د. نادية مصطفى

في “ظاهرة” التوقعات من أوباما: حول الحاضر الغائب منذ حفل تنصيبه رئيسًا إلى خطابه للعالم الإسلامي فى القاهرة

مقدمة:

لمدة ستة أشهر منذ تنصيب أوباما رئيسًا للولايات المتحدة، أحجَمتُ عن قبول دعوات متكررة للمشاركة إما فى التعقيب على مدلول خطاب التنصيب عن موضع العالم الإسلامي من استراتيجيته، أو المشاركة فى تحليل ملامح الاستمرارية والتغير فى سياسة إدارته بعد أن عين مبعوثين خاصين لمناطق أزمات العالم الإسلامى، فى فلسطين، وفى أفغانستان، وفى دارفور…، أو المشاركة فى التوقعات حول خطابه المزمع فى القاهرة.
ولم يكن رفضى إلا إحجامًا عن المشاركة فى ظاهرة “زفة” التوقعات التى نجيدها مع كل تغيير فى الادارة الأمريكية أو الحكومة الاسرائيلية، دون أن نحظى بفرصة مناظرة مع تغير أكيد فى أوضاعنا السياسية والاقتصادية، لأن هذه الأوضاع أسيرة جمود استبداد السلطة وفسادها. ومع تسارع زخم ووتيرة الاهتمام بخطاب أوباما فى القاهرة، أضحى الوضع “مرضيًا”، حيث شارك فيه الجميع بحماس شديد سواء من يعرفون ومن لا يعرفون، المتخصصون وغير المتخصصين… إلخ.
لذا وجدتنى قبل عدة أيام من إلقاء أوباما خطابه الذى حظى قبل حدوثه بشهرة هائلة فى أوساطنا نحن المكلومين بالسياسات امريكية، وجدتنى أتساءل، ما الدلالات الكلية لهذه الظاهرة؟ فيما انشغل الناس وما الدلالات الكامنة فى النقاش الظاهر أو الغائبة عنه، وكيف سيختبر خطاب أوباما ذاته هذه الدلالات؟
ومن هنا جاءت هذه الرؤية عن ما قبل الخطاب وما بعده.

1-حول الحاضر الغائب فى ظاهرة التوقعات من أوباما

العالم الإسلامي حاضر دائمًا فى الاستراتيجية الأمريكية العالمية منذ ما قبل الحادى عشر من سبتمبر، إلا أن تلك الأخيرة استحضرته إلى قلب الاهتمام الاستراتيجى، وبعد أن كانت نهاية الحرب الباردة والثنائية القطبية قد أفصحت عن مؤشرات هذا الاستحضار.
وقد أضفت إدارتا بوش- وعبر ثمان سنوات – على الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم الإسلامي صبغة صراعية مباشرة وعلى نحو يبدو غير مسبوق فى السياسات الأمريكية تجاه العالم الإسلامي والتى لم تخل أبدًا من التوجهات الصراعية. ولقد وظفت إدارتا بوش كل أبعاد القوة الرخوة والصلدة كما استدعت كل الدوافع والمبررات السياسية وغيرها لتضفي الشرعية على ما يسمى الحرب الدولية ضد الإرهاب.
وهو الأمر الذى أفرز التساؤل: كيف تصبح صراعات القوى والمصالح والهيمنة صراعات دينية أو ثقافية أو حضارية أو على الأقل ترتدى هذه الأقنعة؟ حيث أن توجه إدارة بوش للعالم الإسلامي لم يخل من اتهام دين و ثقافة وحضارة هذا العالم وعلى نحو أيضًا غير مسبوق من حيث الفجاجة ورفع الأقنعة الدبلوماسية. فبالرغم من أن هذا البعد الدينى- الثقافى الحضارى لم يكن غائبًا أبدًا عن حسابات القوى الكبرى التى توالت وعبر أكثر من ثلاثة قرون على استعمار العالم الإسلامي (منذ أن وطأت الحملة الفرنسية أرض مصر) أو تسابقت على الهيمنة عليه فى مرحلة ما بعد الاستقلال، إلا أن العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين قد اتسما بفجاجة التوظيف والاستخدام الأمريكى لهذه الأبعاد الدينية والثقافية والحضارية سواء من أجل تبرير هجومها متعدد المستويات على العالم الإسلامي، أو سواء من أجل تصميم سياسات تدخلية عديدة ابتداء من القوة المسلحة لضرب ما يسمى الارهاب الإسلامي أو جذوره وصولًا لأدوات القوة الناعمة لإعادة تشكيل العقول والقلوب فى إطار ما يسمى بالدبلوماسية العامة الأمريكية التى تهدف إحداث تغيير ثقافى فى العالم الإسلامي، باعتباره – كما يدعون أساسًا من أسس التغيير السياسي الذى ينشدونه وليس الذى تنشده شعوب هذا العالم وبعض نظمه.
بعبارة موجزة، تحت سطوة ووطأة التدخلات العسكرية والاحتلال العسكرى الأمريكى المباشر والمقنَّع بأردية متعدِّدة الأطراف، لم تنقطع توجُّهات الولايات المتحدة للدعوة للحوار مع العالم الإسلامي، سواء لتحسين صورة الولايات المتحدة، أو لإحداث تغيير فى المسلمين المتهمين دائمًا بكل ما تتخذه إدارة بوش مبررًا وذريعة للتدخل الأمريكى. وهنا كانت أدوات القوة الناعمة فى خدمة القوة الصلدة وإن ظلت الأخيرة الأعلى صوتًا والأكثر وضوحًا وتأثيرًا من أجل فرض سياسات الأمر الواقع.
ومن ثم فإن استحضار أوباما للعالم الإسلامي فى استراتيجيته ليس بالأمر العجب،فهو تقليد مستمر فى السياسة الأمريكية، ولكن العجيب هذه الآونة، أن هذا الاستحضار محمل بالتوقعات عن قدر ما سيحدثه أوباما من تغيرات سريعة وجذرية في سياسة إدارتا بوش وخاصة من حيث منطلقاتها الكلية تجاه العالم الإسلامي. وكانت هذه التوقعات من الضخامة والتنوع بحيث تمثل فى حد ذاتها حالة أو ظاهرة تستحق الرصد والتدبر والتعليق.
إن ظاهرة أو حالة التوقعات هذه تتعدَّد المؤشرات عليها على النحو التالى:
1- الترحيب الشديد بفوز أوباما فى انتخابات الرئاسة، والذى عبرت عنه دوائر شعبية ومدنية وإعلامية عديدة عبر العالم الإسلامي. فى مقابل إما تحفظات محدودة تحذر من الإفراط فى التفاؤل أو فى مقابل دعوات محدودة أيضًا لانتظار ما ستسفر عنه الأفعال وليس مجرد الأقوال، وخاصة وأن محطة اختبار مبكرة وهامة قد واجهت صورة أوباما لدى الشارع العربى والإسلامي، وهى موقفه من العدوان على غزة، حيث أحجم عن اتخاذ مواقف بحجة أنه لم يتول السلطة فعليًا.
2- توقف المراقبين والمعلقين وبطريقة ملفتة عند مصطلح العالم الإسلامي الذى ورد فى خطاب أوباما الذى توجَّه به لأمَّته والعالم خلال حفل تنصيبه رئيسًا. حيث حظيت هذه الفقرة بزخم شديد من التعليقات والتحليلات محورها هل تنتقل علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالعالم الإسلامي من صراع الحضارات إلى حوار الحضارات، وهل سيمثل أوباما صفحة جديدة فى سياسة الولايات المتحدة تجاه العالم الإسلامي؟
3- وأخيرًا محطة الإعلان عن توجيه أوباما خطابًا للعالم الإسلامي من القاهرة وهى المحطة التى أثارت بدورها موجة من التعليقات حول ثلاثة أمور. من ناحية: لماذا مصر بالذات؟ ومن ناحية ثانية، ما الذى يعنيه هذا الخطاب بالنسبة لتوجه الولايات المتحدة نحو العالم الإسلامي، هل تحرك من الحرب على الإرهاب إلى الحوار والتفاهم؟ ومن ناحية ثالثة: ما الجديد بشأن القضايا الخطيرة التى تعيد الإدارة الأمريكية تشكيل مواقفها تجاهها؟
ومما يمكن الاشارة إليه – دون ادعاء الاستناد إلى أدلة علمية – أن زخم هذه التوقعات كان ظاهرة مصرية وعربية وإسلامية أكثر منه ظاهرة أمريكية وأوروبية حيث أن أجندة أولويات الأمريكيين أو الأوروبيين بل وكبار القوى الآسيوية، لم تكن تتركز على العالم الإسلامي فقط ولكن على عواقب الأزمة المالية العالمية وما تستدعيه من أشكال التغيير السياسي والاقتصادى والمجتمعى فى النظم الغربية. ومن ثم فإن الاهتمام بالعالم الإسلامي هو بقدر اتصاله بهذا المناخ العالمى المتأزم.
ومن هنا يمكن القول أن التوقعات من أوباما تبرز أساسًا بين حنايا الأمة وعلى نحو يمثل ظاهرة لها أكثر من سبب وأكثر من وجه وأكثر من دلالة. ومن ثم فهى تستدعى التوقف عندها للكشف عما أسميته الغائب فى هذه الظاهرة الحاضرة، التى أضحت هدفًا فى حد ذاتها. ومن مؤشرات هذه الظاهرة ما يلى:
فمن ناحية: حماسة الشعوب وترحيبها بفوز أوباما بالرئاسة، وهو وضع يحمل إسقاطًا لأكثر من أمر تفتقده معظم هذه الشعوب مع استثناءات قليلة – ومن أهم هذه الأمور هو تطلع الشعوب إلى مناخ تعددى ديمقراطى حقيقى يحدث فيه تداول للسلطة على أسس تنافسية تسمح بالوصول إلى السلطة لمن هو الأصلح والأقدر على الاستجابة لتطلعات الشعوب وتحقيق مصالحها وتقطع الطريق على احتكار من هو الأقدر على الفساد والاستبداد. فمما لاشك فيه أن معركة الانتخابات التى خاضها أوباما – سواء فى مواجهة كلينتون أولًا ثم ماكين – قد ألقت الضوء على قيادة شابة متعلمة ذات سجل أكاديمى وعملى جاد ورصين، وذات رؤية استراتيجية عما يجب أن تكون عليه أمريكا فى عالم تتزايد فيه المنافسة لانفرادها السابق بالدور القيادى. والأهم من ذلك أنها أول قيادة من أصول ملونة، غير بيضاء تصل للرئاسة بعد علو نفوذ اليمين الجمهورى المحافظ وسطوته. ولذا فإن هذا الوصول فى حد ذاته – إلى جانب طبيعة هذه القيادة – كان بمثابة علامة تغيير أساسية فى توجه المجتمع والسياسة فى الولايات المتحدة، فى وقت تزامنت فيه أزمة الاقتصاد والمال العالمية مع أزمة السياسة الأمريكية فى العالم وتدهور صورتها وتزايد تأثيراتها السلبية على الاستقرار والأمن العالمى.
إذن الحماسة لأوباما ليست حماسة فقط لما قد يحدثه من تغيير ولكن هى حماسة لما يمثله فى حد ذاته من تغيير تعجز عن تحقيقه شعوب المنطقة مع نظمها. ولذا لابد وأن نتساءل هل كانت حماسة النظم بنفس حماسة الشعوب فى العالم الإسلامي لوصول أوباما للبيت الأبيض، وماذا بصفة خاصة عن النظم التى تحالفت مع إدارة بوش وسياساته ولم تكن تجرؤ على نقدها أو مناهضتها، كما يبدو الآن، حيث يتزامن مع ترحيب هذه النظم بإدارة أوباما إرهاصات انتقادات لسياسات إدارة بوش، ما كانت تظهر خلال توليها السلطة.
ومن ناحية ثانية: ومع استمرار التوقعات حول ما قد يحدثه أوباما من تغيير فى السياسة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي كان السؤال الرئيسى المطروح هو هل سيدشن أوباما توجهًا استراتيجيًا جديدًا أم سيعيد تشكيل أسلوب نفس التوجه ليصبح أكثر تصالحية وأقل صدامية استمرارًا فى خدمة المصالح الأمريكية بالأساس؟ والغائب هنا فى كل الإجابات حول هذا السؤال، والتى تراوحت ما بين اختيار وآخر، هذا الغائب هو أن الحوار ليس نقيض الصراع ولكنه مجرد أداة من أدوات إدارة الصراعات، ومن ثم إن كانت لغة إدارة أوباما تبدو مغايرة للغة إدارة بوش تجاه العالم الإسلامي إلا أن هذا لا يعنى بالضرورة انقلابًا جذريًا فى السياسات ذاتها، ذلك لأن ما دشنه بوش لا يمكن الخروج عنه بسهوله وبسرعة، حتى لو أراد أوباما ذلك. ويرجع ذلك لأمرين: الأمر الأول هو توازنات القوى الأمريكية الداخلية التى تشكل التوجهات فى دولة عظمى تصنع سياساتها وتتخذ قراراتها مؤسسات ذات تقاليد، لا يستطيع أى رئيس أمريكى مهما بلغت كاريزميته أن يخترقها بمفرده أو بسهولة. والأمر الثانى هو: حسابات المصالح الأمريكية ذاتها التى تحققها السياسات الأمريكية تجاه قضايا العالم الإسلامي المختلفة، وهى المصالح التى تمت حمايتها دائمًا وعبر عقود ممتدة، بسياسات صراعات القوى التقليدية.
ولهذا كله فإن من الأوجب السؤال كيف سيدير أوباما عواقب سياسات بوش على صورة أمريكا ومصالحها؟ وليس كيف سيحقق بوش مصالح العالم الإسلامي؟ حيث أن الانفتاح والتصالح والحوار ليست – كما سبق القول- إلا أدوات لإدارة علاقات وصراعات المصالح وتحسين مناخ هذه الإدارة. ولقد استخدمت إدارة بوش ذاتها نفس هذه الأدوات حيث تسارعت مبادرات وجولات الحوارات الرسمية وغير الرسمية، بل أن العقد الأول من القرن العشرين يمكن تسميته عقد الحوارات. إلا أن الجديد فى هذه المرة – منذ حفل تنصيب أوباما وعبر الأشهر الستة حتى خطاب القاهرة- هو أن الدعوة إلى الانفتاح أو التصالح أو الحوار مع العالم الإسلامي، تأتى من الرئيس الأمريكى ذاته، وكمبادرة شخصية وصلت به إلى القدوم بذاته إلى مصر لتوجيه خطابه وكان يمكنه أن يوجهه من الولايات المتحدة ذاتها. ولكنه أراد أن يكون للخطاب مغزى مباشر وواضح وصريح. ولهذا لا عجب أن أضحى هذا الخطاب ومنذ الإعلان عن توقيته ومكان إلقائه موضعًا لتحليلات متنامية، جعلت منه فى حد ذاته، وقبل معرفة مضمونه – حدثًا وظاهرة بل وهدفًا فى حد ذاته.
كل ذلك كان يجرى فى نفس الوقت الذى كانت فيه بوادر سياسات إدارة أوباما تتجلى رويدًا رويدًا، سواء تجاه أفغانستان وباكستان، وتجاه العراق، وتجاه إيران وتجاه إسرائيل وفلسطين وأخيرًا تجاه قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والتنمية. فهل كانت تعكس جديدًا؟ وما قدر الاستمرارية والتغير؟
ومن ناحية ثالثة: توجه أوباما فى خطاباته إلى “العالم الإسلامي”، باعتباره كيانًا واحدًا أو كليًا، وإن احتوى قضايا عديدة شائكة تقع فى أقاليمه المختلفة عرقيًا أو قوميًا أو مذهبيًا… وهذا النمط من التوجه للعالم الإسلامي برمته يحمل دلالات هامة ظلت غائبة عن زخم التعليقات والتحليلات. ومن أهمها (أنهم) ينظرون (إلينا) ككل ونحن لا نريد أو لا نعرف أن نعمل على هذا الأساس أو انطلاقًا منه. وهذا النمط من التوجه ليس جديدًا على الدوائر الأمريكية المختلفة، وخاصة مراكز الفكر الاستراتيجى الأمريكية، والوثائق الاستراتيجية الأمريكية والأدبيات الفكرية والأكاديمية، بل والمعالجات الاعلامية والخطابات السياسية.
والتوجه هذا يعنى أمرين: من ناحية؛ الاعتراف بأن الانتماء للإسلام عقيدة ودينًا يخلق مشتركًا ثقافيًا بل وسياسيًا أيضًا يجب اكتشافه بقدر ما يجب اكتشاف الاختلافات النابعة عن الزمان والمكان، ومن ناحية أخرى؛ يعنى أن قضايا هذا العالم الإسلامي فى مجملها تمثل للسياسات الغربية إما تحديات أو تهديدات يجب التعامل معها على مستوى البرامج والخطط والأفعال وليس مجرد جدال الأفكار والخطابات. وجميع هذه الأمور لا يمكن أن تكتفى باستحضار العوامل المادية فقط مجردة بما يتصل بالإسلام.
ولقد حملت مبادرة أوباما – ابتداء من حفل تنصيبه إلى خطاب القاهرة، جديدًا إلى هذه التقاليد. ذلك لأنها انطلقت من الرئاسة الأمريكية ذاتها، ومن أوباما بصفة خاصة، والذى اعتبر الكثيرون أن تكوينه وخبرته وفكره وشخصيته تمثل رصيدًا لامكانيات الانفتاح على العالم الإسلامي بأسلوب جديد يقوم على أسس الاحترام المتبادل وليس الشك أو الكره المتبادل.
فهل تذكرنا هذه المبادرات بسوابق تاريخية مناظرة أو شبيهة؟ حقيقة كانت زيارة نيكسون إلى مصر زيارة تاريخية ولكنها كانت قاصرة على مصر وتجاه دائرة الصراع العربى الاسرائيلى فقط (مهما قيل عن محوريته بين دوائر الصراعات الأخرى فى العالم الإسلامي). كذلك فإن بوش ذاته قد استخدم مفهوم “الشرق الأوسط الكبير” عوضًا عن العالم الإسلامي، وإن كان النطاقان الجغرافيان يتطابقان إلا إن الدلالات المفاهيمية لكل منهما تختلف بالضرورة.
ومن ثم فإن كان خطاب أوباما قد انطلق من القاهرة إلا أنه اتجه إلى العالم الإسلامي ومقدمًا رؤية أمريكا الاستراتيجية عن خريطة قضايا هذا العالم وأولويات الأجندة الأمريكية، وعلى نحو يمكن معه أن نربط بين هذه القضايا بخيط ناظم – كما سنرى لاحقًا. فهل ندرك نحن شعوبًا ونخبًا ونظمًا هذا الواقع الذى يدركه عنا آخرون وهو: أننا عربًا وغير عرب نمثل كيانًا كليًا يسميه أوباما العالم الإسلامي ونسميه نحن الأمة الإسلامية، والأخيرة مفهومًا عقديًا اجتماعيًا حضاريًا فى حين أن العالم الإسلامي يعكس الواقع الجيوبوليتكى الراهن لشعوب هذه الأمة والدول القومية التى تنتظم فى إطارها، بعد أن كانت تنتظم فى دولة خلافة واحدة ثم اعتراها التعدد والتجزئة تدريجيًا حتى وصلت إلى ما هى عليه الآن.
حقيقة فإن واقع العالم الإسلامي، واقع مجزء متعدد إلا أنه ما زال يبقى فيه ما يجعله فى نظر القوى الكبرى كيانًا كليًا يقتضى اقترابًا استراتيجيًا كليًا إلى جانب ما يقتضيه من اقترابات أخرى جزئية ونوعية. فالمشترك الآن هو أن العالم الإسلامي يمثل ساحة استهداف أساسية من جانب السياسات الغربية والأمريكية، وليس هذا بجديد تاريخيًا، وإن كان الجديد هو الأطر والقضايا. كما أن العالم الإسلامي – وخاصة على مستوى الشعوب والنخب، يعتريه حالة غضب عارمة على الولايات المتحدة، وليس حالة كرة حضارى أو ثقافى هيكلى كما يدعى البعض من أصحاب رؤى صراع الحضارات، ولكن من ناحية أخرى، ما يصدق على شعوب العالم الإسلامي لا يصدق بالضرورة على كل نظمها أو كل نخبها. فها هى إسرائيل وإدارة بوش قد نجحتا فى استعداء نظم عربية على إيران فجعلتها العدو عوضًا عن إسرائيل، وها هى المخاوف من تهم الارهاب والعنف قد أعمت العيون عن حقوق المقاومة المشروعة ضد الاحتلال، فأضحت طالبان وحماس وحزب الله من قوى الإرهاب التى تهدد الأمن الأمريكى وأمن بعض النظم العربية وكذلك الإسلامية مثل باكستان، وها هى القدرة النووية الايرانية أضحت بمثابة تهديدًا وليس مكسبًا للقدرات الإسلامية فى مجموعها، أيًا كانت رؤيتنا لدرجة التنافس الإيرانى مع دول عربية حول الدور الإقليمى القائد فى المنطقة…
ومن ناحية رابعة وأخيرة: إن تعاظم التوقعات سلبًا أو إيجابًا من أوباما، إنما تعنى مدى ما وصل إليه اعتمادنا على الخارج لإيجاد الحلول لمشاكلنا. فلم يكن الحديث عما يجب أن نفعله تجاه توجُّه أوباما الجديد نحونا لنعظم مكاسبه أكثر من الحديث عما ننتظر أن يفعله أوباما من أجل قضايانا، ولذا لا عجب إن وقعنا فى أوهام آمال التغيير القادمة من الخارج. حقيقة لا تخفى هذه الحالة العقلية والنفسية، قدر ما أضحى عليه التدخل الخارجى فى شئوننا وقدر ما أضحت عليه وطأته على استقلالنا ومصائرنا، إلا أن تكريسها على هذا النحو يزيد من مخاطر استحكام هذا التدخل الخارجى، كما يعنى هذا التكريس مزيد من الاعتراف بعدم القدرة على الفعل أو على الأقل عدم الرغبة إلا فى التغيير من الخارج وبأيدى خارجية، دون أن نولى قدرًا وافيًا من الاهتمام بما يجب أن نحدثه نحن فى أنفسنا من تغيير، أو بما يجب أن نعبئه من أوراق ضغط لحفز التوجه الجديد لدى الادارة الأمريكية.
هذا ويوجد لهذه العملة وجه آخر ألا وهو أن النظم التى ما كانت لتوجه انتقادات أو اتهامات علنية وسافرة لبوش وإدارته بل وتتحالف معهم فى كثير من الأمور، هى الآن التى تستقبل أوباما وتستمع إليه وهو يتحدث عن كيفية بدأ صفحة جديدة من العلاقات بعدما شابها من توتر وتصادم خلال السنوات الماضية. فهل النظم إذن أم الشعوب هى الأجدر بالاهتمام بتوجهات التغيير لدى أوباما؟ وهل سيقبل تحالف أوباما مع تلك النظم التى تستبد بشعوبها وتحتكر السلطة لنفسها وتبرر لأمريكا مخاطر التغيرات الداخلية السريعة؟
وأخيرًا، واستكمالًا لما تمثله التوقعات من أوباما من اعتماد على الغير، يبقى الاشارة إلى ما يلى: إذا كان توجه أوباما مغايرًا لتوجه بوش- بالمعنى السابق شرحه، والمعتمد أساسًا على التغير فى الأسلوب وليس فى المضمون (على الأقل حتى الآن)، وإذا كان هذا التوجه ينطلق أيضًا من حماية ودعم المصالح الأمريكية، كما تعرفها القيادة الجديدة واتساقًا مع الثوابت فى هذه المصالح والتى توافقت حولها الادارات السابقة، فأين هو مفهومنا عن مصالحنا التى نريد حمايتها أو دعمها من خلال دور أمريكى؟ أم هناك مجرد مصالح النظم والتى تساير المفهوم الأمريكى عن المصالح الأمريكية، وذلك فى مقابل مصالح الشعوب وأهدافها، والتى عادة ما تعبر عنها نخب المعارضة والحركات الاجتماعية المقيدة الدور والحركة، بل والتى تتهمها النظم بعدم الرشادة وأحيانًا بعدم الواقعية وعدم البراجماتية وعدم القدرة على الاستجابة لضغوط الواقع ومتغيراته؟
فهل مصلحتنا أن تأتى الولايات المتحدة بعدتها وعتادها لتضرب طالبان والقاعدة فى أفغانستان وباكستان حماية لأمن الشعب الأمريكى فى الولايات المتحدة؟
فهل كانت مصلحتنا أن نراقب إسقاط نظام صدام حسين، مهما كانت مواقفنا من درجة استبداده التى لم يفق فيها غيره من مستبدى المنطقة؟
فهل من مصلحتنا أن نحاصر حركات المقاومة المسلحة ضد إسرائيل أمام أوهام السلام وفق رؤية إسرائيلية أمريكية… إلخ من مسلسل الحالات التى تتناقض فيها مفاهيم المصالح الوطنية بين النظم وبين الشعوب وبين السياسة المريكية.
فإذا كان أوباما قد جاء لمصلحة أمريكا، ولو برداء تصالحى وانفتاحى وحوارى جديد، وإذا كنا ما زلنا نتجه إليه ليجد لنا حلولًا لمشاكلنا المستعصية، فهل بمقدورنا أن نفكر فى هذه المصالح من منظور جديد؟
إن هذه الدلالات الغائبة عن أو الكامنة وراء حالة أو ظاهرة التوقعات من أوباما، والتى تنامت طوال ستة أشهر لتصل إلى قمتها مع حدث خطاب القاهرة، إن هذه الدلالات قد تبدو فى نظر البعض من الكليات والمجردات المتكررة دومًا وليست قاصرة على حالة أوباما فقط، إلا أننى قد استدعيتها لتمثل إطار أو خلفية الاستماع إلى خطاب أوباما فى جامعة القاهرة، والاقتراب منه فى ظل السياق – المصرى- الذى أحاط به استعدادًا ليومه أو خلال هذا اليوم. فماذا عن مضمون الخطاب. وقبل هذا، ماذا عن سياق الإعداد ليومه وكذلك سياق يوم إلقائة؟؟ فلا يمكن قراءة خطاب منفصلًا عن سياقه المباشر وغير المباشر فما بالك بخطاب أوباما فى القاهرة؟

2- خطاب أوباما فى القاهرة: السياق والمضمون

قبل أسبوعين من خطاب أوباما فى القاهرة، ومع غمرة الاستعدادات لامتحانات نهاية الفصل الدراسى الثانى، وجدت جامعة القاهرة نفسها فى المأزق الناجم عن وقوع الاختيار عليها ليوجه أوباما من قاعتها الكبرى “خطابه التاريخى لفتح حوار مع العالم الإسلامي وإذا بنا أعضاء هيئة التدريس فى الجامعة وطلابها نجد أنفسنا أمام حملة تجميل وتنظيف لساحة الجامعة الرئيسية ومداخلها وللشوارع والميادين المؤدية إليها. ولقد أدى هذا الوضع إلى إرباك فى حركة المرور وفى مواعيد الامتحانات، (حيث تم تأجيل امتحانات يومى 3،4 إلى 21،22 يونيه) ناهيك عن الإجراءات الأمنية.
ولقد حملت هذه الصورة أكثر من دلالة، من ناحية: عدم مراعاة ظروف جامعة القاهرة وقت الامتحانات واضطرارها إلى تنفيذ القرارات العليا، مما يعكس من جديد مركزية إصدار القرارات استجابة لحسابات لا تشارك فى وضعها أو مناقشتها الجامعة.
من ناحية ثانية: إن تجميل حرم الجامعة وتنظيم المرور منه وإليه مطالب بحت أصوات أعضاء هيئة التدريس بها دون استجابة. بحجة الموارد المالية أو بحجة الاعتبارات الأمنية. ولكن فجأة واستجابة لمتطلبات زيارة أوباما، توافرت الموارد اللازمة، سواء من الوقت أو المال، لتنفيذ هذا التجميل وفى وقت قياسى غير مسبوق. وعلى العكس كانت عدم الاستجابة لمطالب أعضاء هيئة التدريس بزيادة المرتبات ولو فى ظل شروط نظام الجودة. ولقد تكرر سيناريو جامعة القاهرة مع مواقع أخرى فى القاهرة تجميلًا وتنظيمًا، مما دفع بالعديد من أصحاب العلم والفكر والرأى للتساؤل، إما استعجابًا أو استنكارًا أو انزعاجًا من أن الاستجابة لمطالبنا فى التغيير والإصلاح – ولو الشكلى- لا تتحقق إلا تحت ضغوط المواءمات مع الخارج، وكما لو أن التجميل والتنظيم والنظافة لم تعد حقًا من حقوقنا نحن مواطنو وأهل البلد، بقدر ما هى تصبح حقًا للوجاهة والمنظرة أمام الضيوف، ناسين أو متناسين أن هؤلاء الضيوف يدركون حقيقة هذا الوضع.
ومن ناحية ثالثة: وبدلًا من أن تستقبل جامعة القاهرة بطلابها وأعضاء هيئة تدريسها، أوباما استقبالًا طبيعيًا حيًا، وبدلًا من أن تستقبل القاهرة بأهلها هذا الضيف العزيز على بلادنا، فإذا بإجراءات الاستقبال تتحول إلى مسرحية أمنية كبيرة، مجردة من المشاعر والانفعالات، إلا المخاوف الأمنية التى جعلت من أوباما وموكبه أسرى خطط سرية للتنقل ومجرد الظهور فى أماكن محددة، بلا ناس، كما لو أن القاهرة عاصمة ال 20 مليون نسمة قد هجرها أهلها، فى حين كان يمكن أن يكون مشهد الزيارة أكثر إنسانية وأكثر شعبية، إلا أن الاعتبارات الأمنية قد علت فوق أى اعتبار، وذلك خلال زيارة من المفترض فيها أنها ذات أبعاد إنسانية وثقافية وحضارية يتجه بها رئيس الولايات المتحدة إلى شعوب العالم الإسلامي وليس حكامه ونخبه فقط. فلماذا جاءت هذه الصورة “الميتة” لهذه الزيارة، بحيث يمكن القول إن زيارة أوباما للقاهرة لم تكن إلا باعتبارها منصة يلقى منها خطابه ويزور خلالها بعض المعالم الأثرية التاريخية، وهى رغم أهميتها تفتقد حس الواقع وحس الشارع. وهذا الأخير هو ما كان لابد وأن يشعر به أوباما. حيث إن التصفيق المتكرر خلال خطابه، من نخب متنوعة، لم يكن يعبر عن نبض الشارع والمواطن، حيث تفاوتت مواطن الخطاب التى استجابت لها النخب المختلفة تصفيقًا أو مقاطعة.
إذن لماذا كان هذا السياق المحمل برائحة الأمن؟
هل كانت مطالب أمنية أمريكية؟ وهل استجابت لها مصر على النحو الذى أفقد الزيارة – ولو من أجل إلقاء الخطاب – مغزاها وهو المغزى المفترض أن يمهد لمضمون الخطاب ذاته، بل ويعد جزءًا أساسيًا من هذا المضمون. وفى هذه الحالة أليس هذا السيناريو يعنى عدم ثقة أمريكية فى حالة الأمن فى مصر أم هى مجرد رغبة أمريكية فى بيان أن مصر لم تكن إلا منصة لإلقاء خطاب من المفترض أنه موجه إلى العالم الإسلامي برمته؟
وهل تقاربت الرؤى الأمنية المصرية مع الأمريكية مخافة أن تؤدى مشاركة شعبية فى استقبال أوباما إلى مظاهرات قد تندد بأمريكا أو قد تندد بمساندة سياساتها للنظام فى مصر أو… إلخ من مواطن الهجوم على السياسة الأمريكية فى العالم الإسلامي وخاصة تجاه القضية الفلسطينية؟؟
ليس لديَّ بالطبع إجابة محددة وصريحة عن هذه الأسئلة، وأيًّا كانت هذه الإجابات، فهى لن تغير من حقيقة هامة مؤداها أن سياق الاستعدادات للزيارة من ناحية، وسياق يوم الزيارة ذاتها من ناحية أخرى قد أصاب الخطاب بهزة قبل التعرف على مضمونه ورسالته.
فماذا عن هذا المضمون وما يبثه من رسائل وما يكشف عنه أو ما يسكت عنه؟
عادة ما لا يكون الاقتراب من الخطابات التاريخية مركِّزًا فقط على تفاصيل القضايا الرئيسية، ومن ثم فإن الاقتراب الأكثر ملائمة لتحليل مضمون خطاب أوباما، هو الاقتراب الكلى الشامل أولًا والذى يمكن ثانيًا على ضوئه الاقتراب من القضايا الجزئية. والمقصود بالاقتراب الكلى ومن ثم الشامل أمران؛ الأول: هيكل الخطاب، أى من أين بدأ وكيف توالى وإلى أين وصل؟ وما مدلول هذا الهيكل بالنسبة للرسالة التى يقدمها الخطاب فى مجمله؟
الثانى: الخيط الناظم بين مكونات هيكل الخطاب وطبيعة الرؤية التى يعكسها، وخاصة من حيث العلاقة بين الأبعاد القيمية المعيارية والأبعاد السياسية، أى العلاقة بين الأبعاد الثقافية – الحضارية وبين الأبعاد السياسية.
وهذان الأمران يحققان هدفًا أساسيًا فى قراءتى خطاب أوباما وهو الإجابة على السؤال التالى: ألا وهو كيف قرأ الإسلام وكيف قرأ العالم الإسلامي؟ وكيف انعكست هذه القراءة على موقفه من قضايا العالم الإسلامي؟
أما الاقتراب الثانى فهو الاقتراب الجزئى الذى يتوقف عند هيكل كل قضية من قضايا الخطاب أى القضايا التى على السياسة الامريكية أن تتخذ حيالها مواقف تحقق انفتاحًا فى العلاقات مع العالم الإسلامي. ومما لاشك فيه أن الاقترابين الكلى والجزئى متكاملان الأول يمثل إطار فهم وتحليل القضايا والثانى يختبر مصداقية إطار النظر ورؤية أوباما.
إن تحليل الخطاب من خلال هذين الاقترابين وإن بدا أنه عمل علمي منظم أو نظريًا لأنه يركز على الخطاب ذاته- إلا أن التحليل لن ينفصل عن توجهات وحقائق السياسات Policies الأمريكية على أرض الواقع، عبر 5 أشهر تقريبًا، ذلك لأن النظر إلى هذا الخطاب إنما تم فى نطاق حدود معينة تعترف من ناحية بأنه خطاب وليس ممارسة، إنه إعلان عن رؤى كلية وقواعد عامة وليس تفاصيل سياسات، إلا أنه من ناحية أخرى لا يصبح له مغزى ووجود وتأثير إذا اقتطع من سياقه الحاضر والمستقبلى. ومن هنا ضرورة تحليله، قبولًا أو نقدًا، على ضوء وقائع الأحداث والممارسات والمواقف الأمريكية، وهذا المنهج الذى يربط بين الخطاب وسياقه يعد من أهم ضوابط عدم الإفراط فى التشاؤم والنقد السلبى أو الإفراط فى التفاؤل والترحيب.
ولعل أوباما ذاته كان مدركًا لهذا حين أشار إلى أن خطابه وإن كان قد حاز شهرة إلا أنه ليس متوقعًا أن يقدم حلولًا لكل المشاكل فى هذا الخطاب.
وأخيرًا: قبل الدخول فى تفاصيل قراءة الخطاب، لابد من التوقف عند بعض الأمور التى لم تختلف عليها التحليلات وإن كانت تفاوتت فى مغزاها وتأثيرها على مضمون الخطاب.
فلقد كان نهج أوباما فى إلقاء الخطاب، متميزًا من حيث اللغة والأسلوب والتوجه المباشر للمستمعين، وهو الأمر الذى أكد أنه نموذجًا للقيادة الشابة الكاريزمية ذات الرؤية والوجهة والذى يخوض معركة وراء معركة مصحوبًا بمبادئه ومتفاعلًا بمرونة ومتوازنًا بواقعية مع السياق المحيط داخليًا وخارجيًا. ولذا فابتداء يمكن القول أن خطاب أوباما لم يكن من الممكن قبوله أو رفضه تمامًا فى مجمله، فلقد وجد فيه الجميع أمورًا يؤيدونها وأخرى يرفضونها أو ينتقدونها.
ومن ناحية أخرى: فهذا خطاب من رئيس أمريكى يلقيه من خارج دولته ومتجهًا لمنطقة استراتيجية وفى مرحلة خطيرة من التأزم العالمى، مما يعنى أنه لابد وأن يؤخذ هذا الخطاب بجدية أيا كانت النظرة التقيمية لمضمونه سلبًا أو إيجابًا. بل يدفعنا هذا الوضع إلى التساؤل عن السوابق المناظرة فى تاريخ السياسة الأمريكية وما حاق بنتائجها والتوقعات منها؟
فمما لاشك فيه أن استدعاء ذاكرة خطابات رؤساء الولايات المتحدة إلى أمم أخرى، عبر القرن السابق على الأقل، لابد وأن تقدم لنا الكثير عن مغزى خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي فى تلك المرحلة من تطور النظام العالمى.
فمهما اختلفنا حول ماهية صورة أوباما ذاته لدى المسلمين، ودوافعه ومبرراته لإلقاء هذا الخطاب… إلخ فمما لا شك فيه أنه لابد من التوافق حول أنه – من حيث التوقيت والأسلوب والمضمون فى مجمله – يمثل الخطاب نقله نوعية (ولو على مستوى القول) – فى التوجه الاستراتيجى الأمريكى نحو العالم الإسلامي: وهو توجه وإن ظل يؤكد مركزية هذا العالم فى هذه الاستراتيجية منذ نهاية الحرب الباردة، إلا أنه يبين أيضًا كيف أن نمط هذا التوجه قد تحول عبر عقدين من التربص (1991-2001) إلى الصدام (2001-2008) إلى محاولة التطبيع (2008-)
وفى جميع هذه المراحل مارست العلاقة بين الأبعاد الدينية – الثقافية الحضارية وبين الأبعاد السياسية العسكرية وغيرها تأثيراتها على تشكيل السياسات. ولم يلق الاهتمام بالعلاقة بين هاتين المجموعتين من الأبعاد ترحيبًا من كل المحللين أو المراقبين، حيث رفض البعض الاعتراف بالدوافع والأهداف والأدوات الثقافية والحضارية للسياسة الأمريكية، على أساس أنها تحول النظر عن نظائرها الحقيقية أى الأبعاد الاستراتيجية لصراع القوى التقليدية.
ولهذا فإن تيار من الناقدين لخطاب أوباما – كحدث فى حد ذاته – قد رفض هذا التيار انطلاق الخطاب من الحديث عن الإسلام والحوار مع العالم الإسلامي بصفته هذه. وعلى العكس فإن البعض الآخر رفض مجرد الاهتمام بالخطاب لمجرد أنه ينطلق من الإسلام ويتجه للمسلمين، معتبرين إياه أمرًا لابد وأن يهم الغرب ذاته وليس العالم الإسلامي. فالأخير قد اكتوى بنار السياسات الامريكية – مدافعة عن أو متهمة الإسلام – ولهذا فلم يعتبروا أوباما إلا مجرد حلقة فى سلسلة متصلة من التلاعب بالعالم الإسلامي: شعوبًا ونظمًا مرة من خلال لغة الصدام وأخرى باسم لغة الحوار.
وعلى ضوء ما سبق من تمهيد، فسنركز على القراءة فى خطاب أوباما من الاقتراب الكلى أساسًا، وبدون إسقاط الاقتراب الجزئى تمامًا، سيتم الاستعانة به دعمًا لبعض تحليلات الإطار الكلى.
الاقتراب الكلى الشامل من مضمون خطاب أوباما:

ينتج عن هذا الاقتراب ثلاثة مجموعات من النتائج ؛ طبيعة الرسالة الموجهة، هيكل الخطاب والخيط الناظم بين قضاياه، مقولات وقضايا نوعية فى الخطاب.

أولًا: طبيعة رسالة الخطاب

فهي ذات مغزى مهم بالنسبة للمستهدفين من الخطاب وبالنسبة لطبيعة رؤية أوباما ومنظورة الفكرى والسياسي. فالثلث الأول من الخطاب، هو خطاب للناس فى العالم الإسلامي، محمل بالأبعاد القيمية والمعيارية، والمدعم بالتاريخ، وهو فى كلياته ذو فحوى شديد الإيجابية عن الإسلام وعن الحضارة الإسلامية وعن المسلمين فى الولايات المتحدة. ولقد بدأ بنقد ذاتى شديد الوضوح – من شأنه أن يشد آذان الإنسان المسلم الذى عانى بأشكال مختلفة وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة من تحيز وظلم السياسات الأمريكية والغربية بصفة عامة – ذلك لأن أوباما ذكّر بمسئولية الاستعمار والحرب الباردة والحداثة وعواقبهم على العالم الإسلامي.
واستكمالًا للتواصل –مع الناس ومع الشعوب- استحضر أوباما خبرته الشخصية مع الإسلام، التى كانت جزء ركينًا من أركان انجذاب شعوب العالم الإسلامي إليه طوال معركته الانتخابية – إلا أنه ربطها بسياق أعم ألا وهو أن الإسلام هو جزء من قصة أمريكا. ولقد استحضر هذه الرابطة وهو يتحدث عن مزايا النموذج الأمريكى، وأنهى أوباما هذا الثلث من خطابه بأن الجميع يواجه نفس التحديات وأن الفشل فى مواجهتها سيؤذى الجميع. ولذا فإن هذا الجزء من الخطاب ملئ بعبارات: الانسانية المشتركة، المشاركة، إذن هو تركيز على المشتركات وليس على الاختلافات أراد أن يبرز أنها أوجه الاعتماد المتبادل الذى يدفع إلى اعتماد أساليب حل النزاعات السلمية وليس أساليب القوة المسلحة..
إلا أن الجدير بالملاحظة هنا أن أوباما فى هذا الجانب المعيارى القيمى من ثلث الخطاب الأول كان يتحدث عن الإسلام فى مقابل الولايات المتحدة ومن ثم يستحضر قيم الإسلام فى مقابل قيم النموذج الأمريكى وباعتبار أن الإسلام وأمريكا ليسا فى تنافس بل وأن المشاركة بين أمريكا والإسلام يجب أن تقوم على ماهية الإسلام وليس على ما ليس فيه.
كذلك الجدير بالإشارة هنا أن هذه المقابلة بين الإسلام (دينًا وحضارة وثقافة وتاريخ سياسي) وبين الولايات المتحدة من حيث منظومة القيم التى يقوم عليها النموذج الأمريكى، إنما تستدعى التأمل بل والنقد، فإن النماذج التاريخية التى جسدت مرجعية إسلامية هى نماذج عديدة ومتنوعة ولذا لا يقاس النموذج الأمريكى ذو المائتى عام بها أو عليها، ناهيك عن أن الاقتصار على المشترك، مهما كان جديرًا بالاهتمام، لا يمكن أن ينهى الاختلافات، كما أن النظر إلى هذه الاختلافات لا يعنى بالضرورة تزكية الكره والصراع، كما قال أوباما فى بداية كلمته، مشيرًا عندئذ إلى القلة من المسلمين المتطرفين بعنف. ذلك لأن الاختلافات من طبائع الأمور، ويمكن ألا تعوق التعاون، ولذا يصبح من الضرورى أن نعرف، لماذا قاد الاختلاف هؤلاء المتطرفون إلى الكره والعنف، هل الأمر يرجع إلى ماهيه إدراكهم للآخر بصورة مطلقة أم يرجع إلى سياسات هذا الآخر وليس مجرد دينه أو ثقافته المختلفة؟
بعبارة أخرى تحمل حجج أوباما فى ذاتها بعض متناقضاتها، ومهما حسنت نواياه تجاه الإسلام والمسلمين، فلا يمكن تسطيح الموضوع وتبسيطه على هذا النحو، كما لو كان أن ما يتصل بقيم الإسلام من تسامح وسلام ولا عنف لم يكن معروفًا من قبل. ومع الأخذ فى الاعتبار هذه التحليلات لمنطق حجج أوباما الداخلى إلا أنه لا يمكن إنكار قيمة هذا الجانب من الخطاب، وهو يأتى على لسان رئيس أكبر دولة فى العالم بعد أن قام على رئاستها ولمدة ثمان سنوات من كان يغذى كل الصور النمطية السلبية ضد الإسلام ويوظفها كمبررات ودوافع لسياساته التوسعية تجاه العالم الإسلامي.ولذا لا عجب أن نلحظ أن خطاب أوباما قد خلى من مفاهيم عزيزة على إدارة بوش ؛ الارهاب، القاعدة، مشروع الشرق الأوسط الكبير، الإصلاح.
هذا الوجه الأول للعملة من خطاب أوباما – أى الوجه المعيارى القيمى الموجه للناس هو الذى وصفه كثيرون بأنه دغدغة للمشاعر أو حملة دبلوماسية أو علاقات عامة، أو أنه وسيلة لإعادة إصلاح ما شوهته سياسات بوش، أو أنه سبيل لتحسين صورة أمريكا. حقيقة لا تخلو كل هذه الصفات من حقيقة أو صواب، ولكن مضمون هذا الجزء المعيارى يعكس فى ذاته قدرًا كبيرًا من خطاب الاتجاهات المعتدلة المتوازنة المحايدة الموضوعية الغربية التى تحدثت من قبل أوباما ضد خطابات صراع الحضارات المليئة بالصور النمطية السلبية ضد الإسلام والمسلمين، وعلى رأسها الاتهام بالإرهاب ورفض الآخر. وهذه الاتجاهات هى الاتجاهات الليبرالية التى شعرت بمخاطر رؤى اليمين الأصولى الأمريكى المتحالف مع المحافظين الجدد، ليس على مصير العلاقة مع العالم الإسلامي فحسب، ولكن على مصير النموذج الأمريكى ذاته كما وصفه أوباما، نموذج المساواة، والحرية والفرص للجميع ونموذج الجميع فى واحد. كما أن هذه الاتجاهات هى التى وجهت أيضًا انتقادات شديدة، بل وأحيانًا هجوم على سياسات إدارة بوش، وذلك حين وظفت الأبعاد الثقافية الحضارية لخدمة ودعم الأبعاد الصلدة للقوة الأمريكية.
وهذا ما فعله أوباما فى نهاية الثلث الأول من خطابه حيث، اعترف بواقعية “إنها مسئولية صعبة للقيام بها (مسئولية التصدى للتحديات المشتركة والمسئولية المتبادلة بين البشر) لأن التاريخ الانسانى هو عادة تاريخ الأمم والقبائل والأديان التى أخضعت بعضها البعض من أجل مصالحهم الخاصة… يجب ألا نهمل مصادر التوتر”، كذلك فإن أوباما – بعد عرضه مواقف أمريكا من أفغانستان والعراق، خلص إلى ما يلى:” كما أن أمريكا لا تستطيع أبدًا التسامح مع عنف المتطرفين، فيجب ألا ننسى أبدًا مبادئنا. فالحادى عشر من سبتمبر كانت مأساة هائلة مرت بها بلادنا. ويمكن فهم الخوف والغضب التى فجرتهم. ولكن فى بعض الحالات، قادتنا للحركة عكس تقاليدنا ومبادئنا”.
هذا ولقد وصل أوباما إلى الخمس قضايا الرئيسية التى أسماها مصادر التوتر فى العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي، وذلك بعد أن دعا إلى التعامل مع هذه المشاكل من خلال المشاركة partnership.
ولكن أين تكمن آفاق المشاركة بين الجانبين فى حل هذه القضايا؟
هل خطاب أوباما تحدث عما يجب أن تفعله الولايات المتحدة فقط أو ما تطالب به الولايات المتحدة غيرها أن يفعلوه؟ أم تحدث أيضًا عن مسئوليات الجانب الآخر كشريك فعلى؟ وأين هو هذا الشريك الذى هو مفعول به بكل الأدوات العسكرية وغيرها؟
وفى نهاية هذا الجانب من الطرح الكلى عن التوجه العام لخطاب أوباما ورسالته يمكن أن نقول أن البداية كانت مفعمة بالايجابية وإن تسربت فيها بعض التناقضات (كما سنرى لاحقًا بتفصيل أكثر). كذلك فإن رؤية الاعتماد المتبادل، ورؤية الانسانية المشتركة سرعان ما تبخرت حين وطأة قدما أوباما مستنقع سياسات القوى، فسرعان ما بدأ العقل يعمل بعد أن نجح أوباما ولمدة 15 دقيقة أن يكسب القلوب وجانب من العقول، إلا أن سرعان ما تحفزت العقول حين بدأ أوباما فى تناول مواطن ومكامن غضب العالم الإسلامي من الولايات المتحدة: أفغانستان، العراق، فلسطين، الديمقراطية والمرأة والبيئة المجتمعية ولدرجة دفعت إلى التساؤل، ماذا بعد البداية المشجعة، وهل سيعقبها جديد حول موقف الولايات المتحدة من هذه القضايا؟ هل سيعلن مثلًا انسحابًا أمريكيًّا من أفغانستان، هل سيدعو إلى فك الحصار عن غزة، هل سيدين الأنظمة المستبدة فى المنطقة (وغيرها من التوقعات عالية السقف التى ترددت قبل أسبوع من الخطاب)؟ أم لن تكون هذه البداية إلا مجرد “مساج جديد” لتخفيف توتر الشعوب وغضبها والاعتذار لها ولو بطريقة ضمنية؟ فى حين تظل السياسات وحسابات المصالح تلعب أدوارها؟ أم أن المطلوب بالفعل من العالم الإسلامي- وفق هذه الرؤية لأوباما عن الإسلام باعتباره تسامح وسلام- أن يكف عن المقاومة والرفض أو ما أسماه أوباما “التطرف بالعنف”؟

ثانيًا: هيكل قضايا الخطاب والخيط الناظم بين جزئيه الثقافى والسياسي

وفى أولى خطوات الإجابة على الأسئلة السابقة ومن واقع خطاب أوباما حول القضايا الخمسة، يجدر ابتداء القول أن هيكل تناول هذه القضايا ذو مغزى هام يجدر الانتباه إليه من ناحيه وكذلك الخيط الناظم أيضًا بين هذه القضايا، من ناحية أخرى، ناهيك عن الخيط الناظم بين الجزئين الثقافى والسياسي. فلقد أجمل أوباما تحت عنوان التطرف العنيف Violent Extremism قضيتا أفغانستان والعراق، ثم اعتبر أن المصدر الثانى الأساسى للتوتر هو الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين والعالم العربى.
وكانت القضية الثالثة هى ملف إيران النووى، ثم جاءت قضايا القوة الناعمة: الديمقراطية، المرأة، التنمية، إذن فلقد عكس هذا الترتيب أجندة القضايا التى انتُخب من أجلها أوباما، فهل تعكس نفس الأولويات فى العالم الإسلامي كله؟ كذلك فإن القضايا الثلاث الأولى هى قضايا القوة الصلدة والصراعات التى تديرها القوة العسكرية للولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم. فليس فقط ما اسماهم أوباما المتطرفون هم الذين يستخدمون العنف. والملاحظ أن أوباما لم يستخدم كلمة الارهاب ولو مرة واحدة عند معالجة القضايا الخمسة، مما يعنى فصلًا– ولو فى الخطاب ومن ثم فى ذهن المسلمين – بين استراتيجية إدارته وبين استراتيجية إدارة بوش الشهيرة أى استراتيجية الحرب العالمية ضد الإرهاب.
وفى المقابل اتضح فى نفس الوقت، اتجاه أوباما لتبرير أو تفسير استخدام القوة العسكرية فى الحالة الأفغانية والعراقية، مبينًا أن الأولى كانت ضرورة لحماية أمن الأمريكيين فى حين أن الثانية كانت اختيارًا أثار اختلافات كبيرة حوله، على نحو ذكَّر أمريكا بالحاجة لاستخدام الدبلوماسية وبناء التوافق الدولى لحل المشاكل كلما أمكن. كذلك فإن أوباما أكد على أن استخدام القوة العسكرية بمفردها لا يحل المشكلات ولذا استدعى خلال تناوله الموقف من العراق وأفغانستان مقولة توماس جيفرسون التالية: “آمل أن تنمو حكمتنا مع نمو قوتنا وأن تعلمنا أنه كلما قل استخدامنا لقوتنا، كلما عظمت هذه القوة”.
وبالرغم من أن الخمس قضايا تقع فى فئتين – هما القوة الصلدة والقوة الناعمة، إلا أن الخيط الناظم بينهم جميعًا يتمثل فى جانبين أساسيين: استحضار الإسلام وقيمه عند تناول كيفية إدارتها أو التعامل معها، ابتداء بما يتصل بالعنف المتطرف إلى المرأة والتعليم، ومن ناحية أخرى التأكيد على منظومة القيم الأمريكية وعدم التخلى عنها، ومن ثم عدم التسامح مع العنف المتطرف ضد المدنيين. فى نفس الوقت يعترف أوباما بأن الممارسات تقود أمريكا فى بعض الحالات إلى التصرف على النحو المتعارض مع تقاليدها ومثالياتها، وفى هذا إشارة ضمنية وصريحة أيضًا، إلى أن سياسات القوى والمصالح لا تتوافق دائمًا وبالضرورة مع منظومات القيم والمبادئ.
وبهذا فإن خطاب أوباما من واقع مجمل هيكله والخيط الناظم بين جزئيه وكذلك فيما بين قضايا التوتر الأساسية التى طرحها، إنما يعكس هذه الاشكالية فى العلاقة بين الثقافى والسياسي أى العلاقة بين القيمى والمصلحى، وكيف تصبح القيم والمبادئ منطلقًا ومبررًا لبعض السياسات كما تصبح بعض السياسات اختبارًا لمدى التمسك بهذه القيم والمبادئ. وبهذا فإن خطاب أوباما جسد حقيقة ما أضحى عليه، بل وما كان عليه، الاختلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين من ناحية وحول موضع القيم والمبادئ من السياسة من ناحية أخرى، سواء على مستوى التبرير أو التفسير.
وفى كلتا الحالتين فإن الثنائية واضحة، وهى ثنائية تفتعلها المنظورات الغربية، فى حين أن رؤية الإسلام الذى انطلق منه خطاب أوباما – أيًا كانت غايته ولا أقول خطابات المسلمين – تتجاوز بالأساس هذه الثنائية التقليدية بين القيمى والواقعى المصلحى، التى لا ترى فى القيم إلا إطارًا وليس من المصلحة ذاتها أو فى صميمها.
ولهذا فإن طرح أوباما قد أسقط مثلًا – عن قصد أو غير قصد – قيم الجهاد وهى بمثابة قيم المقاومة المشروعة ضد الاحتلال والتى يقرها القانون الدولى، وذلك حين رفض أى صورة للمقاومة بالعنف يقوم بها الفلسطينيون ناهيك بالطبع عن مجمل رؤيته عن موضع الولايات المتحدة بين إسرائيل والفلسطينيين والتى اتسمت بتحيز واضح لحقوق اليهود على حساب حقوق الفلسطينيين (كما سنرى لاحقًا).
خلاصة القول أن الاقتراب الكلى الشامل من خطاب أوباما إنما يقوم على استدعاء قضايا كبرى معرفية وفكرية ينطلق منها الخطاب وينبنى عليها، وبقدر ما يمثل هذا قيمة للخطاب ذاته، حيث إنه بمثابة متن متراص من الأفكار والرؤى، بقدر ما يبين كيف أن بنية الخطاب وإن حاولت أن تكتسب من البداية قلوب المسلمين، وقد نجح فى ذلك من الوهلة الأولى، إلا أن استرجاع المعانى والدلالات تمثل تحديًا لأصحاب العقول، كما لابد وأن يمثل شخص وأسلوب ومنهج أوباما عند إلقاء خطابه تحديًا لأنماط وفئات الساسة العرب والمسلمين. فهو قائد لبلده يحق لناخبيه الثقة فيه واحترامه أيا كان موقفه من قضايانا، فهو فى البداية والنهاية رئيس أكبر دولة فى العالم تمثل سياساتها تحديًا كبيرًا لكل المسلمين وليس فقط للقلة المتمكنه من المتطرفين الذين نوه إليهم أوباما بالتحديد مميزًا بينهم وبين بقية المسلمين والإسلام.

ثالثًا: مقولات وقضايا نوعية

إن دلالات الاقتراب الكلى يمكن أن تزداد وضوحًا على ضوء بعض المقولات التى تسربت بنعومة فى ثنايا الخطاب سواء فى مقدمته العامة أو عند تناول القضايا الخمسة الرئيسية، إما بعبارة واضحة وصريحة وإما بطريقة ضمنية. وهذه المقولات تدعو للتفكير فى مجموعات من الثنائيات التى أثارها طرح أوباما فى خطابه، وهذه الثنائيات، ومهما كان ما تثيره من تعليقات من اتجاهات مختلفة، إلا أنها فى مجموعها تعنى أن أوباما قد استعد جيدًا لمخاطبة المسلمين، من داخل دائرتهم (على الأقل كما فهمها أوباما) وهذا ينطبق على الثلث الأول من الخطاب بصفة عامة، وبعض الدلالات المتفرقة فى الجزء الثانى.
ومن أبرز المقولات الصريحة الواضحة ما يلى:
(1) المقابلة بين الأزهر وجامعة القاهرة: “الأزهر منارة التعليم الإسلامي.. وجامعة القاهرة مصدر لتقدم مصر وكلاهما معًا يمثلان التجانس بين التقليد (Tradition) وبين التقدم”. وهذه العبارة تحمل مغزى هامًّا خاصًّا بالعالم الإسلامي الراهن وهى الجمع بين “الدينى” وبين المدنى، ولكن فى مؤسسات مختلفة، وعبارة أوباما تكرس هذه الثنائية التى وصل إليها الحال، ولم يكن من طبائع أمور الخلافة الإسلامية أو رؤية الإسلام للعالم ذلك الفصل – أو على الأقل التمييز بين الدينى والمدنى والسياسي.
(2) المقابلة بين الإسلام والولايات المتحدة فى معظم الأحوال، وليس فقط بين تلك الأخيرة أو الغرب وبين العالم الإسلامي أو المسلمين. كما استخدم أوباما مصطلح “توتر” وليس صراع لوصف العلاقة المعاصرة بين المسلمين وبين الغرب كما لم يستخدم كلمة الإرهاب أو الحرب على الإرهاب ولكن استخدم دومًا Violent Extremist or Extremism.
وبعد الإشارة إلى الأسباب التى تولد الرؤى المتبادلة عن العداء والكره وبعد أن رسم خريطة التحديات المشتركة أفرط أوباما فى استخدام مصطلحات: المصلحة المتبادلة، الاحترام المتبادل، المشاركة فى القيم والمبادئ عن العدالة والتقدم والتسامح والكرامة الانسانية، والحديث المتبادل بصراحه والجهد الدؤوب للاستماع المتبادل والتعلم من بعضنا البعض واحترام بعضنا البعض، والبحث عن أرضية مشتركة. وجميع هذه المفردات تمثل منظومة مشتقة من الحوار ومرتبطة به. وبذا فإن حديث أوباما عن الإسلام والمسلمين قد ارتبط بمفهوم الحوار وآلياته، باعتباره سبيلًا لإدارة التوتر، ودون أن يحدد أسباب هذا التوتر، مفضلًا التركيز على القواسم المشتركة وليس الاختلافات.
(3) بعد قوله أنه يحمل التحية من “الجماعات المسلمة فى بلده وهى تحية السلام عليكم، وحين اقترب أوباما من خبرته الشخصية (باعتبارها مصدرًا من مصادر قناعاته بضرورة العمل المشترك وتجاوز كل القوى التى تبعد الجانبين عن بعضهما) حدد أوباما هويته قائلًا “أنا مسيحى” ولكن من أب ينتمى إلى عائلة كينية تتضمن أجيالًا من المسلمين”.
ومن ثم فإن بقية مصادر خبرته بالإسلام والمسلمين، التى حرص على أن يبدأ بها حديثه عن رؤيته لدور الإسلام الحضارى ومبادئه، هذه الخبرة وموضعها من بدايات خطابه تمثل مغناطيس جذب آذان المسلمين، كما لابد وأن تمثل مغناطيس نقد واتهام من جانب تيار كبير داخل الولايات المتحدة والغرب وهو تيار التعصب ضد تاريخ الإسلام والمسلمين.
(4) “الإسلام كان دائمًا جزءًا من قصة أمريكا…” “ليس هناك شك، الإسلام هو جزء من أمريكا” عبارتان فصلت بينهما عدة جمل ليست أقل أهمية وإثارة للنقاش.
الأولى هى إعلان أوباما أن جزءًا من مسئوليته كرئيس للولايات المتحدة هو محاربة الصور النمطية السلبية عن الإسلام أينما ظهرت.
والثانية: هى رفض أوباما أن يكون لدى المسلمين صورة نمطية قاسية عن أمريكا ومن ثم جاء استعراضه لقيم النموذج الأمريكى عن المساواة والحرية والفرص، سابقًا لشرحه وضع المسلمين فى أمريكا، واصلًا إلى عبارته السابق الإشارة إليها “لا شك أن الإسلام جزء من أمريكا”.
ومن ثم كان حديثه عن الإسلام فى أمريكا بعد حديثه عن الإسلام فى العالم والتاريخ تمهيدًا طبيعيًا للحديث عن التحديات المشتركة الراهنة التى تفرض الاعتماد المتبادل والبحث عن القواسم المشتركة.
ولكن من ناحية أخرى: فإلى أى حد يمثل هذا الاعتراف من الرئيس الأمريكى بأن الإسلام جزء من تاريخ أمريكا جديداُ بالنسبة لوضع المسلمين فى الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما الذى سيترتب عليه وخاصة على ضوء إشارته إلى مشاكل مسلمى أمريكا مع دفع الصدقات والزكاة؟ وأين ما يتصل بحقوقهم المدنية وحرياتهم المدنية التى تم انتهاكها فى ظل إدارتى بوش وفى إطار ما يسمى Patriot Act.
(5) بداية خطاب أوباما كانت مجرد منطلق لجذب قلوب وعقول المسلمين فى العالم الإسلامي كتمهيد لما سيطلبه منهم بعد ذلك. حيث إن خطاب أوباما لم يكن خطابًا لتحسين صورة الولايات المتحدة فقط فى نظر المسلمين ولكنه سبيل لمساعدة الولايات المتحدة فى علاج ما تواجهه من مشاكل فى العالم الإسلامي. ولم تستطع القوة العسكرية المفرطة أو خطاب صدام الأديان والحضارات أو سياسات الحرب العالمية على الإرهاب أن تحل هذه المشاكل. ومن ثم فإن خطاب أوباما هو تدشين لاستراتيجية جديدة – ولو قولية – يعبئ من خلالها مساندة المسلمين بعضهم ضد بعض فى هذه المساندة.
وهنا تبرز دلالة ثلاثة عبارات ولو متباعدة ؛ الأولى: “المتطرفون مستخدمو العنف استغلوا هذه التوترات (الاستعمار، الحرب الباردة، الحداثة) فى نطاق أقلية صغيرة ولكن متمكنة من المسلمين”…
العبارة الثانية: “الإيمان العميق لدى بليون مسلم هو أكبر بكثير من الحقد المحدود لدى قلة. فالإسلام ليس جزءًا من المشكلة عند محاربة التطرف العنيف ولكن هو جزء أساسى من دعم السلام”…
العبارة الثالثة: “أمريكا ستدافع عن نفسها، محترمة سيادة الدول وحكم القانون. وسنعمل ذلك أيضًا بمشاركة مع المجتمعات الإسلامية التى تتعرَّض للتهديد أيضًا، وكلما تمَّ عزل المتطرِّفين بسرعة وعدم الترحيب بهم فى المجتمعات الإسلامية، كلما أسرع شعورنا بالأمن”.
لقد توالت هذه العبارات الثلاثة عبر شرح أوباما لمصْدرى التوتُّر الأساسيَّيْن المرتبطيْن بالتطرف والعنف وهما أفغانستان والعراق. إذن هو يعول على المجتمعات المسلمة من داخلها لفرز وعزل المتطرفين. وعلى من يعوِّل المسلمون لحماية حرياتهم واستقلالهم؟
(6) كل ما سبق لم يمنع أن يتعهَّد الرئيس الأمريكى بمسئوليته عن أمرين:
حماية أمن الشعب الأمريكى ومحاربة الصور النمطية عن الإسلام. والأمر الأول يفترض مكافحة عنف المتطرفين والثاني يتطلب مشاركة بين المسلمين والولايات المتحدة حول ما هو من الإسلام وليس حول ما ليس فى الإسلام أو منه. كذلك تضمَّن خطابه التزامًا صريحًا بمعاقبة من يتعرض للمرأة المسلمة بشأن حجابها. وإذا كان تعهد أوباما بحماية أمن الأمريكيين قد جعله يرى فى احتلال العراق ضرورة لا مفر منها، جعلته يستمر على نهج إدارة بوش فى الاعتماد على القوة العسكرية فى أفغانستان، فهل حماية المسلمين لأمنهم واستقلالهم لا يقتضى منهم استخدام القوة العسكرية أيضًا؟ إذن لماذا هذا الرفض من جانب أوباما لكل صور المقاومة العنيفة من جانب الفلسطينيين أو العراقيين أو الأفغان واعتبارها جميعًا (دون تمييز بين ما هو مقاومة لمحتل وما بين ما هو عمل عنف ضد مدنيين)؟ وهل يعتقد أوباما أن على المسلمين الرضاء بمجرد تعهد الرئيس الأمريكى بالكفاح ضد الصور النمطية السلبية عن الإسلام؟ ومن يدافع إذن عن حقوق ومصالح الشعوب المسلمة؟
(7) مفهوم أوباما عن التاريخ وتأثيره يبدو متناقضًا عبر أرجاء خطابه. فهو يستدعيه لما فيه من إيجابيات ويطلب فى أحيان أخرى تجاوزه ونسيان ما يحمله من مصادر للتوتر والعداء.
“التوتر متجذر فى قوى تاريخية تتجاوز أى نقاش سياسي راهن”
“كدارس للتاريخ فإننى أعرف فضل الإسلام على الحضارة، فإن الإسلام فى أماكن مثل الأزهر هو الذى حمل منارة العلم عبر قرون عديدة، ممهدًا الطريق للنهضة الأوروبية والتنوير…”
“تاريخ الانسانية كان غالبًا سجلًا لأمم وقبائل بل وأديان تخضع بعضها البعض بحثًا عن مصالحها الخاصة.. ومهما كان تفكيرنا فى الماضى فيجب ألا نكون أسرى له”
ومما لا شك فيه أن هذا التناقض يزداد وضوحًا على ضوء ما يستهل به حديثه عن الصراع العربى الاسرائيلى حين أشار إلى الروابط التاريخية والثقافية بين إسرائيل والولايات المتحدة باعتبارها روابط غير قابلة للانكسار (كما سبق الاشارة).
(8) ملمح جديد على الفكر الليبرالى الذى ينتمى إليه أوباما وهو ملمح يستدعى البعد المعيارى المتصل بالثقافة والدين باعتبارهما لا يمثلان عائقًا أمام التقدم أو الحرية. وبرز هذا الملمح حين الحديث عن الحريات الدينية ثم المرأة ثم التنمية. ومن هنا كانت المقولات التالية:
“لا يمكن إخفاء العداء تجاه أى دين وراء الليبرالية”
“أرفض رأى البعض فى الغرب أن المرأة التى تغطى شعرها هى أقل تساويًا. ولكن أعتقد أن المرأة التى تُحرم من التعليم تحرم عندئذ من المساواة”
“لا أعتقد أن النساء يجب أن يتخذن نفس اختيارات الرجال ليصبحن متساويات. وأحترم النساء اللاتى يخترن أن يعشن حياتهن فى أدوار تقليدية، شريطة أن يكون هذا اختيارهن”
“ليس هناك تناقض بين التنمية والتقاليد”
(9) تضمن الخطاب استشهادين ببعض الحالات عن أمرين: الحريات الدينية، والمذابح التى يتعرض لها المدنيين. ولم يخل الاستشهادان من تحيزات غير مبررة وإن كانا يعكسا مواقف رسمية أمريكية.
الأمر الأول؛ فى معرض تناوله للتحديات التى يواجهها العالم أشار إلى أنه حين يُذبح الأبرياء فى البوسنة ودارفور، فهذه وصمة فى ضميرنا الجماعى”. وإذا كان المجتمع الدولى قد توافق على أن ما حدث فى البوسنة وغيرها من أرجاء البلقان هو حرب إبادة وتطهير عرقى ضد المسلمين، مما استوجب تدخلًا دوليًّا ولو متأخرًا لوقف هذه الإبادة، إلا أن الوضع فى دارفور ليس مناظرًا لوضع البوسنة على الاطلاق. كذلك أين مناطق أخرى يتم فيها ذبح الأبرياء ولا تعيرها السياسة الأمريكية أو الأوروبية انتباها بل تكون متواطئة أو مسئولة عن هذا العنف، مثلًا فى الشيشان، وفلسطين، والصومال، والعراق، وأفغانستان وباكستان.
الأمر الثانى: حين الحديث عن الحرية الدينية
كانت إحالة أوباما إلى حالتى أقباط مصر والمارونيين فى لبنان، إحالة مجتزأة وانتقائية، وتدعو للتساؤل لماذا هاتين الحالتين كمثالين فى قول أوباما على ضرورة الحفاظ على ثراء التنوع الدينى؟ ألا يعنى هذا موقفًا من أن هاتين الجماعتين تواجهان ما يعرض وجودهما ذاته للخطر؟ وأليست هذه وجهة نظر غير متوافق عليها من داخل لبنان ومصر أو خارجها؟ بل هى فى الواقع وجهة نظر من يفاقم فى تصوير مسألة الأقليات الدينية ويستدعى الخارج للتدخل لحمايتهم تحت ذريعة أنهم يتعرضون للاضطهاد؟
حقيقة اقترنت هذه الرؤية بأخرى عن مسلمى أمريكا وعن المرأة المحجبة، وهى رؤية إيجابية عن ضرورة تمكين المسلمين من دفع زكاتهم وصدقاتهم وعدم تعرض المسلمات لأية ضغوط بشان لباسهن، إلا أن أوباما –الديمقراطى الليبرالى- نسي الإشارة إلى تعرض الحريات المدنية للمسلمين للانتهاكات بحكم كونهم مسلمين، وأن الحريات الدينية للأقباط والمارونيين مكفولة تمامًا.
ومن ناحية أخرى وبشأن الحريات الدينية، أشار أوباما إلى قيام الولايات المتحدة بإرساء مشروعات خدمة للجمع بين مسلمى ومسيحيي ويهود أمريكا. إلا أنه سرعان ما استدعى الترحيب بمبادرة الملك عبد الله لحوار الأديان ومبادرة تركيا لتحالف الحضارات. وشتان بين حوار الأديان فى الولايات المتحدة ذاتها وبين المبادرتين الأخيرتين، بل فيما بين المبادرتين التركية والسعودية ذاتهما. فالمبادرة فى الولايات المتحدة هى مبادرة للتعاون بين أهل الأديان للمشاركة فى حل ما يواجههم من مشاكل باعتبارهم مواطنى دولة واحدة تجمع بين هذه الأديان على أساس المساواة والحرية وحكم القانون فى إطار ديمقراطى. ولكن مبادرة الملك عبد الله هى مبادرة تطبيع سياسية، مبادرة رسمية شارك فيها الحكام والقادة. وكانت هذه المبادرة، سواء فى منشأها فى مكة (يونيو 2008) أو فى خطوتها التحضيرية (مدريد يوليه 2008) أو تدشينها الرسمى (فى نيويورك: نوفمبر 2008)، ذات أهداف سياسية تندرج فى سياق التطبيع بين العرب وإسرائيل. الجارى الآن الضغط من أجله بكل السبل، كشرط مسبق لإعادة التفاوض مع الفلسطينيين. ومن ثم فهذه المبادرة السعودية جزء من الاستجابات العربية الرسمية للضغوط البارزة من جديد من أجل فرض التطبيع كشرط مسبق على استكمال مسيرة التسوية، ولقد تعددت المؤشرات على ذلك طوال عام 2008، بل أن أوباما ذاته، حين تناول قضية العلاقة بين العرب وإسرائيل أشار إلى أن مبادرة السلام العربية ليست كافية بمفردها، وهذا يقودنا إلى آخر محطاتنا النوعية ومقولاتها.
(10) وأخيرًا، أصل إلى ما أسماه أوباما قضية العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين والعالم العربى، ولا أتوقف فقط عند بعض ما طرحه أوباما من مقولات نوعية ولكن أتوقف لما تستدعيه هذه القضية من كل المقولات النوعية السابق التعليق عليها. فهى لا تمثل لدينا مجرد القضية الثالثة فى أولويات أوباما، بل هى تمثل قضية جامعة تطرح خيوطًا ناظمة بين جميع القضايا التى طرحها أوباما، ناهيك عما تطرحه من خصوصيتها. ولقد تضمن طرح أوباما مجموعة مقولات متراكمة بين الأمور التالية:
من ناحية: أن الروابط بين إسرائيل وأمريكا ليست مجرد مصالح تقليدية ولكنها لا تنكسر لأنها تستند إلى روابط ثقافية تاريخية. ومن ناحية أخرى: بدأ أوباما بالإشارة إلى الهولوكوست ومعاناه اليهود عبر تاريخهم واعتبر ذلك أساس شرعية إسرائيل وحق اليهود فى “وطن”.
ومن ناحية ثالثة: اعترف أوباما بمعاناة الفلسطينيين ولكن ليس بدرجة تعاطفه وتضامنه مع اليهود وإسرائيل، وبدون التفرقة بين المعتدى والمعتدى عليه، بين صاحب الأرض وبين مغتصبها.
ومن ناحية رابعة: لم يصف أوباما حماس بالإرهاب ولكنه لم يعترف أيضا بأنها قوة اجتماعية وسياسية حازت أغلبية فى انتخابات حرة. ومن ناحية خامسة: لم يضع أوباما أصبعه إلا على المستوطنات. فهو وإن اعترف بعدم شرعيتها وضرورة وقفها، إلا أنه اختزل كل القضية فى هذا الجانب، وهو أمر يقود الوضع إلى متاهة جديدة: هل سيضغط أوباما ضد المستوطنات، وأى المستوطنات وكيف؟ وأيه دولة فلسطينية يقصد أو يؤيد؟ وما تداعيات المنعطف الجديد الذى قاده نتينياهو إليه، أى “الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية”؟… وهكذا… إلخ من تساؤلات تحذرنا من خطورة اختزال قضية مركبة مثل الصراع العربي الإسرائيلي فى بُعد واحد مهما كانت أهميته فى نظر أوباما وفى نظرنا. ومن ناحية أخيرة: التحالف الأمريكى الصهيونى (قبل أوباما ومعه) ليس ظاهرًا حول فلسطين فقط ولكن حول أفغانستان والعراق ودارفور ولبنان وإيران وحول قضايا الديمقراطية والتنمية.
ولهذا فإن الدعوة للسلام ونبذ العنف التى انتشرت فى الخطاب، والتى ربطها أوباما بقيم الإسلام، هذه الدعوة امتدت للفلسطينيين مع رفض أوباما كل صور المقاومة العنيفة من جانب الفلسطينيين.
ناهيك عن إشارته إلى أن مبادرة السلام العربية غير كافية مما يفصح عن دعوة للتطبيع مع إسرائيل، تقترن بوقف العنف ضدها. كل هذا يبين كيف أن الرسالة الضمنية والصريحة التى ينضح بها خطاب أوباما، لا تنفصل على الاطلاق عن رؤيته لمستقبل إسرائيل في المنطقة أي درجة قبولها والتطبيع معها والاكتفاء بما ترضى به من ترتيبات (ولا أقول حقوق مشروعة) للفلسطينيين. وهذا ما سأطرحه فى خلاصة جامعة عن نتائج قراءتى خطاب أوباما فى سياقه الإقليمى والعالمى.

خلاصة القول: ماذا بعد خطاب أوباما؟ وما المسكوت عنه؟

اقترن خطاب هنتنجتون عن صراع الحضارات بنهاية الحرب الباردة (1993)، واقترن خطاب بوش عن من ليس معنا فهو ضدنا والحرب على الإرهاب، بتداعيات الحادى عشر من سبتمبر، وبصعود اليمين المحافظ، فما الذى يقترن به خطاب أوباما تجاه العالم الإسلامي؟ سؤال يولد بدوره مجموعة أخرى من الأسئلة، لا أرى إمكانية الاجابة عليها هنا، فهى تحتاج لتفكير استراتيجى واستجابة منظمة جماعية. واكتفى هنا بطرح الملامح الآتية:
أولًا: هناك أزمة مالية واقتصادية عالمية تعصف باستقرار وتوازنات ومنظومات ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأت من الولايات المتحدة ولا تستطيع الولايات المتحدة بمفردها، أن تجد حلولًا لها. ثانيًا: فشل سياسات بوش فى تحقيق أهدافها فى المنطقة على النحو وبالسرعة المأمولين وبدون التكلفة الهائلة التى تحملتها سمعة الولايات المتحدة ومواردها وأخيرًا اقتصادها ومجتمعها أيضًا. ثالثًا: تدهور الأوضاع وتصاعد التوترات الوطنية والاقليمية عبر العالم الإسلامي، بعد موجات الإصلاح والتحول الديموقراطى الفاشلة والمحبطة لآمال الشعوب حيث لم تكن الديمقراطية وحقوق الإنسان التى ضغط من أجلها بوش وإدارته إلا أداة أخرى من أدوات محاربة الإرهاب وفق الرؤية المحافظة، ليس تدعيمًا للديمقراطية نفسها وحقوق الشعوب فى مواجهة حكامهم، ولكن ضغطًا على هؤلاء الحكام لمزيد من التعاون مع الخطة الأمريكية.
وإذا كان فكر المحافظين الجدد وفكر هنتنجتون قد أثار موجات حافلة من الاهتمام والتحليل والدراسة كان محورها صراع أم حوار الحضارات؟ أو ما العلاقة بين صراع /حوار الحضارات وبين صراعات القوى والمصالح، وإذا كان فكر أوباما والجناح الديمقراطى الامريكى الذى ينتمى إليه قد ألقى بدلوه فى انتقاد سياسات إدارة بوش وركائزها الفكرية والفلسفية التى تستند إلى قواعد ممتدة فى المجتمع الأمريكى، فهل خطاب أوباما يعكس مجرد تحول فى فكر رئاسة الإدارة أو الإدارة ذاتها أم يعكس أيضًا تحولات لدى الناخبين بالنظر إلى الأغلبية التى اُنتخب بها أوباما؟ ومن ثم هل نحن فى العالم الإسلامي؟
وبناء عليه فإنه من المتوقع بعد خطاب أوباما أن ندخل فى مرحلة من الجدالات الفكرية والنظرية وبالطبع الجدالات السياسية حول الآتى:
من ناحية؛ لماذا ينطلق أوباما أيضًا من مدخل “الأديان والثقافات” للنظر إلى علاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي، أليس هذا تكرارًا لمدخل بوش ولو من زاوية الحوار والانفتاح والتواصل والمشاركة؟ وما معنى ذلك بالنسبة للعلاقة بين الأبعاد الثقافية والحضارية والأبعاد السياسية فى استراتيجية الإدارة الديمقراطية الأمريكية؟
ومن ناحية ثانية: ما درجة تماسك ومصداقية ركائز رؤيته عن الحوار بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة؟ ما هو مفهوم الحوار الذى يحمله، ما معنى حوار الشركاء؟ وما هى قراءته للإسلام ولتاريخ الإسلام ولتاريخ الإسلام فى الولايات المتحدة؟ وأين موضعه فى هذا الصدد بين رؤساء أمريكيين سابقين، هل يمثل سابقة نوعية. وعلى نحو يمثل سندًا للتيار الذى استقبل الخطاب كأنه خطاب المنقذ المنتظر؟ أم هو يمثل تكتيك سبق تكراره ومن ثم تجد التيارات المتحفظة على الخطاب والناقدة له مبررًا لمنحاها؟
ومن ناحية ثالثة: ما درجة المساندة أو الاختلاف فى الداخل الأمريكى حول منطلقات خطابه (رؤيته عن الإسلام والمسلمين داخل وخارج أمريكا)، وحول المبادئ والأسس العامة التى حددها مدخلًا للتعامل مع قضايا التوتر الست؟ هل ستحظى بتوافق داخلى يساعده على تحقيق تحول فى مسار وتوجه السياسة الأمريكية مقارنة بالادارة السابقة أم ستحدث مجرد تغيرات محدودة نظرًا لاستمرار تأثير إرث المحافظين الجدد وتغلب “المصالح الأمريكية” بالمنهج الواقعى على “المصالح الأمريكية ” بالمنهج المعيارى الذى يلقى قبولًا لدى أوباما؟
ومن ناحية رابعة: ما نمط الاستجابات من الشعوب ومن الحكومات فى العالم الإسلامي؟ وهل يمكن أن تمثل هذه الاستجابات مدخلًا فى عملية صنع السياسات الامريكية واتخاذ القرارات على نحو يقدم بدائل ويعظم من سقف التوقعات من أوباما بدلًا من أن نسرف فى التشاؤم. ونقتصر على مجرد الانبهار أو مجرد الانتقاد نظرًا لعدم القدرة على الثقة فى السياسة الأمريكية، على ضوء ميراثها الممتد لأكثر من 50 عام منذ استقلال الدول والشعوب الإسلامية؟ وكذلك نظرًا لعدم القدرة على الثقة فى ضرورة تحركنا استراتيجيًا لخدمة قضايانا، وليس مجرد انتظار الحل من “الخارج”.
هل بمقدورنا أن نتحول إلى فاعلين وليس مجرد مفعول به حملتهم التوقعات عاليا منذ انتخاب أوباما – لمجرد كونه أسود ذو جذور إسلامية فى حين أن انتخابه قد مثل تحولًا ليس فى سياسة الولايات المتحدة تجاهنا ولكن مثل تحولًا فى توجهات مجتمع الولايات المتحدة وسياستها (على الأقل حتى الآن)، حيث يمثل أوباما أكثر قادة العالم خضوعًا لإجراءات الحماية والأمن خوفًا من اغتياله؟
نعم لقد حملتنا بعيدًا التوقعات عما سيقدمه لنا الرئيس الجديد فى البيت الأبيض، ولكن أين التصورات المدروسة عما يجب أن نفعله نحن ونطالب به نحن ونقدر على التأثير من أجله. فمثلًا إذا اقتصرنا على الدائرة العربية: فما هى المصالح التى نحددها لأنفسنا بغض النظر الآن عن مصالح الولايات المتحدة التى تحددها جيدًا وما تداول السلطة بين بوش وأوباما إلا توزيعًا للأدوار فى حماية هذه المصالح ولو بأساليب متنوعة؟
ومن ناحية خامسة: مما لاشك فيه أن هذه الرؤية المتعددة المستويات للإسلام فى العالم وفى أمريكا وللمستقبل بين المسلمين والولايات المتحدة لا يتشارك فيها مع أوباما تيارات من المسلمين ومن الامريكيين على حد سواء.
فمثلًا هل التحديات التى يواجهها الجميع هى أيضًا تحديات ساهم الجميع فى خلقها بنفس الدرجة؟ فإذا كان التطرف والعنف موضع اهتمام الأمريكيين باعتباره تحدى أو تهديد نابع من أرض المسلمين، فما سببه؟ وهل تحدى الأسلحة النووية والبيئة والأزمة المالية والأمراض العابرة للقارات، هى تحديات يُسأل عنها المسلمون قدر سؤال الغرب عنها؟ إذن هل الحديث عن مجرد المشترك فى آثار التحديات وليس فى المسئولية عنها ولا فى كيفية إدارتها؟
ولهذا؛ فلا عجب أن نتساءل لماذا يشغل “التطرف والعنف” قدرًا أساسيًا من خطاب أوباما على عكس التحديات الأخرى؟
أليس هذا هو التحدى الذى يلقون بمسئوليته علينا فقط دون اعتراف بمسئولية سياسات الغرب عن إفرازه باعتباره استجابة مضادة لهذه السياسات وليس مجرد خصخصة هيكلية فى ثقافتنا الإسلامية مردها ديننا – كما يدَّعى بعضهم؟
إن الصورة المجملة الكلية التى تتجلَّى أمامى من واقع التحليلات التفصيلية السابقة لخطاب أوباما تبين أن المسكوت عنه عبر أرجاء الخطاب والذى يمثل فى نفس الوقت خيطًا ناظمًا كامنًا بين أجزاء هذا الخطاب كما يمثل الرسالة الكامنة التي يحملها هو الآتى: أن أوباما قدم قراءته الليبرالية للإسلام – مركزًا على وجه واحد للعملة وهو وجه “السلام” فى الإسلام مقتطعًا له – وبتعنت شديد وباصطناع – عن وجه العمله الثانى. ألا وهو القوة – ولا أقول هذه المرة الحرب. وأوباما فى هذا مثله مثل الاعتذاريين من المسلمين الذين واجهوا خطاب صراع الحضارات الذى دشنه هنتنجتون ووظفه وطبقه بوش، بخطاب الحوار والسلام بدون شروط، منصاعين فى ذلك للشعور بالاتهام الذى أحاطت به إدارة بوش كل مسلمى العالم.
وإذا كان بوش قد أدار العلاقة من منطلق تعميم وتشوية صورة الإسلام والمسلمين كدين عنف وعدم تسامح، وعلى نحو خدم أهداف الاستراتيجية المحافظة وبررها برداء دينى، فإذا أوباما يعيد الكرة ولكن هذه المرة باستحضار حديث السلام فى الإسلام، ومن خلال آيات القرآن التى لا تقدم إلا وجهًا واحدًا للعملة فى الرؤية القرآنية لعلاقة المسلمين بالغير، كما سبق القول، فى حين أن هذه الرؤية متكاملة لا يمكن اجتزاء بعضها على حساب البعض الآخر، سواء سلمًا أو حربًا – ومن ثم فإن هذه الرؤية التى تستند إلى الدعوة كأصل وليس مجرد الحرب فقط أو السلام (كما هو ذائع فى المدارس الفقهية التقليدية) هى رؤية كلية شاملة لا تسقط القوة والحقوق فى مقابل سلام…
إذن هى دعوة من أوباما لتسكين Pacify العالم الإسلامي، ومن خلال الإسلام، حيث أيقن الجميع أن لا إسقاط للإسلام فى التعامل مع هذا العالم، سواء بالقوة الصلدة أو القوة الناعمة أو كلاهما معًا.
ولذا وكما سبق القول وفى حين كان بوش يجرى أسلحته معنا، وما زال أوباما يجريها – لم تنقطع دعوات الحوار ولكن كانت من أجل علاج ما بنا من عيوب العنف والإرهاب والتسامح، وباعتبارنا متهمين، أما دعوات أوباما للحوار المليئة بعبارة الثقة والمشاركة (كما سبق الاشارة)، فهى لاستحضار واستنفار نوازع السلام والسكينة، ولو فى مقابل التخلى عن الحقوق أو الأقل الرضاء بمنطق الأقوياء فى الدفاع عن مصالحهم وحلفائهم دون اعتبار لحقوق الشعوب المسلمة.
ولذا أرى أن الخيط الناظم المسكوت عنه ولكن الذى تنضح به القراءة هو كف المسلمون لكافة أشكال المقاومة سواء ما يسمى منها عنف ضد مدنيين أو ما يسمى مقاومة مسلحة ضد احتلال، ولذا لا عجب أن ما أسماه أوباما تطرف عنيف هو ليس إلا المقاومة ضد الاحتلال الأمريكى فى أفغانستان والعراق وضد الاحتلال الصهيونى فى فلسطين. ولكن من الواضح أن رؤية أوباما تريد تجميل هذه الأنماط الثلاثة من الاحتلال وغيرها – بالعديد من العبارات مثل: أفغانستان كانت اختيارًا ضروريًا لأمن الولايات المتحدة، والعراق كانت اختيارًا أثار نقاش فيها،(كما سبق وأشرنا). وفى المقابل ليس مطلوب من المسلمين – وباسم الإسلام كما قرأه أوباما وكما قدمه له بالطبع تيار من المعتذرين عن الإسلام وباسمه، إلا أمرًا واحدًا وهو أن يختاروا السلام ويختاروا العمل ضد متطرفى العنف.
إذن هذا الخيط الناظم المزدوج والمسكوت عنه هو: خطاب السلام فى الإسلام من أجل إسكات كافة أشكال المقاومة ضد السياسات التدخلية بكافة أشكالها، والتى يقع التطبيع مع إسرائيل والصهيونية فى قلبه، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة لاتصال قضية فلسطين بالقضايا الأخرى-(كما سبق ورأينا عند تحليل هيكل الخطاب وبنيته).
ولهذا فإن خطاب اوباما كان يستهدف شعوب العالم الإسلامي، وليس نظمه وحكوماته، فتلك الأخيرة فى مجموعها مع هذا المفهوم عن السلام الذى يطرحه أوباما، بل أن التأميم الرسمى للإسلام أو تسييس الإسلام من جانب النظم إنما يقدم خطابًا يناظر خطاب أوباما، سواء كان هذا الخطاب الرسمى موجه للداخل لتبرير سياسات الاستسلام والانهزام الداخلى أو سواء موجه للخارج لتقديم الاعتذار عن الإسلام ودفع التهم عنه، مع تأكيد توافق الأهداف الرسمية مع الخارج حتى يظل على مساندته أو على الأقل عدم هجومه على النظم التسلطية والمستبدة بشعوبها فى العالم الإسلامي.
إذن خطاب أوباما ربما يكون له مردود أكثر إيجابية لدى مواطنيه وفى الغرب عمومًا. حقيقة نحن شعوب الأمة فى مجموعنا لسنا فى حاجة لمن يعترف بفضل إسلامنا دينا وثقافة وحضارة أو يدافع عنه بصفته دين سلام، فنحن نعرف ذلك، وحتى تلك القلة منا التى تنهج العنف سواء غير المبرر ضد المدنيين (مسلمين وغير مسلمين) أو المبرر ضد الاحتلال والعدو يعرف رحابه وسماحة هذا الدين. ولكن هذه القلة لا تسقط ما هو منه بالضرورة أى الدفاع عن الحقوق والجهاد من أجل الدين، حتى ولو تم ذلك بأشكال مختلفة، قد نتوافق نحن كمسلمين على بعضها (المقاومة المشروعة ضد الاحتلال) وقد نرفض بعضها الآخر (العنف ضد المدنيين المسلمين وغير المسلمين).
إذن هل كان خطاب أوباما يستهدف الغربيين أيضًا أو العالم كله وهو يتحدث عن الإسلام؟ وما وقع هذا الخطاب عليهم، هل تكفيهم شهادة رئيس أكبر دولة فى العالم، وبشخص مثل أوباما، ليقبلوا أن الإسلام دين سلام؟ وهل ستكفيهم ردودنا على أوباما بأن ديننا أيضًا دين قوة ودفاع عن الحقوق من ناحية، وأن التوتر بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي ليس توترًا مصدره اختلاف الأديان أو الثقافات أو الحضارات، فبالرغم من اعترافنا بأن المتغير الدينى والثقافي أصيل فى رؤيتنا الحضارية للعالم ونحن فى قلبه، إلا أن هذه التوترات والصراعات تكمن أساسًا فى استراتيجيات التوسع والمصالح وفى التحالف المتعاظم باستمرار بين الصهيونية والقوى الاستعمارية الغربية، والتي لا تنفك توظف الديني والثقافي في خدمة سياساتها، فشتان بين الرؤية الحضارية الإسلامية التي تستدعي الديني والثقافي والحضاري في قلب منظومتها القيمية ومن مصادر مرجعيتها وبين رؤى حضارية أخرى توظف هذه الأبعاد كمجرد أدوات للتسييس بمنطق صراعات القوى التقليدية.
الحمد لله

القاهرة: الثلاثاء 9/6/2009

نشر على موقع إسلام أون لاين، على الرابط:
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1245343134335&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق