تقارير ودراسات

حال المرأة في العالم الاسلامي

يكتسب رصد واقع وحركة المرأة المسلمة عام 1999 أهمية خاصة ؛ فالعام الذى نختتم به قرنا من الزمان هو بمثابة كشف حساب ختامى لحركة نضال المرأة التى بدأت مع مطلع القرن أو قبله بسنوات معدودة من أجل تغيير واقعها والمدركات الدائرة حولها. ورصد أحداث هذا العام وما يثيره من قضايا يطرح أسئلة هامة: كيف تغير واقع المرأة ؟ وعلى أى الأصعدة؟ والى أى حد؟ وما هى الجوانب الملحة التى لا تزال تنتظر التغيير؟… رصد أحداث 1999 يكتسب أهمية إضافية كذلك تتعلق بكوننا ندلف الى ألفية جديدة تحمل معها عالما جديدا تتطلع المرأة أن يكون لها فيه نصيب أكثر عدالة. فالألفية الجديدة تبدو للكثيرات من النساء نقلة نوعية تحمل فى رحمها مشروعا آخر وأفقا جديدا للنساء ربما كان القرن الماضى بكل تحولاته إرهاصة هامة نحوه.
تستهل حولية “أمتى فى العالم” عام ألفين بتخصيص تقرير حول حالة المرأة المسلمة فى عام. وينبنى التقرير على مكونات موضوعية ثلاثة هى عالم الأحداث وهو البنية الأساسية للتقرير، وفيه رصد لأبرز الأحداث الهامة التى كانت النساء المسلمات رقما أساسيا فى معادلتها مع الاعتراف باستحالة فصل النساء عن حركة الأحداث الأخرى بوصفهن شركاء فى هذا العالم. يتجه المكون الثانى إلى رصد عالم الأفكار بمعنى استقراء تلك القضايا الفكرية والمشكلات التى تثيرها الأحداث وتضعها تحت أنظار المهتمين. وأخيرا هناك عالم الأشخاص نضع فيه تحت دائرة الضوء عددا من الشخصيات النسائية البارزة التى أسهمت بقوة فى دفع حركة الأحداث.
والبحث يتعامل مع مصادر غربية، وربما مفاهيم وردت في حقل الدراسات النسوية. والواقع أن هذه المصادر توظف مادتها في سياق رؤية كلية، بحيث لا نستطيع أن نعتبرها رؤية غربية من خلال مصادرها، بل هي توظيف للمصادر الغربية في سياق رؤية إسلامية متكاملة، تضع نماذج مختلفة، ولكنها تعبر مع اختلافها عن ائتلاف في الرؤية، وكلية وشمول المنظور. إن المنظور الحضاري قادر على أن يستوعب تلك المصادر من غير أن يستوعب فيها، وكذا عالم المفاهيم المستخدم مثل “الاستضعاف”، و”التمكين”، و”الفاعلية”، والتي ترد في معظمها وتتداول ضمن حقل الدراسات النسوية الغربية، إلا أن إقرار هذه المفاهيم لا يعني بحال استخدامها للأغراض ذاتها داخل دراسات هذا الحقل، فإن مفهوم الاستضعاف يشير إلى أن إضعاف المرأة من خلال حالها المتدهور ليس إلا طاقة محتملة ومضافة، ولكنها مهدرة بحالتها الحابسة لطاقات نهوضها وإسهامها العمراني والحضاري. أي أنها بهذا الاعتبار طاقة حضارية مهدرة ومعطلة، وفي النهاية مخذولة. ومن ثم، ليس من مفهوم الاستضعاف استنفار المرأة للتركيز على بنات جنسها، وإنما استنفار حضاري لعمارة الأمة. وكذا مفهوما “التمكين” و”الفاعلية” لا يعنيان بحال التمكين لجنس المرأة أكثر من التعبير عن القيام بأدوارها ووظائفها في الأمة، غير مقطوعة منها ولا ممنوعة. التمكين حالة عامة تحقق أقصى درجات الفاعلية للمرأة في إطار تغيير حالها، واستثمار طاقاتها أقصى استثمار ممكن في عمارة المؤسسات التي تحفز أدوارها. وحال التمكين لا يعني إلا التمكين لكل عناصر الفاعلية الحافزة لعمارة الأمة على تنوع فئاتها.
الاتجاهات العامة لعالم الأحداث:
برصد الاتجاهات العامة لحركة المرأة المسلمة عام 1999،فقد تم تصنيف أحداث وتطورات العام فى ثلاث فئات كبرى تعد من التوصيفات الشائعة المدلول فى دراسات المرأة، والمفيدة كذلك فى توصيف واقعها؛ هى فئات الاستضعاف، والتمكين، والفاعلية. فالفئات الثلاثة تقدم فى إجمالها صورة عامة لا تنقصها الدقة كثيرا عن واقع المرأة المعاصرة عموما والمرأة المسلمة على وجه الخصوص. ونضيف الى الفئات الثلاثة السابقة فئة رابعة تطلبها المحور الذى تبنته الحولية هذا العام وهو العلاقات الإسلامية – الإسلامية التى تعنى بالتفاعلات البينية بين النساء المسلمات سواء كانت ذات طابع مؤسسى أم غير ذلك.
1- الاستضعاف
تعنى هذه الفئة بعدد كبير من الوقائع الى كانت فيها النساء “ضحايا” لممارسات قوة أو عنف أو إكراه مادى أو معنوى بصفتهن نساء. وقد شهد عام 1999 أحداثا كثيرة تندرج تحت هذه الفئة ترواحت بين العنف المنظم، وغير المنظم، والعنف الجماعى من جانب والفردى -المتكرر الى حد يصبح معه ظاهرة تستحق الرصد -من جانب آخر، وهناك القهر السياسى والاجتماعى وغير ذلك من أنماط القهر ضد المرأة. وفيما يلى عرض لأهم وقائع عام 1999 التى تندرج فى طائفة الاستضعاف بمعناه السابق.
أ) حالة البلقان: نساء كوسوفا وسياسة الاغتصاب
استمدت حملة التطهير العرقى الصربى ضد مسلمى كوسوفا ( التى شهدت أخطر مراحلها فى النصف الأول من عام 1999) استمدت مدلولها من جملة من ممارسات العنف جمعت بين القتل الجماعى، والترويع وتهجير السكان، وحرق المنازل والممتلكات والحقول ( سياسة الأرض المحروقة).. الى جانب اغتصاب النساء..
وحيث أن المذابح الجماعية تتطلب قرائن تثبت حدوثها وتحديد هوية مرتكبيها، فقد كان الاغتصاب هو الشاهد الحى على الجرائم العرقية الصربية ضد المسلمين فى كوسوفا، إذ هو مأساة حية يعيش كافة أطرافها وتستمر عواقبها لسنوات طويلة.
فى شهر إبريل 1999 إبان الزخم الأول للضربة الجوية الأطلنطية ضد يوغوسلافيا (23 مارس)، بدأ التركيز الإعلامى الغربى على مأساة اغتصاب الكوسوفيات المسلمات كجزء من حملة كسب الأنصار وحشد التأييد الدولى لحملة الأطلسى. وبعيدا عن التوظيف السياسى لقضية الاغتصاب والجرائم الإنسانية للصرب،فقد كشفت تلك المادة الصحفية والإعلامية عن الأبعاد الخطيرة لتلك الجريمة غير الإنسانية. فى ذلك الشهر أصدر عدد من المسئولين الغربيين والدوليين، منهم وزير الخارجية البريطانى روبن كوك والمتحدث باسم البنتاجون كينيث باكون ورئيسة المفوضية العليا لشئون اللاجئين صاداكو أوجاتا تصريحات صحفية وبيانات يؤكدون فيها أن لديهم من الأدلة ما يشير الى قيام الجنود اليوغوسلاف باغتصاب أعداد كبيرة من الكوسوفيات المسلمات. وقد دفع ذلك المحكمة الدولية لجرائم الحرب فى لاهاى الى بدء فى التحقيق في القضية وذلك بارسال محققين فى ابريل الى معسكرات اللاجئين فى ألبانيا لجمع الأدلة والشهادات المكتوبة من ضحايا الاغتصاب.[1] كذلك حفلت وسائل الإعلام الدولية على مدى شهرى مايو ويونيو بتقارير تضمنت شهادات ضحايا الاغتصاب فى معسكرات اللاجئين فى ألبانيا ومقدونيا[2].
حسب التقارير الصحفية المنشورة وما صدر عن مسئولى الأمم المتحدة فقد تنوعت ظروف ارتكاب جرائم الاغتصاب الجماعى ضد نساء كوسوفا ؛ إذ تم بعضها خلال مباغتات للجنود الصرب للمناطق المدنية القريبة من ثكناتهم واقتياد الشابات المسلمات الى معسكراتهم كما حدث فى مدينة داكوفيتشا جنوب غربى كوسوفا. فى حالات أخرى تمت الجريمة إثر اقتحام الجنود الصرب للقرى فى إطار عمليات الترويع والتهجير، حيث قاموا بتجميع الأهالى فى بعض الدور تمهيدا لترحيلهم وعزلوا بعض النساء ثم قاموا باغتصابهن كما حدث فى قرية دراجاتشين Dragacin غربى كوسوفا. فى وقائع أخرى تمت عمليات الاغتصاب بعد اعتراض الدوريات الصربية لقوافل وطوابير النازحين الى خارج الإقليم حيث قاموا بعزل النساء واغتصابهن. وقد أشار تقرير قدمته الطبيبة الفرنسية دمونيسك سيرانو مانومون باسم صندوق السكان التابع للأمم المتحدة الى أن أكثر المناطق فى كوسوفا التى شهدت جرائم الاغتصاب الجماعى هى بلدات جياكوف وبيتش و درينتزا.[3]
كما أفادت التقارير أن ارتكاب الجنود الصرب هذا النوع من الاعتداء يكون عادة مصحوبا بممارسات أخرى تضاعف من بشاعة الجريمة مثل الاعتداءات الجماعية أو المتكررة على الضحايا، أو القتل بعد الاغتصاب، أو الاغتصاب على مرأى من الأهل إمعانا فى إذلال الجميع، أو الابتزاز..الخ غير أن أخطر أبعاد جرائم الاغتصاب الصربى لمسلمات كوسوفا هى ما عبرت عنه وسائل الإعلام والمسئولين الغربيين بمصطلح الاغتصاب المنظم systematic rape الذي يشير الى وجود مخطط مسبق لاستخدام الاغتصاب ضد المدنيين كأحد وسائل الإذلال والترويع والتهجير القسرى حيث تتحول هذه الجريمة غير الإنسانية الى سياسة رسمية، أو تكتيك عسكرى ضد الخصم قد لا تؤدى الى تصفيته ماديا وإنما الى تدميره نفسيا وإنسانيا. وقد تجلت تلك السياسة الصربية من قبل إبان حرب البوسنة حيث تحدث مسئولو الناتو عن وجود ما يسمى بـ” نزل الاغتصاب” rape motels التى خصصها الصرب لتنفيذ هذا المخطط غير الإنسانى. وفى تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية أذيع فى مايو أعلن الأمريكيون عن وجود مثل تلك المقرات فى كوسوفا مشيرين الى معسكر للجيش الصربى فى جاكوفيتشا Djkovica وكذلك الى فندق كراجاك Karajak فى مدينة بيتش pec.[4]
أثارت قضية اغتصاب مسلمات كوسوفا مشكلات أخرى تحولت من إطار القضايا النوعية الى قضايا سياسية وخلافية عامة مثل مشكلة الحمل غير الشرعى، وإجهاض حالات الحمل الناتج عن اغتصاب الإناث والتى أشار مسئولو الإغاثة الدولية الى وجود عشرات منها فى معسكرات اللاجئين. وقد تولت الأمم المتحدة امداد اللاجئات الكوسوفيات بوسائل متعددة لمنع الحمل أو التخلص المبكر منه. وقد فجرت هذه القضية سجالا علنيا فى شهر مايو بين جماعات حقوق الإنسان والمنظمات النسائية غير الحكومية من جانب وبين الكنيسة الكاثوليكية فى الفاتيكان من جانب آخر ( لم تشارك فى الحوار أى جهة أو مؤسسة إسلامية!). فقد أدان الفاتيكان مجددًا استخدام وسائل منع الحمل بعد عمليات اغتصاب النساء مما يؤدى لإجهاضهن وإزهاق أرواح الأجنة. فى حين اتهمت المنظمات النسائية وبعض المسئولين الدوليين -مثل نفيس الصادق المسئولة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان – اتهموا الكنيسة بتجاهل مأساة ومشاعر المغتصبات. وقد تقدمت أكثر من 130 جماعة ومنظمة غير حكومية ونسوية بالتماس الى الأمين العام للأمم المتحدة تطالب فيه بتخفيض تمثيل الفاتيكان الى دولة مراقب فى المنظمة الدولية احتجاجا على هذا الموقف. وقد أثار موقف الفاتيكان الملح فى قضية حمل واجهاض المسلمات الكوسوفيات تساؤلا منطقيا حول حدود الولاية والسلطة الروحية للكنيسة الكاثوليكية كما يجب أن تكون وكما تدركها قيادة الكنيسة خاصة وأن القضية تتعلق بنساء مسلمات لا ولاية للكنيسة الرومانية الكاثوليكية عليهن.[5]
وأخيرا تجدر الإشارة الى أن الحجم الفعلى لمأساة الاغتصاب لدى نساء كوسوفا لم تتحدد أبعاده بعد. ويرجع ذلك الى الطبيعة الإسلامية المحافظة لنساء كوسوفا، وارتباط موضوع الاغتصاب بشرف المرأة وأسرتها مما أدى الى إخفاء أعداد كبيرة من المغتصبات تعرضهن لهذه الجريمة رغم تيقن الفرق الطبية المشرفة على معسكرات اللاجئين من وقوعها نتيجة للكشف الإكلينيكى على الضحايا.[6]
لم تقتصر مأساة الكوسوفيات على ما تعرضن له على أيدى الصرب، وإنما امتدت تبعات “استضعافهن” الى مخيمات اللاجئين المكدسة التى افتقد أغلبها الى الحدود الدنيا الملائمة للحياة الإنسانية. ففى معسكرات اللاجئين فى شمال ألبانيا نشطت مافيا الدعارة المنظمة ومارست صنوفا من الضغط والإرهاب لنقل اللاجئات الى أوروبا الغربية واجبارهن على ممارسة الرزيلة الأمر الذى أشارت اليه صاداكو أوجاتا رئيسة مفوضية اللاجئين فى تقرير لها حول الدعارة القسرية فى معسكرات اللاجئين وجهته الى مجلس الأمن.[7]
وفى معسكرات اللاجئين أشارت التقارير الى تعرض اللاجئين -رجال ونساء – الى شكل آخر من أنماط الاستغلال والضغط المعنوى من جانب بعض منظمات الإغاثة غير الحكومية القائمة على تلك المعسكرات وتمثل ذلك فى أنشطة المنظمات التبشيرية – خاصة الإيطالية منها- التى شاركت فى الإغاثة بتلك المعسكرات التى بلغت نسبة المسلمين بها 96% حيث اعتمدت على استغلال الحاجة الملحة لدى هؤلاء الى المساعدات الإنسانية، لممارسة أنشطتها فى التبشير.[8]
ب) حالة أفغانستان: سياسة عزل النساء
بين كل النظم السياسية والاجتماعية المعاصرة فى العالم الإسلامى خاصة والعالم بصفة عامة، تقف الحالة الأفغانية عند مشارف القرن الحادى والعشرين فريدة بلا منافس فى موقفها من المرأة. وتكمن خطورة هذه الحالة فى أمرين أولهما تبنى موقف عزل وتهميش النساء كسياسة رسمية معلنة. ثانيا ارتكاز تلك السياسة على قراءة متشددة للدين الإسلامى بدءًا من التفسيرات والتخريجات الفقهية، الى عدم اعتبار المقاصد وشروط تطبيق الأحكام وفقه الواقع. من جانب آخر يثير رصد الحالة الأفغانية الارتباك لدى المراقب المحايد بالنظر الى التعتيم والعزلة التى تخيم على الشأن الأفغانى، وانعدام التوازن فى مصادر الأخبار، الى جانب الخلط بين الدعاية والإعلام مما يجعل النظرة الموضوعية بشأن الحالة الأفغانية أمرا بالغ الصعوبة.
أوضاع المرأة الأفغانية عام 1999 لا تزال محكومة بالسياسة والمراسيم التى أعلنتها طالبان عام 1997 بعد شهور من استيلائها على كابول. وتقوم هذه السياسة على إلزام النساء البيوت ومنعهن من الخروج من المنازل، وما استتبع ذلك من فصل جماعى للنساء العاملات حتى من تعمل منهن فى مجال الرعاية الصحية ( طبيبات أو ممرضات) أو بالتدريس.كما استتبع ذلك منع خروج الفتيات فوق 8 سنوات الى المدارس العامة. وارتبط بهذا النهج إزاء المرأة اجبار النساء على التزم زى خاص ( البرقع) يغطى المرأة تماما من الرأس الى القدم. وطبقا لهذا المرسوم تعاقب المرأة التى لا تلتزم بقواعد الزى – هى وولى أمرها- بالضرب. بل فرضت مراسيم طالبان لون الملبس وطبيعة الحذاء والجوارب المسموح بها. وتلى ما سبق سلسلة أخرى من المحظورات مثل عدم السماح للنساء بمغادرة منازلهن إلا بصحبة محارمهن، وعدم السماح لهن بالصلاة فى المساجد، أو قيادة السيارات، أو تلقى العلاج على أيدى أطباء ذكور.
وقد دافع مسئولو طالبان عن هذا السياسة إزاء النساء بأنها “حفاظ على كرامة المرأة” وفق المبادىء الإسلامية. ويضيف عبد الحى مطمئن المتحدث بإسم طالبان الى ذلك حجج الضرورة وحالة الحرب والظرف الاقتصادى فيقول أنه ” فى ظل الظروف الطارئة حاليا فإن شروط تعليم المرأة غير مواتية نظرًا للمصاعب الاقتصادية. ولدينا شئون أخرى مهمة يتعين علينا القيام بها بدلا من حل هذه المشاكل”[9] أما مولوى سعيد الرحمن حقانى مبعوث طالبان فى أفغانستان وأحد المتحدثين بإسمها فيؤكد ” أن مائة بالمائة من النساء الأفغانيات سعيدات بالسياسات الطالبانية”.![10]
لا تستمد تلك السياسة خطورتها من عزلها للمرأة فحسب بل كذلك من العواقب المترتبة عليها على صعيد المجتمع ككل والتى تضيف المزيد من المعاناة للشعب الأفغانى الى معاناته الناتجة عن الحرب. تشير التقارير الغربية والدولية – والتى تكاد تكون المصدر الوحيد عن الحادث فى أفغانستان- الى أن فصل المدرسات اللاتى يشكلن ما يقرب من 70% من قوة العمل فى مجال التعليم قد ألحق ضررًا بالغا بالعملية التعليمية للإناث والذكور على حد سواء. وطبقًا لليونسيف فإن 8 بين كل 10 فتيات، و2 بين كل 3 أطفال ذكور لا يذهبون الى المدرسة فى بلد بلغت نسبة الذكور المتعلمين فيه 47% فيما بلغت نسبة الإناث 15% على أفضل تقدير.[11] على صعيد الرعاية الصحية أنتجت القيود والإجراءات السابقة عجزًا بالغا فى مجال الرعاية الصحية للنساء والأطفال؛ ففى تقرير صدر فى فبراير عن وزارة الخارجية الأمريكية حول ممارسات حقوق الإنسان فى أفغانستان ذكر أن الرعاية الصحية للنساء فى كابول تقدم فى مستشفى واحد مما يجعل الحصول على الخدمة عسيرًا وأفاض التقرير فى بيان النتائج الوخيمة للقيود المفروضة على تردد السيدات على المستشفيات، فضلا عن قيود الخروج من المنازل مما ادى الى حالات وفيات عديدة. أما فى مجال صحة الطفل فقد أورد التقرير أن معدلات وفيات الأطفال حديثى الولادة قد بلغت 250 فى الألف، وتموت أعداد كبيرة من الأطفال سنويا بسبب سوء التغذية.[12]
وبسبب ما أفرزته تلك السياسات القسرية من قبل حكومة طالبان من مشكلات واقعية، فضلا عن الضغوط الدولية، فقد عمدت حكومة طالبان هذا العام الى القيام بتعديلات جزئية وتراجعات محدودة؛ منها استثناءات تتعلق بتلقى النساء العلاج على أيدى الأطباء الذكور فى “الحالات الحرجة”. وصدرت قرارات تحدد ما هى الحالات الحرجة أو الطارئة التى تجيز ذلك.[13] وفى تقريره المقدم فى أبريل أمام الدورة الـ55 للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فى جنيف أشار مقرر اللجنة أنه رغم استمرار تردى الوضع العام لحقوق الإنسان خاصة المرأة فى أفغانستان، إلا أن طالبان سمحت باستثناء للأرامل -اللاتى تضخمت أعدادهن نتيجة الحرب الأهلية الممتدة ويعتبرن أكثر الفئات تضررا من حظر العمل على النساء- بمزاولة العمل للإنفاق على أنفسهن. غير أن طالبان لم تف بما وعدت به المسئول الدولى من السماح بعودة البنات الى التعليم النظامى إذا ما تم إصلاح المدارس التى هدمتها الحرب،فلم تذهب أى من الفتيات الى المدارس فيما استوعب التعليم العام 24% من الأولاد الذكور.[14] ومن بين الاستثناءات المحدودة التى سمحت بها طالبان خروجا عن سياسة عزل النساء، المرسوم الذى أصدرته هذا العام والذي يسمح لخمسين امرأة أفغانية بالعمل مع إحدى منظمات الإغاثة الدولية وهى منظمة أرض البشر Terre des Hommes فى الأنشطة الصحية الرامية الى الحد من وفيات الأطفال وتحسين الرعاية الصحية لحديثى الولادة.[15]
رغم تلك الاستثناءات الجزئية ظلت سياسة طالبان الرسمية كما هى إزاء ؛ تعتمد مبدأ محاصرة المرأة وعزلها فى المنزل، وتنظر الى وجودها خارج المنزل كمصدر للفتنة والفساد. ويجدر التنويه الى أننا لم نرصد أى تقرير أو بيان يشير من قريب أو بعيد الى مبادرات أو جهود إسلامية سواء فى إطار منظمة المؤتمر الإسلامى أو فى أطر دولية ثنائية أو منفردة على النطاق الإسلامى تستهدف التحرك لرفع الضغوط والسياسات الطالبانية الجائرة عن نساء أفغانستان أو تعديلها. فى مقابل ذلك لم تتوقف الجهود والضغوط الغربية والدولية (خاصة فى إطار الأمم المتحدة والوكالات التابعة لها) للضغط على حكومة طالبان من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان، مع التركيز على حقوق المرأة هناك. كذلك لم تنقطع التحركات والبعثات وزيارات الموفدين لتفقد تلك الأوضاع وتقصى الحقائق. ولا مناص من الاقرار بهذه المفارقة بين موقف العالم الإسلامى والغرب إزاء مشكلة المرأة فى أفغانستان رغم الاعتراف بالتوظيف السياسى من قبل المؤسسات الغربية لقضية المرأة فى أفغانستان على وجه الخصوص وفى العالم الإسلامى عموما.
فى المحصلة الأخيرة فإن أيا من الجهود التى بذلت خلال العام من أجل تعديل سياسات طالبان إزاء المرأة لم تسفر عن نجاح يذكر. وقد لخصت المحققة التى كلفتها الأمم المتحدة برصد حقوق الإنسان فى أفغانستان الوضع فى تقرير قدمته للمنظمة فى سبتمبر، أدانت فيه وبشدة طالبان بسبب “انتهاكاتها المنظمة والرسمية والمقننة لحقوق النساء”.[16] كما دعت راذيكا كوماراسوامى Coomaraswamy بعد تحقيقات مكثفة أجرت خلالها مقابلات مع عشرات النساء الأفغانيات فى أفغانستان وباكستان – حيث يعيش عشرات الآلاف من اللاجئين الأفغان فى بيشاور وغيرها- دعت العالم الى ممارسة ضغوط دولية لانهاء تلك السياسة. وأفاضت كوماراسوامى فى بيان سوء أوضاع المرأة هناك، خاصة فى كابول حيث لوحظ تضخم أعداد النساء المتسولات، وانهيار الأوضاع الصحية للنساء الملازمات للبيوت مشيرة الى وجود تقارير حول حالات للزواج القسرى والدعارة الإجبارية. وأدانت المحققة الدولية تحديدا وزارة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر التى تجند شرطة خاصة يجوب عسكرها الشوارع مدججين بالسلاح فى سيارات نقل بحثا عن نساء يخالفن تعليمات طالبان، ومن تخالف التعليمات فجزاؤها الضرب علنا.
لم يخل التقرير من إدانة لخصوم طالبان من قوات التحالف الشمالى ؛ فهم رغم حرصهم على إبدء موقف أكثر تسامحا إزاء النساء وتعليم البنات، إلا أن المحققة الدولية حملتهم مسئولية تدمير ما يقرب من 70% من مدارس العاصمة كابول أثناء حكمهم بسبب القتال المستمر فيما بينهم. وحرص التقرير على إلقاء الضوء على مأساة أخرى نتيجة المعارك العنيفة بين طالبان وقوات التحالف الشمالى والتى بلغت ذروتها فى صيف هذا العام ؛ فأشار إلى ما تعرضت له جموع من النساء فى سهول شومالى التى كانت ساحة للكر والفر بين الفريقين، حيث انتزعت النساء من منازلهن، وفرقن عن أزواجهن وزُج بهن الى المعسكرات كسبايا ثم تعرضن للاغتصاب.
وحرصت كوماراسوامى فى تقريرها على الإشارة الى أن ما يحدث فى أفغانستان لا يعبر عن الإسلام والقرآن بقدر ما يستمد أصوله من تقاليد وأعراف قبلية. وأخيرا انتهت الى القول بأنها لم تعرف شعبًا عانى مثل الشعب الأفغانى، وأن الموقف هناك يبدو قاتما فى ظل الفقر، والحرب.. وحالة النساء. [17]
مظاهر ومؤشرات أخرى متنوعة لاستضعاف النساء
حيث يظل الاستضعاف هو الإرث التقليدى المتبقى للمرأة -فى كل أنحاء العالم- من التاريخ القديم والوسيط، وحيث تتجسد بقايا ذلك النظام فيما تبقى من تقاليد اقطاعية وقبلية لا تزال تناضل للبقاء فى العديد من المجتمعات فى شتى أنحاء العالم خاصة المجتمعات النامية، فإن مظاهر استضعاف النساء لا تقتصر بأى حال على الحالات الاستثنائية السابقة وإنما تنتشر فى شتى البلدان الإسلامية ( التى تقع إجمالا فى فئة البلدان النامية). وتكتسب ظاهرة استضعاف النساء فى تلك المجتمعات عدة سمات لعل أخطرها التغطية الدينية لتلك الممارسات والعادات كآلية من آليات الدفاع عن المصالح المرتبطة بها وضمان استدامتها.
من أبرز القضايا التى فرضت نفسها فى واقع المرأة المسلمة عام 1999 والتى جسدت هذا الخلط المغلوط بين التقاليد والدين قضية القتل دفاعا عن الشرف honor killing التى أسهم اهتمام منظمات المرأة وحقوق الإنسان إلى جانب الإعلام الغربى فى إبرازها هذا العام كإحدى المشكلات الهامة التى تواجه نساء العالم الإسلامى.
تكتسب عادة القتل دفاعا عن الشرف حساسيتها من تداخلها – فى بعض الوقائع- مع أحد الحدود الإسلامية الشرعية وهو حد الزنا. غير أن عمليات التكييف والتطويع الاجتماعى الطويلة انتزعت هذا الإجراء الضبطى الإسلامى من سياقه وانحرفت به عن مقاصده الشرعية الى مقاصد لا شأن لها بالشرع. تمثل هذا الانحراف فى ملامح عدة لنظام القتل دفاعا عن الشرف ؛ منها الإخلال بالشروط الشرعية الصارمة للعقوبة ( مثل ولاية الإمام على تطبيق الحد، الاعتراف أو شهادة الأربعة العدول، تكافؤ المسئولية وعقوبة طرفى الجريمة لا طرف دون الآخر..الخ) الى جانب التوسع الشديد فى تطبيق العقوبة لتشمل ممارسات أو وقائع غير مجرمة دينيا مثل الزواج أو الطلاق خارج رغبة الأهل والتعرض للاغتصاب قسرا.
وقد تصاعدت حدة تلك القضية وأثارت ردود فعل دولية واسعة النطاق بمناسبة إحدى وقائع القتل للشرف فى باكستان وهى قضية سامية عمران. وقد قتلت سامية عمران فى إبريل بتدبير من والديها بسبب مضيها قدما فى إجراءات الطلاق من زوجها دون رغبة والديها، فاغتيلت علنا باسم انتهاك الشرف فى مكتب محاميتها “أسما جهانجير” إحدى الناشطات الباكستانيات فى مجال حقوق المرأة. وقد أدت تلك الحادثة الى تحريك مظاهرات واحتجاجات عديدة على عادة القتل للشرف سواء فى باكستان أو فى العديد من بلدان العالم.[18] كما امتدت المطالبة الى الأمم المتحدة فدعت المحققة فى قضايا العنف التابعة للجنة الدولية لحقوق الإنسان – دعت اللجنة الى التدخل لدى حكومة باكستان لتوفير المأوى الآمن للمهددات بالقتل دفاعا عن الشرف.[19]
لفتت قضية سامية عمران الأنظار الى خطورة الجرائم التى ترتكب باسم القتل دفاعا عن الشرف واتساع مداها فى العالم الإسلامى بحيث تشكل سيفا مسلطا فى بعض المجتمعات التقليدية على عدد كبير من النساء. ففى عام 1998 قتلت 500 إمرأة باكستانية فى إطار حوادث القتل للشرف، وسجلت التقارير ارتفاعا فى معدلات ارتكاب تلك الجريمة بنسبة 90%.[20] كما تشكل هذه الوقائع نسبة 25% من إجمالى الجرائم فى الأردن ورصدت بعض التقارير أن عددا كبيرا من الضحايا هن من المغتصبات عنوة.[21] ومما يزيد من خطورة الظاهرة التهاون الرسمى إزائها سواء فى صورة التشريعات المتعلقة بالعقوبات،[22] أو فى صورة الإجراءات الإدارية مما يشكل نوعا من التهادن من قبل الدولة والتخلى عن أهم اختصاصاتها للقوى والجماعات التقليدية. وكان آخر مظاهر التراجع الرسمى رفض مجلس الشيوخ الباكستانى فى أغسطس إقرار تشريع يقضى بتجريم القتل للشرف بعد أن نجحت ضغوط المنظمات غير الحكومية الباكستانية وناشطى حقوق الإنسان فى دفع حزب الشعب الباكستانى الى التقدم بالمشروع.[23]
لا يمثل القتل دفاعا عن الشرف سوى أحد تجليات ظاهرة العنف تجاه النساء فى المجتمعات التقليدية – ومنها عدد كبير من المجتمعات الإسلامية- حيث تتعدد أشكالها ويتسع نطاق ضحاياها. وقد عقد فى يناير مؤتمر عالمى فى بنجلاديش ضم 300 مندوبة من مختلف أنحاء العالم لمناقشة واحدة من أبشع مظاهر العنف والاستغلال البدنى للمرأة وهو الاستغلال الجنسى للمرأة ( مثل التحرش والاغتصاب، والاعتداء على الزوجات والبرنوجرافيا والدعارة) وقد طرحت الوفود احصاءات وبيانات خطيرة حول أبعاد هذه الجرائم فى جميع أنحاء العالم ومنها ما يخص العالم الإسلامى. ومن جملة تلك البيانات على سبيل المثال احصاء يشير الى نحو 200 ألف امرأة وفتاة قد تم تهريبها من بنجلاديش الى باكستان للعمل فى مجال الدعارة.[24]
من جانبه تضمن تقرير مراقبة حقوق الإنسان Human Rights Watch رصدًا لموضوع الاستغلال الجنسى القسرى للنساء مع التركيز على نساء العالم الثالث، وكان من أخطر ما نوه إليه دور عناصر السلطة ممثلا فى تواطؤ بعض الموظفين الرسميين من الحكومات والشرطة فى إزدهار تلك الظاهرة غير الإنسانية من خلال التغاضى عن عمليات نقل وتجارة الرقيق الأبيض بين الدول، الى جانب تعويق العدالة، أو المشاركة الإيجابية فى إكراه النساء بدلا من حمايتهن.[25]
فى مصر تفاعلت هذا العام قضية خطف الإناث واغتصابهن بمناسبة تحرك السلطة فى مصر لتعديل المادة 291 من قانون العقوبات التى تقضى بإلغاء عقوبة خاطف الأنثى فى حالة زواجه منها. ورغم ما يمثله هذا التحرك من مبادرة إيجابية من قبل الأجهزة التنفيذية المصرية (الرئاسة ووزارة العدل) لمواجهة هذه الثغرة القانونية التى أسهمت فى تشجيع المجرمين على تكرار جرائمهم (حسب ما أكده وزير العدل وعدد من كبار رجال القانون)[26]، فإن التعديل وجد فى مجلس الشعب معارضة ذات شأن بحجة أن التعديل يضر بالنساء وأسرهن إذ يبقى المرأة المغتصبة غير المتزوجة موصومة بالعار طوال حياتها.[27]
فى المغرب نظمت جماعات الدفاع عن حقوق المرأة فى شهر يناير حملة تعبئة لكسر جدار الصمت ضد ظاهرة العنف ضد المرأة. وأذاعت تلك المنظمات بهذه المناسبة بيانات حول اتساع ظاهرة العنف هناك أشارت فيه الى وجود نحو 300 ألف حالة عنف ضد النساء خلال السنوات الثلاثة الأخيرة تراوحت بين الضرب، والجرح، والاغتصاب هذا بخلاف أشكال العنف المعنوى المنتشرة التى تتعرض لها النساء فى مختلف مؤسسات المجتمع بدءا من المنزل وانتهاء بالشارع والمدرسة والعمل.. الخ. كما أشارت التقارير والدراسات الى أن 33% من القضايا المعروضة أمام المحاكم فى المغرب تتعلق بجرائم العنف الجنسى ضد النساء، وهى جزء محدود من الجرائم المرتكبة فعليا والتى لا تصل الى المحاكم خوفًا من الفضيحة.[28]
وفى إطار الحملة الدولية التي نشطت هذا العام ضد العنف إزاء النساء، نظمت الأمم المتحدة فى 8 مارس، بمناسبة اليوم العالمى للمرأة، مؤتمرًا دوليًا عن طريق الداوائر التلفزيونية والقمر الصناعى ضم ممثلين وصحافيين وخبراء الى جانب شهادات من نساء تعرضن للعنف من مختف أنحاء العالم. وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان فى كلمته أمام المؤتمر العنف ضد النساء بأنه قد يكون أكثر الجرائم التى ترتكب ضد الإنسانية عارًا، فهى جريمة لا تعرف حدودا فى الجغرافيا أو الثقافة أو الثروة. كما أورد المشاركون فى المؤتمر إحصاءات خطيرة تتعلق بأنماط مختلفة من العنف ضد النساء ؛ من بينها أن 2 مليون فتاة تعانى من عادة الختان الفرعونى فى 28 دولة، وأن حجم تجارة الرقيق الأبيض قد بلغت فى آسيا وحدها نحو 7 مليارات دولار سنويا.[29]
العنف ضد المرأة قد لا يكون قضية نوعية فقط ترتبط بالأمراض الاجتماعية، فقد يتخذ أشكالا سياسية أو يتداعى عن مشكلات سياسية على النحو الذى أشرنا اليه فى كوسوفا. من الأمثلة الأخرى لهذا النمط من أنماط العنف: العنف الذى تتعرض له النساء الفلسطينيات تحت نير الاحتلال الإسرائيلى والذى يعد جزءا لا يتجزأ من أبشع ظواهر القمع الإنسانى بصفة عامة؛ ألا وهى ظاهرة الاستعمار. وتتعرض النساء الفلسطينيات -والشعب الفلسطينى بأسره- لهذا العنف بشكل يومى، مع تزايد حدته فى مناطق المواجهة الساخنة كالقدس الشريف التى تشهد سباقا يهوديا محموما مع الزمن لتغيير طبيعة المدينة، وتهويدها وإفراغها من سكانها العرب- مسلمين ومسيحيين- والاستيلاء على أراضيهم ومنازلهم فى المدينة القديمة وحولها. وقد بلغ الصدام ذروته هذا العام فى شهر مايو حيث وقعت مواجهات عنيفة بين قوات الاحتلال ومحتجين فلسطينيين على بناء بؤرة استيطانية جديدة فى حى رأس العامود بالقدس المحتل، أسفرت عن إصابة العشرات من الفلسطينيين من بينهم نساء فلسطينيات لعل أبرزهن السيدة حنان عشراوى عضو المجلس التشريعى الفلسطينى.[30] من مظاهر العنف السياسى الأخرى ضد النساء ما أشارت اليه بعض التقارير بشأن إجبار السلطات الأريترية الفتيات على التجنيد وتسكينهن فى معسكرات مختلطة، مما دفع العديد من الأسر المسلمة الى تهريب بناتهن خارج أريتريا، وترتب على ذلك إلقاء القبض على ذويهن وسجنهم.[31] وكذلك يشهد إقليم أمبون الأندونيسى صراعات طائفية بين السكان المسلمين والمسيحييين اتهم فيها جنود الجيش الأندونيسى – المجندين من مناطق وطوائف أخرى- بالانحياز للجانب المسيحى وإساءة معاملة المسلمين مما أثار موجة احتجاجات امتدت فى شهر مارس الى العاصمة، فقد نظمت النساء تظاهرات فى شوارع جاكرتا احتججن فيها على إساءة الجيش معاملة النساء المسلمات فى أمبون.[32]
القهر الاجتماعى – الأسرى كأكثر أشكال الاستضعاف ذيوعًا
ظاهرة الاستضعاف لا تقتصر على استخدام العنف المادى المباشر ضد النساء، الذى – رغم اتساع مداه- يمثل ظرفا استثنائيا، ويبقى المجال الأكثر خطورة وشيوعا للاستضعاف هو اختلاطه بالعمليات والتفاعلات الاجتماعية اليومية مثل عمليات التنشئة وتفاعلات الأسرة والزواج والعمل. فى بنجلاديش على سبيل المثال صدر هذا العام تقرير حول أوضاع النساء هناك يعد نموذجا نمطيا متكررا لتغلغل مفهوم الاستضعاف فى صميم العمليات الاجتماعية التى تشارك فيها المرأة فى كافة مراحل حياتها فى العالم النامى عموما والعالم الإسلامى على وجه الخصوص. نوه التقرير على سبيل المثال الى توطن مفهوم التمييز والدونية فى عملية التنشئة الاجتماعية للمرأة ؛ حيث تقوم تنشئة الإناث على تدريبهن على الخضوع وتحمل القمع فى صمت وعدم الاعتداد بالنفس. وفى مجال العمل أشار التقرير الى أن المرأة الريفية تعمل فترة أطول من الرجل تقدر بنحو 21 ساعة زائدة فى الإسبوع، ويشمل عملها طائفة شاقة من الأعمال بدءا من الاعتناء بالحيوانات، والعمل فى الحقول ورعاية الأطفال والمنزل والطهى، ورعاية المرضى وأبناء الأقارب. غير أن هذا الجهد لا ينظر له فى النهاية كـ”عمل” لأنه لا يجلب المال. أما فى مجال العمل المأجور فى الريف فتحصل المرأة على 40% من أجر الرجل. وأشار تقرير لليونسيف الى أن الأطفال الذكور الذين لا يذهبون الى المدرسة يقضون 12 دقيقة فقط فى العمل المنزلى يوميا فى مقابل 5 ساعات تقضيها الفتيات. وفى المحصلة ينتهى التقرير إلى بيان تأثير تلك الأعباء الحياتية المستمرة منذ الطفولة على صحة المرأة حيث يؤدى بها إلى الشيخوخة المبكرة والأنيميا والمشكلات المتعلقة بنقص المناعة.[33]
هذا النموذج الذى قدمته الدراسة يستمد قيمته من كونه نموذجا متكررا للأوضاع الحياتية اليومية لملايين النساء فى العالم الإسلامى – والنامى على وجه العموم – خاصة فى الريف. وهو نموذج تؤكده بوضوح الأرقام الخاصة بالتنمية البشرية كما أوردها كل من “تقرير التنمية الدولى” الصادرعن البنك الدولى، و”تقرير التنمية البشرية” الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائى UNDP لعام 1999. تتناول إحصاءات تقرير التنمية الدولى أوضاع المرأة فى مجالات الصحة والتعليم والعمل ؛ ففى مجال الصحة تسجل اليمن ثانى أكبر أرقام وفيات الأمهات فى عمليات الولادة ( بعد أنجولا ونيبال) حيث تقدر نسبة الوفيات 1400حالة وفاة سنويا لكل مائة ألف ولادة. وتسجل دولا إسلامية أخرى أرقاما مرتفعة بدورها مثل أريتريا (1000) وبنجلاديش (850) وتشاد (840).[34]فى مجال التعليم لا تزال مشكلة الأمية بين الإناث تمثل معضلة حقيقية أمام جهود التنمية؛ ففى اليمن بلغت نسبة الأميات 79% من الإناث وهى من أعلى النسب فى العالم، وتبلغ هذه النسبة 75% فى كل من باكستان والسنغال، و73% فى بنجلاديش، و72% فى مالى، 67% فى المغرب، ونحو 60% فى مصر.[35] وقد قدر اليونسكو فى تقرير أصدره مكتبه الإقليمى فى بيروت فى سبتمبر نسبة أمية الإناث فى العالم العربى بنحو 56% من جملة الأميين البالغ عددهم 65 مليونا. [36] فى مجال العمل تراوحت معدلات الزيادة فى العمالة النسائية – المأجورة- فى أغلب بلدان العالم الإسلامى على مدى 18 عاما (1980- 1998) بين السلب الذى يشير الى اتجاه نسبة العمالة النسائية الى الانخفض قياسًا لمجموع القوى العاملة ( أزربيجان -4، واليمن -5 ) وبين الارتفاع بنسب متوسطة تصل إلى 8% ( الأردن). بينما حققت دولة إسلامية وحيدة هى الكويت طفرة حقيقية فى ارتفاع نسبة النساء الى القوى العاملة المنتجة والمأجورة فى الدولة فى تلك الفترة حيث ارتفعت هذه النسبة من 13% الى 31% أى بنسبة 18%.. أما عن نسبة العمالة الأنثوية إلى مجموع القوى العاملة فى آخر أرقام لها صدرت عام 1998 فقد تراوحت فى بلدان العالم الإسلامى بين 15% ( السعودية) و47% ( إريتريا ووقزاخستان وجمهورية القرغيز).[37] وتنتمى أغلب البلدان المسلمة التى تجاوزت حاجز الثلث النسائى من مجموع القوى العاملة الى ثلاث مناطق لها ظروفها التى تبرر ذلك هى جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة عن الاتحاد السوفيتى السابق (متأثرة بسياسات التوظيف العام غير التمييزى فى ظل النظام الماركسى االسوفييتى السابق)، وبلدان أفريقيا جنوب الصحراء ( حيث تستمر أنماط العمالة النسائية التقليدية فى الريف والتى تمثل نسبًا مرتفعة من العمالة فى القطاع الزراعى التقليدى) ودول جنوب وشرق آسيا (التى شهدت طفرة اقتصادية وصناعية فى السنوات الماضية فى ظل ما يعرف بالمعجزة الاقتصادية الآسيوية). هذا فى حين توقفت بلدان الشرق الأوسط المسلمة ( البلدان العربية وإيران وباكستان) عند حاجز الثلث أو أدنى منه كثيرا.
أما تقرير التنمية البشرية فيطرح مؤشرًا مقارنيا بين أوضاع المرأة والرجل فى المجالات السابقة يعبر عنه بمفهوم “الفجوة النوعية” Gender gaps. فى مجال التعليم يرصد التقرير نسبة “المسجلين” من الإناث فى مراحل التعليم المختلفة. لذا فالمقياس لا يمثل بدقة الواقع الذى يعرف فى كثير من البلدان النامية ومنها – البلدان الإسلامية – ظاهرة التسرب من التعليم. وإذا أخذنا مجموعة الدول العربية إجمالا كنموذج للحال فى البلدان الإسلامية نجد أن مؤشرات الفجوة النوعية بين الرجال والنساء ليست كبيرة من واقع المسجلين رسميا فعدد النساء المتعلمات يمثل 66% من عدد الرجال، أما المسجلات فى مجال التعليم الابتدائى فنسبتهن 91% من الذكور، وفى مجال التعليم الثانوى 85% أما فى مجال التعليم العالى فنسبتهن 73%. وتدور غالب البلدان الإسلامية حول هذا الرقم فيما تشهد بعضها ارتفاعا بارزا فى المؤشرات كماليزيا (90%- 100%- 115% -…..) أو انخفاضا بارزا كتشاد (58%- 58%- 37%- 15%).[38]
فيما يتعلق بالفجوة النوعية فى النشاط الاقتصادى تسجل القوة العاملة للإناث ( فى البلاد العربية التى يخصها التقرير بمتوسط إحصائى عام ونتخذها هنا كنموذج للبلدان الإسلامية) نسبة 38% من الذكور. وترتفع هذه النسبة لدى العديد من البلدان المسلمة ذات التنمية البشرية المتوسطة أو المنخفضة فتصل إلى 78% في تشاد، و74% في السنغال، و73% في ألبانيا، و67% في أندونيسيا، و60% في ماليزيا.[39] وأخيرا ففى مجال الفجوة النوعية فيما يتعلق بـ”عبء العمل وتخصيص الوقت” خلص تقرير التنمية -من واقع بعض الأرقام لبلدان نامية منتقاة- خلص الى المتوسطات الآتية التى يمكن سحبها علىالبلدان الإسلامية كبلدان نامية: متوسط الوقت المخصص للعمل اليومى هو 544 دقيقة يوميا للإناث مقابل 483 دقيقة يوميا للذكور. وبذلك يمثل الوقت االمخصص للعمل لدى الإناث 113% بالنسبة للذكور.يمثل العمل المأجور نسبة 34% من إجمالى الوقت المخصص للعمل لدى الإناث بينما تحتل الأعمال غير المأجورة كالعمل المنزلى نسبة 66%. أما لدى الذكور فالعمل المأجور يمثل 76% من إجمالى العمل لدى الرجل فيما يمثل العمل غير المأجور نسبة 24%.[40]
الاستضعاف والإطار التشريعى
لاتقترن وضعية الاستضعاف بعوامل الثقافة التقليدية والنظام الاجتماعى فحسب بل يمثل النظام القانونى أحد العوامل الهامة التى تساعد على تعزيز أو تخفيف تلك الوضعية. فالقانون هو بمثابة السياج الذى يحدد حقوق وحدود مختلف الأفراد فى المجتمع وهو يلقى بظلاله وتأثيراته المؤكدة على النظام الاجتماعى والأسرى وعلاقات الأفراد والجماعات. وفى مجال السلوك والحركة الاجتماعية فمثلما يؤدى القانون أحيانا دور الرادع للمواطنين بما يلقى عليهم من مسئوليات والتزامات،فإنه فى ذات الوقت قد يشجع المواطنين على الإقدام على بعض التصرفات بما يتيحه لهم من حقوق ومزايا.
يشكل الإطار لقانونى أحد عوامل الضغط المفروضة على المرأة فى العالم الإسلامى وبخاصة ما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية والأسرة. ويثير الحديث عن تلك المجموعة من القوانين بدوره العديد من الحساسيات نتيجة للخلط بين تلك الأنظمة القانونية الوضعية التى تنبنى على اختيارات واجتهادات فقهية معينة – يوجد اجتهادات أخرى مخالفة لها- وبين الشريعة. تتجه أغلب انتقادات الجماعات والحركات المعنية بالمرأة فى البلدان المسلمة للأنظمة القانونية التى تحكم وضع المرأة والأسرة الى عدة جوانب هامة: أولها عدم التوازن فى منظومة الحقوق والالتزامات بين المرأة والرجل فى الأسرة. الثانى إطلاق الإرادة الفردية المطلقة للرجل فى تقرير مصير الأسرة أثناء قيامها وبعد انهيارها من خلال تحكمه فى مسائل الطلاق والنفقة والطاعة..الخ. وأخيرا هناك الخلل والثغرات الخطيرة فى إجراءات التقاضى مما يضيف مزيدا من العسف بحقوق النساء والأطفال من خلال مد فترة التقاضى لسنوات، وإتاحة المجال للتلاعب فى مسائل النفقة وخلافه مما يعرض مصير النساء والأبناء للضياع. ويلاحظ أن عناصر الخلل هذه التى يلصقها أنصار النظام الحالى لقوانين الأسرة بالدين بزعم أنها تمثل رادعا لتسرع النساء فى هدم البناء الأسرى لم تحل دون تفشى ظاهرة الطلاق فى مختلف المجتمعات الإسلامية وارتفاعها الى نسب تنذر بالخطر حيث بلغت فى بعض البلاد نسبة الثلث من عقود الزواج الجديدة.
فى العام الحالى ارتفعت الأصوات فى العديد من البلدان الإسلامية مطالبة بالتحرك نحو تعديل قوانين الأسرة والأحوال الشخصية تحقيقا لمزيد من الإنصاف وتأمين المرأة والأبناء.
ففى الجزائر دعت الحركات النسائية الرئيس بوتفليقة عقب انتخابه الى العمل على تصحيح مواد قانون الأسرة الذى صدر فى الثمانينيات وتعديل بعض بنوده التى وصفت بأنها مجحفة حيث أفرزت حالات مزرية آلت بكثير من المطلقات الى التشرد لفقدانهن الحق فى البقاء فى بيت الزوجية.[41] وفى الأردن تكررت نفس المطالبات بشأن تعديل القانون القائم للأحوال الشخصية منذ عام 1996 والمؤسس على الفقه الحنفى. ودعت المعنيات بحقوق المرأة الى سد الثغرات التى يستغلها الأزواج للتهرب من التزام الزوج تجاه الزوجة والأولاد، والى جعل شرب الخمر والزنا من الأسباب الموجبة للتفريق، وإعادة النظر فى تقدير النفقة..الخ.[42] أما فى المغرب فقد هيمنت قضية إصلاح تشريعات الأسرة على الخطاب الخاص بالمرأة ؛ حيث نظَم دعاة إصلاح التشريع ملتقيات اتخذت صيغة المحاكم الرمزية وضمت ممثلين عن مختلف الهيئات التشريعية والتنفيذية ومؤسسات المجتمع المدنى حيث تركزت المطالبات حول سد الثغرات المختلفة فى القانون الراهن فى مجالات عدة مثل النفقة من خلال إصلاح نظام النفقة ومشتملاتها ليس فقط فى حالات الطلاق بل كذلك داخل إطار الزوجية. كما ناقشت تلك الملتقيات الصعوبات التى تواجهها النساء لإثبات امتناع الزوج عن النفقة، أو هجر الزوج للمنزل، أو حقيقة دخل الزوج.. الخ مما يؤدى لتشرد وضياع الأبناء.[43] لم يلبث موضوع تشريعات المرأة أن أصبح هذا العام كذلك أحد مصادر الاحتقان والأزمة فى النظام السياسى المغربى فى ظل حكومة السيد عبد الرحمن اليوسفى الذى أعلن عما أسمى بخطة “إدماج المرأة فى التنمية”. وقد انطوت الخطة على رؤية متعددة الأبعاد استهدفت -حسب رأى واضعيها- تعزيز وضعية المرأة المغربية فى مختلف المجالات بما يتلائم أو يقترب بها من المعايير والأهداف التى تضعها الأمم المتحدة وأجهزتها فى مجال تمكين النساء. ومن جملة تلك الإجراءات ما يمس وضع المرأة فى تشريعات الأسرة والأحوال الشخصية. وقد أثارت مقترحات الحكومة بشأن “مدونة جديدة للأحوال الشخصية” اعتراض علماء المغرب والقوى الإسلامية هناك الذين اعتبروا بعض تلك المقترحات مناقضة للشريعة؛ من بين نقاط الاعتراض ما اعتُبر تجاوزًا لبعض الحقوق التى نص عليها الشرع مثل رفع سن الزواج الى 18 عاما بدلا من 15 عاما، وربط حق الزوج فى الزواج من امرأة أخرى بموافقة صريحة من زوجته الأولى، ووضع اجراءات الطلاق فى يد القاضى بدلا من المأذون، وإقرار حق المطلقة فى بيت الزوجية، والمطالبة بتغيير الفصل (53) من المدونة المتعلق بربط التطليق بالضرر – حيث أدى عدم وجود تعريف واضح للضرر وطرق اثباته الى تعليق النساء لسنوات فى محاولات لإثبات الإضرار بهن- وأخيرا هناك رفع وصاية الزوج على زوجته فى العديد من الأمور، وقضية إعطاء الأطفال غير الشرعيين ” إسمًا طبيعيًا” وتسجيله مكان الأب فيما اعتبره العلماء تشجيعًا للنساء على الرزيلة..الخ[44]
تمثل مصر حالة نموذجية لاستعراض ما يسمى بالإطار التشريعى الذى يعزز وضعية الاستضعاف للمرأة. غير أن مصر قدمت فى عام 1999 فى الوقت نفسه خبرة هامة فى التحرك لتعديل ذلك الإطار بمنظور إصلاحى متدرج يتعامل برفق مع حساسيات الموضوع.
على صعيد المنظومة التشريعية تواجه النساء فى مصر تكتلا من القوانين غير الملائمة لتمكين المرأة خاصة على صعيد دورها الاجتماعى والأسرى على رأسها قانون الأحوال الشخصية الذى ترتب عليه وقوف ما يقرب من 20 ألف امرأة فى ساحات القضاء بمناسبة قضايا النفقة والحضانة والطلاق، بعضهن لا تزال قضاياهن مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات. وقد جرت سابقًا محاولات لإحداث نقلة نوعية فى فحوى قانون الأحوال الشخصية من أهمها القرار بقانون رقم 44 لسنة 1979 -الذى اقترب فى فحواه الى حد كبير من التعديلات المقترحة فى مدونة الأحوال الشخصية فى المغرب التى أشرنا اليها سلفًا، لكن هذا التشريع الذى استلهم بعض أحكامه من خارج إطار الشرع، كما تم إخراجه بصيغة سلطوية حاولت القفز على المعارضة الذكورية له من المجتمع بدعوى تعارضه مع الحقوق التى ينص عليها الدين للرجال فى العلاقة الزوجية لم يلبث أن سقط بعد اختفاء القوى التى دعمته وتم التراجع عنه فى عام 1985. وكان اختفاء هذا القانون درسا للجماعة النسائية والمعنيين بإنصاف المراة فى مصر يشير الى أهمية بناء أى إصلاح تشريعى بشأن المرأة على أساس شرعى قوى، فضلا عن أهمية تحقيق حد أدنى من الوفاق العام حول أى تشريع فى هذا الصدد ضمانا لاستمراريته.
إلى جانب هذا القانون هناك قانون الجنسية رقم 26 لسنة 75 والذى يقصر انتقال الجنسية للأبناء على من كان أبوه متمتعا بالجنسية المصرية ولا يجيز ذلك بالنسبة للأم مما أدى الى الإضرار بأبناء المصريات المتزوجات من أجانب ( يقدر عددهن إجمالا بـ200 ألف مصرية طبقًا لإحصاءات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء وإدارة التوثيق بوزارة العدل)[45]. ويتفاقم الضرر أضعافًا فى حالات الزيجات الفاشلة -وهى متفشية- حيث يقيم الأبناء فى مصر وتنقطع صلة أعداد كبيرة منهم بذوى الأب نتيجة الطلاق أو غيره. كما اعتبر هذا القانون متعارضًا مع ما ينص عليه الدستور من المساواة فى المواطنة.. ومن القوانين التى أثارت الجدل بسبب مضمونها التمييزى قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 ؛ فرغم اتجاهه العام للمساواة بين الجنسيين فقد ميز الرجال- دون أساس شرعى- فى بعض نصوصه مثل حالة جريمة الزنا حيث تعاقب المرأة بالسجن ولا يعاقب شريكها فى الجرم إلا إذا تمت الجريمة فى بيت الزوجية. وينزل القانون بعقوبة الزوج قاتل زوجته المتلبسة بالخيانة الزوجية الى حد الحبس بينما تخضع الزوجة فى نفس الموقف لأحكام القانون الخاصة بالقتل العمد والتى تودى بها إلى عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة.وفى جريمة الدعارة تعاقب المرأة فيما يعد الشريك فى الجرم شاهدا.
وقد شهد هذا العام نشاطا ملحوظا فى حركة الإصلاح التشريعى نحو تحقيق قدر من الإنصاف للمرأة لعبت فها الإدارة بالاشتراك مع بعض عناصر المجتمع المدنى دورًا هاما فى طرح حلول تشريعية إصلاحية وغير تصادمية للمشكلات التى تواجه المرأة قانونيًا. كان على رأس تلك التشريعات إلغاء المادة 291 من قانون العقوبات التى تعفى مغتصب الأنثى من العقوبة فى حالة زواجه من ضحيته. وفى هذا العام أصدرت وزارة العدل المصرية ضوابط لزواج المصريات من الأجانب لمواجهة ظاهرة اتجار الأسر الفقيرة ببناتها صغار السن بتزويجهن من كبار السن من غير المصريين. وهى زيجات انتهت أعداد كبيرة منها بالفشل وتحمل المجتمع المصرى والفتيات عواقبها. وتضمن التشريع عددًا من الضمانات المالية والشروط الإدارية والموضوعية التى تضمن حدا أدنى من مصلحة هؤلاء الفتيات القاصرات وصغيرات السن.
يظل الإصلاح التشريعى فى قانون الأحوال الشخصية هو التحدى الأكبر لمواجهة وضعية استضعاف المرأة فى الأسرة وهى المؤسسة الرئيسية فى البناء الاجتماعى. وقد اتجهت الجهود -فى ظل المعارضة الكبيرة والخلافات الكثيرة فقهيا وبين علماء الوقت، فضلا عن غياب مفهوم الاجتهاد – لجأت الى مخرج يتجنب التغيير فى الفحوى الموضوعى للقانون بالتركيز على اجراءات التقاضى التى تلعب دورا لا يقل أهمية فى التأثير على واقع المرأة والأسرة. ويقوم مشروع قانون اجراءات التقاضى للأحوال الشخصية الذى وافق عليه رئيس الجمهورية هذا العام على ثلاثة عناصر هامة. أولها تفعيل آليات وإجراءات شرعية تجاهلها القانون السابق مثل قاعدة الخلع كمخرج أخير من ظاهرة الإمساك ضرارًا الشائعة فى نزاعات الأحوال الشخصيية، وكمخرج أيضا لشرط إثبات الضرر الذى ينص عليه القانون للتطليق والذى أعيا أعدادا كبيرة من النساء المتضررات. ومن الأحكام الشرعية الأخرى التى يسعى القانون الى تفعيلها قاعدة التحكيم عند النزاع بين الزوجين.
العنصر الثانى هو وضع حد لاستطالة الأمد الزمنى للتقاضى والذى يمتد لسنوات وذلك باشتراط مهلة محددة لصدور الأحكام فى الأحوال الشخصية بما يقضى على معاناة آلاف النساء والأطفال المتضررين من امتداد النزاع. أما العنصرالثالث فيتمثل فى تحمل الدولة لمسئوليتها المفترضة فى حماية مواطنيها من المستضعفين عن طريق ضمان حصول النساء والأطفال على حقوقهم من خلال مؤسساتها المالية كبنك ناصر على أن تتولى بمكانتها وسلطتها تحصيل حقوقها من الأزواج.
لا شك أن هذا التشريع الذى ينتظر موافقة مجلس الشعب ( البرلمان المصرى) سيعد خطوة كبيرة تحاصر الأضرار والمشكلات التى تنجم عن انهيار الأسر بعد أن فشل قانون الأحوال الشخصية فى ردع حالات الانهيار تلك نتيجة العديد من العوامل والمتغيرات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية حيث تشير الإحصاءات إلى ارتفاع معدلات الطلاق بصورة كبيرة؛ ففى عام 1996 بلغت أعداد المطلقات – حسب الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء – 70 ألف حالة، وارتفع الرقم عام 1997 إلى 90ألف حالة بزيادة 20 ألف حالة فى عام واحد.[46] كما قدرت حالات الطلاق بنسبة 37% من الزيجات الحديثة ( خلال عامين من الزواج)[47]
2 – التمكين
التمكين هو مفهوم ينصرف إلى السياسات العامة والإجراءات التى تهدف الى دعم مشاركة النساء سواء فى الحياة السياسية أو الاقتصادية أو غيرها وصولا الى مشاركتهن فى صنع القرارات التى تؤثر عليهن فى مختلف مؤسسات المجتمع، وتجاوز وضعية الاستضعاف أو التهميش التى توارثتها النساء. التمكين إذن هو نوع من “الدعم” الخارجى من قبل السلطة المستنيرة فى المجتمع التى يفترض أنها تنظر بروح المسئولية الى كافة المواطنين، وتلتزم بدفع عملية التطوير والتنمية فى المجتمع. والتمكين بهذا المعنى هو مرحلة وقتية من مراحل التطور تقترن بوضعية التخلف الاستثنائية للمرأة والمجتمع، وهو مرهون بنجاح النساء والمجتمع كله فى تجاوز هذه الحالة وقيام المرأة بأعباء المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكاملة دون قيود أو معوقات.
ويتجلى التمكين فى جانبين أولهما العمل على إزالة المعوقات علىاختلافها ( تشريعية، وإدارية، وا جتماعية..الخ) التى تعرقل مشاركة النساء. والثانى إيجابى يتمثل فى تقديم التسهيلات واتخاذ الاجراءات السياسية والبرامج التى تدعم مشاركة المرأة وفرصها سواء على صعيد تشكيل القدرات ( الصحة والتعليم..الخ) أو استخدام وتوظيف تلك القدرات. وقد شهد العالم الإسلامى هذا العام اضطرادا فى الخطوات التى انتهجتها مؤسسة الدولة الحديثة لتأكيد أبعاد حداثتها ومنها العمل على تمكين النساء وإتاحة مزيدا من المشاركة لهن فى فرص التعليم والعمل وصنع القرار باعتبار عملية تطوير المرأة فى تلك المجالات جزءا لا يتجزأ من عملية التنمية وإنهاء واقع التخلف الذى تعد حالة النساء من أبرز تجلياته. وفى السطور التالية سنرصد أهم الاتجاهات فيما يتعلق بتمكين المرأة فى العالم الإسلامى.
التمكين السياسى
لقد شهد العالم الإسلامى عام 1999 تطورات هامة على صعيد تمكين النساء سياسيا. تركزت تلك التطورات فى واحدة من أكثر مناطق العالم الإسلامى خضوعا للقيم والتقاليد القبلية التقليدية هى منطقة الخليج العربى، وتجلى ذلك فى تجربتين هامتين لتمكين المرأة سياسيا فى قطر والكويت.
قطر: نحو نموذج متوازن وسلس فى التمكين
تعد مشاركة النساء القطريات فى الانتخابات البلدية التى جرت فى 8 مارس ( يوم المرأة العالمى) علامة فارقة حقيقية فى طريق تطور المرأة الخليجية حيث هى أول مشاركة انتخابية عامة للنساء فى هذه المنطقة. ولايمكن فصل هذا الحدث عن سياق التطور العام للنظام القطرى الذى شهد اتجاها متناميا نحو التطور السياسى ( بناء مؤسسات الدولة الحديثة) على أسس ديمقراطية – تدرجية- منذ تولى قيادته الشابة الحالية الحكم عام 1995. فى هذا الإطار جاء صدور قانون الانتخابات البلدية الذى أعطى المرأة حق التنافس على مقاعد المجلس البلدى المركزى حلقة فى سلسلة من المبادرات السياسية الهامة التى ميزت التجربة القطرية فى محيطها الإقليمى على مدى السنوات الأربعة السابقة بدءا بإلغاء الرقابة المباشرة على الصحف، والإعلان عن وضع نظام أساسى دائم للبلاد(دستور)..الخ.[48]
تقدمت لخوض معركة الانتخابات البلدية ست سيدات معظمهن أكاديميات حاصلات على درجات علمية عليا،[49] وذلك ضمن 227 مرشحا يتنافسون على 29 مقعدا فى أول مجلس بلدى مركزى. مثلت المرشحات بذلك نسبة 2,6% من إجمالى المرشحين فى الوقت الذى وصل فيه عدد الناخبات الى 10 آلاف سيدة مثلن 45% من إجمالى الناخبين.[50] وقد أسفرت العملية الانتخابية عن إخفاق المرشحات الست فى الفوز بأى من المقاعد رغم حصول بعضهن على نسب كبيرة من الأصوات اقتربت بهن من الفوز.
تراوحت التفسيرات التى قدمتها الصحافة أو المرشحات أنفسهن لهذه النتيجة بين عاملين: أولهما التحيز الذكورى ضد النساء سواء اتخذ طابعا فرديا ينبع من الثقافة القبلية التقليدية للمجتمع القطرى المحافظ وينعكس فى عدم الثقة بقدرات المرأة فى الحياة العامة، أواتخذ صبغة أيديولوجية منظمة تحت غطاء الدين كما ظهر واضحا فى الحملة التى شنتها العناصر الأصولية المتشددة إبان الحملة الانتخابية بدعوى معارضة الإسلام للولاية العامة للمرأة.[51] العامل الثانى الذى أشير اليه فى تفسير هزيمة المرشحات القطريات الست هو عدم استقلال القرار الانتخابى للناخبات من النساء أو ضعف وعيهن بالدور الذى يمكن ان تلعبه النساء فى مواقع القرار فى دعم قضايا المرأة ومطالبها؛ حيث فشلت 45% من القوة الانتخابية فى انجاح أقل من 3% من المرشحين.[52] وربما يمكن أن نضيف فى هذ السياق عامل ثالث يتعلق بمسئولية المرشحات الست أنفسهن ومدى نجاحهن فى مخاطبة الناخبين رجالا ونساء لاقناعهم بقدرتهن على التعبير عن مصالح المواطنين فى المجلس.
اتفقت المرشحات أنه رغم الهزيمة فإن مجرد مشاركتهن فى الانتخابات تعد انتصارا بحد ذاته.[53] ومع التجاوز عن المدلول الرمزى لتلك العبارة فإنها تحمل درجة من المصداقية التحليلية. إن القيمة الحقيقية للمشاركة النسائية فى انتخابات المجلس البلدى المركزى إنما تكمن فى الاقتران أو الدمج العضوى بين مفهوم المشاركة النسائية الكاملة وميلاد التجربة الديمقراطية فى قطر منذ لحظة نشوئها بما يعنى ترسيخ حقوق النساء فى الانتخاب والترشيح وإكسابها على المدى المنظور شرعية هى جزء لا يتجزأ من شرعية التجربة الديمقراطية ذاتها. ولعل قيمة هذا الارتباط تتضح بالمقارنة مع حالة الكويت التى افتقرت الى هذا الدمج منذ البداية مما خلف تداعياته السلبية على قضية مشاركة المرأة حتى اليوم. على الجانب الآخر فإن التجربة القطرية تكتسب قيمة أخرى هامة تتمثل فى تداعياتها المنظورة وغير المنظورة على التجارب السياسية المجاورة الأمر الذى تجلت إرهاصاته هذا العام إذ تبع المشاركة النسائية فى الانتخابات البلدية القطرية سلسلة من المطالبات النسائية، أو الوعود من قبل النخب الحاكمة فى البلدان المجاورة بإتاحة مزيد من فرص المشاركة للنساء حذوا لما نالته النساء فى قطر.
الكويت: المخاض الصعب لتمكين النساء سياسيًا
إذا كان إقرار الحقوق السياسية لنساء قطر قد جرى تمريره بيسر من قبل السلطة لكونه جزءًا من الدفعة الأولى للحقوق السياسية للمواطنين القطريين على وجه العموم، فإن عام 1999 قد شهد تجربة جد مختلفة فى الكويت.
رغم الريادة التاريخية للتجربة النيابية فى الكويت خليجيا ( بدأت 1963)، ورغم تبنى النخبة الكويتية الحاكمة نهجا يقوم على تمكين النساء على نطاق واسع من فرص التعليم والرعاية وتبوء المناصب العامة، إلا أن التجربة السياسية الرائدة فى الكويت احتملت منذ البداية نقيصة حجب الحقوق السياسية فى الانتخاب والترشيح عن النساء اللاتى يشكلن ما يزيد عن نصف السكان (50.4 %). وقد أدى ذلك الى إثارة سلسلة من المطالبات والضغوط من النساء بدءًا من السبعينيات تمثلت فى رفع العرائض والتظاهرات ومحاولات اقتحام مجلس الأمة فضلا عن تقديم مشروعات بقوانين الى المجلس من جانب النواب المؤيدين للحقوق السياسية للمرأة. إلا أن تلك المحاولات تصدعت على صخرة المعارضة القوية من جانب بعض القوى الاجتماعية والسياسية المسيطرة. وقد جددت المشاركة النسائية فى الانتخابات البلدية بقطر المطالبات هذا العام فدعت المشاركات فى المؤتمر الوطنى للمرأة الكويتية (13/3/ 1999) مجددا الى منح المرأة الكويتية حقوقها السياسية أسوة بالنساء فى قطر.[54]
فى 16 مايو هذا العام وخلال غياب مجلس الأمة بعد حله دستوريا فاجأ أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح المجتمع الكويتى بإصدار مرسوم أميرى بمنح المرأة حق الانتخاب والترشيح اعتبارا من الانتخابات البرلمانية القادمة والمقرر اجراؤها عام 2003 وذلك إعمالا للمادة 29 من الدستور التى تنص على المساواة بين الجميع فى الحقوق والواجبات. وتبع ذلك اتخاذ الحكومة الإجراءات اللازمة لتعديل مواد قانون الانتخابات التى تقصر حق الترشيح على الذكور من الكويتيين.
وقد تباينت التفسيرات لصدور القرار الأميرى فى هذا التوقيت؛ فسر الجانب الحكومى القرار رسميا بأنه صدر لـ” ينسجم مع أحكام وروح الدستور، ويجسد الغاية المنشودة فيه بتوسيع المشاركة الشعبية وأن تسهم المرأة بدورها فى مسيرة الديمقراطية وإثرائها”.[55] أما أكثر التفسيرات رواجا لدى المحللين ووسائل الإعلام فقد رأى أن المرسوم الأميرى إنما استهدف إعادة التوازن الى الخريطة السياسية والبرلمانية التى تسيطر عليها القوى الإسلامية منذ أكثر من عقد حيث سيؤدى هذا القرار الى مضاعفة قاعدة المشاركة السياسية التى تقتصر حاليا على 113 ألف مواطن يمثلون 14% فقط من الشعب الكويتى.[56]
لقد أثار هذا القرار ردود فعل وتداعيات واسعة النطاق فى النظام السياسى الكويتى جسدت حالة الاستقطاب والاستنفار فى النظام السياسى، كما أسهم بدوره فى تعميق حدة الصراع القائم بين أقطاب هذا النظام ( الإسلاميين فى مواجهة الحكومة، والقوى الليبرالية فى مواجهة القوى الإسلامية.. الخ).
من جانبها اتخذت القوى الإسلامية الأصولية المتعاضدة مع القوى القبلية التقليدية موقف المعارض الرئيسى من القرار. وعبرت عن ذلك فى حملة صاخبة شارك فيها خطباء المساجد وأعضاء الجمعيات الإسلامية محورها كما جاء على لسان السيد عبد الله العلى المطوع رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعى (إخوان) أن هذا المرسوم الأميرى هو “مخالفة شرعية ومعصية”.[57] أما الحجة التى استند اليها هذا الاتجاه فهى آراء السلف من فقهاء السنة فى عدم صلاحية المرأة فى القيام بالولاية العامة.[58] فى إطار هذا التيار العام تفاوتت مواقف الإسلاميين جزئيًا؛ ففى حين اتخذ السلفيون (يمثلهم كتلة التجمع الإسلامى) موقف مناهضة حق الانتخاب والترشيح للمرأة إجمالا، رأى البعض فى تيار الإخوان (تمثلهم الحركة الدستورية) إمكان منح المرأة حق الانتخاب دون الترشيح. واتخذ “التجمع الشيعى” موقفا مقاربا للإخوان.[59] وقد استند الرأى الثانى على أن الانتخاب لا يدخل فى باب الولاية وإنما يدخل فى باب الشهادة التى يقرها الشرع للنساء.
انسحبت ظاهرة التشرذم كذلك على مواقف التيار الليبرالى ؛ فقد أيد الجانب الأكبر منه القرار الأميرى معتبرا إياه خطوة تاريخية “توازى فى عمقها وأثرها السياسى إعلان الدستور عام 1962″، معربا عن أمله فى أن يفتح ذلك الباب أمام تقلد المرأة للوظائف الوزارية (بيان التجمع الوطنى الديمقراطى). غير أن جانبا من الليبراليين أبدى معارضته لا على مضمون القرار المتعلق بتمثيل المرأة نيابيا ومشاركتها فى الانتخابات،وإنما على طريقة صدوره فى غيبة مجلس الأمة والتى تفتقد مشروعيتها من افتقادها لشرط الضرورة الذى ينص عليه الدستور لصدور المراسيم متخوفين من ان يؤدى ذلك الى التوسع مستقبلا فى استخدام المراسيم فى غيبة المجلس دون ضرورة.[60]
بين هذا التيار وذاك هناك من وصفوا بالمعتدلين الذين لم يكتسبوا صبغة أيديولوجية معينة وقد أبدوا قبولهم المتحفظ للمرسوم الأميرى بشرط ” عدم التفريط بالقيم الأخلاقية والدينية “[61] ولم يوضح أصحاب هذا الرأى الصلة بين قضية مشاركة المرأة فى الانتخاب والترشيح وبين التفريط فى القيم الأخلاقية والدينية.
أما عن رأى النساء فى هذه الخطوة-كما عبرت عنه النخبة النسائية فى الكويت من عضوات جماعات النفع العام ورموز المثقفات- فمحوره أن إتاحة حق الانتخاب والترشيح للمرأة هو حق رجع الى أصحابه بمقتضى الدستور أولا الذى سوى بين الكويتيين جميعا فى حقوق المواطنة، ثم بحكم الدور الكبير الذى تلعبه المرأة فى الكويت بالفعل فى الحياة الاجتماعية والعمل العام جنبا الى جنب مع الرجل، ثم أخيرا بحكم التضحيات التى قدمتها النساء إبان الغزو العراقى وصمودهن فى مواجهة قوى الغزو وما دفعته شهيدات وأسيرات من النساء من ثمن لمواطنتهن وانتمائهن لهذا الوطن.[62]
لم ينحصر الجدل الذى أثاره المرسوم الأميرى عند حيز ” الخطاب” و”السجال” بين أطراف العملية السياسية وإنما امتد بدرجة أكثر حدة الى صميم عملية الصراع السياسى بما تنطوى عليه من مواجهات ومساومات بين مختلف القوى خاصة النخبة الحاكمة والقوى التقليدية والأصولية النافذة فى الحياة السياسية الكويتية. وقد مر الصراع بين الجانبين حول القرار بمرحلتين ؛ الأولى إبان الحملة الانتخابية التى بدأت فى أول يونيو حيث نجحت الحكومة فى محاصرة هجوم السلفيين وحملتهم لإثارة الشارع ضد المرسوم وذلك من خلال حملة حكومية مضادة لقضية تمويل الجمعيات الإسلامية ومصارف إنفاق أموال الزكاة الواردة لها، والوضع القانونى للجان الخيرية التى تديرها تلك الجمعيات والتى تعمل بدون ترخيص. وأدت هذه الحملة الحكومية المضادة -وما رافقها من شد وجذب وعمليات تساومية – أدت الى احتواء الصدام مؤقتا وتعديل بعض المواقف المتشددة لبعض تلك الرموز والجماعات مثل لجنة “استكمال تطبيق الشريعة الإسلامية” التى تراجع رئيسها خالد المذكور عن موقفه المتشدد من حقوق المرأة السياسية بعد أسبوعين من القرار وأعلن للرأى العام أن “حقوق المرأة السياسية حسمت. وأن حقوق المراة لها أبعادها الشرعية والاجتماعية. وهى من المواضيع المختلف عليها من الناحية الشرعية.. وكل له دليله وحجته.. إذا كان هذا الموضوع مختلفًا فيه شرعًا وليس هناك دليل قاطع فيه، فإنه يجوز لولى الأمر أن يختار من هذه الأقوال ما يراه مناسبا..وباختياره يحسم النزاع”.[63]
المرحلة الثانية للصراع حول إقرار حقوق النساء الكويتيات بدأت مع بدء اجتماعات مجلس الأمة الجديد فى أكتوبر حيث دخلت دورها الحاسم بعرض المرسوم الأميرى على المجلس لإقراره. وقد أدى التحالف الأصولى – القبلى الى جانب الدستوريين الى إسقاط المرسوم فى 23 نوفمبر بأغلبية 41 نائبا وتأييد 21 منهم 13 وزيرا. ورغم إعداد أنصار حقوق المرأة فى البرلمان مشروع قانون يتجاوز المآخذ الشكلية واالدستورية للمرسوم الأميرى وإن طابقه فى المضمون فقد نجح التحالف القبلى- الأصولى مرة أخرى فى إسقاط القانون فى نهاية شهر نوفمبر بفارق صوتين ( 32 من الرافضين مقابل 30 من المؤيدين وامتناع اثنين عن التصويت).
لقد وصف المراقبون هذه النتيجة بأنها “انتصار للإسلاميين وتأكيد لحضورهم القوى وقدرتهم على رفض مالا يتفق مع قناعاتهم”، وأشار رأى آخر الى أنها نهاية أرادتها كذلك الحكومة التى لم تستهدف حقا إعطاء المرأة حقوقها وإنما مجرد إثارة قنبلة دخان لصرف أنظار الشعب عن مشاكل رئيسية يفترض فى الحكومة معالجتها. [64]
أيا ما كانت مصداقية تلك التحليلات فإن الأمر الذى لا مناص منه أن قضية حقوق المرأة السياسية فى الكويت بعد وقائع المرسوم الأميرى ونهايته الدرامية لن تعود الى ماكانت عليه ما قبل هذه المرحلة. إن تلك القضية التى تعامل معها البعض كلعبة من “ألعاب الحرب” أو المناورة بين الحكومة وخصومها الأصوليين قد تجاوزت حدود الدور المرسوم لها لأنها أحدثت ثورة أخرى غير محسوبة فى التوقعات وفى الوعى ليس فقط لدى 50% من الشعب الكويتى وإنما لدى قطاع كبير من نساء ورجال المنطقة والعالم العربى والإسلامى الذين تابعوا باهتمام المراحل المختلفة لمعركة الحقوق السياسية للنساء فى الكويت. ولا شك أن هذه المعركة بكل ملابساتها وتعقيداتها قد انتجت رؤى أكثر نضجًا لدى هؤلاء حول قيم ومشكلات المواطنة والمساواة فى المجتمع الإسلامى، وأهمية الحقوق السياسية للمحرومين منها رجالا ونساء، كما انتجت وعيا بخطاب وآليات القوى المعادية لنهوض المرأة المسلمة وتفعيل دورها وإن استتر خطابها وآلياتها بشعار ومقولات الإسلام، و كشفت أزمة المرسوم الكويتى أن تلك القوى “التقليدية” المعادية لنهضة الأمة لم تعد تستمد ما بقى لها من قوة إلا من الإبقاء على وضعية استضعاف النساء فصار جل هدفها كما قال أحد رموزها التصدى لـ ” مشروع المرأة وليس المرسوم فقط”.[65]
أوضاع التمكين السياسى للنساء فى المجالس التمثيلية فى مناطق أخرى
أولاً- فى منطقة الخليج أحدثت التطورات سالفة الذكر فى كل من قطر والكويت صداها فى بلدان الخليج المجاورة ؛ فى البحرين تعهد رئيس الحكومة البحرينى عقب تولى أمير البحرين الجديد الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة بتعزيز دور المرأة كأحد أهداف حكومته الجديدة وبرامجها.[66] وفى ديسمبر أعلن أمير البحرين إحياء نظام الانتخابات البلدية بمشاركة المرأة وكل الفئات الاجتماعية باعتبار الانتخابات البلدية “هى البداية الصحيحة للتمثيل الشعبى على مستوى القاعدة”.[67] وفى عُمان أعلن رئيس مجلس الدولة العمانى أنه لا حدود لدور المرأة اجتماعيا وسياسيا مشيرا إلى الطابع التدرجى لتطور دور المرأة الذى يسير متوازيًا جنبا الى جنب مع تطور النهضة فى عمان. كما أشار الى المواقع التى تحتلها المرأة فى مراكز صنع القرار ذات الصفة شبه التمثيلية حيث تحتل 4 مقاعد فى مجلس الدولة المعين بقرار سلطانى والذى يتولى مراجعة مشروعات القوانين، كما تحتل مقعدين فى مجلس الشورى.[68]
يبقى من أبرز التداعيات الخليجية لأحداث قطر والكويت ذلك الجدل الذى ثار فى المملكة العربية السعودية – الدولة المحورية بين دول الخليج وأكثرها محافظة- حول تدعيم دور المرأة هناك. تفجر الجدل عقب خطاب الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولى العهد فى المنطقة الشرقية لذى تعرض فيه لدور المرأة والتزام حكومة المملكة إزاءها بقوله ” لن نسمح لكائن من كان أن يقلل من شأنها، أو يهمش دورها الفاعل فى خدمة دينها وبلادها”.[69] ورغم منطقية هذه العبارة وعموميتها فقد أثارت فى ظل الواقع السعودى المحافظ الذى يسوده المذهب الوهابى المتشدد إزاء المرأة ردود فعل واسعة وتفسيرات وتأويلات عدة حول عزم النظام السعودى إفساح المزيد من مجالات الحركة والتمكين أمام المرأة. وقد كان للخطاب تداعياته تلك الى حد استدعى أن يدلى مصدر مسئول بتصريح قال فيه إن خطاب الأمير عبد الله “ارتكز على ضوابط شرعية لا تحتمل التأويل، فهى تفسر نفسها. أما جنوح البعض ولجوئهم الى تفسيرات لا تمت للخطاب بصلة سواء الدعوة الى تحرير المرأة أو غيره فهذه ينظر اليها على انها تجاوزات واجتهادات فردية”.[70]
كان خطاب الأمير عبد الله بما يحمل من روح جديدة ومنهج جديد فى التعاطى مع دور المرأة قد سبقته ارهاصات هامة تمثلت فى تصريحات نسبتها وسائل الإعلام الى مصادر سعودية “رفيعة المستوى”. وتعد تلك التصريحات من الأهمية بمكان فى لغتها ومضمونها بما يشير إلى تنامي فكر جديد بشأن المرأة فى المملكة وداخل بنية السلطة. وقد دعت تلك المصادر إلى توسيع دور المرأة بعد أن تعلمت وحصلت على الإجازات العلمية مؤكدة أن المجتمع لن يتوازن إلا بدور المرأة. وشدد هذا المصدر رفيع المستوى على أهمية عمل المرأة وانه لا يعنى إفسادها أو تعطيل قدراتها. ودعا إلى فتح حوار حول الموضوع بعيدا عن فرض الآراء وصولا الى رؤية وسط لتفعيل القدرات المعطلة والإفادة منها. أكد هذا المصدر- أو هذه المصادر- على أن الاجتهادات الفردية الموجودة الآن غير كافية، وركز على ضرورة الابتعاد عن قشور قضية المرأة مثل كشف الوجه وقيادة السيارات، حيث الأولى هى قضية خلافية والثانية تقنية فنية. وأخيرا أشار إلى أن هذه الدعوة لا تخل بالثوابت فى أحكام الشريعة، وأن الدين الإسلامى يخاطب الجميع وأنه ” لا كهنة فى السعودية”.[71]
وفى بادرة لها دلالتها أعلن رئيس مجلس الشورى السعودي عن السماح للنساء اعتبارا من شهر أكتوبر بحضور جلسات المجلس المكون كله من الذكور بصفة مراقب. غير أن رئيس المجلس الذي ينتمى إلى التيار التقليدي للعلماء فى السعودية رهن ذلك بسلسلة من القيود والإجراءات والمحددات بدعوى ” أن على النساء اللاتى سيحضرن الجلسات أن يحترمن القواعد والعادات والتقاليد ومبادىء الدين”.[72] من بين تلك الإجراءات الفصل الكامل بين النساء من الحضور والرجال فى المجلس ( جلوس النساء فى شرفات مستقلة مرتفعة ومنفصلة لها مدخل خاص خارج المجلس، وبعيدة عن الاحتكاك والاتصال بأعضائه، ووضع حاجز بين النساء بحيث لا يسمح برؤية أحد من القاعة لمن فى الشرفة ).[73]غير أن تلك الشروط لم تلبث أن اتسعت بحيث تسلب قرار حضور النساء الجلسات مضمونه ومعناه الحقيقى وفرص تطوره؛ فقد شدد رئيس المجلس على عدم السماح للنساء المراقبات بالمشاركة فى النقاش والمداولة أثناء الجلسات، كما أكد أن تعيين النساء أعضاء فى المجلس “غير وارد إطلاقا ولم يجر بحثه أو التفكير فيه ذلك أن عمل الشورى من الولايات العامة وهو نوع من القوامة الخاصة بالرجال”.[74]
من الطرح السابق يظهر جليًا أن فرص مشاركة المرأة وتمكينها سياسيا فى منطقة الخليج تتراوح بين تجارب سلسة تتقدم فيها حقوق المرأة بمقدار تطور النظام سياسيا كما فى التجربتين العمانية والقطرية، وبين نماذج أخرى تنبىء بتطور محفوف بالصراعات بين قوى سياسية متناقضة ؛ بعضها لا يجد تناقضا بين مشاركة المرأة الفعالة والدين الإسلامى، وقوى أخرى تقليدية سلفية المنزع تصر على وضع المرأة فى الإطار والحدود التى رسمتها بعض المدارس الفقهية قبل قرون معتبرة أن هذا الاستنباط الفقهى هو الدين أو على الأقل هو التفسير الوحيد والنهائى لأحكام المرأة فى الدين الإسلامى.

رؤية عامة عن حالة مشاركة المرأة فى مؤسسسات صنع القرارفى النظم العربية

أولا- الانتخابات والمؤسسات التمثيلية

رغم مضى ما يقرب من نصف قرن على إقرار حقوق المرأة سياسيا فى العالم العربى (إقرار حقها الدستورى /لبنان 1952، وانتخاب أول امرأة عربية فى مجلس تشريعى /مصر 1957) إلا أن السمة العامة للمشاركة الفعلية للنساء فى الحياة النيابية -انتخابا وترشيحا- وفى المؤسسات العليا لاتخاذ القرار السياسى قد اتسمت بالتعثر المطرد خاصة إذا ما خرجت تلك المشاركات عن إطار الدعم الحكومى المباشر واتخذت طابع الاستقلالية كما هو مفترض.
فى الجزائر هذا العام أخفقت السيدة لويزة حنون زعيمة حزب العمال الجزائرى (منذ عام 1990) فى التأهل لانتخابات الرئاسة بعد أن عجزت عن جمع 75 ألف توقيع يؤيد ترشيحها فى بلد تمثل فيه النساء ما يقرب من 50% من السكان. بل لقد رصد المراقبون لانتخابات الرئاسة الجزائرية انخفاض نسبة مشاركة النساء بشكل ملموس، واستمرار ظاهرة توكيل أعداد كبيرة من النساء أزواجهن وأقاربهن من الذكور فى الإدلاء بالصوت نيابة عنهن فى صناديق الاقتراع، مما يعنى -فى الحالتين- تخلى النساء عن ممارسة حقهن الانتخابى.[75]
فى اليمن رشحت سيدة الأعمال ابتسام الحمدى نفسها فى الانتخابات الرئاسية التى جرت فى أواخر مارس لتكون أول امرأة يمنية تنافس على منصب الرئيس. وقد اعترفت السيدة ابتسام أنها لا تعول أى أمل على فرص نجاحها منوهة الى الطابع الرمزى لقرارها بالمشاركة. وعللت قرارها بأن النظر للأشياء بعين المستحيل يجعل الإنسان عاجزا عن تحقيق أى شىء لنفسه ولمجتمعه، وأن دافعها لخوض المعركة هو حرصها على ترسيخ مبدأ الديمقراطية والتداول السلمى للسلطة واختبار مدى صمود النصوص الدستورية التى تعطى المرأة حق الترشيح والانتخاب على مستوى الممارسة العملية.[76]
وفى الانتخابات البلدية الأردنية التى جرت فى يوليو بالأردن أشارت وسائل الإعلام إلى تواضع مشاركة النساء فى تلك الانتخابات بشدة.[77] وتكاد تكون التجربة الإيجابية الوحيدة فى المشاركة النسائية فى الانتخابات على المستوى العربى هذا العام هى التجربة التونسية، حيث سجلت الانتخابات النيابية التى جرت فى الرابع والعشرين من أكتوبر زيادة فى نسبة النساء المرشحات (بلغ عدد المرشحات 110 من إجمالي 950 مرشحا بنسبة 11.5% تقريبًا). وقد فازت النساء فى الانتخابات بـ 21 مقعدًا من مجموع 182 مقعدًا بنسبة 11.5% تقريبًا). غير أن هذا الإنجاز النسبى يمكن تفسيره بمساندة الحزب الحاكم لمرشحاته من النساء عبر نظام القوائم حيث فازت كل مرشحات الحزب الحاكم ( عددهن 20 من 21 امرأة هن اجمالى النساء الفائزات).
وقد أشار تقرير دولى صادر هذا العام حول نصيب المرأة فى المجلس النيابية الى ظاهرة تراجع إسهام المرأة العربية فى المشاركة فى تلك المجالس. حيث الوطن العربى هو أقل مناطق العالم من حيث نسبة تمثيل المرأة نيابيًا ولم يتجاوز المقاعد التى حصلت عليها النساء فى مجالس النواب نسبة 3.6% بفارق كبير عن الرقم السابق مباشرة وهو مشاركة النساء فى أفريقيا جنوب الصحراء التى تجاوزت 10%، وآسيا حيث حصلت النساء على 14.6% من المقاعد النيابية.[78] وتشير تلك الظاهرة الى مسئولية ثلاثة أطراف عن هذا التدهور فى إسهام المرأة فى واحد من أهم مؤسسات صنع القرار فى النظم السياسية المعاصرة: أولها المجتمع (من خلال القوى التقليدية النافذة فيه التى تواصل بدأب وضع العراقيل أمام تفعيل مشاركة النساء)، والطرف الثانى هو الدولة عبر إهمالها تفعيل النساء فى مجال الانتخاب والترشيح من خلال تبنى ترشيحهن عبر القوائم الحكومية وغيرها، وأخيرا النساء أنفسهن اللاتى يهدرن طواعية المكاسب التى ناضلت من أجلها أجيال سابقة من النساء، كما يتخلين عن أهم أدوات الدفاع عن مصالحهن فى التشريعات والقوانين.
التمكين على صعيد المناصب الحكومية والإدارية العليا
واصلت النظم العربية نهجها فى الاستعانة بين حين وآخر بعدد من الرموز النسائية فى مناصب الإدارة العليا بما فى ذلك فتح مجالات جديدة أمام تلك الرموز، غير أن هذا النهج ظل كدأبه يسير بمنهجية محسوبة وفى أطر رمزية فسرتها إحدى المثقفات الجزائريات بأنها استهدفت “مجرد تزيين الواجهة من دون إحداث تغيير”.[79]
فى هذا الإطار يذكر على سبيل المثال إسناد منصب حاكم مدينة تيباز فى الجزائر الى السيدة نوريايمينا زرهونى بقرار من الرئيس بوتفليقة لتكون أول امرأة تتولى منصب المحافظ ( الوالى) فى تاريخ الجزائر. فى هذا العام تم أيضا تعيين أول سفيرة فى كل من اليمن ( أمة العليم السوسوة) وعُمان (خديجة بنت حسن اللواتى) والبحرين ( هيا بنت راشد)، كما ازداد اعتماد وزارة الخارجية المصرية بوضوح على العنصر النسائى فى المناصب القيادية العليا فبلغ عدد رئيسات البعثات الديبلوماسية 17 سيدة من بين 149 بعثة فى مختلف أنحاء العالم وتولت سيدتان منصب مساعد وزير الخارجية. فى عمان تم تعيين أول امرأة فى مجلس إدارة الغرفة التجارية العمانية، وأول امرأة فى أول مجلس لرجال الأعمال فى عمان بقرار سلطانى. فى اليمن تم كذلك إسناد منصب رئيس هيئة عامة لأول مرة إلى سيدة هى د. فتحية سهران رئيسة هيئة التأمينات والمعاشات. وفى المغرب تم تعيين إمرأة ( السيدة نزهة حياة) كأول رئيسة لجمعية مهنيو شركات البورصة المغربية. أما فى قطر فقد تم تشكيل مجلس أعلى للأسرة أسندت رئاسته للشيخة موزة بنت مسند قرينة أمير الدولة. وفى السعودية عينت أول سيدة فى منصب مستشار وزير الإعلام. وفى مصر كذلك تولت سيدة رئاسة الوحدة المحلية لقرية شبرا منت لتكون بذلك أول امرأة تتولى رئاسة وحدة محلية منذ بدء نظام الإدارة المحلية فى مصر.
أما المقاعد الوزارية فلا يزال نصيب النساء منها – حتى الكوادر العليا منهن- عند حدوده الدنيا، بل فقدت النساء فى بعض البلدان ما كان لهن من نصيب محدود أصلا كما فى المغرب حيث خصصت الحكومة المغربية الجديدة حقيبتين وزاريتين فقط للنساء ( مقابل 38 حقيبة وزارية للرجال) بعد أن كان النساء يحظين بأربعة مقاعد حكومية فى ظل وزارة عبد اللطيف الفيلالى رئيس الوزراء الأسبق.
لقد تناول تقرير التنمية البشرية لعام 1999/2000ما أسماه بالفجوات النوعية فيما يتعلق بمساهمة الجنسين فى المناصب الوزارية والإدارية العليا ( ما تحت الوزارية) مقدما طائفة واسعة من الإحصاءات الخاصة بمختلف البلدان الإسلامية طبقا لآخر إحصاءات متاحة (1996).[80] سجلت بعض البلدان الإسلامية صفرا على المستويين الوزارى وما تحت الوزارى مثل قطر والبحرين والإمارات والسعودية ولبنان والعراق واليمن ( يلاحظ أن كلها دولا عربية). بخلاف تلك الدول فقد تحققت أعلى نسب “توزير” النساء فى كل من قرغيزيا (10.5%) مالى 10% تشاد 8,7%، بنجلاديش ونيجريا وأذربيجان 7.7%. أما أعلى رقم للتوزير فى المنطقة العربية فقد سجلته سوريا 6.8% يليها الأردن 6.1%.
على المستويات الإدارية العليا ( تحت الوزارية) سجلت أعلى أرقام توظيف النساء فى كل من ألبانيا 14%، قرغيزيا 12%، تونس 10.9%، الجزائر 8.3%، الكويت 6.7%. هذا بينما حققت دولا إسلامية مركزية أرقاما متواضعة أو متوسطة على مستوى التوزير والقيادات العليا على حد سواء مثل: أندونيسيا (3.6%-6.9%) باكستان (4%- 2.2%) إيران (صفر- 5%) تركيا ( 2.9%- 5.6%) مصر (3.1%- 4.5%) نيجريا ( 7.7%- 5.6%).
وتثير حالة التعثر التى تكتنف الجهود الخاصة بتمكين النساء من المناصب الوزارية والإدارية العليا فى البلدان الإسلامية العريقة فى فتح أبواب العمل العام أمام المرأة العديد من التفسيرات؛ من بين تلك التفسيرات القول بأن قضية توظيف المرأة أو التعامل معها فى تلك النظم لا تزال رهن معايير نوعية خاصة (تهدف غالبا إلى مجرد الإثبات الرمزى لموقف النظم الداعم للمرأة) وهى لم تصر بعد بأى حال جزءًا من المعايير العامة للاختيار والتجنيد. وفى المقابل قد يفسر ذلك أيضا بضعف أو ندرة الكفاءات النسائية أو ربما عدم تميزها نتيجة الشواغل التقليدية للمرأة التى تصرفها كثيرا عن اكتساب المهارت اللازمة للعمل العام قياسا بالرجل المتفرغ لهذه المهمة. وهذا ما ينتقل بنا إلى سياسات التمكين فى الفرص التعليمية والعملية التى تنصب حول تشكيل القدرات.
سياسات التمكين من المشاركة فى فرص التعليم والعمل والصحة
إذا كانت توجهات التمكين السياسى فى العالم العربى والإسلامى تتسم إلى حد كبير بطابع التحفظ نتيجة اصطدامها بمصالح وطيدة للقوى صاحبة التأثير والنفوذ فى المجتمع والتى تجد فى منافسة المرأة مزاحمة لها على مراكز صنع القرار المحدودة أصلا، فإنه من المفترض أن تكون سياسات وبرامج تمكين المرأة فى مجالات التعليم والعمل والصحة على العكس من ذلك باعتبارها جزءا لا يتجزأ من عملية التنمية المتسارعة والقضاء على مكامن التخلف. ويرجع ذلك الى محورية العملية التنموية فى السياسات العامة لتلك البلدان، فضلا عن كون الأوضاع الخاصة بالمرأة من أكثر المجالات والمناطق تخلفا بما يستقطب جهود التنمية إليها. غير أن هذه الرؤية لا تبدو بدورها واضحة فى البيانات المتاحة بشأن جهود التمكين فى البلدان الإسلامية فى مجالات التعليم والعمل والصحة كما يظهر من الجدول المستخرج من إحصاءات تقرير التنمية الدولية الصادر عن البنك الدولى لعام 1999/ 2000[81]. (انظر الجدول ص: 270)
من بيانات الجدول نرصد عددًا من الملاحظات:
1- فيما يتعلق بالعمر المتوقع عند الميلاد والذى يشير الى مستويات العناية الصحية التى يتلقاها الفرد يظهر بصفة عامة ارتفاع العمر المتوقع عند الإناث عن الذكور. ويرجع ذلك من حيث المبدأ الى اعتبارات بيولوجية وفسيولوجية تسود فى كل مناطق العالم دون تخصيص. غير أنه فى إطار هذه القاعدة العامة تتضح بشدة الفوارق بين المناطق الأكثر تطورا أو ثراء والبلدان الأكثر تخلفا وفقرا مثل بلدان أفريقيا جنوب الصحراء التى تعصف بها الأمراض ومعضلات الفقر مما يؤدى الى الانخفاض النسبى لأعمار النساء والرجال على حد سواء (راجع الأرقام الخاصة بكل من تشاد والسنغال ونيجريا ومالى وإريتريا وموريتانيا ). كما تعكس بعض تلك الأرقام نجاحا فى السياسات والبرامج الصحية الخاصة بالمرأة والتى حققت فيها بعض البلدان إنجازات ملموسة مثل الحالة المصرية التى نجحت بالتعاون مع برامج الأمم المتحدة فى إحراز نتائج باهرة فى مجال صحة الأم والطفل وخفض الوفيات بين هاتين الشريحتين. وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد بلغت نسبة الوفيات من الأمهات أثناء الولادة وبعدها فى عام (1998) 174 لكل مائة ألف حالة، واستطاعت الحكومة المصرية من خلال مشروع “الأمومة الآمنة” لزيادة بنوك الدم على مستوى الجمهورية أن تحقق انخفاضا فى نسبة وفيات الأمهات بسبب الولادة إلى 132 حالة لكل مائة ألف خلال ستة شهور فقط.[82]
2- فيما يخص الأرقام الخاصة بمعدلات الالتحاق بالتعليم الإلزامي فالملاحظ أن الجدول يتسم بنقص كبير فى البيانات يجعل من العسير استنباط أية اتجاهات منه. غير أن هذا النقص – كما هو واضح فى الجدول الأصلي الوارد فى تقرير البنك الدولي- لا يقتصر على البلدان الإسلامية والنامية، بل نجد قصورا فى بيانات العديد من الدول المتقدمة كذلك كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
3- تشير الأرقام الخاصة بتطور نسبة العمالة النسائية الى إجمالى القوى العاملة الى درجة عالية من التذبذب بين مختلف البلدان الإسلامية. يلاحظ أن بعض البلدان قد شهدت استمرارا فى ارتفاع النسبة بمعدل متدرج متوسط (مثل مصر، إندونيسيا، إيران، باكستان والجزائر) كنتيجة لاستمرار آليات تعليم الإناث واقتحامهن كمعروض سوق العمل سواء فى إطار مخطط تنموى قائم أو كامتداد لإنجازات تنموية تمت فى مراحل سابقة. وهناك بلدان أخرى تحركت فيها النسبة بالسلب. ويظهر ذلك بصفة خاصة لدى مجموعة الدول المستقلة حديثا من جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق والتى تأثر فيها وضع المرأة دون شك بالأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تكتوى بها اقتصادياتها. فى المقابل حققت بلدان إسلامية طفرة فى حجم المساهمة بلغت الضعف أو أكثر مثل (السعودية والكويت) ويرجع ذلك الى تأثيرات الطفرة التنموية التى ارتبطت بالحقبة النفطية.
رغم أهمية الأرقام والإحصاءات واستعراض الخطوط العامة المعلنة للسياسات الرسمية لتمكين المرأة وتوفير الفرص الاجتماعية والاقتصادية لها، الا أنها لا تغنى بأى حال عن الدراسة الكيفية لواقع المرأة فى المجتمع وفهم عناصر واتجاهات الثقافة التحتية لذلك المجتمع االتى تظل لها القدرة التفسيرية الأكبر لعوامل التعثر أو النهوض فى واقع المرأة. يتجلى ذلك على سبيل المثال من المقارنة بين حالتين متقاربتين (جغرافيًا وثقافيًا) ولكنهما يقدمان نموذجين متباينين لنجاح أو إخفاق السياسة الخاصة بتعليم الإناث .
فى اليمن على سبيل المثال ورغم تبنى الدولة سياسة رسمية تشجع على تعليم الإناث فى كافة مراحل التعليم الى حد أن اتخذت الحكومة اليمنية قرارا بإعفاء الإناث من رسوم التعليم فى كل المراحل، إلا أن الأرقام الخاصة بإقبال الفتيات على الاستفادة من تلك الفرصة جاءت مخيبة للآمال. ففى المرحلتين الأساسية والثانوية لم تتجاوز نسبة الفتيات 32%، وينخفض هذا الرقم الضئيل أصلا إلى 17% فى التعليم الجامعى. وتشير التقارير إلى أن الاتجاهات الثقافية السلبية لدى الأسرة اليمنية إزاء المؤسسة التعليمية كمؤسسة حديثة والاعتقاد فى وجود تأثير سلبى للتعليم الحديث – خاصة المستوى الجامعى- على مؤسسات الأسرة والزواج هو العامل الأساسى لهذا التعثر.ويشير أحد التقارير الهامة فى هذا الصدد الى شيوع الاعتقاد لدى الأسر والآباء بأن التعليم -خاصة العالى – يؤثر فى فرص الزواج ويزيد من احتمالات العنوسة لدى الفتيات، كما يؤدى الى تغيير نظام القيم -التقليدى- لدى الفتاة سلبا نحو إضعاف التزاماتها تجاه أسرتها وطاعتها للآباء والإخوة الذكور ويخلق لديها القدرة على الرفض والقبول وممارسة حرية الإرادة إزاء مراكز السلطة التقليدية فى العائلة. كذلك يقترن العزوف الواضح عن تشجيع الفتيات على التعليم الجامعى بالاعتقاد فى مفاسد نظام التعليم المختلط وارتباطه بمفاهيم تسىء الى سمعة الفتاة وأخلاقها. وأخيرا يبرز المتغير الاقتصادى متمثلا فى انخفاض مستوى الدخول كعنصر هام تدفع الفتيات ثمنه نتيجة تفضيل تعليم الذكور تحت وطأة الموارد المحدودة.[83]
فى مقابل الخبرة اليمنية يقف النموذج السعودى فى تعليم الفتيات كنموذج ناجح استطاع تحقيق قفزات سريعة رغم حداثة سياسة تعليم البنات كجزء من السياسة العامة، ورغم الطابع التقليدى للثقافة والمجتمع السعودى الذى لا يقل فى محافظته عن الخبرة اليمنية وإن زاد نتيجة تبنى مذهب فقهى أكثر تشددا إزاء النساء ( الوهابية). حسب إحصاءات وزارة التخطيط السعودية فقد ازدادت مدارس البنات بين عامى 70/1998 بمعدل سنوى 11.5% فى مقابل 5% لمدارس البنين. كذلك إزدادت أعداد الطالبات فى نفس الفترة بمعدل 10.3% (فى مقابل 6.1% للبنين). وقد زاد عدد خريجات المدارس الثانوية من 369 خريجة عام 1970 الى 57841 عام 1997. أما فى التعليم العالى فقد ارتفع رقم الخريجات من 13 شابة سنة 1970 (مقابل 795 شابًا) الى 15707 خريجة عام 1997 مقابل 15471 خريجا من الذكور بمعنى أن نسبة الخريجات من الجامعة قد فاقت نسبة زملائهن من الرجال.[84] لا شك أن العامل الاقتصادى ممثلا فى الطفرة النفطية وتأثيراتها على الاقتصاديات العامة والخاصة فى المجتمع السعودى قد أسهمت بدور كبير فى هذا التطور فى سياسات تعليم الإناث، غيرأن العامل الاقتصادى لا يكفى وحده لتفسير تحييد تأثيرات الثقافة التقليدية فى تعويق العملية التعليمية خاصة فى ظل ما هو معروف من وجود معارضة شديدة عند بدء الأخذ بسياسات تعليم الفتيات كسياسة عامة من قبل مؤسسة العلماء. ويمكن فى هذا الصدد الإشارة الى ما تبرزه الخبرة السعودية من أهمية تمتع السياسة العامة تجاه تمكين النساء بدرجة عالية من التكيف مع الواقع الاجتماعى والثقافى بما يتيح لها النفاذ من العراقيل التى يفرضها ذلك الواقع مع العمل تدريجيا على تغييره على المدى البعيد. ويتجلى ذلك فى تبنى السياسة التعليمية السعودية نظام التعليم غير المختلط حتى الجامعة مما أدى إلى إسقاط أرتال من الذرائع والمخاوف والاتهامات التى كان يمكن أن تودى بتجربة تعليم لنساء فى مجتمع تقليدى كالمجتمع السعودى إلى فشل حتمى.
إن أرقام الجدول السابق تمثل محصلة للسياسات والظروف المحيطة بأوضاع المرأة فى الماضى لكنها لا تنبئ باتجاهات المستقبل فى ظل السياسات الاجتماعية الجديدة للعديد من البلدان الإسلامية. فرغم تبنى أغلب االبلدان الإسلامية وبلدان العالم الثالث سياسات عامة تشجع على مشاركة النساء فى فرص التعليم والعمل إلا أن المؤشرات تدل على تجمع عوامل عديدة تهدد مستقبل تلك المشاركة فعليا خاصة فى مجال مشاركة المرأة فى سوق العمالة. بل إن أبرز تلك العوامل ينبع من السياسات الحكومية نفسها فى ظل ما يعرف بسياسات الخصخصة التى تتجه اليها أغلب الاقتصاديات العالمية حيث تتجه الى إفساح مجالات أوسع لنشاط رأس المال الخاص وانسحاب الحكومات من العديد من الأنشطة الاقتصادية والإنتاجية. وينبئ هذا الاتجاه بمزيد من التقلص لمشاركة المرأة فى سوق العمل فى ظل عزوف القطاع الخاص عن الاستعانة بالنساء بصفة عامة بسبب عدم ملائمة ساعات العمل الطويلة والقيود الخاصة بأجازات العمل فى القطاع الخاص للمرأة فى ظل تعدد أدوارها وأعبائها الاجتماعية المنزلية. وهذا ما بدأت إرهاصاته فى الظهور لدى بعض البلدان الإسلامية مثل مصر التى يمضى اقتصادها بخطوات نشطة فى مجال الخصخصة ومعه يتزايد العزوف عن توظيف النساء فى هذا القطاع المتنامى الذى لا تشكل النساء فيه سوى نسبة 16% من العاملين.[85]
تشير المشكلات المعقدة الخاصة بتمكين المرأة إقتصاديا واجتماعيا فى العالم الإسلامى والعربى الى الأهمية الكبيرة لانتهاج أساليب ومناهج فعالة وغير تقليدية فى مواجهة تلك المشكلات. وفى هذا الصدد نشير الى تجربتين إحداهما قُطرية والأخرى إقليمية كنماذج لتلك الاتجاهات غير التقليدية فى معالجة قضايا الفقر والحاجة لدى النساء بما لهما من آثارمدمرة على أسرهن، وطرح مخارج فعالة لتمكين النساء اقتصاديا واجتماعيا بما يعود بالنفع على المجتمع بأسره.
التجربة الأولى هى تجربة “الصندوق الاجتماعى” فى مصر والذى يتولى بصفة عامة تقديم قروض ومساعدات لتمويل المشروعات الصغيرة. وقد أنشأ الصندوق الاجتماعى وحدة للمرأة والتنمية لضمان حصول المرأة على نسبة من المشروعات الصغيرة التى يمولها. واستطاع الصندوق أن يصل بنسبة مشاركة النساء فى مشروعاته منذ إنشائه عام 1991 وحتى عام 1999 الى 30% من المشروعات البالغ عددها 120 ألف مشروع. إهتم الصندوق الاجتماعى كذلك بفتح مجالات غير تقليدية لمشروعات النساء مثل الصناعات المعدنية والبلاستيك والأثاث والرخام. كذلك تجاوزت اهتماماته بتمكين المرأة جانب تمكينها إقتصاديا الى الإطار المعرفى اللازم لهذا التمكين عن طريق التدريب ورفع الوعى؛ ومن أمثلة هذا النشاط مشروع محو الأمية القانونية للنساء الفقيرات فى بعض الأحياء الشعبية فى القاهرة لتعريف النساء بالحقوق التى كفلها لهن القانون. وكذلك تدريب القيادات الشعبية على نشر التوعية القانونية بين النساء والذى شمل 720 سيدة من القيادات الشعبية النسائية.[86]
فى النطاق الإقليمى يبرز نشاط “برنامج الخليج العربى لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية” حيث طرح البرنامج هذا العام مشروعين هامين فى مجال تمكين الفئات المهمشة فى المجتمع العربى يعكسان الرؤى غير التقليدية. المشروع الأول هو جائزة البرنامج للمشروعات التنموية الرائدة وتغطى ثلاثة محاور: أولها مكافحة الفقر والتخفيف من حدته فى المجتمع من خلال مجالات التدريب وتقديم القروض صغيرة الحجم. الثانى تدريب المرأة الريفية للاعتماد على الذات مما يعود بفائدة قصوى- حسب رأى رئيس البرنامج الأمير طلال بن عبد العزيز – على الأسرة الريفية التى تمثل الغالبية العظمى من الشعوب النامية وهى جائزة موجهة الى الجمعيات الأهلية. أما الثالثة فتتجه إلى تأهيل أطفال الشوارع والمشردين ودمجهم فى المجتمع. أما المشروع الثانى فيتجلى فى الاقتداء بأحد المشروعات الرائدة عالميا فى مجال مكافحة الفقر وتمكين النساء الفقيرات والمعروف ببنوك الفقراء والنساء فى بنجلادش. وقد أعلن رئيس برنامج الخليج عن مشروع مماثل فى النطاق العربى تحت إسم “بنك الأمل” تقرر فتح أول فرعين له فى القاهرة ولبنان ويتجه الى إقراض النساء المعدمات لتمويل مشروعات إنتاجية لهن كأحد سبل مكافحة الفقر والمشاكل االتى تصاحبه.[87]
يكتسب المشروعان السابقان قيمتهما من كونهما يضعان اليد على واحدة من أكثر المناطق احتياجا وإلحاحًا فى قضية تمكين المرأة إقتصاديا واجتماعيا عن طريق التعليم والعمل ألا وهو تمكين النساء من الطبقات المعدمة والفقيرة من وسائل الكسب والعيش. إن فرص العمل المأجور الشريف وإن كانت تبدو لأغلب النساء المعاصرات- على اختلاف طبقاتهن- ضرورة تمكن المرأة من اتخاذ -أو المشاركة فى اتخاذ- القرارات الخاصة بها وبأسرتها، فإن العمل يصبح لدى قطاع كبير من النساء مسألة حياة أو موت دونها تتعرض المرأة والأسرة للضياع، وهو قطاع النساء المسؤلات عن إعالة أسرهن. وتدل المؤشرات على تزايد أعداد هذا القطاع من النساء بصورة كبيرة فى العالم عموما وفى العالم النامى والإسلامى على وجه الخصوص. ويتزايد إلحاح المشكلة لدى المجتمعات التى تمر بحالات الحروب الخارجية والأهلية مثل كوسوفا وأفغانستان مما يضاعف من نسب المترملات. غير أن هذه الظاهرة صارت تفرض نفسها كذلك فى المجتمعات الإسلامية الأخرى بسبب إرتفاع نسب الطلاق، وهجرة الرجال للعمل فى الخارج بأعداد كبيرة، الى جانب بعض الظواهر المرضية فى المجتمع التى تعجز الرجال عن العمل مثل البطالة وانتشارالمخدرات خاصة فى أوساط الطبقات الفقيرة.
وتقدم الأرقام التالية صورة نموذجية لعمق هذه المشكلة فى حالة بعينها هى نموذج لحالات أخرى متكررة فى شتى المجتمعات الإسلامية. ففى مصر تناولت العديد من الدراسات التى صدرت هذا العام عن مؤسسات رسمية مثل مجلس الشورى والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فضلا عن جهات دولية مثل منظمة العمل الدولية واليونيسيف الأبعاد المتنامية لقضية الأسر التى تعولها نساء وأهمية التصدى لها ومساندتها. أشارت تلك الدراسات الى أن نسبة تلك الأسر تتراوح بين 18% و22% من الأسر المصرية حيث يقدر عددها بنحو مليون و600 ألف أسرة. تشكل النساء المتزوجات منهن نحو 20% وتصل نسبة المطلقات الى 8%. وتعانى غالبية هذه الأسر من مشكلات اقتصادية عميقة بشكل أو آخر فقد أشارت الدراسات الى أن نسبة 81% من النساء المسؤلات عن أسرهن يوفرن حاجات تلك الأسر من مصادر ضعيفة وغير ثابتة، فيما تعيش 26% على إعانات الآخرين. ويقطن 29% من تلك الأسر فى الأحياء الفقيرة، ويزيد فقر الأسرة التى تعولها سيدة عن التى يعولها رجل ثلاثة أضعاف، كما ينخفض نصيب الفرد من الدخل بمعدل الثلثين فى تلك الأسر أى بمقدار 100 جنيه شهريا.[88]
سياسات التمكين والعولمة:
يمثل البعد العولمى أحد الأبعاد الهامة فى سياسات التمكين فى العالم الثالث، وأكثرها حساسية وتعقيدا فى العالم الإسلامى. وهو يتجلى فى دور الفاعلين الدوليين مثل الأمم المتحدة أو بعض الدول الغربية والمنظمات الخارجية فى دعم سياسات تمكين المرأة ومشاركتها السياسية والاقتصادية وفرصها التعليمية والصحية فى العالم الثالث.
وللبعد العولمى فى سياسات التمكين آثار متضاربة على وضع المرأة ؛ فهو من جانب يعد قوة دفع كبيرة نحو تنفيذ العديد من البرامج التنموية فى مجالات التعليم والصحة وخلافه بما يوفره من موارد مادية وفنية تقدمها الأطراف الدولية لتلك البرامج مما أدى الى إحراز نتائج هامة فى العديد من بلدان العالم الثالث خاصة على صعيد الرعاية الصحية للنساء وللطفولة. على الجانب الآخر يثير البعد العولمى حساسيات دقيقة فى البلدان المتلقية للدعم على وجه العموم وللبلدان الإسلامية على وجه الخصوص تتمثل فى إثارة قضية السيادة من جانب، ومن جانب أهم التعارض بين المنظومة التى تنطلق منها برامج المرأة المدعومة دوليا وبين الثقافة الذاتية للمجتمعات بصفة خاصة الثقافة الإسلامية من جانب، والمكون التقليدى لثقافة تلك المجتمعات من جانب آخر.
بين مختلف القوى والفاعلين الدوليين فى مجال التأثير على قضية وواقع المرأة يبرز على وجه الخصوص دور الأمم المتحدة كأحد أهم مصادر تأثير وآليات العولمة فى قضية المرأة فى العالم النامى والإسلامى على وجه الخصوص. وينبع خطورة دور الأمم المتحدة فى التأثير على واقع المرأة فى البلدان النامية من التطورات الجوهرية التى لحقت بدور المنظمة الدولية على مدى العقدين السابقين وأهم ملامحها؛
أولا- تحول اهتمام وتركيز الأمم المتحدة من منظمة سياسية فى المقام الأول تعنى بمشكلات السلم والأمن الدوليين و”العلاقات بين الدول” الى منظمة ذات طابع إجتماعى إنسانى تعنى بشكل أساسى بقضية التنمية ووضع البشر “داخل الدول” وبصفة خاصة الدول النامية.
ثانيا -تطوير الأمم المتحدة لطرح ورؤية جديدة لمفهوم التنمية نشأت من خلال نقد ومراجعة تجربة التنمية الاقتصادية التى سادت منذ الستينيات وحتى نهاية الثمانينيات والتى انتهت الى كثير من الإخفاقات مما دعا الأمم المتحدة فى نهاية الثمانينيات الى الحديث عن “ضياع حلم التنمية بالنسبة لدول الجنوب”.
فى هذا الإطار طورت الأمم المتحدة منظورها الجديد الذى يعرف بالتنمية الإنسانية human development أو ما اصطلح عليه عربيا بالتنمية البشرية. ويستمد هذا المفهوم قيمه العليا من المنظومة الدولية لحقوق الإنسان التى طورتها الأمم المتحدة منذ عام 1948.ويقوم هذا المفهوم باختصار على فلسفة جديدة قوامها أن الإنسان هو هدف عملية التنمية ووسيلتها فى نفس الوقت. وتعنى التنمية البشرية حسب تعريف الأمم المتحدة بـ” توسيع الخيارات أمام الناس”. وحددت تلك الخيارات بأنها تنطوى على خيارات أساسية ثلاثة وهى: ان يعيش الناس حياة مديدة وصحية، وأن يكتسبوا المعرفة، وأن يحصلوا على الموارد اللازمة لمستوى معيشى لائق. غير أن مفهوم التنمية البشرية لا يقتصر على الجوانب الثلاثة السابقة فحسب التى تدخل فى إطار ” تكوين القدرات البشرية”، وإنما هو يجمع الى جانب ” تكوين القدرات” عنصرًا آخر لا يقل أهمية وهو ” استخدام الناس لتلك القدرات” سواء فى العمل أو الأنشطة الثقافية أو الاجتماعية..الخ. كما تعنى التنمية البشرية بالجانب التوزيعى لعوائد التنمية بمعنى كفالة توزيع ثمار النمو الاقتصادى توزيعا واسع النطاق وعادلا”.[89] وبذلك مثل مفهوم المشاركة على نطاق واسع سواء فى عمليات تخصيص الموارد أو استخدام تلك الموارد أو توزيعها أحد مرتكزات مفهوم التنمية البشرية.
والمشاركة تستهدف فى المقام الأول الجماعات المستبعدة والمهمشة اجتماعيا واقتصاديا؛ وعلى رأسها النساء كأكبر جماعة بشرية واجهت ولا تزال قيودًا اجتماعية وقانونية وثقافية وسياسية تحول دون قدرتها على الانخراط فى المجتمع، إلى جانب قطاعات أخرى مهمشة كالأقليات الثقافية والعرقية والدينية، والمعوقين وسكان المناطق الريفية والأطفال، وأخيرًا هناك القطاع الأعظم والأهم من الفقراء أو المهمشين اقتصاديًا، هؤلاء الذين تتجه التنمية البشرية بقوة إلى استيعابهم ومشاركتهم فى الأسواق والمجتمع والدولة.[90]
ثالثا- نمو اتجاهات ونزعات تدخلية قوية داخل الأمم المتحدة نحو فرض مفهومها فى التنمية. وتسوغ الأمم المتحدة لنفسها حق التدخل من منطلق أخلاقى مؤداه ارتكاز هذا المنظور التنموى على الميثاق العالمى لحقوق الإنسان وما ارتبط به من اتفاقيات [91].
ويلاحظ أن اتجاهات التدخل أو الهيمنة من قبل الأمم المتحدة فى صياغة عمليات التنمية ومفرداتها فى البلدان النامية شهدت تطورا تدريجيا بدأ منذ السعى إلى بناء ” تصور أو مخطط (موحد) للتنمية الاقتصادية والاجتماعية فى البلدان النامية”، مرورا بالسعى إلى إعادة هيكلة وتعريف دور المنظمة الدولية على أساس دور ريادى لها فى دفع وتوجيه عملية التنمية، (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1991 الداعى إلى إعادة هيكلة الدور الاقتصادى والاجتماعى للمنظمة الدولية، ومناقشات المجلس الاقتصادى والاجتماعى لبحث عناصر هذا الدور1992)[92] وانتهاء بالطرح الذى قدمه الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان فى كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 1999)حول حق تدخل النظام الدولى لحماية ودعم حقوق الإنسان انطلاقا من مفهوم جديد يتعلق بـ” سيادة الفرد” فى مقابل المفهوم التقليدى لسيادة الدولة.[93]
وعلى الصعيد العملى فقد مارست الأمم المتحدة أنماطا عدة من التأثير فى السياسات العامة للدول النامية نحو التنمية بمفرداتها ومفهومها الشامل الجديد الذى يضم المرأة والسكان والبيئة الخ وذلك عبر آليات عديدة من أبرزها المؤتمرات الدولية وأكثرها أهمية على صعيد قضية المرأة مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية (1994)، والمؤتمر العالمى للمرأة فى بكين (1995). أما الآلية الأكثر ديمومة ونشاطا فى التأثير على سياسات التنمية والأوضاع الخاصة بالمرأة فتتمثل فى برامج التمويل والدعم الفنى التى تبدأ من تمويل التقارير والدراسات والإحصاءات، مرورا بمساعدة الدول فى “توزيع الأدوار على المؤسسات المختلفة بما فى ذلك الحكومات المركزية وأجهزة الحكم المحلى والقطاع الخاص والمنظمات الأهلية”، والمساعدة “فى بناء ما يعرف بالتحالفات السياسية( بمعنى تجنيد عناصر شعبية تتبنى وتدافع عن تلك الأفكار إلى جانب تخطيط حملات إعلامية مساندة)، وانتهاء إلى مساعدة تلك الحكومات فى رسم استراتيجية وطنية شاملة للتنمية البشرية تتعلق بجميع الخطوات بدءا من تحديد الأولويات وانتهاء بتنفيذ السياسات والبرامج ورصد التقدم المحرز.[94]
إشكاليات التوجه التدخلى الجديد للأمم المتحدة فى التعاطى مع قضية المرأة والتنمية
على الرغم من التعاطى الفريد الذى لم يسبق له مثيل لمسألة إنصاف المرأة باعتبارها نصف العالم وأكبر الجماعات البشرية المغبونة تاريخيا، وآلاء هذه القضية ما تستحقه من أهمية بعد حقب طويلة من التجاهل، فإن معالجة الأمم المتحدة تحمل الكثير من الإشكاليات خاصة فى المجتمعات الإسلامية.
على رأس تلك الإشكاليات تحرك الأمم المتحدة وبرامجها فى إطار النموذج المعرفى الغربى، حيث تقع أغلب بنود الأجندة التى تضعها الأمم المتحدة لأهدافها فى إطار الرؤى الغربية لقضية المرأة. يتجلى ذلك فى العديد من القضايا الهامة المتعلقة بالمرأة بدءا من الأخذ بالمنظور الكمى المطلق فى المساواة، أو تكييف دور المرأة فى الأسرة والنظر إليه من منظور اقتصادي محض ( كدور إنتاجى أو عمالة غير مأجورة.. الخ) أو التقييم السلبى لدور الأمومة بالنسبة لتطور المرأة مما ينعكس فى القضايا الشائكة للصحة الإنجابية. إلى جانب ما سبق هناك قضية المشاركة فى بناء منظومة الحلول الخاصة بالمرأة ومدى تمثيل الثقافات المختلفة فى صياغة برامج وأهداف الأمم المتحدة بشأنها والتى تصبح ملزمة لتلك المجتمعات بعد أن تكتسب صيغة المواثيق والاتفاقات حيث يمكن القول بعدم المساواة فى مشاركة مختلف الثقافات فى ذلك. وأخيرا والأهم هناك التعامل التهميشى مع “الدين” كعامل أساسى بل مرجعية أولى فى تشكيل وعى المرأة والمجتمع نفسه وبناء النظام القيمى إزاء قضايا المجتمع والمرأة على وجه الخصوص. ورغم دور الأمم المتحدة فى صك وبناء ما يسمى بالتنمية المستدامة التى تراعى شروط البيئة وتستوفى عناصر المؤسسية بما يضمن استدامة التنمية، فإن رؤية الأمم المتحدة لموضوع المرأة خاصة فى مجموعة البلدان الإسلامية قد تجاهلت دور الدين وأهمية التوافق بين الحلول الخاصة بمشكلات المرأة وثوابت الدين كشرط لاستدامة مكتسبات وحقوق المرأة، كما تجاهلت عملية الجدل الثقافى الحاسمة الدائرة فى تلك المجتمعات بين اتجاهات علمانية وأخرى إسلامية من جانب وبين اتجاهات دينية مستنيرة وأخرى متشددة بما يمكن أن يخلفه مصير هذا الجدل من تأثيرات مؤكدة على الكثير من القضايا الحيوية وعلى رأسها المرأة. ولعل أحد أبرز ملامح هذا التجاهل تحالف المؤسسة الدولية مع التيارات والقوى العلمانية فى تلك البلدان كقنوات لفهم الواقع وتنفيذ البرامج الخاصة بها مما أدى فى كثير من الأحيان إلى مواقف عديدة من سوء الفهم والصدام مع التيار الثقافى القاعدى الذى يتبنى المرجعية الدينية، وهو صدام على أية حال لم ولن يكون لصالح المرأة.

الأنشطة الدولية وقضية تمكين المرأة المسلمة

من الصعوبة بمكان تقديم رصد شامل لأنشطة الأمم المتحدة هذا العام فى مجال تمكين المرأة فى العالم الإسلامى والتى تتنوع بدورها بين الندوات والمؤتمرات وتنظيم البحوث والتقارير والإحصائيات وتمويل البرامج..الخ. ولكن يمكن فيما يلى الإشارة إلى بعض ما توافرت عنه البيانات من أنشطة.
هذا العام شاركت وفود عربية وإسلامية فى اجتماعات دولية هامة تتعلق بتمكين المرأة. أهم تلك المناسبات الدورة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة التى عقدت فى صيف هذا العام وخصصت لمراجعة والتقويم الشامل لتنفيذ برنامج الأمم المتحدة للسكان والتنمية (القاهرة1994) بمناسبة خمس سنوات على انعقاده. وقد عقدت الدورة تحت عنوان UN.GAss+5. وقد أظهرت أعمال المؤتمر استمرارًا فى الخلاف بين اتجاهات الأمم المتحدة المدعومة بالدول الغربية وبين بعض الدول الإسلامية حول قضايا هامة منها الاتجاه التحررى لمفهوم الصحة الإنجابية والدعوة الخاصة بتعليم الشباب وإمدادهم بالثقافة الجنسية فى إطار الصحة الإنجابية فى أية مرحلة عمرية. وهو اتجاه تصدت له بعض الدول الإسلامية مطالبة بأن يتم ذلك تحت إشراف الأسرة وأن يقام نوع من السيطرة على المعلومات حتى لا تتحول إلى مصدر جديد لإفساد الشباب. ومن القضايا الخلافية الأخرى موضوع الإجهاض وإصرار الدول الإسلامية على منع الإجهاض وعدم الاعتراف به كوسيلة من وسائل منع الحمل.[95]
المؤتمر الثانى الهام هو المؤتمر الذى نظمته الأمم المتحدة فى نيودلهى فى مارس 1999 حول ” المرأة والمشاركة السياسية ” وذلك بمناسبة مرور 4 سنوات على مؤتمر بكين. وقد خصص المؤتمر المعروف بـ” بكين +4″ لمتابعة مدى التزام الدول بتنفيذ خطة العمل التى أقرت فى بكين لتحقيق مزيد من الدعم للمرأة ووقف ممارسات وقوانين التمييز ضدها وفتح مجالات المشاركة أمام النساء فى الحياة العامة وزيادة تمثيلهن فى المجالس الانتخابية والمناصب الإدارية العليا بحيث لا تقل النسبة عن 33% بحلول عام 2005 بما يضمن للنساء المشاركة فى صنع القرار الذى يؤثر على أوضاعهن الحياتية العامة والخاصة. وقد شاركت فى المؤتمر وفود عربية وإسلامية وأظهرت أعمال المؤتمر التعثر الشديد الذى يواجه تمكين المرأة العربية سياسيا حيث تسجل فى هذا المضمار أقل النسب دوليا على النحو الذى عرض له التقرير فى موضع سابق.[96]
على الصعيد الإقليمى نظمت الأمم المتحدة وأجهزتها المختلفة عددا من الفعاليات والأنشطة بالتعاون مع مؤسسات محلية ؛ من تلك الفعاليات التئام الاجتماع الأول للمجموعة الاستشارية حول “المرأة واتخاذ القرار فى العالم العربى” والتى نظمها المكتب الإقليمى لصندوق الأمم المتحدة للتنمية فى البلاد العربية فى مدينة الدار البيضاء فى الفترة من 11- 13 فبراير. وقد شارك فى الاجتماع ممثلون عن كل من مصر والمغرب والأردن والكويت ولبنان والسودان وتونس واليمن والإمارات وعمان. وقد انتهى المجتمعون إلى الدعوة لإنشاء مرصد لمتابعة دور المرأة العربية فى مجال صنع القرار، كما دعا إلى إجراء حوار وطنى فى الدول العربية حول قضية ودور المرأة، والى إنشاء شبكات لتبادل المعلومات حول دور المرأة فى التنمية، وإجراء دراسة شاملة للمعوقات التى تحول دون وصول المرأة إلى صناعة القرار، كما دعا إلى تغيير صورة المرأة فى المناهج الدراسية العربية ووسائل الإعلام باعتبارها تؤكد على الصورة التقليدية للمرأة العربية.[97] من الفعاليات كذلك الندوة الإقليمية التى عقدت فى دمشق حول “تفعيل دور الإعلاميين العرب فى تنفيذ برنامج عمل المؤتمر الدولى للسكان والتنمية ” والتى نظمها فى يوليو من العام الاتحاد الدولى لتنظيم الأسرة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان ومؤسسة باكارد. وقد افتتح الندوة رئيس الوزراء السورى الذى دعا إلى تأسيس شبكة من ممثلى مختلف وسائل الإعلام العربية يعهد إليها ” بالدعوة إلى قضايا السكان والتنمية من أجل مناصرتها والتعريف بمفاهيم الصحة الإنجابية “. كما ناقشت الندوة دور وسائل الإعلام فى الترويج لمفاهيم قضايا السكان والتنمية بما فى ذلك الصحة الإنجابية.[98]
بعيدًا عن الأطر النخبوية للندوات والمؤتمرات والتى تبدى درجات عالية من الدعم والمسايرة لبرامج الأمم المتحدة بشأن المرأة فإن التوجهات غير الرسمية فى الشارع العربى والإسلامى قد تحمل إشارات مختلفة تدل على أزمة ثقة فى النوايا الخاصة ببرامج الأمم المتحدة فى دعم المرأة صحيا واجتماعيا. ففى هذا العام أثار برنامج الصحة الإنجابية الذى تنفذه وزارة الصحة السودانية بتمويل من صندوق الأمم المتحدة للسكان الجدل حول تعارضه مع الدين وقيم المجتمع السودانى. وأدى ذلك إلى تقدم خمسين نائبا فى مجلس الأمة بمذكرة لاستجواب وزير الصحة حول ما أثير بشأن المشروع من اتهامات وشائعات مثل تعقيم الفتيات، وتوزيع وسائل منع الحمل خارج الإطار الأسرى.[99] غير أن الأزمة الأكثر حدة وخطورة حول دور الأمم المتحدة فى مجال تمكين المرأة وتعارضه مع الإسلام قد تفاعلت هذا العام فى المغرب بما يقتضى تسليط بعض الضوء عليها كتجسيد لخطورة القضية وحساسيتها.
شهد المغرب هذا العام أزمة حقيقية تفاعلت منذ شهر مارس بسبب الخلاف حول ما يسمى بخطة إدماج المرأة فى التنمية. وكانت حكومة السيد عبد الرحمن اليوسفى قد أقرت فى شهر مارس خطة وصفت بأنها “خطة شاملة للنهوض بأوضاع المرأة تستهدف إجراء تغييرات قانونية واقتصادية واجتماعية لصالح تحسين أوضاع ودور المرأة وتمكينها سياسيا واقتصاديا فى مختلف المجالات”[100]، وجاءت هذه الخطة التى تسهم الأمم المتحدة فى تمويلها فى إطار تأهل المغرب لحضور الدورة الاستثنائية للأمم المتحدة التى تعقد فى يونيو 2000 بمناسبة مرور خمس سنوات على مؤتمر بكين للمرأة والتى تتولى متابعة مدى التزام الدول الأعضاء بمقررات المؤتمر.. ويعد أخطر جوانب هذه الخطة وأكثرها إثارة للجدل ما تضمنته من إجراء تعديلات فى مدونة الأحوال الشخصية. فقد أثارت تلك التعديلات معارضة التيار الإسلامى فى المغرب بمختلف اتجاهاته بالنظر إلى ما تضمنته بعض بنودها من مساس بأحكام شرعية ثابتة بنصوص قطعية مثل نقل حق الطلاق من الزوج إلى القضاء، وإلغاء نفقة المتعة وقضايا أخرى. بدأت هذه المعارضة فى شهر يونيو بتقرير اللجنة العلمية للأوقاف ثم اجتماع رابطة علماء المغرب الذى انتهى إلى إصدار بيان انتقد فيه ما تضمنته خطة الدمج من تعارض بعض إجراءاتها مع تعاليم الشريعة الإسلامية. على صعيد المجتمع كرس الخلاف الحاد حول الخطة حدة الاستقطاب بين التيارات العلمانية والإسلامية فى النظام المغربى إلى حد اتخذ هذا الاستقطاب طابعا مؤسسيًا ( شكل العلمانيون شبكة لدعم الخطة ضمت أكثر من أربعين منظمة وجمعية، وفى المقابل شكل الإسلاميون فى نوفمبر من العام تجمعًا باسم الهيئة الوطنية لحماية الأسرة المغربية[101].
وعلى مستوى الخطاب تضمن الجدل فى الصحافة وبين القوى المختلفة العديد من القضايا الحساسة مثل استبعاد القوى الإسلامية من صياغة الخطط والبرامج، و تبعية بعض القوى المحلية للغرب، وتهافت الأنظمة على المعونات والقروض الأجنبية. غير أن أخطر تلك القضايا التى تم التداول حولها كان قضية المرجعية أو تنازع المرجعيات.
لقد أثار المشاركون فى الجدل حول الدمج قضية الصراع المتنامى بين مرجعية الشريعة من جانب وما يعرف بالمرجعية الدولية فى إشارة إلى الأمم المتحدة وما تفرضه المواثيق والاتفاقات المرتبطة بها من التزامات وضغوط متزايدة على السياسات الاجتماعية للدول؛ رأى أنصار الخطة أنه وإن كانت المرجعية التى يجب اعتمادها تتحدد أساسا فى المرجعية الدينية، لكن هناك أيضا المرجعية الدولية التى التزم المغرب بها بتوقيعه على الاتفاقيات والمواثيق الدولية التى تنص على القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة”[102]. أما الرأى المقابل فرأى فى الخطة هجمة جديدة على آخر ما تبقى من الشريعة الإسلامية داخل المنظومة القانونية المغربية، وخطوة بالغة الخطورة باعتبارها أول اعتراف علنى بوجود مرجعية تزاحم المرجعية الإسلامية والوطنية فى بلد إسلامى خلافا لما نص عليه الدستور، وهى صورة متجددة من صور الاستعمار الثقافى تستهدف التغلغل فى عمق وجوهر حياة المسلمين من خلال الأسرة وعلاقة الرجل بالمرأة والمرأة بالمجتمع[103].
لقد عبر وزير الشئون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوى المدغرى فى مقدمة كتابه عن موضوع “المرأة بين أحكام الفقه والدعوة إلى التغيير” -والذى قدمه إلى العاهل المغربى الراحل الملك الحسن الثانى خلال احتفال دينى- عبر تعبيرا بليغا عن خطورة هذا المنحى الجديد نحو طرح المرجعية الدولية نظيرًا ومزاحما للمرجعية الإسلامية فى أخص شئون المسلمين وهو الأحوال الشخصية بقوله ” نخشى أن يظن بنا إخواننا المتشبعون بثقافة حقوق الإنسان والمطالبون بالإصلاحات فى مدونة الأحوال الشخصية فى ضوء ما تم على عهد المولى الحسن الأول، والذين قالوا عنهم أنهم فوتوا على المغرب فرصة لم تعوض بجهلهم جدوى الإصلاح فى زعمهم. لذلك نؤكد أننا مع الإصلاح ومع التغيير كلما كان يؤدى الى المزيد من التمكين للمرأة وتحريرها وتقدمها، وضمان حقوقها شرط أن يتم ذلك إنطلاقا من شريعتنا وذاتنا وهويتنا، لاأن يكون مجرد تقليد للغرب أوطاعة للنظام الدولى المفروض على المستضعفين فى الأرض”.[104]
رغم خطورة المثال المغربى السابق، فإنه وهيمنة الأمم المتحدة يتواريان أمام نماذج لهيمنة أنماط أخرى من العولمة وتأثيرها الهدمى على ذاتية المجتمع والثقافة الإسلامية على رأسها النموذج التركى. فمع قرار الاتحاد الأوروبى قبول تركيا هذا العام ” كمرشح” لعضوية الاتحاد صار أمام تركيا إجراء تعديلات غير محدودة على طريق تطبيق معايير كوبنهاجن الخاصة بالبنية السياسية وحقوق الإنسان والبنية الاقتصادية لتوافق البنية الأوروبية. وقد أعلن فى ختام قمة هلسنكى ( 11 ديسمبر 1999) أن الاتحاد الأوروبى سيرسل لتركيا ملفًا من مائة ألف صفحة تتضمن التعديلات القانونية والدستورية التى يجب على الحكومة التركية تنفيذها فى مختلف المجالات لتتأقلم مع المعايير الأوروبية. وهى تعديلات يتوقع أن تستغرق 15 عاما وحوالى 70 مليار دولار أمريكيا لتنفيذها.[105] ولا شك أن التشريعات المتعلقة بالأسرة والمرأة ستنال نصيبا كبيرا من تلك التعديلات.[106]

3- الفاعلية: مقاربة لنماذج نسائية فاعلة فى العالم الإسلامى

ينصرف مفهوم الفاعلية كما نستخدمه إجرائيا فى هذا التقرير إلى بعض النماذج أو التجارب التي تلعب فيها النساء أدوارًا مستقلة وديناميكية يأخذن فيها زمام المبادرة فى الحركة ويشاركن بقوة فى قضايا مجتمعهن الملحة مثل قضايا الإصلاح السياسي والاجتماعي، أو قضايا الحقوق والحريات، أو قضية الهوية واستقلال الوطن..الخ. وإذا كان التمكين يرتبط بوجود دعم خارجي فى صيغة سياسات أو برامج من جانب السلطة أو من جانب قوى دولية لتعزيز دور المرأة، فإن الفاعلية تشير إلى تجارب أكثر نضجا تمتلك فيها المرأة قدرة وإرادة الحركة دون دعم خارجي من جانب السلطة بل وفق القواعد والمعايير العامة للحركة في المجتمع.
يتيح لنا مفهوم الفاعلية التعرض إلى عالم الأشخاص الذي يمثل أحد المرتكزات الثلاثة للحولية، غير أنه فى الوقت نفسه يطرح مجالا خصبا للتفاعل بين الذاتي والموضوعي أو بين تجارب الشخصيات النسائية محل الاهتمام ومجتمعاتهن.وقد اخترنا عددًا من التجارب لنساء برزت أدوارهن الفاعلة هذا العام فى الفضاء الحضارى الإسلامى هن: السيدة مروة قاوقجى فى تركيا، وحركة النساء فى إيران مع الإشارة لنموذج فائزة رافسنجانى، ثم السيدة ميجاواتى سوكارنو فى أندونيسيا، والسيدة وان عزيزة وان إسماعيل فى ماليزيا.
مروة قاوقجى: ومعركة الدفاع عن الهوية
صورة من قريب: مروة قاوقجى هى مهندسة للحاسبات والمعلوماتية ولدت عام 1968 فى اسطنبول. وتجسد السيرة الذاتية للسيدة مروة قاوقجى الصراع الثقافى المتأجج بين العلمانية المدعومة نخبويا فى تركيا والتيار الإسلامى القاعدى الراسخ فى المجتمع التركى. فقد اضطرت أسرة قاوقجى ذات الاتجاه المتدين المستنير و التى يعمل عائلها أستاذًا للفقه إلى الرحيل عن تركيا إلى الولايات المتحدة بعدما تركت الأم وظيفتها فى الجامعة واضطرت مروة إلى ترك دراستها فى الطب لإصرارهما على ارتداء غطاء الرأس بعد صدور الحظر على ارتداء الحجاب فى الجامعة عام 1986.[107] وعادت مروة قاوقجى إلى بلادها عام 1997 حيث انضمت إلى حزب الرفاه ثم حزب الفضيلة الذي نشأ على أنقاض الأول لتصبح عضوا فاعلا فى الجناح النسائى من الحزب الذى تبنى النهج الإصلاحى.
تتبنى مروة قاوقجى منظومة فكرية منفتحة تنطوى على توجه إسلامي واضح، مع الاعتراف بالمصادر المعاصرة ذات الجذور الغربية فى تكوينها وجيلها بأسره دون تبعية وانسياق أعمى. هى من جانب ترى مثلها الأعلى نبى الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، والخليفة الراشد عمر رضى الله عنه. غير أن ذلك لم يمنعها من الاهتمام بنماذج معاصرة وغير إسلامية تستحق التقدير كغاندى “لانتمائه الشديد للشعب” حسب قولها، الى جانب نماذج وطنية كعدنان مندريس.[108] وفى مجال رؤيتها للقضايا العامة فى المجتمع التركى ترى قاوقجى أن نمو التيار الإسلامى وتزايد من يختارون نهج الحياة الإسلامية فى تركيا إنما يعود إلى وضوح الرؤية بشأن ما كان يتم فى الماضى تحميله ظلما على الإسلام من أخطاء التقاليد والأعراف والتطبيقات، وتأكد حقيقة أن الإسلام مفتوح للتطور والتعليم والثقافة “وأن هذه الأمور مفروضة على الجميع دون تفريق بين الذكور والإناث”.[109] وتولى مروة قاوقجى فى منظومتها قضية “الحريات والديمقراطية” اهتماما بالغا فترى أن أهم مشكلتين فى تركيا هما توطيد الديمقراطية على أساس كامل غير مزدوج المعايير إلى جانب المشكلة الاقتصادية. وأخيرا تحمل السيدة قاوقجى -ذات النزعة الإسلامية المستنيرة- رؤية واضحة لمشكلة المرأة فهى ترى أنه وإن كان من الصعب أن تصل المرأة للسلطات التى يتحكم فيها الرجال حاليا فى العالم إلا أنه عندما تتمكن المرأة من الوصول إلى ذلك فإنها تؤدى مهمتها على أكمل وجه. وهى ترى أن السبيل إلى الخروج من الوضعية المهمشة للمرأة هو الإقدام على المشاركة فى كافة القضايا والأمور وليس فقط القضايا التى تهم المرأة.
أحداث الأزمة: فرضت مروة قاوقجى نفسها على النظام التركى -بل وعلى اهتمام العالم بأسره- عندما تسببت هذا العام فى واحدة من أبرز الأزمات السياسية التى شهدتها تركيا فى السنوات الأخيرة. فقد رشحت مروة نفسها فى الانتخابات البرلمانية التى جرت فى ربيع هذا العام عن حزب الفضيلة حيث فازت كواحدة من 27 امرأة انتخبن فى الدورة الحادية والعشرين من البرلمان التركى. وكانت مروة إحدى ثلاث نائبات محجبات.
تفاعلت الأزمة بدخول مروة محجبة ( بغطاء الشعر) إلى الجلسة الافتتاحية للبرلمان والمخصصة لحلف اليمين (2مايو) مما أثار احتجاج نواب اليسار والعلمانيين مطالبين إياها بالخروج. كما أسرع رئيس الوزراء التركى بولنت أجاويد الى المنصة صائحا بأن البرلمان ليس هو المكان الذى يجرؤ فيه أحد على “تحدى النظام والدولة” ! مما أدى إلى فض الجلسة دون أداء اليمين. وقد أصرت مروة على دخول البرلمان مرتدية غطاء الرأس، كما رفضت الاستقالة فى الوقت نفسه مما أدى إلى سلسلة من ردود الفعل العنيفة من جانب النظام. كان من بين عواقب الأزمة ما طال مروة ذاتها؛ فحيث لم يتمكن خصومها من إقالتها من البرلمان بسبب ارتدائها الحجاب لعدم وجود حظر على ذلك فى القانون الخاص بالبرلمان، فقد التفت الحكومة التركية على القضية باستغلال حصول مروة على الجنسية الأمريكية دون إبلاغ السلطات بذلك، فصدر فى مايو مرسوم من مجلس الوزراء بنزع الجنسية التركية عنها مما يسقط تلقائيا عضويتها فى البرلمان. وتأكد هـــذا الإجراء بصدور حكم المحكمة العليا فى 20 /9/ 1999 فى الاستئناف الذى رفعته مروة تظلما من القرار. كما هدد النائب العام التركى بإقامة دعوى ضدها بتهمة تشجيع التفرقة العنصرية، والانفصالية، ومعاداة أسس النظام العلمانى استنادا إلى المادة 312 من الدستور التركى.[110]
غير أن ما عمق مفهوم الأزمة هو ما فجرته قضية قاوقجى من قضايا أكبر تتجاوز حدود الحدث وحدود صراع مروة ذاتها مع النظام، بحيث يمكن القول أن ملابسات هذا الصراع قد أدت الى تفجير التوترات والصراعات الكامنة فى النظام التركى على الصعيدين السياسى والثقافى. وعلى سبيل المثال فقد أدت الأزمة إلى تعثر تشكيل الحكومة نحو الشهر بسبب الخلافات بين أحزاب الإتلاف ( خاصة بين حزب اليسار الديمقراطى بزعامة بولنت أجاويد والحركة القومية بزعامة دولت باغجة لى) بسبب الشروط التى أصر عليها أجاويد -المكلف بتشكيل الوزارة- بشأن استمرار العمل بالقوانين الخاصة بمنع ارتداء الحجاب فى المدارس والجامعات والدوائر الحكومية الأمر الذى يخالف اتجاهات الحزب القومى الذى يؤيد الحجاب باعتباره جزءا من التراث القومى.[111] من بين التداعيات السياسية لقضية مروة استغلال المؤسسة العلمانية التركية الموقف لملاحقة حزب الفضيلة الإسلامى حيث أعلن المدعى العام التركى أنه سيتخذ من تصرف قاوقجى قرينة لطلب رفع دعوى لحل حزب الفضيلة وطرد نوابه ورؤساء البلديات المنتمين إليه بدعوى كونه امتدادًا للتنظيمات الإسلامية المحظورة التى تعادى أسس النظام العلمانى كما حدث لسلفه ( حزب الرفاه).[112] خلفت الأزمة آثارها كذلك على العلاقات الخارجية لتركيا نتيجة اتهام الرئيس التركى لمروة بأنها عميلة لإيران واتهام رئيس الوزرء التركى إيران بالتدخل فى شئون بلاده ومحاولة تشجيع الإسلام الراديكالى فى تركيا. وقد ترتب على تلك الاتهامات تفجير أزمة مجددا فى العلاقات التركية الإيرانية رغم الاتفاق الذى كانت الدولتان قد توصلتا إليه فى مطلع عام 1999 حول التعاون العسكرى بينهما ضد الأنشطة الإرهابية.[113]
خطاب الأزمة. وإذا كانت التداعيات السياسية المبالغ فيها التى ترتبت على واقعة دخول النائبة للبرلمان محجبة تشير إلى تهافت النظام وعمق أزمتة الكامنة، فإن هذه الأزمة قد تعمقت بتأثير الخطاب السياسى الذى أحاط بالحدث والذى ألحق مزيدا من الخسارة بالنظام ومكانته. تميز خطاب المؤسسة الحاكمة الذى شاركت فيه كل الفعاليات -بدءا من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وانتهاء بالجيش والنيابة العامة ومجلس الأمن التركى والصحافة- تميز بالرداءة المتمثلة فى كيل الاتهامات بالعمالة والتخوين والتآمر، وشن التهديدات وحرب الإشاعات على النائبة التركية العزلاء؛ فقد وصف الرئيس سليمان ديميريل تصرف قاوقجى بأنه خيانة للوطن وأنه يهدد بانتشار الفوضى فى الدولة، كما وصف مروة بأنها عميلة لدولة إسلامية متطرفة مشيرا إلى إيران. أما رئيس الوزراء بولنت أجاويد فدعا إلى منع أداء اليمين بالحجاب “ولو كان الثمن حياة بعض النواب”. من جانبه رأى المدعى العام الجمهورى فى تصرف قاوقجى خطرًا على مبادئ الجمهورية العلمانية الديمقراطية بما يهدد تلك المبادئ ويعرضها للانهيار باعتبار ما ينطوى عليه هذا التصرف من تشجيع للفاعليات الدينية مما يؤدى إلى تجزئة البلاد[114]. أما الصحف التركية فقد شنت حملة تشهير شخصى وشائعات غير مسبوقة على النائبة المحجبة، كما أكدت أن تصرفها لم يكن سوى مؤامرة أكبر من جانب حزب الفضيلة والزعيم الإسلامى أربكان لإحراج النظام التركى وكشف ديمقراطيته أمام الغرب.[115] وقد أثار هذا اللون من ألوان الخطاب السياسى بمبالغاته على صعيد العلمانية وتناقضاته مع المفهوم الديمقراطى الذى يتشدق به النظام استنكار ودهشة واسعة النطاق على صعيد العالم وخاصة الغرب موطن المفهوم العلمانى والديمقراطى حيث تطوع بعض رموزه بإلقاء الدروس لتصحيح المفاهيم المغلوطة للنخبة التركية بشأن العلمانية والديمقراطية والحريات. من بين هؤلاء المتحدث باسم الخارجية الأمريكية الذى لفت فى تصريح له انتباه القيادة التركية بأن العلمانية لا بد وأن تتفق مع حريتى التعبير والدين، وأن العلمانية واحترام حقوق التعبير وحرية الدين – التى تحظى بحماية دولية- لا تحتكرها قوة واحدة دون غيرها.[116]
فى مواجهة تهافت لغة الخطاب الرسمى كان خطاب مروة المقابل -والذى أتاحت له وسائل الإعلام الدولية أوسع مدى للانتشار- من قوة الحجة وتماسك البنيان بحيث يمكن القول انه قد حقق لمروة انتصارا كبيرا على المؤسسة التركية الحاكمة بكل هيمنتها وسلطتها التى استطاعت بها طردها من البرلمان ونزع جنسيتها. غير أن ما يلفت النظر فى خطاب النائبة الإسلامية أن الخطاب الذى واجهت به سطوة خصومها لم يكن خطابا إسلاميا بل كان خطابا حداثيا ذو مرجعية غربية واضحة أساسها قيم الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان والقومية بل والعلمانية! حيث دفعت مروة بأن منعها من أداء دورها كنائبة هو تصرف ضد الديمقرطية باعتبارها منتخبة من قبل الشعب بينما تحول قلة دون نيل حقها فى المشاركة بموجب هذا الاختيار الشعبى. وقالت أن هؤلاء الذين وقفوا ضدها قد خانوا بدورهم هيئة الناخبين التى تمثل النساء المحجبات نسبة كبيرة منهم مؤكدة أنها تمثل الآلاف من هؤلاء النساء، كما أعربت عن أملها فى أن تصل الديمقراطية فى تركيا إلى نقطة لا تعود فيها النساء مستبعدات بسبب “خياراتهن الشخصية” .[117] احتجت مروة كذلك إزاء خصومها بقيم الليبرالية مؤكدة أن ارتداءها الحجاب هو حرية شخصية وتعبير عن اعتقادها الشخصى، وأن ما اتخذ ضدها وكذا ما تعرضت له كل من منعن من دخول المؤسسات المختلفة بسبب حجابهن إنما هو اعتداء على الحريات الشخصية والإنسانية وحرية المعتقد. بل فجرت مروة مشكلة الحقوق والحريات فى تركيا على نطاق أوسع مشيرة إلى المادة 72 من الدستور التى يقبع بسببها كثيرون من الأدباء والمفكرين والسياسيين فى السجون بسبب التعبير عن أرائهم فى موضوعات سياسية واجتماعية تشكل فى نظر محاكم أمن الدولة تهديدا لوحدة أراضى تركيا ونظامها العلمانى.[118] وتعهدت بالكفاح ضد العدوان على الحقوق والحريات فى تركيا كما كافح “زنوج أمريكا” حتى نالوا حقوقهم الأساسية. كما اتهمت مروة المؤسسة التركية الحاكمة بطرح معايير مزدوجة فيما يتعلق بالديمقراطية والحريات الشخصية.[119] استندت مروة فى خطابها كذلك إلى المرجعية العلمانية ذاتها فذكرت أنها ابنة تركيا العلمانية، وأكدت تمسكها بالعلمانية بمعنى فصل شئون الدين عن السياسة. كما أكدت أن ما حدث ضدها هو انتهاك للمبدأ نتيجة المرونة فى تفسير العلمانية بحيث أصبحت تفسر بمعنى تقليص الحريات الدينية[120]واستغلال مفهوم العلمانية لممارسة الضغوط على المتدينين واضطهادهم والحد من حريتهم فى ممارسة العبادة. وأرجعت مروة ذلك الى الخلط بين مفهومى العلمانية والإلحاد. بل الأكثر من ذلك أن تبنت مروة دعوة الى “إصلاح” مفهوم العلمانية السائد وتقديم تعريف جديد ومحدد للعلمانية بدلا من تعريفها القديم الفضفاض ودعت للاقتداء بالغرب فى مفهومه وتطبيقه للعلمانية لأنه تطبيق أفضل مبنى على ضمان الحرية الشخصية وحرية العقيدة.[121] أخيرا لم يخل خطاب مروة من النزعة القومية المتغلغلة فى التكوين الثقافى التركى فذكرت خصومها بكون أمهات الشهداء فى حرب الاستقلال كن من المحجبات “وهن أشرف من فى تركيا” مؤكدة أنها تقتدى بهن.[122]
يبرز الطرح السابق – وهذا مايستحق بعض التأمل-أن خطاب النائبة الإسلامية مروة قاوقجى فى الأزمة كان يقف على الأرضية الفكرية والنظرية التى يرتكز عليها النظام التركى، ويمثل رؤية أقل تشوها وأكثر فهمًا وقوة – من خطاب النظام- للطروحات الغربية المركزية لمفاهيم الليبرالية والديمقراطية والعلمانية.
فى التحليل الأخير لقد نجحت النائبة التركية المحجبة مروة قاوقجى بفاعليتها الحركية والفكرية فى كشف مواطن الضعف فى النظام السياسى التركى وتفجير تناقضاته على مرأى من العالم وهذا ما اتفق عليه أعضاء وخصوم هذا النظام على حد سواء ؛ فقد شبه المدعى العام التركى قضية مروة قاوقجى بالعبوات الناسفة التى يزرعها حزب العمال الكردستانى من حيث أثرها فى تفجير النظام.[123] أما أبلغ ما قيل توصيفا للحدث والأزمة وإبرازًا لمكمن الخلل فى العلمانية التركية ذاتها فهو ما ذكره الزعيم الشيعى الإيرانى آية الله أحمد جناتى بأن النظام التركى يناصب العداء للأديان إلى حد أنه “لا يستطيع أن يتحمل نصف متر من القماش على رأس امرأة”[124]

حركة النساء فى إيران

قدمت التجربة الإيرانية فى الأعوام الأخيرة نموذجًا فذًا وغير مسبوق لفاعلية ودينامية النساء ومشاركتهن فى كل مناحى الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فى مجتمع إسلامى. ويرجع وجه الفرادة فى هذا النموذج لعاملين: أولهما انتماء إيران إلى مجتمعات الشرق الأوسط التى تعانى فيها المرأة من ميراث ثقيل من الأعراف والتقاليد والأوضاع القائمة على استضعاف النساء وتهميشهن. أما الجانب الفذ والواعد فى تلك التجربة فيرجع لكونها تنبع من مرجعية إسلامية واضحة وتلتزم بقوة بالمعايير الإسلامية مما يطيح بالادعاءات التى طالما ربطت بين الإسلام واستضعاف النساء وتهميشهن من خلال تقديم بديل حى معاش لتلك الصورة. وتحيى هذه التجربة آمالا كبيرة لملايين النساء فى سائر العالم الإسلامى بإمكان تطوير صياغات أخرى لتفعيل ومشاركة النساء فى إطار المنظومة الإسلامية.
بيئة التفعيل وشروطه: يمكن القول أن نمو دور النساء فى الأعوام الأخيرة قد ارتبط بتطور التجربة الإيرانية من مرحلة الثورة إلى مرحلة النظام والذى مضى قدمًا نحو اكتساب ثلاث خصائص هامة: أولها تعددية القوى والتيارات السياسية والفكرية داخل التيار الإسلامى العام الذى يشكل فى ظل التجربة “نظاما عاما” يلتزم به الجميع إن واقعيا أو نظريا. ثانيًا: حيوية المجتمع المدنى بكل فئاته ومنها النساء. ثالثًا: فتح آليات تأثير المجتمع على النظام السياسى وتشكيله على نطاق واسع من خلال آليات ديمقراطية نزيهة كالانتخابات المباشرة، والمجالس التمثيلية، والصحافة الحرة..الخ مما دعم من قوة المجتمع المدنى من جانب وزاد من حساسية النظام السياسى تجاه الفعاليات والقوى الاجتماعية من جانب آخر.
تطورت الاتجاهات السابقة تدريجيا عبر السنوات الماضية غير أن ملامحها تجسدت بشكل واضح خلال تجربة إيران فى الأعوام الثلاثة الماضية فى ظل حكم الرئيس محمد خاتمى. فقد تكرست معالم التعددية فى إطار النظام الإسلامى العام بوضوح ثلاثة تيارات أساسية هى: التيار الليبرالى والتيار المحافظ وتيار الوسط الإصلاحى، وضم كل منها أعدادا كبيرة من الجمعيات والتنظيمات غير الحكومية إلى جانب الرموز والتكتلات المنتمية لها فى السلطة. وقد جاء انتخاب خاتمى ذاته تعبيرا عن تنامى التيارين الليبرالى والإصلاحى فى أوساط ثلاث قطاعات رئيسية هى المثقفين والشباب والنساء.
اتجه خاتمى منذ انتخابه إلى دعم السمات الثلاثة السابق الإشارة اليها وتكريسها فى النظام الإيرانى. فتبنى نهجا من الانفتاح السياسى والثقافى الواضح على مختلف القوى والاتجاهات، ودعا إلى تطوير ما أسماه بـ ” الديمقراطية الإسلامية”. وأكد خطاب خاتمى السياسى على مفاهيم سيادة القانون، واحترام الخلافات والاعتراف بها، ومأسسة النشاط السياسى ومسئولية السلطة التنفيذية أمام الرأى العام، مع حرصه فى الوقت نفسه على تأكيد أن تسير كل المفاهيم السابقة جنبا إلى جنب مع الدين” الذى منح للإيرانيين هويتهم واستقلالهم ومنح الشعب حقه فى تقرير مصيره بنفسه.”[125]
لقد أفرز الطرح السابق نتيجتين متعارضتين ؛ الأولى إيجابية تتمثل فى مزيد من الشفافية للنظام السياسى وتدعيم قوة المجتمع المدنى، إلى جانب إيجاد مناخ غير مسبوق من حرية الكلمة والنقد امتد إلى كافة القضايا بما فى ذلك أسس النظام نفسه مثل مبدأ ولاية الفقيه التى صارت مناقشتها مباحة للشارع الإيراني وليست حكرا على الحوزات. على الجانب الآخر أنتج هذا المناخ فى المقابل درجة عالية من الاستقطاب بين التيار الليبرالى والإصلاحى من جانب والتيار المحافظ من جانب آخر. حيث استنفرت حيوية الجبهة الأولى اصطفاف التيار المحافظ الذى رأى فى “الحريات الخارجة عن السيطرة” استهدافًا للأسس الأيديولوجية للثورة و”ذريعة لنشر الفساد”، وفى الانفتاح الثقافى غزوًا ثقافيًا من الغرب.[126] وقد تطور هذا الاستقطاب عام 1999 إلى صراع سياسى مبطن حينا ومتفجر أحيانا، يتم عبر القنوات الشرعية والمؤسساتية تارة وفى الشارع تارة أخرى. ويرى كثير من المراقبين أن هذا الصراع الفكرى السياسى بين التحالف الإصلاحى- الليبرالى و المحافظين هو القاعدة التى حكمت تطورات الأحداث فى إيران عام 1999. وقد تفجر الصراع فى مناسبات عدة مثل الانتخابات البلدية، قضية اغتيالات المثقفين، انتخاب رئيس البرلمان ونوابه وأعضاء اللجان، انتفاضة الطلبة فى صيف 1999، ثم معركة قضاء رجال الدين المتواصلة مع صحف التيارين الليبرالى و الإصلاحى ورموزهما (مثل معركة إيقاف صحف زان، وسلام وخرداد، ونشاط، واعتقال محسن كديور رجل الدين الإصلاحى والحكم بالسجن على عمدة طهران السابق غلام حسين كرباستشى، والتحقيق مع عبد الله نورى مستشار الرئيس خاتمى، ومحمود شمس الواعظين رئيس تحرير صحيفة نشاط).
حركة النساء: مثلت النساء قوة متنامية من قوى المجتمع المدنى الإيرانى. وقد تطورت أوضاع المرأة الإيرانية قدمًا منذ قيام الثورة نتيجة تبنى الخومينية رؤية غير سلبية إزاء الدور العام للنساء. ورغم ما تعرضت له النساء فى ظل مرحلة الزخم الثورى من ضغوط من جانب القوى المتشددة -وعلى رأسها الحرس الثورى- خاصة فى موضوع الالتزام بالزى “الشادور”، إلا أن النساء أحرزن وجودًا متزايدًا فى مؤسسات التعليم والعمل والسياسة. فقد شكلت النساء نسبة 53% من عدد طلاب الجامعة عام 1998، كما تشارك النساء بالعمل فى المصانع والمكاتب والمستشفيات والمدارس. وتعمل النساء كطبيبات وموظفات ومحاميات وسيدات أعمال، كما يلعبن دورًا بارزًا فى المجالات الفنية والإبداعية ككاتبات ورسامات وفى مجال المسرح والسينما ويتم كل ذلك فى إطار من الحفاظ على القواعد والمبادىء والآداب الإسلامية.[127]
وعلى صعيد تمكين النساء من المناصب العليا فى النظام تحتل النساء 13 مقعدًا فى مجلس الشورى، كما تشغل منصب مساعد رئيس الجمهورية فى مجالى البيئة ( معصومة ابتكار) والمرأة ( زهراء الشجاعى). و توجد لجنة للنساء فى مركز تشخيص مصلحة النظام الذى ينظر فى كل القوانين تتولى رئاستها إمرأة ( ليلى بروجردى)، كذلك توجد فى كل وزارة مستشارة خاصة بشئون المرأة “معاونات”.[128]
وقد تلقت النساء دفعة قوية على صعيد دورهن فى النظام والمجتمع منذ انتخاب خاتمى الذى ساهمت أصوات النساء بدور كبير فى فوزه الساحق عام 1997. ويعد تدعيم النساء ودورهن فى المجتمع أحد العناصر الأساسية فى خطاب ومشروع خاتمى الانفتاحى التجديدى. وقد برز دور النساء فى إيران هذا العام نشطا فى مختلف أحداث وفعاليات النظام وتركز الثقل النسائى فى التياريين الليبرالى والإصلاحى. ومن أبرز ما حققته النساء الإيرانيات هذا العام – خاصة المنتميات إلى التياريين الليبرالى والإصلاحى- فوز أعداد كبيرة منهن فى انتخابات المجالس البلدية التى جرت فى فبراير وتعد الأولى من نوعها منذ قيام الثورة الإيرانية قبل عشرين عامًا. وقد تمكنت النساء من اكتساح بعض الدوائر بل احتللن جميع المقاعد فى بعض البلديات منها ثلاث بلدات تابعة لمحافظة همدان غربى إيران، كما أثبتن حضورهن فى كافة المحافظات والبلديات بدون استثناء تقريبا بما فى ذلك مدينة قم معقل المراجع الشيعية العظمى والحوزات.[129] وفى يوليو أسهمت النساء بدور كبير فى المظاهرات الطلابية سواء فى إطار الحركة الاحتجاجية التى قادها التحالف الليبرالى- الإصلاحى تحت قيادة مكتب ترسيخ الوحدة احتجاجًا على إغلاق صحيفة سلام. أو فى إطار المظاهرات الحاشدة المضادة التى نظمها المحافظون لمواجهة الانتفاضة الطلابية الليبرالية. وقد برزت أسماء نسائية عديدة كناشطات بارزات فى الحركة الديمقراطية الإصلاحية منهن: فائزة هاشمى رافسنجانى، ومريم ميرهادى المحاضرة بجامعة طهران والداعية لحقوق المراة والحريات، والحقوقية سيرين عبادى، والناشطة أعظم طالقانى، والإعلامية شهلا شوكت، والكاتبة سيمين بهبهانى.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمو البارز لحركة النساء قد دعمه نشاط فكرى وتأصيلى لدعم مفاهيم المساواة وحقوق النساء وإنصافهن. وهى أنشطة لا تنبع- كما يبدو حتى الآن – من لدن الحركة النسوية الدولية كما هو حادث فى العديد من البلدان الإسلامية، بل تحاول تأسيس قواعدها من الأصول الإسلامية.[130] وتتجاوز بعض مقولات هذا الاتجاه النسوى الإسلامى -إن جاز التعبير- حدود المجتمع الإيرانى إلى رفع شعار الدعوة “لتوحيد الحركة النسائية الإسلامية”.[131] كما يشارك فى التأسيس النظرى لها بعض المراجع الدينية العليا مثل آية الله يوسف صانعى الذى اشتهر بفتاواه الجريئة فيما يتعلق بحقوق المرأة الاجتماعية والسياسية على حد سواء.
نموذج لفاعلية المرأة الإيرانية: فائزة هاشمى رافسنجانى.. هى “النائبة البرلمانية الإصلاحية الناشطة المتهمة من جانب اليمين المحافظ بقيادة حركة نسوية نقدية لاذعة للعديد من ثوابت ومقولات هذا التيار. وترأس فائزة وهى إبنة الرئيس السابق هاشمى رافسنجانى – تحرير صحيفة نسائية هى صحيفة “زان” أو المرأة. وقد انخرطت رافسنجانى بقوة فى الأنشطة الاجتماعية والسياسية العامة خلال فترتى رئاسة والدها (1989- 1997) الذى مثل تيار الوسط فى السياسة الإيرانية، حيث كانت إحدى مساعديه المقربين، وتولت فى عهده العديد من المهام والمناصب العامة مما أسهم فى دعم صورة المرأة الإيرانية وتعزيز دورها وتمكينها.
شاركت فائزة بقوة فى فعاليات المجتمع المدنى مع قدوم الرئيس خاتمى الذى اعتبر دوره امتدادا أكثر ليبرالية لتيار الاعتدال الذى تكرس فى عهد رافسنجانى. من هذا المنطلق كان لفائزة رافسنجانى دورها البارز هذا العام خلال محطات الصدام العديدة بين الإصلاحيين والليبراليين من جانب والمحافظين من جانب آخر، حيث مثلت أحد الرموز الجريئة للتحالف الإصلاحى- الليبرالى ممثلة لتيار الوسط الإصلاحى، بل اعتبرها البعض رأس حربة الإصلاحيين فى الصراع مع المتشددين. ففى إبريل أصدرت محكمة رجال الدين قرارا بإغلاق صحيفة زان التى ترأس تحريرها بعد نشرها برقية لفرح ديبا إمبراطورة إيران السابقة تهنئ فيها الشعب الإيرانى بعيد النيروز. واتهمت المحكمة رافسنجانى بأنها باعت نفسها للأجانب، وناهضت مبادىء الثورة الإسلامية، وأن بقائها كعضو فى البرلمان عار على السلطة التشريعية.[132] لم تستسلم رافسنجانى أو تتبنى موقفا دفاعيا عن نفسها بل بادرت بشن هجوم مضاد على المحافظين فهاجمتهم فى قلب البرلمان، وفى المحكمة، وحملت على السلطة القضائية خاصة القضاء الاستثنائى الدينى الذى شرعه المحافظون هذا العام سيفا مسلطا على رموز الإصلاحيين والليبراليين. اتهمت رافسنجانى هذا القضاء بإساءة استغلال ولاية الفقيه واتخاذه سلاحا ًلمحاربة خصومهم.[133] وشنت هجوما عنيفا أمام المحكمة على رئيس السلطة القضائية آية الله محمد يزدى، كما أعلنت رفضها صلاحية المحكمة النظر فى قضيتها لكونها ليست جهة اختصاص، ورفضت الرد على 12 سؤلًا وجهها لها القاضى. فى المقابل هددت المحكمة بمحاكمة رافسنجانى بتهمة اتخاذ موقف مضاد للثورة.[134] ولم تواجه رافسنجانى غضب المحافظين فى ساحة القضاء فحسب بل فى الشارع كذلك حيث نظمت النساء المنتميات إلى تيار المحافظين مظاهرات واعتصمن أمام البرلمان مطالبات بطرد فائزة منه بسبب هجومها الحاد على المحافظين.[135]
لم يثن الهجوم الذى تعرضت له السيدة فائزة رافسنجانى عزيمتها على مواجهة التشدد أو التخلى عن جراءتها فى اتخاذ المواقف العامة. ففى مايو كانت رافسنجانى من الشخصيات التى رافقت إلى قصر العدل غلام حسين كرباستشى رئيس بلدية طهران السابق وزعيم حزب كوادر بناء إيران الإصلاحى المعتدل الذى ساقه المحافظون إلى المحاكمة بتهمة الفساد فيما يعتقد أنه اتهام ذو دوافع سياسية. وانتقدت فائزة بهذه المناسبة القضاء والأحكام القضائية مجددًا مؤكدة “أنها تنطلق من دوافع سياسية تحكمت فيها دوافع التخريب مما ساق القضاء بعيدا عن العدل”.[136] وفى شهر يونيو جددت فائزة رافسنجانى غضب المتشددين عليها بتصريحاتها اللاذعة حيث اتهمتهم بالضلوع فى مؤامرة لتخريب مبادرات الرئيس خاتمى وإضعافه، وانتقدت الحملة التى يشنها القضاء ضد الصحافة الموالية لخاتمى مؤكدة إنها غير مشروعة وان الصحافة تلقى فى إيران معاملة سيئة. ولم تعف رافسنجانى حكومة الرئيس خاتمى من صراحتها حين أنحت باللائمة على ضعف أداءه الاقتصادى، وعدم بلورة خطته الخاصة بالإصلاح.[137]
النساء ومستقبل التجربة الإيرانية: إذا كانت فرادة التجربة الإيرنية تنبع من وجود دور فاعل ومؤثر للمرأة كجزء من فاعلية المجتمع المدنى فى ظل منظومة إسلامية، فإنه يمكن القول بأن نجاح تلك التجربة واستمرارها إنما يتوقف على شرطين متلازمين ؛ أولهما الحفاظ على التعددية والحيوية الفائقة للمجتمع المدنى وقدرته على التأثير على النظام السياسى عبر قنوات الانتخاب الحر للمؤسسات وحرية الصحافة وشيوع الرقابة. والثانى الحفاظ فى نفس الوقت وبنفس القوة على الهوية والمرجعية الإسلامية للتجربة الإيرانية. ولاشك أن هذه المعادلة تواجه مع مطلع القرن الجديد مخاطر حقيقية نتيجة تزايد حدة الصراعات واستحكام الاستقطاب بين الاتجاه الليبرالى من جانب والدينى المحافظ من جانب آخر، ذلك أن انتصار أى من الطرفين وما سيترتب عليه من استبعاد للآخر كفيل بأن يودى حتما بهذه التجربة؛ على الجانب الأول يمكن توقع أن يؤدى انفراد الليبرالييين بالسلطة إلى خروج التجربة فى نهاية المطاف عن المنظومة الإسلامية إلى نمط متكرر من أنماط النظم العلمانية بكل ما يحيط بها من انفصام عن ثقافة المجتمع، وعدم استقرار وأزمة شرعية نتيجة خروج القوى الأخرى من النظام.أما انفراد القوى المحافظة بالساحة فسيدفع بالتجربة إلى النموذج السلطوى الشائع فى الشرق الأوسط والعالم الإسلامى تحت غطاء الدين.ولا مناص من القول بأن كلا البديلين ليسا من مصلحة وجود نموذج نسائى إسلامى فاعل. على ضوء ما سبق يمكن القول بأنه إذا كانت حركة النساء المسلمات فى إيران هى أحد الأرقام الأساسية فى النظام حاليا فإن الدور التاريخى الذى يتعين على تلك الحركة – بالتعاون مع كل القوى الإسلامية الإصلاحية والمستنيرة – إنما هو الحفاظ على التوازن الدقيق وعلى الوجود المشترك بين الاتجاهين الليبرالى والمحافظ معا وإيجاد قنوات شرعية وسلمية للتفاعل بينهما وضبط الصراع فى الحدود والأطر المؤسسية ضمانا لاستمرارية ما وصفه الرئيس خاتمى بالديمقراطية الإسلامية التى تعد ركيزة أساسية لوجود وفاعلية المرأة الإيرانية فى إطار منظومة إسلامية.
ميجاواتى سوكارنو: فاعلية الرمز
السيرة السياسية: ميجاواتى سوكارنو البالغة من العمر 52 عاما هى واحدة من أبرز الظواهر السياسية عام 1999 فى إندونيسيا أكبر دولة إسلامية فى العالم (200 مليون نسمة 90% منهم من المسلمين). دخلت سوكارنو إلى معترك الحياة السياسية فى نهاية الثمانينيات حيث انضمت إلى قيادة الحزب الديمقراطى وبدأت شعبيتها فى الصعود حيث يعزى لهذه الشعبية ارتفاع أسهم الحزب وفوزه بـ14% من الأصوات عام 1992. وخرجت ميجاواتى من الحزب إثر مؤامرة من أحد أجنحة الحزب عليها يشار إلى تورط الرئيس السابق سوهارتو والجيش فى تشجيعها وذلك عام 1996 فمنى الحزب بخسارة كبيرة فى شعبيته وانخفض نصيبه من الأصوات إلى 3% فى انتخابات 1997. وبعد سقوط سوهارتو وإعلان الرئيس بحر الدين يوسف حبيبى حرية الصحافة وتشكيل الأحزاب أسست ميجاواتى حزب النضال من أجل الديمقراطية الذى حاز شعبية طاغية فى الشارع الإندونيسي فرضت نفسها هذا العام على الانتخابات البرلمانية والاقتراع الرئاسى معا.
وتوصف ميجاواتى وحزبها أيديولوجيا بكونها تعبير عن الاتجاه القومى المحافظ الذى يعارض مطالب الاستقلال القومى التى ترفعها حاليا بعض الأقاليم الإندونيسية. كما تتبنى ميجاواتى شعار الديمقراطية الذى تتبناه كافة القوى والفعاليات التى تنشط حاليا فى الساحة الإندونيسية على أنقاض حكم سوهارتو الطويل ذو الطابع الفردى الاستبدادى. تدين ميجاواتى وحزبها بالطابع العلمانى الذى يعبر عن تيار فى المجتمع الإندونيسي يحيد الدين فى الممارسات والحياة الاجتماعية كما يجتذب هذا الاتجاه تأييد الأقليات الدينية والعرقية المؤثرة اقتصاديا واجتماعيا مثل المسيحيين والهندوس والبوذيين فضلا عن الأقلية الصينية التى تسيطر على ما يتراوح بين 70- 80% من الاقتصاد الوطنى.[138]
تحليل الظاهرة: يتفق كثير من المحللين أن ظاهرة ميجاواتى سوكارنو فى إندونيسيا إنما هى محصلة لثلاثة عوامل مزيج بين الذاتية والموضوعية:
أولا: ضعف المؤهلات الشخصية.فهى وافدة حديثا على الحياة السياسية لم تعرف باهتماماتها السياسية قبل نهاية الثمانينيات بل قضت أغلب سنى عمرها كربة منزل وأم. وهى فضلا عن ذلك لم تتم دراستها الجامعية. وتنعكس قلة الثقافة والخبرة فى الخطاب السياسى لميجاواتى فهى فضلا عن عزوفها عن الحديث، فإن حديثها يتسم غالبا بالبساطة والتركيز على العموميات والشعارات، والامتناع عن طرح أية رؤية اجتماعية أو سياسية أو مشروع واضح المعالم لمواجهة مشكلات البلاد فى حالة توليها السلطة، وتميل دائما إلى الإحالة لوجود متخصصين وفنيين فى حزبها سيتولون صياغة تلك المشروعات فيما بعد حدوث التغيير فى النظام.[139]
ثانيا- الواقع الإندونيسي والحاجة الملحة للتغيير والإصلاح. يفسر البعض ظاهرة ميجاواتى باعتبارها نتاجا أو تعبيرا عن أزمة متعددة الأبعاد فى المجتمع الإندونيسي تفرض الإصلاح والتغيير كأمل ومطلب يسعى إليه الإندونيسيون. هناك الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تعد إحدى تداعيات الأزمة المالية الآسيوية الشهيرة التى اجتاحت دول النمور الآسيوية فى 1997 حيث فقدت العملة الأندونيسية ما يقرب من 40% من قيمتها، وأضحى ما يقرب من 100مليون أندونيسى (أى نصف السكان) تحت خط الفقر. وترتب على ذلك ازدياد حدة التوتر والاحتقان الاجتماعى الذى انعكس فى “انتفاضات الجوعى” التى اجتاحت أندونيسيا فى نهاية عهد الرئيس الأسبق سوهارتو وتمثلت فى هجمات جماعية على أحياء الأثرياء. وأخيرا هناك أزمة الاندماج القومى المتجسدة فى تصاعد حركات الاستقلال والانفصال عن أندونيسيا على أسس عرقية أو دينية أو إقليمية. وقد بدأت بتفاقم قضية تيمور الشرقية التى انتهت- بدعم غربى ودولى- الى الاستقلال. ولا يزال ملف الانفصال – وما يقترن به من عنف – مفتوحا على مصراعيه فى كل من أتشية وإيريان جايا وغيرهما. رافق هذ الظرف الموضوعى المتأزم ظهور ميجاواتى على الساحة السياسية زعيمة لحزب النضال الديمقراطى. وفسر البعض الشعبية الطاغية التى حازتها ميجاواتى سوكارنو بكونها استجابة لرغبة ملحة لدى الشعب الإندونيسي فى التغيير فى الوجوه والسياسات معا.
ثالثا- قوة الرمز: ويمثل هذا البعد أقوى ما تتمتع به ميجاواتى سوكارنو والذى كفل لها ملء فراغ الزعامة فى المجتمع الإندونيسي. تستمد ميجاواتى سوكارنو شعبيتها الطاغية من كونها إبنة الزعيم الإندونيسي ومؤسس إندونيسيا الحديثة أحمد سوكارنو. وهى سمة تضمن لها – خلاف غيرها- أولًا الاعتراف فى عموم جزر إندونيسيا. وتضمن لها من جانب آخر الشرعية (التى ترتبط فى عهد ما بعد سوهارتو بالتناقض مع عهد سوهارتو) وهو ما يتطابق مع حالة ميجاواتى. فهى رمز للمضطهدين فى عهد سوهارتو الذى لم ين طوال عهده عن تشويه سوكارنو وميراثه. وقد تعرضت ميجاواتى ضمن أسرته لهذا الاضطهاد الذى كان آخر مظاهره التآمر لإبعادها عن قيادة حزبها السابق الحزب الديمقراطى عام 1996. كذلك فإن ارتباط ميجاواتى بإسم سوكارنو -الذى كان متحالفًا مع الشيوعيين ومرتبطا بحركة العالم الثالث – جعل صورتها ترتبط لدى الكثيرين من أبناء الشعب الإندونيسي- حسب استطلاعات رأى كثيرة أجرتها الصحافة الغربية- بانتصار الفقراء والمعدمين وأبناء الطبقة الوسطى التى تهاوت مواقعها الاجتماعية إثر الأزمة الاقتصادية عام 1997.[140] وقد استغلت ميجاواتى وحزبها بمهارة أبعاد الصورة والرمز المرتبط بها على صعيد الشعارات السياسية خلال الانتخابات هذا العام خاصة عندما وصفت العهد الجديد الذى تعد به الشعب بأنه حركة “التحرير الثانى لإندونيسيا”.
الحدث السياسى: الانتخابات النيابية والاقتراع الرئاسى
خاضت ميجاواتى سوكارنو بحزيها عام 1999 معركتين سياسيتين بارزتين على طريق صعودها السياسى هما الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء مجلس الشعب الاستشارى. والاقتراع الرئاسي لاختيار رئيس إندونيسيا الرابع بين أعضاء المجلس فى أكتوبر.
فى يونيو شهدت إندونيسيا معركة انتخابية تشريعية حامية هى الانتخابات الأولى من نوعها منذ 44 عاما. كانت ميجاواتى سوكارنو على رأس حزبها النضالى الديمقراطى هى الحصان الأسود فى هذه الانتخابات الذى شارك ضمن 48 حزبا لاختيار 462 عضوًا منتخبا فى المجلس التشريعى المعروف بمجلس الشعب الاستشارى. وقد تميز أداء ميجاواتى خلال الحملة الانتخابية بنجاحها غير المسبوق فى حشد وتعبئة جماهير الحزب فى الشارع وأمام صناديق الاقتراع. لعل أبرز تلك المناسبات ما يعرف بالمظاهرة الحمراء التى احتشد فيها ما يقرب من مليون من أنصار الحزب فى شوارع جاكرتا متشحين بشعار الحزب الأحمر اللون. تميزت الحملة الانتخابية كذلك بحرب سياسية مغرضة ضد ميجاواتى بهدف الإساءة اليها. تراوحت هذه الحرب بين الشائعات التى شككت فى دينها (بمناسبة زيارتها لأحد المعابد البوذية والزعم بأنها صلت هناك إلى جانب الثقل الذى تحظى به العناصر غير المسلمة فى حزبها خاصة مستوياته القيادية) [141]. كذلك أحاطت بها الاتهامات المتعلقة بدورها السياسى مثل القول بضعف مشاركتها فى الانتفاضات التى أدت إلى إسقاط سوهارتو، فضلا عن شائعات واتهامات تتعلق بالفساد.[142] غير أن أخطر أسلحة المعركة التى شرعت فى وجه ميجاواتى كإمرأة تسعى لأداء دور سياسى قيادى فى دولة إسلامية هو مرة أخرى سلاح الدين؛ تمثل ذلك فى دعوة مجلس العلماء الإندونيسي وجماعة المحمدية ثانى أكبر الجماعات فى أندونيسيا الناخبين المسلمين إلى مساندة الأحزاب انطلاقا من مواقفها الدينية. وقد أثار هذا الاتجاه فى الخطاب انتقادات العديد من علماء الدين البارزين مثل الجمعية الوطنية لعلماء الدين التى وجهت نداء فى ختام مؤتمر عقدته فى شهر يونيو دانت فيه المغالاة فى استخدام الدين كسلاح سياسى، منبهة إلى توظيف ذلك الاستخدام لخدمة مصالح مجموعات وزعماء سياسيين معينين فى صراعهم على السلطة، وكاشفة ما ينطوى عليه هذا الأسلوب من إساءة لاستخدام تعاليم الإسلام. كذلك ناشد حزب جولكار الحاكم – والمشرف على الانتخابات- الناخبين بدوره بأن “أندونيسيا لا تحتاج إلى مزج الدين بالسياسة”.[143]
رغم الحرب السياسية وغير السياسية ضد ميجاواتى فقد نجحت وحزبها فى الفوز بأكبر الأصوات قياسا بسائر الأحزاب وإن لم يحقق لها هذا الفوز الأغلبية. حصل حزب النضال الديمقراطى على 154 مقعدًا من مقاعد مجلس الشعب الاستشارى بنسبة 34%، تلاه حزب جولكار بنسبة 22%.
فى أكتوبر من العام نفسه خاضت ميجاواتى معركتها الثانية الكبرى على مقعد رئاسة الجمهورية من خلال الاقتراع الرئاسى بين أعضاء مجلس الشعب الاستشارى الذى يضم سبعمائة عضو. اعتمدت هذه المعركة فى المقام الأول على التحالفات السياسية بين الكتل والأحزاب داخل المجلس مما قلل من فرص ميجاواتى رغم كون حزبها أكبر الأحزاب الممثلة فى المجلس. وقد تركزت صفقات التحالف بين أحزاب الأقلية الأخرى مما أسفر فى العشرين من أكتوبر عن فوز عبد الرحمن عبد الواحد الأب الروحى لجمعية نهضة العلماء وزعيم حزب اليقظة القومى بـ373 صوتا مقابل 313 صوتا حصلت عليها ميجاواتى. وإذا كانت سياسة تعبئة الجماهير قد نجحت فى تحقيق الفوز لميجاواتى وحزبها فى انتخابات الهيئة التشريعية فإن هذه الأداة لم تعدم فائدتها كذلك فى الاقتراع الرئاسى حين بدت ملامح الاتجاه لتجاهل ميجاواتى تمامًا فى تشكيل بنية السلطة المقرر لها قيادة إندونيسيا إلى مطلع القرن القادم ؛ فقد جاء خروج عشرات الآلاف من أنصار ميجاواتى عقب اختيار الرئيس الجديد فى سلسلة من أعمال العنف والتفجيرات التى هددت بجر البلاد الى حمام من الدم – جاء حاسمًا فى إقناع النخبة النيابية بمراعاة الرقم الذى تمثله ميجاواتى فى الشارع الأندونيسى فكان اختيار ميجاواتى سوكارنو فى اليوم التالى (الحادى والعشرين من أكتوبر) لمنصب نائب رئيس الجمهورية الذى كان مطمعًا لعديد من القوى السياسية بما فى ذلك المؤسسة العسكرية. وقد حصلت ميجاواتى فى هذا الاقتراع على 396 صوتا (بنسبة 57.8%) مقابل 284 صوتًا لمنافسها. وقد واجهت ميجاواتى خلال معركتها الرئاسية أيضا خصومًا شرعوا الدين سلاحا فى صراعهم السياسى ضدها ليس لكونها رمزًا من رموز العلمانية فى البلاد بما يتناقض مع المشروع الإسلامى وإنما لكونها امرأة. واستخدموا فى ذلك الرأى الفقهى السلفى الذى يرى المرأة ليست أهلا للولاية (يذكر فى هذا قرار الحزب الموحد للتنمية -إسلامي- الذى أعلن أنه لن يؤيد سوى رجل فى منصب الرئاسة، وكذلك إعلان 200 من علماء الدين فى شرق جاوا رفضهم تولى ميجاواتى الرئاسة لأنها أنثى).
مستقبل ظاهرة ميجاواتى سوكارنو: تتباين التنبؤات بشأن المستقبل السياسى لميجاواتى سوكارنو ففى حين يرى البعض أنها تنبىء بامتداد ظاهرة الوراثة السياسية للنساء فى آسيا التى عرفتها من قبل الهند وباكستان وبنجلاديش وسريلانكا، فالبعض الآخر لا يرى لها مستقبلًا واعدًا فى ظل ما سبقت الإشارة اليه من ضعف مؤهلاتها الشخصية خاصة فى نطاق الخطاب والمناظرة..الخ. والواقع أنه أيًا كانت الخلافات حول شخصية ورؤية ميجاواتى سوكارنو فإن سيرتها السياسية لا تعزز القول بتجاهلها.فقد أثبتت الأحداث أن أهم ما تمتلكه ميجاواتى سوكارنو هو الإرادة والطموح السياسى الذى أتاح لها البقاء على مدى عقد على الساحة السياسية ومعاودة النهوض بعد ضربها فى ظل سوكارنو. الجانب الثانى هو الشرعية الطاغية التى تحظى بها و يفتقد إليها بعض الساسة المحنكين وذوى الخبرة. وأخيرًا فقد أثبتت أحداث هذا العام قدرة ميجاواتى على الأداء السياسى الجيد والمتزن فى آن واحد وقدرتها على حشد الجماهير والتحكم فى حركتها؛ ففى يونيو إبان الانتخابات النيابية استخدمت ميجاواتى سلاح التعبئة ودفعت بمئات الآلاف من أنصارها للشارع دون حوادث شغب أو مصادمات. وفى أكتوبر وظفت ميجاواتى سلاح التعبئة الجماهيرية لصالح حصولها على نصيب من السلطة بعد أن تكاتفت الأحزاب والكتل الأخرى ضدها فى اقتراع الرئاسة. وجاء قبولها لمنصب النائب بمثابة خطوة حكيمة فى ظل الأخطار التى تواجه وحدة إندونيسيا فى الوقت الراهن بما يصعب أن يتحمل عبئه منفردًا طرف أو حزب واحد.
يمكن القول بأن المستقبل يحمل لميجاواتى واحدًا من ثلاث أنماط للقيادة التى تتوقف على مدى وحدود قدرتها على التطور والنضج: أولها نمط القيادة االتاريخية التى تعبر بمجتمعها مشكلاته وأزماته بحكمة ورؤية بعيدة الأفق ( نموذج تاتشر وأنديرا غاندى)، الثانى هو نمط محترف السياسة وهو نمط شائع يعنى بهاجس وحيد هو البقاء السياسى surviving ويقوم على اعتماد أدوات المناورة والخطاب الديماجوجى ولا يتورع عن استغلال السلطة (النموذج البارز لذلك بيناظير بوتو). وأخيرا هناك قيادة الصدفة وهى نموذج تدفع به الظروف الى السياسة دون مؤهلات ولكنه يعجز عن مجابهة المشكلات وتطوير قدراته لمواجهتها (والنموذج البارز لذلك هى كورازون أكينو رئيسة الفلبين السابقة التى دخلت مجال العمل السياسى امتدادا لزوجها الذى قتل بتدبير من ديكتاتور الفلبين فرديناند ماركوس وفى إطار حملة للانتقام من ماركوس لكنها انتهت إلى الفشل السياسى).
وان عزيزة إسماعيل – ماليزيا
تثير حالة السيدة وان عزيزة إسماعيل التى فرضت نفسها بقوة على الواقع الماليزى وعلى الصحافة العالمية -خاصة فى النصف الأول من العام- العديد من الأفكار والتساؤلات المحورية نجملها فى نقطتين:
أولا- إن خبرة عزيزة إسماعيل هى نموذج يجسد ما يمكن أن نسميه بـ” سياسات النساء”. يعكس هذا المفهوم نمطًا مستحدثًا ارتبط بحركة النساء فى العمل العام وهو نمط تسقط فيه العديد من الفواصل الوهمية بين العام والخاص، وبين السياسى والاجتماعى. فقد ارتبطت مساهمات كثير من النساء فى العمل العام بدوافع وظروف وارتباطات أسرية ظلت تعكس نفسها على حركتهن. ويخالف هذا النمط النموذج الذكورى العريق والمستقر للعمل السياسى الذى يقوم على الفصل الحاد بين مهنة السياسى وحياته الخاصة.
ارتبط دخول وان عزيزة إسماعيل (46 عامًا) إلى العمل السياسى بأزمة خاصة تمثلت فى المحنة التى تعرض لها زوجها أنور إبراهيم نائب رئيس الوزراء السابق إثر اتهامه بالفساد والانحراف الأخلاقى، وذلك بعد وقت قصير من إقالته من منصبه فى سبتمبر 1998 وإعلان تحديه لرئيس الوزراء مهاتير محمد وسياسته. وقد ألحقت تلك الاتهامات -التى اعتقل بسببها أنور ابراهيم- العار به وبأسرته المكونة من زوجة وستة أبناء. كما أثارت تلك الاتهامات انقسامًا فى المجتمع الماليزى زاد الاحتقان الاقتصادى والأزمة المالية الآسيوية من حدته، فخرج الآلاف من أنصار أنور إبراهيم إلى الشارع معلنين تكذيبهم لتلك الاتهامات، ومتهمين رئيس الوزراء بتلفيقها بغرض التخلص من منافس قوى له فى ظل احتمالات الإطاحة به بعد الانهيار الاقتصادى الذى أصاب ماليزيا. وقد أدين أنور إبراهيم بأربع تهم للفساد بعد محاكمة استغرقت 77 يومًا هى أطول محاكمة فى تاريخ ماليزيا، وصدر حكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات فيما اعتبره أنصاره حكمًا قاسيًا خرج على أثر صدوره الآلاف من أنصاره فى مظاهرات وأعمال شغب واسعة النطاق.
واجهت زوجة أنور إبراهيم ما لحق بزوجها وأسرتها من ظلم – حسب اعتقادها- بالخروج من منزلها الذى ظل مجالها الحيوى على مدى 19 إلى رحابة العمل العام. رفعت وان عزيزة إسماعيل التى لم تخبر من قبل العمل السياسى شعار “العدالة” كمطلب خاص وعام، فشكلت حزب العدالة الوطنى Keadilan nasional، وقادت المظاهرات أثناء أزمة زوجها مطالبة بالعدالة والإصلاح reformasi، وأكدت أنها قد أخذت عهدًا على نفسها بتحقيق العدالة التى افتقر اليها زوجها لجميع الماليزيين الأمر الذى لا يمكن تحقيقه إلا من خلال السلطة. [144] كذلك سعت وان عزيزة إسماعيل إلى بناء صورة رمزية لها فى الشارع السياسى مستلهمة خبرتها كربة أسرة هى صورة “الأم” للشباب الماليزى الذى شكل الجانب الأكبر من أنصارها. أكدت عزيزة إسماعيل أن الأزمة قد حولتها من مجرد أم لأطفالها الستة الى “أم لكل شباب ماليزيا الذين أيدوا قضية زوجها”، وأنها تأمل فى أن تصبح كالأم تريزا فى مخاطبتها كل النوازع الطيبة فى الرجال والنساء على حد سواء والتواصل مع مشاعرهم وقيمهم وإنسانيتهم.[145]
ثانيا – يلفت نموذج وان عزيزة إسماعيل الانتباه إلى ظاهرة هامة تسترعى التفكير وهى نزوع العديد من الإسلاميين إلى الوقوف على أرضية الفكر والخطاب العلمانى الغربى عند انتقالهم من إطار الحركة الحزبية الضيقة الى الحركة السياسية فى إطار قومى من خلال المنافسة على السلطة. لا يقتصر ذلك على نهج عزيزة إسماعيل بل سبق أن رصدنا فى موضع سابق هذا الاتجاه فى خبرة مروة قاوقجى فى تركيا، وفى حركة الأحزاب الأندونيسية ومنها الأحزاب الإسلامية مثل حزب التفويض القومى بزعامة أمين رايس وحزب اليقظة القومى بزعامة عبد الرحمن عبد الواحد اللذين يؤكدان حرصهما على علمانية البلاد ويلتزمان فى خطابهما السياسى نهجا علمانيا قوميا. والراجح أن اللجوء الى هذا الخطاب إنما يحمل نوعا الإحالة لمرجعية جاهزة تقر التعددية وحرية الرأى فى الوقت الذى يغيب فيه وجود منظور إسلامى معاصر يقدم تأصيلا لمفاهيم الحريات والمواطنة و إقرار حقوق الاختلاف والتعددية. الجانب الثانى يتمثل فى تطمنة الأقليات الدينية على أوضاعها فى ظل أيضا غياب مفهوم إسلامى معاصر ومعترف به يكفل حقوق المواطنة لغير المسلمين فى المجتمع.
فى هذا الإطار كان حرص عزيزة إسماعيل -التى تميزت بزيها ومظهرها الإسلامى- وكذلك قيادات حزبها على تأكيد أنه ليس حزبًا إسلاميا وأنه يسعى للحصول على تأييد الأقلية الصينية المسيحية النافذة التى تشكل 30% من السكان.[146] وأكدت عزيزة إسماعيل أنها تؤمن بوحدة الإنسانية فى مواجهة الانقسامات العرقية، وتسعى لأن تجعل الماليزيين يؤمنون بذلك.
بذلت عزيزة إسماعيل طوال العام جهودا مضنية لبناء قواعد حزبها الجديد (الذى بلغ عدد أعضائه عند إنشائه 12 ألفًا) وذلك فى إطار الاستعداد لتحدى ومنافسة رئيس الوزراء القوى مهاتير محمد وجبهته الحاكمة (UMNO) المستقرة فى الحكم منذ 18 عاما والتى تسيطر على ثلثى مقاعد االبرلمان. فتحالفت مع حزبى المعارضة الرئيسيين ( حزب ماليزيا الإسلامى PAS وحزب العمل الديمقراطى الذى يرتكز على الأقلية الصينية).[147] كذلك جابت عزيزة إسماعيل أنحاء ماليزيا للدعوة لحزبها الجديد وحشد التأييد لها والتعاطف مع زوجها من خلال اجتماعات حاشدة ولقاءات جماهيرية.[148] كما عملت على تسويق نفسها سياسيا فى الإطار الإقليمى الأوسع كما ظهر فى زيارتها للفلبين فى نهايات إبريل التى أثارت احتجاج الحكومة الماليزية إزاء الفلبين.
لقد أثار الظهور السياسى لوان عزيزة إسماعيل إبان أزمة زوجها ثورة من التوقعات إزاء مستقبلها السياسى وما تمثله من تهديد حقيقى لمكانة رئيس الوزراء المخضرم مهاتير محمد، ولعبت الصحافة والحكومات الغربية دورا هاما فى تعزيز وتضخيم حجم هذا التهديد وفى استخدام قضية أنور إبراهيم لضرب رئيس الوزراء الماليزى الذى اتهم الغرب واليهود علنا بالتسبب فى الأزمة المالية للنمور الآسيوية الصاعدة والتآمر لضرب الاقتصاد الماليزى. غير أن تطورات الواقع الماليزى لم تسمح بتكرار تجربة سوهارتو فى أندونيسيا بفضل نجاح مهاتير محمد وحزبه فى تجاوز مضاعفات الأزمة ومعاودة الوقوف على طريق العافية الاقتصادية من جديد. وقد انعكس هذا النجاح الاقتصادى -رغم آثار قضية انور إبراهيم- إيجابًا على صناديق الاقتراع فى الانتخابات التى أجريت فى شهر نوفمبر حيث أحرزت أحزاب الجبهة الوطنية الماليزية بزعامة مهاتير محمد فوزًا ساحقًا فحازت أكثر من ثلثى مقاعد البرلمان (148 مقعدًا من أصل 193 مقعد) ولم يلق الحزب سوى هزيمة رمزية بعد أن خسر ولاية فى شمال شرقى البلاد أمام حزب العدالة الوطنى ومرشحته وان عزيزة وان إسماعيل.

4- التفاعلات الإسلامية فى قضايا المرأة

يفتح مفهوم التفاعلات الإسلامية -الإسلامية على إطلاقه آفاقًا ملتبسة وغير محدودة للرصد بما يقتضى ضبط المفهوم وتحديد معيار أو معايير محددة لتصنيف الظاهرة محل الدراسة. فى هذا الإطار يمكن التعامل مع التفاعلات الإسلامية فى شأن المرأة عبر مفهومين أكثر تحديدًا يؤدى كل منهما الى نتائج مختلفة هما: أولًا التفاعلات الإسلامية حول قضايا المرأة، وثانيًا التفاعلات حول قضايا المرأة فى العالم الإسلامى.المعيار المتبع فى هذا التصنيف هو حضور أو غياب الوعى الإسلامى أو مفهوم الأمة بين أطراف التفاعل ولو فى حدوده الدنيا المتمثلة فى التعاطف أو التجاوب الذى يعبر عن نفسه فى أنماط تلقائية من السلوك العام. فالمفهوم الأول يتجلى فيه هذا الوعى بوجود للتواصل الإسلامى بينما يغيب فى المفهوم الثانى لصالح أنماط أخرى من الصلات ( القومية، الإقليمية، العرقية..الخ) بين مجموعات من بلدان العالم الإسلامى.
~التفاعلات الإسلامية} حول قضايا المرأة
رغم وجود قضايا كبرى تتعلق بالمرأة وتمس فى ذات الوقت صميم كيان الأمة ووعيها مثل الاغتصاب الجماعى لنساء كوسوفا والاضطهاد الجماعى لنساء أفغانستان باسم الإسلام، فإن هذه القضايا بدت غائبة عن ساحة العمل الإسلامى فى ظل انحسار مفهوم الأمة ذاته، وتهافت المنظمة الأم التى تعد التعبير المؤسسى الأول عن المفهوم ( منظمة المؤتمر الإسلامى). اقتصرت أنماط التجاوب على بعض المساعدات ذات الطابع الإنسانى التى تطوعت بعض الدول والجهات الإسلامية بتقديمها للاجئى كوسوفا – ضمن عديد من دول العالم الأخرى- بينما لم تجد أغلب الدول الإسلامية فيما حدث سواء فى كوسوفا أو الشيشان ما يستدعى قطع العلاقات السياسية مع البلدان المعتدية أو القيام بإجراءات للضغط الجماعى ضدها. ومن أبرز ما قدم مساعدات إنسانية للاجئى كوسوفا قيام دولة الإمارات المتحدة بإنشاء مخيم للاجئين فى ألبانيا يأوى عشرة آلاف لاجىء ويضم خدمات متكاملة ومتطورة للإعاشة (مستشفى، مدرسة،دارا للعجزة والأيتام) فضلًا عن توفير حراسة أمنية جيدة تشرف عليها وتتولاها وحدة إماراتية.[149]
على الجانب الآخر لم يرصد التقرير تفاعلات على النطاق الإسلامى إزاء أيًا من القضايا الملحة التى واجهتها نساء العالم الإسلامى كقضايا العنف والأمية..الخ بينما نظمت الجهات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة تدعمها المؤسسات الغربية العديد من المؤتمرات الدولية لرصد تلك الأمراض الاجتماعية والضغط على دول العالم من أجل التحرك إزاءها. كذلك التزم العالم الإسلامى الصمت إزاء ما يحدث فى أفغانستان فيما لم تتوقف حركة الأمم المتحدة والمنظمات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية الغربية- بغض النظر عن الأهداف والنوايا- لإثارة قضية المرأة هناك والضغط على حكومة طالبان من أجل رفع القيود التى فرضتها على المرأة هناك. ولعل من أبرز تلك الحملات الحملة التى نظمتها أكثر من 130 مؤسسة ومنظمة أمريكية نسوية وغير نسوية لمناصرة قضية النساء الأفغانيات والضغط على حكومات العالم بشأنهن والتى اتخذت شعار” أوقفوا الأبارتيد النوعى فى أفغانستان”.[150]
ومن المفارقات المثيرة أنه فى مقابل التقاعس عن نصرة النساء المسلمات المستضعفات فإن بعض التفاعلات المحدودة ذات الطابع الإسلامى التى نشطت هنا أو هناك حول المرأة استهدفت بدورها مزيدا من التحجيم والتهميش للمرأة فى الداخل الإسلامى؛ مثل لجوء بعض الإسلاميين فى الكويت إلى استدعاء فتاوى قديمة أصدرها الأزهر فى فترات سابقة بشأن عدم صلاحية النساء للولايات العامة لدعم موقف الأصوليين الكويتيين المناهض للحقوق السياسية للنساء. كذلك فعلت بعض الجهات الأندونيسية باللجوء الى الأزهر للفتوى حول جواز الولاية العظمى للمرأة بمناسبة منافسة ميجاواتى سوكارنو على مقعد الرياسة. وقد أثار هذا الاستفتاء الخلاف بين كبار رجال وجهات الفتوى فى مصر بين القول بالإجازة ( شيخ الأزهر) والمنع ( مفتى الجمهورية).[151]
شهدت المرحلة محل الرصد خمودًا لافتًا فى الانتفاضات والتحركات الجماهيرية التى طالما لعبت دورا هاما فى تاريخ العالم الإسلامى الحديث فى مناصرة قضايا العالم الإسلامى والضغط على الحكومات من أجل التوافق مع الحدود الدنيا لقيم ومشاعر الأمة الإسلامية. واقتصرت أغلب التحركات على نطاق ضيق من الندوات أو الحملات الصحفية إزاء أحداث كوسوفا على وجه الخصوص.
بخلاف القضايا الساخنة المشار اليها رصد التقرير بعض التفاعلات الإسلامية على النطاق الأكاديمى لمعالجة قضايا ممتدة. من بينها اجتماع “الملتقى النسائى العلمى العالمى” فى الخرطوم (من 19- 21 بريل 1999) وذلك فى إطار النشاط الذى يقوم به المنظمة المعروفة بـ”الاتحاد النسائى الإسلامى العالمى”. عقد المؤتمر تحت شعار ” المرأة المسلمة واستنهاض الأمة”، وضم عدد من الباحثات والعالمات فى العلوم الفقهية والشرعية للتعرف على آفاق البحث والاستنباط فى شتى فقهيات الحياة المعاصرة. وقد انتهى المؤتمر الى مجموعة من التوصيات الهامة منها تشكيل كيان دائم للعالمات المسلمات تحت إسم ” المجلس العالمى للمسلمات العالمات”، كما انتهى الى بعض القرارات ذات الصلة بمجال البحث منها العمل على إجراء دراسة مقارنة بين المرأة فى الشريعة الإسلامية والمرأة فى القوانين الدولية تكون بمثابة مرجعية للدول الإسلامية، وحث المؤتمر على ضرورة مشاركة المرأة المسلمة فى المؤتمرات والمحافل الدولية التى تتعلق بقضايا المرأة.[152]
كذلك يمثل النشاط البحثى والأكاديمى أحد أبرز الأنشطة التى تقوم بها المؤسسات والجمعيات الإسلامية لمسلمى المهجر فى أوروبا وأمريكا، وهو نشاط يدعمه احتكاك هؤلاء المسلمين بقيم وأفكار التعددية والليبرالية الغربية، وتحديات الرؤى الغربية المتحيزة عن الإسلام، فضلا عن تواصل تلك الجهات مع الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الغربية خاصة منها المعنية بدراسة أحوال الإسلام. وقد أدت مجمل الظروف السابقة الى تبنى تلك المحافل لمنحى تجديدى واضح سواء بالنسبة للمرأة أو لطرح وموقف الإسلام من قضايا الحريات وحقوق الإنسان والديمقرطية. من أمثلة تلك المنتديات الحلقة النقاشية التى نظمها فى لندن المنبر الدولى للحوار الإسلامى بالتعاون مع مركز الدراسات الديمقراطية فى جامعة وستمنستر البريطانية فى إبريل وشارك فيها علماء مسلمون ومستشرقون بهدف ” تعميق النقاش حول المنظور الإسلامى لمسألتى التعددية والمجتمع المدنى”. ومثلت قضية المرأة أحد المحاور الأساسية للحلقة حيث نوقشت تحت عنوان ” المرأة المسلمة: أداة تغيير فى المجتمع الإسلامى”.[153]
فى المحصلة يمكن القول بأن التفاعلات المنظمة والقصدية ذات الطابع الإسلامى فى مجال المرأة قد اتسمت بالانقطاع والتعثر الواضح، وابتعدت فى أغلبها عن القضايا الحيوية الملحة للمرأة. وهكذا ظل أقصى درجات التشارك بين النساء المسلمات هى المشاركة فى الهموم والمشكلات؛ بدءا من وضع المرأة فى الأسرة، وضغط التقاليد، وتدنى الوضع الاجتماعى للمرأة، والتعرض الكثيف للعنف، وتعثر جهود التمكين، مرورا بارتفاع نسب العنوسة والطلاق وتفاقم الأعباء اليومية، وانتهاء بغبن التشريعات خاصة فى مجال الأحوال الشخصية.

التفاعلات حول قضية المرأة بين دول العالم الإسلامى

وفقا لهذا التصنيف فالـ”إسلامية “لا تعدو كونها وصفًا لمجموعة من الكيانات الدولية لا يحمل أى مدلول سياسى أو أيديولوجى، إذ قد يجمع فى بوتقة واحدة دولًا ذات توجه علمانى غربى مثل تركيا وأخرى ذات توجه دينى متشدد وإنعزالى كأفغانستان. فى هذا الإطار يبرز بقوة العنصر الإقليمى فى التفاعل الدولى؛ إذ نلحظ كثافة فى شبكات التفاعل، وتنوعًا فى أنماطه (اقتصادى، سياسى، علمى، فنى..الخ) بين عدد من الوحدات التى تجمع بينها وشائج إضافية مثل اللغة أو الثقافة أو الإقليم أو العرق..الخ داخل أقاليم معينة فى إطار الأفق الإسلامى الأوسع.
فى إطار المتاح من بيانات يمكن إلقاء الضوء على أبرز التفاعلات بشأن قضايا المرأة فى إطار واحد من تلك الأقاليم ذات المكانة المركزية فى العالم الإسلامى وهو النظام الإقليمى العربى كنموذج لهذه السمة الإقليمية فى التفاعلات.
تنوعت مجالات التفاعل فى شأن المرأة فى النطاق العربى ما بين مجالات السياسة والعلم والفن والأعمال الخ؛ ففى إبريل التأم فى أبو ظبى مؤتمر ” تفاعل المرأة العربية مع العلوم والتكنولوجيا” ( 24- 26 إبريل). وانتهى المؤتمر الى صدور ” إعلان أبو ظبى” الذى تبنى عدة توصيات أكدت على أهمية تطوير النظام التعليمى فى جميع مراحله وإصلاح عناصر المنظومة التعليمية من أجل زيادة المردود الثقافى والاقتصدى والاجتماعى. ودعا المؤتمر الى تحقيق مبدأ التعليم للجميع وترجمة هذا الحق فى فرص تعليمية متكافئة بين الجنسين وتعميم التعليم الأساسى بين الصغار والقضاء على أمية الكبار خاصة بين الإناث.[154]
فى إطار جامعة الدول العربية عقدت اللجنة الفنية الاستشارية للمرأة العربية دورتها الرابعة والعشرين فى الصيف بالقاهرة بمشاركة وفود تمثل الجهات المعنية بشئون المرأة والأسرة فى الدول العربية، وممثلين للمنظمات والهيئات العربية والإقليمية والدولية ذات العلاقة، إلى جانب عدد من الخبراء والمتخصصين فى شئون المرأة. وقد عقدت هذه الدورة فى إطار “الاستعدادات التى تجرى على المستوى الدولى والوطنى لاستعراض وتقييم ما تم إنجازه فى إطار تنفيذ نتائج المؤتمر الرابع للمرأة بعد خمس سنوات من انعقاده”، وقد ناقشت اللجنة إعداد تقرير عربى عن المرأة العربيــة سنة 2000.[155]
فى القاهرة عقدت فى شهر سبتمبر الدورة الثالثة للصحفيات العربيات التى نظمتها منظمة التربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو). وخصصت الندوة لتدريب الصحفيات العربيات على “المعالجة لنقدية” لقضايا المرأة فى الصحافة. كما نظمت فى إطارها عدة ندوات ومحاور حول الصحافة والحقوق القانونية للمرأة والعنف المجتمعى ضدها، والتوعية الصحية، ومشكلات المرأة العربية والمتوسطية. وأعلن فى ختام اجتماعات هذه الدورة عن مشروع لتأسيس رابطة للصحفيات العربيات. وفى نطاق الأدب جرت فى دولة عمان فى شهر أكتوبر فعاليات مهرجان شعرى ضم 16 شاعرة عربية تحت عنوان ” مهرجان الخنساء”. ضم المهرجان – الذى يعد أول تجمع للشاعرات العربيات- ضم عددًا من رائدات الشعر العربى مثل فدوى طوقان من فلسطين، وملك عبد العزيز وعلية الجعار من مصر، ولميعة عباس من العراق ومريم بوجودة من لبنان وفوزية أبو خالد من السعودية. وقد اطلقت الشاعرات العديد من نصوصهن التى انطوت على نقد الواقع الاجتماعى والسياسى العربى.[156]
حظى موضوع مشاركة المرأة فى العمل السياسى بنصيب هام من التفاعلات النسائية فى النطاق العربى. فى سبتمبر عقدت بالقاهرة ندوة صوت المرأة الانتخابى مع التطبيق على التجربة المصرية والتونسية ونظمتها دار الهلال الصحفية. وشارك فى الندوة مجموعة من السياسيين والباحثين المصريين والعرب. وانتهت الندوة إلى التأكيد على أهمية تفعيل دور المرأة الانتخابى فى دعم قضايا المرأة ومواجهة مشكلاتها من خلال دعم مركزها فى صنع القرار.[157] وفى شهر سبتمبر شهدت العاصمة التونسية أعمال “المؤتمر الإقليمى للنائبات العربيات” الذى دعا اليه مجلس الأمة التونسى بالتعاون مع المكتب الإقليمى لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية وشاركت فيه وفود من ستة عشر بلدًا عربيًا وممثلين عن الاتحاد البرلمانى الدولى والاتحاد البرلمانى العربى. انصبت أعمال المؤتمر على تقييم مشاركة المرأة فى الحياة السياسية والبرلمانية والبحث عن وسائل تحسين هذه المشاركة. وقد أبدت الحاضرات والحضور القلق إزاء مؤشرات ضعف مشاركة النساء فى البرلمانات العربية والتى تتراوح بين 3% و4% بما لا يعبر عن الثقل الذى تمثله المرأة فى الحياة الاجتماعية والاقتصادية العربية.[158]
شكلت التفاعلات بين اتحادات ورموز سيدات الأعمال العربيات هذا العام “عملية” متكاملة انتهت بتشكيل كيان موحد هو المجلس العربى لسيدات الأعمال. وقد تطورت هذه العملية عبر سلسلة نشطة من للقاءات من أبرزها الملتقى الثانى لسيدات الأعمال العرب ” نحو سوق عربية مشتركة” والذى عقد بالقاهرة تحت رعاية جامعة الدول العربية (9- 13 مارس) وشاركت فيه وفود سيدات العمال من 15 دولة عربية بهدف دعم دور المرأة العربية فى العمل الاقتصادى العربى المشترك، كما تم خلاله مناقشة مشروع تكوين اتحاد لسيدات الأعمال العرب.[159] أعقب هذا الاجتماع سلسلة أخرى من المنتديات الهامة منها مؤتمر القطاع المصرفى ودوره فى دعم الاستثمارات المشتركة بين سيدات الأعمال العربيات (تونس /مايو)[160]، والمؤتمر الاقتصادى لسيدات العمال العرب الذى عقد فى أغسطس بتونس حضرته أكثر من 300 سيدة أعمال يمثلن 16 دولة عربية وأفريقية.[161] وتوجت هذه العملية بإعلان تأسيس أول مجلس عربى لسيدات الأعمال بالقاهرة (فى سبتمبر) بهدف تنمية وتعزيز العلاقات الاقتصادية بين سيدات الأعمال العربيات وتوسيع وتطوير التبادل التجارى بين الدول العربية. وقد تم انتخاب مجلس إدارة المجلس برئاسة الشيخة حصة سعد العبد الله من الكويت وذلك خلال الاجتماعات التى استضافها مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة. كما تم خلال الاجتماع دراسة إنشاء شركة مساهمة لسيدات الأعمال العربيات بهدف دعم التعاون الاقتصادى والاجتماعى بين البلدان العربية والعمل على وضع برنامج دقيق لتقديم الدعم الفنى والمادى والتسويقى لمنتجات المرأة العربية ومشروعاتها.[162] وقد أشار المسئولون بجامعة الدول العربية إلى وجود اتجاه ليصبح المجلس أحد الأجهزة المرتبطة بالجامعة.[163]
أثارت بعض الأنشطة العربية المتعلقة بالمرأة هذا العام ردود فعل واسعة النطاق وحركت جدلًا فى المجتمع بسبب ما تناولته من قضايا ذات حساسية خاصة على رأسها موقف الإسلام من المرأة والأحكام الشرعية الخاصة بها. وارتبط هذا الجدل بمداخلات ومشاركات العناصر العلمانية والنسوية على وجه الخصوص. فى صنعاء وعلى مدى ثلاثة أيام نظمت جامعة صنعاء أول مؤتمر من نوعه لمناقشة “تحديات الدراسات النسوية فى القرن الواحد والعشرين”. وقد شارك فى المؤتمر 163 باحثا وباحثة من 26 بلدًا وبلغ عدد الأبحاث وأوراق العمل المقدمة للمؤتمر 69 دراسة تناولت جوانب القانون والتاريخ والإعلام والتعليم والتنمية واللغة والأدب والتربية وتحديات المراكز النسوية. شهدت قاعات المؤتمر صدامًا بين تيار المطالبة بحقوق المرأة فى إطار المنظومة الإسلامية ومراعاة الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة وبين التيار النسوى الداعى إلى إلغاء كافة لفروق وأشكال التمييز وتأكيد المساواة المطلقة.[164] وقد أحدثت مداخلات التيار الأخير ردود فعل غاضبة لما تضمنته من مساس بالشريعة. امتدت ردود الفعل تلك إلي خارج قاعات المؤتمر حيث شارك خطباء المساجد والصحافة فى إدانة هذه الأفكار واتخذت الحملة منحى متشدد بلغ حد تكفير المشاركين القائمين على تنظيم المؤتمر خاصة المسئولين عن مركز الأبحاث التطبيقية والدراسات النسوية بجامعة صنعاء. وانتهت الحملة باتخاذ إجراءات قمعية تمثلت فى إبعاد رئيسة المركز د. رؤوفة حسن إحدى الرموز النسائية فى اليمن، وإغلاق المركز الذى ترأسه.
فى القاهرة تكرر الحدث بكثير من ملابساته بمناسبة انعقاد المؤتمر الضخم الذى نظمه المجلس الأعلى للثقافة فى أكتوبر بمناسبة مرور 100 عام على صدور كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين والذى يعد علامة فارقة فى تاريخ تحرير المرأة وتطور الفكر الخاص بها فى المجتمع المصرى والعربى. شارك فى المؤتمر الذى انعقد تحت عنوان ” مائة عام على تحرير المرأة العربية” باحثون وأدباء ومفكرون من مختلف البلدان العربية ومن الغرب من المهتمين بدراسات وحركات المرأة العربية. وناقش المؤتمر على مدى خمسة أيام ( من 23 الى 28 نوفمبر) 98 ورقة بحثية، فضلا عن 13 مائدة مستديرة و10 جلسات شهادات. وتناولت محاور المؤتمر أغلب الموضوعات التى تهم المرأة العربية مثل قضايا المشاركة السياسية والقوانين الخاصة بالمرأة والأسرة وعلاقة المرأة بالسلطة فى المجتمع والمرأة والإعلام. والمرأة والأدب وموقف التيارات الدينية المعاصرة من المرأة.[165] شهدت مناقشات المؤتمر الصدام التقليدى بين التيار العلمانى بمختلف فصائله والذى هيمن على أعمال المؤتمر وبين التيار الإسلامى خاصة فى فصيله السلفى الذى شارك ممثلوه بالحضور. وقد أثارت المداخلات لتى تطرق اليها ممثلو التيار النسوى بشأن موقف الشريعة من المرأة، والدعوة الى تحرير المرأة من الفقه، والى إقرار المساواة الكاملة فى حقوق الزواج والطلاق والميراث خلافا للأحكام الشرعية الثابتة فى هذا الخصوص، فضلا عن الدعوة الى تحرير المرأة من المرجعية الدينية الى المرجعية المدنية كما تقدمها منظومات الأمم المتحدة، أثار كل ذلك ردود فعل واسعة النطاق خارج جنبات المؤتمر امتدت الى خطباء المساجد وصفحات الصحف كما نظمت بعض الجهات كحزب العمل ذو الاتجاه الإسلامى مؤتمرا موازيا لإدانة مؤتمر مئوية المرأة.
خاتمة التقرير: عالم المرأة المسلمة.. ملاحظات واتجاهات

رغم صعوبة تكوين رؤية متماسكة حول ظاهرة ما بناء على رصد حركة واتجاهات تلك الظاهرة على مدى عام واحد، فإن الزخم المرتبط بحركة المرأة وارتباط قضاياها بصميم المشكلات والقضايا الحيوية فى الأمة مثل قضايا الهوية، والتجديد الثقافى، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والتبعية، والصراع بين الاتجاهات الدينية والعلمانية، وأنماط السلطة السائدة اجتماعيا وسياسيًا، والصراعات الدولية فى عالم ما بعد القطبين..الخ كل ذلك يتيح لنا استخلاص عدد من الاتجاهات العامة والأفكار التى يجمل أن نختتم بها هذا التقرير حول حال المرأة فى العالم الإسلامى.
فى هذا السياق يمكن تصنيف تلك الملاحظات إلى طائفتين؛ الأولى ملاحظات عامة حول الإطار السياسى-الاجتماعي لحركة المرأة فى العالم الإسلامى، والطائفة الثانية هى ملاحظات تتعلق بالإطار الثقافى لحركة المرأة المسلمة فى الفترة التى شملها التقرير وما يثيره ذلك من قضايا وإشكاليات.

أولا- ملاحظات عامة: الإطار السياسى -الاجتماعى لحركة المرأة
* رغم وجود ظواهر الاستضعاف والتمكين والفاعلية مختلطة فى العموم إلا أن الملاحظ غلبة هذه السمة أو تلك على تجارب بعينها فى العالم الإسلامى. نلحظ أن بعض التجارب يغلب عليها الاستضعاف حيث يستخدم العنف المباشر ضد المجتمع ونسائه (مثل حالات كوسوفا وأفغانستان)، فيما تسود سياسات التمكين حالات أخرى ترتبط غالبًا بهيمنة الدولة على المجتمع المدنى (كافة الأنظمة العربية)، فينما تنفتح مجالات الفاعلية فى الأنظمة التى تفسح أفقا أكبر لحركة المجتمع المدنى بحيث تتكافأ قوته أو ترجح أمام قوة الدولة ( حالة الدول الإسلامية الآسيوية مثل باكستان، بنجلاديش، تركيا، إندونيسيا). ويمكن القول بوجود نوع من التراتبية بين الأنماط الثلاثة من حيث نضج العلاقة بين الدولة والمجتمع.
* رغم تعدد مصادر وأنماط الضغط والاستضعاف التى تثقل كاهل لنساء فى العالم الإسلامى، يمكن القول بأن استضعاف النساء هو- فى جانب كبير منه- جزء لا يتجزأ من استضعاف المجتمع بأسره، وأن المرأة المستضعفة هى أحد تجليات المجتمع المستضعف. يبرز هذا الارتباط بقوة فى النماذج الفجة للاستضعاف مثل كوسوفا وأفغانستان حيث تمارس قوة غاشمة داخلية أو خارجية ألوانا من القمع على المجتمع بأسره يتضاعف أثرها على النساء فى تلك المجتمعات. ففى كوسوفا كانت “سياسة الاغتصاب” جزءا لا يتجزأ من سياسة التطهير العرقى التى أودت بحياة ما يقرب من 100 ألف رجل كوسوفى حسب بعض التقديرات. وفى أفغانستان لا تنفصل سياسة اضطهاد النساء وقمعهن عن مجمل كوارث الحرب التى حاقت بالشعب الأفغانى والتى أدت إلى تشريد ما يقرب من 300 ألف أفغانى، وتهجير 2.6 مليونا خارج أفغانستان ومصرع عشرات الآلاف فى الحرب الأهلية. كما أن إكراه النساء على التزام البيوت وإخفاء أنفسهن بالكامل بالبرقع يلحق به تعزير الرجال على مخالفة المراسيم الخاصة بطول الرداء واللحية والشعر ولبس العمامة.
تنطبق القاعدة أيضًا على الأنماط المختلفة لاستضعاف النساء فى المجتمعات الإسلامية حيث تقع شرائح اجتماعية واسعة فريسة للتخلف وضحية لإخفاقات عملية التنمية غير المتوازنة وآثارها الجانبية وما يترتب عليها من آليات الإفقار والبطالة والاحباطات الاجتماعية واسعة النطاق.وتكون النتيجة أن تدفع غالبية النساء الثمن مزدوجًا فهن يدفعن الثمن الأصلى جنبًا إلى جنب مع الرجال بحكم انتمائهن إلى الطبقات الفقيرة والمضارة أو القطاعات الأكثر تخلفًا ثم يدفعن ثمنًا إضافيًا بوصفهن نساء أو الطرف الأضعف فى نظام اجتماعى تسوده سلطة ذكورية محبَطة مما يولد اتجاها متزايدا لممارسة العنف الاجتماعى ضدهن.[166]
* تثير نماذج التمكين التى شهدها العام العديد من الأفكار الجديرة والتساؤلات التى تستدعى التفكير.على رأس تلك الموضوعات قضية العلاقة المركبة بين التطور من جانب والمجتمع والدولة من جانب آخر، ودور كل من المجتمع والدولة فى دفع أو تعويق حركة التطور. إن قضية الحقوق السياسية للمرأة فى الكويت وقطر لتشير بقوة إلى احتفاظ الدولة فى المشرق -رغم طبيعتها التسلطية- بدورها الريادى فى دفع حركة تطور المجتمع، بينما تقف قوى اجتماعية نافذة بحكم مصالحها أو منظوماتها القيمية كعقبة ومعوق يسعى للإبقاء على الأنماط التقليدية للتنظيم والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
إذا كان هذا هو ما تشير إليه تجارب التمكين فى المراحل الأولى من التحول عن الأنظمة التقليدية، فإن التجارب الأكثر عراقة فى التمكين ( مثل مصر والشام والمغرب) تثير ما يمكن أن نسميه بـ “معضلة التمكين”. ينصرف مفهوم معضلة التمكين فى شقه الأول إلى الحدود أو السقف الذى يمكن أن تقف عنده جهود النخب فى تمكين النساء وكفالة مشاركتهن فى العمليات الاجتماعية والاقتصادية. إذ تشير تلك التجارب إلى أن النظم غالبا ما تكتفى بالحدود الدنيا والرمزية للمشاركة أو تقف عند إقرار حقوق النساء نظريا وتشريعيًا،ً فيما تحرص على إبقاء جوهر نظام توزيع القوى كما هو من حيث ميله بشدة لصالح السلطة الذكورية فى المجتمع. الشق الثانى فى معضلة التمكين يتمثل فيما تنطوى عليه عملية التمكين فى ظل رعاية الدولة من تنمية وترسيخ اتجاهات التبعية والاعتمادية المفرطة لدى النساء انتظارًا لما تقدمه لهم الدولة من منح ومزايا من آن لآخر. وتؤدى هذه العادة النفسية الجماعية إلى استئصال فاعلية النساء وتدجينهن وإفقادهن القدرة على بذل التضحيات والجهود اللازمة من أجل نيل حقوقهن فى المجتمع واستحقاق تلك الحقوق. ولعل هذه السمة تعد أحد المشكلات الأساسية التى تحول دون انتقال النساء إلى مرحلة الفاعلية فى منطقة مركزية وشاسعة من العالم الإسلامى هى المنطقة العربية.
* تدفع نماذج الفاعلية المشار إليها فى التقرير للتأمل في مسألة هامة، ألا وهى الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للفاعلية. تدل تلك النماذج على أن ازدهار دور المرأة وتحقق فاعليتها ليست رهنا بحركتها فى أطر أيديولوجية معينة ( علمانية أو دينية) وإنما هى رهن بمدى تمتع تلك الأنظمة بدرجات معقولة من الانفتاح والتعددية وقبول الرأى والرأى الآخر وضمان حد أدنى من الحقوق والحريات ونشاط المجتمع المدنى (الحادث حتى الآن فى إيران). ويعد هذا الشرط شرطًا عاما يرتبط بحركة النساء فى مختلف أنحاء العالم باعتبار هذه الحركات فى جوهرها حركات إصلاحية تدعو الى تغيير العديد من البنى القائمة لتحقيق مزيد من العدالة والإنصاف وحقوق المواطنة لشريحة كبيرة من المواطنين (النساء) الأمر الذى لا يمكن تحقيقه إلا فى أطر سياسية واجتماعية تسمح بالاختلاف والتغيير.
* تطرح قضايا المرأة نمطًا جديدً من التعامل و “النظر” والتحليل السياسى يسقط الفواصل الوهمية بين السياسة والمجتمع وبين العام والخاص. إن دخول النساء الى عالم السياسة قد يرتبط بدخول قضايا الحياة الأسرية والخاصة الى صميم العمل السياسى ؛ من هذا المنطلق صارت قضايا العنف الأسرى والاغتصاب والأعباء اليومية التى تحملها النساء فى إطار الأسرة والعمل من قضايا السياسة، وصارت قضايا الطلاق والنفقة وتماسك أو تشتت الأسر من هموم العمل السياسى، كما صار لحجاب مروة قاوقجى، ونسب ميجاواتى سوكارنو ومحنة أسرة وان عزيزة إسماعيل تأثيرها المباشر فى النظام السياسى. وواقع الأمر إن هذه السمة لا تعد نوعًا من التشوه والانحراف الطارئ على مفهوم السياسة بقدر ما تعكس إصلاحًا لمحتواه ولمفهوم العملية السياسية فى المجتمعات التى ما وجدت فيها السلطة فى الأصل إلا لمواجهة صميم مشكلات الإنسان.

ثانيا- ملاحظات حول الإطار الثقافى لحركة المرأة المسلمة:
واجهت المرأة المسلمة هذا العام تحديات ثقافية جسيمة لا تقل بل تزيد خطورة عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية النابعة من قضايا التنمية والفقر والتخلف. كما أن تلك المشكلات تشير بالقدر نفسه إلى مجالات واحتمالات مفتوحة للحركة مستقبلا، نستعرض بعضها فى إطار المنظور الحضارى الأشمل الذى يتبناه هذا التقرير.

المشكلات:

* قوى التشدد: تشير أحداث هذا العام الى أن التحدى الثقافى الأول الذى واجه المرأة فى العالم الإسلامى إنما يكمن فى اتجاهات التشدد على اختلاف هوياتها الفكرية سواء كانت دينية (أفغانستان، إيران، الكويت) أو علمانية ( تركيا) على حد سواء.
* التيارات الإسلامية المتشددة: بخلاف حالة تركيا فقد مثلت القوى الإسلامية المتشددة أحد أهم التحديات التى واجهت حركة المرأة المسلمة هذا العام نحو تفعيل دورها الاجتماعى والسياسى فى المجتمع.
تشترك هذه القوى على اختلاف مسمياتها فى تبنى نظرة دونية للمرأة تقوم على الإدانة والشك ومن ثم السعى الى تقليص دورها العام وإحكام الهيمنة عليها. تنبع تلك الرؤى فى جوهرها من جذور تقليدية ترتبط بالحفاظ على أنماط السلطة ومنظومة القيم القبلية والإقطاعية التى تحظى فيها بوضع احتكارى للسلطة والمكانة، وتسعى إلى إكساب هذه المصالح شرعيتها بغطاء دينى يتحكم فى تفسيراتها للنصوص واختياراتها المذهبية والفقهية، فهى تحمل منهجًا انتقائيا فى التراث الفقهى يقوم على اختيار أكثر الأقوال تشددا فى موضوع المرأة، وتدعم خطابها بالإحالة الى نماذج وأنماط الإنحلال فى الغرب ( تابع على سبيل المثال الجدل الذى دار فى الكويت حول الحقوق السياسية للمرأة). وبالنظر الى جوهر فقه المصلحة الذى يحكم أهداف تلك القوى فإنها تلجأ حين العجز عن إيجاد دليل فقهى- لا نقول شرعى- لدعم موقفها إلى خلط خطاب الدين بخطاب القيم والعادات والتراث والتقاليد الحكيمة الموروثة فى مجتمعنا الإسلامى، بل قد تلجأ إلى لىّ عنق الأدلة الشرعية بحجة دفع الضرر وتقاليد الجماعة ( تابع الحجج التى أثارتها تلك القوى لتقييد نظام الخلع الشرعى الذى تبناه القانون الجديد لإجراءات التقاضى فى الأحوال الشخصية فى مصر). وأخيرا فإن من “الحيل” الشائعة فى خطاب هذا التيار استغلال وضعية الجهل وانتشار الأمية وبخاصة الجهل بالدين فى تقديم منظورها باعتباره الطرح الحقيقى والوحيد للدين ولعل هذا ما يفسر انحياز بعض النساء إلى مقولات هذا التيار كما ظهر فى خروج النساء ضمن مظاهرات المتشددين فى إيران وإعلانات الصحف التى نشرتها بعض النساء فى الكويت تعبيرا عن رفضهن منح المرأة الحقوق السياسية.
* قصور قوى الإصلاح الإسلامى: التحدى الثانى الذى يواجه النساء المسلمات يتمثل فى الفراغ القائم فى العمل الإصلاحى والتجديدى الإسلامى وتقاعس العلماء عن المبادرة فى التصدى الإيجابى لمشكلات النساء. لقد أظهر رصد أحوال المرأة هذا العام أن أعدادًا كبيرة من النساء يواجهن فى أغلب البلدان الإسلامية أوضاعا مزرية -لكونهن نساء – نتيجة تراجع القيم الإسلامية من النفوس، وتحيز قوانين الأحوال لشخصية للسلطة المطلقة للرجل وعجزها عن توفير الأطر الآمنة التى ينص عليها الشرع للأسرة والمرأة والأطفال سواء فيما يتعلق بأحكام النفقة أو الطلاق أو توفير المأوى للمرأة المطلقة وأطفالها، أو العنف الأسرى..الخ. وقد اتسم موقف المؤسسات الدينية الرسمية ( ممثلة غالبا فى جهات الإفتاء والأوقاف وكبار علماء المعاهد الدينية ) بالسلبية بصفة عامة إزاء تلك المشكلات المتفاقمة. ولم تشهد العقود الأخيرة من هذا القرن أى تحرك إصلاحى -مناسب لحجم المشكلة- من جانب هذه المؤسسة أو رجال الدين المعتدلين سواء لتوعية الرجال بمسئولياتهم وواجباتهم الشرعية إزاء الأسر أو لتعديل الثغرات أو جوانب الخلل فى المنظومة التشريعية. بل تصدت رموز تلك المؤسسات فى حملات ضارية لكثير من الإجراءات التى تستهدف الإصلاح (بدءا من تعليم البنات فى بعض الدول الإسلامية ومرورا بمواجهة بعض العادات الضارة الملصقة بالدين كالختان انتهاء بإصلاح قوانين الأحوال الشخصية) بدلا من العمل على ترشيد تلك الإصلاحات لتظل فى حدود الشرع، حتى بدت تلك المؤسسات وكأنها الحارس الأمين على معاناة النساء وأوضاعهن المأساوية فى البلدان الإسلامية. وقد أدى هذا الموقف الى وضع خطير يتمثل فى وجود فراغ على ساحة الإصلاح الإسلامى وانعدام خطوات المبادرة من “أولى الأمر” والأمناء على الشرع مما جعل هذا الباب مفتوحا أمام مبادرات أخرى بديلة من خارج الحظيرة الإسلامية بل من خارج حدود الأمة بأسرها عبر قنوات العولمة.
* اختراق قوى العولمة: لا تجابه المرأة فى العالم الإسلامى هيمنة القوى المحلية فحسب بل شهدت السنوات الأخيرة ظهور نمط آخر من الاستضعاف والهيمنة الثقافية يتمثل فى المرجعية الدولية وسعيها الدؤوب الى فرض أجندتها الخاصة المستمدة من الرؤية الغربية لحياة ومستقبل وقيم المرأة على العالم الإسلامى والعالم على وجه العموم.
رغم الطرح الفريد وغير المسبوق الذى تقدمه المرجعية الدولية الممثلة فى الأمم المتحدة لقضايا المساواة وإنصاف النساء ومشاركتهن فى هذا العالم، إلا أن صيغ الحلول التى تنطوى عليها مواثيق ومنظومة الأمم المتحدة تنطوى على الكثير من التناقضات الأساسية مع المنظومة الدينية عمومًا، والإسلامية بصفة خاصة بما يجعل العمل على تطبيق تلك الحزم من الحلول منطويا على قدر كبير من القهر والاستضعاف الثقافى لا يقل قسوة عن الاستضعاف الاجتماعى والسياسى القائم فى المجتمعات النامية ومنها المجتمع الإسلامى. ويتجلى هذ الاستضعاف لدى القاعدة العريضة من النساء اللاتى يعرّفن أنفسهن فى إطار الرؤية الدينية وليس لدى النخب العلمانية المحدودة الحجم والتأثير والتى استبعدت نفسها من تلك المنظومة.
يتدعم مفهوم الاستضعاف فى منظومة الأمم المتحدة بشأن حقوق المرأة نتيجة عوامل أخرى إضافية؛ منها عدم مشاركة النساء المتدينات فى العالم (والمسلمات على وجه الخصوص) فى صياغة تلك المنظومة التى صيغت وفق أولويات التيارات النسوية الغربية العلمانية. ويضاف لما سبق الضغوط الشديدة التى تزاولها الجهات الدولية على الحكومات باستخدام كافة وسائل الضغط والتأثير للتعجيل فى إحداث التغييرات التشريعية والاجرائية المطلوبة للتوافق مع المنظومة الدولية لحقوق المرأة دون اعتبار لمعارضة أو تحفظات الرأى العام أو حتى الأخذ بعناصر الموائمة بما لا يخالف القواعد الأساسية الثابتة للشرع (كما تجلى إبان أزمة خطة إدماج المرأة فى التنمية التى شهدها المغرب).
إن أزمة تنازع المرجعيات وضغوط المرجعية الدولية أدت الى إثارة العديد من المشكلات على صعيد حركة المرأة أولها دفع قضية المرأة نحو مزيد من الغرق فى ملابسات الصراع والاستقطاب الثقافى بين القوى العلمانية والدينية المتشددة ووضعها موضع المزايدة والاستغلال فى خطاب تلك القوى. أما الجانب الأخطر فيتعلق بمستقبل مكاسب المرأة وقابليتها للاستدامة ذلك أن إقرار ( الحقوق) التى تضغط من أجلها المرجعية الدولية دون توافق عام أو اتساق مع المرجعية الدينية، إنما يفتح الباب واسعا أمام الارتداد عن تلك المكاسب والحقوق الى أوضاع أكثر سوءًا فى المستقبل.
رؤية حضارية نحو تطوير حركة المرأة المسلمة فى مواجهة التحديات الثقافية
فى مواجهة المعضلات الثقافية السابقة تقترح واضعات هذا التقرير مجموعة من الأفكار المتعلقة بالإطار الثقافى لحركة المرأة المسلمة:
أولًا- الأولوية التى يتعين أن تحظى بها قضية التجديد فى الفكر والثقافة الإسلامية، وفى قلبها عملية التجديد والاجتهاد الفقهى فى أجندة أى حركة جادة لتطوير المرأة وإنصافها فى العالم الإسلامى. ذلك أن نهضة المرأة فى العالم الإسلامى وتحقيقها أوضاعًا مستقرة ومستدامة على صعيد الإنصاف والمشاركة لا يمكن أن يتم خارج المنظومة الإسلامية.
ثانيا- حتمية مشاركة المرأة المسلمة مشاركة نشطة فاعلة فى عمليات تطوير الثقافة الإسلامية وإحياء الاجتهاد الفقهى وفق مناهج منضبطة وفى إطار القيم والمبادىء الإسلامية الأعلي وعلى رأسها الحق والإنصاف. ويمكن القول بأن هذه المشاركة لن تعود عوائدها فحسب على نساء الأمة بل سيعم تأثيرها على الثقافة الإسلامية والنتاج الفقهى الإسلامى نتيجة كسب عقول جديدة لديها وازع الإصلاح والتجديد فى إطار القواعد المستقرة والثابتة للشرع.
ثالثًا- تبنى نهج إصلاحى ينأى عن التصادم ويعتمد الحوار والإقناع. والدفاع عن التعددية والحوار بين مختلف القوى الاجتماعية بوصف هذه التعددية هى الشرط اللازم للتطور الاجتماعى والفكرى والثقافى ولتصويب الأفكار والاتجاهات.

رابعًا- أهمية انفتاح القوى والاتجاهات الإصلاحية والتجديدية النسائية الإسلامية على بعضها البعض من خلال تبادل المعلومات وتبادل النتاج الفكرى والخبرات وطرح مواقف صريحة وثابتة للمرأة المسلمة إزاء ما تتعرض له النساء فى شتى بقاع العالم الإسلامى والسعى للمشاركة الفاعلة فى الأطر الدولية الخاصة بالمرأة والمطالبة بمشاركة عادلة للنساء المسلمات خصوصا، وللأديان السماوية عمومًا فى صياغة المواثيق والالتزامات الدولية.

( جدول حول أوضاع المرأة فى العالم الإسلامى فى مجالات الصحة والتعليم والعمل)


*****

الهوامش:

[一] كرسى زهيرة عابدين لدراسات المرأة بجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية USA .
* وحدة دراسات المرأة والحضارة – القاهرة.

[1] – انظر: BBC News, April 13, 1999, in http://news.co.uk/hi/english/world
[2] – Ibid. and: BBC News, April 9, 1999, in http://news.co.uk/hi/english/world
[3] – عن وكالات الأنباء، صحيفة الوفد 26/5/ 1999.
[4]-أنظر: Newsweek, May 24, 1999.
[5]- انظر على سبيل المثال المصدر السابق الذى ناقش القضية بتفصيل. ويذكر أن الفاتيكان لم يكتف فيما يتعلق بموقفه من رفض اجهاض المغتصبات المسلمات عند حد إبداء الرأى فقد اتخذ خطوة فعلية فى مجال الضغط لتبنى رأيه إبان حرب البوسنة تتمثل فى التوقف عن دفع حصته فى صندوق الأمم المتحدة للطفولة بسبب توفير الأمم المتحدة وسائل منع الحمل لمغتصبات البوسنة. انظر BBC News, April 13 , 1999, Op.Cit.
[6]- يذكر أن أجهزة الإغاثة الدولية قد واجهت نفس المشكلات المتعلقة باخفاء وقائع الاغتصاب إبان حرب البوسنة، وقد تبين بمرور الوقت وإفصاح الضحايا تاليا بما تعرضن له أن ضحايا الاغتصاب فى البوسنة تراوحن بين 30 و50 ألف سيدة. انظر: مجلة الوسط، عدد 382، 24/ 5/ 1999.
[7]- صحيفة الشرق الأوسط، 11/ 5/ 1999.
[8]- مجلة الوسط، مصدر سابق.
[9] – جريدة الشرق الأوسط، 2/4/ 1999.
[10] – عن وكالتى رويترز / أب انظر:The Feminist Majority Foundation On Line, Feminist News, April19, 1999, in http://www.femminist.org/ news/newsbyte/ April99
[11] – Ibid, January 4, 1999. in http://www.femminist.org/ news/newsbyte/ January4
[12] – U.s. Department of State, Afghanistan Country Report on Human Rights Practice for 1998, released on February 26, 1999. in http://www.state.gov/wwwglobal/human_rights
[13] – Ibid, p24.
[14] – عن صحيفة النيويورك تايمز انظر: The Feminist Majority Foundation On Line, Feminist. News, April 8, 1999, in http://www.femminist.org/ news/newsbyte/ April99
[15] – نقلا عن وكالة الأنباء الفرنسية انظرIbid, April 28, 1999, in http://www.femminist.org/ news/newsbyte/ April 99
[16] – انظر ملخصا لأهم محتويات التقرير بتاريخ 13سبتمبر 1999فى:CNN September 13, in http://cnn.com/ASIANOW/central
[17] – المصدر السابق. وقد صدرت إعلانات دولية عديدة من منظمات ووكالات الأمم المتحدة تحمل نفس الاتجاه منها على سبيل المثال لا الحصر البيان الذى أصدرته منظمة العفو الدولية فى أواخر أكتوبر- أول نوفمبر والذى حثت فيه دول العالم بأسره على العمل لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان فى أفغانستان بعد أن فشلت القوى الكبرى فى مواجهة تلك المشكلة. انظر:نقلا عن وكالة أنباء أسوشيتدبرس The Feminist Majority Foundation On Line, Feminist News, November3, 1999, in http://www. femminist. org/ news/newsbyte/ november 99
[18]- انظرنقلا عن نادو تايمز ووكالة أسوشياتد برس: The Feminist Majority Foundation On Line,
Feminist News, April 8, 1999, in http://www. femminist. org/ news/newsbyte/ April 99 . see also: Ibid, April 14, 1999,. in http://www. femminist. org/ news/newsbyte/ April 99
[19] – Ibid,.
[20] – جريدة الشرق الأوسط 24/5/ 1999.
[21] – انظر: The Feminist Majority Foundation On Line, Feminist News, January 22, 1999, in http://www. femminist. org/ news/newsbyte/ Januaryl 99
وحول أبعاد هذه القضية فى الأردن التى حظيت هذا العام بنصيب كبير من اهتمام ونشاط المنظمات النسائية والاتحاد العام للمرأة فى الأردن انظر: الشرق الأوسط أعداد 27 /9/ 1999، و 29/ 9/ 1999. وحول الجدل القانونى والفقهى ووجهة نظر العلماء ومدى توافر الشروط الشرعية فى جرائم الشرف انظر ملخصا لندوة جمعية العفاف الخيرية فى الأردن فى: الشرق الأوسط، 1/12/ 1999.
[22] – نموذج لذلك المادة 340 من قانون العقوبات الأردنى التى لا تتجاوز طبقا له مدة العقوبة العام.
[23] – نقلا عن صوت أمريكا انظر: The Feminist Majority Foundation On Line, Feminist News, August 11, 1999, in http://www. femminist. org/ news/newsbyte/ August 99
[24] – انظر نقلا عن وكالة رويترز: Ibid,January27, 1999, in http://www.femminist.org/ news / newsbyte / Januaryl 99
[25] – انظر: http:// www. ualberta.ea/~mupal /pacawom/ human.html
[26] – انظر:” خاطف الأنثى والقصاص السريع، فى الأهرام17/ 4/ 1999، ص 18.
[27] – انظر نقلا عن وكالة أسوشيتدبرس:
The Feminist Majority Foundation On Line, Feminist News, April 5, 1999, in http://www. femminist.org/ news/newsbyte/ April 99
[28] – جريدة الحياة، 27/ 2/ 1999. وجريدة الشرق الأوسط 27/9/1999.
[29] – انظرنقلا عن رويترز وأسوشيتدبرس: The Feminist Majority Foundation On Line, Feminist News, March 9, 1999, in http://www. femminist. org/ news/newsbyte/ March 99
[30] – جريدة الشرق الأوسط، 28/5/ 1999.
[31] – جريدة الشرق الأوسط، 3/5/ 1999.
[32] – جريدة الأهرام، 9/3/1999.
[33]- انظر: Deja.com. forum: misc. activisim. Progressive Thread:Rights_Bangladesh:women Demand Equality,cov’t Cites Religion
لا يختلف مضمون هذه الدراسة كثيرًا عن نتائج دراسات أخرى لحال المرأة فى أنحاء مختلفة من العالم الإسلامى تتعرض فيه النساء لنفس المشكلات تقريبًا. للتعرف على بعض نتائج تلك الدراسات وما تتضمنه من مؤشرات العنف والاستضعاف العديدة للمرأة فى الأسرة والمجتمع فى مصر مثلًا: الحياة 27/2/ 1999، الحياة 3/4/ 1999، الحياة 2/10/ 1999، الحياة 9/10/ 1999. الجمهورية 1/4/ 1999. وعن المغرب الحياة 3/4/1999، الشرق الأوسط 27/9/ 1999، وفى الأردن الشرق الأوسط 5/3/ 1999. وتجدر الإشارة أن الدراسات المنوه اليها كلها دراسات وطنية أجرى العديد منها إطار مؤسسات رسمية متخصصة.
[34] – انظر:World Bank 2000, Entry the 21 Century: World Developement Report , 1999/ 2000, pp 242- 243.
[35] -Ibid, pp 232- 233.
[36] – جريدة الشرق الأوسط 10/9/ 1999
[37]- World Developement Report , 1999/ 2000, Ibid, pp. 234-235.
[38] – انظر: Human Development Report 1999, pp 229-232
[39] – Ibid, pp 233-234.
[40] – Ibid, p 237.
[41] – انظر: ” الجزائريون يترقبون أول حكومة لعهد بوتفليقة”، فى الشرق الأوسط، 31/7/ 1999.
[42] – الشرق الأوسط، 14/8/ 1999.
[43] – الشرق الأوسط، 6/3/ 1999.
[44] – انظر ” مشروع خطة إدماج المراة فى التنمية يثير جدالا فكريًا وقانونيًا فى المغرب”، الشرق الأوسط، 8/12/ 1999.
[45] – الشرق الأوسط، 3/10/ 1999.
[46] – انظر: عقيدتى، 23/2/ 1999. وأيضا: “Calling it quits”, in Al Ahram Weekly, 23/9/1999.
[47] – الشرق الأوسط 3/10/ 1999.
[48] – حول الإطار السياسى والإقليمى للانتخابات البلدية القطرية انظر: أيمن السيد عبد الوهاب، ” الانتخابات القطرية: خطوة على طريق الديمقراطية”، فى السياسة الدولية، إبريل 1999، ص ص 173-176.
[49] – حول سيرة المرشحات انظر: جريدة الشرق الأوسط: 8/3/ 1999.
[50] – الأهرام، 9/3/ 1999
[51] – حول هذه التفسيرات وشواهدها انظر: صحيفة البيان الإماراتية 2/3/ 1999، وصحيفة الشرق الأوسط 20/ 3/ 1999.
[52] – المصدر السابق.
[53] – المصدر السابق، وأيضا: جريدة الأهرام 13/3/ 1999.
[54] – جريدة الشرق الأوسط 14/ 3/ 1999.
[55] – تصريح نائب رئيس الوزراء ووزير الدولة عبد العزيز الدخيل. جريدة الشرق الأوسط 24/5/ 1999.
[56] – جريدة الحياة 17/5/ 1999.
[57] – الحياة 26/5/ 1999.
[58] –
[59] – حول مواقف القوى الإسلامية انظر: جريدة الشرق الأوسط 18/5/ 1999، وجريدة الحياة 29/5/ 1999.
[60] – انظر: جريدة أخبار اليوم 29/5/ 1999.
[61] – الحياة 29/5/ 1999.
[62] – الأهرام 28/5/ 1999.
[63] – جريدة الحياة 31/5/ 1999. وقد جاءت هذه التصريحات متزامنة مع إعلان وزير شئون الديوان الأميرى أنه لا نية للديوان لنقل تبعية لجنة استكمال تطبيق الشريعة الى وزارة الأوقاف كما أشاعت الصحف. وكذا جمدت الحكومة فى إطار هذه العملية التساومية إحالة التقارير الخاصة بالجمعيات الى اللجنة القانونية، فلم تحل سوى عدد محدود من الجمعيات من بين نحو 150 فرعا منتشرا فى أنحاء الكويت. وعمدت فى النهاية الى إغلاق هذا الملف حسبما ذكرت الصحف. انظر: المصدر السابق وكذا جريدة الشرق الأوسط 31/5/ 1999.
[64] – انظر رأى رئيس مجلس الأمة السابق فىالشرق الأوسط 1/12/ 1999. وهو رأى تبنته بعض النساء الكويتيات أيضًا اللاتى رأين أن الحكومة تقاعست عن الدعم الكامل للمرسوم دفعا للتصادم مع المجلس الذى تحتاجه فى تمرير صفقات ومشروعات أخرى أهم لها. انظر: ” بعد رفض المرسوم الأميرى ومشروع منح المرأة الحقوق السياسية”، فى مجلة المصور، 10 ديسمبر 1999، ص ص 24- 25، ص 74.
[65] – الشرق الأوسط 24/11/ 1999.
[66] – الحياة، 1/6/ 1999.
[67] – الحياة، 16/12/ 1999.
[68] – الحياة، 25/6/ 1999.
[69] – مجلة المجلة 16/5/ 1999.
[70] – المصدر السابق.
[71] – الحياة، 22/4/ 1999.
[72] – مجلة عقيدتى، 5/10/ 1999.
[73] – من حديث الشيخ محمد بن ابراهيم بن جبير رئيس مجلس الشورى السعودى فى: مجلة الوسط، عدد 404، 25/10/ 1999،ص 19.
[74] – المصدر السابق، ص 20.
[75] – انظر: حبيبة محمدى، ” عن المرأة والانتخابات فى الجزائر”، الأهرام، 15/4/ 1999. وأيضا الجزائريون يترقبون أول حكومة لعهد بوتفليقة”، فى الشرق االأوسط، 31/7/ 1999.
[76] – الشرق الأوسط،1/7/ 1999.
[77] – الشرق الأوسط، 20/6/ 1999.
[78] – انظر: Women in Parliaments, http://www.ipn.org/wmn~e/world.htm
[79] – ” الجزائريون يترقبون أول حكومة لعهد بوتفليقة”، 31/7/ 1999.
[80] – انظر: Human Development Report 99/2000,Op.Cit., pp. 238- 241.
[81] – World Development Report 1999/2000, Op.Cit.,pp232-235,p240-241.
[82] – الأهرام 30/4/ 1999.
[83] – انظر: ” موانع اجتماعية أمام دخول الفتاة اليمنية الى الجامعة”، فى الشرق الأوسط، 8/4/ 1999.
[84] – انظر: ثريا العريض، ” المرأة السعودية وعام 2000″، فى الحياة، 15، 5، 1999.
[85] – انظر تقريرا بهذا الشأن فى: الحياة، 25/9/ 1999.
[86] – الأهرام العربى، 18/9/ 1999.
[87] – ” الأمير طلال يعلن عن جائزة عالمية تهدف الى تنمية المرأة والطفل”، فى الأهرام، 28/5/ 1999.
[88] – انظر نتائج تلك الدراسات فى: الشرق الأوسط، 13/1/ 1999، وأيضا أمينة شفيق، ” المرأة المصرية فى تقرير لمجلس الشورى”، فى الهرام، 24/1/ 1999.
[89] – تقرير التنمية البشرية لعام 1993( بيروت:برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، 1993) ص 3.
[90] – حول مجمل قضايا وإشكالات المشاركة فى مفهوم التنمية البشرية انظر: المرجع السابق، ص ص 21- 29.
[91] – انظر على سبيل المثل حجج ومسوغات الأمم المتحدة فى: Clarence J. Dias, “ part 1: Human Rights- based Approach to Development”, in Occasional Paper 21: Human Development and Shelter: A Human Rights Perspective ( http: //www.undp.org/ hdro/ oc21b.htm.) p2.
[92] – حول توجهات الأمم المتحدة نحو بناء تصور واحد للتنمية انظر: د. عطية حسين الأفندى ( محرر)، الأمم المتحدة وقضايا الجنوب: قضايا ومناقشات ( القاهرة: مركز دراسات وبحوث الدول النامية، 1996)ص ص 31- 33.
[93] – انظر: Kofi A.Annan, “ Two concepts of sovereignty”, in The Economist, 18 September 1999, http://www.un.org/Overview/ SG/ kaecon.htm
[94] – حول هذا التصور لأنماط التوجيه أو التدخل انظربرنامج النقاط العشر الوارد فى: تقرير التنمية البشرية فى العالم لعام 1993، مرجع سابق، ص 20.
[95] – حول اهم أعمال واتجهات هذه الدورة انظر: الأهرام، ” فى الدورة الخاصة ال21 للجمعية العامة للأمم المتحدة”، صفحة الجمعة، 16/7/ 1999. انظر أيضا عن نيويورك تايمز:The Feminist Majority Foundation On Line, Feminist News, ـJune 30, 1999, in http://www.femminist.org/ news/newsbyte/ June99
[96] – حول أعمال مؤتمر نيودلهى انظر: الأهرام، 18/4/1999، وأيضا: سعد الدين ابراهيم،” تحرير المرأة المصرية فى نهاية القرن: هل تخلفت مسيرة تحرير المرأة المصرية؟”، فى نشرة المجتمع المدنى، العدد 89، مايو 1999.
[97] – انظر: الشرق الأوسط، 21/2/ 1999. وأيضا: الحياة، 27/2/ 1999.
[98] – الحياة، 24/7/ 1999.
[99] – انظر: الحياة، 10/4/ 1999.
[100] – حول أبعاد هذه الخطة كما أعلنتها الحكومة المغربية انظر: الحياة 9/3/ 1999.
[101] – انظر البيان التأسيسى للهيئة فى صحيفة ” التجديد” المغربية، عدد 42، 10/11/ 1999.
[102] – انظر: الحياة، 27/6/ 1999.
[103]- حول هذه الطروحات انظر: المقرئ الإدريسى: ” الخطة مؤامرة غربية بأدوات محلية”، فى التجديد، العدد 29، 11غشت 1999. “الأستاذة ندية ياسين للتجديد: أبدًا لن تأتى من عندنا أية مبدرة لرفع الحصار”، فى المصدر السابق، ص 5. مصطفى الخلفى، ” بصدد الخطة لوطنية لإدماج المرأة.. “، التجديد، العدد 32،1شتنبر 1999، ص 5. تدخل د. أبو بكر أبو القاسم المهدى.. مقترحات المشروع فى مجال الأحوال الشخصية كفيلة بخلخلة الاستقرار الاجتماعى”، فى جريدة العصر المغربية، عدد 70، 9/8/ 1999.
[104] – الحياة، 27/6/ 1999.
[105] – الحياة، 12/12/1999.
[106] – كان النظام التركى قد واصل هذا العام اتخاذ مزيد من الخطوات والقرارات للتأهل للعضوية الكاملة للنظام الأوروبى ومن بين تلك الخطوات بعض التشريعات الخاصة بالمرأة مثل القانون الخاص بإلغاء عقوبة الخيانة الزوجية والذى وصفته بعض الصحف التركية العلمانية بأنه ” أهم قانون تحررى بعد القانون الصادر عام 1930 بحق المرأة فى الانتخاب”. انظر: الشرق الأوسط 8/4/ 1999.
[107] – انظر حديث قاوقجى لمجلة الوسط بعنوان:” النائبة التركية المحجبة تعتبر أن على بلادها الاقتداء بالغرب”، فى الوسط، عدد 382، 34/5/ 1999.
[108] – المصدر السابق.
[109] – المصدر السابق.
[110] – الشروق عدد 370، 10- 16 /5/ 1999. الشرق الأوسط 9/5/ 1999.
[111] – الشروق، عدد 370، 16/5/ 1999. الشرق الأوسط 9/5/ 1999. الحياة 29/5/1999.
[112] – الحياة 8/5/1999.
[113] – الوسط 17/5/ 1999.
[114] – سيد عبد المجيد، ” الحجاب فى تركيا والمطالبة بإغلاق حزب الفضيلة”، فى الأهرام، 11/5/ 1999.
[115] – انظر: المصدر السابق. وأيضا: Al- Ahram weekly, 20/5/ 1999.
[116] – الشرق االأوسط 16/5/ 1999.
[117] – الحياة 4/5/ 1999. وأيضا الخليج، 2/5/ 1999.
[118] – الحياة 8/5/ 1999.
[119] – الشروق، عدد37، 10-16/5/ 1999.
[120] – الوسط، عدد 382، 24/5/ 1999.
[121] – الحياة، 8/5/ 1999.
[122] – الحياة 4/5/ 1999.
[123] – الوسط، 17/5/ 1999.
[124] – انظر: Al- Ahram Weekly, 20/5/ 1999.
[125] – انظر الخطاب الشامل لخاتمى الذى ضمنه الملامح الأساسية لمشروعه أمام مائة ألف من أعضاء المجالس البلدية المنتخبين فى ملعب أزادى، فى الشرق الأوسط، 24/5/ 1999.وأيضا الشرق الأوسط 27/5/ 1999.
[126] – انظر كلمة على أكبر ناطق نورى رئيس مجلس الشورى الإيرانىفى: الشرق الأوسط، 24/5/ 1999. والشرق الأوسط 35/5/ 1999.
[127] – انظر محاضرة السيدة ليلى برجوردى وكيل مجمع تشخيص مصلحة النساء، وحفيدة الإمام الخومينى فى الشارقة حول “دور المرأة فى تطور المجتمع ثقافيا واجتماعيا وسياسيا”، فى صحيفة البيان الإماراتية، 15/10/ 1998.
[128] – انظر تقرير حول محاضرة السيدة ليلى برجوردى وكيل مجمع تشخيص مصلحة النساء، وحفيدة الإمام الخومينى فى الشارقة، فى صحيفة الخليج الإماراتية، 15/ 10/ 1999.
[129] – الشرق الأوسط، 1/3/ 1999.
[130] – انظر: محاضرة السيدة ليلى برجوردى وكيل مجمع تشخيص مصلحة النساء، وحفيدة الإمام الخومينى فى الشارقة، فى صحيفة الخليج الإماراتية، 15/ 10/ 1999
[131] – المصدر السابق.
[132]- انظر: ” فائزة رافسنجانى الإصلاحية المتحررة رأس حربة للإصلاحيين”، فى مجلة الوسط، عدد 377، 19/4/1999.
[133] – المصدر السابق.
[134] – الحياة 12/4/ 1999.
[135] – الشرق الأوسط، 11/4/ 1999.
[136] – الحياة 7/5/ 1999.
[137] – الحياة 8/6/ 1999.
[138] – مجلة الوسط 21/6/ 1999
[139] – انظر: مجلة المجلة 26/6/ 1999. وأيضا الشرق الأوسط 25/ 5/ 1999.
[140] – الشرق الأوسط 20/10/ 1999، ص 10.
[141] – انظر: مجلة المجلة 26/6/ 1999.
[142] – الحياة 14/6/ 1999.
[143] – المصدر السابق.
[144] – انظرالأهرام 29/4/ 1999. انظرأيضًا: حوار عزيزة إسماعيل مع مجلة النيوزويك:Newsweek, April 26, 1999.
[145] – Ibid
[146] – Ibid.
[147] – انظر مجلة: Time, April 26, 1999 , pp46-50
[148] – Ibid
[149] – الوسط، عدد 382، 24/5/ 1999.
[150] – انظر:The Feminist Majoroty Foundation on line, Press release progress in Afganistan,May 13,1999, in http://www.Feminist.org/ news
[151] – الشرق الأوسط 28/9/ 1999.
[152] – البيان والتوصيات الختامية للمؤتمر. نسخة خاصة بالفاكس.
[153] – جريدة الشرق الأوسط، 26/4/1999.
[154] – جريدة الاتحاد الإماراتية، 27/4/ 1999.
[155] – الأهرام،1/6/1999
[156] – الأهرام22/10/ 1999.
[157] – الأهرام، 10/9/ 1999.
[158] – تونس: 18/11/ 1999، وكالة الأنباء الفرنسية.
[159] – انظر الأهرام أعداد 19/2/ 1999- 28/2/ 1999- 5/3/ 1999- 9/3/ 1999.
[160] – الأهرام، 28/5/1999.
[161] الأهرام، 18/8/ 1999.
[162] – الأهرام 10/9/ 1999.و الأهرام 10/9/ 1999. والأهرام 23/10/ 1999.
[163] – انظر: كلمة السفير عبد الرحمن الصلح نيابة عن الأمين العام للجامعة فى افتتاح ملتقى سيدات الأعمال العربيات فى بيروت فى أكتوبر: الحياة، 23/10/ 1999.
[164] – عقيدتى، 28/9/ 1999.
[165] – حول أعمال المؤتمر انظر: لحياة 6/11/ 1999، الحياة 7/11/ 1999.
[166] – يمكن الإحالة إلى بعض الدراسات الاجتماعية فى هذا المقام مثل دراسة أجريت فى الأردن حول العنف الأسرى ضد النساء والأطفال أشارت الى ارتباط جرائم العنف الأسرى بحالات الإحباط والتوتر الناجمين عن البطالة وتدنى الدخل وكثرة الإنجاب. انظر ملخصًا لهذه الدراسة فى الشرق الأوسط 5/3/ 1999.

نشر في حولية أمتي في العالم، عدد 2000

للتحميل اضغط هنا