تقارير ودراسات

دلالات محاولة استقالة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف: النظام الإيراني في أسر جدالات معقَّدة

صاحب استقالة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في 25 فبراير 2019 جدل هائل داخل إيران وخارجها، وتعدَّدت التساؤلات والتكهُّنات بشأن أسباب تلك الاستقالة. لكن رغم ما شاع إعلاميًّا بداية الأمر من أن الاستقالة ربما تكون بسبب موقف لظريف ضد الرئيس السوري بشار الأسد وزيارته لطهران في التوقيت ذاته، ورغم نفي ظريف الخلاف بشأن سوريا أو حول جوهر السياسة الخارجية الإيرانية (لاسيما أن ظريف قام بدوره على أكمل وجه في الدفاع المتواصل عن سياسات إيران الطائفية في دول الجوار) فإن المشكلة الرئيسة بدت كامنة خلف تصريحه -حين علَّق على نشر صور المقابلة بين المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي والأسد في طهران دون حضوره- بأنه “لم يعد هناك أدنى احترام لوجوده في منصب وزير الخارجية”.
ذلك التصريح الذي يقدِّم مدخلا لقراءة أكثر تفصيلا للأحداث، حيث يمكن القول إن هذه الاستقالة تعكس خللا في بنية النظام الإيراني وهيراركية اتخاذ القرار، فالنظام الإيراني في صورته الحالية يقوم على توزيع المهام المتعلقة بالسياسة الخارجية بين مؤسسة الحرس الثوري، بالإضافة إلى مكتب المرشد علي خامنئي، (وكلاهما يسيطر عليه التيار المحافظ)، وبين وزارة الخارجية التي تأتي بعدهما (على رأسها جواد ظريف الإصلاحي)(2).
حيث تولَّدت مجموعة من الجدالات والإشكالات الصراعية (“المحافظ-الإصلاحي”، “الديني-السياسي”، “العسكري-المدني”). ويمكن القول إن أزمة النظام الإيراني لا تتمثل فقط في كونه يواجه مثل تلك الجدالات، وإنما تكمن المعضلة في تعبير هذه الجدالات عن معادلات غير متوازنة، هذا الاختلال يأتي لصالح عناصر تمثل تراجعًا في المنظومات الديمقراطية عامة. فالميزان يميل لصالح الديني الثيوقراطي على حساب السياسي، ولصالح العسكري على حساب المدني.

ويمكن تناول هذه الإشكالات في ضوء استقالة ظريف على النحو التالي:

مستوى “المحافظ-الإصلاحي”: يتشارك روحاني وظريف رؤية إصلاحية انعكست فيما كتب ظريف عن روحاني قائلا: “مواقف روحاني طمأنت الناخب الإيراني؛ حيث استند في سياسته الخارجية على معالجة الوضع الذي خلَّفته ثماني سنوات من التوتُّر في عهد إدارة أحمدي نجاد، كما دعا إلى خطاب “حكيم ومعتدل” يهدف إلى الحوار والتفاعل البنَّاء، مع النظر إلى حماية الأمن القومي الإيراني وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة. وفي هذا الإطار، تستند السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية في ظلِّ الإدارة الحالية على تحقيق التفاعل على المستوى الوطني والمشاركة البنَّاءة على المستوى الدولي”(3).
وإن كان ذلك لا يعني الاختلاف الكلي حول ثوابت السياسة الخارجية الإيرانية بين التيارين، إلا أن ثمة خلاف حول بعض الإجراءات واستراتيجيَّات إدارة الأزمات (تختلف حدَّته من فترة لأخرى). ولعل المثال الأبرز في هذا الصدد، ما واجه ظريف من اتهامات من قبل المحافظين بأنه عميل للغرب، “مبتلى بالثقافة الغربية” فضلا عن اعتبار أن الاتفاق النووي عام 2015 كان نتيجة مؤامرة نفَّذها ظريف وفريقه لإضعاف إيران وتحويلها إلى دولة ضعيفة بدلا من أن تكون قوة إقليمية(4).
كما ينتقد المحافظون ما يُبدي ظريف من رغبة أكبر في الانفتاح على الخارج، إذ كتب خلال السنوات الست الماضية، أي منذ تولِّيه منصبه، العديد من المقالات باللغات العربية والإنجليزية والتركية في صحف مختلفة لمحاولة مخاطبة شعوب متعدِّدة، واعتُبر أنه يمثِّل سياسة خارجية ناعمة طالما عارضها العسكريون والقيادة الدينية(5).
وقد تصاعدت مؤخَّرًا الضغوط على ظريف خاصة من قبل المحافظين عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. حيث تمَّ استدعاؤه أكثر من مرة من نواب هذا التيار أمام البرلمان ليجيب عن أسئلتهم بشأن عودة العقوبات الأمريكية وتأثيرها على الاقتصاد الإيراني(6).
ورغم رفض روحاني استقالة ظريف بداية الأمر لحفظ ماء التيار الإصلاحي الذي ينتمي إليه، إلا أن ذلك لم يغير في الأمر شيء.
ولا ينفصل ذلك المستوى عن المستويين التاليين (الديني–السياسي، والعسكري-المدني)، حيث إن مركز الثقل الأساس في المؤسستين الدينية والعسكرية للمحافظين –كما سبقت الإشارة- بينما ينتمي الرئيس الإيراني حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف للمعسكر الإصلاحي.

مستوى “الديني-السياسي”: تميل كفَّة الميزان في صنع السياسة الخارجية لصالح القيادة الدينية، وذلك لعدَّة اعتبارات، بينها: الطبيعة الثيوقراطية للنظام الإيراني (نظام الولي الفقيه) حيث تنصُّ المادة (5) من الدستور الإيراني على أنه في زمن غيبة الإمام المهدي، تعتبر ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل المتَّقي البصير بأمور العصر، ممَّن أقرَّت له أكثريَّة الأمة وقبلته قائدًا لها(7). وكذلك الإطار الدستوري الطائفي، فعلى سبيل المثال تنص المادة (12) من الدستور الإيراني على أن الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثنا عشري، وأن هذه المادة تبقى إلى الأبد وغير قابلة للتغيير(8). وأيضًا الاعتماد على البعد المذهبي الشيعي (خاصة في نسخته الراديكالية) كأحد وكائز القوة الناعمة الإيرانية في المناطق ذات الأغلبية الشيعية(9).
ومع التطورات الإقليمية بات الأمر أكثر وضوحًا، فعلى سبيل المثال عندما كان المرشد يريد توجيه رسائل دبلوماسية إلى دول كالعراق وسوريا، كان يرسل مبعوثه الخاص ومستشاره للشؤون الخارجية علي أكبر ولايتي، وهو وزير خارجية سابق وأحد رجال الطليعة في الثورة الإيرانية(10).

مستوى “العسكري-المدني”: حيث يتقاسم النفوذ مع السلطة الدينية على الصعيد الخارجي المؤسسة العسكرية (خاصة الحرس الثوري)، ذلك أن مرشد الجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، وغيره من قادة النظام الإيراني، عملوا على استخدام الدين لتعبئة مؤيِّدي التوجُّه الإسلامي من عناصر الحرس الثوري الإسلامي (باسدران) والتعبئة (الباسيج)، تجاه القضايا التي يتبنَّاها النظام سواء في الداخل أو الخارج(11). ذلك أن الدستور الإيراني يؤكِّد في المادة (144) على أن الجيش يجب أن يكون جيشًا إسلاميًّا عقائديًّا وشعبيًّا، وألَّا يضم إلا أشخاصًا مؤمنين بأهداف الثورة الإسلامية، ومضحِّين بأنفسهم من أجل تحقيقها(12). ومن هنا، كان تعضيد الرابطة بين الديني والعسكري في مقابل السلطة السياسية ذات الطابع المدني (وإن كان وصف المدني لا يصدق كلية في حالة السلطة السياسية الإيرانية نظرًا لتبعيتها لنظرية الولي الفقيه).
وعليه؛ فالمتابع للمشهد الإيراني يرى قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني في العراق وسوريا ولبنان بينما يتوارى تأثير دبلوماسيِّي وزارة الخارجية في تلك الدول. ورغم أن ظريف قام بالفعل بعدَّة زيارات إلى تلك الدول الواقعة في دائرة نفوذ الحرس الثوري (ففي فبراير 2019 زار لبنان، كما زار العراق في يناير 2019، وفي سبتمبر 2018 قام بزيارة إلى العاصمة السورية دمشق)، إلا أن ذلك ربما جاء لذرِّ الرماد في العيون والرد على الانتقادات الموجَّهة لسيطرة الحرس الثوري في هذه النقاط الاستراتيجية (13).
ويمكن القول إن عدم دعوة جواد ظريف إلى القمة الإيرانية-السورية التي جرت بين الرئيسين حسن روحاني وبشار الأسد في طهران، هو القشة التي قصمت ظهر البعير. خاصة أن الأمر لم يتمثَّل فقط في عدم دعوة ظريف، بل في حضور قاسم سليماني، وجلوسه في المقعد المخصَّص بروتوكوليًّا للدبلوماسية(14).
*****

الهوامش:

[1] باحثة بمركز الحضارة للدراسات والبحوث.
(2) ما وراء استقالة جواد ظريف وزير الخارجية الايراني؟، موقع أخبار اليمن، 5 مارس 2019:
https://from-yemen.com
(3) جواد ظريف، كيف ترى إيران نفسها والعالم؟، موقع نون بوست، 23 أبريل 2014، متاح عبر الرابط التالي:
http://www.noonpost.com
(4) علي هاشم، استقالة جواد ظريف: أكثر من مناورة وأقل من تمرد، موقع بي بي سي عربي، 28 فبراير 2019، متاح عبر الرابط التالي:
http://www.bbc.com/arabic
(5) المرجع السابق.
(6) عماد عنان، استقالة مفاجئة لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف.. لماذا الآن؟، موقع نون بوست، 26 فبراير 2019، متاح عبر الرابط التالي:
http://www.noonpost.com
(7) د. هيثم مزاحم، الدين والدولة في إيران: أثر ولاية الفقيه على السياسات الداخلية والخارجية، موقع شجون عربية، 21 سبتمبر 2018، متاح عبر الرابط التالي: http://bit.ly/2Ob0i5W
(8) المرجع السابق.
(9) صادق زيباكلام، الصحوة الشيعية بوصفها قوة إيران الناعمة: تحليل تاريخي، موقع مركز الجزيرة للدراسات، 16 أبريل 2013، متاح عبر الرابط التالي: http://bit.ly/2Fa3B9j
(10) ما وراء استقالة جواد ظريف وزير الخارجية الايراني؟، مرجع سابق.
(11) د. هيثم مزاحم، الدين والدولة في إيران، مرجع سابق.
(12) المرجع السابق.
(13) ما وراء استقالة جواد ظريف وزير الخارجية الايراني؟، مرجع سابق.
(14) المرجع السابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى