية الفلسطينية والإنذار بموتها. فلقد أعلنت هذه المقاومة للعالم أنه مازال لفلسطين شعب فلسطيني يقاوم لاسترداد أرضه من الاحتلال الصهيوني، فهو الأساس والمنطلق وليس الأدوار الخارجية فقط! ولكن واجه هذا الحصادُ ومنذ وقف النار ألاعيب الالتفاف عليه لتصفيته من جديد أو لتقييد آثاره الإيجابية وتغذية ما يكون له من آثار سلبية وفق رؤية بعض النظم لمصالحها.

(4) نموذج ما بعد الرضوخ للإملاءات والضغوط الترامبية وفق حسابات مصالح آنية

من أبرز حالات هذا النموذج تطبيع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب مع إسرائيل في ظل إدارة ترامب؛ كلٌّ من أجل حسابات مصالح ضيقة وآنية، فهل تواجه سياساتها مأزقًا مع إدارة بايدن، وخاصة بعد صمود معركة سيف القدس؟

بالطبع لا؛ لأن إدارة بايدن ليست أقل حفاظًا على أمن إسرائيل وقوتها من إدارة ترامب، ولكن مكمن الاختلاف في الأساليب والأدوات: سريعة وجذرية وفجة تفجر الاعتراضات أم تدريجية هادئة تمتص الصدمات وتقود إلى نفس المآل ولو ببطء أكثر، ومن خلال قفازات مخملية من الخطابات الدبلوماسية المخدرِة.

(5) نموذج التحالفات المركبة –خارجيًا وبين الداخل والخارج– حول تسوية الحروب الأهلية في (سوريا، ليبيا، اليمن) وحول أزمات التحول الديمقراطي والمدني الشعبي بعد ثورات الموجة الأولى والثانية من الربيع العربي (تونس، السودان، لبنان، الجزائر).

هل وصول إدارة بايدن، بما أعلنته عن دعم التعددية ورفض العنصرية واحترام حقوق الإنسان والقانون والتحول الديمقراطي في العالم.. هل ستدفع بتسوية هذه الحروب والأزمات وفقًا للمبادئ المعلنة؟ كم من الضغوط تستطيع ممارساتها؟ وعلى من؟ ولماذا؟ أم ستتغلب، كما يحدث دائما، حسابات المصالح الذاتية على خطابات القيم والمبادئ؟

نطرح هذه الأسئلة ونحن نرى أن أدوار القوى الكبرى الأخرى -وخاصة روسيا وأوروبا- وكذلك القوى الإقليمية حاضرة بقوة في هذه المشاهد؛ سواء سلميًا أو عسكريًّا. فهل مجريات الأمور من داخل حالات هذه النماذج تستطيع التأثير على حسابات الإدارة الأمريكية الجديدة؟ أم إن الكواليس في هذه الحالات أكثر تعقيدًا؟

أليست الأزمة في لبنان نتاجا إقليميا أيضًا حيث تتقاطع حسابات التحالف السوري الإيراني وحزب الله في مقابل حسابات جبهة المستقبل اللبنانية والسعودية والولايات المتحدة؟ وبالمثل في حالات الصراعات الأخرى سواء السلمية أو العسكرية، فإن الإدارة الأمريكية لا تنفرد بالحركة بل عليها التفاعل مع جملة معقدة ومركبة من التحالفات بين أصدقائها أو أعدائها. فمما لاشك فيه أن عدم استقرار الوضع الجديد في ليبيا -بعد اتفاق المرحلة الانتقالية- نظرًا لاستمرار تحديات جماعة خليفة حفتر، وبالمثل التأزمات السياسية المتكررة التي تهدد المسار الليبي الانتقالي برمته…إلخ، هي نتاج تدخلات خارجية إقليمية لصالح طرف أو آخر.. وهكذا. فهل انتهى عهد مساندة ترامب للنظم غير الديمقراطية أو المتأزمة ديمقراطيًا في المنطقة؟

(6) نموذج سياسات القوى الإقليمية المتغيرة أو المتأرجحة:

شهدت التوجهات المصرية والتركية والقطرية والسعودية منذ تسوية أزمة حصار قطر تغيرات تجاه بعضها البعض، وعلى نحو يشير إلى عملية تصالح متبادلة جارية ولو بصعوبة. واقترنت هذه التغيرات المحتملة بأخرى واضحة في السلوك المصري مثلاً تجاه ليبيا وتجاه إسرائيل والمقاومة الفلسطينية. ناهيك عن مؤثرات العلاقات التركية الأوروبية –الأمريكية والتأرجحات فيها ما بين التصعيد والتهدئة، وجميعها أمثلة تطرح السؤال التالي: هل هذه التغيرات أو التأرجحات نتاج مناورة واستجابات محسوبة لتدعيم المصالح؟ أم هو فقدان للبوصلة والرغبة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

(3)

تقدم أوراق الملف إجابات للعديد من تلك الأسئلة التي يطرحها كل نموذج حول الموقف من رئاسة أمريكية جديدة والرؤية عن الجديد من ورائها؟ وعلى نحو يساعد –إجمالاً ودون تفصيل- أن نستخلص ملامح رؤية كلية استراتيجية حول إشكالية العلاقة من الداخلي والخارجي في المشهد الراهن منذ تولي بايدن.

تتلخص بعض أهم ملامح هذه الرؤية في الآتي:

(1) تمتلك القوى الكبرى في الشرق والغرب على حد سواء -حلفاء للولايات المتحدة (مثل أوروبا) أو أعداء (مثل الصين– روسيا) عناصر قوة سياسية واقتصادية وعسكرية تستطيع أن تتفاوض على ضوئها مع الولايات المتحدة من موقع قوة تنافسية؛ وذلك في ظل علاقات الاعتماد المتبادل المعقدة التي تجمع بين هذه الأضلاع الأربعة للقوة العالمية، والتي لا تجعل المنافسة بينها حتى الآن صفرية؛ ولذا لا يتوافق حتى الآن منظرو النظام العالمي على وصف دقيق لهيكله منذ نهاية الحرب الباردة. ففي ظل هيمنة وقيادة أمريكية متراجعة، وصعود قوة صينية بدأب وتؤدة وصمود روسي سعيًا لدور عالمي جديد، تظهر أثواب جديدة للتحالف الأوروبي الأمريكي العتيد. في ظل هذا كله: هل ما نحن فيه نظام عالمي أحادي أم متعدد؟ صراعي وحرب باردة جديدة أم تنافسي تشاركي؟ الحفاظ على السلام الكبير وهيمنة النظام الرأسمالي في مقابل التضحية بالسلام الصغير عبر أرجاء العالم؟

وأخيرًا هل التراجع والخبو في القوة الأمريكية العالمية وفي القيادة الأمريكية للهيمنة الغربية يمكن علاجه أو إدارته “بأساليب بايدن” مقارنة بأساليب ترامب؟ أم هو توزيع أدوار بين الجمهوريين والديمقراطيين في تحقيق نفس الأهداف.

(2) بالنظر لما يسمى الدول الصغرى ذات النظم التسلطية التي اعتادت أن تلعب أدوارًا إقليمية لصالح القوى الخارجية، فإن انشغالها بنتائج انتخابات الرئاسات في القوى العظمى والكبرى، وخاصة الديمقراطية، يكون أكبر من انشغالها بنتائج الانتخابات داخلها أو في جوارها المشابه لها، فالأخيرة نتيجتها معروفة مسبقًا؛ أما الأولى فلا، وهذا الوضع يفرض على نظم هذه الدول الصغرى إعادة حساباتها عن كيفية الانتقال من خدمة رئيس سابق (ترامب) أو التماشي معه بأقل قدر من الخسائر أو المكاسب إلى خدمة القادم الجديد في البيت الأبيض أو الكرملين أو 10 داونينج ستريت أو الإليزيه، وبنفس الحسابات؛ أي حفاظ هذه النظم على أنفسها قبل أي اعتبار أو تحقيق مصالح آنية.

فحالات هذا النموذج لا تريد توظيف ما تملكه من أوراق قوة، بل لعل نظمها لا ترى أنها تمتلك أوراق قوة، يمكن أن تناور بها في وجه الرئاسة الأمريكية الجديدة؛ ذلك لأن شيمتها دائمًا التكيف مع القائم، والانصياع للجديد من خلال توظيف المواقف السابقة.

خلاصة القول: انطلاقًا من المقولة الرئيسية للورقة، وعلى ضوء خريطة النماذج الشارحة المقارنة فيما بينها، وبين حالات كل نموذج يتبين أن آثار التغير في توجه الرئاسة الأمريكية ليست حتمية مطلقة، فهي تواجه استجابات وردود فعل مختلفة، تبين بوضوح أن مقاومة هيمنة التدخلات الخارجية ممكنة وفاعلة ضد تحقيق مصالحها على حساب شعوبنا.

وذلك يتطلب إعداد أدوات قوة، والأهم الاستعداد لاستخدامها، بل والتخطيط الجيد لكيفية وتوقيت استخدامها، والثقة في إمكانية تأثيرها مهما كان حجمها؛ مقارنة بقدرات الخصم أو العدو، وهذا الوضع المقاوم يرتهن بطبيعة القيادة ومرجعيتها من ناحية، واستراتيجية توظيف الفرص وتحجيم القيود من ناحية أخرى.

وفي المقابل فإن أنماطا أخرى من النظم والقيادات، وفقًا لطبيعتها ومرجعيتها ورؤيتها للعالم، تعجز عن الاقتراب من حالة المقاومة بل ترفضها من الأساس، باعتبارها شرًا ينال من “المصلحة الوطنية”، ويهدد الدولة الوطنية؛ ومن ثم لا يصبح العدو عدوًا ولا الصديق صديقًا ولا الحليف حليفًا إلا وفقًا لهذه المعايير: الحفاظ على النظم التي تفتقد شرعية وجودها من داخلها، وتبحث عنها وتلهث وراءها في الخارج حتى ولو كان هذا من عدو وعلى حساب صديق.

يجب أن تدرك الشعوب وتعي أن تغيير موازين القوة المختلة ممكنٌ ولازمٌ، من الداخل ابتداء، وأن دعوة القوى الكبرى للتدخل حماية وتحقيقا لمصالح “الدولة”، والتعويل على تغيير رئاسة بعينها…، جميعها أوهام الضعفاء بخلاف الواثقين من انفسهم والمتمسكين بحقوقهم مهما كانت التكلفة. ولننظر كيف ستختبر الأعوام الأربعة التالية تأثيرات إدارة بايدن مقارنة بإدارة ترامب، ولكن الأهم: على أية قضايا؟ وأين سيكون موقعنا نحن في العالم العربي والإسلامي من هذه الاختبارات؟

الحمد لله

القاهرة 15/ 6/2021

________________________

الهوامش

[1] انظر ملفات الأعداد التالية من فصلية فضايا ونظرات:

  • دوائر العالم الإسلامي والتغيرات الإقليمية والعالمية، العدد الرابع، يناير 2017.
  • تعاضد أشكال المقاومة الحضارية، العدد الخامس، أبريل 2017.
  • النظام العالمي للهيمنة بين التكيف والتغيير: خبرات ونماذج مقاومة للدول، العدد السادس، يوليو 2017.
  • خرائط الاختراقات والتهديدات الإسرائيلية في المنطقة العربية، العدد الثامن، يناير 2018.
  • القرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها ومقاومته، العدد التاسع، أبريل 2018.
  • شبكة التحالفات والتحالفات المضادة الراهنة في المنطقة العربية، العدد العاشر، يوليو 2018.
  • حال ومآل مجتمعاتنا بعد سبع سنوات من الثورات وتوابعها، العدد الحادي عشر، أكتوبر 2018.
  • المنطقة العربية في المؤتمرات الدولية، العدد الرابع عشر، يوليو 2019.
  • تطور الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي، العدد السادس عشر، أبريل 2020.
  • مآلات عام من الشد والجذب شرقًا وغربًا، العدد العشرون، يناير 2021.

انظر أيضًا:

  • الجديد في حالة الإسلام والمسلمين في العالم (2010-2020): ما بعد الإسلاموفوبيا، حولية أمتي في العالم، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 2021.

[2] مآلات عام من الشد والجذب شرقًا وغربًا، العدد العشرون، يناير 2021.

[3] المتغيرات الإقليمية والعالمية في النصف الأول من 2021، العدد الثاني والعشرون، يوليو 2021.

 

فصلية قضايا ونظرات- العدد الثاني والعشرون ـ يوليو 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى