تحول البشري من العلمانية إلى الإسلامية

قراءة في كتاب: "الحنين إلى السماء: دراسة في التحول نحو التوجه الإسلامي في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين" تأليف: هاني نسيرة

مقدمة:

يقرأ كتاب ”الحنين إلى السماء: دراسة في التحول نحو التوجه الإسلامي في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين[1] مسيرة وفكر المستشار طارق البشري انطلاقًا من مروره بعملية تحول في مرجعيته من العلمانية والاشتراكية العلمية إلى المرجعية الإسلامية، والإبداع المفاهيمي في إطارها. وفي هذا السياق يركز على تتبع مسيرة المستشار أثناء فترة علمانيته، ويرصد تجلياتها في تفكيره والموضوعات التي درسها، ثمّ فترة المخاض التي مر بها (بين العلمانية والإسلام)، وأخيرًا فترة انتمائه للمرجعية الإسلامية، وإسهامه في التأصيل للمفاهيم والظواهر الإسلامية من خلال الوقوف على ما عُرف عند المستشار بتأسيس منهج نظر، والجدل مع المعاصرة، وذلك بتحليل موجز لأهم كتاباته التي ظهرت قبل عام 2007، وتحديدًا سلسلة كتب “في المسألة الإسلامية المعاصرة”، والأقباط والمسلمون، والحركة السياسية في مصر.

ومؤلف هذا الكتاب؛ هاني نسيرة، هو باحث وكاتب وصحفي مصري، بدأ مشواره المهني والتعليمي كصحفي ومُعد برامج، ثمّ انتهج منذ نهاية التسعينيات نهجًا أكاديميًا بحثيًا، إذ التحق بالدراسات العليا في قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم، ومعها أبدى اهتمامًا بدراسة جماعات الإسلام السياسي؛ وهو المجال الذي تدور حوله معظم كتاباته وخبرته البحثية، وقد نشر العديد من المقالات، والكتب، والدراسات، كما شارك في العديد من المؤتمرات والندوات[2].

وقد نُشِر هذا الكتاب عام 2010، عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ببيروت، الذي شملت القضايا والموضوعات محل اهتمامه: الفكر الإسلامي وأعلامه، والدراسات الحضارية والقرآنية، والدراسات الإيرانية.

وكانت تلك الفترة شاهدًا على استمرار صعود الحركات الإسلامية في مصر، وزيادة الزخم الشعبي والحركات الاحتجاجية المطالبة بحدوث تغيرات في الأنظمة العربية، وكأنه في تاريخه كان استدعاءً مبكرًا للجدل الذي أعقب هذه الحركات الاحتجاجية حول تصورات الهوية والمرجعية والنهضة.

ولتحقيق قراءة وافية في مسيرة الأستاذ البشري وتحوله من العلمانية إلى الإسلام بعيون نسيرة، نقسم هذه القراءة إلى أربعة محاور وخاتمة. يقدم الأول لمحة عن فكرة التحولات والمراجعات، ومنهجية المؤلف لدراسة موضوعه. أما الثاني فيستعرض مسيرة مسألة النهضة في الفكر المصري، وسياقات التحولات الفكرية خلال القرن العشرين. أما الثالث فيركز بصفة خاصة على تحول البشري وأهم مراحله. ويقدم القسم الرابع موجزا بشأن التفسيرات العلمانية التي قُدمت لهذا التحول وغيره من التحولات التي وقعت خلال الفترة محل الدراسة. وتأتي الخاتمة كتعليق على مجمل ما طُرح بشأن تحول البشري في مدى اتساقه مع طرح البشري ذاته عن هذه العملية، وتقييم لمجمل الكتاب.

المحور الأول- منطق التحولات ومنهجية دراستها 

يحدد الكاتب أن مجال اهتمامه ينحصر في أحد أشكال التحولات الفكرية المتعلقة بتحول الأفراد من توجهات مختلفة علمانية إلى الاتجاه الإسلامي، إذ يهتم بدراسة التحول في بعديه التفسيري والتأثيري؛ أي كيف تحول الفرد أو الجماعة من مذهب إلى مذهب أو من منظومة فكرية إلى أخرى؟ وما السياقات المحيطة بالتحول؟ وكيف ساهمت الأبعاد التاريخية والسياقات الحضارية في دفع التحول؟

وقد شهدت ظاهرة التحول -وفق المؤلف- نشاطًا كبيرًا في مصر خاصةً في النصف الثاني من القرن العشرين بعد هزيمة يوليو 1967، وفشل الأيديولوجية القومية، وكذا بفضل مرحلة الصحوة الإسلامية في الستينيات والسبعينيات.

وما دفع الباحث لاختيار التحولات إلى الفكر الإسلامي تحديدًا، هو سيادة التفسيرات الانطباعية والوجودية لهذه التحولات، فضلًا عن تلك التي تتهم هذه التحولات. فالبعض فسر التحولات على أنها جاءت مدفوعة بمتغير العمر (تقدم العمر، المرض، والنزوع إلى الإيمان في آخر العمر)، كما تبنى البعض الآخر التفسير السياسي (نكسة 67، كامب ديفيد، انهيار الشيوعية، حرب العراق، ..)، أو التفسير الجغرافي (الإقامة في الغرب) كمسبب للتحول.

وتكتسب فكرة التحول مكانًا مهمًا في الفكر الإسلامي، انطلاقًا من مركزية العقل في الإسلام (كونه مناط التكليف)، وآلة التعقل والتفكر والتدبر، ودعوة الإسلام إلى الاجتهاد. ومن ثمّ ارتبط معنى التحولات –من المنطلق الإسلامي- بأنها مسيرة نحو الحق، وما التحول إلى الإسلام (الخاتم) إلا نوع من هذه التحولات. وعلى هذا الأساس يضع الباحث خصوصية للدراسة الفلسفية للتحولات الفكرية نحو التوجه الإسلامي، إذ يرى أنه يلزم تجنب الأحكام القيمية، وتقييم عقائد الناس من حيث الإيمان والكفر، وأن تتسع لتشمل الفكر واختياراته وتفسيراته. ويؤكد أنه لا يمكن قراءة التحولات الفكرية من غير قراءة السياقات الفكرية والسياسية والاجتماعية والنفسية المحيطة بها، وتحليل خطابات من تحولوا بما يكشف عن بنيتها الداخلية وتطورات مساراتها.

وقد انطلقت دراسته من فرضية أساسية قوامها: أن التحول الفكري لدى المفكر له روافد خاصة وعامة؛ حيث ينبع من رؤية الفرد وقناعاته، ويمر عبر أسئلة وجودية ومعرفية لا تستطيع الرؤى السابقة التي كان يعتنقها الإجابة عنها، في حين تسهم الرؤى اللاحقة في تقديم إجابات لها. كما قد تكون التحولات مرتبطة بخطر محدق بالذات من الآخر، وهو ما يجعل (الأنا) تتمسك بأهداب تراثها ومرجعيتها في مجابهة هذا الخطر. كما قد تكون أسئلة إيمانية وجدانية، أو تاريخية حول الأزمة السياسية والحضارية، وكلها أسئلة لم تشفع القناعات السابقة في تقديم إجابات وافية حولها.

ومع ذلك يوضح المؤلف أن دراسة التحولات الفكرية نحو التوجه الإسلامي لا تخلو من إشكالات، منها:

  • غياب الوضوح في مسارات التحول لدى بعض المفكرين؛ حيث يكون هذا التحول ذاته مشتبهًا، ليس له معالم واضحة، وإنما يوفق بين أكثر من اتجاه. إذ إن بعض التحولات لا تكون قطيعة كاملة مع ما سبق، وبعضها يكون بسيطا، مع استمرار في استخدام نفس المناهج والأدوات الفكرية.
  • تحولات الكثير من المفكرين إلى التوجه الإسلامي في آخر العمر، يلبس بعضًا من هذه التحولات ثوب التوبة إلى الله، وليس كونها تعبيرا عن قناعة فكرية كاملة.

مفاهيم الدراسة ومنهجيتها:

يوضح الباحث بدايةً أنه استعمل مجموعة من المفاهيم في التحليل، منها:

  • مفهوم الأيديولوجية: قاصدًا به تلك المنظومة الفكرية أو المرجعية التي يحتكم إليها المفكر أو الفيلسوف، المتعلقة بالشأن العام والدور المجتمعي. وهي الأنساق الكبرى التي ادعت أنها تملك تفسيرًا كليًا للعالم والوجود، وحلًا لمختلف مشكلات وإشكاليات الواقع.
  • مفهوم المفكر: الذي يختلف عن المثقف في أنه يمارس تأسيسًا نظريًا من أجل التطوير المجتمعي عن طريق الوعي. والمفكر في سياق الدراسة هو المعالج للمسائل الفكرية والمتصدي لمشكلات الواقع.
  • التصور الأيديولوجي: هو منظومة الأيديولوجية التي تعبر عن رؤيتها للأمور المختلفة، بدءًا من رؤية العالم، وللآخر، وللمرجعية الفكرية؛ أي المبادئ الكلية التي تؤسس لمواقفها وتحكم تفاصيل تعاطيها مع تحدياتها.

ويشير المؤلف إلى تغير منطق الكثير من التحولات إلى التوجه الإسلامي عبر الفكر والتاريخ الإسلامي، فمن منطق الفرقة الناجية والخلاف حول مفردات التوحيد ومنظومته، والقدر وغيرها، تحول الصراع في القرون الوسطى لنزاع بين أجنحة الفرقة الواحدة بين السلفية والأشاعرة، الصوفية وأهل الحديث، أما ما بعد الحملة الفرنسية على مصر فقد حل الصراع مع الغربي العلماني محل الأشكال السابقة، وهو صراع مع الحضارة الغربية، يؤمن بضرورة قبول التحيز المعرفي، والخصوصية الحضارية، ومناهضة المركزية الغربية.

أما منهجية الكتاب في دراسة التحولات الفكرية، فتعتمد على تحليل الفترة السابقة على التحول والفترة التالية عليه من خلال بحث رؤى المفكر الذي مر بفترة تحول بصدد ثلاث قضايا كبرى هي: تصور النهضة، تصور الهوية، تصور المرجعية. وفي كل قضية يحاول المؤلف أن يقف على مسارات التحول عن طريق السمات الفارقة في منهجية المفكر المتحول، والتطور الفلسفي وقراءة تحيزاته المعرفية والمرجعية من خلال تتبع هذه التصورات الثلاثة قبل وبعد التحول:

  • تصور المرجعية: يقصد المؤلف بالمرجعية مصدر القيم الحاكمة للسلوك الفردي والجماعي، وتحدد القيم الأساسية وطبيعتها (مادية أم غير ذلك). والمرجعية تختلف بين العلمانية والإسلام؛ فبينما مردها إلى السماء في الإسلام، ففي العلمانية مبتدأها ومنتهاها الإنسان. وعلى أساس المرجعية يتحدد تصور التقدم، فمقدار قرب المسلمين أو بعدهم عن الله، هو مقياس نهضتهم في الدين والدنيا.
  • تصور النهضة: تجاوز أسباب التخلف وواقعه، وصنع نهضة في مختلف شؤون الفكر والحياة. ولب التصور الإسلامي للنهضة هو اكتشاف خصوصيتنا وديننا، فهي نهضة مؤسسة على مرجعيتنا.
  • تصور الهوية والآخر: ينظر الكاتب إلى الهوية بوصفها رؤية للعالم، ومميزة لنا عن غيرنا. فتصور الآخر وتقييم المفكر له، وتصور منتجاته هو من التصورات الكاشفة لطبيعة المرجعية التي ينطلق منها خطاب المفكر.

كما يعدد المؤلف تصنيفات للتحولات الفكرية. ويفرق ابتداءً بين التطورات والتحولات؛ فالتطورات تمثل عدم اعتراض للمسار السابق، وتأكيد الجديد للقديم. أما التحولات، ففيها نوع من القطيعة والانحراف عن السابق، والاعتراض عليه كليا أو جزئيًا. وعلى ذلك يمكن تصنيف التحولات حسب معيار الانحراف عن القناعات السابقة إلى: تحولات جزئية، تحولات كلية، وتحولات توفيقية، تمزج بين أكثر من مرجعية ورؤية، ومعيار الحسم والتردد إلى: تحولات مشتهبة (متوترة)، وتحولات حاسمة، أو حسب موضوعها إلى: تحولات في التوجهات الفلسفية موضوعها القضايا الكلية، وتحولات فكرية موضوعها تصورات إصلاح الواقع والشأن العام.

ومن هذه المعايير المتعددة يستخلص الكتاب ثلاثة أنواع من التحولات:

  • التحولات المضادة: هي تحولات من دين إلى آخر في إطار البحث عن الحقيقة واليقين.
  • التحولات الكلية: تتميز بوجود اختلاف واضح داخل نفس المنظومة الكلية (الإسلام أو المسيحية)، واختلاف في المنهج والوسيلة وليس الغاية؛ كالتحول من مذهب لمذهب، أو من فرقة إلى أخرى. والتحول من مرجعيات غربية إلى التوجه الإسلامي يندرج تحت هذا النوع من التحولات؛ لأنه تحول من مرجعية تباعد بين الدين والمجال العام، إلى مرجعية تجعله محورًا لها، فهي ترتبط بالرؤية الكلية والمنهج، وبمقولات رئيسة في فكر المفكر تتعلق بنظرته للمعرفة، وللوجود، وتحقيق النهضة.. لذا يمكن وصفها بأنها تحولات جذرية أو جوهرية؛ لأنها تشكل قطيعة في مسار المفكر.
  • التحولات الجزئية: تحولات في بعض رؤى المفكر، ومواقفه من بعض القضايا. وتُعد تحولات الإسلاميين داخل التيار الإسلامي نفسه، وما يُعرف بتصحيح المفاهيم، وإبداع مفاهيم جديدة، من هذا النوع.
  • التحولات المشتبهة: التي يصعب فيها تحديد منهج كان يلتزمه المفكر قبل وبعد التحول. على سبيل المثال اقتراب بعض المفكرين من العرب والغرب في آن واحد (اتباع منهج توفيقي).

المحور الثاني- سؤال النهضة وسياقات التحول نحو التوجه الإسلامي خلال القرن العشرين

يُعد سؤال النهضة والهوية أحد أهم الأسئلة التي قادت ليس فقط التحولات الفكرية للتوجه الإسلامي، وإنما الأرضية التي تفاعلت بموجبها مختلف القوى والنخب الثقافية في مصر خلال القرنين التاسع عشر والعشرين؛ اللذين مثّلا مرحلة البحث عن الذات في التاريخ المصري، خاصةً بعد حملة نابليون، وما عُرف بصدمة الحداثة إثر مشروع محمد علي التحديثي. فقد ظهرت مجموعة المفكرين الذين قادوا حركة الاجتهاد والتجديد في العالم الإسلامي فكرًا وحركة (تيار الأصالة)، مقابل مجموعة أخرى منبهرة بالغرب وما توصل إليه من تقدم (تيار المعاصرة)، وبين التيارين ومعهما ولدت التيارات الفكرية الأخرى في مصر الحديثة.

على الجانب الواقعي، بدا المشهد السياسي العربي والدولي محفزًا للاستقطابات الفكرية، خاصةً في ظل استمرار تبعية النظام السياسي العربي ودوله للنظام الدولي، رغم التغيرات والتطورات التي طرأت عليه من تعددية إلى ثنائية ثمّ إلى أحادية قطبية. وفي ظل استمرار النكبات العربية، زادت التوترات بين النخب الفكرية في العالم العربي، كما زادت حدة الانقسام حول قضايا الهوية وسؤال النهضة والتقدم، وسبل تحقيقهما.

وفيما يلي نجمل سمات وسياقات التحولات نحو التوجه الإسلامي خلال القرن العشرين من خلال الوقوف على هذه التصورات الثلاثة.

أولًا: التحولات نحو التوجه الإسلامي في النصف الأول من القرن العشرين:

تعددت نماذج التحولات خلال النصف الأول من القرن العشرين، ومع ذلك يمكن اعتبار معظمها تحولات مشتبهة؛ يظهر ذلك من خلال تراجع عدد من المفكرين عن أطروحات سابقة لهم (علمانية) أو إشارتهم بذلك، ولكن دون أن يقوموا بمراجعة نقدية لمجمل ما قدموه أو تأسيس أطروحات أخرى مضادة لها. مثل: طه حسين، والعقاد، وإسماعيل مظهر، قاسم أمين. وتوصل الكاتب إلى أن أهم سمتين للتحول هما: الاشتباه والجزئية؛ إذ لم يحدث بعدها أن أسس المتحولون لوجهات نظر متكاملة مضادة لها. إلا أنها في نفس الوقت أكدت على هشاشة واهتزاز التصورات العلمانية في أرض لا تنتمي مرجعيتها السائدة إلى هذه التصورات، ومن ثمّ تعاني من اغتراب في كثير من المجتمعات المسلمة، كما دللت على أزمة الوجدان التي تقع في نفس أصحابها. ورد ذلك إلى عددٍ من العوامل:

  • النزعة الربانية والحاجة للوجدان الديني؛ فمعظم هؤلاء المتحولين كانوا ممن تعلموا في الغرب، وتأثروا بعلومه وفكره، فدعوا لرفض أي دور للدين في الحياة، وليس في السياسة وحسب. فكان تحولهم في آخر حياتهم بمثابة رد فعل على الخواء الروحي، وحرصًا على الحفاظ على “سمعة التدين” في مجتمع -وقتها- كان الدين عماده.
  • السياق الثقافي والفكري والعالمي؛ اهتزت قيم النموذج الغربي، وتصور نخب المفكرين عن “الغربي” بعد مرور العالم بحربين عالميتين، راح ضحيتهما الملايين. بالإضافة إلى رواج أفكار مفكرين كبار مثل طنطاوي ومصطفى الرافعي، وأحمد حسن الزيات حول “شمول الإسلام” في العديد من الأوساط الاجتماعية. فخلقت هذه الظروف فرصة لهؤلاء المفكرين (دعاة التنوير) بعض التوفيق والموائمة بين الطرح العلماني/ الغربي والفكر الإسلامي، وتجنب الصدام المباشر معه، مع التأكيد على المطالب التحديثية ممثلةً في الدستور والاستقلال والديمقراطية.

لعبت هذه التحولات والعوامل السابقة دور المُمهِّد لتحولات أكثر شمولًا في فكر النخب التنويرية والعلمانية في مصر، كما كانت ملهِمة لأجيال أخرى ستقوم بمراجعة حقيقية، ونقد أكثر عمقًا للتراث الغربي والفكر العلماني.

ثانيًا- سياق التحولات الفكرية في النصف الثاني من القرن العشرين:

شهدت الساحة السياسية والفكرية تغيرات عدة النصف الثاني من ذلك القرن، ساهمت في تراجع المد القومي الناصري، واتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي والسياسي على الغرب، وبروز الحركات الإسلامية، والتيارات الهجينة.

وفي هذا الوقت صُدِّر الخطاب الإسلامي على أنه بديل للخطابات الأخرى، إذ صورت الحركات الإسلامية نفسها لا مجرد داعٍ لبث روح الإسلام كدين في الحياة الشخصية للأفراد، بل مؤطر لإعادة الصياغة الإسلامية للمجتمع المدني والثقافة، واستعادة الوحدة الروحية للجماعة.

وعلى هذا الأساس اصطبغت التحولات الفكرية إلى التوجه الإسلامي بمجموعة من السمات الفارقة، منها:

  1. الاتساع: أفقي ورأسي؛ في عدد أولئك الذين تحولوا إلى التوجه الإسلامي، وفي أفكارهم وتناولهم للإسلام، وكان منهم: طارق البشري، محمد عمارة، محمد جلال كشك، وعبد الوهاب المسيري وغيرهم.
  2. الحسم: اتسمت تحولات النصف الثاني بالشجاعة والتأسيس النظري، فقد أعلن جل المتحولين تقريبًا تحولهم للتوجه الإسلامي، ثمّ أتبعوا ذلك مراجعة نقدية لفكرهم السابق، ومجمل الفكر العلماني التغريبي، وتأسيسا لجديد إسلامي.
  3. غلبة تصور النهضة: كانت إجابة المتحولين عن سؤال النهضة بمثابة إعادة تأسيس المنظور الإسلامي في مختلف مجالات الشأن العام، ما جعلهم يمثلون نقلة نوعية في الخطاب الإسلامي المعاصر، في سياق تأكيدهم أن النهضة لا يمكن تحقيقها دون مرجعية أساسها الدين الإسلامي، تكون هي الحامل الممكن للإصلاح والديمقراطية. وهنا يمكن أن نلمس العديد من السمات الفرعية:
  • الإبداع المفاهيمي: ظهور مفهوم “إسلامية أو أسلمة المعرفة”، الذي يؤسس لرؤى جديدة في العلاقة بين الله – الكون – والإنسان، ومصادر المعرفة، ويسعى لإعادة صياغة العلوم وفق منظور إسلامي قيمي، لا يضاد البعد الروحي للإنسان، والغيب.
  • الاستفادة من المناهج الغربية في نقد الحداثة: لم يعنِ تمسك المتحولين بفكر إسلامية المعرفة رفض كل ما هو غربي بالمطلق، بل استفادوا من مجمل الانتقادات الغربية التي وُجهت لتيارات الحداثة السائدة هنالك، وآثارها في الإنسان والحضارة.

ويلخص المؤلف أنواع التحولات التي حدثت في هذا التوقيت إلى:

  1. تحولات في مجال الفلسفة: كان منها تحولات طه عبد الرحمن، وزكي نجيب محمود، الذين تأثروا ببعض أفكار المدارس الفلسفية الغربية، وكان تحولهم بمثابة مراجعة لبعض أفكارهم في المرحلة السابقة بشأن الحضارة والتاريخ الإسلامي وبعض الظواهر الإسلامية. فكان أقرب للجزئية وليس تحولًا شاملًا نحو المنظور الإسلامي ككل، يشبه التحولات الفلسفية التي جرت في النصف الأول لطه حسين وأمثاله.
  2. تحولات (شاملة) في مجال الفكر (في تصور النهضة والمرجعية): تحول أصحابها كلية للتصور الإسلامي، كما وجهوا نقدًا عميقًا وجذريًا لأطروحاتهم السابقة، والتحموا بالحركات الإسلامية.
  3. تحولات معرفية: حدثت لمجموعة لهم خلفيات معرفية متباينة، وأفكار عصرية مختلفة عن التيارات السابقة، فهم أكثر اهتمامًا بالعلوم الحديثة، وبالمفاهيم المعاصرة، ومنهم: عبد الوهاب المسيري، والبشري، وعمارة وغيرهم، وكان دافعهم للتحول استعادة وإثبات فعالية تصورات الهوية والنهضة والمرجعية الإسلامية في العصر الحديث.

المحور الثالث: البشري من العلمانية إلى الإسلام

أعطى المؤلف نبذة حول البشري، فهو ابن المستشار عبد الفتاح البشري، رئيس سابق لمحكمة الاستئناف، وجدُّه الشيخ سليم البشري، الذي كان شيخًا للأزهر في مطلع القرن العشرين، وأن من بين إخوة أبيه الأديب عبد العزيز البشري، من مشاهير الأدب الساخر في مصر خلال مطلع القرن العشرين. وأن البشري خريج كلية الحقوق عام 1954، وكان من بين أساتذته: الشيخ عبد الوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة، وعلي الخفيف. وأنه عمل بعد تخرجه في مجلس الدولة، ليُنهي مسيرته نائبًا أولًا لرئيس المجلس، حينما بلغ سن التقاعد عام 1998. بعدها وأثناءها عمل البشري مستشارًا علميًا للعديد من الهيئات البحثية، والمجلات مثل “إسلامية المعرفة” (مجلة الفكر الإسلامي المعاصر حاليًا) وغيرها. فضلًا عن تأليف عدد من الكتب منها: الحركة السياسية في مصر، والمسلمون والأقباط، وسلسلة في المسألة الإسلامية المعاصرة وغيرها.

وقد جاء تحول البشري مواكبًا لتحولات أخرى شبيهة في المشرق والمغرب الإسلامي، من مرجعية كلية هي “المنهجية الماركسية العلمية في التحليل إلى المنهجية الإسلامية في التشريع والأفكار”، من خلال ثنائية الوافد والموروث التي تعبر عن استعادة كاملة للهوية الإسلامية.

واستغرقت عملية التحول تلك وقتًا طويلًا؛ إذ بدأت قبل نهايات السبعينيات بقليل حتى أوائل الثمانينيات. وكان تحولًا حقيقيًا أتبعه البشري بنقد ومراجعة شاملة لأفكاره السابقة، وما طرحه خلال مرحلة علمانيته الفكرية. إذ عبر عن أن عام 1983 كان فاصلًا بين ما قبله وما بعده، فهو العام الذي خرج فيه البشري للحج، وقد تيقن قتها من إسلاميته، وأنه أعاد بناءه الفكري على ذلك الناظم الإسلامي.

وقد مارس البشري النقد الذاتي والفكري في مقدمته للطبعة الثانية من كتاب الحركة السياسية في مصر، وذلك أولًا: بإعادة طرح العلاقة بين الوافد والموروث، وبين الدين والدنيا، وثانيًا: بإعادة تأويل فهمه للحركة الإسلامية والماركسية التي نشأت في مصر في ذلك التوقيت. وذلك بقول البشري: إن حركة المجتمع المصري لم تكن فحسب صراعًا بين الاستعمار والحركة الوطنية، أو بين الطبقات ذات المصالح المختلفة، ولكنها ترجع إلى الصراع العقائدي بين الوافد والموروث.

ويحاول الكاتب تفسير التصورات المتعلقة بمرحلة ما قبل التحول، التي يسميها مرحلة المؤرخ واتبع فيها البشري منهجًا علمانيًا أو علميًا وضعيًا، ومرحلة ما بعد التحول، التي يطلق على البشري فيها وصف المفكر الذي يلتزم فلسفة للتاريخ تقوم على مقولة الهوية والثقافة، ولا تقف عند مجرد الأسباب الاجتماعية والمادية.

ويؤكد المؤلف أن تحول البشري لم يكن تحولًا عن القضايا محل الاهتمام والتركيز، بقدر ما هو اتساع في نطاقات الاهتمام، وفي المشروع الفكري ذاته، ومن ثمّ طريقة تأويل هذه القضايا وسبل تحقيقها. فاتسعت من ضيق الوطنية المصرية إلى رحابة الانتماء للأمة الإسلامية، ومن المعاصرة والتحديث على النمط الغربي إلى مجالات التراث الإسلامي. وتحول في “الهمِّ” من التغيير الآني الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يهتم به المثقف الأيديولوجي إلى التأسيس الفكري الذي يهتم به صاحب المشروع. إذ أن الاهتمام بقضية الاستقلال الوطني، ورفض التبعية بكل أشكالها، واحتفاظه باستقلاليته غير المتبعة لتنظيم معين؛ سمات مشتركة بين المرحلة الأولى والثانية.

أولًا: طور المؤرخ واليسار:

يرى المؤلف أن تجليات مرحلة ما قبل التحول تكمن في طور البشري المؤرخ اليساري، والتي ظهرت في كتابه “الحركة السياسية في مصر”، وتحديدًا في تأويله لكل من الحركة الماركسية والحركة الإسلامية: ظروف نشأتها، وأهدافها. وفيما يلي بعض التدليلات على هذه الأيديولوجية التي سيطرت على البشري في هذه المرحلة، أو مرحلة ما يسميه المؤلف “طارق الأول”.

في هذه المرحلة ألح البشري على أهمية تحقيق الاستقلال الوطني، ولكنه أبرز الاهتمام بالجانب الاقتصادي للاستعمار كما فعل أصحاب التوجه الماركسي في ذلك التوقيت. كما انتقد تأخر الوعي بالأساس الاقتصادي للاستعمار لدى أنصار الحركة الوطنية الوفدية، وأشار إلى أنه جاء متأخرًا مع محمد فريد ومصطفى كامل، وتأسيس بنوك وطنية. ويرد ذلك إلى أن الأهمية السياسية لموقع مصر، وضعف إلمام الحركة بالسياق العالمي للاستعمار الاستغلالي، وضعف انتشار الفكر الاشتراكي، هي ما أدى لتأخر إدراك أهمية ذلك الجانب. بينما -فيما بعد- كان سبب الاهتمام هو التواصل بين الحركة الوطنية المصرية والحركات المناهضة للاستعمار في فترة ما بين الحربين، وما بعد الحرب العالمية الثانية، التي كان الشرق الأوسط فيها مركزًا لوجستيًا، ومعها تأكد أن مصير مصر مرتبط بالفهم الكامل لظاهرة الاستعمار والتحرر منه عالميًا.

ويضيف البشري بشأن تأويل العلاقة بين طبقة كبار الملاك في مصر وبين المستعمر أنها خضعت لاعتبارات التكسب، ومراكمة الثروة، إذ كان تهديد الإنجليز بعدم شراء القطن سلاحًا فعالًا للسيطرة على هذه الطبقة، التي يرتبط تحقيق مصالحها بتصديره. وكذلك يربط البشري بين علاقة هذه الطبقة الاقتصادية، وممثلها السياسي حزب الأحرار الدستوريين، وعلاقتها بالملك، ودورها في إسقاط الحكومة الوفدية عام 1937. وحسب المؤلف كان التفسير الاقتصادي تفسيرًا أوليًا ورئيسًا لدى البشري لأي تحولات سياسية تجري في مسار الحركة الوطنية.

كما اتضح ذلك التوجه الماركسي في تأويله للحركة الإسلامية، الذي كان يرى أن الغموض والتمييع هو سمة أفكارها وتحركاتها في الميدان السياسي. إذ كان تصوره العلماني بشأن الدولة الوطنية، وضرورة الفصل بين الدين والسياسة مسيطرًا على رؤيته للحركات الإسلامية. في حين كان انتقاده للحركة الشيوعية انتقاد المنتمي لمرجعيتها، فأوَّلَ كلَّ تحولاتها لصالحها لا ضدها.

يصل البشري في مرحلته الأولى إلى حكم كلي يتعلق بأن الأثر الإيجابي للحركة الإسلامية كان محدودًا في هذه المسائل ولا يتناسب مع حجم أعضائها، إذ كانت التنظيمات الشيوعية ومصر الفتاة أكثر فعالية منهم.

على النقيض من ذلك كان تناوله للحركات الماركسية والشيوعية، التي اعتبرها فكرا جديدا، اندمج مع الحركة الوطنية، وشارك في الكفاح السياسي انطلاقًا من الربط بين الهدف الاجتماعي والهدف الوطني، وبين الفئات المُستغلَة من الوطن المصري. وكانت هذه الحركات وفق رؤية البشري في مرحلته الأولى، أكثر اتساقًا مع حقيقة القضية الوطنية، التي تتمثل في الاستقلال والتحرر من الاستعمار، وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الطبقات المختلفة. إلا أنه انتقد هذه الحركات فقط بسبب وجود عناصر أجنبية على رأس تنظيماتها في مجتمع يتسم بالعزة القومية. كما انتقد سلوك الحركة تجاه حرب فلسطين، ودعوتها لعدم خوض الحرب، إلا أنه برر ذلك بموقف الشيوعية العالمية منها متجاهلًا وجود العديد من اليهود في صفوف هذه الحركات في مصر.

ومع ذلك لاحظ المؤلف، البعد العروبي لمصر وفقًا لتصور البشري كبعد ثقافي، وسياسي، وأمني لا يمكن تجاوزه. ويفسر البشري في مرحلته الأولى ذلك من خلال التضامن المصري مع فلسطين، واعتبر خلق وطن قومي لليهود مخططا استعماريا يستهدف الوطن العربي بكامله.

ومن هنا يتضح أن مواقف البشري وتصوراته في مرحلته الأولى من الحركة الوطنية والنهضة المصرية قد تشكلت انطلاقًا من المرجعية العلمانية، والمنهجية الماركسية، التي تجلت في نقده للحركة الإسلامية، واتهامها بأنها أثقلت الحركة الوطنية، وفي استخدامه معها لأساليب لغوية يشتبه فيه سمة الأدلجة، بخلاف مرحلته الثانية التي اتسمت لغته فيها بالهدوء والجسارة، كما أن اهتمامه كان خلال المرحلة الأولى بتقديم التاريخ على الفكر، في حين فعل العكس في مرحلته الثانية.

ثانيًا: مخاض التحول عند البشري:

ظل الاستقلال ورفض التبعية بكل صورها موقفا ثابتا لدى البشري، ولكنه مع تحولاته اكتسب زخمًا وأبعادًا جديدة، فبعد ما كان جل اهتمامه طبقيا وسياسيا، أصبح أيضًا حضاريا وثقافيا وقيميا، مرتبطا بمعنى ومضمون وتصور الهوية عنده، واتساع دوائر الانتماء وتحاضنها من الانتماء إلى الأمة الإسلامية إلى الدوائر الأخرى: المصرية، والعربية، والإنسانية بعامة.

كانت أول مراجعات البشري لفكره موقفه من التاريخ، وعملية التأريخ؛ حيث رأى أن التاريخ ليس مجرد سرد لأحداث مضت، بل هو وجه من أوجه الحوار بين الفترة محل الدراسة والفترة التي تجرى فيها المدارسة. وأن المؤرخ كالجُندي ينبغي أن يكون على وعي بتحيزاته الثقافية وانتمائه الحضاري، وإلا سيصبح بلا رسالة أو هدف، فلا يسرد الحقائق فقط، ولكن يحدد موقفه منها، وعلاقته بما يحيط بها من أفكار وقيم. ومن هنا كان طرح البشري لمفهوم الجامعة السياسة الذي يُعد الإسلامية ركنا أساسيا فيه.

ويؤكد المؤلف على لسان البشري، أن علمانيته في المرحلة الأولى كانت علمانية جزئية، بمعنى أن علاقته بالدين كانت قائمة في عدة أوجه. وتتضح تفاصيل المخاض الذي مر به البشري في عدة جوانب، وثقها في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه الحركة السياسية في مصر؛ حيث أكد فيها صلة الإسلام بنظام الحياة ككل في مجمل أرجاء العالم الإسلامي حتى بداية القرن التاسع عشر، وأن عهد محمد علي لم يكن خروجًا على هذا الناظم، وأن تأويل العلمانيين له ليس صحيحًا. ويشير –في هذا الإطار- إلى أن فهم موقف نظام محمد علي من الدين الإسلامي لا يكون مما قام به تجاه بعض المشايخ، وإنما من مجمل مشروعه السياسي؛ الذي يعتبر البشري أنه كان بمثابة تجديد للقوة العثمانية، وتأكيد على المفاهيم الإسلامية للحكم.

ولذلك أكد البشري أن الانتماء الإسلامي كان بمثابة الجامعة السياسية الأولى والأصيلة لمصر، وأن الشعارات التي رفعت أثناء ثورة عرابي، ثمَ ثورة 1919 بشأن “مصر للمصريين” لم تكن أبدًا تقصد الانخلاع عن رابط الأخوة الإسلامية، وإنما قصدت تطهير البلاد من ذلك العنصر الأجنبي “الأوروبي” الذي تفحش في البلاد. وأن فصل النخب الوطنية عن الجامعة السياسية الإسلامية الأكبر (العثمانية) تم من خلال عملية تدريجية منذ عهد إسماعيل، الذي شهد انفتاحًا على الغرب، وفقدان كل مناعة في المقاومة الحضارية للوافد الأجنبي. ومع ذلك يؤكد أن الأخذ عن الغرب في تلك المرحلة ظل قاصرًا على طرائقه التنظيمية ومؤسساته، وليس في نظمه وأنساقه الفكرية والاجتماعية، حتى أن نشأة تنظيم النظارات (الوزارات) لم يكن سوى استجابة للمصالح (والإملاءات) الأوروبية.

لكن حدث التحول -وفقًا للبشري- عن هذا النمط في الأخذ عن الغرب مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، التي شهدت تبنيا ونقلا لنظريات وفكر الغرب في شتى المجالات والعلوم، حتى صار التأثر بالغرب أساسًا نظريًا وعقليًا ووجدانيًا (أسلوب حياة). ومع ذلك رأى البشري أن الحركة الوطنية المصرية (ممثلةً أساسًا في حزب الوفد) لم تكن علمانية ولا متغربة، ولكنها افتقدت لظهير إسلامي مناصر بعد سقوط الخلافة عام 1924، وهو ما فتح الباب -من وجهة نظره- لحركات إسلامية تنطلق من “واقع غير الواقع الذي كان الحزب الوطني يعمل فيه”. وبذلك أضاف البشري لتفسيره بُعدًا ثقافيًا هوياتيًا لم يكن حاضرًا في تأويله السابق لنشأتها. وعلى هذا:

  • خطّأ البشري قادة الحركات الوطنية في تفسيرهم للحركات الإسلامية على أنها أداة في يد الملك لضربها.
  • تراجع عن كون هذه الحركات مرتبطة بمصالح طبقة بعينها أو قوة اجتماعية ما أو أنها كانت تخدم طبقة الإقطاع!
  • تأكيده على أن الحركة الإسلامية كانت حركة مقاومة للاستعمار؛ نظرًا لأن الدين كان مكوِنًا سائدًا في الفكر المصري.

ثالثًا- بناء منهجية إسلامية:

بعد أن استقر البشري عند التوجه الإسلامي، شرع في بناء “مشروع فكري خاص ينفصل عن المشاريع السابقة”، يقوم على تبني المرجعية الإسلامية كأساس للقيم ورمز للهوية، ومنطلق لتحقيق النهضة. ونجد الجذور التأسيسية لهذا التوجه في مجموعة كتب البشري التي صدرت في التسعينيات تحت عنوان “في المسألة الإسلامية المعاصرة”. والتي تجلى فيها:

  • تأسيس منهج نظر:

في هذا التأسيس، يقوم البشري بمراجعة مناهج النظر في القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية المحورية في عالمنا الإسلامي، ويؤكد تمايز الهوية الإسلامية عن الهوية الغربية، وأنه لا يمكن بحال قراءة أي قضية إسلامية بنفس منطلقات قراءة نظيرتها في الغرب؛ فنظام التعددية في الإسلام -على سبيل المثال- يختلف في طبيعته عن نظام الفصل والتوازن بين السلطات الغربي.

وأكد البشري من خلال هذا المنهج على الخصوصية الثقافية الإسلامية، وضرورة قراءة التاريخ في ضوئها، وعلى أهمية التراث الإسلامي ومنهجية التعامل معه، التي تراعي سياقاته الزمنية والمكانية في الأخذ منه والرد، والاجتهاد في إطاره بما لا يخرج عن كلياته وأصوله.

  • الجدل مع المعاصرة:

يؤكد المؤلف اتساع دوائر اهتمام البشري الفكرية والمعرفية في مرحلته الثانية، من منطلق العلاقة بين العروبة والإسلام، والحوار بين الإسلام والعلمانية، ومن ثمّ أكد أهمية الحوار كمرجعية منهجية حضارية لديها قدرة على توليد الأفكار والاجتهاد في إطار المقارنة والتاريخ والواقع، وفي إطار ثنائية الوافد والموروث كأداة تحليلية. وهو ما جعل العلاقة مع الآخر تشغل حيزًا معتبرًا في قراءة البشري للواقع، وفي كتاباته حول قضايا التغيير والإصلاح والديمقراطية.

المحور الرابع: إشكاليات التفسير العلماني للتحولات نحو التوجه الإسلامي:

رغم أن معظم التحولات جاءت تدريجية، وكان لها أثرها في مجالات الفكر والخطاب الإسلامي وعلاقته بالغير، فقد غلب على تعاطي العلمانيين معها معاداة هذه التحولات وأصحابها، وعزوها إلى عوامل غير موضوعية، خارجية في معظمها عن فكر المؤلف نفسه وسياق تكوينه ونشأته، ومراحل تحوله. إذ جرى تناولها في إطار أنها تراجعات (بالمعنى السلبي) وليس تحولات؛ أي على أنها اختيار فكري، بذل المفكر جهدًا عقليًا ووجدانيًا للوصول إليه.

وعليه فإن أول تفسير للتحولات يربط بين التحول وهزيمة يونيو 1967، وفترة الصحوة الإسلامية، وانكسار الأيديولوجية القومية، ومن ثمّ ثبت فشل الخيار العلماني، فانضم لها جمهرة من المفكرين “استثمارًا لها”، وخوفًا من أن تكون “الإسلامية” تيارا ينحي تأثيرهم، مع تصاعد تعاطف الشارع العربي معه.

أما ثاني التفسيرات، فربط تحول البعض من ذوي النشأة القروية، الذين تبدى لهم انحلال المدينة، وشعورهم بالقهر فيها، ومن ثمَّ كان تمسكهم بالإسلام وتأسيس جماعات حوله بمثابة رد فعل، واستعادة للهوية في ظل هذا القهر.

وثالث التفسيرات يشير إلى أن الأرضية الثقافية الإسلامية الشعبية أدت إلى تقارب الخطابات الأيديولوجية الليبرالية والقومية والاشتراكية مع الخطابات الإسلامية في العالم العربي، ما سهل التحول بين هذه الخطابات.

وعليه، يلجأ التفسير العلماني للتحولات إلى أسباب غير معرفية، سياسية بالأساس، تشير في مجملها إلى التحولات بوصفها تحولا من الانحياز السياسي إلى الانحياز الديني؛ أي تعبيرا عن البرجماتية السياسية، وبحثًا عن متكأ جديد بعد انهيار المتكأ الأول. وجلها لا يصمد مع تمحيص بسيط، مفاده أنه “إذا كانت الأمور كذلك” فلماذا لم يتحول غيرهم إلى التوجه الإسلامي؟، كما أنها يحيط بها عدة إشكالات على رأسها:

  1. قراءة خطاب المفكرين من خارج سياق تحولهم، دون تناول علمي حقيقي لما كتبوه قبل وبعد تحولهم، والمرحلة الوسطى لهم. وتجاهل تحول مفكرين غربيين وغير مسلمين نحو المرجعيات الدينية في نفس المرحلة الزمنية.
  2. الفشل في قراءة التحولات خارج النطاق السياسي والبرجماتي، رغم وضوح عناصر الهوية، وتصور النهضة والمرجعية فيها، إذ أنها كانت تنبع من موقف مُحدد من الحضارة الغربية.
  3. عدم القدرة على استيعاب الصحوة الإسلامية سوى في حركات الإسلام السياسي، مع أنها ليست سوى أحد مكوناتها وروافدها، ورغم أن كُتَّابا غربيين (من أمثال هنتجتون واسبوزيتو) أكدوا الآثار الممتدة والمتعددة لظاهرة الصحوة الإسلامية التي تُنبِئ بإعادة الاعتبار للإسلام في كافة مناحي الحياة العامة من الفكر الفردي إلى السياسة ونظم الحكم وإدارة العلاقات مع الآخر.
  4. تجاهل السياق العالمي للتحولات؛ فبعد انتهاء الحرب الباردة، وثبات فشل الحل الغربي في التعاطي مع أزمات العالم، ومحاولته لتنميط كل شيء خارجه على نمطه، ظهرت تيارات حتى داخل الغرب تعلن عن أزمته!

كل هذه الإشكالات تطرح ضرورة قراءة هذه التحولات في إطار نقد الحداثة الغربية الذي بدأ داخل الغرب ولم يقف عند حدوده؛ فانتقد قيم المركزية الغربية، والاستعلاء والتمييز العنصري ضد الآخر، والتقليل من شأن إنسانية غير الغربي. فضلًا عن ذلك، لم تهتم التفسيرات العلمانية بحضور الجانب الروحي والوجداني في هذه التحولات.

خاتمة:

في المجمل، التزم المؤلف (ضمنًا) بمنهجيته التي شرحها في المقدمة والفصل الأول، إلا أنه لم يطبقها بالتفصيل والتنظيم المتوقع لها خاصةً عند تناول تحول المستشار البشري من العلمانية “الجزئية” فكرًا والاشتراكية العلمية “منهجًا” والموضوعية العلمية “تفكيرًا” إلى التوجه الإسلامي. إذ لم يبين معالم هذه العلمانية والاشتراكية العلمية سوى ببعض التدليلات من تعليقات للبشري وردت في الطبعة الأولى من كتابه الحركة السياسية في مصر عن التنظيمات الإسلامية والحركة الماركسية في المرحلة الأولى ومرحلة المخاض. والحق أن هذه الإشارة صحيحة، ويؤكدها البشري ذاته. ولكن الكاتب لم يرسم بصورة دقيقة تصورات: الهوية، والمرجعية، النهضة قبل التحول وبعدها. إذ كان تناولها خاصةً في مرحلة ما بعد التحول مدمجًا ومجملًا بصورة لا توضح هذه التصورات عند البشري، ولا تبين المعالم الحقيقية لمنهج النظر الذي أسسه، ولا حقيقة جدله مع المعاصرة، إذ اكتفى المؤلف بعرض أشبه ما يكون بقراءة عناوين هذه الأفكار، وليس تفاصيل الجزء المنهاجي فيها، وفي تصوراتها للهوية والنهضة والمرجعية. بالإضافة إلى ذلك لم يعطِ المؤلف الإبداع المفاهيمي الذي قام به البشري حقه، خاصةً إذا أشرنا إلى مفاهيم التيار الأساسي للأمة، والجامعة الحضارية، وغيرهما من المفاهيم التي أصَّل لها البشري في أكثر من مؤلَف، وتعتبر منطلقات مهمة في فهم فكره بعد التحول.

وعلى الرغم من أن المؤلف قدم نبذة معلوماتية حول نشأة المستشار البشري وتكوينه، فإنه لم يعطِ تلك النشأة وذلك التكوين حظه من التحليل والبحث كمؤثر على عملية تحول البشري! إذ توضح هذه النشأة كيف أن البشري تربى بين العمامة (الأزهرية) كناية عن الإسلام شريعة ومنهجًا، والطربوش كناية عن الحداثة سلوكًا ومظاهر، وبين القرية والمدينة. وكل هذه الثنائيات كانت مما سهل عملية مراجعته لفكره العلماني، وأدت لتحوله. فضلًا عن تكوينه كقاضٍ، تبحر في الفقه الإسلامي ونظام الأوقاف بحكم عمله. وتأثير مجموعة الرفاق والأصدقاء فيه، الذين تناقشوا في شتى مسائل الفكر الإسلامي، وكان تحولهم في أوقات قريبة.[3]

ولكن مما يُلطف من حدة النقد السابق أن حديث البشري بالتفصيل عن هذه الأمور، التي يعتبرها ذاتية شخصية، جاء في مرحلة متأخرة على إعداد الرسالة، ونشر الكتاب. كما يُذكَر للمؤلف أنه وُفِّق في اختيار المؤلفات التي وقف عليها بالتحليل، ولفت الانتباه لها، وهي كتاب الحركة السياسية، والمقدمة الثانية له، ومجموعة في المسألة الإسلامية المعاصرة، وهي مفاصل حقيقة في فكر البشري، دائمًا ما يشير إليها البشري ذاته وإلى أهميتها، رغم صدور كتابات أخرى لاحقة عليها. وكذلك تأكيده أن القضايا الرئيسية التي اهتم بها البشري قبل التحول وبعده لم تتغير، ممثلةً في قضايا الديمقراطية والاستقلال الوطني، ورفض التبعية بكافة أشكالها، وهو ما يتفق مع مجمل أطروحات البشري في هذا الشأن.

_________________

الهوامش

[1] صادر عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2010.

[2] للمزيد حول د. هاني نسيرة، راجع: https://bit.ly/3895Zzx.

[3] للمزيد بشأن تأثير النشأة والتكوين على تحول البشري، انظر:

– طارق البشري، تجربتي مع إسلامية المعرفة، (في:) رؤى في خبرة إسلامية المعرفة، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2019)، ج1، ص ص 81-110.

– طارق البشري، حوارات مع طارق البشري: سيرة معرفية بين الذات والأمة، حوار: مدحت ماهر، تقديم: إبراهيم البيومي، نادية مصطفى، مراجعة وتحرير: أحمد خلف، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث، دار البشير للثقافة والعلوم، 2020)، ص ص 27-132.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى