سياسات الديمقراطية وحكم الخبراء في أمريكا اللاتينية

مقدمة:

شهدت أمريكا اللاتينية تجارب عدَّة فيما يتعلَّق بالديمقراطية، سواء كانت تمثيلية أوتشاركية، وتنوَّع الفاعلون في صياغة وتنفيذ السياسات العامة فيها ما بين سياسيِّين وبيروقراطيِّين وتكنوقراط ومؤسسات دولية، وهذه الخبرات جديرة بالدراسة للاستفادة منها نظريًّا وعمليًّا. وقد قُدِّمت الديمقراطية التشاركية وحكم الخبراء كبدائل أو مكمِّلات للديمقراطية التمثيلية وسيطرة السياسيِّين أو البيروقراطيِّين على صياغة السياسات العامة على التوالي في أكثر من سياق أو مجال جغرافي أو ثقافي، ومن بينها أمريكا اللاتينية.

والديمقراطية التشاركية نظام يمكِّن المواطنين من المشاركة في صنع القرارات السياسية ذات الأولويات بالنسبة إليهم عن طريق التفاعل المباشر مع السلطات القائمة والمشكلات المطروحة، وهى تركِّز على دور المواطنين في المشاركة في تدبير الشأن العام، كما أنها تتَّسم بالتفاعل بين المواطنين والحكومات أو المستشارين المحليِّين.

أمَّا التكنوقراط فهم أفراد ذوو مستوى عال من التدريب الأكاديمي المتخصِّص، وهو ما يُعَدُّ معيارًا رئيسيًّا يتمُّ على أساسه اختيارهم لشغْل أدوارٍ رئيسية في صنع القرار أو استشارية في المنظمات الكبيرة والمركَّبة العامة والخاصَّة على حَدٍّ سواء. وللتعرُّف على الديمقراطية التشاركيَّة وحكم الخبراء في أمريكا اللاتينية، ستركِّز تلك الورقة على عرض كتابيْن.

أولًا- الديمقراطية التشاركية في أمريكا اللاتينية:

على الرغم من الانتخابات المنتظمة في دول أمريكا اللاتينية على مدى العقدين الماضيين، لا يزال تحدِّي التحوُّل الديمقراطي قائمًا كجزءٍ من هذه العملية. تُقَدِّم فرانسواز مونتامبولا Françoise Montambeault الأكاديمية بجامعة مونتريال كتابها “سياسات الديمقراطية التشاركية المحلية في أمريكا اللاتينية: المؤسَّسات والفاعلون والتفاعلات”[1]، وهو في الأصل أطروحة نالتْ عنها المؤلِّفة درجةَ الدكتوراه من جامعة ماكجيل بكندا.

تدرس المؤلِّفة في هذا الكتاب آليَّات الحكومة المحلية في أربع مدن: مدينتين في المكسيك، ومدينتين في البرازيل. وقد وجدت خلافات تعزوها إلى الطرق التي اتجهت بها البرازيل والمكسيك نحو أنظمة أكثر ديمقراطية وكيف تعامل كلٌّ منهما مع المحسوبيَّة أو الزبائنيَّة الراسخة. في دراسات الحالة  التي أجرتْها  الكاتبة، أسَّست سلسلةً متَّصلةً (أي: المحسوبية – التعاون غير الممكَّن – الإدماج المجزأ – التعاون الديمقراطي) التي سيكون لها استخدام أوسع في تحليلها السياسي المقارن لموضوع الكتاب. وهي تقدِّم حُجَّةً مفادها أن المؤسَّسات السياسية وحدها لن تؤدِّي إلى مزيد من الديمقراطية ولكن المشاركة الفعَّالة في الشؤون المحلية هي التي تساهم في علاقة إيجابية بين الدولة والمجتمع والتي تؤكِّد على تعزيز السياسة الديمقراطية. وأثناء إجرائها تحليلًا أكاديميًّا صارمًا، لم تغفل أبدًا عن أن حياة البشر الحقيقيِّين هي في قلب عملية التحوُّل الديمقراطي هذه.

  • حول الديمقراطية التشاركية

تتَّضح أهمية القضية التي يتناولها الكتاب في أن التجارب المؤسَّسية الديمقراطية التشاركية التي تهدف إلى إعادة المواطنين إلى عمليات الحكم المحلي أصبحت عنصرًا أساسيًّا في مسار ما يُعرف بالتحوُّل الديمقراطى لتجذير القيم والممارسات لجعل المواطن في قلب عملية الحكم الرشيد، كما أن هذه التجارب صارت في صميم أجندة التنمية الديمقراطية الدولية مع الملاحظات العديدة على هذه الأجندة وأهدافها وسجلِّها العملي. ففي جميع أنحاء العالم، وخاصة في أمريكا اللاتينية، نفَّذت العديدُ من الحكومات المحلية، من اليسار واليمين، آليَّات لتضْمين مدخلات المواطنين رسميًّا في عمليات صنع القرار على المستوى المحلي.

بالإضافة إلى ذلك، فإن القضية التي يناقشها الكتاب تمثِّل إضافة ثريَّة للجدل النظري والعملي بين فريقين من أنصار ما يمكن وصفه بالديمقراطية من أعلى والديمقراطية من أسفل أو الديمقراطية القاعدية في أنحاء عديدة من العالم، وبالأخصِّ أمريكا اللاتينية. فقد كانت الأدبيَّات حول التحوُّل الديمقراطي في أمريكا اللاتينية لسنوات عديدة مسرحًا لصدام بين اتجاهيْن من الأبحاث؛ رأى البعض عمليات انتقال من منظور مؤسَّسي بحْت يمثِّل فيه احترام نتائج الانتخابات الدورية التي تروِّج لها الأحزاب السياسية المنظَّمة بحُرية شرطًا كافيًا لتعريف الانتقال. على الجانب الآخر، ذهب آخرون إلى أن دورًا مستقلًّا للمجتمعات المدنية المحلية في الشؤون الحكومية كان شرطًا ضروريًّا لتغيير الوجه الاستبدادي للدولة، التي تُهيمن عليها النُّخب السياسية التقليدية التي تُديم سلطتَها في مجتمعات غير متكافئة بشكل صارخ.

يُضاف لجملة ما سبق، أن الكتاب يقدِّم تجارب مفيدة وإطارًا تحليليًّا يتميَّز بقدرة تفسيريَّة جيِّدة للباحثين في مجال الديمقراطية التشاركية الذين ينقِّبون بحثًا عن أكثر من نماذج “عالمية” مفترضة لحلِّ أوجه القصور الديمقراطية في جميع أنحاء العالم. فالمؤسَّسات التشاركية لا توجد في فراغ، فهي تتأثَّر بالسياقات السياسية الموجودة بالفعل وتؤثِّر فيها، ويمكن أن تكون وسائل لتعزيز مكاسب المواطنين المهمَّشين في الأطراف في مواجهة القوى المحتكرة للسلطة والموارد في تلك الأطراف، وأيضًا في مواجهة تغوُّل وسطوة السلطات المركزية.

ويسْعى الكتاب إلى الإجابة عن سؤالين: هل يمكن للتغيير المؤسَّسي أن يُعَزِّزَ جودةَ الديمقراطية في أمريكا اللاتينية؟ ويرتبط بهذا السؤال سؤال آخر: كيف يمكن تقييم نجاح التغيير المؤسَّسي في تعزيز الديمقراطية في أمريكا اللاتينية؟ وإلى أي مدى يمكن للإصلاح المؤسَّسي أن يعزِّز تطوير مجتمع مدني مستقلٍّ قادرٍ على المساهمة في تحسين نوعية الديمقراطية؟ ولماذا تختلف مستويات النجاح؟

وترى الكاتبةُ أن آليَّات المشاركة المؤسَّسية ليست -في الواقع- حلًّا سحريًّا لجميع أمراض الديمقراطية. فقد كان لها نتائج متباينة في الممارسة على مستوى المحليات، ليس بين البلدان وحدها، ولكن أيضًا بين المحليات داخل البلد الواحد، كما هو الحال بالنسبة لآليَّات التخطيط التشاركي في المكسيك وبرامج الميزانية التشاركية في البرازيل.

وبالاعتماد على دراسة مقارنة لخمس تجارب ديمقراطية تشاركية تقع في مدينتيْن مكسيكيَّتيْن ومدينتيْن برازيليتيْن، يطوِّر الكتاب إطارًا مفاهيميًّا ومقارنًا لفهم النجاح الديمقراطي بشكلٍ أفضل من خلال النظر في العلاقات المتنوِّعة بين الدولة والمجتمع التي لُوحظت داخل هذه المؤسَّسات. ويقدِّم الكتابُ مجموعةً من الأدوات النظرية التي طوَّرتها المؤلِّفة من خلال مجموعةٍ متنوِّعة من البيانات والحقائق التجريبيَّة التي جمعتْها من خلال المقابلات التي أجرتْها مع المواطنين والمسؤولين المحليِّين عبر حالات الدراسة، وتسْعى إلى شرحها، أي إن الأدوات النظرية المستخدمة ليست سابقة التجهيز أو مفروضة على بيئة البحث.

تكْشف المقارنةُ الجديدةُ التي تمَّ إجراؤها أنه إذا كان التصميم المؤسسي مهمًّا، فإن كيفية تخصيص هذه الآليات المؤسَّسية من قبل الجهات الفاعلة السياسية والاجتماعية هي أكثر أهمية؛ لأنها تحدِّد إمكانية ظهور مجتمع مدني مستقل، والمشاركة بنشاط مع الولايات والأقاليم المحلية.

يقدِّم الفصل الثاني قضية إعادة تعريف النجاح الديمقراطي للديمقراطية التشاركية المحلية، التي تحدِّدها طبيعة العلاقات بين الدولة والمجتمع التي تتطوَّر من خلال التفاعلات التشاركية الرسمية وغير الرسمية. ويقدِّم الفصلُ تصنيفًا يفسِّر التبايُن على طول البُعدين المحدَّدين للعلاقات بين الدولة والمجتمع:

– أشكال تعبئة المجتمع المدني المتولِّدة عن الآليات (من الأشكال الفردية الخاصة إلى الجماعية).

– درجة الاستقلالية التي يكتسبها المشاركون في المؤسَّسات التشاركية (من الخضوع للسيطرة إلى الاستقلالية).

ومن خلال هذيْن البُعدين تقترح المؤلِّفة تصنيفات أربعة لوصف تنوُّع النتائج التجريبية التي لُوحظت عبر الحالات:

  • المحسوبية/ الزبائنية (التعبئة الخاصة والاستقلالية المنخفضة).
  • التعاون غير الممكَّن (التعبئة الجماعية والاستقلالية المنخفضة).
  • الدمج المجزَّأ (التعبئة الخاصة والاستقلالية العالية).
  • التعاون الديمقراطي (التعبئة الجماعية والاستقلالية العالية).

ويعرض الفصل الثالث المدنَ الأربع المختارة: “بيلو هوريزونتي Belo Horizonte” و”ريسيفي Recife” في البرازيل، و”ليون León” و”سيوداد نيزاهوال كويوتل  Ciudad Nezahualcóyotl” في المكسيك، بمزيد من التفصيل، ويستكشف التفسيرات الحالية السائدة للاختلافات في النجاح من خلال التأكيد على أوجه التشابه التاريخية والمؤسَّسية للحالات.

ومن خلال تسليط الضوء على الصراعات التي تشارك فيها الأحزاب للسيطرة على المؤسَّسات التشاركية، تنتقد وتقوِّض المؤلِّفةُ العديدَ من المفاهيم التي يتمُّ حشدُها عادةً لشرح نتائجها غير المتكافئة في أمريكا اللاتينية: مفهوم “الإرادة السياسية” أولًا، ثم مفهوم “الثقافة السياسية” الذي غالبًا ما يتمُّ تعريفه بشكلٍ سيِّئ بحسب المؤلِّفة.

وتقدِّم المؤلِّفة إطارًا لشرح مختلف نتائج العلاقة بين الدولة والمجتمع، محدِّدَةً المؤشِّرات لسلسلة من العوامل الثقافية والمؤسَّسية، وهذه العوامل -مجتمعة وفي تفاعل مع بعضها البعض- يمكنها أن تفسِّر التبايُن على طول كلٍّ من أبعاد التعبئة والاستقلالية للعلاقات بين الدولة والمجتمع عبر الحالات وداخلها.

وترى المؤلِّفة أنه عند تقييم التغييرات في العلاقات بين الدولة والمجتمع على المستوى المحلي، فإن الطريقة التي تعمل بها الأطر المؤسَّسية على المستوى الوطني لا تهم، ولا حتى التصميم المؤسَّسي لآلية المشاركة نفسها، فالمهم في رأيها هو كيفية ارتباط المجتمع المدني نفسه بها وإلى أي مدى يؤدِّي التحزُّب السياسي المحلي إلى خلق مستويات أكثر استقلالية أو سيطرة أكبر من قبل المجتمع المدني.

لذلك، فإن مجرد وجود آليات مشاركة مؤسَّسية غير كافٍ لإحداث تغييرات في العلاقات المحلية بين الدولة والمجتمع. لأن هذه الآليات ترتبط ببيئة اجتماعية وسياسية من التنافس بين الأحزاب وداخل الأحزاب، لذا فإن الخلافات حول العمل ضمن هذه الآليَّات تعزِّز مواقف هذا الفصيل السياسي أو ذاك.

لكن كيف ترتبط المنافسة السياسية بفكرة الحكم الذاتي؟ توضِّح المؤلفة كيف أنه في البيئات التي لا تتعرَّض فيها الائتلافات الحكومية لهجوم شرس من خصومها، هناك احتمالٌ أكبر بأن يقوم المجتمع المدني بعمل مستقل. وفي البيئات الأكثر إثارة للجدل، غالبًا ما تدفع النزاعات السياسية التي تتغلْغل في آليَّات المشاركة المؤسَّسية شرائح المجتمع المدني إلى تعزيز موقف الحزب الأقرب لمصالحها.

  • المشاركة في التخطيط ووضع الموازنات

تتناول الدراسة كما أشرنا خمس تجارب في أربع مدن في أمريكا اللاتينيَّة: مدينتين في المكسيك، ومدينتين في البرازيل. وتتمحْور الحالات حول آلَتَيْنِ للمشاركة: التخطيط التشاركيى والموازنة التشاركية.

والتخطيط التشاركي نموذج للتخطيط الحضري، الذي يركِّز على إشْراك المجتمع بأسْره في العمليات الاستراتيجية والإدارية للتخطيط الحضري؛ أو عمليات التخطيط على مستوى المجتمع المحلي، الحضريَّة أو الريفيَّة. وكثيرًا ما يُعتبر ذلك جزءًا من التنمية المجتمعيَّة. ويهْدف التخطيط التشاركي إلى تنسيق وجهات النظر بين جميع المشاركين فيه، فضلًا عن منْع الصراع بين الأطراف المتعارضة. وبالإضافة إلى ذلك، تُتاح للفئات المهمَّشة فرصةٌ للمشاركة في عملية التخطيط.

أمَّا الموازنة التشاركية فهي عملية يقوم من خلالها المواطنون بالنقاش والتفاوض على توزيع الموارد العامة، ومن ثم فهي عملية مشاركة في قرارات تخصيص جزءٍ من الميزانية الخاصة بالبلدليات المحلية. وتُتيح الموازنة التشاركية للمواطنين مناقشة أولويات الإنفاق العام، وبالأخصِّ قرارات الإنفاق التي تتعلَّق بالبنية التحتيَّة. وعند أخذ الموازنة التشاركية على محمل الجدِّ وبناءً على الثقة المتبادلة، يمكن للحكومات المحلية والمواطنين تحقيق الاستفادة على حَدٍّ سواء.

يوضِّح الفصل الرابع أن حالة التخطيط التشاركي في مدينة “سيوداد نيزاهوال كويوتل” في البرازيل تمثِّل بشكل وثيق تصنيفَ “المحسوبية / الزبائنية”، ويفسِّر استمرار هذا النوع التقليدي من العلاقة بين الدولة والمجتمع في المدينة على الرغم من وجود قنوات تشاركية رسمية بعامليْن: أولًا، لُوحظ وجود اتجاه في التصميم المؤسَّسي لتشجيع الأشكال الفردية والخاصة للتعبئة. ثانيًا، السياق الاجتماعي السياسي المحلي، الذي يتَّسم بمنافسة سياسية عالية بين الأحزاب وداخلها، واختلال في توازن منظمات المجتمع المدني المنخرطة في العملية التي تحافظ على فهم متفاوت لأدوار الدولة والمجتمع في العملية، مما يسهم في الحفاظ على استراتيجيات التحكُّم في آليات المشاركة التي بدورها تقوِّض استقلالية المشاركين من المجتمع المدني.

أمَّا حالة التخطيط التشاركي في ليون التي يتناولها الفصل الخامس فهى تمثِّل ما وصفتْه المؤلفة بـ”الدمج المجزَّأ”، وتطوير مثل هذه العلاقة بين الدولة والمجتمع يُفسَّر من خلال عنصرين رئيسيَّين. أولًا، تشير الحالة إلى اتجاه التصميم المؤسَّسي المختار لتشجيع أشكال التعبئة الفردية المنظَّمة حول مطالب خاصة. ثانيًا، يميل السياق الاجتماعي – السياسي الذي يتميَّز بحالة مستقرَّة نسبيًّا للمنافسة السياسية بين الأحزاب وداخلها وبمشاركة جميع قطاعات المجتمع المدني إلى تشجيع تطوير فهم الشراكة لأدوار الدولة والمجتمع في العملية التشاركية وتقليل الاستخدام إلى الحدِّ الأدْنى، من استراتيجيَّات التحكُّم وفتح الاحتمالات لزيادة الاستقلالية بين المشاركين.

الفصل السادس ينقل التحليل إلى حالة “ريسيفي” في البرازيل، تقدِّم هذه المدينة حالتيْن في حالة واحدة، وعلى هذا النحو تسمح بمقارنة عبر الزمان، تضيف ثراءً إلى المقارنات عبر المكان التي أُجريت في الكتاب. ويوضِّح الفصل أن تجربتي ريسيفي المتميِّزتين للموازنة التشاركية، التي تمَّ تنفيذُها في ظلِّ حكومات محلية مختلفة، تكشفان عن أنماط متناقضة للعلاقات بين الدولة والمجتمع: الأولى في الفترة (1993-2000) في ظلِّ تحالف (حزب الحركة الديمقراطية البرازيلية، والحزب الليبرالى الفيدرالي) وهي تتوافق بشكل وثيق مع نوع مثالي من المحسوبية، بينما تتميَّز الفترة الأخرى (2001-2009) في ظلِّ (حزب العمال) بخصائص عدم تمكين التعاون غير الممكَّن. تمثِّل هذه النتائج المتفاوتة بالتالي تباينًا في محور التعبئة، والذي يمكن تفسيره بشكل أفضل من خلال التغييرات المهمَّة التي أُدخلت على التصميم المؤسَّسي من قبل حزب العمال في عام 2001. ومع ذلك، فقد حافظ السياق الاجتماعي والسياسي على شراكة غير متكافئة وممارسات السيطرة السياسية في كلتا التجربتيْن.

  • قصة نجاح: الأسباب والتحديات

يقدِّم الفصل السابع الحالة الأكثر نجاحًا، وهي “بيلو هوريزونتي”، ويوضِّح كيف تتوافق بشكل وثيق مع حالة نجاح ديمقراطي، عند ظهور تعاون ديمقراطي بين الدولة والفاعلين في المجتمع، ويمكن تفسير ذلك بشكل أفضل من خلال عنصرين رئيسيَّيْن: فمن ناحية، عزَّز التصميم المؤسَّسي المعتمد في بيلو هوريزونتي التنظيم الجماعي لمجموعات من المواطنين لتحديد الصالح العام. من ناحية أخرى، السياق الاجتماعي والسياسي الذي تمَّ فيه تنفيذ العملية عزَّز استقلالية المشاركين، وبدلًا من الحفاظ على استراتيجيَّات السيطرة السياسية، أدَّى ذلك إلى تطوير شراكة متكافئة بحسب المؤلفة بين الدولة والفاعلين في المجتمع في العملية التشاركية.

يوضِّح هذا الفصل أن الديمقراطية التشاركية كان لها تأثيرٌ فعَّال على العلاقات بين الدولة والمجتمع في بيلو هوريزونتي، حيث تُظهر دراسة الحالة هذه أن الابتكار في التطوير المؤسَّسي يمكن أن يساهم بشكل إيجابي في تحويل ما كان يتمُّ استخدامه في السابق لإعاقة مشاركة المواطنين، والمحسوبية السياسية كما في حالة جمعيات الأحياء إلى أدوات للتعبئة الجماعية والشعبية، وعمليات صنع وصياغة  مطالب سكان هذه الأحياء.

ومن أسباب نجاح هذه التجربة أيضًا، اقتران فهم الممارسات الفعلية للمشاركة (مستوى الاستقلالية) مع وجود التصميم المؤسَّسي، تصبح هذه المؤسَّسات ذات جدوى وصلة بالنسبة للناس، كما تصبح ذات صلة بتقييم درجات النجاح المتفاوتة. إن المنافسة السياسية الداخلية والخارجية المنخفضة مع تحالف حزب العمال الحاكم في السلطة، جنبًا إلى جنب مع توازن القوى التعدُّدية في المجتمع المدني، يعني أن هذه المؤسَّسات يمكن أن تصبح مساحةً لأشكال المشاركة المستقلَّة لكي تنمو وتظل خاليةً نسبيًّا من تلاعُب السياسيِّين أو محاولاتهم إعاقتها.

هذا التوازن أمكن تحقيقُه عن طريق نشْر استراتيجيَّات العمل الجماعي المستقلِّ في داخل المؤسَّسات التي ترْعاها الدولة، مع وجود تصوُّر إيجابي ونشطٍ بقوة بشكل عام من جانب كلٍّ من المشاركين والمسؤولين الحكوميِّين لدورهم في العملية التشاركية.

ومع ذلك، لا يزال من الممكن ملاحظة بعض الديناميات الإقصائية في عملية الموازنات القائمة على المشاركة، حيث إن عمليات المشاركة والتعبئة المتعلِّقة بالأشغال العامة ومشاريع التنمية الحضرية مكَّنت في الغالب القطاعات الأكثر فقرًا في المجتمع.

وقد تمَّ بذل العديد من الجهود لمواجهة محاولات الإقصاء هذه، مثل تطوير منصَّة رقمية لتسهيل عملية وضع موازنات للمناطق والمقاطعات المحلية قائمة على المشاركة وإنشاء مناطق فرعية خاصة في أحياء الطبقة الوسطى. وعلى الرغم من استمرار البرامج التشاركية في جذْب جزءٍ كبيرٍ من السكَّان المهمَّشين الذين هم في أمسِّ الحاجة إلى الوصول إلى الولايات المحلية والذين هم أيضًا الناخبون التقليديُّون للائتلاف اليساري الحاكم للمدينة منذ عام 1993، فإنه يتمُّ بذل جهود واعية لتكون شاملة وتجذب الطبقة الوسطى التي كان من الممكن أن يتمَّ تهميشُها من خلال برنامج يستهدف الفقراء في الأصل.

بالطبع، سيكون من المبالغة الادِّعاء بأن الممارسات الزبائنيَّة لتوزيع الموارد قد اختفتْ تمامًا، فلا تزال الموارد الموزَّعة من خلال مداولات الموازنة العامة محدودة بالنموذج الذي تمَّ تكييفه مع السياق المحلي الخاص والمحافظ بشكل عام في مدينة بيلو هوريزونتي، فضلًا عن حقيقة أن أعضاء المجالس البلدية تمكَّنوا من الاحتفاظ بجزءٍ من الميزانية ليتمَّ توزيعُها وفق إرادة تقديرية.

ومن المهمِّ التأكيد على أن الموازنات القائمة على المشاركة نفسها ظلَّت معزولةً عن مثل هذه الممارسات التقليدية في بيلو هوريزونتي، ممَّا أدَّى إلى استمرار التعبئة الجماعية والمداولات الحقيقية حول المطالب المجتمعية بين المشاركين الذين تمكَّنوا من التنظيم من خلال منظمات اجتماعية متنوِّعة، والأهم من ذلك، بشكل مستقل عن الوسطاء السياسيِّين وعن أجندات الأحزاب السياسية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن مبدأ العدالة الاجتماعية يقع في قلب المشروع، والقدرة المكتسبة حديثًا للمنظمات الاجتماعية والمواطنين العاديِّين على التعبئة والتنظيم لصياغة المطالب بشكلٍ منفردٍ والعملِ مع الحكومة المحلية نحو تبنِّيها وتنفيذها من خلال لجنة مراقبة ومتابعة الموازنة، وهو ما يغيِّر ديناميكيَّات الإدْماج الاجتماعي، ويحافظ على تنمية مواطنين أكثر انخراطًا وتنظيمًا وتعزيز مساءلة الدولة. كما أكَّد أحد المديرين العاملين بأن الموازنة التشاركية لها دور تعليمي أساسي للسكَّان للحصول على فكرة عن مشاكل المدينة، وفهم المجال الحضري ككل.

ونتيجة للعملية التشاركية وما يرتبط بها من تعليم اجتماعي، فإن أحد المنخرطين منذ فترة طويلة في أنشطة تنظيم المجتمع في الأحياء المعروفة بـ”فافيلا” -ما يُسَمَّى بالأحياء العشوائية أو القصديرية التي تنتشر في البرازيل، ويعاني سكَّانها من نقص البنية التحتية والدخل القليل- وهو أيضًا أحد المندوبين الذين يعملون في عملية  الموازنة التشاركية يصف هذه العملية بأنها “آلية للدمج الاجتماعي”، وهو يقول:

“بفضل الموازنة التشاركية، نشعر بأننا جزء من العملية، وأن الحكومة البلدية تلتزم الآن بمطالبنا، ويتمُّ تنفيذ الأعمال في المحليَّات. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فنحن نشكوهم ونحاسبهم، وهو الجزء الأهم: متابعة العمل ورفع الشكاوى عندما لا تسير الأمور على ما يرام”[2]. ويضيف ناشط آخر منذ فترة طويلة في الأحياء الفقيرة قائلًا إن “المكسب الرئيسي من الموازنة القائمة على المشاركة هو تمكين السكان، وهو ما يمكننا تسميته تمكين المواطن”[3]. وبشكل عام، ساهم نموذج الموازنة التشاركية في مدينة بيلو هوريزونتي في تجديد طبيعة العلاقات بين الدولة والمجتمع وجعلها أكثر تعاونًا من خلال التفاعلات والمناقشات التي يشجِّعها، وبالتالي دعم عمليات الحكم الديمقراطي في المدينة.

وعلى الرغم من وجود بعض القيود الجوهرية، فإن تصميم المؤسَّسات ذو فعالية. فقد تمَّ تنفيذها وسنُّها من قبل الجهات الفاعلة السياسية والاجتماعية في سياقٍ مُوَاتٍ لتطوير أشكال مستقلَّة من المشاركة، مما يعزِّز قدرةَ المجتمع المدني على صياغة المطالب، والتفاوض بشأنها مع الحكومة المحلية، ومن ثم جعل السياسيِّين المحليِّين أكثر استجابة، وخضوعًا للمساءلة.

ثانيًا- حكم الخبراء في أمريكا اللاتينية

يتناول كتاب “التكنوقراطية والديمقراطية في أمريكا اللاتينية: الخبراء يديرون الحكومة”[4] دور التكنوقراط في شؤون الحكم في أمريكا اللاتينية وهي في الأصل أطروحة المؤلِّف إدواردو درجنت Eduardo Dargent للدكتوراه من جامعة تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو أكاديمي في الجامعة البابوية الكاثوليكية في بيرو.

وقد حفَّزَ الدور المهم الذي يلعبه التكنوقراط في أمريكا اللاتينية نقاشًا نظريًّا ثريًّا حول تأثير الخبراء في صنع السياسات واستقلالهم الفعَّال عن اللاعبين الاجتماعيِّين السياسيِّين الآخرين، وخاصة السياسيِّين والمؤسَّسات المالية الدولية والشركات. حتى إن بعض المعلِّقين قد ناقشوا ما سمُّوه “الديمقراطيات التكنوقراطية” في أمريكا اللاتينية، والتي تمَّ تعريفها على أنها أنظمة يكون فيها “صياغة بدائل السياسة على أيدي الخبراء إلى حَدٍّ كبير”.

ومن خلال تحليل متعمِّق لدور التكنوقراط في السياسة الاقتصادية والصحية في كولومبيا من 1958 إلى 2011 وفي بيرو من 1980 إلى 2011، ترى هذه الأطروحة أن التكنوقراط فاعلون مستقلُّون في أمريكا اللاتينية. ومع ذلك، فإن هذه الاستقلالية الفنية تختلف في قوَّتها من قطاع السياسة إلى قطاع السياسات، وحتى داخل نفس قطاع السياسة عبر الزمن.

ويتبنَّى المؤلِّف تعريفًا للتكنوقراط بأنهم “الأفراد ذوو المستوى العالي من التدريب الأكاديمي المتخصِّص، وهو المعيار الرئيسي الذي يتمُّ على أساسه اختيارُهم لِشَغْلِ أدوارٍ رئيسيةٍ في صنع القرار، أو يحتلُّون أدوارًا استشارية أساسية”[5].

يقدِّم الكتابُ نظريةً مثيرةً للاهتمام حول الآليَّات التي تحدِّد درجة استقلالية التكنوقراط مقارنة بـ”السياسيِّين”، ويعرض بطريقة جيِّدة التناقضات التي يولِّدها وجودُ التكنوقراط في نظام ديمقراطي، على الرغم من أنه لا يستكْشفها بعمق كما كان يودُّ ولكنه يسْهم في تطوير معرفة الباحثين النظرية والتجريبيَّة عن التكنوقراط في أمريكا اللاتينية.

وترجع أهمية قضية حكم الخبراء في أمريكا اللاتينية إلى أنه عندما أبدتْ أمريكا اللاتينية وجهًا جديدًا للتحوُّل السياسي والاقتصادي خلال أوائل التسعينيَّات، تمَّت صياغة مصطلح لوصف مجموعة من الأشخاص الذين دخلوا في صراع السياسة من الخطوط الجانبية: التكنوقراط. وركَّزت العديدُ من الدراسات التجريبية من التسعينيات على الأكاديميِّين الحاصلين على درجات أكاديمية عُليا (عادةً في الاقتصاد) من الجامعات الأمريكية الذين أتوا لشغل مناصب رفيعة في الإدارات السياسية خلال المراحل الأولى للتحوُّل إلى اقتصاد السوق؛ وغالبًا ما كان صعودهم إلى مناصب قوية سياسيًّا يُنظر إليه على أنه ضروري للتنفيذ الناجح للإصلاحات النيوليبرالية. ومع ذلك، عندما بدأ نجمُهم يتلاشَى في أواخر التسعينيَّات، كان التكنوقراط يُعتبرون عادةً أدوات أو وكلاء بالنيابة في أيدي جهاتٍ فاعلةٍ أخرى، سواء كانوا سياسيِّين أو مصالح تجارية أو مؤسَّسات مالية دولية، وبمجرد أن أنجز التكنوقراط المهامَّ الموكلة إليهم، كان عليهم أن يختفوا من المشهد السياسي.

ومع ذلك، وكما أظهرت التجربة في أمريكا اللاتينية، فإن التكنوقراط موجودون ليبقُوا بحسب المؤلف، ولكن ليس في كل مكان وفي كل قطاع سياسي. ما الذي يفسِّر هذا الاختلاف عبر الزمان والمكان؟ يتجادل المؤلِّف مع المنظور الذرائعي للتكنوقراط في أمريكا اللاتينية ويطوِّر نظرية “الاستقلال التكنوقراطي” التي تمنح هؤلاء الفاعلين مكانةً بارزةً كلاعبين مؤثِّرين في اللعبة السياسية بغضِّ النظر عن الفاعلين المجتمعيِّين والدوليِّين الآخرين. وبعبارة أخرى، فإن تأثيرَهم على القرارات السياسية لا يرتبط بالضرورة بمصير سياسي معيَّن يُدخلهم في اللعبة في المقام الأول. يهدف دارجنت إلى الإجابة على ثلاثة أسئلة بمساعدة نظريته: (1) ما هي مصادر الاستقلالية التكنوقراطية؟ (2) لماذا يوجد تباين عبر مجالات السياسة من حيث تأثير التكنوقراط؟ (3) ولماذا الاستقلالية التكنوقراطية دائمة في بعض المواقف وهشَّة في حالات أخرى؟

فيما يتعلَّق بالسؤال الأول، فإن الإجابة واضحة وراسخة في الأدبيَّات الموجودة: نظرًا لأن صنع السياسات أصبح أكثر تعقيدًا، فقد احتاج السياسيُّون إلى جلْب المعرفة التقنية. في المقابل، فإن الخبرة شديدة التخصُّص هي تذكرة دخول التكنوقراط إلى الدوائر السياسية، أولًا: كمستشارين في الخلفية، ولاحقًا: كوزراء في المقدِّمة من أجل تزويد السياسات النيوليبرالية بهالة من الشرعية والحتمية. وتكْمن مساهمة دارجنت الجديدة في إجابته على السؤالين الثاني والثالث: ما الذي يفسِّر تنوُّع الاستقلالية التكنوقراطية داخل وكالات الدولة عبر قطاعات سياسية محدَّدة؟ لماذا، على سبيل المثال، نرى استقلاليةً عاليةً في السياسات الاقتصادية، واستقلالية منخفضة في السياسات الصحية؟

أولًا وقبل كل شيء، حدَّد المؤلِّف عامليْن تمَّ تصنيفهما على أنهما “سياسة السياسة العامة” ويعتبران عاملين حاسمين عندما يتعلَّق الأمر بشرح استدامة الاستقلالية التكنوقراطية خلال الزمان والمكان:

1- ما إذا كان السياسي (رئيس الدولة) حسَّاسًا تجاه التكلفة التي يتحمَّلها من ضعف أداء السياسة العامة، وبالتالي مدفوعًا للحدِّ من مجال المناورة للتكنوقراط.

2- توازن القوى بين أصحاب المصلحة، أي كلما زادت المنافسة بين أصحاب المصلحة، زادت المساحة المتاحة للخبراء لاتخاذ خياراتهم بأنفسهم.

وهناك عاملان إضافيان مرتبطان بمجال القضية المحدد قيد البحث هما:

3- مدى تعقيد قطاع السياسات.

4- وجود إجماع بين الخبراء حول ما يشكِّل سياسة مناسبة.

واعتمادًا على توليفة محدَّدة من العوامل الأربعة في ظرف زمني أو مكاني يتمتَّع التكنوقراط بتدخُّل أكبر أو أقل من السياسيِّين والفاعلين الاجتماعيِّين الاقتصاديِّين واستقلاليَّتهم إما مترسِّخة أو قصيرة العمر.

يختبر دارجنت حجَّته في حالتين: صنع السياسة في كولومبيا وبيرو خلال النصف الثاني من القرن العشرين في مجالين من مجالات السياسة: السياسات الاقتصادية والصحية. بتطبيق مصفوفته التحليلية، يصنِّف فترات مختلفة في التاريخ السياسي للبلدين على أنها تتميَّز باستقلالية تكنوقراطية عالية أو منخفضة، مما يؤدِّي بدوره إلى ترسيخٍ تقنيٍّ أو لا. وفي كلا البلدين، تتميَّز السياسة الاقتصادية باستقلالية عالية ودائمة، بينما تتمتَّع السياسة الصحية في أفضل الأحوال باستقلالية متوسِّطة تؤدِّي إلى استمرارية ذات مغزى (كولومبيا 1993-2013)، أو استقلالية منخفضة مقترنة بعدم تثبيت (بيرو 1990-2002).

ويقدِّم الكتاب طرحًا نظريًّا للاستقلالية التكنوقراطية لشرح أُسُسِ استقلالية الخبراء والمحددات التي تشرح التباين في درجة الاستقلالية عبر قطاعات السياسة وعبر الزمن. وبشكل أساسي، فإن توفُّر درجة عالية من الخبرة للتكنوقراط توفِّر لهم تأثيرًا كبيرًا على الفاعلين الاجتماعيِّين السياسيِّين وتسْمح لهم بتعزيز نفوذهم.

أربعة عوامل توضِّح درجة استقلالية الخبراء وتنوُّعها عبر مجالات السياسة. أولًا، يعزِّز المستوى العالي من التعقيد التقني في مجال السياسة الاستقلالية عن طريق زيادة صعوبة مواجهة السياسيِّين لمقترحات التكنوقراط. ثانيًا، تحد درجة الإجماع التكنوقراطي في مجال السياسة من إمكانية استبدال الخبراء بخبراء آخرين لديهم تفضيلات أقرب إلى السياسيِّين. ثالثًا، من المرجح أن يحصلَ الخبراءُ على الاستقلال الذاتي في مناطق الولاية حيث يتسبَّب الأداء السيئ للسياسات في تكاليف سياسية باهظة لشاغل الوظيفة. أخيرًا، فإن وجود مجموعة متوازنة من أصحاب المصلحة الأقوياء المتنوِّعين الذين لديهم مصالح في مجال السياسة يعزِّز أيضًا الاستقلالية الفنِّية. ويراقب أصحاب المصلحة هؤلاء أصحاب المصلحة المتنافسين وشاغلي الوظيفة، مما يفتح مساحةً للتكنوقراط للعمل بمزيد من الاستقلالية.

ويرى المؤلِّف أن هذه العوامل الأربعة تفسِّر لماذا من المرجَّح أن يكْتسب الخبراء الاقتصاديُّون، بشكلٍ عامٍّ، الاستقلالية وترسيخها بمرور الوقت، في حين أن خبراء الصحة يظلُّون أكثر عُرضة للخطر، وتفسِّر هذه العوامل أيضًا التبايُن في الاستقلالية التكنوقراطية بمرور الوقت ضمن نفس منطقة السياسة.

تحلِّل هذه الدراسة متى وكيف يحدِّد التكنوقراط غير المنتخبين في كولومبيا وبيرو السياسة الاقتصادية والصحية بشكلٍ مستقلٍّ. يجادل دارجنت بأنه، على عكس توقُّعات العلماء بأن الخبراء يعملون كوكلاء للسياسيِّين أو أصحاب المصلحة الآخرين المؤثِّرين الذين يتبعونهم، فإن التكنوقراط غالبًا ما يتصرَّفون ضدَّ مصالح السياسيِّين وقطاع الأعمال والمؤسَّسات المالية الدولية في معظم الأحيان بحسب المؤلف.

ويمكن القول بأن عنوان الكتاب مخادع إلى حَدٍّ ما، فالدراسة لا تذكر سوى القليل عن الديمقراطية وتركِّز بدلًا من ذلك على الاستقلالية، لكنها تنجح في شرح متى وكيف تتفوَّق تفضيلات الخبراء على تفضيلات اللاعبين الآخرين لإملاء نتائج سياسية حاسمة. وسنعود لنقطة المخادعة في عنوان الكتاب في نهاية عرضه، ونشير هنا سريعًا لاختلاف عنوان الكتاب عن أطروحة الدكتوراه التي يقوم عليها.

  • نماذج من التكنوقراط

تناول الفصل الرابع دورَ التكنوقراط في مجال السياسة الاقتصادية في كولومبيا في الفترة (1958-2011)؛ وبحسب الكتاب فإن الحالة الكولومبية في تلك الفترة حالة نموذجية على الاستقلالية التكنوقراطية فهذه المرحلة الاقتصادية الكولومبية تُظهر بوضوح صياغة الاستقلالية الفنية وترسيخها بمرور الوقت. كانت الإجراءات الاستراتيجية للخبراء، بما في ذلك الاستبعاد النشط للجهات الفاعلة الأقل تأهيلًا من صنع السياسات وضبط المؤسَّسات لضمان استمراريَّتها، مهمَّة لتحقيق الاستقلالية الفنية. وحقَّق التكنوقراط هذا الترسيخ على الرغم من أن كولومبيا لم تعانِ من الأزمات الاقتصادية الحادَّة التي حدثتْ في أماكن أخرى من أمريكا اللاتينية، ورسخ التكنوقراط الكولومبيُّون هذا الاستقلال الذاتي التقني خطوةً بخطوة، من خلال بناء مجتمع معرفي داخل الدولة والمجتمع المدني، ممَّا يدلُّ على أن الإجراءات الاستراتيجية للخبراء ساعدتْ في تعزيز استقلاليَّتهم. ولايذكر الكتاب إنجازات ذات قيمة لهؤلاء التكنوقراط، ولكنه يُسْهِبُ في سرد مؤهِّلات الاقتصاديِّين من شهادات من جامعة هارفارد وجامعة لندن، ومن اللافت للنظر أنه ذكر أنهم استخدموا  وأساؤوا استخدام قوة الرئيس الذي عيَّن بعضهم في إعلان حالة الطوارئ عام 1962.

وناقش الفصل الخامس الاقتصاديون التكنوقراط في بيرو في الفترتين (1980-1983، 1990-2011)، وخلص إلى فشل الخبراء الاقتصاديِّين البيروفيِّين في تحقيق أهدافهم في الثمانينيِّات، لكنهم ارتقُوا فيما بعد وترسَّخوا بنجاح بعد عام 1990. وتغيُّر الظروف بين العقود يفسِّر هذا الاختلاف، فقد أعطى الانهيارُ التضخميُّ المفرط للخبراء قوةً كبيرةً، ممَّا مكَّنهم من السيطرة على السياسة الاقتصادية، وإسْكات منتقدي نهجهم القائم على السوق، ممَّا سهَّل ظهورَ توافقِ الخبراء. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت مجموعةٌ أكثر توازنًا من أصحاب المصلحة في البلاد بينما أصبح السياسيُّون أكثر وعيًا بتكاليف تقديم نتائج سياسية سيئة، وأصبح أصحاب المصلحة، مثل  رجال الأعمال والمؤسَّسات المالية الدولية والمعارضة السياسية، يرون أن الإدارة من قبل الخبراء أفضل من ترك السياسيِّين مسؤولين عن السياسة الاقتصادية، نتيجة لذلك، أصبح الخبراء الاقتصاديون جهات فاعلة مستقلة في بيرو.

أما الفصل السادس فقد تعرض لمسيرة التكنوقراط في مجال الصحة  في كولومبيا (1966–1970؛ 1993-2013)، تظهر هاتان الفترتان بحسب الكتاب أنه يمكن للخبراء اكتساب الاستقلالية حتى في مجالات السياسة غير المحتملة مثل الصحة. في كلتا الحالتين، تمتع الخبراء بنفوذ كبير لاعتماد إصلاحاتهم المفضلة وقدرًا كبيرًا من الاستقلال عن السياسيين والفاعلين الاجتماعيين الآخرين. فبنى تكنوقراط السياسة الصحية في الستينيات نظامًا للصحة العامة وحقق نظرائهم في التسعينيات إصلاحات طموحة. ويذهب المؤلف إلى أن الدرجات المنخفضة في جميع عوامل نظريته في الفترة الأولى أدت إلى زوال الخبراء عندما عادت المنافسة السياسية المفتوحة بعد فترة حكم الجبهة الشعبية.

ومثَّل التكنوقراط في مجال الصحة في بيرو (1990-2002) موضوع الفصل السابع، ويذهب المؤلف إلى أن  الحاجة إلى إصلاح الرعاية الصحية أدَّت إلى تعيين خبراء في وزارة الصحة، وتمكَّن الخبراء الذين يستخدمون استراتيجيات مختلفة من إجراء إصلاحات جزئية للسياسة الصحية وعزْل هذه التغييرات عن التدخُّل السياسي. ساهمت الدرجات الأعلى في عامليْن (تعقيد السياسات، ومجموعة أصحاب المصلحة) في الاستقلال الذاتي المؤقَّت لخبراء الصحة في وزارة الصحة. ومع ذلك، فإن الدرجات المنخفضة في العوامل المتبقية تفسِّر لماذا لم تكُن هذه التكنوقراطية قويَّة بما يكْفي لمقاومة التطفُّل، ونتيجة لذلك، فشلت في النهاية في ترسيخ نفسها؛ فلم تكن الظروف مواتية للاستقلالية الفنية، خاصة بعد أن فقدت المؤسَّسات المالية الدولية بعض اهتمامها بإصلاح السياسة الصحية في نهاية العقد.

ويُرجع المؤلفُ الاختلافَ الجوهريَّ مع تكنوقراطية الصحة الكولومبيَّة الأكثر نجاحًا في عدم وجود أصحاب المصلحة الأقوياء المستثمرين في إبقاء الخبراء مسؤولين عن السياسة الصحية بعد الإصلاح. ففي بيرو، لا يزال توفير الخدمات الصحية مرتبطًا بالمستشفيات والمرافق العامة الأخرى، وهناك عدد قليل من الجهات الفاعلة الخاصة العاملة في مجال الصحة العامة، مثل مقدِّمي الخدمات الصحية في القطاع أو شركات التأمين كما هو الحال في كولومبيا، التي تخلق عبر الضغوط على شاغل الوظيفة لتعيين التكنوقراط ثم حمايتهم بشكل غير رسمي. فبدون أصحاب المصلحة هؤلاء  يظل الخبراء البيروفيُّون ضعفاء ولديهم فرص أقل لتثبيت استقلاليَّتهم.

ويؤكِّد المؤلِّف على أن شمول النظام الصحي في كولومبيا الآن أفراد الطبقة المتوسطة والعليا يزيد من التكلفة السياسية لأداء السياسات الضعيف. ويواجه السياسيون الكولومبيُّون انتقادات علنيَّة شديدة إذا لم يستجيبوا لأزمات النظام الطبي. وعلى النقيض من ذلك، في بيرو، فإن نظام الرعاية الصحية يهتمُّ بشكل أساسي بالقطاعات الفقيرة من المجتمع وهو إلى حَدٍّ كبير غير ذي صلة في النقاش العام باستثناء وقت الانتخابات. وفي المجمل فإن حالتي التكنوقراط في مجال الصحة في كولمبيا وبيرو توضحان من هم حلفاء التكنوقراط، إنهم ببساطة الطبقة العليا ومقدِّمو الخدمات الصحية من القطاع الخاص وشركات التأمين الصحي، الذين ترتبط مصالحهم ويعزِّزون مواقف ومصالح بعضهم البعض.

  • حدود التكنوقراط: استقلال من أجل ماذا ولمصلحة من؟

نجح الكتاب في شرح الاستقلالية، ولكنه يقدِّم القليل فيما يتعلَّق بالديمقراطية. في الواقع، تتجاهل النظرية المقدَّمة في الفصل الثالث نوعَ النظام، على الرغم من أن دراسات الحالة لا تغطِّي السياقات الديمقراطية فحسْب، بل تغطِّي أيضًا الحكم الاستبدادي في بيرو تحت حكم فوجيموري. يؤكِّد المؤلِّف على أن أحد الاختلافات بين السياسة الاقتصادية والصحية يكْمن في العواقب السياسية للسياسات الخاطئة، لكنه لا يقدِّم أيَّ دليل على ما إذا كان هذا يؤثِّر بشكلٍ أكبر على القادة خلال الفترات الديمقراطية. تحتاج النظرية الدقيقة التي تتناول كيفية تقاطع الديمقراطية والحكم التكنوقراطي في أمريكا اللاتينية المعاصرة إلى معالجة هذه الأسئلة وغيرها، لا سيما عواقب اللامركزية، التي كان لها تأثير عميق على عددٍ من مجالات السياسة الرئيسية، بما في ذلك الصحة، في كلا البلدين.

وثمة فرق مهم في الاستقلال الذاتي التكنوقراطي من حيث صلته بالإصلاحات الاقتصادية؛ إذ يمكن للخبراء إدارة سياسة الاقتصاد الكلي بشكلٍ مستقلٍّ إذا سَمَحَ لهم السياسيُّون بالقيام بذلك، لكن الديمقراطية تخلق ظروفًا لا يمكن فيها للسياسات في مجالات مثل الصحة أو التعليم أن تنجح دون قبولٍ من العديد من أصحاب المصلحة غير الحلفاء التقليديِّين من القطاع الخاص والطبقة العُليا والمؤسَّسات الدولية، فضلًا عن أصحاب السلطة (الحزب الفائز في الانتخابات مثلًا) الذين عيَّنوا التكنوقراط.

يؤكِّد المؤلِّف أنه في حال انتشار أصحاب المصلحة ذوي المصالح ووجهات النظر المتنوِّعة، كما هو الحال في قطاع الصحة، فإن التكنوقراط يكْتسبون استقلاليةً أكبر. هذا صحيح جزئيًّا، ولكن في سياقات اللامركزية التي تعزِّزها السياسات الديمقراطية، قد يكون للخبراء قدرة أقلَّ على تنفيذ السياسات التي يرغبون فيها من جانب واحد، أو الحفاظ عليها بمرور الوقت.

وقد قدَّم المؤلف بعض الأدلَّة على أن التكنوقراط يستطيعون بالفعل الحصول على استقلال ذاتي عن رؤسائهم السياسيِّين وأن يصبحوا ممثِّلين مستقلِّين بمفردهم. ومع ذلك، فإن حكمهم غير مضمون أيضًا، سواء تمكَّنوا من ممارسة سلطتهم المستقلَّة على مدى فترات زمنية أطول أو لم يستطيعوا، فالأمر رهين بالقوى السياسية البارزة داخل الدولة وربما كذلك القوى الإقليمية. نتيجة لذلك؛ قد يستمرُّ الاستقلال التكنوقراطي بعد رعاته السياسيِّين، لكنه مع ذلك ينتهي فجأة عندما تتغيَّر الظروف السياسية أو الخاصة بمنطقة معيَّنة في البلدان.

وبالإضافة إلى ذلك فإن ما هو مفقودٌ إلى حَدٍّ كبيرٍ من تحليل الكتاب هو نظرة أعمق في التكنوقراط أنفسهم، إنهم يبدون كجهات فاعلة متجانسة إلى الأبد تسْعى جاهدةً إلى الاستقلال الذاتي من أجل تنفيذ حلولهم التقنيَّة وبالتالي مواجهة الرياح السياسية المتغيِّرة باستمرار، فالكتاب يُغفل الجانبَ الشخصيَّ أو الأيديولوجي للتكنوقراط وشبكات علاقاتهم ومصالحهم وكأن هذه العوامل لا تلعب أيَّ دورٍ في مسار ومسيرة التكنوقراط ومصيرهم.

هل يمكن تفسير تأثير التكنوقراط في السياسة الاقتصادية في أمريكا اللاتينية خلال الماضي القريب فقط بالرجوع إلى العوامل الهيكلية؟ هل الخصائص الخاصة بالشخص التكنوقراطي كفاعل غير ذي صلة بالمرَّة؟ سيكون الاختبار المثير لهذه الحجَّة هو التكنوقراط الذين عملوا في مجالات سياسية مختلفة خلال نفس الفترة الزمنية أو الإدارة السياسية. وفقًا لنظرية الكتاب، كانوا سيواجهون درجات مختلفة من الاستقلالية في قطاعات السياسة المختلفة؛ لكن من النادر العثور على مثل هذه الحالات.

ومن اللافت للنظر أن عنوان الأطروحة التي يقوم عليها الكتاب هو “التكنوقراطية في ظلِّ الديمقراطية: تقييم الاستقلال السياسي للخبراء في أمريكا اللاتينية” بالطبع التجهيز لنشر أطروحة دكتوراه في كتاب يتطلَّب وضع عنوان أكثر جاذبية من العناوين الجامعية التي تتوخَّى الدقَّة، لكن التغيير من “فى ظل الديمقراطية” إلى “والديمقراطية” يعكس ميلًا للمقارنة بين الديمقراطية والتكنوقراطية أو توجُّهًا للمساواة بينهما على أدْنى تقدير أو ربما تفضيلًا للتكنوقراطية على الديمقراطية.

هذا التفضيل يَشِي به ما ذكره المؤلِّف من أن “الخبراء هم الذين يبادرون بجهود الإصلاح في مجال الرعاية الصحية الريفيَّة، والتي تجاهلها القادة السياسيُّون إلى حَدٍّ كبير، وساعد التكنوقراط الاقتصاديُّون في إبقاء التضخُّم تحت السيطرة والحفاظ على استقرار اقتصادي كلي محكم، وهو أمر حاسم لإضفاء الشرعية على الأنظمة الديمقراطية الحالية”[6].

ويضيف المؤلِّف جانبًا إيجابيًّا آخر للتكنوقراط يتمثَّل في أن شبكات الخبراء مسؤولة عن دمج اقتراحات التنمية الجديدة محليًّا مع بعض النتائج الإيجابية. ويدعو المؤلِّف أولئك الذين يركِّزون حصريًّا على تجارب الخبراء السياسية التي كانت لها نتائج سيئة إلى عدم نسيان السياسات الأخرى التي أدَّت إلى نتائج إيجابية، والتي انتشرتْ بعد ذلك من خلال الشبكات التقنية. ويُشير إلى دراسات عديدة تدْعم رأيَه في أن التكنوقراط عملوا على نشْر السياسات من خلال الجهات الحكومية رفيعة المستوى كآلية مهمَّة لإصلاح السياسات في العالم النامِي، فالتكنوقراط كجزءٍ من المجتمعات المعرفية الدولية، هم على دراية بتجارب الإصلاح في جميع أنحاء العالم. وفي رأي الكاتب أنه إذا كان البيروقراطيُّون المهنيُّون ذوو الفعالية أفضلَ حَلٍّ للسياسيِّين الطموحين (إلى تحقيق إنجازات تدعم سلطتهم)، فإنه في غيابهم، يُعَدُّ التكنوقراط “ثاني أفضل” خيار أو بديل.

خاتمة:

لا يغيب عن بال المتابع -فضلًا عن الدراس- ما وَصَلَ إليه حالُ الديمقراطية عمومًا والديمقراطية التمثيليَّة بشكلٍ خاصٍّ في العالم العربي والإسلامي من سوءٍ وَتَرَدٍّ، باستثناءات قليلة غير عربية، فقد سجَّلت منطقة العالم العربي أدْنى المراتب واحتلَّت خمسُ دول عربية وهي سوريا، واليمن، وليبيا، والسعودية، والسودان والبحرين أسوأ مستويات التصنيف للديمقراطية، كما وُضِعَتْ 17 دولة عربية من أصل 20 ضمن تصنيف “النظام السلطوي”. وكانت تونس أول الدول العربية في القائمة والتي صنَّفها المؤشِّر إضافةً للمغرب (في المرتبة 95) ضمن فئة الديمقراطية المختلطة. ويشير التقرير الذي تعدُّه الإيكونوميست إلى أن تونس سجَّلت تراجعًا كبيرًا في العام الماضي، واصفًا إيَّاها بـ”الضحية” الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العام 2021، وقد حَلَّتْ في المرتبة 75 عالميًّا، بعد أن كانت في المركز 54 عالميًّا سنة 2020 وفق التقرير[7].

وتشهد الخبرة العربية سجلًّا  أقل ما يُوصف به أنه سلبي لدور التكنوقراط في الحكم في الماضى القريب قبل المحاولات الثورية العربية التي أخفقت، أو في حاضرنا الذى نعيشُه. ففي أفضل الحالات العربية وهي تونس، بَرَزَ وزراء غير حزبيِّين وتكنوقراط كفاعلين سياسيِّين بعد الثورة، خمسة رؤساء حكومات من أصل ثمانية تمَّ تعيينهم بين عامي 2011 و2020 لم يكونوا منتمين إلى أيِّ حزب سياسي، حيث عُيِّنت الحكومات التي يقودُها التكنوقراط في خضمِّ الأزمات السياسية الحادَّة بسبب خبرتها الفنِّية المزعومة وشخصيَّتها غير الحزبية، صحيح أن ظهورهم على مدى عقود من التحوُّل التكنوقراطي بدأ في عهد بن علي، والذي اختار استبدال السياسيِّين المحترفين في عهد بورقيبة بتكنوقراط من الإدارة العامة. وبعد عام 2011، ساهمت مجموعةٌ من عوامل العرض والطلب في زيادة مشاركتهم في الحكومة؛ حيث كانت الاستقلالية المؤسَّسية للجهاز التكنوقراطي، وضعف الأحزاب السياسية، وتفضيل الخبرة الفنية والسياسات التوافُقية، والضغوط من المؤسَّسات المالية الدولية، عوامل رئيسية في صعود الوزراء غير الحزبيِّين والتكنوقراط في تونس ما بعد الثورة[8]. إلَّا أن الوضع الاقتصادي الحالي في تونس شاهدٌ على إخفاقهم، الشاهد هنا أن التكنوقراط موجودون قبل محاولات الثورة وبعدها، والفشل حليفهم في الحالتين.

من عرض الكتابين عن تجربة أمريكا اللاتينية في الديمقراطية التشاركية ومشاركة التكنوقراط في الحكم يمكن الإشارة إلى عدَّة دروس يمكن أن نستفيدَ منها في العالم العربي والإسلامي:

1- يمكن أن تؤدِّي المؤسَّسات التشاركية دورًا مهمًّا في تنشيط الممارسات الديمقراطية على المستوى المحلي في العالمين العربي والإسلامي. ومع ذلك، فهي ليست الدواء الشافي إن جاءت منفردة، فالأرجح أنه يجب أن يسبقَها أو يرافقها إصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهو أمر ليس سهلًا لأنها عملية مركَّبة طويلة الأمد تحدِّدها القواعد الرسمية بقدْر ما تحدِّدها القواعد غير الرسمية؛ أي الممارسات والسلوكيات والاستراتيجيات الفعلية للفاعلين الاجتماعيِّين والسياسيِّين الذين تتأثَّر اهتماماتهم بالسياق الاجتماعي والسياسي المعيَّن الذي يتطوَّرون فيه ويتفاعلُون بعضهم مع بعض.

2- حدود نماذج الإصلاح العالمية التي تتجاهل السياق السياسي والاقتصادي الذي تعمل فيه أجهزة الدولة ويمرُّ به المجتمع في العالمين العربي والإسلامي. وعلى نطاق أوسع، تُشير هذه النتائج إلى قيود استراتيجيَّات ترتيبات الديمقراطية التشارُكية والإصلاح التكنوقراطي في قطاعات السياسة الاجتماعية بشكل عام.

3- تشكيل وتطوير آليَّاتٍ ومؤسَّساتٍ تؤهِّل أفرادَ المجتمعات المحلية للمشاركة في تدْبير معاشِهم من خلال الديمقراطية التشاركية يستغرق وقتًا وموارد، ولكن هذا لا يعني عدم البدْء فيه وإن بَدَا أن الوقت والظروف لا يسْمحان بذلك.

4- للديمقراطية التشاركية دور إيجابي في تجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، والعالمان العربي العربي والإسلامى في حاجة ماسة لهذا التجديد.

5- ضرورة التركيز في تجارب الديمقراطية التشاركية على آليَّات عملية وليس مجرَّد الترشُّح في الانتخابات المحلية.

6- آليات الديمقراطية التشاركية كالتخطيط التشاركى والموازنة التشاركية لها دور تعليمي اجتماعي تزيد من معرفة المشاكل المحلية والمساهمة في بلْورة حلولٍ لها.

7- ضرورة الاستعداد لهذه الآليَّات من خلال نشْر مبادئها والتعريف بها، ومحاولة تزويد بعض قطاعات المجتمعات المحلية خصوصًا الشباب بأُسس ومبادئ ومهارات التخطيط التشاركي والموازنة التشاركية.

8- بناء المؤسَّسات الفنِّية القادرة على إعداد وتدريب تكنوقراط يعملون لصالح الناس والمجتمع والدولة، لا لصالح أقليَّة حاكمة تمثِّل طائفةً أو جماعةً أو مؤسَّسةً، أمرٌ مكلِّف، لكن على المدى الطويل يُعَدُّ مكسبًا من الشرعية أي قبول المواطنين لدور التكنوقراط في الحكم فضلًا عن توفير نوعٍ من الاستدامة لهذا النوع وتخلُّصه من الارتباط بالمؤسَّسات الدولية خصوصًا الاقتصادية منها كصندوق النقد الدولى والبنك الدولي.

9- الاعتماد المبالغ فيه على التكنوقراط الذين تلقوا إعدادًا وتدريبًا في الخارج قد يكون معوقًا للتنمية، خصوصًا إذا ما قاموا بصياغة الاستراتيجيَّات، فتقوم الحكومات أيضًا بالتعاقُد معهم للتنفيذ، على أساس أنهم يعرفون الاستراتيجيَّات بشكلٍ أفضل من أيِّ شخصٍ آخر. وهذا أمرٌ يتخطَّى موظَّفي الخدمة المدنية والتكنوقراط الذين تمَّ إعدادُهم محليًّا والمسؤولين الحكوميِّين المنتخبين أو المعيَّنين، وهو أمر لا يحدُّ من تطورهم المهني فحسْب، بل يقوِّض أيضًا بناء القدرات الأوسع لخبرة السياسة العامة الوطنية.

10- تحتاج جهود دعم المشاركة الشعبية في الديمقراطية التمثيلية إلى دعم ومساندة من التكنوقراط، ليس فقط من خلال تعليمهم أساسيات المسائل الفنية في مجال صياغة السياسات في الاقتصاد والصحة والتعليم حتى يتجاوبوا معهم عند طرحها وتنفيذها في إطار خلق لغة مشتركة بين الطرفين، ولكن من أجل كسب تأييدهم لهذه السياسات عندما لا تأتي على هوى ومزاج الفئات المحتكرة للسلطة والثروة.

11- في مواجهة التكنوقراطية الشعبوية التي تلقَى إعجابًا حماسيًّا غير بصير من أفراد يُفتنون باللكنات والشهادات الأجنبية، أو النخبوية المرتبطة بمصالحها الفئوية وتحالفاتها مع محتكري الحكم، على حَدٍّ سواء، يحتاج التكنوقراط الإصلاحيُّون إلى دعم ومساندة المواطنين الطامحين إلى المساهمة في تدبير أمرِ معاشِهم، وقد لا يتمُّ ذلك في القريب العاجل إلَّا من خلال تكوين جيل جديد من التكنوقراط من أجل الوطن والناس.

 

فصلية قضايا ونظرات – العدد الثامن والعشرون – يناير 2023

__________________

الهوامش

[1] Françoise Montambeault, The Politics of Local Participatory Democracy in Latin America institutions, actors, and interactions, (Stanford, California: Stanford University Press, 2016).

[2] Ibid., p. 214.

[3] Ibid., p. 215.

[4] Eduardo Dargent, Technocracy and Democracy in Latin America: The Experts Running Government, (New York: Cambridge University Press, 2015).

[5] Ibid., pp. 13-14.

[6] Ibid., p. 167.

[7] مؤشر الديمقراطية لعام 2021: ما هو ترتيب البلدان العربية؟، يورونيوز، 14 فبراير 2022، تاريخ الاطلاع: 11 ديسمبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/NHMyr

[8] Andrea Carboni, Non-party ministers and technocrats in post-revolutionary Tunisia, The Journal of North African Studies, 2 February 2022, Accessed: 12 December 2022, avalible at: https://cutt.us/9d3t8

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى