آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيةالولايات المتحدة وأوروبا

روسيا والغرب 2020: خريطة التفاعلات والقضايا

مقدمة:

منذ وصول بوتين إلى السلطة، وعلى مدار ما يقرب من 20 عاما مضت، عمل على تقوية دوره مركزًا للنظام السياسي الروسي، وصانعًا أول لسياسة بلاده الخارجية. لاحظ المتابعون من حينها جنوح بوتين لرفض تسرب القيم السياسية الغربية سواء داخل روسيا، أو في محيطها القريب، وعمل على تحييد دورها ومحاربتها داخليًا بالقضاء على أي دور لمعارضة سياسية واجتماعية موالية للقيم الليبرالية، متخذًا بذلك عددًا من الإجراءات والسياسات القانونية والفعلية، كان آخرها التعديلات الدستورية 2020، وما دار حولها من نقاشات أكدت هذه الرغبة.

شهدت تفاعلات روسيا مع الغرب(*) عام 2020 تكثفًا في كافة القضايا المطروحة على الصعيدين الداخلي الروسي والخارجي، حيث كان الغربي حاضرًا في الخطاب والممارسة السياسية الروسية، جعلت منه رقمًا مهمًا في معادلة التفاعلات الداخلية الروسية بين القيادة السياسية في الكرملين ومجلس الدوما، والمجتمع المدني، والقوى السياسية المختلفة، كما مثَّل الغرب أحد أهم مُحددات علاقات روسيا مع العالم مع العالم الخارجي.

تستلهم هذه الدراسة في معالجة علاقات روسيا بالغرب عام 2020 من نظرية ملف السياسة الخارجية[1]، لكن مع توسعة قليلة تتعلق بربط روسيا بالغرب في السياستين الداخلية والخارجية، فالملف الرئيس -وفق هذا التصور- المطروح أمام صانع السياسة الروسية كان -ولا يزال- التصدي لكل ما هو غربي؛ سواء على مستوى الأفكار أو الممارسات. وتتجلى هذه السياسة في الداخل بتعزيز قدرة النظام على امتصاص الأفكار الغربية وإسكاتها ومنع قدرتها على المعارضة الجادة للنظام سياسيًا واجتماعيًا، أما في الخارج فتظهر في تأكيد روسيا على سعيها لعالم مُتعدد الأقطاب ليس للغرب موضع فيه، أو يصبح الغرب فيه قطبًا يماثل العديد من الأقطاب الأخرى في النسق الدولي، ويمكن لروسيا حينها أن تستعيد مكانتها التاريخية قوة عظمى، ووريثة للقطب السوفيتي.

وعليه، فإن التساؤل محل الدراسة هو: كيف تفاعلت “روسيا البوتينية” مع الغرب عام 2020 في السياستين الداخلية والخارجية؟، ومنه يتفرع عدد من الأسئلة:

  • كيف تتعامل روسيا والغرب في الفضاء ما بعد السوفيتي؟
  • كيف يتفاعل الغرب مع الداخل الروسي وما أهم تجليات هذا التفاعل عام 2020؟
  • لماذا أقدم بوتين على تعديل الدستور الروسي في أوائل عام 2020؟ وماذا يمكن أن تمثل هذه التعديلات في علاقة روسيا بالغرب؟
  • ما أهم القضايا في العلاقات بين روسيا ودول “قلب أوروبا” في عام 2020؟
  • كيف سارت العلاقة الروسية الأمريكية في عهد ترامب؟

وعلى هذا الأساس، تبدأ الدراسة بمقدمات لا بد منها لفهم العلاقات بين روسيا والغرب بصفة عامة، وفي عام 2020 بصفة خاصة، ثم تُعرّج في المحاور التالية على بيان أولًا: الحضور الغربي في الداخل الروسي، وطبيعة التعديلات الدستورية الأخيرة، وثانيًا: العلاقات بين المثلث: روسيا، ودول قلب أوروبا، والولايات المتحدة، وثالثًا: تبحث التفاعلات بين روسيا والغرب في الفضاء ما بعد السوفيتي متخذةً من بيلاروسيا نموذجًا لبحث طبيعة تفاعلاتهما في شرق أوروبا، والصراع بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم قره-باغ نموذجًا للعلاقات بينهما في منطقة جنوب القوقاز، وتنتهى الدراسة بخاتمة تحمل بعض التوقعات بشأن الأوضاع الداخلية الروسية وعلاقاتها مع الغرب، ومستقبل التعددية القطبية.

  • محور تمهيدي: روسيا والغرب: مُقدمات لا بد منها

يتناول هذا المحور مقدمات خمسا لأهم العوامل المؤثرة في علاقة روسيا بالغرب، فيبحث في المنظور الروسي والغربي لهذه العلاقات، وكيف تبلورت على مستوى الخطابات والسياسات والتاريخ، مع التركيز على أهم العوامل التي تساعدنا في فهم التفاعلات بين روسيا-بوتين والغرب عام 2020.

المقدمة الأولى: ورثت روسيا الاتحاد السوفيتي وراثة غير كاملة، فروسيا الاتحادية ورثت أعباء الحقبة السوفيتية من تدنٍ في مستوى التنمية والتكنولوجيا، ونظام سياسي مُقيد، وديموغرافيا سكانية هشة، ولكنها لم ترث اتساعه الجغرافي الذي مثّل الموقع الجغرافي (الجيوبولتيك) الذي طالما سعت إليه روسيا منذ عهد القيصرية حتى عهد بوتين، ذلك الموقع المتوارث لم يؤمنها ضد “الغرب” أو أوروبا وحلف الناتو العدو التقليدي لها، الموجهة له أصابع الاتهام دومًا في أي محاولة لتغيير النظام في الداخل، بل ويُعتقد أنه السبب في انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي. بدأت تُستخدم هذه السردية – خاصةً في عهد بوتين – بصورة واسعة في الإعلام الروسي، ومثلت أداة السلطة لتشكيل مسار الأحداث المحلية والدولية لصالح نظام بوتين، الذي أيقن أن الحفاظ على نظامه يكون بإضعاف الغرب[2].

كذلك، وحسب العديد من وجهات النظر الروسية، كسبت روسيا وضعها كقوة عظمى بفضل مقاومتها للغزو الخارجي، ومحاولات السيطرة عليها، فأكدت “وجودها بالمواجهة مع العالم الخارجي وليس بالتعاون معه”، ومن ثمّ تمثلت صورة روسيا أمام صناع القرار في موسكو “قلعة مُحاصَرة”، ليس لها شركاء دائمون، بل مجرد نقاط التقاء عارضة فرضتها توجهات الحكام وضرورات السياسة الداخلية[3].

المقدمة الثانية: ظلت مصالح روسيا في مجال السياسة الخارجية مستمرة حتى مع نهاية الحرب الباردة، تمثلت هذه المصالح في: الحفاظ على السيادة الروسية، والسلامة الإقليمية، والحفاظ على نظام الحكم، ورفض أي تدخل خارجي في شؤونها، وممارسة نفوذها على البلدان المُجاورة (مجالها الحيوي المتصور) أو ما يُسمّى بفضاء ما بعد السوفيت Post-Soviet Space، وإثبات نفسها كقوة عظمى[4]. ولأن عالم اليوم من الصعب أن تصبح فيه روسيا القطب الثاني مثلما كان في الحقبة السوفيتية، فإنها تبنت رؤية عالم مُتعدد الأقطاب تكون هي إحدى أقطابه، ظهرت هذه الرؤية بعد فترة وجيزة من تولي بوتين حكم روسيا في عام 2000[5].

وتضع روسيا لنفسها استثناءً (فعليًا) على مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” الذي تصدره للعالم الخارجي إذا تعلق الأمر بالحديث عن المجال الروسي الطبيعي للتأثير والنفوذ في دول الجوار[6]، أو كان ذلك بناءً على طلب الدول -عن طريق قيادتها السياسية- في أن تمارس روسيا ذلك رسميًا.

المقدمة الثالثة: لدى موسكو وجهة نظر مختلفة بشأن أهمية مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والعولمة، فترى أنها مبادئ غربية لا تُستخدم سوى لترسيخ حالة الهيمنة الأمريكية على النسق الدولي، ليس هذا فحسب، بل تعتبر انتشارها سواءً في داخلها أو الـمُحيط القريب منها تهديد لأمنها[7]. تجلّى ذلك خاصةً في عهد بوتين في سعيه لتوطيد صلاحياته ودوره مركزًا للنظام السياسي الروسي، وعملية صنع القرار فيه، فمع بداية حركات التغيير في شرق أوروبا تصدرت فكرة معاداة “الثورات الملونة” كهاجس رئيس للنظام السياسي في عهد بوتين، ولبوتين شخصيًا، الذي وضع أهم أولوياته الحفاظ على استقرار نظامه، ومنع انهيار الدولة مرة أخرى كما انهارت الدولة السوفيتية، وتأكد ذلك النهج مع التعديلات الدستورية الأخيرة في روسيا[8].

حاول بوتين إكساب معارضة (مواجهة) نظامه للغرب ثوبًا جديدًا غير بعيد عن الأبعاد الجيوبولوتيكية والسياسية السابقة، فأضفى عليها أبعادًا قيمية وأيديولوجية؛ فأخذ يروج هو والنخبة القربية منه للانحلال الأخلاقي والديني للغرب، ووثق علاقته بالكنيسة الأرثوذوكسية الروسية، ليجري عملية إعادة ربط وتوثيق روسيا بالقيم المحافظة الدينية، وبتاريخها، وأمجاد الماضي السوفيتي، وانتصار الحرب العالمية الثانية[9]، فأصبح المزيج الثلاثي: الوطنية – العسكرية – والأرثوذوكسية مزيجا يتوافق والتصورات المحافظة لبوتين كنموذج للروسي الصالح المتدين، عدو بلاد ممارسة الرذائل: أوروبا الغربية والولايات المتحدة[10].

المقدمة الرابعة: أسس بوتين لنظام سياسي هجين يجمع بين عناصر ديمقراطية (تقل مع الوقت)، وعناصر استبدادية (تزداد مع طول مدة حكمه)، لذلك فهو مع مركزيته في عملية صنع القرار، ودرجة سلطوية نظامه، وتحكمه فيه، إلا أنه يهتم للرأي العام الروسي، والأغلبية الشعبية فيه من كبار السن، والمتقاعدين، والنخبة المحافظة، وحتى أصحاب الاتجاهات والميول الغربية من الشباب والنخب[11].

رصدت استطلاعات الرأي التي أجريت بعد فترة من انتخاب بوتين لولايته الرئاسية الرابعة أن ثمة احتجاجًا متصاعدًا في الأوساط المختلفة بين الروس على الأداء الحكومي[12]، مع انخفاض شديد في شعبية حكومة مندلييف، فتخطت نسب عدم الرضا عن الحكومة نسبة الــ70%، ربط البعض ذلك بالتغيير الحكومي الذي قام به بوتين في يناير 2020، مع تضمينه لعناصر أصغر سنًا وتكنوقراط. أضف إلى ذلك أن استطلاعات الرأي التي أُجريت في أوائل انتشار فيروس كورونا في روسيا أَشَّرَت على انخفاض في درجة تأييد بوتين إلى حدٍّ غير مسبوق، إذ وصلت نسبة مؤيدي بوتين من المـُستطلعين إلى ما دون الـ60%، وهي أقل نسبة تأييد حصل عليها أثناء سنوات حكمه العشرين، وهو ما يُفسر إصرار بوتين على عرض التعديلات الدستورية على الاستفتاء الشعبي، رغم حاجتها فقط إلى اعتماد مجلس الدوما، مع التعويل على ارتفاع كثافة الـمُشاركة كنوعٍ من إظهار الشرعية، وإثبات ارتفاع نسب تأييده شعبيًا، وهو ما تحقق بالفعل حينما وافق على التعديلات الدستورية ما يقرب من 78% من المشاركين، بنسب مشاركة وصلت إلى 68% من إجمالي من يحق لهم التصويت[13].

البعض أيضًا -وبتتبع خطاب بوتين في افتتاح ولايته الرابعة- وفي يناير 2020، أشار إلى أنه يولي أهمية كبيرة للداخل وللتنمية بعد أن أصبح لروسيا صوت مسموع في عالم اليوم، فبينما كان خطابه في 2018 استعراضًا لقوة روسيا العسكرية وعظمتها عالميًا، فإن بوتين في خطاب 2020 أضحى أكثر تصميمًا في التأكيد على ضرورة التصدي لتحديات الداخل الـمُلحة[14].

المقدمة الخامسة: ليس للغرب سياسة موحدة تجاه روسيا، بل ليس لدول الاتحاد الأوروبي سياسة موحدة تجاه روسيا، ولطالما كانت العلاقة مع روسيا مصدر خلاف بين دول الاتحاد الأوروبي الشرقية والبلطيق (الـمُجاورة لروسيا) المنادية بسياسة أكثر تشددًا (رادعة) تجاه روسيا، ودول غرب “قلب” أوروبا: فرنسا، ألمانيا، والمملكة المتحدة (عضو الاتحاد الأوروبي سابقًا) الساعية لعلاقة أكثر اتزانًا وتفاهمًا مع روسيا، ويبن هذا الجانب الأخير والولايات المتحدة، التي تسعى لتنسيق السياسات الأوروبية تجاه ردع روسيا، والتصدي لسلوكها العدواني في أوروبا وغيرها، سيظهر هذا الاختلاف عام 2020 في عدد من القضايا والتفاعلات كان على رأسها مظاهرات بيلاروسيا، وخط الغاز الجديد نورد ستريم 2 كما سيأتي بيانه[15].

ساعدت هذه السياسة غير الموحدة روسيا، ليس فقط في الاستفادة بهامش مناورة في محيطها الأوروبي والآسيوي، والقضايا المشتركة بينها وبين الغرب، وإنما في استغلال هذه السياسة في اتباع نهج أكثر تشددًا تجاه الغرب[16]، والإسراع من تحقيق التعددية القطبية، بضم كل عضو يستبعده الغرب من كتلته أو يفرض عليه عقوبات إلى صف القوى المعارضة أو المراجعة لبنية النسق الدولي الراهن الدولي Revisionist Power *، مثل: إيران، وكوريا الشمالية، وفنزويلا، والصين[17].

  • أولًا: الداخل الروسي والحضور الغربي:

مثلت لحظة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في روسيا مجرد لحظة كاشفة للصراع الداخلي/الخارجي على هوية الدولة الروسية ونظامها السياسي، فالسياسة الداخلية الروسية دائمًا ما كانت مسار تجاذبات بين تيارات ثلاثة، تيار مع الغرب Pro-Western، وتيار ضد الغرب Non-western، وبينهما يقع تيار الدولاتية أو أنصار الدولة. تاريخيًا دار الجدل حول تعريف الهوية الروسية عن طريق علاقاتها مع أوروبا[18]. وفي هذا الإطار نستعرض عددًا من القضايا كانت موضع تماس بين الداخل الروسي والغرب عام 2020 هي: التعديلات الدستورية الأخيرة، والانتخابات المحلية الروسية، وتسميم المعارض نافالني، وتقييد المجتمع المدني الروسي.

  • التعديلات الدستورية..والصراع على النظام السياسي في روسيا:

أتت التعديلات الدستورية -التي اقترحها الرئيس بوتين في يناير 2020 على مجلس الدوما، ثم تأجل الاستفتاء عليها إلى يوليو بعد أن كان من الـمُقرر جريانه في أبريل- في سياق سياسي واجتماعي صعب عايشته روسيا وقيادتها جراء أزمة كورونا من جانب، وانخفاض أسعار النفط من جانب آخر، مولدةً معها ضغوطات على النظام السياسي الروسي، وسط أصوات معارضة في الداخل والخارج تتحدث عن حجم الفساد المنتشر في روسيا، واستمرار اعتماد الاقتصاد الروسي على العائدات النفطية، وعلى خلفية احتجاجات اندلعت في العاصمة موسكو في سبتمبر 2019. [19]

أظهرت النقاشات التفصيلية لمنطق التعديلات الدستورية فضلًا عن بنودها بين الإعلاميين، والنخب الروسية المختلفة، وحتى عامة الشعب، هذا الجدل الدائم على الهوية الروسية؛ إذ كانت الآراء الروسية تتراوح بين مؤيد لروسيا القوية المحافظة ذات السيادة مع بوتين حتى عام 2036، وبين الدعوة لروسيا الأكثر تحررًا وحاجة للتغيير. فالمعارضة الروسية -أغلبها في الخارج/أوروبا- نددت بالاستفتاء وقالت إنه يمنح مزيدا من السلطة لبوتين، ويسمح له البقاء في الحكم لمدة أطول، في حين أظهر مستوى آخر من النقاشات صراع الأجيال الصغيرة -الأقل عمرًا- (تحت الخامسة والعشرين) والكبيرة على مستقبل روسيا، فتعديلات بوتين بالنسبة للأولى -التي ستعيش في ظلها- ستجعل من روسيا دولة أكثر محافظة وشمولية، أما بالنسبة للثانية فرفض الأجيال الأقل سنًا لهذه التعديلات هو ناتج عن تأثرها بالقيم الغربية[20].

سلطت وسائل الإعلام الروسية والنخب المؤيدة للتعديلات الدستورية الضوء على الجوانب المختلفة لها، فمنها ما يتعلق بسياسات الحد الأدنى للأجور، وضرورة أن تكون عند الحد المناسب للحياة، ومنها ما يشير إلى أهمية بناء نظام التقاعد على أساس الصحة العامة للأفراد، ومستوى تعليمهم، ومبادئ العدالة، ومنها ما يركز على حقوق الأطفال باعتبارهم أمل ومستقبل البلاد، ومنها ما يؤكد على أهمية مراعاة حقوق الحيوان. بالإضافة إلى البنود الثقافية المتعلقة بحماية الحقائق التاريخية وتخليد ذكرى المدافعين عن الوطن، مع إشارة إلى اللغة الروسية كلغة مُعبرة عن روح الأمة يُحدد القانون سياسات الحفاظ عليها. ولم تخلُ التعديلات من الإشارة إلى الجوانب الدينية؛ إذ لأول مرة ينص الدستور الروسي على لفظة “الإيمان بالرب”، وتعريفٍ للزواج على أنه مؤسسة بين رجل وامرأة[21].

أما عن النواحي السياسية[22]، بيت القصيد في التعديلات وفق الكثير من المتابعين، فهي الأهم، ليس لأنها فقط عدلت المادة المتعلقة بولايات الرئيس فحذفت لفظة “على التوالي” من المادة الـمُحددة لبقاء الرئيس في الحكم، فجعلت للشخص الواحد الحق في الحصول على فترتين رئاسيتين فقط مدة كل واحدة منهما 6 سنوات، مع تأويلٍ خاص بتصفير الولايات السابقة لبوتين، ما يعطي له فرصة للبقاء في الحكم لفترتين أخريين، ولكن لكونها تهيئ المجتمع لعملية انتقال في السلطة ليس من شخص لآخر أو من بوتين إلى غيره، ولكن إلى نظام جديد؛ أسماء وأدوار شخوصه/ عناصره قيد التبلور[23].

إلى جانب هذا التعديل -الذي يراه بعض المـُختصين الوحيد الجدير بأن يكون من أجله تعديل دستوري، والبنود الأخرى يمكن تغطيها على مستويات مختلفة من القوانين والأحكام الفيدرالية- ثمة عدد كبير من التعديلات تمنح رئيس الاتحاد الروسي صلاحيات واسعة في تعيين القضاة على المستوى الفيدرالي، وإقالتهم حال ثبت اتهامهم في قضايا تخل بالشرف بعد موافقة المجلس الفيدرالي، وفي إقالة الوزراء، فجعلته يترأس اجتماعات مجلس الوزراء، وأصبح رئيس المجلس تحت رئيس الدولة[24].

ومع أنه وفق التعديل سيكون لمجلس الدوما صلاحية تسمية رئيس الوزراء والموافقة على تكوين مجلس الوزراء، ما يُعد توسعة لصلاحيات الدوما، لكن التعديل بحكم الواقع أعطى رئيس الاتحاد الروسي فيتو ثانيا بشأن القوانين التي يعتمدها مجلس الدوما، فإذا حصل القانون الذي اعترض عليه الرئيس في المرة الأولى حتى على أغلبية الثلثين في المرة الثانية، يمكن للرئيس إحالة القانون للمحكمة الدستورية للنظر في مدى دستوريته، ما يُعطى للرئيس نفوذا أكبر في المجال التشريعي.

استحدثت التعديلات الدستورية هيئة جديدة تُسمى مجلس الدولة State Council كهيئة استشارية تقوم برسم السياسات الخارجية والداخلية والتنسيق بين السلطات المختلفة، يصدر الرئيس قانونًا بتكوينها، وتفصيلًا بصلاحياتها الأخرى، بما لا يجعلها هيئة موازية أو تتشابه في أدوارها مع مجلس الاتحاد Federation Council.

استنادًا إلى أهمية هذه الجوانب السياسية، يمكن القول إن المقصود من التعديلات كان الأحكام الأداتية Instrumental Provisions المتعلقة بتنظيم العلاقة بين السلطات، وأن التعديلات الأخرى الاجتماعيةSocial Provisions كان الغرض الأساسي منها هو تحقيق التوازن الذي تقوم عليه الدساتير بصفة عامة بين هذين النوعين من الأحكام من جانب، وإغراء الروس للمشاركة بكثافة في التعديلات الدستورية من جانب آخر[25].

  • احتجاجات شرق روسيا .. وتسميم نافالني:

مر الاستفتاء بإشكالاته وجدالاته حسب ما كان مُخططًا له من قبل الكرملين، ولكن لم تختفِ المعارضة، ولم تختفِ أصوات الانتقاد لنظام بوتين، وتجددت الاحتجاجات هذه المرة ليس في العاصمة، وإنما في أقصى شرق روسيا قرب الحدود مع الصين، اعتراضًا على توقيف حاكم إقليم “خاباروفسك”، وإلقاء القبض عليه في قضايا جنائية، وتعيين مساعده حاكمًا للإقليم. استمرت هذه الاحتجاجات -التي وُصفت بأنها الأكبر ضد الحكومة الروسية منذ سنوات- ما يقرب من شهر، ابتداءً من منتصف شهر يوليو حتى منتصف أغسطس، رفع خلالها المعارضون شعارات مناهضة للحكومة، وبوتين، وحزب روسيا الموحدة، ثمّ هدأت مع الانتخابات المحلية، التي كانت اختبارًا جديدًا للحزب الروسي صاحب الأغلبية البرلمانية “روسيا الموحدة”، وللرغبة في التغيير الكامنة لدى الروس. جاء رد بوتين على هذه الحركة مستحضرًا الغرب في زعمه أن هذه الاحتجاجات مدعومة من قوى خارجية[26].

تُجرى الانتخابات الروسية المحلية في 41 إقليميًا من أصل 85، حُددت الأيام من 9 سبتمبر حتى 11 سبتمبر كموعد للانتخابات المحلية في 22 بلدية، بعضها ينتخب رئيسا أو حاكما للولاية، وبعضها الآخر ينتخب مجلس البلدية. فاز تحالف حزب روسيا الموحدة United Russia بالرئاسة في 20 ولاية من الجولة الأولى، ومع ذلك فَقَدَ الأغلبية في المجالس البلدية في ثلاث ولايات هي: تومسك، ونوفوسيبيرسك، وتامبوف لصالح أحزاب المعارضة: الحزب الليبرالي الديمقراطي، وحزب روسيا العادلة، والحزب الشيوعي، والمستقلين، في حين نجح حاكم جمهورية تشوفاشيا (حزب روسيا العادلة A just Russia)، وحاكم ولاية سمولينسك (عن الحزب الليبرالي الديمقراطي) في الحفاظ على رئاستيهما للولاياتين[27].

جاءت هذه الانتخابات المحلية في ظل أجواء من التوترات في بعض البلديات الآسيوية، بفعل حملة معارضة ضد الرئيس بوتين، وحزب روسيا الموحدة قادها أليكس نافالني (الذي يمكن وصفه بالموالي للقيم الغربية)، بدأت مع حملة معارضة للاستفتاء على الدستور، وامتدت إلى انتخابات الولايات/البلديات. ابتدعت أحزاب المعارضة ما يُسمى “بالتصويت الذكي” لإثبات وحساب الأصوات التي حصلت عليها في انتخابات المجالس البلدية، وحكام الولايات عن طريق تصوير يُرفع على التطبيقات الإلكترونية[28].

شهدت هذه الحركة والدعوات زخمًا كبيرًا حتى بعد تسميم نافالني، الذي اتهمت الحكومات الغربية نظام بوتين بمحاولة اغتياله في 20 أغسطس 2020 عبر تسميمه، نُقل بعدها للعلاج في ألمانيا. أخذت ألمانيا زمام المبادرة بدعوة الكرملين لإجراء تحقيق عاجل وعادل بشأن الواقعة، ومع ذلك لم يرد الكرملن على ما تقدمه تقارير السموم الألمانية والفرنسية والسويدية سوى بنفي ما يعتبره مخاوف غربية عن وجود أي صلة رسمية بما حدث لنافالني[29]. ليس هذا فحسب، بل توسع رئيس مجلس الدوما الروسي في اتهام الغرب بالوقوف وراء قضية نافالني، وأزمة بيلاروسيا، فقال في تصريح له عند سؤاله عن هذه التطورات في الداخل الروسي ودول الجوار: “.. هذا يُظهر مرة أخرى أن كل هذا تم تنظيمه من قبل الدول الغربية من أجل إثارة التوترات في روسيا مباشرة عندما كانت نتائج الانتخابات البيلاروسية قيد الفرز، ولعرقلة بلدنا، ومنعها من الدفاع عن سيادة دولتنا الحليفة..، فأولئك الذين أرادوا وضع أيديهم على بيلاروسيا فشلوا في ذلك..”، فتسميم نافالني والأزمة في بيلاروسيا هما بالنسبة له “حلقات في نفس السلسلة” التي ينشدها الغرب لإثارة المشكلات في روسيا ودول جوارها[30].

وفي سياق غير منفصلٍ عن الانتخابات المحلية، والاستفتاء على التعديلات، وتسميم المُعارض نافالني، يأتي تعامل السلطات الروسية مع منظمات المجتمع المدني ابتداءً من تصنيفها إلى منظمات “خيرة Good NGO’s”، ومنظمات “شريرة Bad NGO’s”، مرورًا بطريقة تعاملها معه الصنفين، ففي حين تعمل الأولى في مجال الرعاية الصحية والتعليم ونشر القيم المحافظة، ودعم الكنيسة الأرثوذوكسية، ومن ثم تحظى بالدعم والتمويل الحكوميين، تعمل الثانية في مجالات الحقوق والحريات، والنسوية، وحقوق الشواذ، وتموّل خارجيًا، فجرى التضييق عليها في الأونة الأخيرة بفعل قوانين تقييد التمويل الأجنبي، ثمّ بعد تضمين التعديلات الدستورية وذكر لفظة “الرب” في الدستور، وتعريف الأسرة على أنها علاقة بين رجل وامرأة، من المؤكد أنها ستضع موجة جديدة من التشريعات التي تُحد من عمل تلك المنظمات “الشريرة” في روسيا[31].

إن هذه الخيوط حول الأوضاع الداخلية في روسيا تحت حكم بوتين، وطبيعة التناول الرسمي لها، إنما تؤكد حقيقة العلاقة الجدلية بين الداخل الروسي والخارج الغربي، وحضوره في كل تفصيلة من تفاصيل الأحداث الروسية، بدءًا من الاتجاهات العامة في الحكم والسياسات العامة على المستوى الاتحادي، مرورًا بالمجالس التشريعية، وليس انتهاءً بالولايات المحلية، والمجتمع المدني الروسي.

  • ثانيًا: مثلث روسيا ودول قلب أوروبا والولايات المتحدة:

شهد عام 2020 تفاعلات عدة بين هذا المُثلث كان على رأسها: ما دار حول خط الغاز نورد ستريم 2 الذي سينقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا مباشرة، وانتشار فيروس كورونا واستغلال روسيا له لشن حربٍ معلوماتية ضد الغرب وفق الوصف الغربي، وعلاقات روسيا النامية مع الصين، وتجديد اتفاقية الحد من التسلح النووي نيو ستارت. بنى هذا المثلث تفاعلاته على أساس المـُقدمات التي طرحناها في المحور التمهيدي، وغيرها من المـُعطيات -في الفترات السابقة على هذا العام– والتي نسجت خيوط هذا المثلث، ومنها:

أولًا: وصول دونالد ترامب بشخصيته وتصريحاته المـُثيرة إلى البيت الأبيض في يناير 2017، ليثبت عزمه على تطبيق كثير مما صرّح به أثناء حملته الانتخابية، وعلى رأسها: نقده لدور أمريكا الـمُكلف في الخارج، وضرورة تحميل الحلفاء نفقة دفاع الولايات المتحدة عنهم، وتصريحاته الـمُتكررة بإعجابه ببعض زعماء العالم المستبدين، منهم صديقه بوتين، بالإضافة لعدم سعيه لنشر القيم الأمريكية على أية أمة من الأمم. صَدَقت معظم هذه التصريحات وتحولت إلى أفعال وسياسات اللهم إلا تجاه روسيا التي لم ينجح نتيجة لضغوط اللوبيات الأمريكية، واتهامات تدخل روسيا في انتخابه عام 2016، والاختلاف بينه وبين أفراد إدارته على بلورة سياسة موحدة متماسكة تجاه روسيا، بل وصلت العلاقات رسميًا إلى أسوأ مستوياتها -حسب متابعين- منذ أزمة القرم 2014، رغم العلاقة الشخصية بين الزعيمين، بل أكثر من ذلك حددت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي روسيا والصين بالدول التي تُهدد المصالح والقيم الأمريكية في العالم، ووصفتهما بأنهما دول مراجعة للنظام الدولي الراهن[32].

ثانيًا: برزت مصالح متزايدة بين روسيا ودول قلب أوروبا هيأت لمزيد من التفاهمات ليس فقط في الغاز، الذي أصرت أوروبا فيه على مخالفة السياسة الأمريكية التي تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة التي تصل إلى حلفائها في أوروبا. تجلى ذلك في إنشاء خط غاز جديد “نورد ستريم 2” يمر من روسيا عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا مباشرة، ولا يمر بأوكرانيا، وذلك تحقيقًا لأهداف الروس في زيادة اعتماد أوروبا عليها في الغاز، وتخليها عن الاعتماد على خطوط الغاز المارة من أوكرانيا المُهدَدَة دائمًا بالثورة الملونة[33]. ولم يقف الأمر عند حدود الغاز وإنما أيضًا في بعض مسائل الشرق الأوسط التي جعلت أوروبا بعيدةً (قليلًا) عن الولايات المتحدة، كما في سوريا وليبيا.

ففي حين فرضت الولايات المتحدة حزمة من العقوبات على الشركات التي تعمل في مشروع نورد ستريم 2، ومنعت شركاتها من التعامل مع هذه الشركات، رفضت دول قلب أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا، تعطيل المشروع، بل أصرت – هي وروسيا – على استكمال هذا المشروع حسب ما خُطط له[34]. إلى جانب ذلك سعى الرئيس الفرنسي ماكرون إلى استحداث آلية حوار استراتيجي فرنسي-روسي حول القضايا المختلفة والمصالح المشتركة بين الدولتين،.كل هذه الآليات ترفضها الولايات المتحدة وتعتبرها خروجًا على إجماع واشنطن، وطبيعة السياسات التي يجب أن تكون موحدة في مواجهة السلوك العدواني الروسي[35].

ثالثًا: قرب انتهاء ولايات رؤساء فرنسا (ماكرون)، وألمانيا (المستشارة أنجيلا ميركل)، ودخول رئيس الولايات المتحدة (دونالد ترامب) عامه الأخير في ولايته الأولى بالبيت الأبيض. هذه السنة الأخيرة في حكم رؤساء هذه الدول (الديمقراطية) تُعرف سياستهم فيها “بالبطة العرجاء Lame Duck”، وفيها يُصبح الرئيس أكثر انشغالًا بالانتخابات وبترتيب الداخل لمصلحته، وإذا أضيف إلى ذلك تنامي تيارات اليمين المتطرف في أوروبا، وزيادة التدخلات الروسية في الغرب، فإن المحصلة ستكون في مصلحة روسيا بوتين لتحرز تقدمًا على الغرب عام 2020.

  • فيروس كورونا بين روسيا والغرب:

سمح انتشار فيروس كورونا هو الآخر منذ بدايات عام 2020 في دول أوروبا، والولايات المتحدة، وحتى في روسيا، لقيادة الكرملين بتوجيه مزيد من النقد للغرب وبالأخص الولايات المتحدة، وبيان لاأخلاقية استمرار العقوبات المفروضة من قبل الغرب خاصةً على روسيا وإيران وسوريا في ظل ظرف إنساني، لطالما تشدق الغرب بمراعاته للظروف الإنسانية وحقوق الإنسان[36].

إذن، فتحت أزمة كورونا ملفًا جديدًا سيكون مسار خلاف بين الغرب وروسيا، فإذا كانت الولايات المتحدة قد سارعت بوصم الصين بالفيروس، على أنه “فيروس صيني”، فإن روسيا ما فتئت تذكر أن الممارسات الغربية هي المسؤولة عن انتشار الفيروس وتفشيه، فقادت منصات النشر والمعلومات الإلكترونية الروسية حملات تنشر نوعًا من “الأدلة” يؤكد أن الفيروس تمت صناعته في مختبر أمريكي من أجل وقف النمو الاقتصادي الصيني[37].

أضف إلى ذلك، ما جرى من تنافس حول المصل المــُنتظر للفيروس، فبين اتهامات غربية لروسيا بسرقة وقرصنة معلومات متعلقة بالأمصال التي يُجرى اختبارها في ألمانيا والولايات المتحدة[38]، وبين اتهام مستمر لروسيا بالتدخل في الشؤون الداخلية، أكدت مصادر غربية استخدام روسيا لأزمة كورونا لخلخلة الداخل الأوروبي، وإضعاف الاتحاد الأوروبي، مستخدمة حملات دعائية وإعلامية تلفزيونية وإلكترونية لتصدير الفشل الغربي في التعاطي مع فيروس كورونا؛ منها مثلًا: نشر صور تشير إلى أن في الولايات المتحدة وأوروبا حالة ذُعر وتزاحم على المحلات التجارية “الفارغة” من المنتجات أثناء انتشار الفيروس في مقابل المتاجر الروسية “المليئة بالمنتجات”، بالإضافة إلى محاولة المنصات الروسية تأكيد فكرة نفاق الغرب، “فالسلطات في الاتحاد الأوروبي -وفق هذه المنصات- أظهرت عجزًا تامًا في التعامل مع الأزمة، وأن العاملين الصحيين يختارون بين إنقاذ كبار السن والأفراد الأكثر قدرة جسدية في المجتمع، حيث تخفي هذه الشعارات حول الديمقراطية والمساواة أيديولوجية البقاء للأصلح”[39].

  • متغير الصين في العلاقات بين روسيا والغرب:

ملف آخر، أضحى مسار جدل خاصة بين الولايات المتحدة من ناحية، وروسيا والاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى، يتعلق بالتعاطي مع “الصين”، واتباع الولايات المتحدة -في عهد ترامب- سياسة متُشددة ضد ما تسميه الممارسات التجارية والاقتصادية غير العادلة من الصين تجاهها وتجاه الحلفاء، وسعيها للحصول على التكنولوجيا الأمريكية (الغربية) دون وجه حق، بالإضافة لكونها تقوم بتحديث عسكري واسع لقواتها المسلحة، وتسعى للهيمنة على دول جوارها في منطقة جنوب شرق آسيا، كل هذه العوامل جعلت الولايات المتحدة تطالب دول أوروبا الغربية وحلفاءها باتباع سياسة أكثر حزمًا تجاه الصين، وخاصةً بعد تفشي فيروس كورونا -المسؤولة عنه الصين-، ومع ذلك لم يجد ترامب وإدارته ردًا ملائمًا من الدول الأوروبية بشأن الصين.

برز في الفترة الأخيرة الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة حول تجديد سريان اتفاقية منع الانتشار النووي نيو ستارت New START، التي تنتهي بحلول فبراير 2021، وسط إصرار أمريكي على على إدخال الصين كطرف ثالث في هذه الاتفاقية، وهو ما عارضته الصين، زعمًا أن ترسانتها النووية ضئيلة جدًا مقارنةً بحجم الترسانات النووية الأمريكية والروسية التي تمثل ما يقرب من 90% من حجم الأسلحة النووية المُنتشرة عالميًا. إذن، وبصيغة أكثر عمومية، ثمة اختلافات واضحة بين الولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا -وبالطبع مع روسيا- على سياسة الردع والتوازن التي تتبعها الولايات المتحدة حيال الصين وآسيا، وهو ما يجعل هذا الملف واحدًا من الملفات الاستراتيجية التي ستشتغل حيزًا من النقاشات في فترة ما بعد ترامب[40].

  • ثالثًا: روسيا والغرب: من جنوب القوقاز إلى شرق أوروبا

يمثل الفضاء ما بعد السوفيتي، منطقة النفوذ الروسية الأساسية المتصورة من جهة، ومنطقة ارتطام وصدام بين روسيا والغرب من جهة أخرى. شهد هذا الفضاء منذ تفكك الاتحاد السوفيتي تفاعلات كثيفة بين الغرب وروسيا، بسبب رغبة حلف الناتو توسيع نطاق نفوذه في هذه المنطقة، وهو ما تُرجم على أنه تهديد للأمن القومي الروسي.

تقع منطقة شرق أوروبا وجنوب القوقاز -منذ غزو روسيا لأوكرانيا 2014، واحتلالها مدينة سيفاستوبول المهمة استراتيجيًا بالنسبة لها، وقبلها جورجيا 2008- في قلب الجدل بين الروس والغرب، ففي حين تعترف أوروبا بوجد ثلاث دول جنوب القوقاز هم: أرمينيا، وأذربيجان، وجورجيا، تعترف روسيا بدولتين أخريين إلى جانب هذه الثلاثة هما: أبخازيا الانفصالية، وأوسيتيا الجنوبية.

  • احتجاجات بيلاروسيا: بين روسيا والغرب

في عام 2020، يُمكن القول إن أهم الملفات (الجديدة) التي طُرحت في هذا الفضاء، هي احتجاجات بيلاروسيا المعارضة لحكم ألكسندر لوكاشينكو الذي يحكم بيلاروسيا منذ عام 1994، واُنتخب لفترة رئاسية جديدة، اندلعت على إثرها حركة احتجاجات واسعة طالت معظم أرجاء البلاد، تجاوزت المئة يوم، وتستمر حتى وقتنا الحالي[41].

تحتل بيلاروسيا أهمية خاصة في المُخيلة الاستراتيجية الروسية، فموقعها الجغرافي بين روسيا من الشرق ودول أعضاء الناتو بولندا وليتوانيا ولاتفيا من الغرب، وأوكرانيا من الجنوب، وتشابه نظامي الحكم في موسكو ومينسك، وارتباطهما معًا بمعاهدة اتحاد بين الدولتين منذ عام 1999، أضف إلى ذلك التداخلات الثقافية واللغوية والعرقية والتاريخية بينهما[42]، كلها عوامل جعلت الحفاظ على التحالف أو الاتحاد مع بيلاروسيا ونظامها السياسي أمرًا مركزيًا في سياسة الكرملين، تأكد ذلك مع وصف بوتين لبيلاروسيا على أنها: “..الدولة الأقرب إلينا: الأقرب عرقياً، ولغوياً وثقافياً وروحياً”[43]. بالإضافة إلى ذلك فإن بيلاروسيا محطة رئيسية في نقل الطاقة من روسيا إلى أوروبا، فيعبر ما يقرب من 20% من صادرات الغاز الروسي منها إلى أوروبا[44].

يخشى بويتن من هذه الاحتجاجات القريبة من حدود بلاده أن تنتقل عدواها للداخل الروسي، وأن يحل محل لوكاشينكو آخر موال للغرب، مع أن لوكاشينكو في السنوات الثلاث الماضية حاول التقرب من الغرب، للتمتع بهامش مناورة أكبر في صفقات الغاز الروسية التي يعتمد اقتصاد بلاده على إنتاج مشتقاتها، وتُعد القضية الأكثر خلافًا بين بيلاروسيا وروسيا بوتين. ظهرت بيلاروسيا بصورة مُقلقة من وجهة نظر الكرملين في الاستراتيجية الأمريكية حينما تكررت الزيارات الأمريكية إلى مينسك في سبتمبر 2019 لوكيل الخارجية الأمريكية، ثم زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو ولقائه بلوكاشينكو في فبراير 2020، وتُعتبر الزيارة الأولى من نوعها منذ 26 عامًا، صرح أثناءها بأن الولايات المتحدة يمكنها أن تمد بيلاروسيا بـــــ 100% من احتياجاتها من الطاقة[45]، تلاها بفترة وجيزة في مايو 2020 إعلان بومبيو عن شحنة من النفط الخام الأمريكي إلى بيلاروسيا “كجزء من محاولة لمساعدة بيلاروسيا على تحسين أمن الطاقة لديها”[46].

ومع ذلك، لم يُعجب الغرب الأوروبي كما روسيا بسلوك لوكاشينكو “آخر ديكتاتور في أوروبا”، ولكنْ كلٌ من وجهة نظر مختلفة؛ فأوروبا لا تمانع انتشار الديمقراطية في بيلاروسيا، وتنادي بمشروعية مطالب الجماهير، وتفرض عقوبات على العديد من المسؤولين في بيلاروسيا ومنهم لوكاشينكو نفسه، أما روسيا فترغب في تعديل سلوك الأخير، وإثنائه عن محاولات التغريد خارج سرب بوتين، ومن ثمّ حفزت هذه الاحتجاجات الأطراف جميعها لمراجعة سياساتها تجاه بيلاروسيا لوكاشينكو، وسمحت له هو الآخر بتمييز من هو صديقه حقًا، فوجد نفسه تلقائيًا متجهًا إلى الكرملين يطلب المساعدة والحماية من بوتين “صديق الشدة”، وهو ما رآه بوتين فرصة لاستعادة بيلاروسيا إلى صفه مرة أخرى[47]، فجُددت عقود الغاز بقيمة أقل ربما من الذي كان يتفاوض عليها البيلاروس، وتمنح خزانة الفيدرالية الروسية قرضًا بمليار ونصف لبيلاروسيا سيتم استخدامها كلها في تسديد ديونها لدى شركات روسية[48].

إذن، وبدوافع مُختلفة، بدت روسيا والغرب متفهمين بل ومتقبلين للاحتجاجات في بيلاروسيا، مع فوارق كبيرة في الهدف، والنهاية المرجوة، فإذا كان هدف الغرب تغيير النظام، فإن روسيا لم يكن هدفها سوى رد الديكتاتور إلى صفها، وألا تسمح بوصول رئيس موال للغرب على رأس السلطة في الدولة الجار حال كان هناك من بُدٍ لإحداث بعض التغييرات في اللعبة السياسية في بيلاروسيا. ومع ذلك فلم يخرج خط السياسة المــُعلن من قبل روسيا عن موقفها بشأن دور الغرب في دعم المعارضة والمجتمع المدني في بيلاروسيا، فقد صرح وزير الدفاع سيرجي شويغو بأنه: “كانت هناك محاولة لإحداث تغيير في السلطة في بيلاروسيا بدعم مالي وسياسي من الغرب”[49]. وأعلنت روسيا في أكثر من مناسبة رفضها لأي وساطة “تدخل” خارجي لحل الأزمة في بيلاروسيا[50].

حاولت روسيا في هذا الملف (بيلاروسيا) أن تُحقق نوعًا من التوازن بين خط سياستها الثابت تجاه رفض الثورات الملونة، وانتشار الديمقراطية في دول جوارها، وبين استغلال الأزمة في تحقيق رؤيتها السياسية لبيلاروسيا لوكاشينكو، بالإضافة إلى أنها سعت إلى إثناء ذاتها عن اللجوء إلى سيناريو التدخل مرة أخرى للحفاظ على النظام السياسي مثلما فعلت في الحالة الأوكرانية، ومن ثمّ يتجدد الاصطدام بالغرب. وإلى الآن يدير الغرب هو الآخر اللعبة مع الروس في هذا الملف -بنفس المنطق- تجنبًا للسيناريو ذاته، فيؤكد على حق الشعوب في أن تختار من تحكم، وأن البيلاروسين لم يطالبوا لا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولا الناتو، وإنما أرادوا بيلاروسيا ديموقراطية[51].

  • روسيا وتوازنات جنوب القوقاز: قره – باغ نموذجًا

فيما يتعلق بجنوب القوقاز، فالأمور لا تختلف بين الغرب وروسيا في المجمل كثيرًا، وإن كانت التطورات المُصاحبة لعام 2020 تثير حساسية أقل في إدارتها بينهما عنها في بيلاروسيا، فالخلاف بين أرمينيا وأذربيجان الذي سنعرض له تاليًا سار بالصورة التي تمناها الغرب -جزئيًا- وروسيا على السواء.

تسعى روسيا بصفة عامة إلى فرض نفوذها وتواجدها في منطقة جنوب القوقاز، بصور عدة ولأسباب مختلفة؛ أما الأسباب فتتصل كما أسلفنا بالأبعاد التاريخية والجغرافية، كما تتعلق بالتواصل العرقي والثقافي بين الروس وسكان هذه المنطقة، بالإضافة للهواجس الأمنية المتعلقة باحتمالات التواصل بين شمال القوقاز (الروسي) حيث الجمهوريات الإسلامية، وجنوب القوقاز، واحتمالات إمدادها بالسلاح أو تنفيذ عمليات عسكرية “إرهابية” موجهة ضد الداخل الروسي، إذ تعتبر موسكو ضمان الاستقرار في جمهوريات القوقاز السوفيتية السابقة شرطًا أساسيًا للتنمية المحلية المستدامة لروسيا وللمحافظة على وحدة أراضيها[52].

أما فيما يتعلق بالوسائل[53]، فتنوع روسيا بين الارتباط بالنخب الحاكمة، ونخب المعارضة المحلية ذات التوجهات الموالية لها، مع دعم للدول الانفصالية في أوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا، وممارسة الضغوط السياسية والأمنية، وإيجاد نفسها كوسيط دائم للصراعات في هذه المنطقة، يُمسك ويدير بصورة دقيقة توازنات القوى في منطقة تتشابك عوامل الصراع فيها بين داخلي وخارجي. وعليه، أوجدت روسيا نفسها في كافة ملفات المنطقة الداخلية والخارجية على السواء، في جورجيا، ومولدوفا، وأرمينيا وأذربيجان.

مؤخرًا على طول عام 2020 تصاعد مستوى الحراك السياسي والعسكري في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان على إقليم قره-باغ. يعود تاريخ الصراع على إقليم قره-باغ إلى الحقبة البلشفية والسوفيتية، حينما اقتطع ستالين عام 1921 الإقليم ذا الأغلبية الأرمينية من أرمينيا وألحقه بأذربيجان، ثمّ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي اشتعلت حرب كبرى عام 1994 حسمها الأرمن لصالحهم، فأضحى الإقليم جزءًا من أرمينيا رغم الاعتراف الدولي بأحقية أذربيجان فيه. ظلت جذور الصراع موجودة وتشتعل ثمّ تهدأ دون تغير في الوضع القائم، حتى أُشعل فتيل الأزمة مرة أخرى في 27 سبتمبر 2020، فحقق الآذريون تقدمات كبيرة على الأرض تجاه السيطرة على بعض مدن قره-باغ بدعم تركي قوي معلن، وهو ما دعا روسيا -بتوافق مع الأطراف- إعلان وقف إطلاق النار في 10 نوفمبر 2020، وإعلان خطة لتسليم الإقليم تدريجيًا إلى أذربيجان[54].

تاريخيًا، ومنذ عهد بوتين، تحتفظ روسيا بعلاقات قوية مع طرفي الصراع، وتبيع لكلتيهما السلاح، مع تقارب أكثر مع الأرمن، بفعل ارتباطها رسميًا بمعاهدات دفاع مشترك ضمن منظمة الأمن الجماعي والاقتصادي الأوروآسيوي (EAEU)[55]، لذلك اهتمت موسكو بأن تلعب دورًا متوازنًا بين أذربيجان وأرمينيا، فهي نَعَم صديقة لأرمينيا، ولكنها في نفس الوقت ليست عدوًا لأذربيجان، كيلا تجعل من أذربيجان جورجيا جديدة. ويبدو أنها أرادت ألا يستدعي دورها في هذا الصراع خلافات أخرى مع الغرب عن دورها في تسميم نافالني أو بيلاروسيا أو غيرهما[56].

قَبِلت أوروبا الغربية بالدور الروسي الراهن في قرة-باغ على مضض، لعدة أسباب: تعود إلى اختلاف هذا الصراع بصفة عامة عن طبيعة الصراعات المُعلقة بين روسيا والغرب، فلا مصالح حيوية تربط الغرب بهذه المنطقة سوى نشر الديمقراطية بالنسبة لأوروبا، وتقارب أرمينيا مع دول غربية مثل فرنسا بفعل انحدار عددٍ من سكانها من أصل أرميني، وتدعيم فرنسا لقضية الأرمن التاريخية باعتبارهم تعرضوا لمذابح من قبل العثمانيين، لذلك عارضت فرنسا الدور التركي المتنامي في هذه المنطقة، بل سآلت روسيا عن حقيقة هذا الدور[57]! ويُفسر هذا الموقف الفرنسي على أنه لا يتعلق بالاتحاد الأوروبي ولكنه يتعلق بفرنسا ورئيسها الذي تربطه علاقات توتر وقضايا عالقة مع تركيا في شرق المتوسط (ليبيا)، والناتو، ولبنان، وبشأن خطاب ماكرون تجاه الإسلام[58].

أما من زاوية الولايات المتحدة، فرغم قوة اللوبي الأرميني داخلها، وضغطه تجاه سياسة متشددة تجاه تركيا بصفة عامة، وموقف أكثر صرامة من قره-باغ، فإن تركيز الاهتمام على المسائل الداخلية في هذه الفترة، وغياب مصالح حيوية عاجلة، وتغير خطط تنويع مصادر الطاقة والدور العالمي للولايات المتحدة بفضل اكتشافات النفط الصخري من ناحية، وتدني رغبتها في التدخل الخارجي من ناحية أخرى -على الأقل في عهد ترامب-، وارتباطها مع روسيا في “آلية مينسك” لحل الصراع بين أرمينيا وأذربيجان[59]، وأن أذربيجان هي الأهم في هذا الصراع كمصدر للطاقة إلى أوروبا أو الولايات المتحدة، كل هذه العوامل حدت من الانخراط النشط للولايات المتحدة في هذا الصراع.

خاتمة:

يمكن القول إن روسيا بوتين أحرزت في عام 2020 تقدمًا على الغرب في عددٍ من الملفات المطروحة، فكما حافظت على مصالحها في شرق أوروبا، وجنوب القوقاز، وخطوط نقل الغاز الروسي إلى أوروبا، حافظت على الداخل الروسي من دون وقوع ثورة ملونة، أو زيادة قدرة المعارضة القريبة من القيم الغربية والمجتمع المدني في الداخل على بلورة أدوار جادة تعارض نظام بوتين بقيمه المحافظة، بل نجح بوتين في أن يمد سيطرته إلى كافة سلطات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية ليعزز موقعه مركزًا للنظام السياسي الروسي، وليدعِّم فرص بقائه في الحكم سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتؤمن رحيله -إن هو أراد-.

يظل الداخل الروسي، حتى مع تعديلات بوتين الدستورية، منفتحًا على كافة السيناريوهات سواء ببقاء بوتين في السلطة حتى عام 2036، أو تعيين بوتين لخليفة له، أو تنحيه عن السلطة مع لعب أدوار مختلفة في عملية الحكم في روسيا، والأرجح أن بوتين سيولي أهمية كبيرة للأوضاع الداخلية، ويراعي تحقيق استتباب نسبي للأوضاع لصالح نظامه، وشرعيته، مع الحفاظ على توازنات داخلية تسمح له بالحكم لفترة رئاسية مُقبلة أي حتى عام 2030 أو قبلها بقليل، يدعم هذا السيناريو “افتقار روسيا تاريخيًا نموذجًا لتسليم السلطة من دون وفاة أو رغبة من الزعيم ذاته”[60].

يبدو أن روسيا (بوتين) في المستقبل القريب والمتوسط عازمة على مدّ نفوذها في الفضاء ما بعد السوفيتي في بلدان الجوار الروسي، مع الحفاظ على الوضع الراهن من دون انضمام أي من دوله إلى حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، يشترط هذا السيناريو بقاء بوتين في الحكم، واستمرار روسيا متماسكة داخليًا، ترجّح هذا السيناريو أيضًا الشواهد التاريخية القريبة من جورجيا 2008، إلى أوكرانيا 2014، إلى بيلاروسيا، وصولا إلى قره – باغ 2020.

عززت روسيا في عام 2020 وضعها في مواجهة الغرب، بفعل انخراطها الواسع في الصراعات الإقليمية والدولية، وسياسات الغرب ذاته الأكثر تخبطًا وتأثرًا بالمشكلات والأزمات الداخلية من البريكست إلى الخلافات داخل حلف الناتو، وخلافات دول غرب أوروبا والولايات المتحدة خاصةً تجاه العلاقة مع روسيا والصين وإيران، إلى أزمة كورونا، ساعدت هذه الخلافات على ضم مزيد من الأعضاء إلى نادي التعددية القطبية، الذي تدعو إليه موسكو، وتعزز أدواره -بعيدًا عن الغرب-، ولا شك أن قبولها بدور تركي في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان هو نموذج للعلاقات بين أعضاء هذا النادي.

 

يبقى الوصول إلى عالم التعددية القطبية الكامل في الأجلين المتوسط والبعيد مرهونًا بحفاظ روسيا على قوتها، وبنائها لعناصر قوتها الشاملة، وتأكيدها لنفوذها على دول غرب أوروبا بفعل الواردات النفطية، وإخفاق الولايات المتحدة ما بعد ترامب في تجديد قيادتها للعالم.

*****

الهوامش 

(*) يُقصد بالغرب في هذه الدراسة بصورة أساسية دول غرب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

[1] يدفع أصحاب هذا الاقتراب بأن السياسات الخارجية المختلفة للدولة تصب في خدمة ملف واحد؛ عن طريقه يمكن توصيف السياسة الخارجية وتحليلها كما لو كان يحفزها هدف واحد؛ فسياسات التجارة الخارجية، وسلوك الدولة الصراعي أو التعاوني لا يمكن تحليله كسياسة نهائية منقطعة الصلة عن هذا الملف؛ فهو يقدم ما يشبه فلسفة عامة تهتدي بها السياسات الأخرى.

– جلين بالمر، كليفتون مورجان، نظرية السياسة الخارجية، ترجمة: عبدالسلام نوير، (الرياض: النشر العلمي والمطابع، جامعة الملك سعود، 2011)، ص ص 6-9.

[2] Posard, Marek N., Marta Kepe, Hilary Reininger, James V. Marrone, Todd C. Helmus, and Jordan R. Reimer, From Consensus to Conflict: Understanding Foreign Measures Targeting U.S. Elections, (Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2020), p4, available at:  https://cutt.us/jJZVf

[3] أندري غراتشيف، واشنطن في مواجهة موسكو: ثلاثون سنة من الأخطاء وسوء التفاهم، (في): أوضاع العالم 2020: نهاية الزعامة الأمريكية، إشراف: برتان بادي، دومينيك فيدال، ترجمة: نصير مروّة، (بيروت، مؤسسة الفكر العربي، 2020)، ص239.

[4] أندرو رادين، كلينث ريتش، وجهات النظر الروسية بشأن النظام الدولي، (كاليفورنيا: مؤسسة راند، 2017)، صxi.

[5] Posard, Marek N., Marta Kepe, Hilary Reininger, James V. Marrone, Todd C. Helmus, and Jordan R. Reimer, Op.Cit, p2.

[6] أندرو رادين، كلينث ريتش، وجهات النظر الروسية بشأن النظام الدولي، مرجع سابق، ص19.

[7] المرجع السابق، ص62.

[8] Martin kragh, Russia in 2045: A Scenario Analysis, (Sweden, Swedish Institute of International Affairs, 2020), p7.

[9] Watts, Stephen, Nathan Beauchamp-Mustafaga, Benjamin N. Harris, and Clint Reach, Alternative Worldviews: Understanding Potential Trajectories of Great-Power Ideological Competition, (Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2020), p7, available at: https://cutt.us/9z1tf

[10] فلاديمير بوتين – “قيصر” روسيا الجديدة | وثائقية دي دبليو – وثائقي روسيا، 27 مارس 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/5bc94

[11] أوليسيا تكاشيفا وآخرون، السياسة الخارجية الروسية في السياقين التاريخي والحالي، (كاليفورنيا: مؤسسة راند، 2015)، ص 21.

[12] للاطلاع حول آراء بعض النخب الروسية في عدد كبير من القضايا الداخلية والخارجية، يُنظر:

  • Sharon Rivera et.al, Survey of Russian Elites: New Perspectives on Foreign and Domestic Policy, (Clinton, Hamilton College, July 28, 2020).

[13] Russia: Domestic Politics and Economy, Congressional Research Service (CRS), 9 September 2020, p4-7.

[14] Elena Alekseenkava, Russia First? The New Constitution’s Impact on Domestic and Foreign Policy, (in) Aldo Ferrari, Eleonora Tafuro, Paolo Magri (.ed), Forward to The Past? New/ Old Theatres of Russia International Projection, (Milan, Italian Institution for International Studies, April 2020), p15.

[15] للمزيد يُراجع:

  • Judy Dempsey, Europe Divided Over Belarus’s Future, 8 September 2020, Accessed: 28 November 2020, 6:00, available at: https://cutt.us/7Lvb3
  • Alexander Vershbow, Daniel Fried, How the West should deal with Russia, 23 November 2020, Accessed: 28 November 2020, 6:00, https://bit.ly/37bTaQC

[16] Andrew S. Weis, Russia and Europe: Stuck on Autopilot, (Carnegie Empowerment for International Peace, 24 September 2020), p1.

* يُقصد بها مجموعة القوى الدولية التي تسعى لتعزيز مكانتها وأدوارها في النسق الدولي على حساب القوة المُهمينة، عن طريق اتباع سياسات لتغيير الوضع الراهن. تسعى هذه القوى لنسج شبكة من العلاقات الدولية، وإقامة منظمات إقليمة ودولية موازية لتلك التي تسيطر عليها القوة المُهيمنة، مع نشر قيم مناهضة للقيم السائدة في النظام الدولي (المرغوب تغييره).

[17] الفيلسوف والاستراتيجي الروسي ألكسندر دوغين: انتلجنسيا، تلفزيون لانا بلاس، 6 أكتوبر 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/syOHv

[18] Marco Siddi, Russia’s Foreign Policy and E.U- Russia Relations, (Stvdiorvm Caralitana Vniversitas, 25 May, 2020), p5.

[19] للمزيد عن حركة الاحتجاجات والتظاهرات في سبتمبر 2019، وفي عهد بوتين بصفة عامة، يُراجع:

  • Russia Under Putin: 20 years of Protest, (Reported by Institute of Modern Russia, 2020).

[20] تعديلات بوتين الدستورية تعمق الهوة بين الأجيال، يورونيوز بالعربية، 26 يونيو 2020، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2020، الساعة 6:06، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/1unLo

[21] What changes will be in the Constitution of the Russian Federation?, The State Duma News, Accessed: 28 November 2020, 6:20, available at:  https://cutt.us/WFqpv

[22] للمزيد حول تفصيلات التعديلات الدستورية ودورها في توزيع السلطات وتشريحها من النواحي القانونية، يُراجع:

  • Shashkova, Anna & Verlaine, Michel & Kudryashova, Ekaterina, On Modifications to the Constitution of the Russian Federation in 2020, Russian Law Journal, Vol. 8, No. 8, 2020, p63-80, available at: https://cutt.us/mnZov

[23] Elena Alekseenkava, Russia First? The New Constitution’s Impact on Domestic and Foreign Policy, Op,cit, p26.

[24] Shashkova, Anna & Verlaine, Michel & Kudryashova, Ekaterina, On Modifications to the Constitution of the Russian Federation in 2020, Op.Cit., p 72.

[25]  Ibid, p75.

[26] للاستزادة يمكن الرجوع إلى:

  • احتجاجات مناهضة لبوتين في أقصى الشرق الروسي بعد إقالة حاكم واتهامه بجرائم قتل قبل 15 عاما، يورونيوز بالعربية، 25 يوليو 2020، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2020، الساعة 6:17، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/B7agC
  • Steve Rosenberg, Sergei Furgal: The arrest fuelling anti-Moscow anger in Russia’s far east, BBC, 17 July 2020, Accessed: 28 November 2020, available at: https://cutt.us/xU2cX

[27] للمزيد عن الانتخابات المحلية الروسية، يُراجع:

–         Andrei Nikerichev, Russia’s Regional Elections, Explained, the Moscow Times, 11 September 2020, available at: https://cutt.us/nfff4

[28] الانتخابات المحلية في روسيا اختبار لسيطرة الحزب الحاكم على السلطة، بي بي سي بالعربية، 13 سبتمبر 2020، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2020، الساعة 6:28،  متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/1T8yy

[29]  Andrew,S. Weiss , Russia and Europe: Stuck on Autopilot, Op.Cit., p10.

[30] Russian State Duma speaker accuses West of being behind Navalny’s case, crisis in Belarus, Belsat, 1 October 2020, Accessed 28 November 2020, 6:35, available at: https://cutt.us/Ux0AD

[31] للمزيد حول أوضاع المجتمع المدني تحت حكم بوتين، يُراجع:

  • Russia Under Putin: 20 Years of Battling over Civil Society, (Report by the Institute of Modern Russia, 2020).

[32] John Hannah & David Adesnik (.ed), Midterm Assessment: The Trump Administration’s Foreign and National Policies, (Washington, Foundation for Defense of Democracies, January 2019), p28.

[33] Mamuka Komakhia, Review of Russia’s Policy in the Post-Soviet Space, Publication 12, Review period:  July 1-15, 2020, Goreogian Foundation for Strategic and International Studies, Accessed: 28 November 2020, 6:42, available at:  https://cutt.us/bcJGQ

[34] للاستزادة في هذا الموضوع، يُنظر:

  • Judy Dempsey, Europe Divided Over Belarus’s Future, Op. Cit.
  • Mamuka Komakhia, Review of Russia’s Policy in the Post-Soviet Space, Cit.
  • Meghan Gordon, US steps up sanctions pressure on Nord Stream 2 gas pipeline contractors, S&P Global Platts, 20 Oct 2020, available at: https://cutt.us/kdVAi

[35]  Andrew S. Weis, Russia and Europe: Stuck on Autopilot, Op. Cit., p3-4.

[36] Sergey Sukhankin, COVID-19 As a Tool of Information Confrontation: Russia’s Approach, The School of Public Policy Publications, Vol. 13, No.3, April 2020, , p4, Available at:  https://cutt.us/qtsUk

[37]  Ibid, p3-4.

[38] اتهام أمريكي لروسيا والصين وإيران بشأن لقاح كورونا، آر تي بالعربية، 10 أكتوبر 2020، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2020، الساعة 6:06، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/N5iCb

[39] Sergey Sukhankin, COVID-19 As a Tool of Information Confrontation: Russia’s Approach, Op,cit, p3.

[40] للتوسع في هذا الموضوع، يُمكن الرجوع إلى:

  • Cyrus Newlin, Heather A. Conley Natalia Viakhireva, Ivan Timofeev, U.S.-Russia Relations at a Crossroads, (Washington: Center for Strategic and International Studies October 2020), p2, available at: https://cutt.us/rBZRK

[41] 100 days of Belarusian protest, 2020.11.18, Belsat, available at: https://cutt.us/kBcqW

[42] Igor Zevelev, In a Confrontation between Putin and the West, Belarus May Get Caught in the Middle, KENNAN INSTITUTE, 5 august 2020, available at: https://cutt.us/9kdUe

[43] Nigel Gould-Davies, Russia and the Belarusian question, IISS, 1 September 2020, available at: https://cutt.us/JZK0J

[44] فيرونيكا حليم فرنسيس، جيوبولتيكا السياسة الخارجية الروسية: دراسة في أثر الجيوبولتيك في علاقة روسيا بدول الجوار، مجلة كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية، المجلد 4، العدد 8 ، صيف 2019، ص163.

[45] Dmitry Shlapentokh, How Belarus Maneuvers between Russia and the West, 30 April 2020, The Institute of Modern Russia, Available at: https://cutt.us/ro9oF

[46] Belarus: An Overview, Congressional Research Service (CRS), 24 August, 2020, Op.cit,.

[47] NIKOLA MIKOVIC, How Russia benefited from Belarus’s turmoil, The Interpreter,  7 Sep 2020, available at: https://cutt.us/SaUjd

[48] Russian Finance Minister says Belarus will receive almost nothing from EFSD loan, Belsat, 2020.09.22, available at: https://cutt.us/nfzbW

[49] Belarus experiencing external forces’ attack on sovereignty – Putin, Belsat, 11 November 2020, Accessed: 28 November 2020, 7:09, available at: https://cutt.us/mC8fB

[50]  Andrew S. Weis, Russia and Europe: Stuck on Autopilot, Op. Cit,. p.10.

[51] Tanja, A. Borzel, Thomas Risse, EU to Russia: Stay Out of Belarus!, Carnegie Europe, 24 September 2020, Accessed: 28 November 2020, 7:13, available at: https://cutt.us/XIEO7

[52] Markedonov, Sergey M., Suchkov, Maxim A, Russia and the United States in the Caucasus: cooperation and competition,  Caucasus Survey Volume 8, Issue 2: Russian perspectives on the Caucasus ,2020/05/03, p.3-4, available at: https://cutt.us/zcYcz

[53] للمزيد:

  • Ibid, p10.
  • International Security and Estonia , Estonian Foreign Intelligence Service, 2020, p.30, available at: https://cutt.us/CwF35

[54] محمد البقالي، قره باغ.. عناصر أساسية لفهم الصراع التاريخي بين أرمينيا وأذربيجان، الجزيرة.نت، 5 نوفمبر 2020، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2020، الساعة 7:18، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/jPXKO

[55] للمزيد حول الخلفية التاريخية للصراع بين أرمينيا وأذربيجان ودور القوى الخارجية في الأزمة الحالية، يُراجع

  • The Armed Conflict Survey, The International Institute for Strategic Suites (IISS), 2020, p138-145.

[56] The Nagorno-Karabakh Conflict and the Risk of Regional War (Webinar), RUSI, 2 October 2020, available at: https://cutt.us/BDHrY

[57] خوفا من الدور التركي.. فرنسا تريد إشرافا دوليا في قره باغ، الجزيرة. نت، 20 نوفمبر 2020، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2020، الساعة 7:26، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/P4L5b

[58]The Nagorno-Karabakh Conflict and the Risk of Regional War  (webinar), Op,Cit.

[59] تأسست مجموعة “مينسك” عام 1992 خصوصًا لحل نزاع إقليم ناغورني كاراباخ بين أذربيجان وأرمينيا، كمجموعة تابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ولإيجاد حل سلمي للأزمة التي بدأت مع احتلال أرمينيا لإقليم كاراباخ ومحافظات أذرية أخرى. ومنذ 6 من ديسمبر/كانون الأول 1994، تشارك الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا في رئاسة المجموعة.

  • ما هي مجموعة مينسك؟ وكيف عجزت عن حل الصراع في كاراباخ لمدة 28 عاما؟، الجزيرة.نت، 6 أكتوبر 2020، تاريخ الاطلاع: 28 نوفمبر 2020، الساعة 7:31، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/m9E48

[60]  Martin kragh, Russia in 2045: A Scenario Analysis, Op. Cit., p7.

فصلية قضايا ونظرات – العدد العشرون – يناير 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى