حولية أمتي في العالم

حول مفهوم الأمة في قرن: نقد تراكمي مقارن

حدود الدراسة ومنهج البحث:

موضوع هذا البحث هو الدراسة النقدية المقارنة لأهم الأدبيات العربية التي تعرضت لمفهوم (الأمة) خـلال القرن الرابع عشر الهجري، وبالأحرى منذ هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وبروز نجم “كمال أتاتورك” في تركيا، وتهميشه لمؤسسة الخلافة ثم القضاء المبرم عليها، وما رافق ذلك وترتب عليه من تكثيف غير مسبوق للجدل بخصوص حدود هذا المفهوم.
ولم يتوقف ذلك الجدل حتى الآن بين المنظورين التغريبي والإسلامي، وشهد الربع الأول من ذلك القرن ذروة الهجمة التغريبية على ذلك المفهوم من أرضية الحملة الفرنسية على مصر وتجربة محمد علي، وتكريس الواقع الذي أنشأه مؤتمر برلين عام 1878 بتفكيك الدولة العثمانية.
ومنذ الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 انتعش الجدل من جديد وأعيد طرح الكثير من الأدبيات المنشورة قبل إزالة الاستعمار الغربي التقليدي، فضلاً عن ظهور أدبيات جديدة متمحورة حول ذلك المفهوم خلال ربع القرن الأخير، ويمكن بدون مبالغة وصف ذلك القرن بأنه قرن: أزمة مفهوم الأمة.
ولهذه المعالجة النقدية محوران، أولهما: القراءة النقدية للخريطة الإدراكية لمفهوم الأمة في ثلة من أهم الأدبيات المعبرة عن رؤى جميع تيارات الحركة الفكرية خلال تلك الفترة له، والثاني: المراكمة على ما طرح من رؤى بمحاولة أولية لإعادة بناء مفهوم الأمة بتوصيف دلالاته في لغة الضاد وبنيته القرآنية، وذلك بتطبيق الاقتراب المفاهيمي المقارن الذي لا يقف عند رصد المعالم الأساسية لمفهوم الأمة في تلك الأدبيات، بل يحاول تقديم بنية بديلة للمفهوم تستفيد من عيوبها، وقد تسهم في تقويمها.
وتستخدم هذه المحاولة منهاجية التحليل السياقي لمفهوم الأمة في القرآن الكريم بعد أن تمهد لذلك بقراءة لحقوله الدلالية في اللغة العربيـة. ذلك أن مفهوم (الأمة) مفهوم قرآني موجود في سياق *ومحكوم به*، وهو ليس مجرد اسم أو مصطلح أو لفظ، بل هو وعاء معرفي جامع، يحتاج إلى قراءة في سياقه القرآني، تجلي خصائصه وهويته وتفتح الباب لإمكانية التواصل بين المتحاورين بشأنه، وتفرق بينه وبين مفاهيم مجلوبة انتحلته.
ويرتكز الجمع بين هذين المحورين في هذه الدراسة الأولية إلى أن حقيقة دلالة ذلك المفهوم لا تدور في فراغ، وهو ما يستوجب الانطلاق من وصف واقعه. ولكن التوقف عند هذا الحد يعني جعـل ذلك المفهوم أسيرًا لذلك الواقع. ومن المطلوب بالتالي تجاوز وصف واقع مفهوم الأمة وتحليل عملية تقويضه إلى إعادة بنائه كخطوة على طريق استعادته وتفعيله.
وتنقسم هذه الدراسة إلى مبحثين، أولهما: عن الخريطة الإدراكية لمفهوم الأمة في قرن، وثانيهما عن: بنية مفهوم الأمة في اللغة العربية والسياق القرآني.

المبحث الأول: الخريطة الإدراكية لمفهوم الأمة في قرن

مع زوال الخلافة العثمانية كناظم لدولة إسلامية واحدة تغطي معظم أرجاء العالم الإسلامي، شقت الدولة القومية طريقها لتغطي خلال فترة وجيزة خريطة العالم الإسلامي برمته.
وصاحَب هذا التحول جدل كبير بين تيار فكري ينطلق من المرجعية الإسلامية، ويرى ضرورة استعادة مفهوم الأمة الإسلامية الواحدة وتيار فكري ينطلق من مرجعية غربية، ويرى التخلي عنه واستبدال ناظم آخر به هو القومية العلمانية.
وسنرصد في ما يلي معالم الخريطة الإدراكية لمفهوم الأمة لكل من هذين التيارين منذ الحرب العالمية الأولى حتى الآن.
أولا: معالم الخريطة الإدراكية لمفهوم الأمة في المنظور التغريبي:
نواة هذه الخريطة هي التسوية بين مفهومي (الأمة) و(القومية)، وفك الارتباط بين مفهومي الأمة والدين، وتبني الدلالة المفهوميـة الغربية لجميع المفاهيم المتشابكة مع مفهومي الأمة/ القومية والدين كأرضية لإزاحة مفهوم الأمة الإسلامية، من وضعية مفهوم يشمل كل مسلمي العالم ككيان واحد، ليصير مفهومًا يقف عند حدود الوطن العربي ويرادف الأمة العربية تارة، ويقف عند حدود كل قطر إسلامي ويرادف الدولة القومية بحيث تكون هناك أمم إسلامية بعدد الدول القومية ذات الأغلبية المسلمة.
وسنستعرض معالم هذه الخريطة بنهج نقدي مقارن من خلال أربعة روافد: الأدبيات التي كتبت عن مفهوم الأمة من منظور تغريبي خلال فترة البحث، والقراءتين التغريبية والإسلامية لجميع التصـورات التي طرحت حول مفهـوم الأمة في ذلك القرن(1)، ومضامين مفهوم الأمة في الموسوعات السياسية العربية بالمقارنة بنظيراتها في الموسوعات الغربية.

1- رؤية في أدبيات البناء التغريبي لمفهوم الأمة:

رغم وحدة منطلق الأدبيات المحددة لمفهوم الأمة من منظور تغريبي والتي عرفتها الساحة الفكرية في المئوية الأخيرة في اختيار ناظم لذلك المفهوم غير الدين؛ فإنها لم تجتمع على ناظم واحد كما لم تتفق على درجة الفصل بينه وبين الدين، وانقسمت بالتالي إلى رؤى متعددة تحمل كل رؤية منها نقدًا غير مباشر للرؤى الأخرى يحول دون الإجماع على تصور واحد له.
فلقـد رأى البعض الفصل الكامـل بين مفهوم الأمـة والدين وجعـل العلمانية بدلالتها الغربيـة، كما أدخلها “شبلي شميل” و”فرح أنطون” إلى الشـرق منذ قرابة مائة عام(2). ومن رموز هذا الاتجاه الأوائل ساطع الحصري الذي يرى أن نواة مفهوم الأمة هي (اللغة)، وأن الدين لا يصلح كناظم لمفهوم (الأمة)، وتستند رؤيته هذه على أربع ركائز:
أ- محورية اللغة: للغة وظيفتان: تحديد الخط الفارق بين الأمم، وتمكين الأمة من البقاء ومن استعادة كيانها إذا استولت عليها أمة أخرى. فاللغة هي روح الأمة وأساس حريتها، وهي المتغير المستقل وما عداه متغير تابع. ومع أن الذاكرة التاريخية والوعي بالذات والحرية من المقومات المهمة للأمة فإن فقدانها يظل قابلاً للاسترداد ما دامت الأمة لم تفقد لغتها. فالأمة الخاضعة لأمة أخرى المحافظة على لغتها شبيهة بسجين بيده مفتاح سجنه. والتواصل الجغرافي مهم، لا لذاته، بل لأن فقدانه قد يسفر مع مرور الوقت عن التباعد في اللغة.
ب- أسطورية وحدة الأصل والدم كآصرة ناظمة للأمة: فلا وجـود لأمة خالصة الدم. والأمم كالأنهار متعددة الروافد والمنابع، وهي نتاج انصهار عشرات الأجناس والأعراق عبر التاريخ. وجدود أي أمة جدود معنويون فحسب. والاعتقاد بالقرابة والنسب (وليس رابطة الدم الفعلية) هو المعول عليه. ونواة هذه القرابة المعنوية هي اللغة كآلة للتفكير وكواسطة للتفاهم.
جـ- قصور الدين كآصرة ناظمة للأمة: مع أن الدين يولد وحدة في الشعور فإنه لا يصلح كنواة للأمة؛ لأن تأثيره يختلف باختلاف الزمان والمكان. والأهم من ذلك- في رأي الحصري- أن دور الدين كناظم للأمة مرهون بخضوعه لمفهوم القومية من عدمه. فإن كان دينًا قوميًا غير ساع إلى الانتشار كاليهودية والأديان الوثنية القديمة فهو مقوم مهم للأمة كاللغة، أما إن كان دينًا عالميًا كالمسيحية والإسلام فإنه يخلق مناخًا أمميًا ويعجز عن خلق آصرة أقوى من الآصرة القومية؛ ولهذا لا تكفي الرابطة الدينية في كل الأحوال لتشكيل الآصرة القومية.
د- أسطورية وحدة التاريخ كناظم للأمة: يستخلص الحصري من الخبرة الأوروبية مقولة أسطورية وحدة التاريخ بالنسبة لأية أمة، مستدلاً بأن الدول القومية الأوروبية بوصفها الأقدم تاريخيًا تكونت كل منها من مقاطعات مختلفة في تاريخها ودارت بينها حروب، ولم تندمج معًا في دولة قومية واحدة في تاريخ واحد. ولا توجد أمة كانت موحدة على طول تاريخها. والتاريخ المشترك نسبي وانتقائي، ونسيان قسم من التاريخ سمة أساسية لأي أمة(3).
وهكذا يؤسس ساطع الحصري لبنية لمفهوم الأمة، تستبعد الدين الإسلامي، وتمهد للترابط بين العرب بتعلية اللغة والتهوين من شأن وحدة التاريخ، وتمهد في ذات الوقت لفك الارتباط بين مفهومي الأمة العربية والأمة الإسلامية، ولتسويغ رسم خريطة العالم الإسلامي على أساس قومي لغوي.
وخلاصة هذا الطرح هي أن بناء مفهوم للأمة العربية يقوم على استبعاد الدين، والوقوف بالتاريخ عند تاريخ إزاحة اللغة العربية للغطاءات اللغوية الأخرى، وتشكُّل ما بات يعرف بالعالم العربي.
ولم يقف الحصري عند تنصيب اللغة ناظمًا لمفهوم الأمة، بل انساق مع الدلالات الغربية لعائلة هذا المفهوم إلى حد أسفر عن تعميق الطابع التفكيكي لذلك الناظم وتشويشه. فلقد عرف (الأمة) بأنها إحساس جماعة من البشر بارتباط باطني يجمع بينها. والقومية هي حب الأمة، والوطن هو قطعة أرض تعرف الوطن، والوطنية هي حب الوطن والإحساس بارتباط باطني نحوه.
وبصرف النظر عن أن مثل هذه التعريفات تفتح الباب للفصل بين عامل اللغة ومفاهيم الأمة (بما أنها أي جماعة من البشر)، والوطن (بما أنه أي إقليم) والوطنية والقومية (بجعل الأولى ارتباطًا باطنيًا بأرض، والثانية ارتباطاً باطنيًا ببشر) وبصرف النظر عن تأكيد الحصري أن حب الوطن وحب الأمة كليهما يستدعي الآخر، فإن إخضاع الحصري مفهومي الوطنية والقومية لمفهوم الدولة (بدلالتـه الغربيـة بتحديده لها بأنها جماعة من البشر يعيشون في أرض مشتركة، مؤلفين هيئة سياسية مستقلة ذات سيادة) تضمن بشكل غير مباشر نسفًا لفكرة اللغة كنواة لوحدة الأمة الناطقة بها. فلقد ساقه ذلك إلى التسليم بإمكانية الفصل بين الأمة والدولة، وتحديد مفهوم الوطنية والقومية بدلالات تختلف من حالة إلى أخرى.
فالوطنية والقومية مترادفان إذا شملت دولة مستقلة واحدة أمة برمتها، وإذا انقسمت الأمة الواحدة إلى عدة دول ذات سيادة فإن القومية تصير مجرد رباط معنوي عابر للحدود، يسعى إلى توليد وطن معنوي ووطنية عامة تسمو على الأوطان والوطنيات الخاصة.
والقومية حالة تبعية الأمة لدولة أجنبية، هي نزعة للاستقلال وتكوين دولة مستقلة، وهي حالة كون الأمة مستعمرة ومجزأة بين أكثر من دولة أجنبية إحسـاس مضاد للتبعية والتجزئـة(4).
وهكـذا صرنا أمام ربـط (الأمة) بـ (الوطن المعنوي) وربط (الدولة) بـ (الوطن الفعلي) وحصر القومية في الإحساس المضاد للتبعية والتجزئة، وهذا وإن لم يمثل تخليًا عن فكرة الدولة العربية الواحدة فإن تحديد شبكة علاقات مفهوم الأمة على هذا النحو أضفى غموضًا بالغًا على فكرة قيام أمة واحدة ذات إرادة واحدة وكيان واحد ناظمها هو: اللغة في حدود النطاق الجغرافي الناطق بها والذاكرة التاريخية للعروبة.
وتحرك طه حسين خطوة أخرى على طريق الفصل بين مفهوم الأمة والإسلام وتعلية القومية على الدين، وربط ذلك المفهوم بالمرجعية الغربية بالقول بأن القومية العربية آصرة أعمق تاريخيًا من الإسلام، شكلها الشعر الجاهلي أولاً ثم القرآن، ومفتاح نهضتها الحديثة هو الالتقاء بالغرب، وهو إن كان يسلم بأن المكون الحقيقي للوحدة العربية هو النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)(5)، فإنه يدعو إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة، ويسير بذلك بمفهوم الأمة إلى حدود تقف عند كل قطر عربي على حدة؛ حيث يعتبر العرب بغاة بغوا على مصر(6).
ويرى المازني- على العكس- عدم الوقوف بمفهوم الأمة عند حدود كل قطر عربي وقيام أمم عربية مستقلة. ورغم إشارته إلى أن الشرق- أو على حد تعبيره: ما يهمنا منه- عرف وحدة وثقافة إسلامية ظلت قائمة ولم يزحزحها انحطاط الثقافة والفتن الداخلية، وظل العلماء والفقهاء والأدباء يرحلون من بلد إلى بلد دون أن يحسوا بأنهم تركوا أوطانهم أو اجتازوا حدودًا تفصل بين أقطار أو تفصل أمة عن أمة، فإنه لم يخلص إلى المناداة بالإبقاء على الدين ناظمًا للأمة، بل رأى أن القومية هي اللغة لا سواها، وأنه ما دام أقوام ينطقون بلغة واحدة فهم شعب واحد.
ولم يكن وراء ذلك واقعية البحث عن الممكن بدليل قوله: (لو أن هذه القومية لم تكن إلا وهمًا لا سند له من حقائق التاريخ والحياة، لوجب أن نخلقه خلقًا. فالأحلام ضرورة من ضروريات الحياة)(7).
أما الأرسوزي فيرى أن الأمة امتداد للأسرة، والعرب هم (الأمة الأصلية)؛ لأنهم حملة سر الرب الذين تخطى ذهنهم ولسانهم طرفي الزمان والمكان متعاليًا نحو مصدر الوجود. وهذه الأمة الأصلية كائن حي ذو طابع رحماني دائم التطلع لمكارم الأخلاق، عبقريتها في لسانها. واللغة العربية هي حلقة الوصل بين ما فيها من نسبية كائنة وما فيها من نزوع نحو المطلق، وهي بنيان اشتركت في تشييده السماء بالتناغم مع الإرادة الإنسانية، ورغم تسليمه بأن الإسلام هو رمز استواء هذه الأمة وأحد تجلياتها، فإنه رأى أن هذه المضامين توافرت في العرب قبل الإسلام وبعده، وتحدث في مقابل تلك الأمة عن الأمم الهجينة التي يغلب على تفكيرها نمط التداعي الآلي المستمد من شطط الثقافتين اليونانية والرومانية(8)، وكمنت في تعريفه نزعة عنصرية عن عبقرية العرب.
وقال ميشيل عفلق بعلاقة فريدة بين الإسلام والعروبة لا نظير لها بين أي دين وقومية أخرى، فهو سر عبقريتها والعنصر الوحيد فيها المطلق المتجاوز للزمان والمكان، وما عداه نسبي وعابر. غير أنه لم ينظر إلى الإسلام كدين، بل كثقافة قومية هي أثمن ما في عروبة أي عربي، وبمعيارها لا يوجد عربي غير مسلم.
وظن عفلق أن بالإمكان ابتكار علمانية توافق هذا الواقع. وميز بين نوعين من العلمانية: العلمانية الأوروبية التي تفرض الفكرة اللادينية على المجتمع وتعادي الدين وتسعى للحلول مكانه، ويرفضها المطلق الإسلامي للعروبة وكثير من مقوماتها المعنوية والتاريخية، والعلمانية بمعناها القانوني المحايد وهو الفصل بين الدين والحكومة وليس بين الدين والمجتمع ولا بين الدين والفرد ويقبلها الواقع العربي(9).
ولا يخفى أن وراء فكرة الفصل بين الدين والحكومة تبنٍ لمفهوم الدين بدلالاته الغربية التي تقصره على نطاق الضمير والعقيدة الفردية، وتترك للقانون تنظيم أي شأن عام.
وفي الوقت الذي زحزح فيه “عفلق” الدين عن مفهوم الأمة ليغدو مجرد رابطة ثقافية فإنه سعى إلى تعميق ورفع مفهوم القومية من آصرة عنصرية تقوم على الدم إلى آصرة روحية مستمدة من التاريخ والثقافة المشتركة تربط كل عربي بوطنه كبيت كبير وبأمته كأسرة واسعة بعلاقة حب تقتضي التضحية ولا تعلل، بل وصل إلى تسويته بالدين حيث وحدة المنبع من معين القلب والصدور من إرادة الله، وبالأخص بالنسبة للأمة العربية التي تستمد عبقريتها من دينها.
ويفرق عفلق بين قومية تأتي من الخارج، وقومية تنبعث من الأعماق، الأولى كالشجرة المجتثة عن الأرض، مصيرها الجفاف والفشل مهما كان حجمها، والثانية كالبذرة التي تولد في الخفاء وما تلبث أن تستوي على سوقها.
ويحذر عفلق- بحق- من أن القومية الوافدة من أوروبا تنسي العرب شخصيتهم وتشوهها وتسلبهم واقعهم الحي، وتنقل إليهم الأمراض التي تعاني الأمم الغربية منها، في مقابل ألفاظ فارغة ورموز مجردة وأوهام وآمال زائفة(10).
ويقول عفلق: إن “نقل مفهوم القومية بدلالته الغربية إلى العالم العربي ليس مجرد استبدال لفظ بلفظ، بل هو أمر يزلزل الأرض، ويقطع أوصال الحياة، ويحز في شرايينها، ويحل في ساعة ما نسجه الزمن في دماء أجيال، واستيراد نظرية قومية هو مجرد إيهام بأن عصا صارت تسعى. وشتان ما بين جسم حي- مهما كانت ضآلته وبساطتـه- وجسـم آلي يريد تقليد الحياة”(11)، ويقرر عفلق أن الإسلام هو أعلى مفصح عن شعور العرب الكوني ونظرتهم إلى الحياة، وهو كمقوم للشخصية العربية أهم من اللغة العربية. فالإسلام خرج من العروبة ليصير سماء لها وللعالم(12).
وواقع الأمر أن عفلق لم يوضح كيف يمكن التحرر من الوقوع في محظور استيراد مفهوم القومية بدلالاته الغربية إذا تم الفصل بين الدين والسياسة والفصل بين الدين في المجتمع والدين في الدولـة. أليست هذه هي خلاصة القومية العلمانية الغربية؟
وخلاصة ما سبق أن معظم رواد الفكر القومي العربي لم يتفقوا على نواة مفهوم الأمة، ولكنهم تحفظوا على الدين؛ سواء بشكل مباشر، أو بتحوير مفهوم الدين، واختلفوا بشأن استيراد المفاهيم الأوروبية، ولكنهم وقعوا جميعًا في أسره صراحة أو ضمنًا.
ولا يكاد الباحث في أدبيات الفكر القومي العربي من بعدهم يجد شيئًا أكثر من الدوران في فلكهم وترديد مقولاتهم دون إحراز أي تقدم على طريق التوصل إلى توافق أو الشروع في مراجعة، أو حتى بيان لِمَا لم يوضحه الرواد من قبيل: إمكانية الفصل بين اللغة والتاريخ والدين، وشكل خريطة العالم فيما لو صار من حق كل أصحاب لسان أن يكونوا دولة مستقلة، ومعالم القومية غير المستوردة، والعلاقة بين الأمة والقومية والدولة. والشواهد على ذلك كثيرة.
ففي دراسة لشبلي العيسمي نجد طرحًا يعتبر الأمة هي (العرب)، ويدعو إلى توظيف التاريخ لخدمة حصر هذا المفهوم في هذا النطاق، ويبرر الانتقائية في قراءة التاريخ مدعيًا أن الكشف عن أن الفارابي من أصل تركي غير لائق في كتب التاريخ العربية؛ لأنه يشوش ذهنية الطالب العربي، ويرى أن قرون التاريخ العربي نسخت ما قبلها، وتمييز ما قبلها من أصول وأنساب في عدد المستحيلات(13).
ويقارن محمود عزمي بين الرابطة الشرقية والإسلامية والعربية. ويبدأ بالقول بأن محور مفهوم الأمة هو: الرابطة النواة؛ ليخلص بأن الرابطة العربية هي الوحيدة الصالحة. فالرابطة الشرقية- برأيه- معيار تحكمي ليس له أي أساس. فالشرقيون أجناس ثلاثة: أصفر، وأسود، وأسمر، والروابط بينهم شبه معدومة في بعض النواحي، وليس بينهم تقارب لغوي ولا ديني ولا حضاري. والقاسم المشترك بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي أقوى منه بينه وبين الشرق. والرابطة الإسلامية بدورها ارتكزت على فلسفة تراثية تجمع بين أمم وشعوب، وهي لم تعد صالحة بعد العشرينيات؛ “لأن الاعتبارات الحديثة استدعت تراجع الإحساس الديني وتقدم الإحساس القومي كمحدد للعلاقة بين الفرد والوطن” (14).
ولم يقف محمـود عزمي عند هذا الحد، بل دعـا إلى التمييز بين (الإسلام) و(الإسلامية)؛ الأول عقيدة لا شأن لها بالمشروع القومي، والثانية هي النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في الإسلام، وهي لا تصلح كرابطة؛ لأنها تستند على اعتبار ديني خاص، وتؤدي بالتالي إلى الفرقة والانقسام، علاوة على كونها رابطة فضفاضة لا يعرف كيفية تجسيدها. أما الرابطة القومية فهي أمتن الروابط، ويراد بها الرابطة الناشئة عن توحيد التاريخ بين التفكير ونوع الحياة وأساليب الحكم في المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج، والرابطة الأعلى منها هلامية والرابطة الأدنى منها فردية ضيقة انتهي عصرها(15).
ولكن هل يمكن الحديث عن تاريخ عربي مشترك إذا نحينا البعد الإسلامي؟ وأين الحديث عن التاريخ المشترك من نفي ساطع الحصري لوحدة التاريخ؟ وما مظاهر متانة الرابطة العربية عن الرابطة القطرية والرابطة الإسلامية في ضوء الخبرة التاريخية؟.
وينادي “عزت النص” بقراءة ذاتية للتاريخ والانتقائية في تدوينه وفي تجلية مضامينه، ويطرح ما يسميه (قومية الأمة)، ويقرأ التاريخ على النحو الذي ينادي به بحيث نجد أن القومية هي طور اكتمال الأمة والعرق الخالص أسطورة، والأممية مصنوعة ومفروضة، وخبرة التاريخ أن الأممية الإمبراطورية تقوم على قهر القوميات، وأن القوميات تقهرها في نهاية المطاف، وإذلال القوميات يقوض السلام العالمي وعصارة التاريخ المجردة عن الزمان والمكان، وأن القومية رابطة محبة طبيعية دائمة نابعة من داخل الإنسان، والأممية مشيئة مفروضة من الخارج.
ويستحضر “عزت النص” مضامين مفهوم القومية العلمانية الغربية؛ حيث يعرف العلمانية بأنها جهد مشترك لقهر الطبيعة، ويرى أن الدين ظهر من الحيرة والشعور الغيبي، وتناسج مع مفهوم الوطن، وارتقى التماسك الاجتماعي من الأسرة إلى القبيلة، إلى دولة المدينة، ثم إلى الدولة الأمة مع تطور الدين من الطوطمية إلى عبادة الأرباب المحلية، ثم الانتهاء إلى عبادة الرب أو الأرباب القومية. ويتحدث عما يسميه بمرحلة ما قبل التاريخ ومراحل الصيد والزراعة واستثمار شعب لشعب، وشيوع النظام الإمبراطوري منذ خمسة قرون على الأقل لدوافع اقتصادية فحسب.
الدين إذن- في هذا الطرح- نتاج الطور التاريخي لعلاقة الإنسان بالطبيعة، والإمبراطوريات كيانات للتسلط الاقتصادي. ولكن ماذا عن الدين المسيحي والإسلامي؟ المسيحية ناهضت التسلط في البداية ثم تحولت على يد الملوك إلى آلة للتسلط في الداخل والخارج، والإسلام انتشر في البداية بلا تسلط، ثم تحول على يد العثمانيين إلى أداة لقهر القوميات. وانتهى الأمر في الحالتين بانتصار القوميات، ويصل في المباعدة بين القومية العربية والإسلام إلى حد القول بأن اللغة العربية صانت الأمة العربية في ظل الحكم العثماني رغم كونه حكمًا إسلاميًا. ويرى أن قومية أي أمة تعني وحدتها السياسية وليس قوميًا ولا عربيًا من يقبل بالقومية المفككة إلى وحدات سياسية منفصلة(16).
وهكذا يشوه هذا الطرح مفهوم الدين ويجعل الحكم الإسلامي واللغة العربية ضدين يصون الثاني منهما الأمة من الأول، ويعتبر القومية هي ناظم الأمة ولا يستشعر أن حديثه عن قومية مفككة يعني قابلية هذا الناظم للتجزئة إلى مستوى قطري، فالناظم العرقي يستدعي تفككًا ولا يعرف حدًا أعلى ولا أدنى لتقرير المصير، ولا يفصح عن كيفية الانتقال من وضعية الدول القومية العربية إلى وضعية الدول القومية العربية الواحدة.
وأين الخبرة التاريخية النازية والفاشية من جهة والإسلامية من جهة أخرى من مقولة أن القومية محبة ورابطة طبيعية بالضرورة، والأممية فرض مشيئة بالضرورة؟ وما مسوغ وصف الدولة العثمانية بأنها إمبراطورية ضمت أممًا وليست تجسيدًا للشطر الأكبر من الأمة الإسلامية؟ وأين مصداقية ذلك في ضوء المقارنة بين وضعية العرب والمسلمين في ظل تلك الخلافة مهما كانت عيوبها وحالهم بعد خمس وسبعين سنة من القضاء عليها؟ وما هو منطق عجز القومية العربية عن تحقيق الوحدة العربية إذا كانت بالفعل رابطة طبيعية مثلى وفارقة؟ وهل التعدد اللغوي والعرقي والديني مستحيل في بنية مفهوم الأمة؟
ويتتبع عبد الفتاح العدوي تطور نواة القومية في ضوء الخبرة الأوروبية، ويوضح أن مفهوم الأمة ظل مرادفًا لمفهوم الدولة حتى نهاية القرن الثامن عشر، ولم ترتبط القومية بالعرق، بل بفكـرة رمزية هي الولاء لناظم متغير، كان في البداية هو: الولاء السياسي لحاكم، ويتحـدد نطاقه بما يصل إليه سلطانه ويتوسع ويتقلص معه. وكان مفهوم القومية آنئذ هو: (جماعة خاضعة لقانون، وتمثلها الهيئة التي تسن ذلك القانون)، وأساس الانتماء هو فرض الغالب إرادته على المغلوب.
وفي القرن التاسع عشر صار مفهوم الأمة يعني: كيانًا مستقلاً قائمًا بذاته يجتمع في ظله قوم تجمعهم اللغة والفكر والأصل المشترك الناتج عن العيش على أرض واحدة. بمعنى آخر، صارت الأمة: جماعة من البشر تتوطن حيزًا جغرافيًا معينًا، ويجمعهم تراث تاريخي ودور مشترك ورغبة في الوحدة الوطنية. والسيادة شرط لنشوء الدول وليست شرطًا لنشوء الأمم، وليست القومية قطبًا متنافرًا مع العالمية، بل هي نواتها.
ومعنى ذلك أن الفصل بين الأمة والدولة وارد. والمطلوب هو التوازن بين القوميات بحيث لا تخضع قومية لقومية أخرى، ولا تتسلط واحدة على غيرها. ثم تتم الوحدة العالمية على مرحلتين: وحدة القوميات المتميزة كل على حدة أولاً، ثم التعانق بين القوميات على ركيزتي العدل والندية في وحدة عالمية شاملة(17).
ويؤخذ على هذا الطرح أنه سلَّم بإمكانية الفصل بين الدولة والأمة، وبحاجة القومية ذاتها إلى ناظم يوحد كل منها على حدة وإلى حماية من التسلط القومي، وإلى العدل والندية لإرساء وحدة عالمية؛ فما هو الناظم؟ وما المانع من التسلط؟ وما الضامن لبقاء الندية بعد الوحدة العالمية؟
ويميز عبد الله عبد الدائم بين ثلاثة أنواع من القومية: قومية إقليمية تقوم على القومية القطرية الضيقة، وهي لم تعد صالحة؛ وقومية دينية، وهي نسبية، يستبعدها الزمان والمكان، وتنحصر في البلد الواحد في أحياء دون أحياء، وتقوم على التلفيق؛ وقومية أممية تنظر إلى القومية العربية كمرحلة للأممية، وجميعها لا تقبلها القومية العربية(18).
ومن اللافت للنظر في هذا الطرح أنه يؤكد قابلية القومية؛ لأن تكون محكومة لا حاكمة، وأن يتحدد مدلولها بناظم آخر قد يكون هو الإقليم أو الدين أو التعددية العرقية(19).
ويعود محمد عمارة بمفهوم القومية العربية إلى القرن الثالث الهجري، ويرى أن المعتزلة صاغوا مفهومًا غير عرقي للعروبة يشكل بمعناه الحضاري رباطًا جديدًا ضد الشعوبية والعصبية الأموية. إلا أنه ما يلبث أن يسلم بأن اليقظة القومية العامة لم تحدث إلا مع الحملة الفرنسية على مصر، ويذهب إلى التماثل بين مفهومي (قوم) و(أمة) في الأدبيات السياسية العربيـة، وفي اللغة العربية، والقرآن الكريم. فالأمة هي: الجماعة، وأمة الرجل قومه، بل إنه عرف (قوم الرسول) بأنهم “مجموع الأمة بعثه الله لهدايتها”(20). وإن صح هذا التعريف: ألا يصير قوم محمد (عليه الصلاة والسلام) مرادفًا لأمة تشمل البشرية جمعاء من بعثه حتى قيام الساعة؟.
وفي تعريفه للأمة يرى د. محمد عمارة أنها جماعة ثابتة من الناس لا عرقية ولا قبلية تكونت تاريخيًا، لها لغة مشتركة وأرض مشتركة وحياة اقتصادية مشتركة وتكوين نفسي مشترك ينعكس في ثقافة مشتركة، فالأمة لها خمس سمات: جماعة واحدة التكوين، مستقرة، لها لغة واحدة، موجودة على رقعة من الأرض لا تفصلها العوائق الطبيعية، وتمتلك الظروف المادية التي تكفل لها الحياة الاقتصادية المشتركة وتمتلك الثقافة المشتركة التي تجسد تكوينًا نفسيًا مشتركًا في الإحساس بهذه السمات(21).
ولا يخفى أننا لو طبقنا هذا المفهوم للأمة الذي نحته من أجل إقامة دولة قومية عربية واحدة، فإنه سيستحيل معه القول بوجود أمة إسلامية واحدة لتعدد لغات المسلمين ووجود حواجز جغرافية في ثنايا العالم الإسلامي.

2- رؤية في قراءتين لسياق مفهوم في قرن:

قدّم إبراهيم بيومي وناصيف نصار قراءة للسياق التاريخي لمفهوم الأمة في القرن العشرين. وتؤكد قراءة إبراهيم بيومي المنطلقة من رؤية إسلامية أن الساحة الفكرية المصرية لم تعرف مفهوم الوطن والمواطنة والوطنية بالدلالات العلمانية التي عرفتها أوروبا إلا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وظل مفهوم الأمة الإسلامية حتى الحرب العالمية الأولى هو المعين الذي يتحدد به مفهوم الوطن والمواطنة والوطنية والتبعية والاستقلال. وفيما بين عامي 1918، 1945 شقت الدلالة العلمانية الغربية طريقها إلى هذه المفاهيم، واتخذت بُعدًا مؤسسيًا تجسد في نشأة دولة قومية في إطار وطني جغرافي محدد في مصر والعراق وتركيا، وبدأت أزمة الجدل بين دعاة المرجعية الإسلامية في تحديد تلك المفاهيم ودعاة تحديدها وفق المرجعية الأوروبية العلمانية، ولا يزال الاستقطاب بينها قائمًا حتى الآن.
وفي حين عرّف “حسن البنا” الوطن بأنه: كل مكان رفعت فيه راية التوحيد، عرفه طه حسين بأنه: منطقة جغرافية يقيم عليها شعب معين دولة قومية حديثة(22). وتكرست رؤية دعاة المرجعية الأوربية العلمانية على الصعيدين المؤسسي والسلطوي في حين ظلت الرؤية المقابلة محصورة في نطاق الساحة الفكرية.
ورغم إلحاح إبراهيم بيومي على إسلامية مرجعية الطهطاوي وخير الدين التونسي في تحديد مفهوم الوطن، وحرصهما على اقتباس ما لا يصطدم بالدين من الدلالات الأوروبية لمفاهيم الدولة ونظام الحكم والقانون والدستور، مرتبًا على ذلك عدم إثارة ما ترجماه من تشريعات وأعراف أوروبية لمشكلة شرعية، فإنه تأثر هو نفسه في تصنيف المفاهيم التي بحث سياقها التاريخي بالدلالات الغربية لها في ضوء حديثه عن الاستخدام السياسي لمفهوم الأمة لدعم فكرة القومية العربية فيما بين عامي 1945، 1970، وفي تقسيمه لمفاهيم (الأمة والوطن والقومية والدولة ونظام الحكم والشرعية والقانون والدستور، إلى قسمين: الأول يشمل الوطن والأمة والقومية، والثاني يشمل الدولة ونظام الحكم والشرعية والقانون المدني)، متخليًا بذلك عن شمول مفهوم الأمة في مضامينه الإسلامية واستبداله بمفهوم القومية العلمانية، وموحيًا بدلالة التضمن أن المرجعية الإسلامية لمفهوم الأمة غير مكتفية ذاتيًا، وأن هناك إمكانية لتطعيمها بمفاهيم غربية، وأن مضامين المفاهيم الغربية تقبل التجزئة.
ثم إنه صنف المفاهيم إلى ثلاث مجموعات: (الأولى تشمل الحرية والمساواة والإخاء، والثانية تشمل: الأمة والوطن والقومية والدولة ونظام الحكم والشريعة والقانون والدستور، والثالثة تشمل: الدين والعلم والتمدن)، وأشار إلى استدعاء مفهومي الدين والعلم مجموعتين من المفاهيم تشمـل الأولى: العقل والوحي والغيب والشهادة، وتشمل الثانية: التقدم والنهضة والتمدين والتغريب والتنمية والقديم والجديد والعلمنة(23).
وبدلاً من الإشارة إلى كل هذه المفاهيم كشجرة مفاهيمية لمفهوم الأمة في المرجعية الإسلامية، وتتبع سياقها التاريخي في مواجهة المرجعية القومية العلمانية، فإن هذا التصنيف بذاته يؤشر على التأثر بالمرجعية الأخيرة . ويؤدي عدم تحديد دلالة المفاهيم المحورية الواردة بالدراسة إلى غموض هذه القراءة لسياق التطور التاريخي للمفاهيم وعدم قدرتها على إثبات أن استيراد الطهطاوي وخير الدين التونسي لبعض الدلالات المنتقاة لمفاهيم غربية ضمن انضباط تلك المفاهيم في الساحة الإسلامية. فلقد تفاعلت تلك المفاهيم من واقع طبيعتها التي لا تتجزأ وليس من واقع ما أراداه لها ومنها، وكان ذلك بالتالي خطوة على طريق ظهور دعوة مكشوفة على لسان غيرهما للفصل بين الدين والدولة بعد الحرب العالمية الأولى (24).
وتجسد دراسة ناصيف نصار عواقب الاستناد إلى المرجعية والمنهاجية الغربية في تحليل مفهوم الأمة فلقد أدى استنادها إلى التحديد الغربي لمفهوم السياسة (اعتبار المحدد الأساسي له هو الدولة القومية) ولمفهوم الدين (العقيدة الدينية) إلى الخروج بمقولة أن معايير رابطة الأمة أربعة: الدين واللغة والإقليم الجغرافي والدولة، وبأن الفكر الحديث المعاصر عرف خمسة عشر صنفًا من المفاهيم لكلمة (الأمة). ودون دخول في تفصيلات لا يتسع لها المقام تكفي الإشارة إلى أهم معالم تعبير هذه الدراسة عن أزمة مفهوم الأمة.
أ ـ الدراسة تتحدث عن ثلاثة تصورات للمفهوم تصفها بأنها دينية، رغم أن بعضها يدعو إلى تهميش الدين، ولا تجد غضاضة في وصفها بالدينية والقول بأن الجامع بينها هو اعتبار الإسلام المقوم الجوهري للأمة واللامشترك بينها هو مفهوم وحدة الأمة الإسلامية . وتتعدى الإيحاء بأن (الوحدة) ليست من المقومات الأساسية لمفهوم (الأمة الإسلامية) إلى القول بأن الواقع التاريخي قد تخطى طور الوحدة الإسلامية الشاملة وتركيز الدولة على الدين(25). وتقسم الدراسة التصورات الدينية لمفهوم الأمة إلى:
(1) تصور توفيقي، من أهم رموزه: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وخير الدين التونسي، والكواكبي، وحسين المرصفي ، وهم ـ بزعم ـ صاحب هذه القراءة لا يعتبرون الدولة الإسلامية من مقومات الأمة الإسلامية ويرفعون شعارات كالجامعة الإسلامية والرابطة الشرقية. وهم يعرفون أن الشرقيين أمم، ورغم أن هاجسهم هو وحدة الأمة الإسلامية، فإن مفهوم الوحدة الذي هو شرط وجود الأمة الإسلامية عند الأفغاني هو: جامعة المعتقد الديني وليس وحدة الدولة أو الوحدة السياسية للأمة المسلمة.
ورغم استخدام الكواكبي لمفهوم الأمة بمعنى الجماعة الشاملة للمؤمنين برسالة محمد (صلى الله عليه وسلم)، فإن المقوم الأساسي لها عنده ليس الدين، والأمة عنده هي مجموعة أفراد يربطها نسب أو وطن أو لغة أو دين، وآفة الأمم هي الاستبداد، وهي عرضة له مهما كان دينها. ورغم دعوته لبعث الخلافة فإنه أرادها كمرجع ديني خالص. وميز حسين المرصفي بين ثلاثة أنواع من الروابط في تكوين الأمم: اللسان والمكان والدين، وتحدث عن الأمة بحسب اللسان، والأمة بحسب المكان، والأمة بحسب الدين، وأضاف إليها الكواكبي: رابطة النسب ورابطة الحقوق المشتركة ورابطة الجامعة السياسية الاختيارية (26). فالأمة عند الكواكبي تقوم على إحدى هذه الروابط أو على مزيج منها.
ويرى رشيد رضا أن الأصول العامة للجامعة الإسلامية ثمانية: أولها وحدة الأمة وآخرها وحدة اللغة، ويتوسطهما: وحدة الجنس البشري ووحدة التشريع ووحدة الأخوة الروحية ووحدة الجنسية السياسية للدولة ووحدة القضاء. ويقدم رشيد رضا خطتين للتوحيد، الأولي للتوحيد الديني، والثانية للتوحيد السياسي، ويهتم بالأولى؛ لأن التنازع الديني بين المسلمين ناجم عن التنازع السياسي.
وتحدث ابن باديس عن أمم إسلامية، وأكثر من استخدام مفهوم (الأمة الجزائرية )، وفرّق بين وحدة إسلامية أدبية واجتماعية، وبين البعد السياسي الذي رأى أنه شأن خاص بالأمم الإسلامية المستقلة، واقترح إنشاء هيئة إسلامية عامة غير سياسية تقوم بمهمة المرجع الأعلى الواحد لكل المسلمين في الشؤون الأدبية والاجتماعية (27)، وهو وإن كان قد رأى أن يستبقي من مفهوم الأمة بالمعني التقليدي: الارتباط بين الدين والمجتمع، فإنه سلّم بوجود أمم إسلامية على الصعيد السياسي والفصل ـ بالتالي ـ بين الدين والدولة.
(2) تصور ديني سياسي: المعبر عن هذا التصور هم جماعة الإخوان المسلمين، وإن غرست بذرته في مطلع القرن العشرين على لسان الشيخين محمد توفيق البكري وعبد العزيز جاويش، وهو يربط مفهومي الوطن والوطنية بالدين . فالوطن مرادف للدين وهو مجموع الأمة الإسلامية، ومن قال من المسلمين في أي بقعة من الأرض: وطني، فقد قال: ديني. ولا وطنية في الإسلام غير الوطنية الملازمة للأمة الإسلامية. ثم رفع حسن البنا شعار: الإسلام دين ودولة. والأمة الإسلامية أمة دين وأمة دولة. والمسلمون أمة واحدة تتحقق وحدتهـم عندما تقوم الدولة الإسلامية الواحدة (28).
ورغم طرح حسن البنا لفكرة وحدة الأمة ورسم معالم تشكيل نواة تسعى إلى استعادتهـا، فإنه لم يسلم هو نفسه من تأثير هجمة المفاهيم الغربية حيث استخدم عبارات: أمم إسلامية، والأمم الإسلامية، وعصبة الأمم الإسلامية، وهيئة الأمم الإسلامية، ورابطة أمم الإسلام(29).
ووقع عبد القادر عودة في ذلك الفخ فتحدث عن مزج الإسلام بين الدين والدنيا وما يتعلق منه بالدنيا هو الجزء الأهم، وكأن الإسلام ليس مرادفًا للدين. ولم يقف عند هذا الحد بل تبنى التحديد الغربي لمفهوم الدين، فقسم أحكام الإسلام إلى نوعين: أحكام يراد بها إقامة الدين وتشمل العقائد والعبادات، وأحكام يراد بها تنظيم الدولة والجماعة، وتشمل: المعاملات والأحوال الشخصية والدستورية والدولة والعقوبات. والدين جزء من الإسلام، والحكومة هي جزؤه الثاني بل هي الجزء الأهم (30) .
ويختزل ناصيف نصـار تصور سيـد قطب للأمـة بمقولـة إن (كل ما حولنا جاهلية)، وهو ما سيتضح زيفه في الجزء الثاني من هذه الدراسة. ويهاجم مفهوم (الأمة المسلمة الواحدة) التي أنشأها الإسلام مستندًا إلى مرجعية قومية علمانية ترى أن مفاهيم الوطن والمجتمع والنظام غير مترادفة. وتتهم بالازدواجية من يقول بإقامة أمة إسلامية واحدة استنادًا إلى قدرة الإسلام في ضوء الخبرة التاريخية على إقامـة مجتمع متجانس ومتناسق، والتوحيد بين الشعوب والثقافات المتعددة المتباينة، واستثناء تلك الأمة على مبدأ التوحيد كما تجلى في نبعها الوحيد: القرآن والسنة (31).
(3) التصور الديني اللاسياسي: يرتب المؤلف وصف (اللاسياسي) على عدم اعتبار التصور الديني الموصوف باللاسياسي مقومًا ضروريًا من مقومات الأمة القائمة على رابطة الدين، موحيًا بذلك ضمنًا بأن الدين يقبل الفصل بين مفهوم الأمة والدولة (32). ومن أهم رموز هذا التصور الذين أشارت إليهم الدراسة: محمود عزمي (الداعي إلى تجاوز التشريع الديني حتى في الأحوال الشخصية)، وعلي عبد الرازق (الذي يقول بعجز الرابطة الدينية دائمًا عن إيجاد الوحدة السياسية ويدعو إلى فصل الدين عن الدولة وعلمنة الإسلام).
وإذا كان الفصل بين الخلافة والإسلام يترك الباب مفتوحًا لاستعادة الوحدة السياسية للأمة الإسلامية بنظام غير نظام الخلافة ـ في رأي ناصيف نصارـ فإن الفصل بين الإسلام والدولة “يحرر الإسلام من شرط الدولة ويحرر الدولة من شرط الإسلام” (33). ومن رموز هذا التصور أيضًا خالد محمد خالد (الذي يرى أن الحكومة الدينية أمر فاسد، والتشريع عمل إنساني، ويطالب بقومية الحكم وديمقراطية التشريع، ويعتبر الوحدة الدينية العامة رابطة ووحدة معنوية لا تحتاج إلى حكومة)، وطه حسين (الذي يرى أن السياسة شيء والدين شيء آخر، والأمة/ الوطن صالحة كأساس للوحدة الدينية بعكس الأمة/ الدين وليس بالقرآن تنظيم مجمل ولا مفصل لأمور السياسة، بل مجرد أحكام أخلاقية. والإسلام دين بلا سياسة، والأمة الإسلامية الموحدة دينيًا وسياسيًا مجرد وهم).
ويبلغ محمد النويهي ـ برأي ناصيف نصارـ الذروة في بناء تصور ديني لا سياسي للأمة بالقول بأن مفهوم الأمة الإسلامية مفهوم ديني خالص، بينما مفهوم الأمة العربية مفهوم لغوي سياسي، وتشريعات القرآن والسنة مجرد حلول لمشكلات معينة في مرحلة تاريخية معينة، وليست ملزمة للمسلمين الآن بالضرورة، فالمتعين عليهم فحسب هو “الالتزام بالغايات الأخلاقية العليا المتضمنة في القرآن” (34).
ب ـ التصورات اللغوية لمفهوم الأمة: تتحدث هذه الدارسة عن ثلاثة تصورات لمفهوم الأمة تتطابق مع نطاق اللغة، وهي:
(1) تصور لغوي بسيط: أول من طرق مفهوم الأمة ـ اللغة هو حسين المرصفي الذي ميز في أوائل القرن التاسع عشر بين مفاهيم الأمة والوطن والحكومة والعدل والظلم والسياسة والحرية والتربية. والأمة عنده هي: جملة من الناس تجمعهم جامعة اللسان أو المكان أو الدين، والأمة بحسب اللسـان هي الأسبق، والانفصال تام بين الأمة / اللغة، والدولة. والجامعة اللغوية ليست خارجة عن الجماعة بل هي آصرة لها من ذاتها، وهي تولد الاستئناس، ولكنها لا تستلزم وحدة الدولة السياسية بالضرورة. أما الأمة بحسب المكان، فإن محددها هو الإقليم أو الوطن، أما الأمة بحسب الدين فهي: أتباع شريعة يلتزمون بها ولا يخرجون عن حدودها ولا تحدث عداوة بين المنتمين إليها. والأمة الداعية إلى الخير المأمور بها في القرآن ليست كائنة ولم تكن (35).
(2) التصور اللغوي العنصري: ومن رموزه أحمد فارس الشدياق وإبراهيم اليازجي وعبد الغني العريس وصلاح الدين القاسمى، ومحور هذا التصور هو: الدعوة إلى استقلال الأمة العربية عن الدولة العثمانية على أساس أن وحدة اللغة ووحدة العنصر هما المقوم الأساسي للأمة، ومقومات الأمة العربية والتركية ليست سياسية بعكس الأمة العثمانية. ومعنى ذلك، أن الأمة قد تترافق مع الدولة وقد تنفصل عنها.
(3) التصور اللغوي التاريخي: ومن رموزه ساطع الحصري الذي يرى أن اللغة والتاريخ هما العاملان الأصليان في مفهوم الأمة وتكوين القوميات. أما الدولة فلا تضيف للأمة غير دعم كيانها ورعايتها.
(4) التصور اللغوي الميتافيزيقي: ومن رموزه زكي الأرسوزي ومفهوم الأمة عنده منبثق من اللغة والرسالة القومية للأمة العربية، وسبيل استعادتها هو الرجوع إلى العصر الجاهلي لاستعادة الأصول العربية الحقيقية لعبقرية الأمة العربية الكامنة في لسانها. وهذه الرؤية متأثرة بالنظرة الألمانية للأمة كعبقرية مبدعة حية متطورة تأبي الدخيل والهجين (36).
(5) التصور اللغوي السياسي: ومن رموزه شفيق عفلق ونديم البيطار، ويرى أن الدولة لا تأتي بعد الأمة لا من حيث التكوين ولا الكيان، وتستدعي رابطة اللغة الواحـدة وحدة الوجود السياسي والعمل السياسي للأمة. واستخدم الخطاب الناصري (الأمة) بمفهومين، ينطبـق أولهما على مصر، وينطبق الآخر على مجموع العرب (37). ويوحي طرح هذه التصورات على هذا النحو بعدم الاتفاق بين أصحاب التصورات اللغوية لمفهوم الأمة بشأن الربط أو الفصل بين مفهومي الأمة والدولة.
جـ ـ التصورات الإقليمية لمفهوم الأمة: يرادف الإقليم في هذه التصورات (القطر) في منظور التصور الإقليمي الوطني، والوطن العربي في رأي دعاة القومية العربية، ومن أبرز أقسامها:
(1) تصور وطني وقطري: الأول يربط مفهوم الأمة بالدولة القومية، والثاني يرى أن الدول القومية ترسخ التجزئة وتباعد بين أجزاء وطن واحد في الأصل. واستخدم بطرس البستاني مفهوم الإقليم الوطن كمرادف للأمة.
(2) تصور إقليمي سياسي: من رواده رفاعة الطهطاوي ويربط مفهوم الأمة بالوطن وبالدولة الواحدة، ورأى أنطون سعـادة، أن المحدد الأساسي للأمة هو البيئة الجغرافية. ووصل جمال حمدان إلى حد اعتبار مصر أمة بل هي أقدم أمة في أول دولة في التاريخ، وهي أم الأمم (38).
د ـ التصورات السياسية: ومحورها النظر إلى الدولة على أنها هي: المقوم الأول للأمة. ومن أهم أقسامها:
(1) التصور السياسي البسيط : ومن رموزه أديب إسحاق وكمال يوسف الحجاج اللذان يعرفان الأمة بالجماعة المتجنسة جنساً واحداً، الخاضعة لقانون واحد، ووحدة الجنس هي وحدة الأصل وليس وحدة النسب المتجسدة في الانتساب لدولة معينة .
(2) التصور السياسي المتطور: الأمة تتحدد باللغة، والقومية تتحدد بالدولة والكيان السياسي، ولا بد للقومية من لغة أم واحدة. ولا فوق فوق الأمة، ولا شيء يسمو عليها، وهي مجتمع استقامت الروابط بين أعضائه على أساس وحدة الأرض والاقتصاد والتاريخ واللغة.
(3) التصور السياسي الدستـوري: ويحدد مفهوم الأمة هنا على النحو الذي يتحدد به في الدساتيـر، ويراد بها بالتالي دولة من الدول القائمة (39).
ومن الواضح أن التحليل النسقي الذي أفرز التصنيف السابق لتصورات مفهوم الأمة المعاصرة جعل بعض المفكرين رموزًا لأكثر من تصور ولم يخرج في الواقع عن دائرة الجدل بشأن العلاقة بين مفهوم الأمة والمرجعيتين الإسلامية والغربية، وكشف عن مدى ما تعرض له مفهوم الأمة من تقويض شمل إطلاق وصف (التصور الديني) على محاولات لبناء المفهوم لا تمت للمرجعية الإسلامية بصلة.
3- مفهوم الأمة في المعاجم السياسية والاجتماعية العربية: غلبت المرجعية القومية العلمانية الغربية على تحديد مفهوم الأمة في معاجمنا السياسية والاجتماعية العربية. وتكفي المقارنة بين تعريف موسوعتين غربيتين له وتعريف عدة موسوعات عربية له.
فالأمة فيما ورد في الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية مرادف للدولة أو لسكان الدولة، أو أنها تشير إلى مجموعة من البشر يجمعهم التضامن المشترك ويضع أفرادها الولاء لها على قمة الولاءات المتصارعة الأخرى. والأمة مرادف للقومية وهي تعني: مجموعة من البشر تجمعهم عواطف مشتركة لا توجد بينهم وبين غيرهم تؤدي إلى التعاون الطوعي بينهم أكثر من استعدادهم للتعاون مع غيرهم، وإلى رغبتهم في الخضوع لنفس الحكومة ولحكم أنفسهم بأنفسهم أو بواسطة فريق منهم على سبيـل الحصر.
والفكرة القوميـة مدينـة في تحقيقها للعالمية بحدثين: الثورة الفرنسية والحروب النابليونية (التي نشرتها في أوروبا) والحركة المعادية للاستعمار في القرن العشرين التي مدتها إلى بقية العالم. وجذر المفهوم في اللغة اللاتينية هو الفعل (يولد)، ويشير أصلاً إلى مجموعة ولدت في نفس المكان بصرف النظر عن مساحته ثم صار علمًا على سكان بلد معين في القرن الثامن عشر ثم صار معناه الأساسي الدعوة إلى الدستورية والعلمانية والمساواة والمركزية والتحديث وعقلنة البنية الإدارية للمجتمع.
وكما ارتبط المفهوم بالتغيير في أوروبا ارتبط بالتغيير (محاكاة لما حدث في أوروبا) في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية في القرن العشرين. واكتسب المفهوم معني ثانويًا هو: الدلالة على شعب غريب، فأطلق المستعمرون الإنجليز لفظ (أمم) على السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، وسمي الرومان القانون الدولي (قانون الأمم) قبل ظهور مفهوم القانون الدولي عام 1780، ثم تطور المفهوم ليعني أي دولة ذات سيادة بغض النظــر عن شكل حكومتها، وامتزج المعنيان بسبب اعتبار الأمم ذات سيادة (40).
وولد هذا المفهوم إشكالية أساسها الجدل بشأن حق تقرير المصير وأساس عضوية الأمة. ففي حين رأى فشته إقامة دولة ألمانية على رأس عشرات الأمراء ودافع مازيني عن الوحدة الإيطالية، سعى القوميون في أوروبا الشرقية إلى إسقاط الإمبراطوريات الروسية والعثمانية والنمساوية المجرية المتعددة الأعراق، وفي حين زعم مازيني أن كبح القومية هو سبب الحرب، ذهب الليبراليون الفرنسيون بعد قرن كامل إلى القول بأن الإفراط في النزعة القومية هو سبب الحرب. ورغم رفض ماركس للقومية كمثالية برجوازية فإن ماركسيين لاحقين قبلوا الفكرة القومية وتحالفوا مع حركات التحرير القومية في المستعمرات، ولاذت المستعمرات السابقة بهذا المفهوم كوسيلة للاستقلال والتحديث0
وأضفى الفكر الغربي مزيدًا من الغموض على مفهوم المواطنة القومية بالتفرقة بين خصائص موضوعية له (التاريخ والجغرافيا والبيئة الاقتصادية) وبين خصائص ذاتية له (الوعي والولاء والإرادة)، ورأوا أن الخصائص الذاتية قد تعزز مشاعر المواطنة ولكنها ليست من محدداتها . فمفهوم الأمة نسبي وقد لا تتطابق حدود الدولة مع حدود الوعي القومي الذاتي، وقد تتضمن الدولة أقليات عرقية لا تشعر بنفس الولاء القومي، وقد تقسم الحدود مجموعة قومية. وقد يدعي الساسة إتمام بناء الأمة مع أنها لا تزال قيد التشكيل. وكثيراً ما تسبق نشأة الدولة القومية بناء الأمة.
والولاء القومي ليس عاملاً ثابتاً . فمنذ الحرب العالمية الثانية تتنافس الولاءات الأوروبية المشتركة مع الولاءات الأوربية القومية على نحو قد ينتهي بقيام أمة أوروبية. والدولة القومية الحديثة في جوهرها دولة إقليمية، والمعول عليه في قيامها هو الخصائص الموضوعية (الجغرافيا والتاريخ واللغة) والإرادة الشعبية.
والواقع أن الحد الطبيعي قد يفصل أمتين وقد يساهم في نشأة أمة: الراين فصل بين فرنسا وألمانيا، والنيل وحد مصر. فالظواهر الجغرافية ليست هي التي تنشئ الأمم بل السكان. والتاريخ ليس مقومًا جوهرياً للأمة. فالتاريخ مجرد مخزن للرموز ينتقي منها كل طرف ما يحلو له.
واللغة هي المعيار الذي ارتكزت عليه القومية الأوروبية أكثر من أي معيار آخر فهي تفرق البشر إلى مجموعات متمايزة، ومع ذلك فإنها ليست معياراً كافياً للقومية لأن السياسة تشكلها وتتشكل بها .
فالخطوط اللغوية الأوروبية تتمشى إلى حد كبير مع حدود الأسر المالكة التي سادت من القرن العاشر حتى الخامس عشر، وفي أجزاء أخرى من العالم فإن المناطق اللغوية إما بالغة الصغر كما في إفريقيا الاستوائية، أو بالغة الكبر كما في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط العربي كمجال جغرافي لدولة قومية حديثة. ولا تتمشى الخريطة اللغوية للعالم مع الخريطة السياسية إلا في قرابة عشرين دولة معظمها في أوروبا. وفي قرابة نصف دول العالم يتحدث أقل من 70% من السكان لغة واحدة.
أما عن الإرادة الشعبية فيراد بها تحديد القومية بالاستفتاء الشعبي، وقد أثبتت الخبرة أن الاستفتاءات غير قادرة على تقرير الحدود القومية إلا في حالات هامشية ووفق إجراءات محددة سلفًا تستدعي مقولة سير أيغور جاننجز. يبدو أن معيار: دع الشعب يقرر معقول في ظاهره، ولكنه مضحك في الواقع لأن الشعب لن يستطيـع أن يقرر إلى أن يقرر شخص ما أولاً: من هو الشعب؟
ويطرح الفكر الغربي حلاً لسيولة المحددات التي سبق له أن اعتمدها في القرن السابع عشر لمفهوم الأمة، بربط المفهوم بالحداثة والاتصال الاجتماعي.
ويراد بالحداثة توسيع نطاق السيطرة على الطبيعة عبر تفاعل أوثق بين البشر، وأساس ربطه بمفهوم الأمة هو تكريس مبدأ الدول القومية المتوسطة الحجم، لتكون القومية والحداثة وجهين لثورة اجتماعية وسياسية وثقافية واحدة، وتشكيل الوعي السياسي بالقومية عبر التعبئة الاجتماعي كبعد اجتماعي للحداثة. ولم ترتكز النزعة القومية على هذه التقاليد السياسية خارج أوروبا الغربية، ولم تحترم الحدود الدولية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أي منطق لغوي أو جغرافي أو اقتصادي، كما لم تستند على أي تقاليد سياسية لبناء الأمة داخل تلك الحدود.
ولم يسفر التحول من الاستعمار إلى الاستقلال إلا عن تحويل العنف إلى عنف أكثر تنظيمًا بين الدول الجديدة. وتأكدت السمة التمزيقية للدول القومية الناشئة إلى حد دفع سنجور إلى القول بأن (الدولة القومية هي الصيغة الأولي للقرن العشرين، أما الحقيقة القادمة فهي الاعتماد المتبادل بين الأعراق والقارات والأمم)(41)0
وفي حين انفرد معجم العلوم السياسية الميسر باستخدام مصطلح (أمة) مع عدم ترجمته وأغفل مفهوم القومية تمامًا، مشيرًا إلى الإسلام كدين ودولة، وحدد وطن الأمة بكل مكان يقطنه مسلمون، فإن هذا التحديد على بساطته وافتقاره إلى أي عمق تحليلي هو الوحيد الذي حوم حول المرجعية الإسلامية في تحديد هذا المفهوم(42).
أما الموسوعات السياسية الأخرى التي اطلعنا عليها فالتزمت بالمرجعية القومية والعلمانية في تحديده. فالأمة ـ في القاموس السياسي ـ هي الركن الأول في قيام دولة. وهي جماعة من البشر، مستقرة في إقليم وترتبط بوحدة الأصل أو اللغة أو العقيدة. والأمة العربية هي الشعوب القاطنة في العالم العربي والجامع بينها هو: اللغة والتاريخ والأماني ثم العقيدة (43).
والأمة مفهوم يستمد أهميته من ارتباطه بالقومية أو لاعتباره أحد أركان مفهوم الأمة القومية، ويراد به مجموعة من الأفراد يتبلور لديهم شعور ما بالهوية المشتركة من جراء قدر من الاستمرارية التاريخية والتجانس الثقافي والارتباط الجغرافي بمكان بذاته.
ولم تقف هذه الموسوعة عند حد التسليم بأن بعض معايير تعريفها مرتبطة بادعاءات مضللة؛ حيث اكتمل وجود أمم كثيرة رغم افتقادها لمقومات التجانس اللغوي أو الديني أو العرقي أو التواصل الجغرافي (44)، بل تحدثت عن التحرر القومي، بمعنى تحرير أمة ما من سيطرة قوة خارجية أو خلق أمة من الداخل بكسر المؤسسات التي تشكل نوعًا من الاستعمار الجديد وإعادة بناء الدولة ـ الأمة.
ورغم الشعور بوجود الأمة اليونانية بمقوماتها المختلفة فإنها لم تعرف الدولة القومية التي ظهرت تاريخيًا مع عجز الإمبراطورية الرومانية عن إحكام قبضتها على وحدات المجتمع الدولي، وظهرت كثير من الدول القومية المعاصرة بإرادة استعمارية خالصة، وسبقت الدولة بناء الأمة القومية. وعُرفت ( الدولة الدينية ) بأنها دولة يحكمها رجال الدين وفق التعاليم الدينية ولا تعرف الفصل بين الدين والسياسة، و( الدولة العلمانية ) بأنها دولة تحكمها هيئات مدنية خالصة ويتراجع دور الدين فيها في تسيير أمور الحياة ولا يصير له وجود خارج دور العبادة أو في صورة الطقوس والشعائر (45).
ورغم ما جاء في مقدمة معجم العلوم الاجتماعية من أن التعريفات الواردة به روعي فيها التركيز على الجانب العربي الإسلامي (46)، فإن مادة (أمة) فيه استندت على مرجع واحد باللغة الفرنسية، وعُرفت من ثم الأمة (في اللغة) بجماعة من الناس تربطهم صفات وعادات متجانسة، وفي الاصطلاح بأنه مجتمع بشري له ثقافة مشتركة وأهداف واحدة تحقق التعاون والتقارب بين أفراده. والأمة تحتاج إلى نظام سياسي وإداري يعرف بالدولة. وفكرة الدولة مستقلة عن فكرة الأمة فالدولة ليست شرطًا للأمة. فمن الدول دول تنتظم شعوبًا مختلفة أو ناطقين بأكثر من لغة أو منتمين لأكثر من ثقافة أو لأكثر من دين، وقد تتوزع الأمة بين أكثر من دولة (47).
ولم يشر هذا المعجم للعلاقة بين مفهوم (الأمة) ومفاهيم أخرى أوردها مثل: الشعب الذي حدده بمعنيين People (بمعنى السكان كوحدة متميزة عن غيرها من الناحية العددية) وFolk بمعنى الشعب أو جزء منه من حيث العادات والتقاليد والتأثير المتبادل بينه وبين الوسط الجغرافي المحيط به. وفي تحديده لمفهوم القبيلة رأى أنها مجموعة عشائر لها أرض مخصصة ولغة مشتركة وثقافة واحدة وقد يكون لها سلطة سياسية مركزية أو موزعة على العشـائر ويسودها تضامن اجتماعي تمليه رابطة الدم والقرابة (48).
والواقع أنه لو قدر لمؤلفي هذا المعجم الرجوع في بناء مفهوم الأمة ومفاهيم الشعب والقبيلة والعشيرة إلى معاجم اللغة العربية لما تأثر بناؤها بمقولة التطور الخطي الغربية، ولما اعتبرت أطوارًا أدنى من الأمة، بل أنساقاً لمفهوم الأمة وجود أي منها ليس نافيًا لوجود غيره ونوع الرابطة القائمة في ظل كل منها تجمعه بمفهوم الأمة علاقة تكامل وليس علاقة نفي.
والأمة ـ في موسوعة السياسة ـ مجموعة بشرية تكون تجانسها القومي عبر مراحل تاريخية تكون خلالها لغة مشتركة وتراث ثقافي ومعنوي وتكوين نفسي مشترك. وأدى العيش على أرض واحدة والمصالح الاقتصادية المشتركة إلى تولد إحساس بشخصية قومية وتطلعات قومية موحدة ومستقلة.
وفي حين لم تشر الموسوعة إلى (أمة إسلامية) فإنها أوردت ربط الماركسيين لمفهوم الأمة بالرأسمالية والبرجوازية وانتقدته، وسلمت بعدم قطعية الشروط الواردة في تعريفها للأمة ولارتباط المفهوم في ذهنها بالدولة القومية فإنها قالت بوجود أمم لا تتوفر فيها هذه الشروط، وعجز شعوب توفرت فيها تلك الشروط عن البروز كأمم وبقائها في عداد الجماعات القومية داخل أمم أخرى. ومع ذلك فإنها فصلت في تعريفها للأمة العربية بالمجموعات البشرية الناطقة بالعربية المقيمة في العالم العربي بين مفهوم الأمة والتجسد في دولة قومية حديثة واحدة، وأخرجت من نطاقها ضمنيًا الطوائف العربية بالمهجر (49). وعلاوة على ذلك، فإن هذه الموسوعة رأت في عدم خلط القومية العربية بين القومية والدين دليلاً على وعيها وسلامة اتجاهها.
وخلاصة الطرح السابق، أن مفهوم القومية أزاح مفهوم (الأمة) في العالم الإسلامي في القرن العشرين ـ على الأقل ـ على الصعيد المؤسسي. وعلى صعيد العالم العربي تحول الرأي فيما بين الخمسينيات وأواخر القرن العشرين من النظر إلى الدول القومية ككيانات مصطنعة غير راسخة في كيان الأمة العربية، إلى النظر إليها ككيانات راسخة ظلت على حالها دون أن تتفكك أو تنصهر أو يعاد تركيبها وحافظت الكيانات الجغرافية للدول العربية ذات السيادة على قدرتها على البقاء (43) رغم معاناتها من أزمة بنائية مؤسسية وتبعيتها الهيكلية للخارج وتراكم خبرات تعثرها واهتزاز شرعيتها ككيان سياسي يحظى بالولاء الأعلى لسكانها. وقسمت ظاهرة الدولة القومية جسد العالم الإسلامي إلى قرابة ستين دولة، فضلاً عن ستة وعشرين إقليمًا إسلاميًا متمتعًا بالحكم الذاتي أو كائنًا ضمن دول غير إسلامية يقطنها خمس أبناء الأمة الإسلامية ولا تستند الخريطة السياسية لدول العالم الإسلامي على أي منطق(50).
4 ـ محاولات تحديد المفهوم من مرجعية إسلامية: تعددت الدراسات الدائرة في فلك مفهوم الأمة من منظور إسلامي في القرن العشرين (أو من بداية القرن الرابع عشر الهجري)، ونكتفي بقراءة نقدية لبعضها.
ففي دراسة بعنوان (النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة) يؤكد مصطفي صبري على الرابطة بين تلك المفاهيم الثلاثة، ويرى أن الخلافة العثمانية كانت تجسيدًا حيًا للأمة الإسلامية وإلغاءها هدم للدين من الداخل وحلقة من حلقات مؤامرة يهودية بدأت في أيام عبد الله بن سبأ، وكانت التمهيد الحقيقي لإنشاء إسرائيل وضياع القدس واستعمار القلوب وإقامة نظام معاد للدين يدور في فلك التبعية والتقليد لأوروبا.
والخلافة في جوهرها حكومة ما قائمة مقام الرسول (r) في تطبيق الشريعة الإسلامية، وإن وجدت حكومة بلا نيابة أو نيابة بلا حكومة فلا يصدق عليها وصف (الخلافة) . فللخلافة ركنان: حكومة ونيابة، والخلافة المقترنة بالحكومة تأبي التعدد، وتفترق بذلك خلافة العلماء عن خلافة الخلفاء، ولا مانع من تعدد أنساق الخلافة على أن يكون لها في النهاية خليفة أعظم ناظم لها، رأيه واجتهاده هو المرجع الأخير لتوحيد كلمة المسلمين وتدبير الخلافة في الأمور الاجتهادية (51).
ورفض مصطفى صبري فصل أتاتورك الخلافة عن السلطة قبل أن يلغي الخلافة تمامًا، ورأى أن لا أمير للمؤمنين عند نزع الأمر منه، بل هو بداية للملك العقور واشترط لإسلام الأمة شرطين: كون أفرادها مسلمين، والثاني حكم الدولة بالإسلام مع ملاحظة وجوب أن تكون الحرية هي حرية الأمة تجاه الحكومة لا حرية الحكومة في التصرف في أمر الأمة؛ لأن إطلاق يد الحكومة يضر بحرية الأمة. ولا فرق بين تخطي الحكومة للقوانين بإهمالها وبين تخطيها لها بتبديلها. ورأس الخطيئة أن تعد الحكومة أو حتى الأمة نفسها حرة في سن أي قانون شاءت، ورأس الشر إطلاق حرية الإنسان في وضع ما يشاء من قوانين. ومع أن الحكومة التركية قبل أتاتورك لم يكن أمرها بيدها ولم تكن مستقيمة تمامًا على طريق الشرع، فإنها كانت أفضل من حكومة أتاتورك التي أتاحت القوى الغربية لها فرصة التمكن والاستقلال مقابل التخلي عن الدين والموافقة على الكف عن جعل تركيا نواة لوحدة المسلمين مرة أخرى (52).
ورغم وعي مصطفى صبري بالعلاقة بين الحكومة والدين والأمة فإن استخدامه لمفهوم الأمة يشير إلى تعرض ذلك المفهوم للأسر. فالرجل يتحدث في غير موضع عن (الأمة التركية)، بل يستخدم مفهوم (الأمة الأصلية) للدلالة على الجزء المخلص لدينه من الأمة التركية، ويستخدم لفظ (الأمة) المعرف بالألف واللام مجردًا في الإشارة إلى الشعب التركي(53).
ولم تحدد دراسة بعنوان “المرجع والأمة: دراسة في طبيعة العلاقات والمهمات” المقصود بالأمة، ولم تشر إلى تعددية المرجع في الأنساق المجتمعية المختلفة. فقط عرّفت المرجع بأنه الفقيه في عصر الغيبة الذي يرجع الناس إليه في أحكامهم وأمور دينهم، والرابطة بينه وبين الأمة رابطة اتباع واع، ووظيفة المراجع هي: توفير برنامج عمل للأمة، وجهاز إداري منظم يقوم بأمرها في كل المجالات، والإفتاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومقاومة الانحراف الفكري، وترفيع مستوى الأمة، والدفاع عن حقوقها وحرياتها الأساسية.
أما وظائف الأمة تجاههم فهي: التقليد في الأحكام الشرعية وامتثال أوامرهم وإيصال العدل إليهم وتعضيدهم في الأمور والالتفاف حولهم ومراجعتهـم في القضاء وإعلامهم بما يقع والدفاع عنهم وبهم (54). ولا يخفى أن هذا التصور الشيعي يحصر علاقة الأمة في مستوى العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويجعل المرجع ناظمًا لشبكة العلاقة القائمة بينهما، ويربط بالتالي بين الأمة والدولة والحكومة من جهة والدين من جهة أخرى.
وردت دراسة أخرى عدم صدارة الأمة الإسلامية إلى إصابتها في عقول أبنائها فهم لا يفكرون إلا كما يريد أعداؤهم. ومع ذلك فإنها اعتبرت مفهوم الأمة الإسلامية بدهيًا، واكتفت بالإشارة إلى أن الوحدة والوسطية من أهم خصائصه: الوسطية في التصور والاعتقاد والعلاقات والمكان. والوحدة بأركانها المتمثلة في: الأخوة بين المؤمنين والإصلاح بينهم، والتعاون بين الناس، والبعد عن العزلة وأسبابها، والاعتصام بحبل الله ونبذ الفرقة واعتبار التقوى معياراً للكرامة (55).
ويرى “الفضل شلق” أن المشروع السياسي للإسلام هو تكوين الجماعة/ الأمة؛ لأن الدين لا يمكن تحقيقه خارج الجماعة، فهي الإطار الوحيد لممارسة الفرد شعائر الدين كاملة. فالجماعة مرتبطة بالدين وهي غاية أو مثل أعلى يتحقق باستمرار، والدولة هي وسيلة تحقيقها وضمان عدم انقطاع سيرورتها.
والأمة هي جماعة الله المختارة لوراثة الأرض والسلطة وإصلاحها، وضعها الصحابة في صدر الإسلام فوق كل اعتبار وقدموها على دفن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وصارت كيانًا مطلقًا لا يمكن توريثه ولا يستطيع أحد من المسلمين ادعاء تمثيله دون غيره من المسلمين. فالأمة لكل المسلمين وتضم كل المسلمين. وعلت الجماعـة على الجدل، وانصب الجدل على محط العصمة: هل هو الإمام أم الأمة والجماعة؟ وعندما فقدت الخلافة سلطتها الفعلية ظل ذلك الرمز ضروريًا.
ومن الأمور ذات الدلالة أن الدولة السلطانية كانت تنشأ في مكان وتنتهي في مكان آخر، ولم يختص انتماء المسلمين بمكان معين بل شمل كل دار الإسلام، وحرص الفقهاء على وحدة الوعي الديني، كما حرص الحكام المحليون على اعتراف الخليفة بهم وتأكيد ولائهم لفكرة الجماعة والانتماء للأمة.
ورغم إبراز هذه الدراسة للعلاقة الوطيدة بين مفهومي الدين والأمة في المنظور الإسلامي، فإن تأثرها بمضامين المفاهيم الغربية أدى بها إلى التفرقة بين الدولة والخلافة، والحديث عن الخلافة الفعلية والخلافة الرمزية، ودفاع الفقهاء عن الخلافة/ الرمز (56).
وتشير دراسة ثالثة إلى ارتباط وحدة الأمة بالخلافة ودوام وحدتها حتى سقوط الخلافة العثمانية، وأساس الوحدة هو: وحدة أصل الإنسان مهما تباعدت الأقطار واختلفت اللغات والألوان وتكريم الله للإنسان. وأشارت الدراسة إلى عدد مرات ورود لفظ (الأمة) في القرآن الكريم، ولكنها بدلاً من تحديد المفهوم من واقع تحليل سياقه القرآني وقفت عند حد تعريف الأمة بأنها: القوم المجتمعون على دين واحد، وكل جماعة يجمعهم أمر ما من دين واحد أو مكان واحد أو زمان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا، مستعيدة بذلك تعريف ابن قتيبة والراغب الأصفهاني للأمة، ثم أشارت إلى عدد مرات ورود كلمة (قوم) في القرآن الكريم، وزعمت أن روابط القوم مادية بعكس روابط الأمة، وأن القوم لم يذكرهم القرآن مادحًا على الإطلاق (57).
وفي تأصيلها لمفهوم الأمة تتحدث “منى أبو الفضل” عن الحاجة إلى إخراج هذا المفهوم من دائرة الانفعالات الوجدانية إلى دائرة المدركات الواعية، وتشير إلى أن مفهوم الأمة في الإسلام لم يحظ بالقدر الكافي من الدراسات الجادة، فضلاً عن أن الدراسات القليلة التي تناولته جاءت بأقلام غريبة عنه، وتلاحظ التقاطع بين الأمة في الإسلام ككيان جماعي وبين كيانات جماعية أخرى.
ولم تقف الدراسة في بحثها عن ناظم هذا المفهوم عند جذوره، فبعد قرابة أربعين صفحة من الحديث عن العقيدة والوحدة ومعالم المد الإحيائي المعاصر طرحت الدراسة مفهوم (الأمة القطب)، وعرفتها بأنها: الجماعة القيادية المميزة ذات القدرة الاستقطابية العالية التي تؤدي إلى آثار مزدوجة من حيث تماسكها الداخلي وانفتاحها على الغير بحيث تصير نقطة إشعاع وجذب على المستوى الداخلي ومركز احتواء وصهر على المستوى الخارجي(58).
ورغم إفصاح الدراسة عن أن مرجعيتها الأساسية في تأصيل المفهوم هي القرآن والسنة والخبرة التأسيسية للجماعة السياسية الإسلامية الأولى في صدر الإسلام، إلا أنها لم تدخل بأي شكل في تفصيلات أي من تلك القنوات الثلاثة لبناء مفهوم الأمة ووقفت عند حد القول بأن الأمة هي وعاء القرآن الكريم، وبالتالي هي (أمة القرآن) وهي باقية ببقائه، والإمامة هي الرمز المجسد لها، إلا أن افتقاد الإمامة لا يعني عدم وجود الأمة؛ إذ لم يقرن الإسلام (الأمة) بحتمية تنظيمية معينة. فالأمة ـ في المنظور القرآني كيان جماعي يرتكز على عقيدة إيمانية شاملة تغطي منظومتها كافة أوجه الحياة الدنيا والآخرة، ولا نظير لهذا المنظور في الفكر الغربي.
وتختلف الأمة الإسلامية عن أي أمة أخرى. فالأمم في القرآن هي: الجماعات البشرية التي تجتمع حول التمايز النوعي والتوالي الزمني، أما الأمة الإسلامية فرغم مشاركتها سائر الأمم في كونها حقيقة تاريخية فإنها تتجاوز الزمن بوصفها وليدة عقيدة إيمانية ربانية خاتمة جاءت لتشكل ذلك السياق التاريخي كبؤرة جاذبية جامعة للتمايز والوحدة (59) .إنها الأمة الوسط المستخلفة في الأرض. وخلصت الدراسة إلى نقطة بالغة الأهمية وهي أن الأمة الإسلامية هي: الأمة (بالألف واللام) وليست أمة من الأمم (60).
وإذا كانت منى أبو الفضل قد تحدثت عن خصوصية لمفهوم الأمة الإسلامية، فإن “زكي الميلاد” يوقفنا على التمايز النوعي في دلالات بعض المفاهيم المنتمية إلى عائلة مفهوم الأمة الإسلامية (الجامع والجامعة والجماعة) ويقوده تحليله لتلك المفاهيم من المرجعية القرآنية لمفهوم الأمة إلى الإشارة إلى أن (الجامع) اسم من أسماء الله الحسنى؛ لأنه هو الذي يؤلف بين المتضادات والمتماثلات في الوجود ويجمع الخلائق ليوم الحساب، وهو مرتبط بـ (الأمر الجامع)، وهو كل ما يقتضي من الناس الاجتماع له والتشاور عليه والاتفاق حوله من أمور السلم والحرب. وهو (جامع) للناس على الدين من غير فرق ولا تفاضل يجتمع فيه المسلمون للعبادة أو للعلم من غير حرج أو عصبية أو ممانعة، ويؤسس لنظم العلاقة بين الإنسان وربه وبين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الطبيعة والكون والبشر.
والجماعة كيان يكمن وراء تكوينه القصد والتعاقد والغرض المشترك وهو المفهوم المضاد للفرقة ومعياره هو: الحق، لا الكثرة العددية (61). والجامعـة اجتماع بقصد العلم كأساس دائم للحركة والعبادة. والجامع والجماعة والجامعة يؤسسون بذلك ـ في المنظور الإسلامي ـ لرابطة بين الناس داخل تلك المؤسسات، وتنشئة حركية لتلك الرابطة في حياة المجتمع وإنشاء المجتمع الإيماني.
ويستوعب كل مفهوم من هذه المفاهيم المفهومين الآخرين ويتمثلهما، فمن الممكن أن تجتمع الجامعة والجماعة في الجامع، والجامع والجماعة في الجامعة، والجامعة والجامع في الجماعة. فالجامع يقوم بوظائف دينية وعلمية واجتماعية ولا بد أن يلازم العلم (العبادة والدين)، وأن تلازم العبادة (العلم والدين)، وأن تتأسس الجماعة والجامع والجامعة على العلم والدين.
ولا يعيب هذه الدراسة التأسيسية إلا أنها حينما انتقلت من التحليل الأفقي للمفاهيم إلى التحليل الرأسي الجزئي والتكاملي وقعت في أسر التفتيت الغربي للمفاهيم الذي يسمح بتعريف للدين يقف عند حد عالم الغيب، وتعريف للعلم (يقف به عند حد عالم الشهادة)، ناهيك عن الفصل بين مفهوم العبادة والدين، وبين الوظائف الدينية والعلمية والاجتماعية للمسجد (62). ويكشف ذلك عن حقيقة صعوبة بناء مفاهيم إسلامية خالية من الران المفاهيمي الغربي .
وتعد دراسة ماجد عرسان من أهم الدراسات الحديثة التي تناولت مفهوم الأمة من حيث كثافة اعتمادها على القرآن وكتب التفسير والحديث. وفي حين لم تهتم هذه الدراسة بدلالات المفهوم اللغوية (63) فإنها خلصت إلى أن الأمة: إنسان ذو رسالة، هي مجموعة من الناس تحمل رسالة حضارية نافعة للإنسانية، وتعيش وفقاً لمبادئ تلك الرسالة وتتدرج في نشأتها ونموها كتدرج الجسد الآدمي. وحددت مكونات مفهوم (الأمة الإسلامية) بعناصر ستة: الأفراد المؤمنون، والهجرة والمهجر (بالدلالة الحسية والمعنوية) والجهاد، والرسالة، والإيواء، والولاية. وتحدثت عن مراحل صحة الأمة ومرضها ووفاتها ومصير الأمة المتوفاة.
ويعيب هذا الطرح الذي غطّى قرابة مائة وستين صفحة أنه خلط مفهوم الأمة المسلمة في تفصيلات تحليله له بمضامين الرؤية الغربية العلمانية. وتكفي الإشارة إلى نماذج دون الحصر. فهو يتحدث عن تطور الرسالات السماوية بتطور الاجتماع البشري من رسالة أسرية إلى قبلية إلى قومية مع الانتقال مما يسميه من طور التجوال الأسري القبلي إلى الطور الرعوي للبشرية. ويرى أن مفهوم الشعب يرادف في اللغة الإنكليزية مصطلح Nation ويستمد محتواه من الروابط الجغرافية المرافقة للانتقال من طور الرعي إلى طور الزراعة. ثم جاء دور (الأمة) مع بداية سيولة الحدود الإقليمية وانفتاح الأقوام والشعوب على بعضها البعض، فجاءت الرسالات بدءًا من إبراهيم بمفهوم (الأمة) الذي هو مفهوم فكري نفسي يستمد محتواه في روابط العقيدة والفكر ويتخطى روابط الدم والأرض (64).
وبدلاً من النظر إلى الطابع التكاملي بين أنساق الولاء للفرد المسلم، فإنه تحدث عن مرحلة مرض الأمة واعتبرها مرادفة لمرحلة الدوران في فلك الأشخاص بالتحول من الولاء للأفكار إلى الولاء للأشخاص، والذي يشمل: الإيمان بالأشخاص والهجرة والجهاد والإيواء والنصرة للأشخاص، وعدد من أطوارها: طور الولاء للقوم (دوران الأفكار والأشياء في فلك أشخاص القوم وتحول صلة الأمة بأفكار الرسالة) إلى (نفاق) وتحول الأمة من (أمة رسالة) إلى (أمة سلطة).. الأولى تنفق الأموال والنفس في سبيل الرسالة. والثانية تنفق أموال الرسالة لتنال السلطان، وطور الولاء للعشيرة ونظائرها، وتعدد محاور الولاء في الأمة لتعدد العشائر والطوائف، وطور الولاء للأسرة بحيث تساوي الأمة (الولاء الأسري) وطور ولاء الفرد لنفسه ويؤدي إلى: ظهور إنسان أناني غايته هي ملكية الأشياء.
وتظهر أعراض الأمة المتوفية كالشح المطاع والهوى المتبع والدنيا المؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه وسطحية التدين وسطحية العلم والتربية. ومصير الأمة المتوفاة هو ( التقطع والتجزؤ في الأرض والابتلاء بالحسنات والسيئات المثيرات لحافز الرجوع، بحفظ اللسان ومعرفة الزمان واستقامة الطريقة في تشخيص الداء وإخراج أمة مسلمة جديدة ) (65).

المبحث الثاني: مقاربة إسلامية في بناء مفهوم الأمة:

تنطلق هذه المقاربة الأولية في بناء مفهوم الأمة من منظور إسلامي من تحديد دلالاته في لغة الضاد، واستقراء مضامينه ونسق منظومة خواصه عبر التحليل السياقي له في القرآن الكريم.
أولاً: المضامين اللغوية لمفهوم الأمة: تورد معاجم اللغة العربية في مادة ( أَمم ) التي هي جذر مفهوم (الأمة) معان عديدة من أهمها: أم الشيء: أصله، والأم: الوالدة، والعلم الذي يتبعه الجيش، ورئيس القوم، والجماعة، والطريقة، والدين، والجنس من الحيوان، والقامة، والنعمة والقصد، والإمام : خشبة البناء التي يسوى عليها البناء، والطريق، والذي يعتد به، والكتاب المبين (66).
ويبين لسان العرب أن ( الأَم ) هو: القصـد والتعمد والتوخي لشيء دون سواه، والدليل الهادي لأنه قاصد. والإمَّة : الحالة، والإِمَّة والأمة: الشرعة والدين والطريقة والسنة المتبعة والنعمة والملك وأهل الدين، والنعمة والحال والشأن ونضارة العيش والنعمة والعيش الرضي (67). فالأمة ناظم (طريقة وسنة ودين ودليل هاد) من توخاه بمنظومة قصده (اتبع طريقه وصراطه المستقيم، ولم يتبع السبل المفرقة عن سبيله) تحددت به قامته وصبغته، وجنى ثمرته (النعمة والشأن والعيش الرضي والملك)، وهذا الناظم مرهون بمضامين مدخلاته، وهو ليس من الأمور التكوينية، بل هو من الأمور التكليفية. وبالتالي، فإنه عرضة للتجسد في الواقع بدرجة تقترب أو تبتعد من المثال.
وبما أنه يتأسس على الاختيار الإنساني فإنه يعرف التنوع والخطأ والنسيان والاستكراه والدورات، ويرتبط بالتالي بالحين. ثم إنه يعرف أنساقًا لكل منها نظام تراتبي رئيسه هو: (أمه). والأمة ناظم: فكل شيء انضمت إليه أشياء فهو أم؛ لذا سميت مكة أم القرى لتوسطها للأرض، وسمي رئيس القوم أمًا لهم لأنه جامع أمرهم (68). ويسوي ابن سيده بين مفهومي الأمة، والإمام . فالأمة دليل لأفرادها. وإمام كل شيء : قيمه ومصلحه، والمتقدم عليه، والمؤتم به والطريق والدليل والمثال وما يمتثل عليه. وهو مفهوم محايد، العبرة بمضمونه. فالأئمة هم كل من يؤتم بهم سواء كانوا على الصراط المستقيم أم كانوا ضالين (69). فكما أن للإيمان أئمة، فإن للكفر أئمة.
وتفيد الدلالات اللغوية لمفهوم (الأمة) أن لفظ (أمة) قد يطلق على: القرن من الناس والجيل والجنس من كل كائن حي. وأمة كل نبي هم: من أرسل إليهم من كافر ومؤمن. وكل قوم نسبوا إلى نبي وأضيفوا إليه فهم أمته. وأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) هي كل من أرسل إليه ممن آمن به أو كفر.
وحين انتقل ابن منظور إلى بيان أن الأمة ناظم قد تكون نواته شخصًا واحدًا أشار إلى أن الأم كالأمة، وكل من كان على دين الحق مخالفًا لسائر الأديان فهو أمة وحده، وكان إبراهيم عليه السلام أمةً وإمامًا (70)، رأيناه يرد لفظ (الأمة) إلى ( الأم ) التي تأبى التعدد، ويقصر وصف الفرد بالأمة، على المستقيم على دين الحق لأنه قطب جاذب بالضرورة، ولأن أساس الجمع الذي سيطبقه هو: عدم الإكراه في الدين، بما أن أمته ستشمل ـ على ما سلف القول ـ كل من أرسل إليه ممن آمن به أو كفر، وكل من نسبوا إليه وأضيفوا إليه بحكم إيمانهم أو كونهم رصيدًا كامنًا لدعوته
والآصرة قوية بين مفهوم الأمة والدين. ويقال فلان (ذو أمَّة) أي ذو دين. والأمة: معلم الخير، والمتفرد بدين، والجامع للخير، والمعلم والعالم، ووحدة المقصد وطلبه، والطاعة، والجماعة (71).
ومع أننا سنرجئ تحليل الشجرة المفاهيمية لمفهوم الأمة، وفي مقدمتها الدين، إلى معالجة مفهوم الأمة في السياق القرآني، فإننا نلاحظ بشكل أولي أنه من مضامين قول العرب (أمة الرجل): وجهه وقامته (أنها هي الوزن المعنوي له) وأمة الوجه: سنته، وهي معظمه ومعلم الحسن منه (أنها سمته وعلامته وقيمته) والأمة: المعلم والعالم (لأنها لا تقوم إلا على بينة) والأمة: الطاعة (لأنها ناظم نظامه هو الدين وليس البشر، وغايته هي جمع الخير في عنصرها البشرى، وتحقيق اجتماعهم عليه وتعلمه وتعليمه كمقصد واحد) وتأمم فلان أمًا: اتخذها لنفسه أمًا، و(الأمة بذلك هي الأصل الذي يتفرغ عنه غيره، وهي تلد وترضع وتحتضن، ويتلازم البر والإحسان إليها والتوحيد، ولا يسبق الإحسان إليها إلا هو).
وأصل مادة (أمم) كله من القصد وهو الوسط وعدم تجاوز القدر (لأن التطرف مفرق، ونواة مفهوم الأمة الجذب والجمع). وكل معاني (القصد) تفيد التلاحم والتوجه لغاية. فالعرب يقولون: قصدت فلانًا وأممته ويممته واعتفيته (طلبت فضله ومعروفه) واجتديته (طلبت عطيته) ووردت شرعة نداه، واتصلت ببابه، وتمسكت بمعروفه، ووصلت حبلي بحبله، ورفعت إليه حاجتي، واستحملته نفسي وأمري (72).
ويقال: قصدت الشيء وله وإليه: طلبته بعينه، وقصد في الأمر: توسط ولم يتجاوز الحد، وهو على قصد: على رشد، وطريـق قصد: سهل (73). فالقصد يرتبط بالوسطية وبطلب شيء بعينه مما يعني التحرك على بينة، والرشد، واليسر. ويرتبط مفهوم الأمة ـ في دلالاته اللغوية – بالأصالة والفطرة . فالأمي هو المنسوب إلى الأم، ويطلق على من لا يقرأ ولا يكتب نسبة إلى الأم، لأنه بقي على ما ولدته عليه أمه، كمـا يرتبط المفهوم بالقدرة، فالإمامة لغة هي: القصد والقدوة والاتبـاع والتأسي، وتحصيلها يحتـاج إلى الولاية والسلطة والتمكين (74).
ويبين الكفوي أن الأمة هي: كل جماعة يجمعها أمر أو دين أو زمان أو مكان واحد سواء كان الأمر الجامع تسخيرًا أم اختيارًا. ومعنى ذلك، أن الاجتماع على أمر جامع يكسب الجماعة وصف أمة. فالجيل من الناس أمة، وأهل كل دين أمة، واجتماع من شاهدهم موسى عند ماء مدين في مكان واحد، (الأمر الجامع لهم هو سقاية أغنامهم) أكسبهم نعت (أمة). وكل دابة في الأرض أمة تسخيرًا. والبشر أمم (بأمر جامع اختيارًا).
ويجلي الكفوي الآصرة بين مفهوم الأمة والدين جاعلاً الموقف من الدين أساسًا لتصنيف الأمم حيث يعرف الأمر بالمعروف بالإسلام، والنهي عن المنكر بعبادة الأوثان، ويتحدث عن: أمة الإجابة: كل من آمن بنبي، وأمة الدعوة: كل من بلغته دعوة النبي، ويشير إلى اختصاص مكة باسـم: أم القرى، فهو علم لمكة، ويعلل ذلك بأنها (مأثرة إبراهيم ومنشأة إسماعيل ومفخرة العرب وسرة جزيرتها، وقبلة جماعاتها ومأمن خائفها وملاذ هاربها وحرم الله في أرضه وأم قرى عباده وأول بيت وضع للناس) (75).
وهكذا نصير أمام مفهوم للأمة الإسلامية نواته هي الإسلام وهو من الله، ومركزها في الأرض هو أم القرى وهي أيضًا حرم الله. والهمزة والميم ـ فيما يقوله ابن فارس ـ أصل واحد يتفرع عنه أربعة أبواب، وهي: الأصل والمرجع والجماعة والدين، وهذه الأربعة متقاربة، وبعد ذلك أصول ثلاثة هي: القامة والحين والقصد. فالأمة الدين، ويقـال: لا أمـة له، أي لا دين له (76).
ومن الواضح أن العنصر البشري الوحيد في هذا المفهوم هو الجماعة وهي محكومة بالأصل الذي تعود إليه وبالمرجع. والحكم في أمرها كله هو الدين، وهو يعود بها إلى وحدة الأصل البشـري (بخلق الله البشر من نفس واحدة، خلق منها زوجها وبث منهما كل البشر، وهي وحدة تقرر وحدة المستوى أمام الله إلا بفضله وبالتقوى، والتسوية في الدنيويات وإمكانية الخطأ، وحتمية المراجعة) ووحدة المرجع (حيث البداية من الله والمآل إليه بما يولد استقامة المعايير ومنظومة الجزاء) ووحدة الدين (وترسي مبدأ حق الاختلاف وعدم الإكراه في الدين) وتقتضي وحدة الدين الصحيح وحدة أمة الإجابة من عهد آدم، بحيث يتجاوز المفهوم حدود الزمان ليشمل الدنيا والآخرة، في حين تتفرق السبل بأمة الدعوة، في الحياة الدنيا.
ومع ذلك فإن كل جيل أو قرن من الناس يشكل (أمة) من أمة الإجابة الواحدة أو من إحدى أمم الدعوة. وبذا نصير أمام دلالة لغوية لمفهوم الأمة تربطه بأصل ومرجع ودين لجماعة ذات مقصد واحد، مما يولد هيئة أو حالاً لها، لأمد معين (77).
2- البنية القرآنية لمفهوم الأمة: يقتضي التحليل المفاهيمي السياقي لمفهوم الأمة في القرآن تحليلاً لكل من: الأمة والجماعة والدين والقصد والمرجع، والأصل والحين والقامة، في سياق القرآن الكريم كله بوصفه جملة واحدة، وتجلية حقولها الدلالية. ولا تطمح هذه الدراسة في ذلك، بل تقف عند حد التأسيس الأولي له بتحليل سياقي لعينة تشمل مفهوم (الأمة) وحده في السياق القرآني القريب المباشر الذي جاء به في مواضعه البالغة أربعة وستين موضعًا على سبيل الحصر، مع عدم التطرق لمرادفاته ومضاداته إلا بقدر ورودها في تلك المواضع وتجليتها له (78). وفيما يلي رصد أولي للسياق القرآني القريب والمباشر للفظ الأمة.
فلقد وردت أمة في أول موضع في القرآن بثلاث صيغ: (أمة مسلمة) و(أمة وسط) و(أمة خلت)، بسورة البقرة، الأولى بالآية 128، والثانية بالآية 134، والثالثة في الآيتين 141، 143، وجاءت (أمة مسلمة لك) في سياق يربط الإمامة بالابتلاء بأوامر وتكليفات والوفاء والتوفية بها، والإمامة إنما هي في إقامة أمر الناس بالدين ولا ينالها بشرعية إلهية إلا العادل، ويصير الفرد أمة وتثبيت الأمة ودوامها على أمر الله مرهون بتوفيقه، وهي ليست من الأمور التكوينية بل هي أمر تكليفي، أساس الابتلاء فيه هو: الطاعة عن اختيار. فإبراهيم عليه السلام طلب التكليف من الله تعالى له ولابنه إسماعيل، ورغب في فتح باب التكليف على نفسه ولم ير فيه إلا طهرة له ولذريته، وهو قمة في الطاعة عن اختيار (79). وطلب من الله أن يجعل أساس إمامته وأمته هو: منهج الله في الأرض وأن يكون هو وابنه نواة لـ (أمة مسلمة لله).
ويوضح الأصفهاني أن للأمة أنساقًا تعود بالفرع إلى أصله الأول أو تصل الأصل بفروعه. فالأم بإزاء الأب هي الوالدة القريبة التي ولدته والبعيدة التي ولدت من ولدته. ولذا قيل لحواء هي أمنا وإن كان بيننا وبينها وسائط. ويقال لكل من كان أصلاً لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه أو مبدأه (أمًا). والأب: الوالد، ويسمى كل من كان سببًا في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره (أبًا). ويسمي العم مع الأب أبوين وكذا الأم مع الأب والجد مع الأب. ويسمى معلم الإنسان أباه. ويقال أبَّ إلى الشيء: نزع إليه نزوعًا وتهيأ لقصده (80).
والأنساق المجتمعية تبدأ بـ (الرهط) وهم أقرب تسعة أشخاص للشخص و(الأسرة) و( الفصيلة ) وهما أهل بيت الرجل وخاصته و(العشيرة) وهم الذين يتعاقلون إلى أربعة آباء، و( الفخذ ) وهو الفرقة التي تتشعب من البطن، و(البطن) وهي التي تجمع الأفخاذ، و(العمارة) وهي التي تجمع البطون وهي دون القبائل، و( القبيلة ) وهي تجمع العمائر وهي دون الشعب، و(الشعب) وهو الذي يجمع القبائل وتتشعب منه، و(الجمهور) وهو الاجتماع والكثرة و(جزم النسب) وهو الجد الأعلى وهو بالنسبة للعرب: إما عدنان أو قحطان، وبالنسبة لكل البشر: آدم وحواء.
ويشبه الصيادي هذه الأنساق بالجسد، الرهط فيه كأصابع القدم، والفصيلة بمنزلة القدم، والعشيرة بمنزلة الساقين، والفخذ سمي بذلك لقرب الفخذ من البطن، والعمارة بمنزلة اليدين، والقبيلة بمنزلة الصدر، و(الشعب) أشبه بالرأس، و(الجمهور) اجتماع و(الأصل) جامع. وتعارف الشعوب والقبائل وتعلم ما يتم به صلة الأرحام ومعرفة الفرائض في الإنسان هو أمر الله ومراده (81).
والأمة ناظمة لكل تلك الأنساق فهي كالأصل والمعدن وما عداها كالجداول المتشعبة منها. والمتأمل في دعوة إبراهيـم عليه السـلام (أمة مسلمة لك) يلاحظ أن (أمة) نكرة ولا تصير علمًا إلا بالإسلام وهو الانقياد والاستسلام لأمر الله الذي جمع اسمه تعالى الخلق والإيجاد والتكوين والإبداع، فيما يتعلق بمعرفة المبدأ والمصير والغاية والحلال والحرام. و(الجعل) يشمل: الهبة والتعليم والبيان والدلالة. و(لك) تفيد: الحصر أن نكون مسلمين لك لا لغيرك قائمين بجميع شرائع الإسلام موحدين خالصة لك نفوسنا وقصدنا (82). والأمة تفرز خبثًا بالضرورة بدليل خروج ظالمين من ذرية إبراهيم.
والأمة المسلمة لله هي دعوة إبراهيم (الذي انفرد في القرآن بالوصف بأنه إمام وأمة) وهي لم تنشأ من فراغ، تؤم (الناس) وليس (المسلمين فحسب) وهم جميع البشر. ولم يزل في ذرية إبراهيم وإسماعيل من يعبد الله وحده، ولم تزل الرسل حتى خاتمهم منها.
وجاء لفظ (أمة) في هذا الموضع في سياق مرتبط بالكعبة وبجعل البيت مثابة للناس وأمنا وبتكليف إبراهيم وإسماعيل بتطهيره للأمة المسلمة وجعله مثابة للناس وأمنًا. فمع أن الله خلق آدم خليفة في الأرض فإن النواة المكانية للأمة المسلمة هي أم القرى، وهي البيت، وهو بيت الله وحرم الله لا بيت أحد من الناس، وإبراهيم وإسماعيل خادمان له بأمر الله يعدان لعباد الله الصالحين، وأساس الأمة ليس وراثة الأصلاب والأنسـاب، بل الصـلاح والإيمان وتقوى القلوب، والانتساب إلى (أمة مسلمة لك) والإمامة مرهونة بالبعد عن: ظلم النفس بالشرك، وظلم الناس بالبغي. والتمتع بالثمرات الدنيوية مرتبط بالإنسانية دون النظر إلى أي اعتبار آخر.
ويستشف من دعوة إبراهيم وإسماعيل هذه أن من سمات الأمة المسلمة: تضامن الأجيال في العقيدة والحرص على نعمة الإيمان في الذرية. وفي السياق ذاته تأتي وصية إبراهيم ثم يعقوب لذريتهما بالثبات على الإسلام، ولا يشغل ذهن يعقوب وهو يعالج سكرات الموت إلا موقف بنيه من الإسلام من بعده (83). وإمامة إبراهيم للناس تعني صدارة أمته وعزتها وشمول ولايتها، وربط ذلك بعدم الظلم يعني إمكانية حدوثه، ووصية إبراهيم ويعقوب لبنيه تؤكد أن شأن الأمة المسلمة أمر تكليفي وليس تكوينيًا، فالدين النصيحة ولا إكراه في الدين، ومن هنا تتأكد الحرية والمسؤولية كسمتين للأمة المسلمة.
ثم إن السياق يشير إلى التوبة والرحمة والاصطفاء في الدنيا والصلاح في الآخرة . وتضعنا الآية (134) من البقرة أمام حقيقة أن الثابت في مفهوم الأمة هو الدين أما البشر فهم متغير في المفهوم معرض لـ (حضور الموت). فالآية تشير إلى أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وبنوهم الموحدون (أمة قد خلت) أي انقرضت وانقضت بحلول أجلها، والقرآن إذ يقص أخبارهم وما كانوا عليه من الإسلام ومن الدعوة إليه، لن تنفع غيرهم سيرتهم ما لم يفعلوا ما فعلوه.
والمسؤولية الذاتية لكل أمة، أي لكل جيل أو قرن مقررة، فالأبناء لا يثابون على إسلام الآباء لله ولا يعاقبون على كفرهم به. ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، ولا نسب في ميزان الله إلا التقوى. وتؤكد الآية (141) من البقرة قاعدة النهي عن بخس أمة خلت حقها وكتمان كلمة الحق في شأنها. فمحاكمة الماضي وتزييفه غير جائزين، ونواة الإسلام لله هي عدم التفرقة بين رسل الله بالإيمان بهم جميعًا كناظم للعلاقة بين أمم الرسل. فأمة جيل إبراهيم خلت، ولها ما كسبت ومسئوليتها الذاتية عن عملها ثابتة، ولن ينفع أحد الانتساب إلى ذرية أولئك الأنبياء، بل الدخول في الإسلام بالإيمان بما يدعو إليه محمد (صلى الله عليه وسلم) (84).
ومن الأدلة على أن الجعل في هذا السياق بالنسبة للإمامة من جهة، ولوصف البيت الحرام بالمثابة والأمن للناس أمرًا تكليفيًا أن إبراهيم لم يطلب الإمامة لذريته ولا أن تكون ذريته (أمة مسلمة) بل طلبهما لجزء من ذريته، فدل على أن سابق العناية الإلهية لا يؤثر في حدوث الجناية، وأن ولادة الطالح من الصالح واردة ولا تحط من رتبة ولايته.
وإبراهيم بوصفه فردًا وأمة بذاته، خليفة مكلف من الله بتدبير أمر أهل الأرض والنظر في مصالحهم بالحكم بالعدل وعمارة الله بانقياد تام لله وبوحدة القصد والنية. و(جعل البيت مثابة للناس وأمنًا) إنما هو أمر من الله لكل أمة مسلمة تخلف أمة مسلمة أخرى بتدبير أمر البيت وتحقيق أمنه. وكأن الله يقول: جعلنا البيت مثابة للناس يثوبون إليه من كل جانب ويحجون ثم يتفرقون، ولا يقضي أحد منهم وطرًا، ويعودون إليه أعيانهم أو أمثالهم، فاجعلوه آمناً لا يعتدي فيه أحد على أحد، وطهروه بتأسيسه على التقوى والطهارة والتوحيد. وحين لا توجد (أمة مسلمة) يجعل الله أمر أمن البيت أمراً تكوينياً كما حدث بالنسبة لأصحاب الفيل، وكما حدث لقريش قبل الإسلام من الإيلاف لا يتعرض أحد منهم ـ رغم جاهليتهم ـ لأحد فيه، ولا يتعرض أحد لأحد منهم حتى إن وجده بمفازة أو برية إذا علم أنه من سكان الحرم (85).
ويشير السياق بعد ذلك إلى (أمة وسط) في الآية (143) من سورة البقرة. والخطاب في هذه الآية موجه إلى أمة محمـد (صلى الله عليه وسلم) ويبدأ بكاف التشبيـه التي تربط جعلها (أمة وسطًا) بذات السنن الإلهية في الكون الذي هو كله من خلق الله ومقاليده بيده، وكما هدى الله إبراهيم إلى البيت هدى هذه الأمة إليه، كأوسط قبلة وكأول بيت وضع للناس. وكما كلف أمة إبراهيم بالإسلام له وتدبير أمن البيت وإقامة العدل، كلف أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) بأن تكون (أمة وسطا) والوسط هو (العدل) وهو عدم الميل إلى أحد الجانبين. فأول سمة في (أمة وسط) هي أن تكون (ميزانًا) بالبعد عن الطرفين: الإفراط والتفريط. فوسط الشيء أفضله؛ لأنه يحكم على سائر أطرافه على سواء واعتدال ومن موقع التمكن وهو محمي محوط، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد.
والوسط يرتبط بنظام يتحوش فيه الأتبـاع الرئيس ويكون في وسطهم وهم حوله، وهي وضعية لا تتحقق إلا في ظل علاقة ألفة بين الحاكم والمحكوم. ولما كانت الوسطية معللة بأن تكون هذه الأمة شهودًا على الناس فإن العدالة تصير من مقوماتها المطلوبة ومحورها: أداء الواجبات واجتناب المحرمات. فالشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له، ولا سبيل لذلك بدون استعلاء وعزة (86).
وينبهنا الفخر الرازي إلى مقومات (وسطية الأمة)، مشيرًا إلى أن الخطاب في قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) يبين أنهم وسط إذا اجتمعوا أما إذا اختلفوا فإن هذا الوصف يزول عنهم، ويجعل شرط وسطية الفرد في الأمة: انتماءه إليها كجماعة واحدة. فالخطاب معهم بالجمع يقصر كسب تلك الصفة على حالة الاجتماع، ويضفي تلك الصفة على كل واحد منهم عند اجتماعه مع غيره. وشهادة الأمة وخيريتها لا تعني خيريتها في كل الأمور ولا عدم إمكانية وقوعها في اللمم، وإنما تحريها العدل وصدق النية وعدم الإصرار على الخطأ (87).
ولنعت الله (أمة وسطًا) بلفظ النكرة دلالته التي تشير إلى تناوله لأهل كل عصر. فأهل العصر الواحد الموحدون (أمة)، ومفهوم (أمة وسط) يشمل: أمم العصور المتعاقبة المسلمة (88). والتنكير يحمل على التنويع. ويتضمن وصف (الوسط) بهذا المعنى التسليم بأن كل أمة كانت على قبلة وشرعة ارتضاها الله لهم في وقتهم ولم يفرقوا بذلك بين رسل الله، كانوا بالإسلام لله على صراط مستقيم، وهم من لدن آدم حتى قيام الساعة حلقات تتشكل منها (الأمة الوسط) (89).
ومن أهم مضامين شهادة أي (أمة مسلمة وسط) على الناس، أن أساس شهادتهم هي إسلامهم لله وإجماعهم لأن شرط الخيرية: الاجتماع لا التفرق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. والرسل مؤدون للشهادة ومبينون للحق. وقول الأمة عند الإجماع حجة؛ لأنه يبين للناس الحق، ولا يعتد في الإجماع بما في الأمة من أمَمْ وشجـة ممن ظهر كفره وشبهته من فرق، قليل اتباعها، وإن كثر عددها.
وشهادة الرسول والأمة ليست للناس بل على الناس، لأن قول الرسول والأمة المسلمة الوسط يقتضي التكليف بقول أو بفعل أو بالانتهاء عن قول أو فعل وذلك عليهم لا لهم في الحال. وهذه الشهادة جزء من منظومة الشهادة في الإسلام التي تشمل الدنيا والآخرة وتتصدرها شهادة الله للأنبياء على أممهم، وشهادة الملائكة الموكلين بإثبات أعمال العباد، وشهادة الأنبياء وشهادة أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) على سائر الأمم، وشهادة محمد (صلى الله عليه وسلم) على أمته، وشهادة الجوارح.
والشهادة هي الإخبار عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة. وكل من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهدًا عليه. والشهادة إذن ميزان لا تكفي العدالة والخيرية في الممسك به إلا بالتمكن الذي يكفه هو عن التطفيف، حالة أخذ الحق من الغير، وعن الإخسار في الميزان، حالة توصيل الحقوق إلى أصحابها، ويوفر له القوامة التي تجعل قوله حجة، وقولاً فصلاً لا موضع فيه لشبهة ولا اتهام.
والميزان الذي تستند عليه الشهادة في تقدير قيم الأشخاص والأحداث واحد وضعه الله في الأرض وذكره معرفًا، وهو المنهج الإلهي الواحد الذي جاءت به الرسل جميعًا والوسطية هي ركيزة استخدامه حيث لا موضع فيه للهوى ولا للطغيان بالإفراط ولا بالتفريط، وحيث يتعين إقامته على النفس قبل إقامته على الغير (90).
ووحدة الميزان هذه صبغة لكل أمة وسط مصبوغة بصبغة الله مفطورة على التوحيد، تتمكن تلك الصبغة من قلوبهم بالتحقيق، وتظهر آثارها على ذواتهم وأفعالهم وأقوالهم بالتوفيق. وأصل الشرائع واحد هو التوحيد، وهو منهج الرسل والمخلصين من أتباعهم في كل عصر الذين آمنوا بما أنزل من قبلهم وبما أنزل من بعدهم، وأمدهم الإسلام لله بوصلة وزلفى جعلت خاتم الرسل شاهدًا على أمته، وأمته شهيدة على كل الأمم، وصار محمد (صلى الله عليه وسلم) وأمته إلى قيام الساعة هم: القطب وما هم عليه من عند الله هو الحجة، ومن أحدث في أمرهم شيئاً فهو عليه رد (91) . ومرة أخرى، فإن هذه الوضعية لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) بكل أجيالها وضعية تكليف لا وضعية تكوين، وهي مشروطة بشرط الله فيها وبالتوفية بما ابتلاها الله به من كلمات، وهي عرضة للاستبدال فيما لو أخفقت وتفرقت. وتتطلب وضعية (الوسطية) أيضًا ألفة تجمع وتجذب، وعزة من الفتنة في الدين تمنع.
ويبين الجصاص أن شهادة الرسول على أمته حجة كأمر تكويني، أما كون أمته حجة فهو أمر تكليفي. وشهادة الأمة الخيار العدول مأخوذة من إجماعها. فهي كجماعة حجة دون كل واحد منها، وهم يشهدون في الدنيا والآخرة على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها. والعدالة والخيرية هي مناط صدقها وعدم اجتماعها على ضلالة، وكل أمة في عصر تشهد على من في عصرها بأعمالهم دون من مات قبل زمانهم، وهم في الدنيا شهداء على من شاهدوهم من أهل العصر الثاني بدليل قول عيسي عليه السلام “وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم” (المائدة: 117).
أما الشهادة التي هي الحجة فلا تختص شهادة الرسل فيها بزمن، وكذلك أهل كل عصر لما كانوا شهداء لله من طريق الحجة لا من طريق مراقبة العمل صاروا حجة على أهل عصرهم وعلى من بعدهم من سائر الأعصار، وصار إجماع أهل كل الأعصار حجة واحدة. وصار خطاب (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا) خطاب تكليف لجميـع الأمـة أولها وآخرها بكل حلقاتها عبر العصور إلى قيام الساعة . وجعل القبلة (كعبة) والتسوية بين مولى وجهه شطر أي جهة منها شاهد على ذلك (92).
ومن الأهمية بمكان، الإشارة إلى أن مفهوم (أمة وسط) ورد في سياق مرتبط بأمة إجابة محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومختص بتحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ومصحوب بالتأكيد المغلظ على اختصاص الأمة الإسلامية بعد رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) بالبيت الحرام كقبلة كانت هي الأولى والأخيرة، وعلى ضرورة تميزها بإقامة الدين كله لله. ويتجاوز مفهوم الأمة بالتوجه إلى القبلة، نية الانتماء، إلى سلوكيات عملية بالغة التكرار كالصلاة والحج والعمرة لتأكيد قصد الانتماء وتجسيد القدوة والوسطية في التصور والاعتقاد والتفكير والشعور والتنظيم مستفيدة في ذلك من مقومات الوسطية التي منحها الله لها، وهي: وحدة إلهها ورسولها ودينها وقبلتها.
وهي أمة في موضع ابتلاء معرضة للتلبيس والتضليل من داخلها وخارجها، ولا قاطع لحجة الناس عليها إلا حرصها على وحدة القلب والصبر والصلاة وتقبل التضحيات لتكون كلمة الله هي العليا، والإيمان بأن مصيرها محكوم بـ (إنا لله وإنا إليه راجعون) فهي لله بكل كيانها وذاتيتها وإليه مرجعها في كل أمر.
وهذا التسليم المطلق يوحي بالتناظر بين مفهومي (أمة مسلمة لله) و(أمة وسط). فالخطاب لجميع الأمة من حين نزول هذه الآية إلى قيام الساعة كما في سائر التكاليف، وهو للموجودين بالذات وللباقين بالتبعية. وهي خاصة بأهل كل عصر من الله عليهم بأن جعلهم خيارًا وعدولاً عند الاجتماع. وحال الشخص عند انفراده بنفسه غير حاله عند اجتماعه بغيره، وهو قد يكون غير مقبول الشهادة عند الانفراد ويكون مقبول الشهادة عند الاجتماع. وهذه الشهادة تعني: القوامة ببيان الحق في الدنيا، والشهادة به في الآخرة (93).
وثمة اتفاق بين المفسرين على أن الآية (143) من سورة البقرة دليل على عصمة الأمة في حالة إجماعها. والإجماع هو العزم على الشيء والإمضاء. وخطاب الشرع يشمل (خطاب التكليف) وهو الكلام المقصود منه إفهام من هو متهيئ للفهم بالوجوب والتحريم والندب والكراهة والإباحة، و(خطاب الإخبار) للمخاطب الموجود وغير الموجود، والعقل يدرك الحكم وليس بحاكم، وهو لا يقال أوجب كذا، بل أدرك كذا.
والإجماع اصطلاحًا هو اتفاق مجتهدي أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته في حادثة من الأمور في عصر من الأعصار. ويخرج منه اتفاق العوام، فلا عبرة به، ويخرج منه اتفاق بعض المجتهدين فحسب، واتفاق الأمم السابقة. وأهل الإجماع لا يحكمون بإجماعهم بل بصدور الإجماع عن أصل؛ لأنه لا يجوز القول في دين الله بغير دليل(94).
ومجال الإجماع هو ما لم يرد نص شرعي قاطع الدلالة بشأنه، ولا موضع له فيما عرف من الدين بالضرورة فهو محكوم بالقرآن والسنة الصحيحة. هو بتعبير آخر، اتفاق المجتهدين، وبقية الأمة تبع لهم في الاستجابة له ما لم يعرفوا دليلاً للمخالفة، ويراعي فيه فقه المكان والزمان في الحوادث، ولا يكون الإجماع إلا من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وبعد وفاته.
ورغم كون الأحاديث النبوية الداعية إلى لزوم الجماعة أخبار آحاد لا تفيد اليقين، فإن تواترها عن طريق المعنى هو كالتواتر في اللفظ في إيجاب العلم بحجية إجماعها. والإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به: كونه لا ينسخ؛ لأنه لا يكون إلا بعد وفاة الرسول والنسخ لا يكون بعد موته، ولا ينسخ بإجماع آخر لأنه معصوم (95). أما الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الحوادث فتتأسس حجيته على بذل الجهد المستطاع في فقه معطيات الزمان والمكان مع عدم تعمد الخطأ، ولكن ذلك لا يؤسس حجية تأبيده لكونه نتاج واقعة قد يصح الاسترشاد بها ولكنها لا تتكرر بحذافيرها. والإجماع المعتبر هو إجماع الأمة المسلمة الوسط العدول؛ إذ إن إجماع غيرها على الخطأ متابعة لقول واحد منهم وإساءة لتأويل الشريعة أمر وارد (96).
والسؤال الآن: من هي الأمة المسلمة الوسط؟ سبق القول بأن (أمة) وردت موصوفة بـ (مسلمة) و(وسط) بالتنكير، مشيرة إلى كل أمة مسلمة وكل أمة وسط عبر العصور، ولاحظنا أن السياق يشير ضمنًا إلى عدم التعدد في كل عصر على حدة. ففي كل عصر أمة مسلمة وسط واحدة . إلا أن هذا التحديد يقتضي قدرًا من البيان لتحديد البعدين الزماني والمكاني للمفهوم محل البحث حالة الانتقال به من التنكير إلى التخصيص والتعريف. فلقد رأى البعض أن (أمة مسلمة لك) تحققت في إبراهيم وأهله ومن أسلم معه، وتتابعت أمة مسلمة جيلاً بعد جيل إلى يوم القيامة، ورأى بعض آخر أنها بدأت ببعثة محمد (صلى الله عليه وسلم) وأمة كل قرن أو جيل منها إلى يوم القيامة. بل إن البعض أراد قصر وصف (أمة وسط) على أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أو على بعض أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) (97).
ويقدم السيوطي دراسة مستفيضة لهذه الإشكالية: هل كانت كل الأمم السابقة يوصفون بأنهم مسلمون أم لا؟ وهل يطلق الإسلام على كل ذي دين حق أو يختص بأتباع محمد (صلى الله عليه وسلم)؟ ويشير السيوطي إلى أن رأي ابن الصلاح أن الإسلام يطلق على كل دين حق ولا يختص بالأمة المحمدية. ويسهب السيوطي في إثبات العكس وهو أن وصف الإسلام خاص بأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ويسوق حججًا من أهمها: أنها أمة مرحومة أعطيت من النوافل مثل ما أعطي الأنبياء وافترض الله عليها من الفرائض مثل ما افترض على الأنبياء والرسل. وأوتيت هذه الأمة المحمدية ثلاث خصال لم يعطها إلا الأنبياء كان النبي يقال له: بلغ ولا حرج، وأنت شهيد على قومك وادع أجبك، وقيل لهذه الأمة: “وما جعل عليكم في الدين من حرج” (الحج: 78)، “ولتكونوا شهداء على الناس” (البقرة: 143) و”ادعوني استجب لكم” (غافر: 60).
وليس من المؤكد أن الذي سماهم (المسلمين) هو إبراهيم فالضمير في “هو سماكم المسلمين” (الحج: 78) قد يعود على الله تعالى؛ لأنه سماهم المسلمين في كل الكتب وفي القرآن، وخصهم بهذا الاسم في أم الكتاب من دون سائر الأمم.
ويرى السيوطي في قوله تعالى: “ورضيت لكم الإسلام دينا” (المائدة:3) نصًا ظاهرًا في الاختصاص بهم بدلالة تقديم (لكم). ويذهب إلى أن الإسلام كان من وصف الأنبياء دون أممهم، وأن الله تسمى باسمين هما لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم): فهو السلام وهم المسلمون، وهو المؤمن وهم المؤمنون. ونفى الله عن إبراهيم كونه يهوديًا أو نصرانيًا بقرينة نزول التوراة والإنجيل من بعده، دليل على أن شريعة التوراة تسمى يهودية وشريعة الإنجيل تسمى نصرانية ولا تسمى واحدة منهما إسلامًا.
ووصف الإسلام قبل أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) قاصر على الأنبياء، وبيوتهم وأولادهم لا يشاركهم فيه بقية الأمة، أو يحمل على الانقياد والإذعان لله فيما أمرهم به. واستواء الشرائع كلها في أصل التوحيد ليس دليلاً كافيًا؛ لأن الإسلام ليس اسمًا للتوحيد فقط، بل لمجموع الشريعة بفروعها وأعمالها كما أنزلت على محمد (صلى الله عليه وسلم).
والخلاصة أن كل ما أطلق من وصف الإسلام فيمن تقدم فإنما أطلق على نبي أو ولد نبي تبعًا له أو جماعة فيهم نبي غلب لشرفه أو على العازمين على الإسلام إذا بعث محمد (صلى الله عليه وسلم) في حياتهم لما يجدون في كتبهم من نعته وصفته والأمر باتباعه. ولم تذعن أمة لنبيها مثلما أذعنت هذه الأمة. وإبراهيم كان على الإسلام رغم نزول القرآن بعده لأن القرآن أخبر بذلك، وأمر الله للمؤمنين بالدخول في السلم كافة إنما هو أمر في الدخول في كافة شرائع الإسلام وعدم التمسك بشيء من أمر التوراة (98).
وواقع الأمر أن السيوطي إن كان يريد بالإسلام الدين الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي تشمل أحكامه كل ما جاء بالقرآن والسنة الصحيحة، أو الإسلام بمعنى الانقياد لله بعد بعثة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى قيام الساعة فإن وصف (مسلمة) بهذا التحديد لا ينطبق كما قال إلا على من أجاب من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم). أما إن كان يريد وصف (مسلمة) بمعنى منقادة لله بإطلاق فهي تشمل كل أهل دين حق من لدن آدم حتى قيام الساعة.
والتشابه بين خصال أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) والأنبياء قرينة تواصل زماني بين الأمم بتلك الصفة، وليس قرينة على أن الله ارتضى من أحد في أي زمان ومكان دينًا إلا الإسلام له. وقوله تعالى “وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا” (آل عمران: 20) ليس دليلاً على أن صفة (مسلمة) خاصة بأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) بدعوى أنهم لو كانوا مسلمين لقالوا حين توجيه هذا السؤال إليهم: نحن مسلمون وديننا الإسلام؛ إذ إن السؤال وجه إليهم بعد بعثة محمد (صلى الله عليه وسلم)، وصفة الإسلام مشروطة بالإيمان باللاحق حتى الخاتم، وعدم التفرقة بين أحد من رسل الله، وعدم الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر. ومقولة قصر وصف (مسلمة) على الأنبياء وبيوتهم وأولادهم لا أساس له؛ لأن هذه الصفة أمر عقيدة لا علاقة عرق ونسب.
وقلة عدد من آمن بالرسل السابقين لا تنفي عنهم صفة كونهم (أمة مسلمة) إذ لا دخل للعدد في ذلك، وكيف يكون له دخل، وفرد واحد يعد ( أمة مسلمة ) وحده؟ ورغم إلحاح السيوطي على إثبات اختصاص أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) بوصف ( أمة مسلمة ) فإنه نبه على وجود مخالف له في ذلك، وأورد في ثنايا دفاعه عن رأيه ما ينقضه. وستكشف متابعة بنية مفهوم الأمة في المواضع القرآنية الأخرى أن رأي ابن الصلاح أولى بالصواب.
ووردت (أمة) في الموضع الثاني بصيغـة “كان الناس أمة واحدة” (البقرة: 213) في سياق ينعي على المنافقين إظهار ما يخالف حقيقتهم وعدم التطابق بين قولهم وفعلهم ويثني على من يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله، ويدعو إلى الدخول في السلم كافة، ويذكر بسنة الله في ابتلاء الأمم، وبأن أصل البشرية كلها (أمة واحدة) هي أسرة آدم وحواء وذراريهم، وبأن الناس مفطورون على التنوع والاختلاف في الاستعدادات والتصورات، ومن ثم هم بحاجة إلى رسل وكتب منزلة تفصل في الاختلاف بقول فصل، تدخل الناس في السلم وتحول التنوع من عامل فرقة إلى عامل قـوة.
وكما أن أصل البشر واحد، فإن ربهم واحد، وإلههم واحد، وما أنزل إليهم من ربهم وجاء به الرسـل جميعًا كتاب واحد في أصله، بملة واحدة في عمومها بمشروع واحد لكل بني الإنسان. فكل نبي جاء بالدين الواحد القائم على التوحيد الخالص، وكانت مهمة الرسل والنبيين والصالحين هي إزالة الانحراف عن هذا الأصل وإحياء العقيدة الأصلية بميزان ثابت من الله يفيء إليه الناس وهو ميزان غير محكوم بزمان ولا مكان، ومؤسس على علم يقيني لا موضع فيه لمظنون ولا لمجهول، ومستعلِ على الحاجة وعن الكون بما فيه ومن فيه.
وهذا الميزان ليس لإزالة الاختلاف بل لضبطه وهداية العقل البشري بالشرع في مواجهة الأحوال المتطورة والظروف المتغيـرة. والمورد الأساسي للطغيان في هذا الميزان هو: البغي بين الناس، وإقامة هذا الميزان تحتاج إلى الاستعانة بالله وقبول التضحيات واليقين بأن الابتلاء قاعدة، والأيام دول، والعاقبة لمن يتحلى بالصبر والثبات (99). فالبغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا داء للإنسان لا يتعلق بزمان ولا مكان.
و(أمة واحدة) هنا هي آدم وأولاده كانوا ـ بالنقل المتواتر ـ مسلمين مطيعين لله إلى أن قتل قابيـل هابيـل حسـدًا وبغيًا. وعلى مدى عشرة قرون كان آدم وذريته كلهم على الدين الحق أمة واحدة، وكان آدم نبيًا مبعوثًا.
ويفيد وصف الله للنبيين في هذا الموضع بـ (مبشرين ثم منذرين) أن البشـارة تجري مجرى حفظ الصحة وهو مقصود الغذاء، والإنذار يجري مجري إزالة المرض، وهو مقصود الدواء، والأول مقصود لذاته وهو مقدم على الثاني المطلوب لغيره. والكتاب أنزل مع كافة النبيين بالحق وينعي السياق على من جعلوا الكتاب الذي أنزل لضبط الاختلاف وبيان وجه الصواب سببًا لزيادة الاختلاف بنسيان وحدة الأصل وتحريف الكلـم عن مواضعه وتكفير بعضهم بعضًا والإيمان ببعضــه دون البعض الآخر (100).
ويرى ابن الجوزي أن المراد بالناس في قوله تعالى (كان الناس أمة واحدة) هم جميع بني آدم أو آدم وحده، فالعرب توقع الجمع على الواحد، ومعنى الآية كان آدم ذا دين واحد فاختلف ولده من بعده، أو أن آدم وذريته كانوا على الحق إلى أن قتل قابيل هابيل. والسياق كله يدل على أن كينونة الناس أمة واحدة، أمر تكليفي وليست أمرًا تكوينيًا، فالناس لا يختلفون في أمور تكوينية، ووحدة المقصد كأساس لوحدة الأمة والاختلاف في الدين دليل على أنه قائم على قاعدة (لا إكراه في الدين) (101).
وثمة حالات خمس كان الناس فيها أمة واحدة، ثلاثة على الإسلام: حين أخذ الله من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم بالعبودية له وأخذ الميثاق على النبيين (وعلى أممهم بالتبعية) أن يصدق بعضهم بعضًا، وأن ينصر بعضهم بعضًا، وأن ينصر كل نبي من يأتي بعده، ويوصي من أمن به أن ينصره إذا أدرك زمانه، وفي عهد آدم، وحين ركبوا السفينة مع نوح، وكادوا يطبقون على الكفر إلا قليلا في عهد نوح وفي عهد إبراهيم (102).
ويقول الطبرسي: إن معنى (كان الناس أمة واحدة) أي ذوي أمة واحدة، أي أهل ملة واحدة وعلى دين واحد. ولم تخل الأرض أبدًا من حجة لله على خلقه، ولكن الحق كان في الواحد أو الجماعة القليلة، وظل المسلمون دعاة ألفة واجتماع وغيرهم دعاة فرقة واختلاف، وكلف الله آدم وجعله إمامًا لذريته قبل أن يهبطه إلى الأرض. وكان الناس أمة واحـدة على فطـرة الله قبـل نـوح.
والتعبير عما بعث الله به الأنبياء بـ (الكتاب) مفردًا مع إرادة الكتب وقوله أنه (نزل معهم) مع أنه نزل على بعضهم وكان البعض الآخر تبعًا لهم دليل على أن القاعدة هي الحرية وعدم الإكراه في الدين واحترام إنسانية الإنسان أياً كان دينه والتسوية بين البشر في شأن الدنيا وترك أمر الآخرة لله، والتواصل بين أمة النبيين والرسل بقرينة عدم تنزيل كتب على بعضهم ووجود أنبياء بلا كتب وعدم ذكر بعض من أرسل الله إليهم، والتكليف بالإيمان بهم كلهم من ذكر منهم ومن لم يذكر بظهر الغيب (103).
والاختلاف حدث بعد اتفاق على الحق، فالتوحيد والهدي هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وبعث الله الرسل لإصلاح الفطرة فكان هديهم واحدًا وإن اختلفت أساليبه حسب اختلاف المصالح، وكملت حلقات إصلاح الفطرة ببعثة محمد (صلى الله عليه وسلم) بالفصل في كل ما اختلف فيه السابقون بالغلو أو التقصير.
وتعدد الرسائل السماوية وتتابعها حتى الرسالة الخاتمة يؤكد على شرعية التعدد في الوسائل مع وحدة الهدف والقصد، وعلى أن شرعية اعتبار الزمان والمكان لا تتعلق بتحديد الهدف بل بطرائق تحقيقه، على أن يكون ناظم الهدف ووسيلة تحقيقه محكومين بشرع الله (104).
ويرى الغرناطي أن معنى الآية أن عماد صلاح البشر هو الدين، وأن (كان الناس أمة واحدة)، بمعنى (إن الناس أمة واحدة) على غرار (وكان الله غفورًا رحيمًا) وأنه لولا منُّ الله على الناس بالرسل وتفضله ببعث النبيين وإنزال الكتاب معهم لكان الناس أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق، ولما كان لاختلافهم ضابط (105).
وتوضح (الزخـرف: 33 – 35) أنه لـولا (أن يكـون الناس أمة واحدة) مجمعة على الكفر بأن يظن الناس أن إعطاء المتاع الدنيوي دليل محبة فيجتمعون على الكفر لأجل المال لوسع الله على الكافر بلا حدود في الدنيا لهوان ذلك المتاع وزواله. فالسعة المادية ليست دليل قربى ولا رضا ولا اختيار (106). والثراء والإنجاز الدنيوي المجرد عن الدين الحق لا وزن له، وإذا كان هذا هو الشأن في معاملة الله للكافر، فمعنى ذلك عدم جواز التضييق في الأمور الدنيوية على أحد بسبب دينه، فالتسوية في متاع الدنيا مبنية على إنسانية الإنسان، والحفاظ عليها هو الدليل الملموس على عدم الإكراه في الدين.
وهكذا يتضح أن الدين يجعل الناس أمة واحدة بضبط الاختلاف بينهم وتحريكه في إطار جامع، بينما قد يؤدي الافتتان بالسعة الدنيوية إلى إجماع على الكفر يعمق الاختلاف ويؤسس للفرقة.
ووردت (أمة) في سورة آل عمران ثلاث مرات في سياق واحد (107)، الأولى في خطاب للأمة المحمدية (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، والثانية بأسلوب تقريري (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، والثالثة (من أهل الكتاب أمة قائمة).
والملاحظ أن خصال (أمة) في كافة تلك الحالات واحدة، والسياق كله يدعو إلى الجماعة والألفة ونبذ الشقاق، ويحذر من عاقبة الشقاق في الدنيا والآخرة، ويبين أن العبرة ليست بالهداية إلى صراط مستقيم، بل بالثبات عليها بالتشبث بالدين الحق والجماعة. فطريق الحق دقيق والسائر عليه غير مأمون أن يزل عن الجادة، ويد الله مع الجماعة المؤمنة.
وينقسم المفسرون لكلمة (منكم) حول: هل هي للتبيين أم للتبعيض؟ ويقول البعض هي للتبيين؛ لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، وهو واجب على الكل وإن كان من أمور الكفاية.
أما من يقولون هي للتبعيض فيرجعون ذلك إلى عجز البعض عن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يعني ضمناً قصر هذا التكليف على العلماء العارفين بالخير وبالمنكر، ويرون أن الله أراد من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أن تكون (أمة) وفيها (أمة). والأمر بالمعروف ثلاثة صنوف، أولها يتعلق بحقوق الله تعالى، وهي نوعان: نوع يؤمر به الفـرد كفرض عين أو نوع يؤمر به الجمع، وثانيها بحقوق الآدميين العامة والخاصة، وثالثها بالحقوق المشتركة كأمر أرباب البهائم برعايتها.
ولما كان العاقل يقدم مهم أمر نفسه على مهم غيره، فإن ترك المنهي عنه، والنهي عن ارتكاب المنهي عنه واجبان لا يغني أحدهما عن الآخر، وهذه الآية واردة في سياق يوضح موارد للفرقة ويحذر منها ويبين أن قمة المنكر الذي كلف الله تلك الأمة بالانتهاء عنه وبالنهي عنه هي: إلقاء الشبهات في النصوص واستخراج التأويلات الفاسدة والتفرق بالعداوة، وبالأبدان بانفراد كل حبر بإقليم وكل رئيس ببلد، والاختلاف في الدين بحيث يرى كل منهم أن الحق معه وصاحبه على الباطل كما فعل أهل الكتاب.
ولما كان الله قد أمر هذه الأمة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن ضده، وكان ذلك مما لا يتم إلا بالقدرة على تنفيذه، فإنه حذرهم من الفرقة لكي لا يعجزوا عن القيام بهذا التكليف (108). وصمام الأمان الكفيل بالتمكن من الارتقاء إلى مستوى (أمة) قادرة على هذا التكليف هو: الاعتصام بحبل الله، وهو: الإسلام، فبه تصنع الجماعة، وينقلب العداء إلى أخوة إيمانية، ويتوحد القصد فالأخ في اللغة من كان مقصده مقصد أخيه. و(من) في قوله تعالى (ولتكن منكم أمة) تفيد الحصر بمعنى: ولتكونوا كلكم أمة على غرار (من) في قوله تعالى: (واجتنبوا الرجس من الأوثان)، ومعنى ذلك أن كافة أفراد هذه الأمة أمروا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والخير هو الإسلام والمعروف هو طاعة الله والمنكر هو معصيته. وتوجيه الخطاب للأمة كجماعة يبقي ذلك التكليف كفائيًا لا عينيًا. وتشمل هذه الأمة في رأي ابن عباس جميع أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ونواتها هم المهاجرون والأنصار عامة أو أهل بدر (109).
وتؤكد خبرة غزوة أحد أن الثابت الوحيد في مفهوم الأمة الداعية إلى الخير والناهية عن المنكر هو الدين، وأن عنصرها البشري متغير وأن بقاءها يجب أن يرتبط ببقاء الدين وليس ببقاء شخص أيا كان حتى لو كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) نفسه؛ لأن الدين هو المقصود لذاته، أما البشر بما فيهم الرسول فليسوا مقصودين لذاتهم، بل لهديهم وقدوتهم الباقية ما بقي دينهم.
وميزان الله أشد صرامة بالنسبة للأمة عنه بالنسبة للأفراد. فَهَمُ الأمة بالتراجع في ساحة الجهاد تحت ذهول إشاعة أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) قتل سمي انقلاباً على الأعقاب رغم سرعة فيئها وتقريرها الفوري مواصلة القيام بما كان عليه محمد (صلى الله عليه وسلم)، ونبذ هاجس الجبن والوهن مادام الأمر كله بيد الله. وتأكد في ذلك الموقف أن الأمة عكس الأفراد لا تبتلي وهي على استقامة ولا ينزل بها بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة. وقمة ذنوب الأمة أن لا تكون أمة حية كالجسد الواحد بالاعتصام بحبل الله. ولا حافظ للجامعة ولا سياج لوحدة الأمة إلا الإسلام الخالص.
وللدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب أولاها: دعوة سائر (الأمة) سائر الأمم إلى الخير وإلى مشاركتها فيما هي عليه من خير، والخير هو: الإسلام الذي هو دين الله على لسان جميع رسله لجميع الأمم والمنحصر من بعثة محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى قيام الساعة في أمة جامعة.
واجتماع (الأمة المسلمة) لهذا القصد الشريف يقتضي أن تكون مهذبة لنفسها مربية لها، داعية الأمم الأخرى (وهي بالنسبة لها: أمة الدعوة) إلى مشاركتها قائمة بواجب تبليغ أمر الله، محبة لغيرها ما أحبته لنفسها كأمة مفتوحة لا شرط لعضويتها إلا الإسلام لله. وهذه الوضعية لا تتم إلا بالتعاون والاجتماع والصبر والمصابرة والمرابطة ونبذ الفرقة والأهواء.
أما المرتبة الثانية فهي دعوة المسلمين بعضهم بعضًا إلى الخير والأمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ويقوم به خواص الأمة القادرون على الاستنباط بفقه الزمان والمكان. والمرتبة الثالثة: التواصي بالحق والتواصي بالصبر بين أفراد الأمة، شكراً لنعمـة الله بالتأليف بين قلوب الأمة. والمؤمن مرآة أخيه، ولا موضع للفصل بين النهي والانتهاء. وتغيير المنكر بالفعل مرتبة فوق التناصح تحتاج إلى قدرة خاصة وهي اختصاص ولي الأمر ويشترط فيها إذنه.
ويحتاج نسق مفهوم (الأمر) إلى وجود نسق سلطة في كل الأنساق المجتمعية. وفرق بين النهي عن المنكر وتغيير المنكر. فالنهي عن الشيء إنما يكون قبل فعله وإلا كان رفعًا للواقع أو تحصيلاً للحاصل. فهو رسالة وقائية. فإذا رأى المرء من يغش مثلاً وجب تغيير ذلك، والقدرة والاستطاعة شرطان له. والتغيير باللسان لا يخص نهي الغاش ووعظه فحسب، بل يدخل فيه رفع أمره إلى ولي الأمر الأقـدر على تغيير المنكـر، والتغيير بالقلب هو عدم الرضا بفعله مع عدم السلبية في مواجهته. فالسكوت على المنكر لا يسمي تغييرًا له بل تمكينًا له.
ومن الـلافت للنظر، أن الشرع جعل الحج فرض عين على المستطيع، ولم يشر في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على (الأمة) إلى الاستطاعة؛ لأن من واجبها الكد في تحصيل أسباب الاستطاعة التي تتطلبها تلك الفريضة، ولأن المثابرة على القيام بها هي التي تولد الاستطاعة والتمكين.
وليس من المتصور في ضوء تعلق فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بـ (أمة) أن لا يكون لها نظام تقوم في ظله كل فاعليات الأمة بدور منسق ومترابط كأعضاء الجسد الواحد، وكأنهم شخص واحد، ولا قوام لأمة واحدة تقوم بهذه الفريضة وكأنها شخص واحد إلا بالعلم التام بما تدعو إليه وما تأمر به وما تنهى عنه، وبحال من توجه إليهم الدعوة، وبعصارة التاريخ وسنن الأولين وعبرتهم، وصلاً للخلف بالسلف الصالح، ومعرفة حال أمة الدعوة وما بها من ملل ونحل والعلوم المتداولة فيها، والضلاعة في لغاتها تأمينًا للتعارف المباشر بلا استعانـة بمترجم أجنبي حتى وإن كان أمينًا، وتربية الدعاة .
ولما كان القيام بهذه الفريضة يقتضي الأخذ على يد الظالم، فإنه لا عبرة بأمر بمعروف ونهي عن منكر يقوم به أفراد على نحو مبعثر، بل أن يكون الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر أمة؛ لأن الأمة لا تغلب ولا تخاف في الله لومة لائم، وتستطيع التصدي لتعليم الجاهل، وكونها أمة يستلزم أن تكون كالجسد له رأس يدبر أمر البدن، ويكفل وحدة القصد في أعمال أعضائه وسيرهم، ويناغم بين كافة أوجه التنوع الفطرية غير الناشئة عن نزعة التفرق والشقاق، ويعمل برأي الأكثرية ما لم يظهر للأقلية برهان (110).
وتشير (آل عمران: 110) إلى (خير أمة أخرجت للناس). ويرى الحسن النيسابوري أن الخطاب في هذه الآية موجه لأصحاب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ولكنه عام في حق كل أمة الإجابة والتي صار لفظ (الأمة) علمًا عليها دون سواها من سائر الناس بعد بعثته، ولا يطلق على غيرها إلا بقيدٍ نحو (أمة الدعوة). ومن مضامين (أخرجت) أن هذه الأمة ليست صانعة نفسها بل هي مصنوعة لله، ولم يخرجها الله لنفسها بل أخرجها للناس، أي أ ظهرها وميزها عن غيرها، وجعلها سبب الخير للناس بما أن رسالتها هي: إقامة نموذج الإسلام الخالص والدعوة إلى أعرف المعروفات وهو (الدين الحق) والنهي عن أنكر المنكر وهو (الكفر)، والجهاد لئلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وهذه الأمة مهما استقامت فلن تسلم من أذى غيرها. ومعنى (كنتم خير أمة) أنتم خير أمة (111). ومرة أخرى، فإن هذا أمر تكليفي للأمة. ولا ثناء عليها إن غيرت وبدلت، فشرط الله فيها المستدعي لخيريتها هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله (112). وبتعبير أخر أن تكون أمة وسطاً مسلمة لله، وأن تتعدى موقع الوجود كـ (أمة كامنة) إلى الشهود كـ (أمة فاعلة).
وتشير (آل عمران: 113) إلى (أمة قائمة) من أهل الكتاب ليست سواء مع بقيتهم، وأساس عدم التسوية أنها لم تقف بالتسليم لله عند حد الإيمان بموسى أو عيسى، بل لم تفرق بين أحد من رسل الله واستقامت على الدين الحق، وبادرت إلى الإجابة لدعوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وأخلصت إسلامها لله (113). وتختص (أمة قائمة) في هذا السياق بمن آمن برسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) من أهل الكتاب، وتشمل من أعلن إسلامه منهم ومن أخفاه تقية في كل ربوع الأرض كالنجاشى، واستقامتهم على دين الحق الذي لم يبدل أو ينسخ قبل بعثة محمد (صلى الله عليه وسلم) واتباعهم له علانية، يجعل ذكر وصفهم بأهل الكتاب مهمًا لبيان سر عدم التسوية، ووصفهم بأهل الكتاب حالة إخفاء إسلامهم تقية وارد، كوصف من كتم إيمانه بأنه (رجل من آل فرعون) باعتبار الظاهر (114).
وهي (أمة قائمة)؛ لأنها دخلت في الإسلام كافة، واستقام قصدها وصارت ضمن (الأمة المسلمة لله)، حجة على من خالفها من أهل الكتاب. و(الأمة القائمة المستقيمة العادلة) تشمل كل من وصف بوصفها ودخل في جملة عباد الله الصالحين (115). وكما أن في (الأمة المسلمة) أناسًا مردوا على النفاق هم في الظاهر منها ولكنهم في الواقع ليسوا منها ولكنهم قوم يفرقون، فإن في (الأمة المسلمة) أناسًا ليسوا منها في الظاهر وهم في الحقيقة منها يكتمون إيمانهم ولهم دورهم الحيوي على غرار (مؤمن آل فرعون).
وجاء لفظ (أمة) في (النساء: 41) شاملاً لكل الأمم، مشيرًا إلى شهادة كل رسول على أمته وشهادة محمد (صلى الله عليه وسلم) على أمته بكل أجيالها يوم القيامة، وإلى أن الشهادة لا تقف عند حد الدنيا بل تشمل الآخرة أيضًا. فالرسل شهداء الله في الأرض على أممهم وشهداء الله عليهم يوم القيامة. وتوضـح قرائن السياق الذي جاءت فيه (أمة) في هذا الموضع ارتباط مفهوم الأمة بالتوحيد والإحسان للوالدين والعقربين، وبالنعي على من يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون فضل الله عليهم. فالأمة جسد له أنساق، وفريضة إنفاق الخير تبدأ بذوي القربي قرابة خاصة أو عامة ثم بقية المحتاجين حتى تشمل كل بني الإنسان (116).
وتأتي (أمة) في (المائدة: 48، 66) مرتين، أولاهما بصيغة (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة)، مشيرة إلى أن إرادة الله بالبشر أن يعبدوه عن اختيار لا عن تسخير وإجبار. ويدعو السياق الأمم إلى استباق الخيرات فيما بينها بالاستقامة على منهج الله، وذروة تلك الاستقامة هي: الدخول في دين الإسلام. فالقرآن مهيمن على كل الكتب السماوية السابقة ومصدق للصحيح منها وهو أم لها. والمنهج الإلهي هو وحده الصالح لاستباق الخيرات؛ لأنه من رب الناس جميعهم، خالق الكون كله بما فيه الإنسان، ولأنه موافق لناموس الكون ولسنن الله في الوجود والفطرة السليمة، ولأنه يحرر الإنسان من العبودية لغير الله (117).
ولكل أمة شرعة ومنهاج من الله، العدول عنه أو التعديل فيه لا يعني إلا الفساد والإفساد في الأرض. وهكذا يؤكد هذا الموضع على مبدأ عدم الإكـراه في الدين وعلى محورية المنهج الإلهي وارتباط إمامة الأمة المسلمة به، وعلى فريضة استباق الخيرات ليس كأفراد بلا ناظم، بل كأمة. أما الثانية فتشير إلى (أمة مقتصدة) لم تسرف على نفسها في شأن عيسى عليه السلام وفي معاداة الإسلام ودخلت فيه على بينة (118)، وشرطت الآية التي ورد بها تعبير (أمة مقتصدة) الإيمان بمحمد (صلى الله عليه وسلم) بإقامة التوراة والإنجيل؛ لأن من بين أحكامهما الإيمان به وبما أنزل إلى أهل الكتاب من سائر كتب الله، (وعلى رأسها القرآن) الذي وإن نزل على غيرهم فهو في حكم المنزل عليهم لكونهم مكلفين بالإيمان به في كتابهم (119).
وترد (أمة) في سورة الأنعام ثلاث مرات خاصة بسلوك الأمة المسلمة تجاه غيرها من البشر والمخلوقات وسنة ابتلاء الله للأمم. وتنبه الآية (108) من تلك السورة إلى “كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم” مرشدة الأمة المسلمة لله، الوسط، القائمة، المقتصدة، التي حددت معالمها في المواضع السالفة الذكر إلى أن تمشي كـ (أمة) في الأرض هونًا، دافعة الضرر الأكبر بالضرر الأدنى، بأن تضبط سلوكها تجاه غيرها بالتسليم بأن كل أمة عملها مزين لها تحسبه صوابًا وتدافع عنه، ومآل الأمم إلى الله يفصل بينهم، وعليها ألا تدخل فيما لا طائل وراءه مما يدفع أمة الدعوة إلى مزيد من العناد والضلال.
ويصل السياق هنا إلى حد منع سب الذين يدعون من دون الله خشية أن يسبوا الله بغير علم. فكل البشر من نفس واحدة خلقوا، والهداية من الله وما على الأمة المسلمة إلا البلاغ (120). أما الآية (38) من سورة الأنعام فتبين أنه “وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم”. فالأمة مخلوق حي يدب في الأرض. وكل دابة في الأرض وكل مخلوق غير الإنسان يخضع لنظام متقن ينبغي على البشر التعلم منه واحترامه في التعامل مع كل تلك المخلوقات. فالله جعل لكل نوع ما به قوامه، وألهمه اتباع نظامه، وجعل له نهاية مؤجلة لا محالة، وتسخير الله لها للإنسان ليس مطلقًا بل مشروطًا بمنهج الله ومتبوعًا بالمسؤولية عما فعل بها وفيها (121).
ووردت (أمة) خمس مرات في سورة الأعراف (122)، تشير أولاها إلى أن (كل أمة أجل ) وهو أجل الحياة المؤقت لها، أو الوقت المؤقت لها قبل أن يحل أجل استحقاق العذاب (123). فالأمة كالكائن الحي تبعث وتعيش وتموت. وأجل (الأمة الجيل) كما سلف القـول هو قرنهـا، وموت أمة ما هو تفرق شملها وذهاب جامعتها.
ويشير القرآن إلى سنة موت الأمم التي تهجر منهج الله وتوقف بعثها من بعد موتها على العودة إليه. وتشير (البقرة: 244) إلى نموذج لذلك “ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ” حيث أفضي الهلع والجبن والخوف من الموت بهم إلى هجر وطنهم، وتفيد ( الفاء ) في (فقال لهم الله) اتصال الهلاك بالفرار، في حين تفيد (ثم) أن الإحياء استغرق وقتاً، وأن ولادة أمة جديدة تراخت إلى أن تم استشعار الداء، واستبدل الله بمن تولوا وفروا نسلاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
الأمة إذن كائن حي يتغير محتواه البشري بالموت الطبيعي، وفي هذه الحالة لا ينقطع وجوده بالخلافة والتوارث، ويعـرف الإبدال والبعث المغاير حالة موته بالعقوبة (124).
وتشير (الأعراف: 38) إلى تخطي مفهوم (الأمة) للزمان والمكان وإلى وحدة الأمة المسلمة، وفرقة الأمم الأخرى؛ لأن الجامع للأمم في الآخرة هو: وحدة القصد. ومقصود الأمة المسلمة لله واحد أبد الدهر، أما الأمم غير المسلمة فمتعددة القصد بما أنها (أمم) وليست أمة، وتدخل كل أمة منهم ينقضي أجلها، في أمم قد خلت من قبلها تماثلت معها في قصدها. ونلاحظ هنا تعبير (أخت الأمة) والتلاعن بين الأمم الأخوات في النار. والكل مؤاخذ بالاتباع أو بالاستتباع، وأساس هذه المسؤولية التضامنية هو رضا كل منها بالأخرى والسير على نهجها (125).
وتشير (الأعراف: 159) إلى (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) مؤكدة مرة أخرى أن لفظ (أمة) قد يطلق على القليـل الذي يهدي بالحق وبه يعدل كما أطلق على الواحد، وهي هنا خاصة بمن أسلم من قوم موسى (126)، وهي دليل على أن الأرض لم تخل من أمة مسلمة لله أبدًا0
وتأتي (أمة) في الموضع الثالث من الأعراف مشيرة إلى وجوب عدم ترك الدعوة مهما كان اليأس من حال من توجه إليه، فلعل الظن يخلـف ويدخل في دين الله، فالنصيحة في الله واجبة على كل حال: معذرة إليه حالة عدم إتيانها ثمرتها، ورجاء إليه أن يأتي بثمارها. فالهدي منه وحده (127). وتشير (أمة) في الموضع الرابع إلى أن منهج الله كناظم يؤدي إلى (أمة واحدة)، والعرق كناظـم يؤدي إلى (الفرقة)، وتظل بذرة الإيمان قائمة داخل الأمم التي يفرقها العرق تسعى ـ كما لا حظنا في الموضع السابق ـ إلى إعادة أمة الدعوة إلى طريق تقوي الله (128)، وهو ما يؤكده الموضع الخامس المتحدث عن (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) وهي الأمة المسلمة لله عبر الزمان والمكان، وجاءت الإشارة إليها في سياق يؤكد على أخذ الله العهد على بني آدم بتوحيده، وإلى خلق الله للبشر من نفس واحدة، وإلى تفرده سبحانه بالأمر كله، وإقامته الحجة البالغة على عباده (129).
وتتضمن سورة يونس ثلاث إشارات لمفهوم (أمة) (130)، تذكر أولاها بأن البشر في الأصل أمة واحدة، وأن الاختلاف وارد، وأن الابتلاء بالشدة ينعش في الإنسان فطرة التذكر والتضرع إلى الله، والنعمة قد تقوده إلى النسيان والظلم، وأن البشر مبتلون فيما استخلفهم الله فيه. ثم يشير الموضع الثاني إلى أنه (ولكل أمة أجل فإذا جاء رسولهم قضي بينهم). والرسول يجيء لأمته مرتين: الأولى في الدنيا بعد الإذن له بدعائهم ويحكم عليهم بالطاعة عند اتباعه، وبالمعصية أن تمسكوا بالمنسوخ وتركوا الناسخ، والثانية في الآخرة حين يأتي شاهدًا عليهم. ويبين الموضع الثالث أن لكل أمة أجلاً محددًا تأتي فيه وتبقى وتكون حجة أو تمهل حتى يقيم الله عليها الحجة (131).
وتتضمن سورة هود أربع إشارات لمفهوم (الأمة) (132)، يرد بأولاها تعبير (أمة معدودة) أي أجل معلوم على سبيل الإمهال إلى مجيء أمة وانقراض أخرى، ويشير الثاني والثالث إلى أن إرادة الله أن يتأسس الدين على عدم الإكراه، ولولا ذلك لكان الناس بالتسيير الإلهي أمة واحدة مسلمة لله ويشير الثالث إلى أن الحرية الدينية هي: سنة الله في خلقه. فعلى عهد آدم كان الناس أمة واحدة مسلمة لله، وتولد الاختلاف والكفر. فصلاح الآباء لا يورث، وعلى عهد نوح فصـل الله بين الحق والباطل ولم يبق الله على الأرض إلا موحدًا، وأفرز الطابع الإنساني وعدم الإكراه كركيزة للدين أممًا صالحة، وأممًا طالحة. ومرة أخرى، بين الحق ضرورة ربط التمتع بالدنيا بإنسانية الإنسان وليس بدين الإنسان (133).
وتتضمن سورة النحل سبع إشارات لكلمة (أمة) (134). تؤكد أولاها وحدة جوهر رسالة كل الرسل في كل الأمم وهي (أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) وتشير نتيجة الدعوة إلى أن القاعدة الثابتة هي أن أمر الدين أمر تكليفي قائم على الحرية ومؤسس بالتالي لمسؤولية الأمم، وتلح الإشارات الخمس التالية على تلك القاعدة وتشير إلى مجيء كل رسول شاهدًا على أمته في الدنيا ثم في الآخرة، وتنبه أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى أن الشيطان زين لأمم سابقة أعمالهم، وتحذرها من أن تكون كالتي نقضت غزلها بأن لا تحترم مواثيقها وعهودها، وتنظم علاقاتها بأمم الدعوة على أساس الانحياز لـ (الأمة الأربى) أي للأمم الأقوى والأشد بأسًا والتحول عن الأمم المستضعفة منهم.
فإقامة الأمة المسلمة للعدل باحترام العهود ونصرة المستضعف والأخذ على يد الظالم هو: غزل هذه الأمة، والتحول عنه نقض له وركون إلى الذين ظلموا. فالميزان في التعامل هو العدل والإحسان وإيتاء ذي القربي واجتناب الفحشاء والمنكر والبغي والوفاء بعهد الله.
وأخيرًا تصف الإشارة الأخيرة (إبراهيم) بأنه كان (أمة قانتًا لله) فهو قدوة يحتذى، ويعدل أمة بكاملها بالتوحيد الخالص (135).
وجدير بالملاحظة أن التحليل السياقي السالف أوضح بالدلالات الضمنية أن الأمة المسلمة لله واحدة لا تتعدد. والآن نصل إلى نص قرآني ظاهر الدلالة في تأكيد فريضة وحدة هذه الأمة. وليس عفوًا أن يأتي النـص الصريح على ذلك في سورتي (الأنبياء: 92) و( المؤمنون: 52) الأولي (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) والثانية (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون). وفي حين لم تتكرر الإشارة إلى (أمة) في سورة الأنبياء، فإنها تكررت في (المؤمنين: 43، 44) مشيرة إلى أن لكل أمة أجل، وإلى عاقبة تكذيب الأمم للرسل. فالبشر في مفهوم الأمة متغير لا يعرف الخلود بطبعه حيناً، وبفعله حيناً آخر.
والأنبياء معصومون، وبالتالي فإن أمتهم أمة واحدة لربها عابدة، وعماد أمة المؤمنين الواحدة هو: تقوى الله فهي مبتلاة للصبر وللشكر وللأجر وللتوجيه وللتأديب وللتمحيص وللتقويم. و( أمة الرسل) واحدة كأمر تكويني، و(أمة المؤمنين) واحدة كأمر تكليفي. والأمة هنا فيما يقوله ابن الجوزي هي الدين، وهي (أمة الأنبياء) التي لا تفرق بين أحد من رسل الله، وهي وحدها الجامعة، وما عداها فمفرق وداعية اختلاف (136).
وفي مقابل الأمة المسلمة الواحدة، تشير (النمل: 83) إلى أن الإرادة والاختيار الممنوحين للأمم المكذبة محدود بالدنيا، أما في الآخرة فإنهم يوزعون: يساقون أولهم على آخرهم حيث لا إرادة لهم ولا وجهة ولا اختيار ويواجهون بالتهكم والتخجيل مع عجزهم حتى عن النطق (137). وتؤكد (القصص: 75) على ذات المعنى، في حين تشير الآية الثالثة والعشرون منها إلى الطابع العابر لأية أمة لا يكون ناظمها وقصدها هو الإسلام لله وإلى وقوعها في آفة تمكن الأقوياء من الاستحواذ واقتصـار المستضعفـين على أخذ ما يفيض منهم كصنيـع (أمة ماء مدين) (138).
ووردت (أمة) في (فاطر: 24) و(غافر: 5) مؤكدة على أن البشارة والإنذار هي مهمة الرسل، ولا يؤخذ أحد بجريرة أحد، وتكذيب الرسل ليس ناتجًا عن تقصيرهم ولا عن نقص الدليل، بل عن طبيعة العناد والمكابرة، وأن من سنة الأولين أن الرسول يجئ فيكذبه طغاة قومه ولا يقارعون الحجة بالحجة بل يلجئون إلى منطق الطغيان والبطش والتمويه على العامة بالباطل ليدحضوا به الحق في مواجهة أبدية يداول الله فيها الأيام بين الناس، وينتصر فيها الحق على الباطل وفق سنن إلهية لا تتبدل، لا موضـع فيها للعجلـة ولا لعدم خوض غمـار صنوف الابتلاء (139).
وتشير الآية الثانية من سورة الشورى إلى ضرورة عدم الإكراه في الدين، فالله لو شاء لخلق البشر على شاكلة أخرى توحد سلوكهم ومصيرهم. وتحذر (الزخرف: 22، 23) من آفة التقليد ومن الافتتان بقدرة الأمم الكافرة على حيازة الثراء المادي المجرد عن الإيمان، وينتهي ورود لفظ (أمة) مفردًا في القرآن في موضع له دلالته حيث الموضع في سورة (الجاثية: 2) والحديث عن وضعية يوم القيامة، كما يأتي البشر فرادى كما خلقهم الله أول مرة، تأتي الأمم فرادى لا ناصر لهم من بينهم (كل أمة جاثية) خاضعة، و(لكل أمة كتاب) تدعى إليه مستنسخ فيه كل عملها (140).
الخاتمة
يتضح من هذا الطرح أن الشقة جد واسعة بين مضامين مفهوم الأمة في لغة الضاد، وفي السياق القرآني وبين ما آل إليه ذلك المفهوم في عقول فريق من المفكرين المسلمين، استحضارًا وتأثرًا بمضامين مفهوم القومية الغربية العلمانية كما ترسخت في أوروبا خلال القرون الثلاثة الماضية، وفي العالم الإسلامي منذ سقوط الخلافة العثمانية. ورغم ما ترتب في أرض الواقع على ذلك من تهميش وفرقة وتفتت في العالم الإسلامي، ومن تراجع أوروبي عن القومية (ولكن مع التمسك بالعلمانية المادية)، فإن عملة القومية العلمانية لا تزال رائجة في العالم الإسلامي دون أية بوادر لإعادة النظر فيها في المستقبل المنظور.
ولعل أهم نتيجة توصلت إليها هذه الدراسة أن اعتبار القومية مرادفًا لمفهوم الأمة فكرة مستوردة منقطعة الصلة تماما بالدلالات اللغوية لمفهوم الأمة في اللغة التي أنزل الله بها القرآن، وبدلالات ذلك المفهوم ومضامينه في القرآن الكريم. ولا شك أن هذه الدراسة تحتاج لمزيد من التوسع والتعمق في تأصيل تلك الدلالات في السنة النبوية الصحيحة وفي السياق القرآني كله وفي عصارة سيرته التاريخية. وقد يكون لذلك ما يبرره. ولإن كانت محصلة المواجهة بين المنظورين التغريبي والإسلامي في ساحة مفهوم الأمة في القرن المنصرم هي أسره وتمييعه، فإن مفتاح الخروج من الوهدة التي تردي فيها العالم الإسلامي هو: استعادة مفهوم الأمة وإعادة بنائه من مصادره الأصيلة.
ويحتاج ذلك إلى تأصيل الحاجة إلى العودة إلى إحلال الشريعة محل القانون بدلالته الغربية بتفكيك المقولات التي تم من خلالها تخليق فيروس الهزال القانوني للشريعة الإسلامية، وإبراز الطابع التفريقي والإكراهي لأي ناظم للجماعة باستثناء الدين الإسلامي، فلا سبيل لأمة واحدة وإرادة واحدة في العالم الإسلامي إلا به. فالأمة والدين مترادفان. ويتسع مفهوم الأمة بدلالته الإسلامية ليشمل تحت مظلته كافة الأنساق المجتمعية بما فيها القومية وهو كالجسد الواحد، لا يستطيع أن يكون كذلك إلا بأعضاء متنوعة متكاملة في وظائفها خالية من التطرف والانعزالية، بما أن الأمة من صنع الدين ونسيجها هو الوسطية الجامعة والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وواقع الأمر، أن الهوية الإسلامية المشتركة لم تتمكن على مدى ثلاثة عشر قرنًا حتى سقوط الدولة العثمانية من تحقيق التعايش والتجاور الآمن بين أقوام ولغات منوعة فحسب، بل أبدعت في التوظيف الإيجابي لذلك التنوع، وأسهمت الحركة الإسلامية المعادية للاستعمار بكثافة في الحركة القومية إدراكًا منها أن القومية بذاتها نسق من أنساق الأمة ما لم ترفع راية العلمانية.
وعلاوة على ذلك، فإن تجزئة الأمة إلى دول قومية لم تستطع زحزحة الإسلام كأحد أهم مقومات النسق العقيدي لمجتمعات البلدان الإسلامية المستقلة. ومع ذلك فإن مفهوم الأمة تعرض لتشويهات جسيمة بحصره بأمور كاللغة والانتماء العرقي والذاكرة التاريخية المتجسدة في دول ذات سيادة والزعم بإمكانية، بل وجوب الفصل بينه وبين مفهوم الدين، وعلمنة مفهوم القومية وتشويش مفهوم الدين بالسعي إلى اختزاله من مفهوم شامل لنظام جامع للحياة مصدره هو الله بطريق الوحي إلى نبي يوحى إليه بكتاب موحى به، إلى مجرد علاقة روحية تتعلق بضمير الإنسان لا علاقة له بما يسمى بالأمور الدنيوية، وتجذر حالة تبعية العالم الإسلامي المادية والمعنوية للغرب.

لفظ (أمة) في القرآن الكريم

البقرة : * رَبَّنَا واجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128).
* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ولا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134).
* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ولا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141).
* وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ومَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ وإن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلاَّ على الَذِينَ هَدَى اللَّهُ ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (143).
* كَانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ وأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (213).
آل عمران: * ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ(104).
* كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ (110).
* لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وهُمْ يَسْجُدُونَ (113).
النساء: * فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ شَهِيداً (41).
* وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ ومُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجاً ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48).
* ولَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والإنجِيلَ ومَا أُنزِلَ إلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66).
الأنعام: * ولا تَسُبُّوا الَذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108).
الأعراف: * ولِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ (34)
* قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الجِنِّ والإنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حتى إذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38).
ومِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ (159).
وإذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164).
ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ (181).
يونس: * ومَا كَانَ النَّاسُ إلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ(19).
* ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ (47).
* قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَراً ولا نَفْعاً إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ (49).
هود: * ولَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العَذَابَ إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (8).
* ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118).
يوسف: * وقَالَ الَذِي نَجَا مِنْهُمَا وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45).
الرعد: * كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتَابِ (30).
الحجر: * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا ومَا يَسْتَأْخِرُونَ (5).
النحل: * ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ ومِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ (36).
* ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84).
* ويَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هَؤُلاءِ ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89).
* ولا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92).
* ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ويَهْدِي مَن يَشَاءُ ولَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93).
* إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ (120).
الأنبياء: * إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92).
الحج: * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ على مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإلَهُكُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ (34).
* لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ(67).
المؤمنون: * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا ومَا يَسْتَأْخِرُونَ (43).
* ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ (44).
* وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52).
النمل: * ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83).
القصص: * ولَمَّا ورَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23).
* ونَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ(75).
فاطر: * إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً ونَذِيراً وإن مِّنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (24).
غافر: * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5).
الشورى: * ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً ولَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ والظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ (8).
الزخرف: * بَلْ قَالُوا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا على أُمَّةٍ وإنَّا على آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (22).
* وكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا وجَدْنَا آبَاءَنَا على أُمَّةٍ وإنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (23).
* ولَوْلا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ ومَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33).
الجاثية: * وتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كِتَابِهَا اليَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28).

لفظ (أمم) في القرآن الكريم

الأعراف: * قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الجِنِّ والإنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حتى إذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38).
* وقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغَمَامَ وأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ومَا ظَلَمُونَا ولَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
* وقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ ومِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168).
هود: * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48).
الرعد: * كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتَابِ (30).
النحل: * تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ ولِيُّهُمُ اليَوْمَ ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63).
العنكبوت: * وإن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ومَا على الرَّسُولِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ (18).
فاطر: * وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إلاَّ نُفُوراً (42).
فصلت: * وقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ومَا خَلْفَهُمْ وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الجِنِّ والإنسِ إنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25).
الأحقاف: * أُوْلَئِكَ الَذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الجِنِّ والإنسِ إنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18).

هوامش الدراسة

1 ـ سنحاول رصد هذه المعالم بالأساس من دراسات أربع، أولاها بمثابة سجل أعيد فيه نشر نصوص ما كتب عن مفهوم الأمة من منظور تغريبي منذ العشرينيات حتى الآن في ثلاثة مجلدات. وتقدم الثانية قراءة تغريبية لكافة التصورات التي طرحت في ذلك القرن لمفهوم الأمة. أما الدراسة الثالثة فتقدم تحليلاً نقديًا من منظور إسلامي للرؤية التغريبية للعلاقة بين مفهومي الأمة والدين، وتقدم الدراسة الرابعة قراءة لسيرة مفهوم الأمة في القرن العشرين من منظور إسلامي. وهذه الدراسات هي:
ـ قراءات في الفكر القومي، مجموعة مؤلفين، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1994، وهو يقع في ثلاثة مجلدات، استعنا منها بعشرين دراسة.
ـ ناصيف نصار، تصورات الأمة المعاصرة، دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر الحديث والمعاصر، الكويت، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، 1986.
ـ مصطفى صبري، النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة، دراسة وتقديم: د . مصطفى حلمي، الإسكندرية، دار الدعوة للطباعة والنشر والتوزيع، 1989.
ـ إبراهيم البيومي غانم، السياق التاريخي والمفاهيم، ضمن: إبراهيم البيومي غانم (وآخرون) بناء المفاهيم، دراسة معرفية ونماذج تطبيقية، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1998.
(2) محمـد جابر الأنصاري، تسيس الإسلام العربى، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ1،ص 3، ص 448.
(3) ساطع الحصري، عوامل القومية، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ1، ص 29 ـ 41.
(4) كافة الأمثلة التي ساقها الحصري كتطبيقات لتلك التعريفات مأخوذة من التجربة الأوروبية، ويسلم الحصري بأن الربط بين الوطن والقومية والدولة من مستحدثات القرن التاسع عشر. ويدعي مع ذلك إمكانية الفصل بين رابطة حسية مادية يقوم عليها حب الموطن والأهل، ورابطة معنوية لا تخضع لقوانين الزمان والمكان والمادة ويقوم عليها حب الأمة والوطن، وأن وحدة اللغة والتاريخ هي أقوى آصرة بين البشر. انظر: ساطع الحصرى، الوطنية والقومية، ضمن قراءات…، مرجع سابق، جـ1، ص 55 ـ 61.
(5) طه حسين، قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل، ضمن: قراءات…، المرجع السابق، جـ1، ص 384 ـ 389.
(6) أكرم زعيتر، كلمة طه حسين عن العرب، ضمن: قراءات… ، جـ3، ص 449.
(7) إبراهيم عبد القادر المازني، القومية العربية، ضمن: قراءات…، جـ1، ص42 ـ 44.
(8) زكي الأرسوزي، الأمة العربية والإنسانية، ضمن: قراءات…، جـ1، ص 256 ـ 260. إلياس فرح، القومية العربية والإسلام في تفكير الرواد: ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وميشيل عفلق، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ1، ص 732 ـ 740.
(9) محمد جابر الأنصاري، تسيس الإسلام العربى، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ3، ص 436 ـ 442.
(10) ميشيل عفلق، القومية حب كل شيء، ضمن: قراءات…، مرجع سابق جـ1، ص 74 ـ 77.
(11) ميشيل عفلق، القومية، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ1، ص 79 ـ 80.
(12) إلياس فرح، مرجع سابق، جـ1، ص 738 ـ 740. ويرى البعض أنه لا فرق بين دعاة استيراد المفاهيم الغربية بلا قيد، ودعاة انتقاء أفضل ما في الحضارتين الإسلامية والأوروبية؛ لأن الأخيرين ينسون أن الخيار يضيع متى دارت العجلة ويستحيل تحديد ما هو نافع حالة الانفتاح على الآخر من موقع ضعف. انظر: محمد عبد العزيز الدوري، الذات العربية وموقفها من الحضارة الغربية، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ3، ص110 ـ 113.
(13) شبلي العيسمي، التاريخ في خدمة الأمة، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، ص 130 ـ 133 انظر أيضًا: أحمد حسن الزيات: فرعونيون وعرب، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ3، ص 22 ـ 24 حيث نجد مقارنة تحبذ الوقوف بالذاكرة المصرية عند حد الحقبة العربية بالمقارنة بين الإنجازات الفرعونية والإنجازات العربية.
(14) محمود عزمي، أيهما نقدم: الرابطة الشرقية أم الرابطة الإسلامية أم الرابطة العربية، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ3 ص 26 ـ 29.
(15) المرجع السابق، ص 30.
(16) عزت النص، التاريخ بين القومية والإنسانية، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ3، ص 193 ـ 211.
(17) عبد الفتاح العدوي، القومية والعالمية في النظرية السياسية، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ3 ص 357 ـ 362. ويشير البعض إلى ما يسمونه (الأمة المعنوية) ويريدون بها الأمة الإسلامية في صدر الإسلام حتى سقوط الخلافة العثمانية، ويرون أن الوحدة المعنوية لدار الإسلام استمرت طيلة تلك الفترة كرمز للهوية الجماعية الإسلامية. وأدى منع ظهور بديل آخر إلى عودة الولاءات العشائرية والطائفية والمذهبية والمحلية. انظر: محمد جابر الأنصاري، مرجع سابق، ص 436 ـ 442. ويشير البعض إلى أن القومية بدلالاتها الحديثة وليدة البيئة الأوروبية، وتعني في أصلها اللاتيني: قومًا لغتهم واحدة وتجري في عروقهم دماء واحدة ثم صارت تعني سكان دولة ذات سيادة لا دخل للدم واللغة فيها. ولم يتحقق إجماع أبدًا على أساس بعينه للناظم القومي. فكيف تصلح القومية كناظم وأساسها مختلف عليه؟ انظر: حسن الدجيلى، بحث في القومية، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ1، ص 81 ـ 85.
(18) عبد الله عبد الدائم، فكرتنا حية مطلقة، ضمن: قراءات… ، مرجع سابق، جـ1، ص 106، ويتحدث آخرون عن ناظم اشتراكي للقومية وتتجلى سيولة مفهوم القومية في ذهن القوميين العرب في القرن العشرين في تكذيب مقولة (القومية الأم) وتأكيد تميز كل قومية عن الأخرى، والحديث في الوقت نفسه عن (قومية إنسانية تقدمية)، انظر: إنعام الجندي، حول كتاب جورج حنا: معنى القومية العربية، ضمن: قراءات… ، مرجع سابق، جـ1، ص 294 ـ 295، ميشيل عفلق، معالم القومية التقدمية، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ1، ص 390 ـ 394، على بدر، الفكر الاشتراكي العربي، مقوماته وعناصره وأبعاده، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ3، ص266 ـ 273. ويزعم بعضهم أن مفهوم القومية مرادف لمفهوم الأمة منذ قرون عديدة. انظر:عبد الفتاح العدوي، القومية والعالمية في النظرية السياسية، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ3، ص 356.
(19) يشير البعض إلى أن الدولة هي ناظم الأمة وليس العكس، ويقسمون الأمم بالتالي إلى أربعة أنواع: الأمة الدولة (دولة تضم أمة بكاملها) والأمة المجزأة (أمة تتوزع على عدة دول) والدولة متعددة القوميات (وجود أكثر من أمة داخل دولة واحدة) والأمة الممزقة (توزع أمة على عدد من الدول ذات القوميات المختلفة عنها دون أن تنجح في لم شملها أو تحقيق الاستقلال). أليس هذا دليلاً على عدم صلاحية القومية كناظم لمفهوم الأمة؟ انظر: إحسان هندي، القوميـة ودولة الوحـدة، تعريفـات عامة، ضمن: قراءات…، مرجع سابق، جـ 2، ص 411 ـ 412. وأدى تبني الدلالة المفاهيمية الغربية لمفهوم الدين إلى القول بوجود مجتمع ديني ومجتمع دنيوي مدني لكل منهما صفات مغايرة للآخر. انظر: د. معن خليل عمر، انشطار المصطلح الاجتماعي، أربد، دار الأمل للنشر، د. ت، ص 127.
(20) د . محمد عمارة: تعريفات سياسة: القومية العربية، قراءات… ، مرجع سابق، جـ1، ص 693 ـ 698. ويزعم البعض أن اللغات الأخرى عرفت مفهوم الأمة وأن المصدر اللغوي للأمة والقوم واحد في أغلب اللغات الأجنبية. انظر: إحسان هندي، مرجع سابق، ص 408. وتعود بعمق مفهوم الأمة العربية إلى ظهور اللغة العربية، فهي ترى أن هناك أمة عربية منذ ظهور اللغة العربية.
(21) د . محمد عمارة، الأمة العربية وقضية الوحدة، بيروت، دار الوحدة للطباعة والنشر، 1405 هـ، ص 62 ـ 63، ص 156، ص 186.
(22) إبراهيم البيومي غانم، السياق…، ضمن: إبراهيم البيومي (وآخرون)، مرجع سابق، ص 105ـ 109.
(23) المرجع السابق، ص 112 ـ 126.
(24) انظر: محمود محمد شاكر، رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، القاهرة، دار الهلال، 1991.
(25) د . ناصيف نصار، مرجع سابق، ص 15 ـ 18.
(26) المرجع السابق، ص 29 ـ 38، ص 54 ـ 63.
(27) المرجع السابق، ص 82 ـ 101.
(28) المرجع السابق، ص 118 ـ 125.
(29) المرجع السابق، ص 130.
(30) والأغرب من تحدث عبد القادر عودة عن الدين كمقابل للدنيا مع أن مقابل الأخيرة هو الآخرة، وهو ما يسلم به ضمنًا بحديثه عن الدين، كناظم للشأن الإنساني كله في الدنيا والآخرة، زعم المؤلف أن عبد القادر جاء بذلك برأي لم يسبقه إليه أحد، بالقول بأن الدولة من مقومات الأمة الإسلامية وهجومه الشديد على ذلك الرأي، ووصفه باللاتاريخي. انظر: المرجع السابق ، ص 136 ـ 138.
(31) المرجع السابق، ص 147 ـ 154، ص 169 ـ 170.
(32) المرجع السابق ص 171.
(33) المرجع السابق، ص 172 ـ 175 .
(34) المرجع السابق ص 189 ـ 221 .
(35) لا يخفى تأثر المرصفي في تحديده لمفهوم اللغة كرابطة وكمقوم بالفكر القومي العلماني الغربي فهو يفصل بين الأمة والدولة، ويلوذ برابط اللغة لينفي الدين كرابط ولينفي وجود أمة إسلامية بوضع شروط يستحيل معها قيامها. وهو حين يجعل اللسان أسبق كرابطة يوحي بأن المكان (الاستقرار) والدين ظاهرتان أحدث من وجود الإنسان على الأرض ومن اللغة. انظر: المرجع السابق، ص 229 ـ 234.
(36) المرجع السابق، ص 295 ـ 303.
(37) المرجع السابق ص 316، ص 337.
(38) المرجع السابق، ص 361 ـ 482، ص 406 ـ 448 .
(39) المرجع السابق، ص 468 ـ 504.
(40) David L . Sills (editor) International Encyclopaedia of the Social Science , New York , the Macmillan Company & The Free Press, 1968 , vol. . 2 , PP . 7 – 9
وفي موسوعة العلوم الاجتماعية أن القومية هي إحساس كل أمة بأن من واجبها ومن حقها أن تقيم دولتها القومية. والثقافة واللغة المشتركتان مهمتان ولكنهما ليستا شرطين لقيام الأمة. وسبق قيام الدولة في إفريقيا وآسيا بناء الأمة . انظر:
Adam Kuper and Jessica Kuper ( Editors ) The Social Science Encyclopaedia , London , Routledge & Kegan Paul , 1985 , PP . 552 – 553
(41) والمراد ببناء الأمة ـ في المنظور الغربي ـ هو دعم التكامل القومي بإنشاء مؤسسات قومية مشتركة ورموز للوحدة وهذه العملية مهمة بالذات في الدول ذات الحدود المصطنعة العارضة الناتجة عن تصفية الاستعمار الأوروبي التقليدي، والتي تحتاج إلى التنمية المزدوجة للسلطة العامة والولاء القومي وتوسيع الحقوق المدنية. ومادامت الدولة مرادفة للأمة فإن بناء الأمة يعني الأخذ بالعلمانية السياسية لدعم سيطرة الدولة والطاعة الجماهيرية.
انظر: Vernon Bogdanor , Blackwell Encyclopaedia of Political Science, London, Blackwell Ltd, 1993 , PP 379 – 380
وانظر: David L . Sills, op . cit. , PP . 9 – 13
(42) د . أحمد سويلم العمري، معجم العلوم السياسية الميسر، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985، ص 31.
(43) أحمد عطية الله، القاموس السياسي، القاهرة، دار النهضة العربية، 1980، ص 151 ـ 152.
(44) د . نيفين مسعد (محرر) معجم المصطلحات السياسية، القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 1994، ص 181.
(44) المرجع السابق، ص 107، ص 148 ـ 149، ص 206 ـ 207.
(45) د. إبراهيم مدكور (وآخرون)، معجم العلوم الاجتماعية، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1975، المقدمة ص ح.
(46) عزيز الحبابي، الأمة، ضمن: المرجع السابق، ص 65 ـ 66، سليمان الطماوي دولة، ضمن: المرجع السابق، ص 268.
(47) انظر تعريف د . حسن سعفان للقبيلة والعشيرة والفخذ، في المرجع السابق، ص 392، 447، 466.
(48) عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1985، ص 306 ـ 307.
(49) غسان سلامة (وآخرون)، الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1989، جـ2، ص 517 ـ 522.
(50) راجع على سبيل المثال: عبد الرحمن حميدة، الأطلس الاقتصادي للعالم الإسلامي، دمشق، دار الفكر 1997، د . شوقي أبو خليل، أطلس دول العالم الإسلامي، بيروت، دار الفكر المعاصر، 1999، ص 110.
(51) مصطفى صبري، النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة، دراسة وتحقيق: د . مصطفى حلنى، الإسكندرية، دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع، 1989، ص 147 ـ 149.
(52) المرجع السابق، ص 148 ـ 149، ص 234 ـ 247، ص 268. وقارن مع رأي عبد الحميد بن باديس الذي شبه الخلافة العثمانية بشجرة الزقوم، ووصف أتاتورك بأنه المعجزة التي حفظت تركيا والشرق الإسلامي وأعظم رجل عرفته البشرية، وقال بوجود أمم إسلامية لكل منها سيادتها وسلطانها ونظام الحكم الخاص بها. انظر: حسن عبد الرحمن سلوادي، عبد الحميد بن باديس مفسرًا، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1988، ص 231 ـ 232.
(53) انظر: مصطفى صبري، مرجع سابق، ص 203، 204، 205، 206، 226، 254، 266، 274، 277، 285 .
(54) صالح محمد آل إبراهيم، المرجع والأمة: دراسة في طبيعة العلاقات والمهمات، بيروت، دار البيان العربي، 1993، ص 21 ـ 28، ص 161 ـ 187.
(55) د . محمد بن لطفي الصباغ، توجيهات قرآنية في تربية الأمة، بيروت، المكتب الإسلامي، 1992، 32 ـ 36، ص 114 ـ 117.
(56) الفضل شلق، الأمة والدولة، جدليات الجماعة والسلطة في المجال العربي الإسلامي، بيروت، دار المنتخب العربي، 1993، ص 15 ـ 21، ص 36 ـ 45.
(57) د . فاروق حمادة، بناء الأمة بين الإسلام والفكر المعاصر، الدار البيضاء، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1986، ص 25 ـ 44.
(58) د . منى أبو الفضل، الأمة القطب، نحو تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام، القاهرة، شركة الطوبجي للطباعة، 1982، ص 10 ـ 15.
(59) المرجع السابق، ص 38 ـ 55.
(60) المرجع السابق، ص 8 ـ 84.
(61) زكي الميلاد، الجماعة والجامع والجامعة، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1998، ص 3 ـ 20.
(62) انظر: المرجع السابق، ص 23 ـ 62.
(63) اقتصرت على القول بأن الأمة ـ لغة ـ هي الجماعة من الناس التي تؤم جهة معينة. انظر: د . ماجد عرسان الكيلانى، إخراج الأمة المسلمة وعوامل صحتها ومرضها، القاهرة، دار أخبار اليوم، 1991، ص 17. ورأت هذه الدراسة (ص 24 ـ 28) أن ترجمة مفهوم الأمة يشوه معناها وأن عملية إخراج الأمة الإسلامية بدأت على يد إبراهيم (عليه السلام).
(64) المرجع السابق، ص 23 ـ 24. ومع ذلك فإن دراسة الكيلاني قامت بتفكيك العديد من المفاهيم الهامة في الجنسية والثقافة والهوية وبينت التغاير بين دلالاتها في المنظورين القرآني والغربي. انظر: ص 38، 44.
(65) المرجع السابق، ص 113 ـ 149. ويعيب هذا الطرح استخدامه لمصطلحات الإيمان والجهاد والهجرة والإيواء والولاية في وصف أطوار مجافية بطبيعتها للدلالة الإسلامية لهذه المفاهيم، فضلاً عن تصوره إمكانية الفصل بين كل منها كناظم للفكرة والأشخاص والأشياء في آن واحد.
وعرفت الساحة الفكرية في الربع الأخير من القرن العشرين إلى جانب المحاولات الجادة التي أشرنا إلى عينة منها في هذه الدراسة، دراسات تحمل في عنوانها (مفهوم الأمة) وتعتبره بغير حاجة إلى تعريف. انظر: نماذج لذلك في: محمود شاكر، المغالطات وأثرها في الأمة، بيروت، المكتب الإسلامي، 1992.
وعرفت دراسات يبدو في الظاهر فحسب أنها تنطلق من مرجعية إسلامية، ولكنها تعتمد التلفيق العرضي حينًا والمقصود حينًا آخر. ونصادف التلفيق العرضي في دراسة لنيل درجة جامعية تعرف الأمة بأنها: مجموعة الناس التي تدين بعقيدة واحدة، وتصـور واحد، وتدين لقيادة واحدة فالأمة الإسلامية لها ركنان: العقيدة الإسلامية الشاملة، والقيادة المسلمة الواحدة التي تحكم بما أنزل الله وهي أمة واحدة من دون الناس، وغيرها أمم (معها) وليس (منها) . إلا أن الباحث ناقض نفسه أكثر من مرة حين استدرك قائلاً: بأن هذا لا يقلل من أهمية الأرض واللغة كعنصرين مهمين في مفهوم الأمة. إذ كيف تعد الأمة الإسلامية أمة واحدة ذات قيادة واحدة إذا اعتبرنا اللغة من مقوماتها؟ انظر: محمد موفق الغلايينى، وسائل الإعلام وأثرها في وحدة الأمة، جدة، دار المنارة، 1985 ص 15 ـ 16 وقارن: ص 22 ـ 31.
ونصادف تلفيقًا متعمدًا في دراسة أخرى تزعـم الخروج من تحليل السياق القرآني لمفهوم الأمة بأنه يعني التجمعات الإنسانية الأكثر بدائية، والبهائم، والتجمعات الإنسانية الحديثة، والفرد الواحد. والأمة هي ما نطلق عليه بالمصطلح الحديث: الثقافة، وهي مجموعة معلومات عاقلة وهي قدرة الإنسان على التعبير. هي بالنسبة للحيوان السلوك الغريزي، وبالنسبة للإنسان السلوك الواعي.
والأمة مفهوم تحتي لمفهوم القومية. فالناس كانوا أمة واحدة عندما كانوا في المملكة الحيوانية ثم بدءوا بالابتعاد عنها ثم تنوعت الثقافات فأصبحوا أممًا ثم تنوعت الألسن فأصبحوا قوميات. انظر: د . محمد شحرور، دراسات إسلامية معاصرة في الدولة والمجتمع، دمشق، دار سيناء، 1994، ص 65 ـ 77.
وثمة نوعية ثالثة من الدراسات ترفع شعار استعادة (الأمة الواحدة) ومعالجتها من داء الافتراق والانشقاق على نفسها، وجمعها على الفطرة الإسلامية وتري أن منشأ التشتيت واختلاف المسلمين هو: تعدد المذاهب، وأن بناء المعتقدات على صحيح النقل وصريح العقل، وترك الألقاب المذهبية، والتسمي بالإسلام، هو مفتاح زوال العصبية المذهبية، على أن تنطلق الدعوة إلى ذلك من حرم الله الآمن لأنه مرجع الكل، وأن يكون شعارها التسامح بين كل من ينطق بالشهادتين، ولا ينكر ما عرف بالدين بالضرورة من غير تأويل.
ومن الغريب أن تكون هذه الرؤية الطموحة والجادة مجرد تمهيد لدراسة مقارنة بين رؤية الأباضية وغيرهم بالنسبة لموضوعات ثلاثة: رؤية الله وخلق القرآن وخلود أهل الكبائر في النار تستغرق قرابة مائتي صفحة، يخلص المؤلف بعدها إلى دعوة العلماء إلى وقفة إيجابية في هذه المواضيع لأنها تهدد بانصداع الأمة. انظر: أحمد بن حمد الخليلي، الحق الدامغ، السيب، مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، 1992، ص 6 ـ 16. وانظر: ص 299 .
(66) نديم مرعشلي، أسامة مرعشلي، الصحاح في اللغة والعلوم، بيروت، دار الحضارة العربية، 1975 ص 37 ـ 38، الشريف علي بن محمد الجرجاني، كتاب التعريفات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1983، ص 35.
(67) أبو الفضل بن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر، د . ت، جـ12، ص 22 ـ 24.
(68) ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن الأزدي، جمهرة اللغة، بيروت، دار صادر، د . ت، جـ1، ص 21.
(69) ابن منظور، مرجع سابق، جـ12، ص 25 ـ 26.
(70) المرجع السابق، ص 26. ومن اللافت للنظر هنا قول الأخفش عن مفهوم (الأمة): هو في اللفظ واحد، وفي المعني جمع. انظر: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، القاهرة، عيسى الحلبي وشركاه، د . ت، ص 28 ـ 29.
(71) ابن منظور، مرجع سابق، جـ12، ص 27 ـ 28 .
(72) إبراهيم اليازجي، كتاب نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتواتر، بيروت، مكتبة لبنان، 1970، جـ2، ص 165 ـ 166.
(73) أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، بيروت، المكتبة العلمية، د . ت، ص 504 ـ 505.
(74) الموسوعة الفقهية، الكويت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1986، الصفحات 201، 2016، 257، 264، 270.
(75) أيوب بن موسى الحسيني الكفوي، الكليات، معجم المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: د . عدنان درويش، محمد الحصري، دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1981، القسم الأول، ص 291 ـ 292.
(76) أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، القاهرة، دار الفكر، 1979، ص 28 ـ 29.
(77) ولا يتسع المقام للحصر في تحليل الحقول الدلالية اللغوية للعائلة المفاهيمية لمفهوم الأمة كما حددها ابن فارس، ويكفي لإبراز التقارب بين فروعها الإشارة إلى تضمن مفهوم (الأصل): تقصي الجـذور والشرف والأساس، ويقابلـه الفرعي والمقلد، انظر : إبراهيم مدكور (وآخرون) المعجم الوسيط، القاهرة، شركة الإعلانات الشرقية، 1972، جــ1، ص 30.
ومن معاني (المرجع: محل الرجوع، والأصل، والمشاورة وإعادة النظر، والرجوع . انظر: المرجع السابق،جـ1، ص 343. والعودة. ومن معاني مادة (جمع): ضم المتفرق والعزم على الأمر والحشد والزواج وشهود الجمعة والإجماع والجامع والأمر الجامع والطائفة من الناس يجمعها أمر واحد، ويوم جمع ( يوم عرفة ) وأيام جمع (أيام منى) ويوم الجمع: يوم القيامة، والألفة. ورجل جميع: مجتمع الخلق قوي قد بلغ أشده، وهو جميع الرأي سديده. والجمع: الملتقي انظر: المرجع السابق، جـ1، ص 140.
ومن معاني (الدين): الإسلام والملة وكل ما يعبد الله به، والاعتقاد بالجنان والإقرار باللسان وعمل الجوارح بالأركان، والسيرة والعادة والحال والشأن والورع والحساب والملك والسلطان والحكم والقضاء والتدبير والعبادة والطاعة. وتشمل مادة (القامة): الاعتدال والإقامة والاستقامة والتقويم، والقوام (عماد الشيء ونظامه وما يقوم به).
والمقام والمقامة: الجماعة من الناس، والقوام: الحسن القامة، والحسن القيام بالأمور والمتولي لها، والقويم: المعتدل، والحسن القامة. بل إن من معاني (القامة): القوامة (القيام على الأمر وولايته). ويقال: ما لفلان قيمة: ثبات ودوام على الأمر، وقيم القوم: من يسوسهم ويقوم بشأنهم. والقيوم: القائم الحافظ لكـل شيء وهو اسم من أسماء الله الحسنى، المرجع السابق، جـ2، ص 798.
وتتضمن مادة (قصد): الاستقامة، وتعمد التوجه إلى الشيء والتوسط في الأمر، بلا إفراط ولا تفريط، والعدل في الحكم، والاعتدال في المشية، وعدم الإسراف أو التقتير في النفقة، والتنقيح والتجويد والتهذيب، والرشد والطريق السهل المستقيم.
أما الحين فمن مضامينه: الدهر، ووقت من الدهر مبهم طال أم قصر، والهلاك والمحنة، وحلول الأوان. انظر: إبراهيم مدكور (وآخرون)، المعجم الوسيط، مرجع سابق، جـ2، ص 766، وكلها مضامين تشير إلى المرجع وإلى محورية الزمن والأجل وشأن العاجلة والآجلة.
وخلاصة هذا التحليل اللغوي أن لفظ (أمة) يطلق على أية جماعة من أي كائن حي ضمها قصد ما في زمن ما، ناظمها هو الدين، وهو كأمر تكليفي ـ في ضوء المعاني السالفة الذكر ـ يرتبط بالنسبة للأمم البشرية بالحرية وعدم الإكراه في الدين، ويعني ترادف مفهوم الأمة مع (الأصل): التماثـل ببعد الإنسانية، ومع (المرجع) العلو على كل مظاهر التعدد، ومع (القصد) أن: أساسها الدين ومع (الحين): تكون الأمة في زمن وانقضاؤها في زمن، ومع (القامة): ارتبـاط وزن الفرد بوزن أمتـه وبالعكس. انظر: المرجع السابق، جـ1، ص 7، ص 220. إلا أن مضامين المفهوم محل البحث تختلف حالة كونه نكرة شائعة عامة، عنها حالة كونه نكرة مخصصة بالوصف أو بالإضافة أو بالمجيء بعد اسم من أسماء الإشارة عنها حالة تعريفه بالألف واللام وكذا الحال بالنسبة لمرادفاته. فالتنكير الشائع يقبل التعدد المطلق، في حين يتحدد المفهوم بالمضـاف حالـة تخصيصه بالإضافـة، أما حين يعرف بالألف واللام فإنـه يصير علمـا بكل مرادفاتـه على ( الأمـة الواحـدة ) و(الدين الواحـد).
ومن اللافت للنظـر، أنه لم يرد في القرآن الكريم من العائلة المفاهيميـة لمفهـوم الأمـة السالفـة الذكر معرفًا إلا (الدين) وجـاء بمعنيين لا ثالث لهما: الإسلام ويوم القيامـة، وتعينت دلالة (الدين) معـرفًا بالألـف والـلام على الإسـلام بقوله تعالى (إن الدين عند الله الإسـلام) انظـر: آل عمـران: 19. ورد لفـظ الـدين معـرفـًا بالألف واللام سبعاً وخمسين مرة، وجاء مخصصًا بالإضافة بمعنى: الإسلام أربع مرات، وجاء مرة واحدة مخصصًا بالإضافة، مشيرًا إلى (دين الملك) الذي استوزر يوسف عليه السلام وتخصص معناه بالمضاف إليه في ثلاثين موضعًا، انظر: محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم القاهرة، دار الريان للتراث، 1987، ص 268.
ووردت مادة (أصل) في القرآن الكريم مرتبطة بالدين وبالزمن وبضابط التصرف الآدمي في المخلوقات، وبالأمور التكليفية والتكوينية والمرجع ( انظر: محمد عبد الباقي، مرجع سابق، ص 34 ) ومادة (جمع) مرتبطة بالدين ويوم القيامة والتكتل والأمر الجامع ووحدة القصد ووحدة المآل (المرجع) مع الفرز على أساس الطيب والخبيث والأصل والبشرية والعزة والمسؤولية والمكر والعاقبة (انظر: المرجع السابق، ص 176 – 177).
ووردت كلمة (دين) مرتبطة بالحق والحقوق والفرائض ويوم القيامة والإسلام والتكاليف والمسؤولية واليسر والجهاد والمرجع والحرية الدينية والنفاق والكفر والإيمان (انظر: المرجع السابق، ص 267 – 269)، وجاءت مادة ( قصد ) في سياق يرتبط بالوسطية في الدين للفرد وللأمة واليسر والابتلاء (المرجع السابق، ص 545).
ومادة ( حين ) مرتبطة بالحياة الدنيا وفترة نزول القرآن ووقت الوصية واطلاع الله على السرائر والعلانية ومدة نضوج الثمرة والآخرة والزمن وعمر الإنسان وأجل الأمم وما قبل خلق الإنسان (المرجع السابق، ص 222 – 223).
ومادة (قوم) مرتبطة بالدين والقيومية والجهاد والتقوى والقيامة والزمن والقصد والنهي عن التفرق والاستقامة والأمة القائمة والقوم والتوبة والقدرة والتمكين والقوامة والشهادة والاستقرار والقيامة، وعاقبة الطاعة والمعصية والتكليف (انظر: المرجع السابق، ص 578 – 587) وواضح من هذه النظرة الخاطفة لمضامين هذه المواد أنها مترادفات.
(78) تكفي الإشارة هنا إلى أن التحليل السياقي لعائلة مفهوم الأمة كما تحددت في معاجم اللغة العربية سيعني ببساطة تحليلاً سياقيًا يشمل: 115 موضعًا بالنسبة لمادة (أمم) و129 موضعًا لمادة ( جمع ) و101 موضعًا لمادة (دين) وستة مواضع لمادة (قصد) و103 موضعًا لمادة (رجع) وعشرة مواضع لمادة (أصل) و34 موضعًا لمادة (حين) و614 موضعاً لمادة (قوم). ولا يدخل في ذلك بالطبع التحليل السياقي للشجرة المفاهيمية لمرادفات فرعيات أبواب مفهوم الأمة وأصوله. فالقرآن في الواقع جملة واحدة. والمسح الشامل في التحليل السياقي لأي مفهوم يعني تحليله في السياق القرآني كله.
(79) محمد متولي الشعراوي، خواطر حول القرآن الكريم، القاهرة، أخبار اليوم، 1991، ص 60.
(80) أبو القاسم الحسين بن محمد (المعروف بالراغب الأصفهاني) ، المفردات في غريب القرآن، ضبط: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة للطباعة، بيروت، د . ت، ص 7ـ8، ص 22ـ23
(81) انظر : السيد محمد أبو الهدى الصيادي، الروض البسام في أشهر البطون القرشية بالشام، الإسكندرية، مطبعة الأهرام، 1892، ص 3 ـ 6.
(82) فخر الدين الرازي، مفاتيح الغيب، القاهرة، دار الغد العربي، 1991 جـ1، ص 350، ص 419 ـ 420، ويتحدث ابن القيم عن ثلاثة أنواع للتوحيد اتفقت عليها كل الرسالات السماوية: (التوحيد القلبي) بإثبات صفات الكمال ونفي التشبيه والتنزيه وبأن الخلق والأمر لله، و(توحيد الربوبية) بالإيمان بأنه رب كل شيء و(توحيد الألوهية) وبه يفترق الناس إلى: مشرك وموحد. ومراتب البشر في الهداية الخاصة والعامة متعددة. والإسلام هو توحيد الله وهو دين أنبياء الله ورسله وأتباعهم من أولهم إلى آخرهم، ولم يكن قط ولا يكون له دين سواه وهو دين أهل السماوات ودين أهل التوحيد من أهل الأرض ولا يقبل الله من أحد ديناً سواه. والعبادة هي الإخلاص ومتابعة الرسل والإقرار بتفرد الله بالنفع والضرر والناس فيها أقسام: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها، والمعرضون عن عبادته والاستعانة به، ومن له عبادة بلا استعانة. والشر المستعاذ به نوعان: موجود يطلب رفعـه ومعدوم يطلب بقاؤه على العدم، والخير نوعان: موجود يطلب دوامه، ومعدوم يطلب وجوده وحصوله.
انظر: الإمام ابن القيم، التفسير القيم، جمع محمد إويس الندوي، بيروت، دار العلوم الحديثة، د . ت ص 34 ـ 45، ص 73، ص 200 ـ 202، ص 548.
(83) سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، 1987، جـ1، ص 110 ـ 118.
(84) فخر الدين الرازي، مرجع سابق، ص 444 ـ 446. ويبين الشعراوي والطبرسي أن (خلت) بمعنى انفردت، فكل حدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان (تلك أمة قد خلت) أي انقضي زمانها وانفرد عن زمانكم وانقضي مكانها وانفرد عن مكانكم، والنسب بينكم وبينهم نسب منهج واتباع وليس نسب جنس، وسند الإلحاق بهم أن تكونوا مثلهم أمة مميزة بوحدة عقيدتها وإيمانها انظر: محمد متولي الشعراوي، مرجع سابق، ص 618 ـ 619، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسى، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار المعرفة 1986، ص 400 ـ 401.
(85) ويختم أبو حيان هذا التأويل بالإشارة إلى ما يصدقه من الواقع من دخول الجبابرة من أمثال الحجاج بن يوسف والقرامطة الحرم والاعتداء على الحرمات فيه. ولولا أن الحرمة أمر تكليفي ما تمكن أحـد من أن يريد فيه بإلحاد بظلم على مدي التاريخ. انظر: أبو حيان الأندلسي الغرناطي، تفسير البحر المحيط، وبهامشه تفسير النهر الماد من البحر، لابن حيان، والدر اللقيط من البحر المحيط، للإمام تاج الدين الحنفي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط، 1983، ص 140، ص 379 ـ 383.
ويشير الألوسي أيضًا إلى أن الجعل هنا هو: التصيير لا الإيجاد. انظر: شهاب الدين الألوسى، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى، القاهرة، مكتبة التراث، د . ت، جـ1، ص 385، ويرى ابن عاشور أن جعل البيت آمناً (أمر تكويني) حينما لا يكون للناس وازع عن الظلم، و(أمر تكليفي) لدى وجود أمة مسلمة قائمة في الأرض بأمر الله، لله. انظر: محمد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، تونس، الدار التونسية للنشر،1984، الكتاب الأول، ص 708 ـ 710.
(86) أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري-، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل ووجوه التأويل، بيروت، دار المعرفة، د . ت، جـ1، ص 94 ـ 96 . ومن خصائص عبارة (جعلناكم أمة وسطًا) أن وسطا صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. انظر: المرجع السابق، ص 96.
الفخر الرازي، مرجع سابق، ص 470 ـ 475 .
يشير الطبرسي إلى دخول (بين) على (أحد) في الآية (136) من البقرة الواردة بهذا السياق للدلالة على أن (أحد) المشيرة هنا إلى أي رسول من رسل الله في معنى الجماعة، ومن يجحد ذلك في شقاق، وهو مفرق. فالرسل جميعًا في مقام الأمة الواحدة، والدين صبغة لأنه هيئة تظهر بالمشاهدة. انظر: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان…، مرجع سابق، ص 407 ـ 411 .
(89) انظر: أبو على الفضل بن الحسن الطبرسي، جوامـع الجامع في تفسير القرآن المجيد، بيروت، دار الأضواء، 1985، ص 101.
(90) انظر: أبو الفداء إسماعيل ابن كثير، تفسير ابن كثير، القاهرة، المطبعة الفنية،د . ت، جـ4، ص 316، وانظر: الفخر الرازي، مرجع سابق، ص 476 ـ 479، ص 3449 ـ 3450، ص 3494، نظام الدين الحسن من محمد بن الحسين القمي النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب القرآن على مصحف التهجد، القاهرة، دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع، 1995، المجلد الأول، ص 367 ـ 368. والمتأمـل في مادة (وزن) في السيـاق القرآني يلحظ أنها وردت في (الإسراء : 35) و(الأنعام : 152)، ضمن الوصايا العشر، وفي (الشعراء: 182) و(الأعراف: 85) و(هود : 84 ـ 85) في ذكر مضامين دعوة شعيب إلى قومه للاستقامة وعدم ابتغاء العوج، وفي (الأعراف: 7 ـ 9) في سياق يدل على عموم المساءلة للرسل ولمن أرسلوا إليهم، وفي (المؤمنون: 102 ـ 103) و(القارعة: 6، 8) في سياق ربط مصير الإنسان بثقل وخفة ميزان أعماله حينما يقام الوزن بالحق يوم ( القيامة ) وعلاقة إبليس بآدم وذريته. وفي (الرحمن 7، 10) في سياق خاص بخلق الله كل شيء بقدر، ووضعه الأرض للأنام وأمره للبشر بعدم الطغيان في الميزان بالتعامل مع كل ما في الوجود وفق نظامه وقدره في ميزان خالقه، وفي (الكهف: 105) في سياق يحذر من توهم الصواب والإجادة على عكس الحقيقة بسبب زيف الميزان المستخدم، وفي (الحديد: 25) في سياق يزاوج بين البيان والكتاب والحديد والميزان، مشيرًا إلى وحدة الرسالات وكونها هي الميزان العدل الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة ليتبع الناس الرسل، وأنزلنا الحديد فيه روع لمن يأبى الحق ويعاند بعد إقامة الحجة عليه باتخاذه سلاحًا، وفيه منافع للناس بما يتخذونه منه من آلات لا قوام لهم إلا بها، والأمر منوط في النهاية بالنية والإخلاص لله وذم الابتداع في الدين لأنه باب فرقة وتشديد على النفس وبعد عن الوسطية. انظر: محمد عبد الباقي، مرجع سابق، ص 750.
(91) الإمام القشيري، لطائف الإشارات، تحقيق د . إبراهيم بسيوني، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب 1981، 15 ص 125 ـ 133. ومن اللافت للنظر أن الآية 138من سورة النساء والآية الثانية من سورة الطلاق أمرتا المؤمنين أن يكونوا (شهداء لله) والآية الثامنة من المائدة أمرتهم (أن يكونوا قوامين لله شهداء بالقسط) وفيما عدا حالة الملاعنة بين الزوج وزوجته لا نجد شهادة أحد لنفسه ولا لغيره عدا الرسل، بل شهادة الجميع على أنفسهم وعلى غيرهم. انظر: محمد عبد الباقي، مرجع سابق، ص 389 ـ 390 ) وقول الرسول في حجة الوداع (اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد) دليل على أنه شاهد على الأمة والعكس غير صحيح .
(92) أبو بكر أحمد بن على الرازي الجصاص، أحكام القرآن، بيروت، دار الكتاب العربي، جـ1، 1986 ص 88 ـ 91
(93) سيد قطب، مرجع سابق، ص 128 ـ 145. وانظر: نظام الدين الحسن القمي النيسابوري، مرجع سابق، ص 368 ـ 369.
(94) الإمام الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله، البحر المحيط، تحقيق لجنة من علماء الأزهر، القاهرة، دار الكتب، 1994، جـ1، ص 168 ـ 169، ص 193، جـ 6 ص 380، ص 394 ـ 397 .
(95) أبو بكر الجصاص، الإجماع، تحقيق ودراسة: زهير شقيق كبي، بيروت، دار المنتخب العربي، 1993، جـ1 ص 11 ـ 17، ص 55 ـ 66، جـ5 ص 248 ـ 251.
(96) محمد الطاهر بن عاشور: مرجع سابق، جـ2 ص 19 ـ 21.
(97) انظر: شهاب الدين الألوسي، مرجع سابق، جـ1 ص 385، جـ2 ص 4 ـ 5، سيد قطب مرجع سابق، جـ1 ص 349، وقال ابن جماعة: هم المسلمون من ذرية إسماعيل. انظر: بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله، ابن جماعة، غرر التبيان في من لم يسم في القرآن، دراسة وتحقيق د . عبد الجواد خلف، دمشق، دار قتيبة، 1990، ص 212. وقال الطباطبائي: هم أمة محمد، وهم بنو هاشم خاصة. وأمة محمد في دعوة إبراهيم هم: النبي وعترته الطاهرة. انظر: السيد محمد حسين الطباطبائى، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1983، جـ1 ص 283 ـ 297.
(98) هذا الكتاب يقع في زهاء خمسين صفحة. انظر: الإمام جلال الدين السيوطي، إتمام النعمة في اختصاص الإسلام بهذه الأمة، تحقيق د . أحمد عبد الرحيم السايح، د . السيد الحميلي، القاهرة : دار المشرق العربي، 1989، ص 26 ـ 48.
(99) سيد قطب، مرجع سابق، جـ1، ص215 ـ 219.
(100) نظام الدين الحسن النيسابوري، مرجع سابق، ص 516 ـ 518، وانظر: محمد بن يوسف أطفيش، تيسير التفسير للقرآن الكريم، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي والثقافة، 1986، جـ1، ص 319 ـ 320.
(101) يوضح الإمام محمد عبده سمو قيمة الحرية الدينية في المنظور الإسلامي بالإشارة إلى أن القرآن أطلق على من يتمتع بهذه الحرية لفظ (ملك)، وذلك في معرض ملاحظته الدقيقة لقول الله تعالى لبني إسرائيل حين تحرروا من استعباد فرعون (وجعلكم ملوكًا) ولو كان يريد أنه وهبهم ملوكاً لقال (وجعل فيكم ملوكًا). انظر: محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم، الشهير بتفسير المنار، بيروت، دار المعرفة، د. ت، جـ6، ص 323.
(102) جمال الدين عبد الله بن علي بن محمد الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، بيروت، المكتب الإسلامي، 1984، ص 229 ـ 232، أبو حيان الأندلسي الغرناطي، مرجع سابق جـ2 ص 508 ـ 509.
(103) أبو علي الطبرسي، مجمع البيان…، مرجع سابق جـ1، ص 543 ـ 544.
(104) محمد الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، حـ2، ص 301 ـ 304.
(105) أبو محمد عبد الحق بن عطية الغرناطي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: أحمد صـادق الملاح، القاهـرة، المجلس الأعلى للشئـون الإسلاميـة، 1974، جـ2، ص 35 ـ 38.
ومعنى ذلك أن الشرع هو الذي حال دون إجماع الناس على الضلال، ولا يزال هو المنقذ من ذلك. وإرادة الله في البشر دائمًا أن يكونوا أمة واحدة مكلفين بالتجمع على الحق، وعدم التفرق بالباطل، بما أن أباهم واحد، وأمهم واحدة، وربهم واحد، وعلة خلق الله لهم واحدة هي العبادة فليكن مقصودهم واحدًا.
والواقع أن البعض حمل النص هنا ما لا يحتمل فذهب إلى أن الصلاح هو الأصل الذي خلق عليه البشر واستند في البداية على العقل. ولم تكن أسباب انحراف الفطرة السليمة متوفرة وترتب على الاستقامة في الآباء دوام الاستقامة في الأبناء، وكان نوح وليس آدم أول الرسل وأن آدم نبي صالح أوحي الله إليه ما يهذب به أبنائه ويعلمهم الجزاء، وهذا كلام لا يقوم على ساق.
فلا دليل على تغيير طبيعة الإنسان، وهو لا يوضح كيف حدث توريث الصلاح وكيف انقلب الحال، والاستشهاد بقدرة الخلق على توريث الفساد مغاير لقدرتهم على توريث الصلاح؛ لأن الصلاح يحتاج إلى منهج من خارج الإنسان. ومقولة التفرقة بين النبي والرسول لا أساس لها أكثر من كون النبي نبي (بما أنه هو نفسه مكلف) وهو رسول (بما أنه مبلغ للغير). فالقرآن يستخدم النبي في الغالب مراداً به الرسول. انظر: محمد الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، جـ2، ص 301 ـ 308، وقارن مع: سعيد حوى، الأساس في التفسير، القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، 1985، جـ1 ص 495 ـ 497 .
(106) ابن كثير، مرجع سابق، جـ4، ص 127، وسيد قطب، مرجع سابق، ص 3188 .
(107) آل عمران: 104 ـ 110، 113 .
(108) نظام الدين الحسن النيسابوري، مرجع سابق، ص 799 ـ 801، أبو حيان الغرناطى، مرجع سابق، جـ3، ص 21. ويأتي تكليف أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) بأن يكونوا كلهم (أمة) أو أن ينشئوا من صفهم (أمة الأمة) الداعية إلى الخير والآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر بالدعوة إلى اتباع ملة إبراهيم، والتذكير بأن أول بيت وضع للناس هو البيت الحرام وتقرير فريضة الحج إليه والأمر بالتقوى، والإشارة إلى أن فعل ذلك سيؤدي إلى استهداف دعاة التشيع والفرقة لتلك الأمة ويطمئنها بأن إضرارهم لها لن يتعدى الأذى ما حرصت تلك الأمة على الثبات على منهج الإسلام الخالص، ولم تقلد أهل الكتاب، وحكمت شرع الله في أمرها كله بلا شائبة، لتحوذ منه الألفة بين القلوب المؤسسة لأخوة في الله تتصاغر في ظلها كل الخلافات، ويتسنى في ظلها مواجهة شهوات وهوى من لا يرضيـه وجود هذه الأمة ويريد أن يجعلها مثله عبدة للدنيا والهوى، بدل أن تكون أمة وسطًا مسلمة لله وشرط هذه الريادة هو إتمام ما تلقته هذه الأمة من ربها من كلمات أسوة بما كان من إبراهيم. انظر: سيد قطب، مرجع سابق، ص 432 ـ 452.
(109) أبو حيان الأندلسي الغرناطي، مرجع سابق، جـ1، ص 432 ـ 443. ويرى الإمام محمد عبده أن (منكم) تشمل الأمة كلها، والقول بالبعض لوجود جاهلين لا يعرفون الأحكام غير مسلم به؛ لأنه لا ينطبق على ما يجب أن يكون عليه المسلم من العلم. انظر: محمد رشيد رضا، مرجع سابق، جـ4، ص 27.
(110 ) محمد رشيد رضا، مرجع سابق، جـ4، ص 27 – 49.
(111) الحسن النيسابوري، مرجع سابق، جـ 2، ص 805 – 808. ويشير البعض إلى احتمال انسلاخ (كنتم) عن الزمان، وإخراج هذا الأمة إشعار بالحدوث والتكوين المستمر. انظر: الطباطبائى، مرجع سابق، جـ3 ص 376 – 377.
(112) ابن الجوزي، مرجع سابق، ص 438 – 439.
(113) المرجع السابق، ص 443 .
(114) أحمد بن عبد الحليم، ابن تيمية، دقائق التفسير، تحقيق د . محمد السيد الجليند، بيروت، مؤسسة علوم القرآن، 1984، جـ1، ص 317.
(115) محمد بن علي الشوكاني، فتح القدير، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1983، جـ1،ص 374، والزمخشري، مرجع سابق، جـ2، ص 211.
(116) سيد قطب، مرجع سابق، جـ2، ص 657 ـ 662 .
(117) المرجع السابق، جـ2، ص 887 ـ 891 . ويقول الشوكاني أن الله ابتلى البشرية باختلاف الشرائع باختلاف الأوقات، هل يذعنون؟ فاختلاف الشرائع هو لهذه العلة أي للابتلاء والامتحان لا لكون مصالح العباد مختلفة باختلاف الأوقات والأشخاص، واستباق الخيرات هنا التسليم بالانتقال من الشريعة المنسوخة إلى الشريعة الناسخة. ووصف الآية (24) من سورة فاطر لرسول كل أمة سابقة بأنه (خلا) دليل على أن الشريعة التي يأتي بها اللاحق تنسخ ما قبلها، انظر: الشوكاني، مرجع سابق، جـ2، ص 48. وانظر: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل أي القرآن، دار الفكر، بيروت، 1984، جـ6، ص 269 ـ 272.
(118) ابن جماعة، مرجع سابق، ص 249،، وانظر: الطبري، مرجع سابق، جـ6، ص 306.
(119) محمد بن علي الشوكاني، مرجع سابق، جـ2، ص 58، وابن الجوزي، مرجع سابق، جـ2، ص 374 ـ 395.
(120) سيد قطب، مرجع سابق، ص 1151 ـ 1169، نظام الدين النيسابوري، مرجع سابق، جـ2، ص 1301.
(121) الطبرسي، جوامع الجامع، مرجع سابق، جـ1، ص 121، محمد الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، جـ6، ص 213 ـ 217، سعيد حوى، مرجع سابق، جـ3، ص 1621، وابن الجوزي، مرجع سابق، جـ3، ص 35.
(122) الأعراف: 34، 38، 159، 164، 181.
(123) ابن الجوزي، مرجع سابق، جـ3 ص 192، النيسابوري، مرجع سابق، جـ2، ص 1337.
(124) محمد رشيد رضا، مرجع سابق، جـ2، ص 459 ـ 460، ص 491 ـ 495. والشواهد السالفة الذكر عن دوام (أمة قائمة) و(أمة مقتصدة) دليل على أن الأمة المسلمة لم تنقرض في أي وقت ولن تنقرض أبدًا، وهي كما تجددت بالرسالات المتعاقبة بعد فترات الفترة، تتجدد على رأس كل قرن بالمجددين من أمة الإجابة منذ وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، انظر: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، الجامع الصحيح، تحقيق: كمال يوسف الحوت، بيروت، 1987 ص 404، ص 410 ـ 412، الأحاديث أرقام 2165، 2176، 2180، وانظر أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، تصحيح: محمد زهيري النجار، بيروت: دار الجيل، 1972، ص 114 ـ 115، ص 183، ص 478، ص 683 ـ 684.
(125) نظام الدين النيسابوري، مرجع سابق، جـ2، ص 1381. وهذه أخوة الدين والملة. والأخوة هي وحدة المقصد، وهي أساس تشكل الأمة المسلمة في الدنيا والآخرة، وأساس تشكل الأمم غير المسلمة في النار، والعلاقة بينهم في الدنيا علاقة ولاء وتضامن، وفي الآخرة علاقة تلاعن لأن بعضهم ضل باتباع بعض،، وذروة التلاعن تكون بين آخر (أمة أخت) وأول (أمة أخت)، ووزرهما متكافئ : الأولي على الكفر والإغراء به والأخيرة على الكفر والاتباع . انظر : ابن الجوزي، مرجع سابق، جـ3، ص 195، محمد رشيد رضا، مرجع سابق، جـ3، ص 351 ـ 357، ص 464 .
(126) نظام الدين النيسابوري، مرجع سابق، جـ3، ص 810 ـ 812، ص 1473، ابن جماعة، مرجع سابق، ص 264.
(127) ابن كثير، مرجع سابق، جـ2، ص 358 – 359، سيد قطب، مرجع سابق، جـ3، ص 1363.
(128) يشير الطبري إلى أن السبب في تفرقتهم أسباطاً هو اختلافهم في الدين. انظر: الطبري، مرجع سابق، جـ10، ص 89. وسياق الآية: 160 من سورة الأعراف يؤكد ذلك، فقوله تعالى (وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطًا أممًا) تتضمن كمون الفرقة في التقطع على أساس العرق. فالآية تشير إلى اثنتي عشرة أمة سبطية (عرقية). بل إن جمع أمة وجمع سبط، وورود (اثنتي عشرة) قبلهما رغم ذلك دليل على كمون مقدر هو (فرقة) كحتمية يقود إليها اتخاذ السبط ناظمًا للأمة عن إرادة أو بلا إرادة. انظر: محمد كمال مهدي الشيخ المشبهات بالمفاعيل، والمجرور، القاهرة، كلية دار العلوم، 2001، ص 108. ومع ذلك فإن الآيات 159، 164، 168 من سورة الأعراف تبين بقاء بذرة استعادة الأمة المسلمة لله في ثنايا الأمم العرقية. وحدوث هذا الداء وارد والنجاة منه ممكنة وسبيلها الوحيد هو العودة إلى جعل ناظم الأمة الوحيد هو الإسلام. انظر: الطبري، مرجع سابق، جـ10، ص 89، 94، سيد قطب، مرجع سابق، جـ3، ص 1386 ـ 1391، وانظر : د . محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، القاهرة، عيسى البابي الحلبي، جـ6، د . ت، ص 390.
(129) ابن الجوزي، مرجع سابق، جـ3، ص 294.
(130) يونس : 19، 47، 49.
(131) ابن الجوزي، مرجع سابق، جـ4، ص 16، ص 17، ص 37، الطبري، مرجع سابق، جـ11، ص 121 ـ 122.
وتشير عدة آيات في القرآن إلى أن لكل أمة أجل محدد. انظر: الأعراف: 34، والحجر: 5، والمؤمنون: 43 كما أشارت آيات عديدة إلى خلو أمة وقيام غيرها . انظر: الرعد: 30، فصلت : 25، والأحقاف: 18.
(132) هود: 8، 48، 118.
(133) ابن الجوزي، مرجع سابق، جـ4، ص 116، ص 171 ـ 172. وترد (أمة) بعد ذلك في (يوسف: 45) مشيرة إلى إحدى سلبيات العزة والتمكن، حيث تستخدمه بمعنى نسيان الواجب سنوات، للدلالة على أن نعمة الجماعة قد تؤدي إليه. انظر: سيد قطب، مرجع سابق، جـ4، ص 1993، ابن كثير، مرجع سابق، جـ2، ص 481. وترد في (الرعد: 30) مشيرة إلى حلول (أمة محمد) مكان أمم خلت، وتحدد النسق القيمي للأمة المسلمة بالوفاء بالعهد وعدم نقض الميثاق والصبر على النعمة والعز، وعلى حماقة الناس وجهالتهم وتسليم الأمر لله ومقابلة السيئة بالحسنة وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله سرًا وعلانية، وترد (أمة) في (الحجر: 5) مبينة سنة الأولين في العناد وإمكانية تحصيل أمة ما للثروة والتمكن في الأرض رغم عدم استقامتها، وأن التوقف عند حد الصلاح المادي يفضي إلى الطغيان والفساد في الأرض وهلاكها بانقضاء أجلها المحدد. انظر: سيد قطب، مرجع سابق، جـ4، ص 1946، ص 2060، ص 2126، ص 2129.
(134) النحل : 36، 63، 84، 92، 93، 120.
(135) سيد قطب، مرجع سابق، جـ4، ص 2170، 2192، 2200 ـ 2201، ابن كثير، مرجع سابق، جـ2، ص 596 ـ 586، ص 591 ـ 592.
(136) ابن الجوزي، مرجع سابق، جـ5، ص 386، سيد قطب مرجع سابق، جـ4، ص 2384 ـ 2396، ص 2469، أبو حيان الغرناطى، مرجع سابق، جـ6، ص 337 ـ 338 . وكما أن للفرد أمًا واحدة على سبيل الحقيقة فإن ولاءه الأعلى بجب أن يكون لأمة واحدة على سبيل الحقيقة تتضمن كل معاني الأمومة، ويمثل ما عداها مجرد أعضاء في جسدها أو غذاء لها، وهو إن سمي أمة فعلى سبيل المجاز العابر.
والملاحظ أن موضعي (وحدة الأمة) في سورتي الحج والمؤمنون لا يتوسطهما إلا إشارة لأمة مقرونة بالأجل وعاقبة التكذيب واختصاص الله كل أمة بمنسك ومنهج. انظر: المؤمنون 43، 44، الحج: 34، 67. وانظر: سيد قطب، مرجع سابق، جـ4، ص 6723 ـ 2442. وما من نبي أدرك زمن آخر إلا ونصره كما آمن لوط لإبراهيم وأيد دعوته إذ كان في زمانه، كما أيد السابق اللاحق وشهد اللاحق للسابق. انظر: محمد رشيد رضا، مرجع سابق، جـ3، ص 350 – 351.
ويرد الأصفهاني وصف النبي بالأمي إلى شدة تعلقه بأمته وكثرة ما كان يقول: أمتي أمتي. انظر: أبو موسى محمد بن أبي بكر الأصفهاني، المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، تحقيق عبد الكريم الفرماوي، مكة، مركز البحث العلمي وإحياء التراث، د . ت، ص 90، وانظر في مفهوم وحدة الأمة: أبو المعلى الجويني، غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق د . مصطفي حلمى، د . فؤاد عبد المنعم أحمد، الإسكندرية، دار الدعوة للطبع والنشر، 1979، ص 143.
(137) ابن كثير، مرجع سابق، جـ3، ص 377 ـ 378 .
(138) المرجع السابق، جـ3، ص 384 ـ385.
(139) ابن كثير، مرجع سابق، جـ3، ص 553 ـ 554، جـ4، ص 71 ـ 72.
(140) المرجع السابق، جـ4، ص 152 ـ 153. ويكون معيار الفرز هو: مقصود كل أمة في حياتها الدنيا. انظر في ذلك: العنكبوت: 18، فصلت : 25، الأحقاف : 18، انظر : سيد قطب، مرجع سابق، جـ5، ص 2727، ص 3119 ـ 3121، ص 3264 .