عروض كتب

عرض كتاب “فقه الواقع في التراث السياسي الإسلامي: نماذج فقهية وفلسفية واجتماعية”

في هذه السطور نعرض عرضا موجزًا لكتاب قيِّم ألَّفه أستاذ فاضل وعالم عامل، جمع فيه جمعًا -منهجيًّا فريدًا- بين حقلي العلوم الشرعية والعلوم السياسية، وهو كتاب (فقه الواقع في التراث السياسي الإسلامي) للأستاذ/ مدحت ماهر الليثي، وأصل هذا الكتاب رسالة ماجستير أجيزت من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بتقدير امتياز، تحت إشراف أستاذ النظرية السياسية والفكر السياسي الدكتور سيف الدين عبد الفتاح.
وقد تفكرت في المنهج الأمثل لعرض هذا الكتاب، واستقر رأيي أخيرا على أن أعرض الكتاب بعين القارئ النهِم الراغب في الفهم وتثور في ذهنه تساؤلات يحتاج إلى أجوبة عنها، وترِد على فهمه إشكالات يحتاج إلى حلها.
فينحصر عملي في هذا التقديم في أمور ثلاثة هي: العرض الملخص لمحتوى الكتاب ومنهج الكاتب كما فهمته، وإثارة التساؤلات التي أعتقد أنها ستثور في ذهن القارئ، وطرح الإشكالات التي أعتقد أنها سترد على ذهن القارئ.

الملاحظات العامة حول الكاتب والكتاب:

يظهر من مطالعة البحث أنه اشتمل على دراسة رصينة وثرية بمادة دسمة، وقد استغرق جهدًا كبيرًا في إعداده.
وفي البداية ربما يثور في ذهن القارئ تساؤل حول السبب في غياب مقدمة الكاتب وعرضه لمنهج البحث ومشكلته، وفرضياته كما هو متبع في الرسائل العلمية؟
غير أني حاولت –من استقراء الدراسة- استنباطَ بعض المقدمات المنهجية التي يمكن التمهيد بها لعرض محتوى الدراسة:
وكان للأستاذة الدكتورة هبة رؤوف جهد مشكور في هذا الصدد ضمنته في تقديمها للكتاب، غير أنه كان مقتضبًا نوعًا ما.
فيما يتعلق بمشكلة البحث يظهر للمطالع أن مشكلة البحث الرئيسة هي مدى وجود منهجيات لإدراك الواقع وتصويره في التراث السياسي الإسلامي، وأشكال هذه المنهجيات.
وقد عالج الباحث هذه المشكلة من خلال تناول مداخل تراثية ثلاثة في رصد الواقع السياسي الإسلامي وتحليله، وهي: المدخل الفقهي والفلسفي والتاريخي (العمراني).
غير أني استنبطت أن ثمة إشكالية أخرى حاضرة بقوة في سائر أقسام الكتاب، ويحاول الكاتب معالجتها، وهي إشكالية المقابلة (الموهومة) بين الوحي والواقع، أو النص والعقل، أو التراث والمعاصرة، ويحاول الباحث معالجة هذه الإشكالية بطريقة ما يمكن أن نسميه (الانفراع عن الجذور)؛ إذ يعمد الباحث إلى التأصيل لطريقة تعاطي العقل السياسي الإسلامي التراثي مع الواقع ومكوناته: إن على مستوى النظر والفهم، وإن على مستوى التناول والتصوير[1].
ويكون هذا التأصيل مدخلا لازمًا للتعاطي مع إشكاليات الوقت الراهن حول العلاقة بين الوحي والواقع في المجال السياسي الراهن.
وبعبارة أخرى يمكن أن نصوغ هذه المشكلة في التساؤلات الآتية:
هل ثمة إشكالية كان يلاحظها الفقيه السياسي الإسلامي بين الوحي -في نصوصه المنظِّمة للشؤون السياسية- وبين الواقع السياسي؟
وإذا كانت هذه الإشكالية قد ثارت في ذهن الفقيه التراثي فما هي محاولات الإجابة عنها؟
وإذا كانت هذه الإشكالية لم ترِد في ذهن الفقيه التراثي -أثناء تعاطيه مع الواقع السياسي بقصد تنزيل الحكم الشرعي عليه- فهنا يثور التساؤل عن سبب حضور هذه الإشكالية بقوة في الواقع السياسي المعاصر كلما كانت هناك مناسبة لربط هذا الواقع بالمنهجية الفقهية الإسلامية، بينما لم يكن هذا الحضور الطاغي –لإشكالية الوحي والواقع- في وقت التدوين الذي تشكل فيه البناء الفقهي والفلسفي للسياسة الشرعية؟
ولعل في كلام الأستاذ المؤلف ما يصلح جوابًا عن هذا السؤال الأخير، لأنه في ص 36 استعرض الأفكار الرئيسة التي يدور حولها البحث في مجال السياسة الشرعية ثم تساءل: لماذا أعطى الفقيه الأولوية والصدارة لهذه الأمور دون أمور أخرى، من مثل: صندوق الانتخاب العام، ونسبة تمثيل المرأة وغير المسلمين في المجالس التمثيلية، أو ظاهرة كظاهرة الرأي العام مثلًا؟
وكانت إجابة المؤلف: أن ذلك كان لسببين متكاملين: أولا- لأن أكثر هذه الأمور التي اهتم بها الفقيه قديمًا وردت بصورة مباشرة وجلية في الخطاب الإلهي، وثانيا- أن ما يُعنَى به الفقيه من الدفين وغير المباشر ضمن الخطاب الإلهي إنما يستحثه ويلفت انتباهَه إليه واقعُه القريب، وهذه القضايا المستحدثة لم يكن هناك واقع يدفع الفقيهَ باتجاه التفكير فيها.
غير أن المؤلف -رغم دفاعه عن التراث السياسي الإسلامي- استطرد بنقدٍ وجَّهه للعقل الفقهي والسياسي؛ نظرًا لتقاعس العقل الفقهي والسياسي معًا عن (العلاج بالمضي قدمًا إلى الأمام) على نحو ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون في ابتكار الآليات والهيئات التي تستلزمها متغيراتُ الوقت، وأشار الكاتب إلى تجربة الفاروق عمر بن الخطاب في ابتكار آليات وتراتيب إدارية جديدة للتعاطي مع المستجدات التي طرأت على الساحة السياسية في عصره، إلا أن ابتكار هذه التراتيب والآليات في مجال السياسة الشرعية بعد عصر الفاروق لم يسِر على نفس الوتيرة. (ص 37)
فما أجاب به الكاتب هنا يمكن أن يجاب به عن التساول عن السبب في أن الفقيه التراثي لم يشغل فكره بالتصدي لإشكالية الانفصال المدعَى بين الوحي والواقع، أو التعارض الموهوم بين العقل والنص، فيقال: إن الفقيه يُعنَى أساسًا بالتعاطي مع القضايا التي تثور في عصره ومحيط واقعه، وهذه القضايا لم تُطرَح في عصر من العصور بقوة طرحها في الواقع المعاصر، وإن طرحت فيما سبق فمن أفراد لا يؤبه لهم في المجتمع الإسلامي آنذاك.
أما في الواقع المعاصر فهذه القضايا الإشكالية تطرحها تياراتٌ لها ما لها من الانتشار ووسائل التأثير، كما تنعم هذه الأطروحات بوجود دول ومؤسسات تتبناها وتدعمها، فصار العقل الفقهي السياسي الإسلامي المعاصر يواجه طوفانًا من الإشكاليات التي لم يكن الفقيه السياسي التراثي مضطرًا لمواجهتها، وهي الإشكاليات التي أنتجها صعود الحداثة وما قارنه ولحقه من أسئلة لم تكن تمثل تحديًّا ماثلا أمام العقل السياسي الإسلامي المتقدم.
وزاد من حدة هذه الإشكاليات ما جرى من استنساخ تجربة الحداثة الغربية –استنساخًا كربونيًا- في المحيط العربي والإسلامي دون مراعاة لخصوصية الحالة العربية والإسلامية.

موضوع الدراسة:

ذكر الكاتب أن هذه الدراسة تُعنى بالكشف عن الفقه السياسي مع التركيز على الفقه السني، باعتباره كان الأسبق والأثرى والأقرب إلى السياسة العملية منها إلى النظرية.
غير أن الكاتب يمكن أن يناقَش هنا في إغفاله أن الفقه السياسي عند الشيعة الإمامية قد تطور في جانب المواءمة بين الواقع المتطور والتراث الفقهي، وتمكن من تزويد نفسه بنماذج مبتكرة طبقت على أرض الواقع؛ من خلال حكومة الثورة في إيران، وهذه النظم جديرة بالانتباه لها، وقد يمكن الاستفادة منها في إثراء التجربة السياسية الإسلامية باعتبار أن هذه النظم طبقت بالفعل على أرض الواقع واستطاعت أن تتعاطى بفعالية مع إشكالية التراث والحداثة، الأمر الذي أخفقت فيه بعض التجارب السنية.
ويستطرد الباحث في بيان موضوع الدراسة فيقول: (والدراسة إذ تتخذ من الفقه والقانون الإسلامي مدخلًا للنظر والتناول للواقع السياسي؛ فإنها لا تكتفي من الواقع بعنصره القانوني، بل تحاول أن تفحص متضمَّنات النص القانوني وما يُشعر به من مكونات الواقع السياسي المحيط وآلية هذا التضمين والتصوير). (ص 51 ).
والدراسة “لا تعنى بدراسة الميل الواقعي للتراث السياسي الإسلامي، ولكنها ترصد كيفية اقترابه –والفقه بخاصة في هذا المقام- من الواقع السياسي إن وُجِد هذا الاقتراب”.
وهنا يثور في ذهن القارئ سؤال مركزي: هل التراث السياسي الإسلامي (وفي القلب منه الفقه السياسي) كان يقصد إدراك الواقع ويكتفي بذلك (تمهيدًا لبيان الأحكام الشرعية والرؤى الحضارية) أم إن التراث السياسي الإسلامي لم يكتفِ بالإدراك الممهِّد لبيان الحكم الشرعي (أو الواجب في هذا الواقع) وإنما كان يقصد التأثير في هذا الواقع وتغييره؛ طلبًا للحكم الرشيد؟
بعبارة أخرى، هل العلاقة بين الفقه السياسي والواقع كانت علاقة كشف من أجل البيان الشرعي والفلسفي والعمراني، أم إنها كانت علاقة تأثير وتغيير لهذا الواقع، والكشف كان وسيلة لإحداث هذا التأثير وتحقيق ذلك التغيير الذي يستهدف الوصول لحالة الحكم الرشيد؟
ويمكن أن نلتمس الإجابة من قول المؤلف في ص 53 : “الفقه السياسي المتخصص يوجَّه بالأساس إلى أهل العمل السياسي وأكثره لا يقتضيه إلا الشعور بحاجة السياسيين إليه تعريفًا وتحضيضًا ونصيحة”.
كما ذكر المؤلف –في أثناء استعراضه للمداخل الثلاثة في إدراك وتصوير الواقع- أشار إلى أن كلا من الجويني وابن تيمية كان يطرح نموذجًا إصلاحيًّا لا يكتفي بإدراك الواقع، بل كان يقصد إصلاح هذا الواقع، حتى إن الجويني تحدث عن مقاصد السياسة الشرعية، وتجاوز هذا إلى افتراض فرضيات تخيل فيها حالة انحلال السلطة السياسية والعلمية، وخلو الزمان من أئمة الحكم وأئمة العلم، الأمر الذي يؤدي إلى (التياث الظلم)، وما يتعين على الناس فعله حينئذ، فهذه الفروض تتيح لنا الجزم بأن منهج الجويني كان منهجًا إصلاحيًّا يهدف إلى تحسين أحوال الخلق وبيان الحالة المثلى التي ينبغي أن يكون عليها أمر الناس.
كما بين الكاتب أن ابن تيمية –في رؤيته لإصلاح الراعي والرعية- كان خطابه فقهيًّا دعويًّا، وكان له انتقادات للواقع السياسي في عصره ودعوات لإصلاحه.

هيكل الدراسة:

أولا- الهيكل الشكلي:
من حيث هيكل الدراسة (الشكلي) عُني المؤلف بالحديث عن المداخل المختلفة -التي يمكن أن نلاحظها في التراث السياسي الإسلامي- للتعاطي مع مسألة تحليل الواقع السياسي وتصوره وتصويره، فتكلم المؤلف عن مداخل ثلاثة للتعاطي مع الواقع السياسي في التراث السياسي الإسلامي، وهي المداخل الفقهية والفلسفية والتاريخية (العمرانية).
أما المدخل الفقهي فعرض الكاتب فيه لنماذج فقهية ثلاثة اتحدت في المدخل، وتنوعت اهتماماتها في شأن التعاطي مع الواقع السياسي وربطه بالوحي الشريف، وهي نماذج: الماوردي والجويني وابن تيمية.
وفي المدخل الفلسفي عرض لنموذج الفارابي في تصوير الواقع وبيان المثل العليا التي ينبغي أن ينضبط بها هذا الواقع؛ حتى يصل إلى حالة الكمال.
وفي المدخل التاريخي-أو العمراني- عرض لنموذج ابن خلدون في تصوير الواقع واستقراء جزئياته؛ بحثًا عن السنن التي يتشكل مجرى الأحداث وفقًا لها.
فعرض لمنهج كل عَلم من هؤلاء الأعلام في تصور الواقع السياسي والتعامل مع مكوناته في إطار التنظير السياسي الذي يهدف إلى ترشيد الحكم وتقريبه من النموذج الأمثل الذي يبتغيه المنهج الإسلامي.
ويلاحَظ أن كل مدخل من المداخل الثلاثة يحكمه الغرض والمقصد ووظيفة كل من الفقيه والفيلسوف والمؤرخ العمراني: فالفقيه عمله بيان الواجب، فينظر في الواقع من أجل بيان الواجب فيه، والفيلسوف يقصد إلى بيان القيم والمثل العليا، فينظر في الواقع نظرة تجريدية لاستخلاص القيم الحاكمة لهذا الواقع، ومحاكمتها إلى نموذج المدينة الفاضلة الذي يستقر في ذهنه، والمؤرخ العمراني يُعنى بدراسة الواقع؛ باعتباره جزءًا من الاجتماع الإنساني المحكوم بحركة التاريخ، فيحاول ملاحظة ظواهر هذا الاجتماع ورصدها وتحليلها؛ لاستخلاص القوانين المصطلح عليها بالسنن وفقا للتعبير القرآني.

(‌أ) المدخل الفقهي لدراسة الواقع السياسي:
عرض المؤلف في هذا المدخل لثلاثة أعلام من فقهاء الإسلام، ولقَّب منهجية كل علَم من الثلاثة بلقب يبرز أهم السمات التي يمتاز بها منهج هذا العلم.
فلقب منهج الماوردي بـ(المنهج المدرسي)؛ ليبرز عناية الماوردي بجمع شتات عناصر الواقع وبيان الأحكام الشرعية التفصيلية فيه؛ من أجل ضبط الواقع السياسي بالضوابط الشرعية؛ تحقيقًا لمقاصد الإمامة من: حراسة الدين وسياسة الدنيا به.
وأما الجويني فلقب منهجه بـ(المنهج الأصولي المقصدي)، حيث لم يقصد الجويني ما فعله الماوردي: من بيان جزئيات الواقع السياسي وتفاصيل الأحكام الشرعية لهذه الجزئيات، وإنما قصد الجويني بيان القيم العليا والكليات التي تضبط مجال البحث في السياسة الشرعية، وكان الجويني مهتمًا بأن يتخيل أسوأ الظروف التي يمكن أن يمر بها المجتمع الإسلامي، وما يتعين فعله والحكم به حينئذ، فكان فيما فعله الجويني تدريب للعقل السياسي المسلم على التعامل مع أسوأ الفرضيات المتصورة، فكأن الجوينيَّ كان يسعى في توسيع الخيال السياسي للإسلاميين السياسيين؛ حتى يكون هذا الخيال متجاوزًا لأحوال الواقع وقادرًا على التعامل مع مختلف المستجدات في الواقع السياسي.
وأما نموذج ابن تيمية فلقبه المؤلف بـ(النموذج الفقهي الدعوي)، حيث عني ابن تيمية ببيان الحالة الكاملة التي ينبغي أن يكون عليها الراعي والرعية والدعوة إليها، وهذا واضح من عنوان كتابه: (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) الذي غلف أسلوبه الفقهي بخطاب وعظي.
وجاءت رسالة ابن تيمية لتؤكد على رجال الدولة وجوب الرجوع إلى الدستور المجمل والقانون المفصل في سائر شؤون الدولة والأمر العام وترجع الهيئة الراعية إلى سؤال العالم بتفاصيل الفقه وجزئياته فيما له علاقة بأعمالها؛ حتى تكون أعمال الدولة موافقة للشرع. (ص: 176)
ويؤسس ابن تيمية رؤيته للواقع السياسي على مفهومي: الأمانة والحكم بالعدل، والقاعدة في ذلك كله هي: اختيار الأصلح فالأصلح.
واهتم المؤلف بعقد مقارنات بين مسلك ابن تيمية ومسالك الماوردي والجويني، وظهر من هذه المقارنات مدى تأثر الكاتب بابن تيمية:
فذكر الكاتب أن الماوردي أفاض في تشييد البنى وتفصيل مواصفاتها، وأجمل في بيان وظائفها واختصاصاتها وصلاحياتها، وأشار إلى حدود السلطة عند الالتقاء بالمجال الأوسع، ثم قعد الجويني لذلك مبينًا طريقة الاستنباط والبناء المعرفي والتنظيري أيضًا.
لكن ابن تيمية يستوعب هذا بإجمال شديد؛ ليكثف عنايته في قواعد (للعمل والتفاعل السياسي والإداري).
بعبارة أخرى: انتقل ابن تيمية بالفقه السياسي من السكون إلى الحركة، ومن التعريف إلى التوجيه والتصريف.
ومن ثم تتجلى عند ابن تيمية بوضوح توظيفات القيم من: العدل والمسؤولية والرعاية والاجتهاد والقوة والأمانة والصلاح والورع والشورى والنصَفة والمساواة …كما يتجلى حضور المقاصد ووصلها بالوظائف والأعمال، بحيث تتكافل هاتان الدعامتان (القيم والمقاصد) في توجيه العمل والتفاعل السياسي وتحقيقه للحكم الشرعي.
ويمتاز ابن تيمية بأسلوبه الموضوعي الذي ميزه عن الماوردي، فالماوردي كان يميل إلى معالجة الظواهر والأشكال وضبطها؛ لما في ذلك من تمهيد وتأسيس لضبط العمليات والتفاعلات من بعد.
أما ابن تيمية فإن العمليات السياسية الكبرى وتفاعلات الراعي والرعية، والراعي ونوابه وجنوده، والدولة والقوى الاجتماعية المختلفة؛ هي التي تشغل اهتمامه الأساسي، ويعد هذا استكمالا واستئنافًا لما أسسه الماوردي ومأسسه.
فواضح أن كتاب الماوردي كما كان مهمًا للجويني، وإن استهجنه؛ كان معلومًا لابن تيمية بموسوعيته؛ ومن ثم بنى عليه ولم يكرره، بل أجمل كثيرًا من مضامينه التفصيلية. (ص: 175)
وإذا كان الماوردي قد اعتنى بقضية القولبة وإجراءاتها الشكلية المتعلقة بصحة عقدها ونفاذه، وكذلك في العزل والتغيير، وتجاوز الجويني ذلك كله إلى كلياته؛ لحسم التعارضات وبيان الثابت والمتغير؛ فإن ابن تيمية ينتقل إلى ما هو أكثر واقعية وفاعلية وتأثيرًا وهو: الإعلام بقواعد بناء جهاز الحكم في ظل أوضاع غير مواتية، والحض عليها بالوسائل العلمية والنفسية: الإقناعية والوعظية. (ص: 174)
وفيما يتعلق بالمدخل الفقهي فيظهر من البحث أن تحليل الفقيه للواقع السياسي كان تحليلا منظوميًّا، فالفقيه أدرك أن الواقع السياسي يتألف من ثلاثة عناصر هي (الفوقية الراعية، أو المرجعية الشرعية الملزمة) التي تمثل المظلة الراعية والواقية التي تعمل تحتها المنظومات الفاعلة.
والعنصر الثاني: منظومة الحقوق والواجبات التي تعمل تحت هذه المظلة وتنظم العلاقة بين الراعي والرعية، ومن شأن التزام كل طرف (من الراعي والرعية) بأداء ما عليه من واجبات، ونيل ما له من حقوق أن يؤدي إلى سلامة الواقع السياسي.
والعنصر الثالث هو الكيان السياسي الديني الذي يعمل في إطار منظومة الحقوق والواجبات، وفي القلب من هذا الكيان: الإمامة وما يتفرع عنها من تراتيب، وما يتعلق بها من علاقات وتفاعلات حتى تعمل المنظومة بأقصى قدر ممكن من فعالية.

(‌ب) المدخل الفلسفي لدراسة الواقع السياسي:
عرض المؤلف في هذا المدخل نموذج الفيلسوف الفارابي في نظرته إلى الواقع السياسي ومنهجه في إصلاح هذا الواقع، وهو المنهج التجريدي:
فالفارابي كان فيلسوفًا يقصد إلى بيان الحالة النموذجية التي تتحقق فيها القيم والمثل العليا لـ(المدينة الفاضلة) باعتبارها الصورة المثلى التي يمكن أن تكون عليها الجماعة، فينظر الفيلسوف في الواقع نظرة تجريدية تهدف إلى استخلاص القيم الحاكمة لهذا الواقع، ثم يحاكم هذه القيم الواقعية إلى نموذج المدينة الفاضلة الذي يستقر في ذهنه؛ من أجل تقريب الواقع إلى هذا النموذج المثالي.
وعني المؤلف ببيان مفهوم الدولة عند الفارابي وعلاقته بمفهوم الإنسان (إنسان السياسة)، فالدولة عند الفارابي صورة –وانعكاس- لما غلب من طبائع أهلها واستعداداتهم وقابلياتهم، وتكون الدولة فاضلة أو ناقصة بحسب ما غلب على أهلها من فضائل ورذائل: فالدولة الكاملة هي التي يكمل إنسانها، وبقدر نقص حال هذا الإنسان يصيبها النقص حتى يغلب عليها الفساد والخبث. (ص: 294)
والخلاصة: أن الإنسان عند الفارابي –وكذلك الدولة- باطن وظاهر، والباطن هو الأساس الذي يعبر عنه الظاهر، وأن الاجتماع السياسي محصلة تفاعل البواطن: من استعدادات وقابليات، وفي هذا الموطن ينبت الخير والفضيلة أو ينجم الشر والجهالة. (ص: 269)
ثم ربط المؤلف بين الدولة ومفهوم السعادة عند الفارابي، الذي جعل السعادة هي غاية الفرد والدولة، وجعل الفضيلة شرطًا لسعادة الفرد، وسعادة الدولة (السعادة السياسية)، وذكر المؤلف أن هذا الباب (السعادة السياسية) أمسى مهجورًا في الدرس السياسي المعاصر بلا مبرر. (ص: 297)
وفي سياق نقده لمنهج الفارابي عقد المؤلف مقارنة لطيفة بين الفارابي في فلسفته القديمة وبين منهج الفلسفة الحديثة في دراسة الواقع، فذكر أن الفلسفة الحديثة تجاوزت نموذج المدينة الفاضلة بمثاليته، وباتت تطعم النظر الفلسفي ببعض القواعد المأخوذة من الفلسفة الوضعية والمنهج التاريخي، فحصل تقارب بين المنهج الفلسفي الحديث والمنهج التاريخي (العمراني).
وهذه المزاوجة بين المنهج الفلسفي التجريدي وبين المنهج التاريخي لا تزال بارزة في الفلسفة السياسية الغربية حتى اليوم. وضرب المؤلف مثلا -لهذه المزاوجة- بين التاريخي والفلسفي بصنيع جان جاك روسو في كتاب العقد الاجتماعي. وأؤيد المؤلف في هذا التمثيل؛ حيث إني لاحظت هذه المزاوجة -في كلام روسو- بين المنهج الفلسفي وبين رصد الواقع وبيان حركة المنظومات الفاعلة فيه، وذكرني هذا بمنهج ابن خلدون؛ لما لاحظت من تشابه كبير بين ما فعله ابن خلدون وما فعله رواد الفلسفة السياسية الغربيين، فازداد ابن خلدون إكبارًا في نظري.
ولم يفُت المؤلف أن يتساءل عن السبب في تراجع التفلسف السياسي وتضاؤل العناية به في العلوم المعاصرة؟ وفي أثناء مناقشته لهذه القضية تعرض لمفهوم العلم في البحث المعاصر، وأثر الفلسفة الوضعية الغربية في تضييق هذا المفهوم، وانعكاسات هذا التضييق على قيم الشرق وعلومه. (ص: 286)

(‌ج) المدخل التاريخي (العمراني) لدراسة الواقع السياسي:
واتخذ المؤلف من ابن خلدون ومدرسته نموذجًا يتمثل فيه هذا المدخل التاريخي العمراني، فعرض المؤلف في هذا المدخل نموذج ابن خلدون في نظرته (التعليلية) الباحثة عن قوانين الاجتماع، وسنن العمران.
فالمؤرخ العمراني حين يُعنى بدراسة الواقع السياسي لا يكتفي برصد الوقائع وبيان ما هو كائن بالفعل، ولا ببيان القيم الحاكمة للواقع؛ وإنما تجاوز اهتمامه إلى الكلام عن الكيان السياسي في إطار حركة المجتمع، فتكلم عن الواقع السياسي باعتباره جزءًا من حركة الاجتماع الإنساني الذي يعمل ضمن حركة التاريخ، وهذا هو (العنصر الزمني) في نظرة ابن خلدون؛ بمعنى أنه درس الواقع السياسي في تطوره الزمني عبر حركة التاريخ حتى وصل إلى ما هو عليه الآن، ولم يكتفِ بهذا الرصد، بل قام بتحليل الظواهر المرصودة لاستخلاص القوانين التي تحكم هذه الحركة، وهي سنن العمران.

ثانيًا- الهيكل الفكري (أهم القضايا التي تعرض لها الكتاب):
هذا عن الهيكل الشكلي للدراسة كما يظهر في خطة الباحث، لكن هناك ما يمكن أن نسميه بـ(الهيكل الفكري للدراسة)، والمقصود بالهيكل الفكري: بيان أهم القضايا والأفكار التي عرضها الكاتب وناقشها أو فتح باب النقاش فيها، وقد لا تكون هذه القضايا مما نص عليه الكاتب في موضوع الدراسة، لكن ظهرت أهميتها من اهتمام الكاتب بها، وفيما يأتي عرض لهذه القضايا:

مفهوم الواقع:
ذكر الكاتب أن مفهوم الواقع يتسع ليشمل كل ما يحيط بالإنسان ويتعلق به فعله وتتأثر به فاعليته، بل يدخل الإنسان نفسُه –بهذه الرؤية العامة والمركبة- ضمنَ هذا الواقع: الإنسان الذات والإنسان الآخر، وذلك على مستويي الأفراد والجماعات.
فكأنه يشير إلى أننا حين نسمع كلمة الواقع يلتفت الذهن إلى عالم الأشياء وعالم الأحداث، فأراد أن ينبه إلى أن عالم الأشخاص أيضًا يدخل ضمن إطار الواقع.
ويتشكل الإطار العريض لمفهوم الواقع السياسي من مفهومي الدين والدنيا، فتدبير الشأن العام عند الماوردي مثلا يتألف من ركنين هما: حراسة الدين وسياسة الدنيا، وهذه أربعة أجزاء: واقعان وواجبان فيهما، فالواقعان هما الدين والدنيا، والواجبان فيهما هما: حراسة الدين وسياسة الدنيا، وحيث إن عمل الإمامة والسياسة لا يخرج عن ثنائية الدين والدنيا .. فهذان المفهومان إذن يشكلان ركني الإطار العريض لمفهوم الواقع السياسي، وتحتهما تقع سائرُ جزئياته. (ص: 82)
مناهج تصور الواقع: اعتنى الكاتب باستعراض تعدد هذه المناهج في التراث السياسي الإسلامي على اختلاف صوره الفقهية والفلسفية والتاريخية كما تقدم.
المقابلة بين الوحي والواقع، وظهر من مسلك الكاتب أنها مقابلة يكتنفها الكثير من الوهم.
واهتم الكاتب بقضية الحاكمية، وحضورها بقوة في الفقه السياسي الإسلامي، بينما تغيب في التصور السياسي المعاصر المبني على فلسفة الغرب السياسية، وهذا هو جوهر الافتراق بين الرؤيتين السياسيتين: الإسلامية والغربية، فقضية المرجعية الدينية وحاكميتها حاضرة بقوة في الرؤية السياسية الإسلامية، وليست كذلك في نظيرتها الغربية.

مفهوم السياسة:
وانتقد الكاتب مَن حصر معنى السياسة في مفهوم السلطة، ورأى أن هذا الحصر مبني على فلسفة الصراع بين الحاكم والمحكوم التي كانت تحكم الرؤية السياسية الغربية، ولا يزال لها آثار موجودة في الحالة السياسية الغربية الراهنة، ورأى الكاتب أن من شأن حصر السياسة في معنى السلطة أن يبعدنا عن تصور السياسة الشرعية، لأن جوهر السياسة في التصور الإسلامي قائم على معنى الرعاية لمصالح الخلق من خلال تطبيق المنهج الإلهي، فالعلاقة بين الحاكم والمحكوم في التصور الإسلامي أبعد ما تكون عن فكرة الصراع التي حكمت التصور الغربي لفترات طويلة، وأقرب ما تكون إلى معاني التكامل والنصرة والإعانة.(ص: 76)
وفي ص: 293 تعرض المؤلف لقضية العلاقة بين الدين والسياسة في الرؤية الإسلامية مقارنة بالرؤية الغربية؛ وبيَّن أنها في الإسلامية قضية واحدة موصولة الأجزاء على خلاف الرؤية الغربية.

موقع السياسة من عموم الفقه الإسلامي:
علاقة فقه الواقع السياسي بعمل الفقيه: أن الفقيه يستهدف الوصول لأحكام الله تعالى في أفعال المكلفين، والواقع (أو: النشاط) السياسي جزء من أفعال المكلفين (عالم الأشخاص) وتفاعلاتها مع بقية العوالم، بل هو من أشدها خطورة وتأثيرًا وتداخلا مع سائر الأنشطة البشرية كما عبر الفقهاء أنفسهم، وتمييز المجال السياسي بمصنفات خاصة يشهد بذلك.
إذن فالسياسة في عرف الفقيه ليست علاقة صماء بين حاكم ومحكوم، بل هي مسكونة بمعانٍ إيمانية وأدوات حضارية تستهدف تعبيد الخلق للحق (حراسة الدين)، وتحقيق سعادة الدارين (سياسة الدنيا)، وهي بهذا المعنى لا تخرج عن دائرة العبادات، وإن كان جل أحكام السياسة الشرعية يسكن في أبواب المعاملات بحسب التقسيم الفقهي (الأكاديمي). وهذه الحقيقة (الامتزاج بين التعبد والمعاملة) أثرت في طريقة تفكير الفقيه وطريقة تعاطيه مع الشأن السياسي. (ص: 30)

مفهوم الإمامة:
وانتقد الكاتب من اتهم فقهاء السياسة الشرعية بالمبالغة في موضوع الإمامة وتأثر كلام الفقهاء فيها بالواقع الاستبدادي، واستشهد الكاتب بالماوردي في تقريره لباب الإمامة ضمن عشرين بابًا، فلم يطغَ بابُ الإمامة على تسعة عشر بابًا أخرى تناولت سائر مكونات الدولة الإسلامية ووظائفها الأخرى، بحيث لم يتعدَّ مقدار البحث في الإمامة (7,5%)، ومن ثم يكون الحديث عن طغيان باب الإمامة على ما عداه حكمًا غير منصف. (ص: 79)
كما ذكر الكاتب أن مسألة إقرار حكم المتغلب -التي طُعن بها في فقه السياسة الشرعية- مبنية على مبدأ الضرورة، فهي ليست أصلا شرعيًّا مستمرًا، وإنما هي مواءمة فقهية مبنية على واقع لا يستطيع الفقيه تغييره، ومن شأن تغير هذا الواقع أن تتغير هذه المواءمة، ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الظروف المبنية عليها، ولو كان الفقهاء في عصرنا لم يجدوا هذه الضرورة فلن يقروا فكرة المتغلب؛ لانعدام الأساس الذي تبنى عليه.
وفي إطار الدفاع عن فقه السياسة الشرعية بيَّن الكاتب أن دائرة حقوق الأمة -كما قررها الماوردي- أوسع من دائرة حقوق الحاكم التي حصرها الماوردي في حقين لا ثالث لهما هما (الطاعة والنصرة ما لم يتغير حاله). (ص: 83)
وقد عقد الكاتب في ص 84 مقارنة بين منظومة الكيان السياسي في الرؤية الإسلامية كما تظهر عند الماوردي، وبين التقسيم السياسي في الرؤية الغربية، واستشهد بتقسيم مونتسكيو في هذا الصدد.

مفهوم الخلافة أو (خلافة النبوة):
ورأى المؤلف أن هذا المفهوم يختلف عن فكرة (الثيوقراطية)؛ لأنها خلافة عملية في جانب التنفيذ، وتبقى الخلافة العلمية موكولة إلى العلماء المأمورين بتقويم انحراف الأمراء. (ص: 82)

المقولات:
فيما يأتي عرض لنماذج من المقولات الجامعة والمهمة التي تضمنها الكتاب:
§ “الله تعالى كما خلق الأكوان وضع لها الميزان، والتشريع: طلب إعمال الميزان في إصلاح الأكوان”. (ص 44)
§ “الشريعة هي النصوص بألفاظها ومعانيها، والفقه: إدراك هذه الشريعة، والشريعة معصومة، والفقه غير معصوم”.
وعبارة “الفقه غير معصوم” يتلقفها بعضهم ويوظفها توظيفًا سلبيًّا يحاول به الطعن في الفقه الإسلامي وقطع نسبته إلى الشريعة، وهذا لا يسلم لهم.
§ “يمتاز التشريع الإلهي بالوسطية التي تجمع بين دواعي الخلق ودواعي الحق على قدر المستطاع، أما التشريعات الوضعية فهي: إما أن تسرف في إطلاق ما هو نسبي محدود، وإما أن تسرف في تقييد الإنسان وشل فعاليته بغض الطرف عن قابلياته واحتياجاته الفطرية، أو تفرط في مطاوعة النوازع البشرية الغضبية أو الشهوانية”. (ص: 45)
§ “المشرع يفتقد القدرة على نقد القوانين التي وضعها بقدر ما يتوقع من الشعوب أن تخضع لهذه القوانين”. (ص: 45)
§ “من دلالات التشريعية: أنها تحرك الوعي بالبعد العام فالسياسي، أو على الأقل مراعاة المشترك الاجتماعي المتجاوز للفردية، على خلاف ما يشاع عن الفقه الإسلامي من أنه فقه فردي يُعنى بالعبادات، وحتى العبادات لا تخلو من جوانب وآثار جماعية ومجتمعية”. (ص: 46)
§ “الحق كثيرًا ما يفتقد القوة المادية التي تسانده؛ ومن ثم فلا يتحقق الواقع الأمثل”. (ص:44)
§ “حافز الفقيه على مقاربة الواقع ومعرفة تفاصيله يكون بقدر ما يكون هذا الواقع مؤثرًا فيه وفي مجال عمله”. (ص: 67)
§ “من طبائع الإنسان تتشكل خصائص العمران”. (ص: 294)

وختامًا فالبحث جاء متميزًا في طرحه، ثريًّا في مادته، فريدًا في بابه، وحاويًا للكثير من القواعد والأدوات والمنهجيات التي تفيد في إثراء كل من البحث السياسي والفقهي والأصولي.
وإن كان من نقد يمكن توجيهه إلى الدراسة فهو في كثرة الاستطرادات التي لا داعي لها، مع صعوبة اللغة في بعض الأحيان.
وأرجو ألا أكون قد ظلمت الكتاب بهذا الإيجاز الذي حاولت فيه قدر استطاعتي ألا يكون إيجازًا مخلا.
*****

الهوامش:

* بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2015.
[1] وفقا للتقسيم الذي أورده الكاتب بشأن طبيعة تعامل الفقيه مع الواقع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق