العالم الإسلامي

دور مؤسسات التعليم العالي في الحفاظ على الهوية الإسلامية في البلقان

ترجمة: محمد كمال محمد

مقدمة(·):

لم يكن سهلا أن يكون المرء مسلمًا فى وسط أوربا وشرقها خلال القرنين الماضيين. وفيما خلال استثناءات شديدة الضآلة؛ حيث واجه معظم المسلمين فى هذه المنطقة تحديات -إن لم نقل تهديدات- لهويتهم وفى بعض الأحيان لوجودهم المادى. فمع بداية الانسحاب العثمانى من أوروبا فى الفترة من 1820 إلى 1920 كان على المسلمين أن يكافحوا ضد صورة ذهنية ووصمة بأنهم بقايا احتلال بغيض أو خونة أو متعاونين مع هذا الاحتلال.
عانت مجتمعات مسلمي البلقان بشكل خاص من هذه الصورة والوصمة لأنها نشأت مع الوجود العثمانى فى المنطقة، فارتبط مصير هذه المجتمعات بمصائر الدولة العثمانية، ويحدد التاريخ والتراث العثمانى إلى حد كبير الطريق التى ينظر بها إلى المسلمين من قبل جيرانهم غير المسلمين. وفى الأوقات العصيبة التى أعقبت الرحيل العثماني فإن معظم المظاهر المرتبطة بالإسلام صارت أهدافًا للكراهية الشعبية و تصرفات حكومية مدمرة.
وفى السنين التى تلت تلك الحقبة والتى تراوحت بين 50 إلى 70 سنة، لم تقل الشيوعية عن الفترة السابقة فى عدائها للإسلام بدرجات متفاوته، وقد حاولت النظم الشيوعية قمع كل الهويات الدينية بما فيها الإسلامية. وبلغ النظام الألبانى أقصى مدى فى التطرف بأن اعتبر الإلحاد العقيدة الرسمية للدولة، فى حين كان النظام اليوغسلافى أقل النظم عداء ضد الدين. ومع انهيار الشيوعية انتعشت القوميات الإثنية المتطرفة (فى الغالب المسيحية الأرثوذكسية) وتشكلت هذه القوميات فى مواجهة الآخر المسلم سواء كان ذلك فى بلغاريا فى الثمانينيات أو البوسنة وكوسوفا ومقدونيا فى التسعينيات.
ومما جعل الحفاظ على الهوية الإسلامية أمرا صعبا على وجه الخصوص هو أن كثيرا من الدول مابعد الشيوعية فى أوربا الشرقية كانت كيانات تاريخية جديدة. وكقاعدة، فإن الدول الجديدة تميل لإعطاء أولوية كبيرة لبناء الأمة. والقائمون على بناء الأمة بالتعريف يستخدمون تعليم الأدب والتاريخ لترويج سير تاريخية تقوم على غائية تقرير المصير…
وبشكل أكثر تأصيلا، هناك من يرى أن “تواريخ الدول الجديدة فى أوربا الشرقية كتواريخ أحادية وغير متسامحة مع وجهات النظر البديلة كما كان نفس الحال مع سابقاتها الشيوعية، وهى لم تفعل سوى أن استبدلت التوجه القومى بالإيديولوجية الشيوعية. وبهذا المعنى فإن إنشاء ديمقراطية رسمية فى البلاد مابعد الشيوعية لم يمنع أو يقلل من استخدام التعليم فى أغراض بناء الهوية”[1].

التعليم الإسلامى العالى فى البلقان:

يبلغ عدد المسلمين في جنوب شرق أوروبا، باستثناء الجزء الأوروبي من تركيا، حوالي 9 مليون نسمة، معظمهم من السكان الأصليين لهذه المنطقة فيما عدا أقليات مسلمة مهاجرة صغيرة العدد في اليونان ورومانيا. وقد نشأت المجتمعات المسلمة في البلقان مع الوجود العثماني في هذه المنطقة، وارتبط مصيرها لقرون بأحوال الدولة العثمانية، وحتى في أيامنا هذه فإن التاريخ والتراث العثماني يحددان إلى حد كبير الطريقة التي ينظر بها السكان غير المسلمين إلى مسلمي البلقان. وظلت هذه المجتمعات المسلمة جزءًا من “السلام العثماني” وعاشوا ونموا تحت مظلتها حتى عام 1832م (اليونان)، 1878 (البوسنة، جزء من صربيا، الجبل الأسود، بلغاريا، رومانيا) و1913 (السنجق، كوسوفا، ألبانيا، مقدونيا).
كان مسلمو البلقان جزءًا أساسيًا من الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل الدولة العثمانية، ومن ثم فقد مثل انهيار النظام العثماني صدمة ثقافية كبيرة لهم. ومنذ هذا الانهيار فصاعدًا كان على مسلمي البلقان التعامل بمفردهم مع القوميات الأرثوذكسية شديدة العداء لهم في جنوب شرق أوروبا، وبعد ذلك بفترة صغيرة كان عليهم التعامل مع الأنظمة الشيوعية التي ناصبتهم العداء أيضًا، وفي العقود المضطربة التي تلت ذلك أصبحت معظم الملامح المرتبطة بالإسلام أهدافًا للحقد الشعبي وإجراءات مدمرة من قبل الدول في هذه المنطقة.
وبعد انهيار النظام العثماني، تقطعت سريعًا العلاقات بين اسطنبول والبلقان وتهشمت شبكة المؤسسات التعليمية الإسلامية الرسمية، وفي بعض الأحيان دُمرت بالكامل. حيث شهدت كل المجتمعات الإسلامية في البلقان انهيارًا لنظم التعليم الإسلامي بعد الحرب العالمية الثانية؛ ففي يوغسلافيا السابقة، حيث كان هناك أكبر عدد من المسلمين في البلقان وأقل الديكتاتوريات سلطوية، لم يُسمح إلا باستمرار مدرسة واحدة في عملها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بينما كان هناك في البوسنة والهرسك وحدها 23 مدرسة قبل الحرب. كما أُغلق المعهد الديني الشرعي العالي عام 1946 وكان مؤسسة التعليم العالي الإسلامي الوحيدة في ذلك الوقت، وبعد تقارب النظام اليوغسلافي مع العالم الإسلامي، سُمح للتعليم العالي الإسلامي باستئناف عمله عام 1977 في سراييفو. وبعد انهيار الكتلة السوفيتية، وتفكك يوغسلافيا أُنشئت معاهد إسلامية أخرى في بريشتينا وصوفيا، وسكوبي…إلخ. واليوم تخدم سبع كليات حاجة المسلمين للتعليم العالي الإسلامي ويبلغ عدد طلاب هذه الكليات 2200 طالبًا، كما تخرّج منها حتى الآن 2200 طالب. ونتناول هذه المؤسسات فيما يلي.

جدول رقم (1) المؤسسات الرئيسية للتعليم العالي الإسلامي في البلقان 2008/2010

البوسنة والهرسك

يدير مسلمو البوسنة شئونهم الدينية من خلال منظمة غير حكومية مستقلة تنتشر في جميع أنحاء البوسنة تسمى المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك، والتي تأسست عام 1882م ويرأسها الآن رئيس العلماء أو المفتي الأكبر الدكتور مصطفى تسيريتش[2].
تدير المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك ست مدارس إسلامية ثانوية (يحضرها الطلبة بعد 9 سنوات من الابتدائية): مدرسة الغازي خسرو بيك (تأسست 1537م) في سراييفو، ومدرسة إبراهيم بك (تأسست عام 1662م وأعيد إنشائها 1993م) في ترافنيك، ومدرسة عثمان أفندى ريجوفيتش (تأسست 1992) في فيسوكو وجمال الدين أفندى تشاؤوتشفيتش (تأسست عام 1993) في تسازين، ومدرسة كارادوز بك (تأسست عام 1995) في موستار. وقد تغيرت المناهج بشكل كبير في هذه المدارس خلال العقد الماضي، لتتحول من مؤسسات تدريب إمام المسجد ومدرس التربية الدينية إلى مدارس ثانوية عادية، بالإضافة إلى منهج ديني إضافي.
ويتخرج حوالي 400 طالب (في السنوات الأخيرة يتساوى عدد الطلاب والطالبات من هؤلاء الخريجين) كل عام من هذه المدارس الست ومعظهم يستمر في الدراسة ويلتحق بالجامعات العامة في مجالات غير الدراسات الإسلامية. وخريجو هذه المدارس خاصة مدرسة الغازي خسرو بك عملوا بعد تخرجهم كسياسيين ودبلوماسيين، ورجال أعمال وأكاديميين ومفكرين وكتاب…إلخ، وربما يكون حارث سلايجتتش، عضو مجلس رئاسة الدولة البوسنية السابق ووزير الخارجية السابق، أشهر خريجي مدرسة سراييفو.
وبالإضافة إلى ما سبق، تدير المشيخه الإسلامية في البوسنة ثلاث مؤسسات للتعليم العالي: كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو (تأسست عام 1977)[3]، وكلية التربية الإسلامية في زينيتسا (تأسست عام 1993)، وكلية التربية الإسلامية في بيهاتش (تأسست عام 1996). وبعد السماح بتدريس الدين لمختلف الطوائف في مدارس الدولة بالبوسنة، وفرت جامعة جمال بيديتش في موستار، ولمدة عدة سنين، برنامجا لتدريب مدرس التربية الدينية الإسلامية (1997-2002).
وتعتبر كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو أقدم مؤسسات التعليم العالي الإسلامي وأرفعها مكانة في جنوب شرق أوروبا، وقد أسستها عام 1977 المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك. لكن كغيرها من مؤسسات التعليم العالي الإسلامي في البلقان تقوم الكلية على أساس تراث طويل من التعليم الإسلامي في البوسنة والهرسك، الذي بدأ مع بناء المساجد الأولى في المنطقة، والتكايا والمدارس الابتدائية (Muallimhana) في النصف الأول من القرن الخامس عشر. استمر هذا التراث مع بناء المدارس ودور القرآن ودور الحديث في القرن السادس عشر.
كما أن كلية الدراسات الإسلامية وريثة لمدرسة القضاء التي تأسست عام 1887 لتخريج القضاة الشرعيين، وقد أسسهتا حكومة الإمبراطورية النمساوية المجرية لإعداد القضاة المسلمين وسُميت الكلية فيما بعد “المدرسة العليا لأصول الدين والشريعة” ثم أغلقت عام 1946 بعد إلغاء نظام القضاء الشرعي في يوغسلافيا الاشتراكية[4]. ومبنى هذه المدرسة ذات الأسلوب الموروث الجديد (نمط معماري) هو المقر الحالي لكلية الدراسات الإسلامية في سراييفو.
وفي سبتمبر 2004 انضمت الكلية إلى جامعة سراييفو، وهو ما يعني أن الكلية لها استقلال في تطوير برامجها لكن يجب عليها اتباع قواعد الجامعة فيما يتعلق بتوكيد الجودة ونظم ترقية الأساتذة وما شابه ذلك من مسائل. وللكلية مصدر تمويل ثابت من بيت المال، وهو يعتبر ميزانية خاصة للمشيخة الإسلامية ويأتي من الزكاة وزكاة الفطر منذ السبعينيات.
تقدم كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو برامج لطلاب المرحلة الجامعية الأولى وطلاب مرحلة الدراسات العليا وتقوم بالبحث الأكاديمي في مجال الدراسات الإسلامية وما يرتبط بها من تخصصات (مثل اللغة العربية والأدب العربي). في المرحلة الجامعية الأولى هناك ثلاث برامج: أصول الدين، والتربية الدينية، وإعداد الإمام والخطيب والمعلم؛ حيث مدة أول برنامجين ثمانية فصول دراسية، ومدة البرنامج الثالث ستة فصول دراسية.
يمد التخصص الرئيسي في أصول الدين طلابه بتعليم مؤهل في الدراسات الإسلامية، ويعرفهم بالبحث العلمي في هذا المجال، ويُمنح الخريجون شهادة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية.
وهذا البرنامج مصمم ليقدم للطلاب –بالإضافة إلى التخصصات الإسلامية التقليدية- معرفة جيدة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية ذات الصلة، ويعد البرنامج الطلاب للقيام بالواجبات الدينية والتربوية في المشيخة الإسلامية والقيام بمختلف الأنشطة الثقافية والاجتماعية والتربوية التي تقتضي التخصص في العلوم الإنسانية. ويستكمل العديد من الخريجين تعليمهم في الخارج (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، ألمانيا، استراليا، كرواتيا) وبعضهم يصبح وزراء وأعضاء فى البرلمان.
أما التربية الدينية كتخصص رئيسي، وقد بدأ عام 1992، فيقدم للطلاب تعليمًا في مجال التربية الدينية، ويعرفهم بالبحث العلمي في هذا المجال؛ حيث يُمنح الخريجون درجة البكالوريوس في التربية الدينية. ويقدم البرنامج تركيبة من المواد الدينية والتربوية واللغوية والعامة. ويعد هذا البرنامج الطلاب للعمل في مجال التربية الدينية والثقافة الدينية في المشيخة الإسلامية، ومدارس الدولة ومؤسسات ما قبل المدرسة وفي الإعلام.
وقد خصص برنامج إعداد الإمام والخطيب والمعلم الذي أنشئ عام 2006 لتلبية احتياجات المجتمع المسلم للأئمة والوعاظ والمعلمين المؤهلين. ومنذ عام 2006 قررت المشيخة الإسلامية أنه منذ ذلك الوقت فصاعدًا، يجب أن يكون الأئمة من خريجي الجامعة، وقبل ذلك كان من الممكن لخريجي المدارس العمل كأئمة.
وبالإضافة إلى برامج المرحلة الجامعية الأولى، تقدم الكلية برامج للدراسات العليا منذ عام 1994 على مستوى الماجستير والدكتوراة. تضم الكلية حوالي 300 طالب بدوام كامل، 500 طالب بداوم جزئي. وتخرج في الكلية حتى الآن حوالي 654 طالبًا وطالبة، كما منحت الكلية 32 درجة ماجستير، و17 درجة دكتوراه. ويعمل بالكلية حاليًا 40 عضو هيئة تدريس (19 دكتور، و8 من حاملي درجة الماجستير) كلهم يحملون الجنسية البوسنية ماعدا أستاذ للغة العربية.
والآن، ومنذ سنوات عديدة، يوجد بالكلية هيئة تدريس مؤهلة كافية لتلبي معايير الجامعة في هذا المجال وقد تلقوا تعليمهم في مختلف أرجاء العالم، من كولالمبور والرياض والقاهرة من الشرق، وفي زغرب ومدريد وشيكاغو في الغرب، وتعتبر الكلية من بعض النواحي بوتقة إنصهار. ولغة التدريس هي البوسنية، إلا أن أطروحات الماجستير والدكتوراه يمكن أن تُكتب بالعربية أو الإنجليزية. وليس للكلية، مدينة جامعية خاصة بها، لكن بناء هذه المدينة بدأ وسيستغرق ذلك بعض سنوات حتى يكتمل.
وتمنح الكلية دبلومة في الدراسات الإسلامية، وهو برنامج مدته ثلاثة أشهر ولا يعد درجة علمية، باللغة البوسنية والإنجليزية للرجال والنساء العاديين الذين يريدون أن يعرفوا أكثر عن الإسلام عامة، وعن الإسلام والثقافة الإسلامية في البوسنة والهرسك على وجه الخصوص. وهو مصمم ليقدم معرفة أولية بالإسلام عقيدةً وشريعةً وتاريخًا وثقافةً، مع تركيز خاص على الإسلام في البلقان والبوسنة والهرسك. ويعد هذا البرنامج جزء من استجابة الكلية لاحتياجات المجتمع وتحديات الوقت الراهن، وقد نتج عن هذه الاحتياجات والتحديات عدد من التغيرات والتعديلات في برنامج الدراسة وتوسيع البرنامج الأكاديمي، ففي العام الدارسي 2002/ 2003 جرى تنفيذ إصلاح شامل لبرنامج المرحلة الأولى الجامعية حتى يقترب من متطلبات عملية بولونيا(*).

كما أسست المشيخة الإسلامية كليات التربية الإسلامية في زينيشا عام 1993 وبيهاتش في عام 1996 كمؤسسات أكاديمية للتربية الإسلامية، بها برامج تستمر لمدة عامين لتلبية الحاجة إلى معلمي التربية الدينية الإسلامية في المدارس العامة، بعد السماح بالتربية الدينية لمختلف الطوائف في تلك المدارس في عام 1991. وفي عام 2004 أصبحت الكليتين كليات جامعية.
تقدم الكلية الموجودة في مدينة زينيشا في وسط البوسنة[5] الآن ثلاث برامج لطلاب المرحلة الجامعية الأولى للحصول على درجة البكالوريوس في التربية الإسلامية والتربية الاجتماعية (منذ عام 2005) وإعداد مدرسي ما قبل المدرسة (منذ 2008). مدة برنامج التربية الاجتماعية ثمانية فصول دراسية، بينما تبلغ مدة البرنامجين الآخرين ستة فصول دراسية. ومنذ عام 2009 تقدم الكلية برنامج ماجستير في إدارة الجودة في التربية الدينية وقد أثبتت هذه الكلية في مجالات عديدة أنها الأكثر إبداعًا من بين كل الكليات الإسلامية في البلقان، وقد تمكنت من تجاوز الدوائر الدينية المغلقة لتقدم تدريبًا لمهن أكثر عمومية مثل المربي (الأخصائي) الاجتماعي ومعلم ما قبل المدرسة (رياض الأطفال).
وتختلف مناهج البرامج الثلاثة عن بعضها بشكل كبير؛ حيث توجد 4 مجموعات من المواد في برنامج التربية الإسلامية: مواد دينية (تلاوة القرآن، التفسير، الحديث، الفقه، العقيدة، الدعوة)، ومواد تربوية ولغوية وعامة. وقد خرجت الكلية حتى الآن سبعمائة خريج معظمهم في برنامج التربية الإسلامية (630 طالبًا)، وتضم الكلية الآن 640 طالبًا تبلغ نسبة الطالبات حوالي 60% منهم، معظمهم الآن في برنامج التربية الاجتماعية. ويقوم بالتدريس لهؤلاء الطلاب تسعة من حاملي الدكتوراة يعملون بدوام كامل، و(14) يعملون بدوام جزئي في الكلية. وفي عام 2004 انضمت الكلية إلى جامعة زيتشيا، والتمويل الأساسي للكلية يأتي من السلطات المحلية (70%) والتبرعات والمصاريف التي يدفعها الطلاب.
أما الكلية التي توجد في مدينة بيهاتش التي تقع غرب البوسنة[6] فقد أسستها المشيخة الإسلامية في عام 1995/ 1996، وتعد أصغر الكليات الإسلامية الموجودة في البوسنة فيما يخص عدد الطلاب، ولكنها تتمتع بأفضل الإمكانيات والمدن الجامعية في الكليات الإسلامية في البلقان. أسست المملكة العربية والسعودية مبنى الكلية واُفتتح عام 2002.
وقد بدأت أيضًا كمؤسسة أكاديمية بها برامج تمتد لسنين، ثم تحولت بعد ذلك إلى كلية جامعية مدة الدراسة بها ثلاث سنوات، وبها برامج مشابهة جدًا لكلية زينيتسا. وتتبع الكلية الجامعة الإقليمية منذ عام 1997[7]. خرجّت الكلية حتى الآن 329 خريجًا، 40% منهم خريجات. ويبلغ عدد طلاب الكلية الآن 213 طالبًا (30% منهم طالبات)، ويعمل بها أربعة من حاملي الدكتوراة بالإضافة إلى أحد حاملي درجة الماجستير. ويتم تمويل الكلية عن طريق الحكومة المحلية، لكن يصعب أن تستمر الكلية وهي تقدم برنامج واحد فقط.
من بين هذه المؤسسات الثلاث للتعليم الإسلامي، فإن كلية سراييفو هي الأطول تراثًا والأرفع مكانةً. ويرى رئيس العلماء الدكتور مصطفى تسيرتش أن هذه الكلية، جنبًا إلى جنب مع مكتبة الغازي خسروبك (تأسست عام 1537)، يمكن أن تمثل نواة لجامعة إسلامية دولية في المستقبل[8]. بالإضافة إلى أنه في الوقت الحاضر تتعدى أهمية هاتين المؤسستين حدود البوسنة لأنهما تجذبان الطلاب من البلاد المجاورة بخاصة الجمهوريات التي تفككت إليها يوغسلافيا السابقة.

كوسوفا

يوجد في جمهورية كوسوفا مدرسة إسلامية ثانوية واحدة، وهي مدرسة علاء الدين في بريشتينا ولها فرعان في بريزرن وجنيلان، ويلتحق بها الآن طلاب وطالبات. أُنشئت المدرسة عام 1952 وتخرج منها حتى الآن 1300 طالب ويجمع منهجها بين مواد دينية ومواد غير دينية.
أنشئت أول كلية للدراسات الإسلامية في كوسوفا[9] في عام 1992 بعد تفكك يوغلاسافيا وانقطاع علاقات كوسوفا مع مركز التعليم الإسلامي في سراييفو. وكأول مؤسسة تعليم عالي إسلامي باللغة الألبانية فقد اجتذبت أيضًا طلاب يتحدثون الألبانية في الجبل الأسود، وألبانيا، ومقدونيا وجنوب صربيا (وادي بريشيفا).
المعلمون في هذه المدرسة من أصل ألباني أكملوا دراساتهم في كوسوفا أو خارجها. وفي الوقت الحاضر تقدم الكلية برنامجًا لطلاب المرحلة الجامعية الأولى لمدة أربعة سنوات به حوالي 100 طالب، 30% منهم طالبات. وقد قبلت الكلية في عام 2008/2009 أربعة عشر طالبًا منتظمًا و17 طالبًا بداوم جزئي، وقد تخرج من الكلية 166 طالبًا وطالبة بحلول منتصف عام 2009.
وفيما يتعلق بالمنهج، فإن هذه الكلية من بين الكليات الإسلامية في البلقان تعد الأقل انفتاحًا على المقررات غير الدينية. وفيما عدا مقرر في اللغة ومقررين في الفلسفة الإسلامية، تقدم الكلية مقررات في التخصصات الإسلامية التقليدية: تلاوة القرآن، والتفسير، والحديث، والعقيدة والفقه الإسلامي، والسيرة، والدعوة…إلخ، ولا يوجد مقررات في علم النفس وعلم الاجتماع أو التربية. ويعمل بالكلية سبعة من حاملي الدكتوراة وخمسة من حاملي الماجستير.
تمول المشيخة الإسلامية الكلية ويدفع الطلاب مصاريف رمزية. وتحتل الكلية في الوقت الحاضر مبنى قديم في أمس الحاجة إلى إعادة البناء وليس للكلية مدينة جامعية لسكنى الطلاب، ولكن هناك خطط تأخرت طويلاً من أجل إقامة مبنى جديد، وأخيرًا تقدم العمل فيها. وقد خصص صندوق زايد الخيري من الإمارات العربية المتحدة تمويلا لإعادة البناء.
وتخضع كل من مدرسة علاء الدين وكلية الدراسات الإسلامية للإشراف القانوني للمشيخة الإسلامية في كوسوفا، وعلى الرغم من أن الوضع القانوني للجماعات الدينية لم يتم حسمه، فإن شهادات الخريجين تقبلها وتنظمها وزارة التعليم في كوسوفا منذ عام 2008، وتعاني الكلية في الوقت الراهن من مشاكل تتعلق بعملية الاعتماد. ومن المعتاد أن يعمل خريجوا الكلية كأئمة ومعلمين للتربية الإسلامية داخل المشيخة؛ حيث لا يُسمح بالتعليم الديني للطوائف في المدارس العامة[10].

مقدونيا

توجد في مدينة سكوبي مدرسة عيسى بك، وهي مدرسة ثانوية دينية تأسست عام 1984 وتديرها المشيخة الإسلامية في مقدونيا. وللمدرسة فروع في المدن المسلمة الكبيرة في مختلف أنحاء مقدونيا مثل تيتوفو وجوستفار للفتيات، وشتيب للطلاب. وتقبل المدرسة في سكوبي طلابًا وطالبات. وتدرِّس الإسلام كمنهج أساسي وهذا المنهج ليس محل رعاية أي هيئة من هيئات الدولة، ومن ثم فإن تمويله يأتي من المشيخة الإسلامية في مقدونيا، إلا أنه في عام 2009 قررت وزارة التعليم والعلوم أن يتم تمويل مدرسة عيسى بك من ميزانية الدولة بدءًا من عام 2010، وستعمل تحت إشرافها، وستضم التغيرات أيضًا تغيرات في المناهج، ويشمل ذلك تقديم عدد كبير من المقررات غير الدينية.
وتعد كلية الدراسات الإسلامية في سكوبي التي أنشأتها المشيخة الإسلامية في مقدونيا عام 1997 المؤسسة التعليمية الإسلامية العالية الرئيسية في مقدونيا[11]، وتقع الكلية على أطراف سكوبي في مبنى مدرسة عيسى بك. وفي عام 2008 أصدر البرلمان قانونًا لمؤسسات التعليم العالي للتجمعات الدينية، مما أتاح لكلية الدراسات الإسلامية أن تتحول من مؤسسة خاصة إلى مؤسسة تعليمية خاصة غير هادفة للربح، وهو ما يتيح للمدرسة أن يتم تمويلها عن طريق الدولة، بالإضافة إلى تبرعات من مصادر أخرى، وبشكل أساسي من المشيخة الإسلامية في مقدونيا.
وبالإضافة إلى هذه الكلية، فإن العاملين في مجال الدين الإسلامي في مقدونيا يتم تدربيهم في الخارج في كليات الدراسات الإسلامية وبشكل رئيسي في تركيا ومصر والأردن وسوريا والبوسنة.
وكما هو الحال في بريشتينا، فإن المنهج الحالي يركز بشدة على التخصصات الإسلامية التقليدية كتلاوة القرآن، والتفسير والحديث والعقيدة، والفقه الإسلامي.
ويحتوي المنهج على مقررات لغوية كثيرة لتعكس الطبيعة التعددية للبلاد. حيث يتم تدريس اللغة العربية في الفصول الدراسية الثمانية، وتُدرس التركية في ستة فصول دراسية، والإنجليزية في أربعة فصول دراسية، بينما تُدرس كل من الألبانية والمقدونية في فصلين دراسيين. إلا أن لغة التدريس هي اللغة الألبانية، ولكن الطلاب يمكن أن يستخدموا المقدونية في الامتحانات. مرة أخرى، كما هو الحال في برتشتينا، لا توجد مقررات للعلوم الاجتماعية، وهناك خطط للبدء في برنامج للتربية الدينية.
وحتى منتصف عام 2008 تخرج حوالي 90 طالبًا، ويوجد الآن بالكلية 80 طالب، 80% منهم طالبات. ويعمل في الكلية في الوقت الحاضر خمسة من حاملي درجة الدكتوراة والعديد من حاملي درجة الماجستير. وقد أعاقت بشدة الخلافات المستمرة داخل المشيخة الإسلامية في مقدونيا تطوير الكلية.

صربيا

تدير المشيخة الإسلامية في صربيا مدرسة الغازي عيسى بك وكلية الدراسات الإسلامية، وكليهما يوجد في نوفي بازار والمدرسة مدرسة إسلامية ثانوية[12]، أنشئ قسم الطلاب عام 1990، أما قسم الطالبات فقد أنشئ 1996. وقد تم افتتاح قسم آخر للطالبات في روشاى (في الجبل الأسود) عام 2001.
وقد تأسست كلية الدراسات الإسلامية[13] عام 2001 كمؤسسة أكاديمية للتربية الإسلامية يستمر برنامجها لمدة سنتين، ثم تحولت إلى كلية مدة الدراسة بها 4 سنوات. واليوم تقدم الكلية بشكل أساسي تدريب لأئمة المستقبل ومعلمي التربية الإسلامية في المدارس العامة.
وتقدم الكلية برامج لطلاب المرحلة الجامعية الأولى ومرحلة الماجستير والدكتوراة في ستة مجالات: القرآن والسنة، والشريعة، والدعوة والإعلام، والعقيدة ومقارنة الأديان، والتربية الدينية، والاستشراق. ولغة التدريس هي اللغة البوسنية. وكثير من هيئة التدريس محاضرون زائرون من البوسنة ومقدونيا.
وتضم الكلية في الوقت الحالي ما يقارب 230 طالبًا في المرحلة الجامعية الأولى. وقد حصل 35 طالبًا على درجة البكالوريوس من الكلية حتى الآن. وبسبب مرونة برامج الدراسة يأتي بعض الطلاب من خارج صربيا وبشكل أساس من البوسنة. ويشبه المنهج بدرجة كبيرة جدًا منهج كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو. ومصدر تمويل الكلية الأساسي هو مصاريف الطلاب بالإضافة إلى مساهمة من المشيخة الإسلامية في صربيا.
وبالإضافة إلى هاتين المؤسستين، تدير المشيخة الإسلامية في صربيا جامعة نوفي بازار الدولية[14] المسجلة رسميًا كوقف. وهي جامعة علمانية بها العديد من الكليات والفروع في عدد من المدن الصربية ويدرس بها طلاب مسلمون وغير مسلمين[15]. وكلية الدراسات الإسلامية بصربيا هي إحدى كليات جامعة نوفى بازار.

بلغاريا:

يتكون نظام التعليم الإسلامي فى بلغاريا من ثلاث مدارس ثانوية، المقررات القرآنية، والمعهد الإسلامي العالي في صوفيا. تقع المدارس الثانوية الثلاث في مدن بشومين، وروسة، ومومشيلغراد. ويمكن لخريجي هذه المدارس العمل كأئمة أو مواصلة تعليمهم في أي مجال دراسي[16]. وتدعم منظمات أجنبية مختلفة العديد من مدارس القرآن، لكن تحت إشراف المفتي الأكبر ويأتي المعهد الإسلامي العالي في صوفيا على قمة هذا النظام التعليمي.
أُسس المعهد الإسلامي في 1991 كمؤسسة تعليم فوق المتوسط، وتحول إلى معهد عالي 1998[17]. يضم النظام الأساسي للمعهد دراسات لطلاب المرحلة الجامعية الأولى والدراسات العليا لكنه لا يقدم في الوقت الحالي سوى برنامج المرحلة الجامعية الأولى. والمهمة الأساسية للمعهد هي إعداد القادة الروحيين للمجتمع المحلي المسلم، أي المفتين والأئمة والوعاظ ومدرسي التربية الدينية. يحصل الخريجون على بكالوريوس في أصول الدين الإسلامي. وهناك إمكانية للخريجين للتقدم إلى امتحانات إضافية قليلة ليحصلوا على لقب “متخصص في تاريخ وثقافة الشعوب الشرقية” من الجامعة البلغارية الجديدة في صوفيا[18].
ويوجد في المتوسط مائة طالب في أي فترة زمنية، معظمهم منتظمون ويمكن للأئمة ومسئولي دار الإفتاء ومدرسي التربية الدينية حضور الدراسة في المعهد كطلاب بدوام جزئي بشرط ألا يتخطوا سن الخامسة والثلاثين. ومنذ عام 1993 يقبل المعهد الطالبات أيضًا ويمثلن الآن أكثر من 30% من مجموع الطلاب. يعود معظم الطلاب إلى خلفية تركية، ويمثل البوماك (مسلمو بلغاريا) 30% وطلاب روما (الغجر) 10%، وبعد التخرج يمكنهم تدريس الإسلام في مدارس الدولة. وخلال الفترة 1991- 1998 خرَّج المعهد الإسلامي فوق المتوسط 123 خريجًا بينما تخرج 162 طالبًا من المعهد الإسلامي بعد تحوله إلى معهد عالٍ.
يشبه منهج المعهد الإسلامي بشكل كبير منهج كليات الإلهيات في تركيا، ويقوم بتدريس المواد الدينية أساتذة أتراك معتمدون من هيئة الشئون الدينية التركية. وفي الوقت الحالي يوجد 22 محاضرًا: 12 منهم يحملون درجة الدكتوراة واثنان حاصلان على درجة الماجستير. ويتم التدريس باللغتين التركية والبلغارية، و يتكون المنهج من مقررات إجبارية واختيارية.
والتعليم بالنسبة للطلاب كاملي الانتظام مجاني، بالإضافة إلى الإعاشة والطعام، وفي بعض الحالات يحصل الطلاب على منح. وقد تلقى المعهد عونًا في الفترة من 1991 إلى 1998 من منظمة تركية غير حكومية، ومنذ نهاية التسعينيات يعمل المعهد تحت إشراف لجنة تتكون من ممثلي مشيخة المسلمين فى بلغاريا وتركيا، وقد تأسست هذه اللجنة من خلال بروتكول وقعته الدولتان[19]، ويطمح المعهد الآن إلى الاعتماد من قِبل الدولة. ويتم تمويل المعهد من خلال دار الإفتاء الرئيسية، ويأتي معظم التمويل في الواقع من تركيا فالدولة لا تمول المعهد. وللمعهد مبناه الخاص لكن ليس لديه سكن خاص للطلاب، ولكنه يوفر لهم شقق مستأجرة يدفع تكاليفها المعهد.

ألبانيا، وكرواتيا، واليونان، والجبل الأسود، ورومانيا، وسلوفينيا:

لا توجد في هذه البلاد أي مؤسسة للتعليم الإسلامي العالي، وإن كانت هناك عدة مدارس في ألبانيا تديرها المشيخة الإسلامية في ألبانيا ومنظمات مسلمة خارجية. حيث تدير المشيخة الإسلامية سبع مدارس ثانوية، ومدرستين ابتدائيتين، وخمس مقررات أخرى. لكن لا يوجد معهد عالي إسلامي في ألبانيا. وهو ما يعني أن المسلمين الألبان يعتمدون على مؤسسات خارجية لتدريب أئمتهم ومدرسي التربية الدينية.
وقد أثيرت مسألة بناء جامعة إسلامية في ألبانيا منذ عام 2005[20]؛ حيث أن كل من الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية لديهما مؤسسات التعليم العالي الخاصة بهما. وكانت استجابة الحكومة إيجابية من ناحية المبدأ، لكن الجامعة لم تنشأ حتى الآن، ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب السياسية ونقص الموارد البشرية المحلية. وحينما عرضت أطراف خارجية راغبة في دعم المشروع مساعدتها رفضت الحكومة. وبسبب حرص النخبة الألبانية العلمانية ذات القوة الكبيرة على السيطرة المجتمع المسلم، فإن بعض المراقبين يتشككون في إمكانية السماح بإنشاء كلية جامعية إسلامية مستقلة في الوقت القريب. ويرى آخرون أن الدولة الألبانية قد تسمح بإنشاء مثل هذه الجامعة فقط من أجل منع الطلاب من دراسة الإسلام بالخارج.

وفي كرواتيا، تدير المشيخة الإسلامية مدرسة “د.أحمد اسماعيلوفيتش” وهي مدرسة دينية إسلامية ثانوية منذ عام 1992، ولكنها تحولت في عام 2006 إلى مدرسة إسلامية ثانوية عامة بسبب قلة عدد المتقدمين إليها. ويتوافق برنامج المدرسة مع برنامج مدارس الدولة الثانوية ويضم مواد إسلامية، لكن الخريج لا يحصل على لقب إمام[21]. ومنذ سنوات طويلة كانت هناك خطط لإنشاء كلية إسلامية في زغرب، ولكن لم ينجز الكثير في هذا الموضوع، وجدوى المشروع محل شك. أما الأئمة فيرسلون للخارج ليتم إعدادهم غالبًا في البوسنة والهرسك.

وفي اليونان ينظم القانون 1991/ 1920 مدرسة إعداد الأئمة لكنها لم تنشئ إلى الآن. ومعظم أئمة البلاد خريجو مدرسة تراكيا أو مدارس “إمام خطيب” في تركيا. وتعتبر الأقلية المسلمة التركية مدرستي شاهن وكوموتيني مدارس غير ملائمة للوقت الحالي، ويدرس بهاتين المدرستين البوماك (مسلمو بلغاريا) في الغالب.
ويعد بعض الأئمة أنفسهم ذاتيًا، إلا أن خريجي المدرسة لا يمكن أن يصبحوا أئمة في الوقت الحالي بدون الدراسة في الجامعة وغالبًا ما تكون في تركيا[22]. ويواصل الخريجون دراستهم بكلية التربية بتسلونيكي ليصبحوا معلمين في المدارس الابتدائية.

في 8 أكتوبر 2008 أقام مسلمو الجبل الأسود أول مدرسة إسلامية ثانوية معاصرة؛ حيث أغلقت سلطات الجبل الأسود آخر مدرسة من هذا النوع عام 1918. ويشبه منهج هذه المدرسة مناهج مدارس الدولة بالإضافة إلى مواد دينية إضافية.
وفي الوقت الراهن تعتبر المدرسة أهم مشروعات المشيخة الإسلامية في الجبل الأسود؛ حيث تعترف الحكومة بالمدرسة لكنها ما زالت في إطار عملية الاندماج الكامل في النظام التعليمي للدولة. وفي الوقت الحاضر، ليس لديها إلا الطلاب الذكور، لكن المشيخة الإسلامية تعمل بجد من أجل إيجاد فرص لإلحاق التلميذات بالمدرسة.

رومانيا أيضًا، ليس لديها مؤسسة تعليم إسلامي عالي؛ فآخر مدرسة ثانوية في رومانيا أغلقها الشيوعيون عام 1967، وأعيد فتحها عام 1996 في ميدجيديا Medigidia. واليوم يحصل كل خريجي أصول الدين الإسلامي على شهاداتهم من الخارج، وككل الدول الشيوعية السابقة فإن شهادات هؤلاء الخريجين تخضع لعملية الاعتراف بها من خلال وزارة التعليم الرومانية بعد اعتمادها من المفتي. وتثور المشكلات عندما يرفض المفتي اعتماد الشهادات التي حصل عليها الخريجون من العالم العربي[23]، لأنه يُفترض مسبقًا أن حاملي هذه الشهادات تأثروا بالتفسير المتطرف للإسلام في العالم العربي. ومن اللافت للنظر أن تركيا أيضًا لا تعترف بمعظم شهادات الدراسات الإسلامية التي الحصول عليها من الخارج.

وفي سلوفينيا لا توجد مؤسسات تعليم عالي أو مدارس ثانوية إسلامية. وإن كان بعض الشباب السلوفيين يلتحقون بمدارس زغرب أو البوسنة ويتم إعداد معظم الأئمة السلوفيين في مؤسسات بالبوسنة والهرسك[24].

ملاحظات عامة:

يبلغ العدد الكلي للطلاب في الكليات الإسلامية في البلقان حوالي 2000 طالبًا، معظمهم ذكور نسبة كبيرة منهم بدوام جزئي، والعدد الكلي للخريجين يبلغ حوالي 2200 طالبًا وتحتل كليتا سراييفو وزينشيا المرتبة الأولى والثانية وأكثر لغات التدريس شيوعًا هي البوسنية والألبانية مع استخدام التركية في معهد صوفيا.
ومن الناحية العملية فإن كل هذه الكليات في المراحل الأولى من التطوير، وهي محلية التوجه، مهمتها عادة تلبية احتياجات المجتمع المحلي للكادر الديني. ولم يتجاوز أي منها الحدود الإقليمية أو اللغوية، كما لم تحاول أي منها جذب طلاب من خارج الإقليم. وفي الواقع لا تلبي هذه الكليات حتى الاحتياجات المحلية للتعليم الإسلامي العالي، وما زال عدد كبير من الطلاب المسلمين من الإقليم يدرسون في بلاد مسلمة أخرى.
يجلب هؤلاء الطلاب معهم أفكارًا ومهارات ودراسات جديدة ويؤسسون وصلات جديدة في أماكن دراستهم، وتثور مشاكل من آن لآخر بسبب التفسيرات غير المقبولة محليًا، لكن في غالب الأوقات نجحت الإدارة الإسلامية المحلية في إحداث تحول في هؤلاء الطلاب الذين تلقوا تعليمهم خارج الإقليم لملائمة التقاليد الدينية المحلية. لكن من المؤسف أن العديد من المبادرات سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، لم تنجح في حث اهتمام هذه المؤسسات لتطوير برنامج دولي حقيقي للدراسات الإسلامية بالإنجليزية والعربية، مع أن كلية سراييفو على الأقل لديها إمكانية فعل ذلك ويبقى الانتظار لرؤية ما إذ كانت الجامعة الإسلامية في سراييفو ستبدأ في العمل.
وتمثل العوائق اللغوية والسياسية أكبر مانع في وجه التعاون الإقليمي الكثيف، فمسلمو البلقان لا يتحدثون لغات “مسلمة” أخرى غير لغتهم، فيما عدا مسلمي مقدونيا وإلى حد ما مسلمي كوسوفا. يضاف إلى ذلك أن هناك مشكلات سياسية وأمنية عديدة، مثل عدم اعتراف السلطات البوسنية بوثائق السفر الكوسوفية؛ مما أعاق بشدة التعاون الإسلامي الإقليمي.
كما أن الحساسية السياسية بشأن هذا التعاون تلعب دورًا أيضًا؛ فالمجتمعات المسلمة في هذه المنطقة لديها درجة كبيرة من رقابة الذات وتحاول عدم الظهور بشكل واضح، بل إنها تتجنب التعاون الكثيف مع المؤسسات المسلمة الأخرى خوفًا من توصف بأنها ذات ميول ونزعة إسلامية متطرفة، وإن كانت هناك مؤخرًا صلات كثيفة بين المؤسسات الألبانية والبوسنية. كما أن الخلافات المحلية الداخلية تعيق التطوير المؤسسي.
و يوجد اهتمام خارجي – مسلم وغير مسلم- بالتعاون مع الكليات الإسلامية المحلية بأكثر مما هو موجود في هذه الكليات ذاتها. وقد تم توقيع العديد من مذكرات التفاهم لكن أيًا منها لم يؤدِ إلى مشروع تعاون مهم ومستمر.
وعمليًا يتم تمويل كل هذه الكليات من خلال المشيخيات الإسلامية المحلية وتدار ماليًا في الأغلب عن طريق هذه المشيخيات، مما يفسر إلى حد كبير ضعف تمويلها. ويتساوى الجميع فى حسدها على استقلالها فيما عدا معهد صوفيا الذي يتلقى دعمًا مهمًا من هيئة الشئون الدينية التركية.
ومما يميز الكليات البوسنية أنها أصبحت كليات ضمن جامعات حكومية بينما لا تزال تتمتع باستقلال كبير في تطوير المناهج. ومن ناحية المبدأ، فإن الدول اليوم متعاونة لكن في بعض الحالات -مثل ألبانيا وصربيا- مازالت الدولة عائقا أساسيا في طريق تطوير التعليم الإسلامي العالي. وهذا يمثل قطيعة رئيسية مع ممارسات الدولة المتدخلة في الشئون الدينية، وكمثال فإن النظام الشيوعي أبلغ المؤسسات الدينية الإسلامية بوضوح سنة 1977 أنه غير مسموح للرئيسي البوسنى الراحل علي عزت بيجوقيتش بتدريس الأخلاق في كلية أصول الدين سراييفو، وبالفعل لم يُسمح له بذلك أبدًا، وتوجد حالات أخرى مشابهة. ولم تبلغ أي من المؤسسات حجمًا اقتصاديًا كبيرًا يتيح لها تقديم برنامج أكثر تنوعًا، فالمكتبات ووسائل البحث ليست على المستوى المطلوب، وقلة من الكليات لديها سكن جامعي لطلابها.
وبينما أُنجز الكثير على صعيد تلبية الحاجات المحلية لنخبة دينية متعلمة جامعية، فإن توكيد الجودة يبقى بشكل عام مشكلة من الناحية العملية. ولم يعمل أي من المعاهد على تأسيس نفسه كمركز تعليمي أو بحثي متميز، بالرغم من أن كلية سراييفو يعتبرها كثيرون نموذجًا ناجحًا وإضافة أساسية إلى الإسلام الأوروبي[25].
وتميل المناهج ووسائل التدريس بشكل عام إلى أن تكون ثابتة وتقليدية، وإن كانت كلية زينشيا أكثرها إبداعًا. وتعاني معظم هذه المؤسسات من نقص في عدد الحاصلين على درجات الدكتوراه في هيئة تدريسها. وقد أُنجز الكثير على صعيد المساواة بين الجنسين؛ حيث تمثل الطالبات غالبا نصف العدد الكلي للطلاب لكن فيما يخص هيئة التدريس فإن النساء أكثر ندرة.
بشكل عام -ومقارنة بالخمسينيات- حينما تركت مدارس إسلامية ثانوية قليلة تعمل- فإن مؤسسات التعليم الإسلامي في البلقان اليوم تتطور بسرعة، وآفاق المستقبل تبدو واعدة باستثناء ألبانيا. في حين يكمن التحدي الأكبر مستقبلاً في مجال الوضع القانوني، وتعيين هيئة تدريس مؤهلة، والتمويل المستديم، وتطوير الكتب الدراسية.

خاتمة

لا يستطيع معظم المسلمين فى أوربا الشرقية الاعتماد على المؤسسات التعليمية الرئيسية للقيام بتطوير هويتهم الدينية وحمايتها بسبب طبيعة القوميات الموجودة فى تلك المنطقة. الاستثناء الوحيد هو التعليم الدينى الملى فى بعض المناطق التى يمثل هذا التعليم جزء من النظام التربوى فيها. وعلى المسلمين أن يعتمدوا على المؤسسات التعليمية البديلة الإثنية والدينية للحفاظ على الهوية الإسلامية.
وقد تناولت هذه الدراسة رياض الأطفال، مدارس المساجد (المكاتب)، والمدارس، والكليات الإسلامية كحلقات رئيسة فى سلسلة النظام التعليمي الإسلامى. والمكون الأساس لهذا التعليم هو مؤسسات التعليم العالى لأنها تمد المجتمعات المسلمة فى هذه المنطقة بالقيادة التربوية والدينية بشكل كبير كما هو الحال فى البوسنة والهرسك حيث يرتفع المستوى، وألبانيا التى تغيب عنها مثل هذه المؤسسات ولكن الحاجة إليها ماسة. إلا أن هناك مساحة كبير فى كل أنحاء المنطقة، وبخاصة فيما يتعلق بالمناهج وتطوير الكتب الدراسية، والمعلمين، والتطوير، وتطوير البحث، والتعاون الدولى والتمويل المستديم.
ولأهمية الدور الذى تلعبه مؤسسات التعليم العالي الإسلامى فى البلقان والتحديات التى تواجهها، فإنها يجب أن تكون بؤرة التركيز فيما يتعلق بمعونة منظمة المؤتمر الإسلامي لهذه المجتعات المسلمة. ومثل هذه المعونات يجب أن تحترم الخصوصيات المحلية وفى نفس الوقت تشجع التعاون والشراكات فى مواجهة التحديات المذكورة.
وتعتبر ألبانيا أشد البلاد حاجة لمؤسسات تعليم عالي إسلامية. ولا يسع المرء إلا أن يتمنى أن يقوم أحد الشخصيات أو المؤسسات فى العالم الإسلامى بتأسيس وقف لإنشاء جامعة إسلامية فى البلقان. ولا شك أن استثمارا كافيا فى هذه المنطقة سينتج عن تفاعلات طيبة متتالية فى تطوير المجتمعات الإسلامية فى هذه المنطقة.
*****

الهوامش:

(*) محاضر في كلية الدراسات الإسلامية –جامعة سراييفو.
(·) جاءت هذه الدراسة ضمن كتاب: Jorgen Nielsonm, Yearbook of Muslim, vol. 11, leiden: Brille 2010.
ويشكر المؤلف كل من ساعده في جمع المعلومات لكتابة هذه الدراسة، ويتوجه بالشكر على وجه الخصوص إلى كل من عزيز شكير، أحمد توبكف، زهيبر هايتي، حسن سيلو، أوصلو يازيهي، هاجردين هودزيتش، حسن موستش، الأمير برا مفكفيش. وبالطبع فأي أخطاء هي مسئوليتي منفردًا.
1 Jan Germen Janmaat and Edward Vickers, Education and Identity Formation in Post-Cold War Eastern Europe and Asia, in: Compare: A Journal of Comparative and International Education, vol. 37, no. 3 (2007), p. 267-75.
– Olsi Jazexhi, Depicting the Enemy: the Image of the Turk and the Muslim in Albania’s High School Textbooks, presented at the conference “Ottoman Legacy and Balkan Muslim Communities Today”, Sarajevo, 16-18. okt. 2009.
[2] لمزيد من التفاصيل انظر:
Ahmet Alibašić and Asim Zubčević, Islamic Education in Bosnia and Herzegovina, in:
Ednan Aslan (ed), Islamic Education in Europe, Vienna: Böhlau Verlag, 2009, pp. 43-57.
[3] موقعها على الانترنت www.fin.ba
[4] Fikret Karčić, The Bosnians and the Challenges of Modernity: Late Ottoman and Habsburg Times, (Sarajevo: El-Kalem, 1999).
* عملية بولونيا نسبة إلى مدينة بولونيا الإيطالية، هي عبارة عن برنامج إصلاحي للتقريب بين أنظمة التعليم في الدول الأوروبية هدفه إيجاد معيار أو مجال أوروبي موحد للتعليم العالي.
[5] www.ipf.unze.ba
[6] www.ipf.unbi.ba
[7] لمزيد من التفاصيل عن التعليم الإسلامي فى البوسنة انظر:
Alibašić and Zubčević, Islamic Education in Bosnia and Herzegovina, pp. 43-57.
[8] Mustafa Cerić, A draft proposal for the Gazi Husrev-bey University, ed. Willem B. Drees & Pieter Sjoerd van Koningsveld (Leiden: Leiden University Press, 2008), 326-332.
[9] www.fsi-ks.org
[10] Xhabir Hamiti, Islamic education in Kosovo, in Ednan Aslan (ed), Islamic Education in Europe, Vienna: Böhlau Verlag, 2009, pp.233-238.
[11] www.fshi.edu.mk
[12] http://medrsa.net
[13] www.fis.edu.rs
[14] www.uninp.edu.rs
[15] Svenka Savić, Some Notes on Islamic Education in Serbia, in: Ednan Aslan (ed), Islamic Education in Europe, Vienna: Böhlau Verlag, 2009, pp. 449-56.
[16] يلبى حوالى 1000 إمام الحاجات الدينية للمسلمين فى 1217 جامع و 240 مسجد، انظر:
Ina Merjanova, Administering Islam in Bulgaria: Legal, Political, and Cultural Aspects, Paper presented at the Islam in South East Europe Forum (ISEEF)’s conference “Administration of Islamic Affairs in Secular States: Southeast European Experience”, Sarajevo, 17–19 April 2009.
[17] http://www.islamicinstituite-bg.org
[18] http://genmufti/bg/eduction/43-vil.html
[19] Margot Badran, Finding Islam, Al-Ahram Weekly Online, 20-26 Nov. 2001, no. 552.
[20] Olsi Jazexhi, Albania, Jorgen Nielsen et al., (eds.), Yearbook of Muslims in Europe, vol. 1 (Leiden: Brill, 2009).
[21] انظر أيضًا:
Dinka Marinović Jerolimov and Ankica Marinović Bobinac, Islamische Ausbildung in Europa – kroatisches Modell, in Ednan Aslan (ed), Islamic Education in Europe, Vienna: Böhlau Verlag, 2009, pp.239-258.
[22] Ziaka Angeliki, Muslims and Muslim Education in Greece, u Ednan Aslan, (ed.), Wien: Bohlau Verlag, 2009, 141-78.
[23] Laurentiu D. Tanase, Study Regarding the Muslim Community and the Islamic education in Romania, in: Ednan Aslan (ed), Islamic Education in Europe, Vienna: Böhlau Verlag, 2009, 367-402.
[24] Christian Moe, Islamic education in Slovenia, in: Ednan Aslan (ed), Islamic Education in Europe, Vienna: Böhlau Verlag, 2009, 475-92.
Stefan Schreiner, Seat of knowledge and mediator between the cultures, http://www.qantara.de/webcom/show_article.php/_c-478/_nr-925/i.html.
يقول د. شرينر: “كلية الدراسات الإسلامية فى سراييفو هي أهم مؤسسة للتعليم العالى الإسلامى بحثًا وتدريسًا فى أوروبا. وهى الدليل الحي على أن الإسلام له مكانه فى المجال الإكاديمى الحديث”.
[25] Christian Moe, A sultan in Brussels? European hopes and fears of Bosnian Muslims, Sudosteuropa, 55 (2007), no. 4: 374-94.

نشر في حولية أمتي في العالم، عدد 2011

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق