المنطقة العربية

تحولات وضعية إسرائيل وصورتها في المنطقة العربية: بين السياسة وصناعة الصورة

إشراف ومراجعة: د. نادية محمود مصطفى

هل هي القوة المادية التي يسندها فكر القوة والإيمان بها، أم تراها قوة المعنى والفكر حتى ولو كان سلبيًّا وضالًّا، هي التي تقف وراء ذلك التحوُّل الكبير الذي آلت إليه وضعية إسرائيل وصورتها في المنطقة العربية اليوم؟
هذه الأسطر الموجزة تفترض أن هذين ليسا بديليْن، بل نحن أمام جدليَّة متكاملة تفسِّر ذلك الحال وهذا المآل وتتوقَّع مستقبل إسرائيل من حيث: وضعها الراهن بين العرب وصورتها في عقلهم الحالي. هذه الجدلية تتكوَّن من تضافر تحوُّلات السياسة والفكر العربيَّيْن وتبادلهما سِمَةَ الوهن(1) في السياسات والتصورات، وأن الجدْل بين هذين الوهنيْن هو ما مكَّن لدولة اليهود في الجغرافيا والتاريخ العربيَّيْن المعاصريْن تدريجًا، وفي الذهنيَّة والنفسيَّة العربيَّتيْن على المستوى الرسمي خاصَّة. إن فشل عملية تطبيع دولة الكيان الإسرائيلي لدى الشعوب بالصورة التي جرى الترويج لها –وهي الطريقة النمطية الظاهرة المباشرة(2)- غطَّى على جهود أخرى جبَّارة تعاون عليها كل من اليهود والمتأمِّرة (المستبدِّين) العرب؛ من أجل التآمر “في قرى محصنة” بالسِّرِّية أو التسرُّب “من وراء جُدُر”(3)، ضمن مسيرة من الاختراق الشامل للأنظمة والتَّشبيك واسع الأرجاء مع قوى السياسة والأمن والاقتصاد وبعض قوى المجتمع والثقافة، مع الاعتماد على عامل الزمن في تجذير الدولة اليهودية لتصير قَدَرًا مقدورًا لا مفرَّ منه أمام الأجيال التالية(4).
ومن المهم في البداية التنبُّه إلى أن ثورات 2011 –التي يستخفُّ بها اليوم كثيرٌ من العرب وينفر من ذكرها كثيرون نظرًا لما ترتَّب عليها من ويلات- مثَّلت بالنسبة للإسرائيليِّين ومخطَّط ترسيخ دولتهم، حدثًا تاريخيًّا فارقًا بمعنى الكلمة، ليس بالنسبة لنظرتهم للدول التي قامت فيها الثورات وحسب، إنما بالنسبة للمنطقة بأسرها وبالأخصِّ وضعية إسرائيل فيها(5). لقد كان الأمر بمثابة الزلزال المرعب من انهيار مسيرة ما قبل الثورات التي أسَّست لشرق أوسط إسرائيلي المركز، تقع إسرائيل في عُقد شبكته. ولقد جاء مصدر الرعب –وفق البيانات الإسرائيلية مختلفة المصادر والجهات- من جهتين واضحتين: الشعوب (الديمقراطية)، والحركة الإسلامية أو بتعبير إسرائيلي وغربي: الإسلام(6).
من ناحية أخرى، جاءت الثورات القطرية العربية منذ منتهى العام 2011م وما تلاها من ثورات مضادَّة مدبَّرة إقليميًّا، لتكشف وتعرِّي تلك الحقيقة العربية الكبيرة: أن الأنظمة الحاكمة ضلعت في عملية تاريخية لحماية ترسيخ الكيان الصهيوني والعمل على تأليف العقل الجمعي العربي على حتميَّته. والجديد اليوم أن امتدادات تلك الأنظمة تعمل اليوم على المكشوف لتثبيت ذلك في العقول بالوسائل كلها: المادية والناعمة، وكأنه الفصل الأخير من رواية تأسيس دولة اليهود التي استغرقت قرنًا من الزمان. ومن ثم يجب التمييز بين الكشف الذي قامت به الثورات من ناحية، وبين السياسات والتصوُّرات المنشِئة لوضعيَّة إسرائيل المركزية والتي سبقت الثورات من ناحية ثانية، والانكشاف والسياسات التي أعقبَتها إلى اليوم من ناحية ثالثة.
ومن ثم يمكن تتبُّع معالم ذلك التحوُّل الجدلي في وضعية إسرائيل ضمن تحوُّلات العرب دولا وشعوبًا ودلالات ذلك عبر المراحل الثلاث: ما قبل الثورات، وأثناء حراكها، وصولًا إلى الثورات المضادَّة وحتى نهاية عام 2017م الذي بلغ الذروة مع مشهد الصمت العربي الكبير من محاولة الأمريكيِّين تمليك القدس الشريف لليهود.

أولا- معالم في مسيرة ما قبل الثورات

مثَّلت السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر (أوائل القرن الرابع عشر الهجري) مرحلة تمهيد الأرض الإسلامية لاستزراع كيان يهودي صهيوني فيها، لم يكن في البال الإسلامي. ونقول “الإسلامي”؛ إذ كان ذلك هو التعبير المعبِّر عن الواقع والمعبَّر به دون غيره من دوائر الانتماء التي تصدَّرت بعد ذلك بالتجادل والتبادل: الوطنية والقومية(7). وقد عملت سلطات الاحتلال الأوروبي على جانبين: إضعاف الخلافة الإسلامية واستغلال ضعفها من جهة، وغرس بذور مشروع أوروبا الصهيوني في المدَّة نفسها من الجهة الأخرى، في غفلة من العرب قياداتهم وجماهيرهم، حتى أفاق الكافَّة على إعلان الخارجية البريطانية ما عرف بوعد بلفور 2 نوفمبر 2017(8). ممَّا يؤكِّد الجمع بين المؤامرة السرِّيَّة والسياسات المعلَنة أن إعلان ذلك الوعد سبقتْه اتفاقية سرِّيَّة لتقسيم ما تبقَّى من بلاد العرب تابعًا للسيادة العثمانية بين بريطانيا وفرنسا وعُرفت باتفاقية سايكس-بيكو والتي زامنت انجرار بعض العرب (الشريف حسين بن علي) لمقاتلة العثمانيِّين تحت راية الأوروبيِّين في الشام والجزيرة 1916م(9)؛ بينما كانت الجائزة الخاصة -وهي فلسطين- يتمُّ إعدادها والوعد بها.
من هنا يتفسَّر إعلان الانتداب البريطاني على تلك القطعة من أرض العرب (فلسطين) التي لم تُميَّزْ من قبل بحدود عمَّا حولها من أرض الشام، ويُفهم إقرار عصبة الأمم بذلك، وسكوت القيادات العربية البازغة ساعتها عن ذلك؛ وعلى رأسهم أبناء الشريف حسين في العراق والأردن وسوريا، وابن سعود في نجد والحجاز، وأمراء المشيخات شرق الجزيرة، فضلًا عن حكام مصر والسودان. ويتفسَّر أيضًا ذلك التحوُّل الكبير من “الإسلامية” منطلقًا ورايةً للحركات الداعية للاستقلال السياسي عن الأوروبيِّين إلى المستند الوطني أو القومي العلماني أو كليهما. فبينما تقدَّم المشروع الصهيوني باعتباره مشروع وطن قومي ولكنه مستند في الحقيقة المؤكَّدة على فكرة وعقيدة ورابطة دينية بالأساس، تخلَّى العرب عن المستند الديني لصالح انتماء قومي علماني المرجعية، أكَّد إذعانهم العملي والفكري لتقسيم سايكس-بيكو ومن ثم ترسيخهم له.
وبناء عليه، فحين اندلعت مصادمات البراق عام 1929م بين العرب واليهود في القدس تم تصويرها للعقل العربي والإسلامي باعتبارها صراعًا طائفيًّا من النوع القديم بين يهود طامعين في حائط من حوائط المسجد الأقصى ومسلمين منافحين عن مسجدهم(10)؛ ومن ثم لم تأخذ الثورة “الفلسطينية” عام 1936م بين بقية العرب والمسلمين ذلك الحظ من الاهتمام الذي أخذتْه وقتها سجالات الحركات الوطنية والقومية مع الاحتلال الأوروبي؛ سواء في سوريا ولبنان (1935م)، أو مصر والعراق (1936م)، أو عند إعلان دولة السعوديِّين قبلها عام 1932م بالتفاهم مع بريطانيا والأمريكيِّين. وتدلُّ على ذلك مثلا دواوين الشعر المعاصر للأحداث وكتابات المؤرخين(11). ومن ثم جاء الطرح البريطاني بتقسيم فلسطين عام 1937م (لجنة بيل) غير لافت للمشروع الكلي، اللهمَّ إلا لدى جزء من العرب سيُعرف بعد ذلك بالفلسطينيِّين؛ اندراجًا مع التمييز القطري والقومي المتصاعد والمحمي بقوَّة الحكومات ما بعد الولايات العثمانية.
ولهذا أيضًا كان عنوان حرب 1948 التي أُعلنت بها دولة إسرائيل للوجود الدولي وتمَّ ترسيمها عالميًّا أنها “حرب فلسطين”، وما سُمِّيَتْ بالنكبة العربية إلا من قبل قوميِّين مثاليِّين(12) استغرقوا عقديْن آخريْن حتى يدركوا أن القضية أعمق وأعقد من كونها إسرائيلية، أو فلسطينية، أو حتى عربية بالمفهوم القومي العلماني. ومع ذلك فقد نجحت أساليب الدعاية الرسمية التابعة للنُّظم العربية الحاكمة في الترويج لمقولات: إسرائيل، فلسطين، جنبًا إلى جنب شعار الصراع العربي-الإسرائيلي. وإذا كانت الفترة الأولى مكَّنت للكيان اليهودي بفعل وهن المستند الوطني القطري الانكفائي العربي، فإن فترة المدِّ القومي العروبي من بعد النكبة، والتي أُعلن فيها أن إسرائيل هي العدو الأول والمشترك للعرب -ولمدَّة عقديْن ثم بنسبة متراجعة لعقديْن آخريْن- قد كانت فترة الخداع الذاتي الأكبر: شعارات قومية وحدوية وصراعية ضدَّ الكيان الغاصب، تحتها سياسات تكريس رباعية (التجزئة والتبعيَّة والاستبداد والتخلُّف) التي لا تزيد الكيان الغاصب إلا تمكينًا.
ومن ثمّ كانت مفهومةً –لدى العارفين- ردود الأفعال الرسمية على عدوان 1967م والتي كانت -رغم شعاريَّتها- مرتعشة متلاعبة بين ما يُعْلَنُ في بلادنا (لا اعتراف، لا تفاوض، لا صلح..)، وبين ما يُعرف قياديًّا (رفض التقيُّد بسياسة موحدة، أو مشتركة تجاه إسرائيل)، وما يعرفه العالم خارج منطقتنا ساعتها (من اعتراف الحكومات بدولة إسرائيل على أرض ما قبل يونيو 1967 حين وافقوا جميعًا في الأمم المتحدة على قرار مجلس الأمن رقم 242 للعام نفسه بل طالبوا بالاستناد إليه في حلِّ إشكال احتلال سيناء والجولان لا أكثر وهو مبنيٌّ على هذا الاعتراف). وبات من بعد ذلك مفهومًا ردُّ الفعل العربي على حريق الأقصى 21 أغسطس 1969، ومدى التثاقل في التوجُّه نحو راية إسلامية -ولو شكلية- ستعرف منذ ذلك العام باسم “منظمة المؤتمر الإسلامي”، والتي لم تحضر مصر -على سبيل المثال- قمَّتها التأسيسيَّة لاختلافها مع المملكة السعودية تحت حكم الملك فيصل.
في كل مرحلة، كانت إسرائيل تجني ثمرة وتضع محلَّها بذرة جديدة، وإذا كانت نقطة عدوان 1956م على مصر جاءت جنيًا لثمار الرعاية الأوروبية لإنشاء إسرائيل وإيذانًا بالدخول الأمريكي إلى ساحة هذه الرعاية، فقد كانت نقطة 1967م جَنْيًا لثمرة الاعتراف العربي الرسمي بإسرائيل “دولة” من قبل الأنظمة العربية، وغرسًا لبذرة لها ماضيها تتعلَّق بالمنطقة العربية كلها وتكييفها في العقل العربي نفسه؛ حيث أزاح العرب –فيما يشبه الطفرة- أنشودة “وطني حبيبي وطني الأكبر” من أجل تمرير التسمية الأمريكية الجديدة لهذا الوطن باسم: الشرق الأوسط. ولم تَحُلْ حرب أكتوبر 1973 والانتصار المصري العربي المحدود فيها دون استكمال مشروع تبديل هُوية العرب ليس من الإسلام إلى العلمانية (المتأوربة ثقافيًّا)، ولكن إلى الشرق-أوسطية (المتأمركة سياسيًّا ثم ثقافيًّا أيضًا).
وللأسف فقد مضى المشروع الأمريكي لإعادة رسم وضع إسرائيل في المنطقة من خلال تغيير المنطقة؛ بدءًا من رأسها وهي مصر، واستلحاقًا لقلبها في الجزيرة والخليج، الأمر الذي تجلَّى في خطاب السادات في القدس (1977م)، ثم محادثات كامب ديفيد (1978م)، ثم المعاهدة المصرية-الإسرائيلية (1979م)، والتي ضغطت على النفَس العروبي الأخير باسم جبهة الصمود والتحدِّي (العراق وسوريا واليمن والجزائر أساسا وربما فقط)… مضى ذلك كله في ظلِّ تكبيل أيدي المقاومة العربية وأقدامها، بل لسانها.
لقد كان التحوُّل الأسوأ في تاريخ تمكين إسرائيل من الجسد العربي يتمثَّل في الرِّدَّة الفكرية التي صاحبَت خطوات السادات؛ وقادها ليبراليون مصريون باسم “مصر أولا” ردًّا على الموقف العروبي الرافض لكامب ديفيد، والتي عملت على إعادة تقديم صورة اليهودي والإسرائيلي من خلال الصحافة والفن والأدب، وظهرت أصداؤها في الشَّام حتى لدى بعض الكتَّاب الفلسطينيِّين أنفسهم. وشيئًا فشيئًا انجذب يساريون عرب للخط ذاته اتصالًا باليسار الأوروبي والإسرائيلي، وبرزت تحوُّلات قوميَّة في الاتجاه نفسه؛ ما أوحى باستنفاد الاتجاهات الفكرية العربية العلمانية لطاقتها على خلفية السياسات القُطرية والإقليمية العربية والتحوُّلات العالمية، لاسيما بانهيار المنظومة السوفياتية (1989م) وما تلاها من موجات تحوُّل أيديولوجي كبير(13).
ضُم إلى ذلك المسار الأنكى لشيوخ الإسلام لاسيما الرسميِّين الذين انتقلوا من الحكم بالكُفر على من يبيع أرضًا للصهاينة/اليهود في فلسطين كما جاء في فتاوى الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر بعد عبد الناصر، إلى تصدير قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) بإزاء خط السادات المسمَّى بالسلام مع الإسرائيليِّين؛ حتى انبروا يسمُّون من يخالف ذلك بالإرهاب والتطرف(14).
ولكن تأتي الريح بما لا يشتهي المغتصِبون؛ فلم يمضِ ذلك المسار على الوتيرة الأمريكية تمامًا، إذ أحدثت صدمة الشعوب المسلمة والنُّخب الوطنية والقومية العلمانية بهزيمة 1967م أثرًا مهمًّا في الفكر والشعور والواقع، آل إلى عودة شعبية عريضة إلى المستند الإسلامي في فهم الأمر الجاري واستفهام الواجب عمله، فكانت السبعينيَّات جامعة بين غرس بذور المشروع الأمريكي على المستوى الرسمي في ناحية، وبين تجدُّد بوادر مشروع حضاري مقابل –في الناحية الأخرى- تقوده التكوينات الشعبية هو “المشروع الإسلامي” والذي أشبه -في ظاهره- الطفرة، لكنه في الحقيقة كانت له جذوره منذ صدمة إسقاط الخلافة منتصف العشرينيات. ومن هنا تدخُل تحوُّلات وضعيَّة إسرائيل في المنطقة العربية طورًا أكثر تعقيدًا؛ عماده الصحوة الشعبية المركَّبة من التعاطف والتضامن الإسلامي والدعوة به إلى السياسات المستقلة خاصة عن الغرب والأمريكيِّين ورفض الاستبداد الذي أنتجته نظم ما بعد الاستقلال والربط بين ذلك الاستبداد وبين قضية فلسطين(15).
وقد تجادَل المشروعان الشرق-أوسطي والإسلامي ليزيدا الفصام عبر الثمانينيات والتسعينيات بين الشعوب العربية وحركاتها الوطنية الديمقراطية الإسلامية في جهة وأنظمتها الحاكمة والمشروع الأمريكي الصهيوني في الجهة الأخرى. فكانت انتفاضة 1987م فلسطينية شعبية عربية إسلامية، توازيها عملية إنهاء الصمود والتحدِّي القومي بإعادة الجامعة العربية إلى مصر-مبارك (1989م)، ثمَّ عقد مؤتمر مدريد برعاية أمريكية لتدشين مرحلة التسالُم العربي-الإسرائيلي الشامل في 1991م (والذي اشتكت فيه خارجية النظام المصري من هرولة بقية العرب، خاصَّة الأردن، إلى إعلان التسوية مع إسرائيل)، وصولًا إلى ما تلاه من أوسلو (1993م) واتفاق إعلان المبادئ بين ممثلي فلسطين وإسرائيل (1994م)، واتفاق وادي عربة الأردني-الإسرائيلي في العام نفسه، ودخلت سوريا-الأسد في الإطار ذاته. وهكذا بينما تتجدَّد هِمَّةُ الشعوبِ للانتفاض والمقاطعة وإفشال مشروع التطبيع كانت الأنظمة تعلن عن تطبيع منفصل باسم وهميٍّ جديد: “الأرض مقابل السلام”.
كانت السياسات الدفاعية والاقتصادية العربية الرسمية منذ طفرتي الانفتاح في مصر والبترول في الجزيرة والخليج ترسل للعارفين رسائل شديدة الوضوح: أن المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الذي رُكنه الأساسي حضور إسرائيل، له قابلية عالية، ولكن بغير وعي من معظم الشعوب العربية. ومن ثم جاء الطرحان الإسرائيليَّان المتكاملان في منتصف التسعينيات لإعادة تشكيل المنطقة يتحرَّكان من الحكومات إلى الشعوب؛ أحدهما- طرح حزب العمل الإسرائيلي الذي قدَّمه شيمون بيريز باسم “الشرق الأوسط الجديد” عارضًا شراكة اقتصادية وتنموية إقليمية شاملة، والآخر- طرح الليكود الذي كتبه بنيامين نتنياهو باسم “مكان بين الأمم” أو “مكان تحت الشمس”(16)، واستلَّ منه مشروعًا مشتركًا بين إسرائيل والغرب ومن لحق بهم من أنظمة العرب باسم “محاربة الإرهاب”(17)، الذي لا يعدو أن يكون “الإرهاب الإسلامي”.
وبهذا تضافرت السياسات في صناعة الوضع الإسرائيلي متزايد المركزية، وتبديل التصوُّرات عن إسرائيل من العدو الأول والمشترك إلى مشكلة قابلة للحلِّ سواء بتسوية سياسية أو مشروعات اقتصادية. وقد مضى الطرحان الإسرائيليَّان مُضيَّ القطار السريع في التسعينيَّات (الشراكة الاقتصادية بالكويز وتصدير الغاز المصري والقطري مثلا ومحاربة الإسلاميِّين باسم الإرهاب في فلسطين وحولها)، وأخذت بهما أغلب الأنظمة العربية؛ سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، وأغلبه لم يكن معلَنًا. وتكلَّلَ ذلك والْتأمت مساراتُه بإعلان الولايات المتحدة توسعة الحرب على الإرهاب بعد 11 سبتمبر 2001، وجعلها حربًا عالمية تُجنَّد فيها الجيوش وأجهزة الشرطة والمخابرات العربية والإسلامية تحت قيادة الولايات المتحدة؛ ولتكون الثمرة الاستراتيجية أوسع ممَّا قبل باسم الشرق الأوسط الكبير أو الموسَّع. أضف لهذا الاستعراض للسياسات العربية والأمريكية: سياسة شدِّ الأطراف الإسرائيليَّة والتوجُّهات الرسمية للعرب فرادى بعيدًا عن العروبة والإسلام؛ للانضمام إلى شراكات شرق-أوسطية واتحادات أورومتوسطية تكون إسرائيل عنصرًا أساسيًّا فيها. لقد أضحت إسرائيل شريكًا رئيسًا واخترقت أنظمة كثيرة في أمَّتنا العربية والإسلامية؛ من قطر والإمارات شرقًا إلى المغرب وموريتانيا غربًا، ومن تركيا وكوردستان وجمهوريات آسيا الوسطى شمالًا إلى إريتريا وجنوب السودان جنوبًا، ومعظم النُّخب العربية إمَّا عَمِيَّةً أو متواطئة، بينما الشعوب غارقة في شُغلها القطري المتعلق بالمعايش وقليل من المعلومات عن حقائق الأمور.
مهمٌّ جدًّا أن نلتفت إلى طبيعة القوى الداخلية العربية التي خضعت تدريجيًّا للتطويع وتوالت قبيل الثورات على مشروع التطبيع؛ فلقد بات على رأسها: الجيوش والأجهزة الأمنية (تدريجيًّا منذ أربعة عقود).
كانت الجيوش العربية هي الدِّرع المواجِه الأوَّل ضدَّ إعلان دولة إسرائيل عام 1948م، ونمت العقيدة القتاليَّة لمعظم جيوش دول الطوق على العداء للمشروع الصهيوني والكيان الإسرائيلي، ليس نظريًّا ولكن من خلال حروب نظامية متتالية ودعمٍ عسكري للفدائيِّين الفلسطينيِّين، وبغضِّ النَّظر عن الألاعيب السياسية التي تمارسها عادةً الحكومات. لكن إعلان السادات أن حرب أكتوبر 1973 آخر الحروب مع إسرائيل وإلحاق ذلك بمسيرة كامب ديفيد المشار إليها، ثم اندراج العسكريِّين المصريِّين -قبل غيرهم من العسكريِّين العرب- في مشروع التَّسوية التنازلي، كان ذلك تحوُّلًا شديد الخطورة لم تكشِف تداعياته سوى الثورات العربية على النَّحو المشهود. لقد كانت الجيوش -خاصَّة في دول الطوق- آخر القوى المنتظر تطبيعها إسرائيليًّا، لكن الحاصل أن تحقيق ذلك -وإن استغرق وقتًا- فقد أثمر آثارًا شديدة الوطأة على الثوابت والمصالح العربية. فالجيوش تُطبِّع ببطء لكنها حين تطبِّع تتحوَّل لتفرض التطبيع نفسه على الشعوب بالنار والحديد. وما هذا منا اليوم ببعيد.
مهمٌّ جدًّا أيضًا أن نلحظ أن الصراع السياسي الأساسي في المنطقة تطوَّر قبل الثورات بحيث يتركَّب فيه الداخلي والإقليمي والعالمي، على صورة صراع محاور أو مشاريع لتشكيل المنطقة بما فيها دواخل الدول؛ وأن الخيط الناظم لهذا الصراع يتركَّب من أطراف: المشروع الأمريكي والمشروع الصهيوني متقاطعًا جدًّا مع الأول، فالمشروع الاستبدادي السياسي العربي الذي تقوده اليوم الجيوش وتتوسَّع في مجالاته باسم الدولة-القومية القطرية، ثم المشروع الحركي الإسلامي الذي ألصقتْه الثورات بالطموح الشعبي للتحرُّرِ (الديمقراطي الاستقلالي)؛ الأمر الذي يتجلَّى أكثر ما يتجلَّى هذه الأيام، وتعكسه سياسات الأنظمة العربية لاسيما في مصر والمشرق والخليج وخطاباتها، وكذلك خطابات الإسرائيليِّين وسياساتهم الفجَّة. ومن ثم يدور الصراع العربي الداخلي بين العسكريِّين والإسلاميِّين على ساحات عدَّة؛ أهمها ساحة إسرائيل ووضعيَّتها في الجيواستراتيجيا العربية وصورتها في العقل العربي المعاصر.
ومن هذا الاستعراض يتبيَّن لنا أن الحالة التي سبقت الثورات الشعبية العربية في 2011 لم يكن ينقصها سوى القليل لإعلان تتويج إسرائيل قائدًا أو مركزًا للمنطقة (العربية سابقًا) أو للشرق الأوسط بتعبير ذلك السياق، لكن الثورات كان لها قول آخر كاد أن يغيِّر الأمور رأسًا على عقب.

ثانيًا- الثورات ثقب في جدار مشروع مركزية إسرائيل في المنطقة

منذ السبعينيات، أصبحت الشعوب والتكوينات المعبِّرة عنها –لاسيما ذات الثقافة والفكرية الإسلامية- هي الورقة التي تستعصي على المشروع الأمريكي الصهيوني، والصوت النشاز في مسار التصهين الرسمي العملي (غير العلني في أغلبه). ولقد تعثَّرت مسيرة الشعوب أمام الجُدُرِ المتعدِّدة من السياسات الاستبدادية الرسمية وأوضاع التخلُّف والدعايات الإعلامية والفنية المزيفة، وحيل بينها وبين التواصل عبر القومي، ما كرَّس لديها وضعية “قضية فلسطين” الفلسطينية، وصورة الأزمة العربية الموزَّعة على الأقطار، اللهم لولا القدس الإسلامية الجامعة التي حفظت الثقافةُ الدينيةُ الأساسيةُ الارتباطَ بها على الأقلِّ معنويًّا، وبخاصَّة الارتباط بمسجدها الأقصى المذكور في القرآن الكريم وفي السيرة النبويَّة.
ومن ثم جاءت الثورات حاملة في طيَّاتها نَفَسًا شعبيًّا استقلاليًّا تجديديًّا في النظر لقضية فلسطين، وجاءت أيضا حاملة الإسلاميِّين إلى صدارة تحدِّي الدولة اليهودية وسُدَّةِ الأمور في الأقطار. وقد كشفت أحداث العامين 2011 و2012 عن ذلك بوضوح. وإذا كانت الثورات في مطالعها بَدَتْ قُطريَّة لا عناية لها بالشأن الخارجي إلا رمزًا كما في النعي على الأنظمة المثار عليها تبعيَّتها للأمريكيِّين وللصهيونية في بعض الشعارات، فإن الثورات سرعان ما عبَّرت عن موقفها من إسرائيل مع أول بادرة اعتداء إسرائيلي قتل فيها جنود مصريون على الحدود مع إسرائيل في سبتمبر 2011 في ظلِّ إدارة المجلس العسكري لمصر؛ إذ انتفض شباب مصر –ضمن زخم ثورة يناير- لمهاجمة السفارة الإسرائيلية في مشهد شعبي غاضب، تم على أثره ترحيل السفير الإسرائيلي ليلتها مباشرة إلى تل أبيب، ثم نقل السفارة إلى مكان آخر بالقاهرة يتيسَّر تأمينه أكثر من موقعه المطلِّ على كوبري (جسر) جامعة القاهرة. كان مثل ذلك وأكثر منه متوقَّعًا حال تقدُّم الثورة السورية ذات الأرض المحتلَّة من قبل اليهود، وكذا في تونس واليمن وليبيا وغيرها من الأقطار التي لم يزل الحسُّ العروبي لدى شعوبها ذا بال.
ومع تصعيد الثورات للتيار السياسي الإسلامي، تأكَّد أن الأمور تمضي ضدَّ تيار الأسرلة. فبعد قليل من التوجُّس وجسِّ النبض تبيَّن أن توجُّه الدكتور محمد مرسي –أول رئيس مصري منتخب بعد الثورة والمنتمي لجماعة الإخوان- لن يكون قابلًا للاحتواء وأن تغييره للسياسة المصرية عن نمط حسني مبارك لن يكون يسيرًا. لقد كشف خطاب مرسي تجاه فلسطين وغزة وسيناء والثورة السورية وإجراءات حكومته منذ الأشهر الأولى عن توجُّه لا يحمل مراعاة لخاطر إسرائيل بل مرشَّح إذا استمرَّ واستحكم أن يوقف ويصدَّ تيار الأسرلة. برز ذلك في توجيه مرسي الجيش المصري لشنِّ عملية عسكرية ضدَّ الإرهاب في سيناء بعد مقتل جنود مصريِّين واختطاف آخرين وتحريك الـمُجنزرات الحربية الثقيلة إلى العمق السيناوي (جبل الحلال) أغسطس 2012، دون تنسيق مع إسرائيل أو مراجعة قيود معاهدة السلام في مثل تلك الحالة، متجاوزًا بسرعة شديدة تقليدًا أمنيًّا مصريًّا من السبعينيَّات.
وتأكَّد التوجُّه الجديد بما لا يدع مجالًا للشكِّ إبان العدوان الإسرائيلي على غزة في نوفمبر 2012 وإعلان مرسي موقفًا غاضبًا تجاه إسرائيل واحتضانه للفلسطينيِّين بفتح الـمَعبَر وإدخال المعونات المختلفة صحبة رئيس الوزراء المصري وأمير قطر السابق والقوى الشعبية المصرية والعربية، بالإضافة إلى سحبه السفير المصري من تل أبيب. يضاف إلى ذلك استعداد الرئاسة المصرية الجديدة للاحتفاظ بمسافة غير تابعة للسياسة الأمريكية في المنطقة ومن ذلك استعدادها لفتح علاقات مع إيران وتجديد الدماء في العمل العربي والجامعة العربية، وممارسة دور مستقل ومبادر كما في مبادرة حل الأزمة السورية من خلال رباعية مصر والسعودية وتركيا وقطر. ولعلنا اليوم نرى أن إسرائيل لم تشنَّ هذه الهجمة على غزة إلا لاختبار ردِّ الفعل المصري الجديد؛ الأمر الذي ترتَّب عليه التحوُّل إلى التشنيع الرسمي على الرئيس المصري وتجديد نبرة الحرب على الإرهاب (الإسلامي) ولصقه بجماعة الإخوان المسلمين وسائر ما يسمُّونه “الإسلام السياسي”. كما أن عدوان إسرائيل على غزة في 2014م بعد رحيل مرسي ومجيء السيسي إلى السُّدَّةِ لم يكن كذلك سوى أنبوب اختبار لمدى إعادة الأمور إلى نصابها الإسرائيلي.
من المهم مراجعة المنظور الإسرائيلي للثورات العربية ورؤية الجهات الإسرائيلية لأثرها على خريطة المنطقة وموقع إسرائيل منها.
لقد قدَّمت إسرائيل رؤية شديدة الكراهية للثورة وتباكت على كنزها الاستراتيجي المتجسِّد في حسني مبارك ونظامه برجالاته والأنظمة المشابهة لنظامه، وانبرت دوائر السياسة والجيش والأكاديميا والإعلام في إسرائيل تحذِّر العالم من الثورات التي تعيد التهديد إلى وجود إسرائيل نفسه لا مجرد مكانتها وأمنها الحدودي. وقد كثرت الكتابات الراصدة لتلك الحالة ساعتها سواء تجاه ثورة مصر أو المنطقة(18).
ففي الأيام الأولى لثورة مصر نقل التليفزيون الإسرائيلي عن بنيامين بن أليعازر تأكيده على أن أي نظامٍ قد يحكم مصر “سيحترم معاهدة السلام ويعتبرها تصبُّ في مصلحة إسرائيل، إلا في حالة وصول نظام مدعوم من حركة الإخوان المسلمين”، وذكر أيضًا أن عمر سليمان –الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العامة المصرية والذي تُوفِّيَ لاحقا- “متمسِّك بقوة بهذا الموقف”، وذكر أن مبارك قال له إنهم جهَّزوا الجيش مسبقًا لمثل هذا الموقف. وقبيل رحيل مبارك بأقل من أسبوع في 6 فبراير 2011، أكَّد إيهود باراك وزير الدفاع الإسرائيلي ساعتها أن الجيش في مصر هو ضمانة استمرار المسيرة التي وصلت إليها العلاقات بين إسرائيل ومصر. وبالفعل توالت التصريحات بالمخاوف والإحباطات الإسرائيلية من وصول محمد مرسي للحكم واعتباره ثقبًا خطيرًا في إعادة ترتيب المنطقة إسرائيليًّا. يقول عضو الكنيست ميخائيل بن آري: “إن فوز مرسي هو المسمار الأخير في الوهم المسمَّى بالسلام مع مصر، والذي كلَّفنا ثمنًا باهظًا، ومن يعرف الآن ماذا ينتظرنا على الحدود الجنوبية والتي تُعتبر الآن إسلامية”(19).
ففي يونيو 2012 طلبت قيادة الجيش الإسرائيلي من رئيس الوزراء نتنياهو زيادة الميزانية العسكرية بمبلغ 15 مليار شيكل (نحو أربعة مليارات دولار) أي ما يعادل ربع الميزانية العسكرية، وجاء في الطلب أن السبب “سد الاحتياجات الطارئة الناجمة عن فوز ممثل الإخوان المسلمين محمد مرسي بالرئاسة المصرية، وتصريحاته حول إعادة النظر في اتفاقية كامب ديفيد”(20)، ونشرت صحيفة “ذي ماركر The marker” الاقتصادية الصهيونية تقريرًا أفادت فيه أن نفقات ميزانية الحرب الإسرائيلية عام 2010م كانت تبلغ 64.4 مليار شيكل، ارتفعت في أعوام 2011 و2012م إلى 66.8 مليار شيكل، وفي عام 2013م في بقية سنة د. محمد مرسي نشرت إسرائيل خططًا لبناء وتجهيز أربعة ألوية جديدة على حدود الدولة الصهيونية مع مصر في سيناء، ممَّا جعل الموازنة ترتفع إلى 70 مليار شيكل(21). وبالمثل كانت الجبهة الشمالية في سوريا ولبنان محل ترقُّب إسرائيلي مشابه، وهجوم على كلٍّ من حزب الله اللبناني وإيران واحتمالات تعاظم قوَّتهما من جهة، وعلى القوى الثورية المناوئة لنظام الأسد باسم الإرهاب الإسلامي (متمثِّلا في الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة ثم تنظيم الدولة) من الجهة الأخرى.
ومن ثم كان تعامل إسرائيل الأساسي في هذه الفترة إنما يجري مع القوى الضالعة في مشروع ما قبل الثورات وعلى رأسها القوى الأمنية والدبلوماسية. فقد قام وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خليفة -على سبيل المثال- بلقاء مسؤولين إسرائيليين كبار في واشنطن بعد اندلاع ثورة “14 فبراير”، بهدف مناقشة الأوضاع المتعلقة بالبحرين والاستفادة بأية أفكار للقضاء على المعارضة وكيفية إفشال الثورة. وأعقبه عقد لقاء سري مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حسب ما ذكرته الصحيفتان الإسرائيليَّتان “هآرتس” و”يديعوت أحرونوت” في 27 مارس 2011. وقد قامت حكومة البحرين من قبل بإغلاق مكتب مقاطعة إسرائيل، وأصدرت مؤسَّسة النقد قرارًا بمنع البنك العربي من تحويل المساعدات لفلسطين.
وجاء الانقلاب على الثورات بثورات أو هجمات مضادَّة على المحاور العربية كلها بتنسيق مع إسرائيل في أغلبه، مباشرة كما في الحالة المصرية (والأكراد بتنوع أقطارهم)، أو بطريق غير مباشر عبر قوى منطبعة إسرائيليًّا غربية وشرقية، في الحالات الأخرى.
فعن مصر على سبيل المثال الأهم، كشف المحلِّل العسكري الصهيوني روني دانيال أن وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي أبلغ إسرائيل بجهوده للإطاحة بالرئيس محمد مرسي قبلها بثلاثة أيام. وتحدَّث “دانيال” إلى القناة الثانية الإسرائيلية، قائلا: طلب السيسي من إسرائيل مراقبة حركة “حماس” التي تحكم قطاع غزة، مضيفًا: كان السيسي يخشى “حماس”، لكن مخاوفه تلاشت بعد تأكيد إسرائيل أن كل شيء في غزة تحت الرقابة الصارمة. ونصحت إسرائيل السيسي بتدمير الأنفاق، بحسب موقع “ميدل إيست مونيتور” البريطاني. وشدَّدَ دانيال على أن الانقلاب العسكري في مصر مفيد لإسرائيل، وكان “مطلبا ملحًّا” لإسرائيل وأمنها. ولم يتردَّدْ المحلِّل الإسرائيلي في تأكيد أخبار التواصل بين السيسي ومحمد البرادعي، وبين مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية. وذكر “دانيال” أن البرادعي التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرة قبل الانقلاب، وأخرى بعده، وأن إسرائيل وعدت البرادعي بالمساعدة في الضغط باتجاه الاعتراف الغربي بالحكومة الجديدة (بعد مرسي)(22).
وقد كشفت الأحداث والاعترافات والتسريبات -مثل تسريبات ويكيليكس وتسريبات البريد الإلكتروني لسفير الإمارات بالولايات المتحدة يوسف العتيبة مؤخَّرًا- عن ضلوع دول مختلفة في ذلك الخط الإسرائيلي ذاته سواء في دول الثورات أو دول الثورات المضادة.
ثالثًا- الثورات المضادة إسرائيلية الهوى والهوية
جاءت الثورات المضادَّة بمثابة إعادة المياه الإسرائيلية إلى مجاريها، من المهم ملاحظة ذلك، عينت مصر سفيرًا جديدًا في تل أبيب بعد أن ظلَّ المنصب شاغرًا منذ 2012 إثر سحب مرسي سفيره كما ذكرنا احتجاجًا على اعتداء الاحتلال على قطاع غزة. وبدون تمويه كانت إسرائيل من الدول السبَّاقة إلى تأييد النظام العسكري الجديد في أعقاب التحرُّك العسكري في 3 يوليو 2013، بل إنها قامت بإطلاق حملات دبلوماسية في واشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى من أجل دعم الوضع السياسي الجديد في مصر، حتى لا يصنَّف في خانة الانقلابات العسكرية، وحتى تمنع أي محاولات لفرض حصار دبلوماسي على القاهرة. ولم تمر هذه الجهود دون أن تُكلَّل بالنجاح، حيث شهدت العلاقات المصرية-الإسرائيلية نموًّا غير مسبوق خلال فترة حكم السيسي الأولى، والتي كانت في كثير من الأحيان، مدفوعة من قبل السيسي نفسه، كما بيَّنت تصريحات روني دانيال السابق الإشارة إليها.
تولَّى السيسي زمام الأمور في البلاد، باعتباره الحاكم الفعلي بعد الإطاحة بحكم “الإخوان المسلمين”، وكانت سيناء وما يحدث فيها من إرهاب، وتصاعد نشاط الجماعات الجهادية، واستهداف تلك المجموعات لمعسكرات الجيش وكمائنه، بمثابة الاختبار الأول للسيسي؛ لذلك استند السيسي في عمليَّاته العسكرية المستمرَّة ضدَّ الإرهاب في سيناء إلى شراكته الاستراتيجية والأمنية مع إسرائيل، والتي أعطت الضوء الأخضر للقوات المصرية لتنتشر في مناطق واسعة داخل شمال سيناء “المنطقة (ب)، والمنطقة (ج)”، لكي تتمكَّن من مواجهة الجماعات التكفيرية والمسلَّحة بالسلاح الثقيل والمدرَّعات والطلعات الجويَّة؛ بالمخالفة لما ينصُّ عليه الملحق الأمني من “اتفاقية كامب ديفيد”. ومن ثم، أصبحت مواجهة الجماعات المسلَّحة في سيناء من أهمِّ الملفَّات الأمنيَّة المشتركة بين البلدين؛ فقد أصبحت إسرائيل تتعاون مع مصر، من خلال قيامها بعدَّة طلعات جويَّة استخباراتيَّة للكشف عن بؤر الإرهابيِّين. وانتقل ذلك من إطار سري، يراعي موقف الرأي العام المصري إلى إطار شبه علني لا يتفادى الجدل بل يثيره بطريقة من المهم الالتفات إلى دلالاتها.
وفيما تبقى من هذه الورقة، نضع أيدينا على التحول الكبير في السياسة العربية الرسمية العلنية ومواقفها الجوهرية وخطاباتها المعبِّرة تجاه المنطقة العربية وتحوُّلاتها وفي قلبها وضعية إسرائيل، بالتوازي مع عمل إعلامي جبَّار لإعادة تشكيل صورة إسرائيل واليهود في العقل العربي التابع أو المتابع.
إن خطاب عبد الفتاح السيسي حول إسرائيل لم يكن أبعد مرمى من سياساته التي تجاوزت مقولته أنه لن يسمح بأن تكون سيناء قاعدة لتهديد أمن الجارة، وإلى ضرورة العمل من أجل مصلحة “المواطن” الإسرائيلي جنبًا إلى جنب مصلحة المواطن الفلسطيني، وطلبه إذاعة خطاباته في الإذاعة الإسرائيلية وتكراره تفهُّمه لقلق المواطن الإسرائيلي تجاه السلام في المنطقة..(23)، تجاوزت ذلك إلى: التأمين المصري العملي لإسرائيل بالقوات والأسلحة المصريَّة، وفتح أجواء وأراضي سيناء للتدخُّلات الإسرائيليَّة ولو بدون إذن مع إعادة تقليد استئذان مصر لإسرائيل في التحرُّك العسكري المصري داخل سيناء، فالدفاع عن إسرائيل في المحافل الدولية بما فيها أمام اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، بل تأييد مصر لإسرائيل في تولِّي مناصب دولية ذات أهمية رمزية. هذا في الوقت الذي تستمر فيه مصر-السيسي في شَنِّ حملة ضارية متعدِّدة المسارات والأدوات على المقاومة الفلسطينية: إعلاميًّا وقضائيًّا وأمنيًّا وسياسيًّا، ومحليًّا وإقليميًّا ودوليًّا(24)، وتمَّ إغلاق معابرها وتدمير وإغراق أنفاقها التي تمثِّل شريان الحياة لها. وتوقَّفت مصر عن اتخاذ أيِّ موقف ذي بال أمام استمرار تهويد القدس وبناء المستوطنات الآكلة للضفة الغربية، بل كانت مصر -قبل الغرب والولايات المتحدة إلى درجة المقاطعة أوروبيًّا لمنتجات إسرائيل القادمة من مستوطناتها- متفهِّمة لضرب إسرائيل لغزة عام 2014 عقب الثالث من يوليو 2013. ومن المهم هنا أن نتذكَّر أن هذه العملية جاءت غالبًا لاختبار ردِّ فعل نظام السيسي الجديد القديم والذي يبدو أنه نجح فيه بجدارة بالمعيار الإسرائيلي.
ومما هو جدير بالذكر أن تغييرات متتالية دخلت على مقرَّرات الدراسة في مراحل التعليم الأساسي بمصر تلزم الطلاب بحفظ بنود معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979م، وتُعَدِّدُ مزايا السلام لمصر والدول العربية(25). وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى اعتراض وزير الخارجية المصري على وصف الأعمال الإسرائيلية ضد الفلسطينيِّين بـ”الأعمال الإرهابية”، وقال شكري في 2 أغسطس 2016، ردًّا على سؤال أحد الطلاب (الأوائل في الثانوية العامة) باعتبار ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيِّين إرهابًا؟: إن وصم أحد بالإرهاب لابد أن يكون عليه اتفاق دولي(26).
لأكثر من مرة، اجتمع السيسي بلجنة رؤساء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة سواء زارهم أو زاروه وغيرهم من ممثلي اليهود في الغرب، ونقل لتلك اللجنة ذات مرة إعجابه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لكونه “قائدًا ذا قدرات عظيمة تؤهِّله لقيادة دولته، وتضمن تطوُّر المنطقة وتقدُّم العالم”(27). ولم يكفَّ السيسي عن تأكيده أنه ينظر نظرة مساوية بين الإسرائيليِّين والفلسطينيِّين وإبداء رغبته في مزجهم في شيء واحد، بل تظهر نظرته مفضِّلة للإسرائيليِّين في بعض الأحيان. ففي الذكرى الثامنة والستين لذكرى نكبة 1948م، على سبيل المثال، يحرص على أن يشير إلى أنه “من كام يوم (بضعة أيام)، كان فيه (يوجد) ناس تحتفل بالانتصار والاستقلال، وناس تحتفل بالانكسار والانهزام”.. ناس وناس! هكذا بلا تمييز بين غاصب معتدٍ وآخر معتدى عليه مغتصَبة أرضه.. مجرَّد انتصار وهزيمة لا حق فيهما ولا باطل، في لغة جديدة على العرب وحكَّامهم مهما أوغلوا من قبل في التقارب مع إسرائيل.
وخارجيًّا، صوَّتت الخارجية المصرية لصالح انتخاب إسرائيل عضوًا بلجنة الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي في الأمم المتحدة. وفي الوقت الذي تُمنع فيه كتب مفكِّرين إسلاميِّين من التداول، بل يتمُّ حرقها في المدارس المصرية بأيدي مسؤولين بوزارة التعليم، يفسح المجال للكتب الإسرائيلية في أجنحة معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتتمُّ ترجمة إصدار لصحفي بإذاعة الجيش الإسرائيلي إلى العربية. وقبلها يفاجئ متحف مصري الزائرين بتعليقه صورة جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل الراحلة بوصفها واحدة من أهم النساء الرائدات عالميًّا. وبين آونة وأخرى يخرج إعلاميُّون تابعون لنظام السيسي يُحَيُّون الإسرائيليِّين على شاشات التلفاز، ويُعلن عن زيارات بعضهم لتل أبيب والتقائهم الحميم بمسؤولين إسرائيليِّين، ويُكشف عن لعب محترفين مصريِّين في تل أبيب في الوقت الذي يعلن فيه رئيس اتحاد الكرة المصري عن الاستعداد لخوض مباريات بإسرائيل(28).
وقبل أن تُعلن الولايات المتحدة قرارها بنقل عاصمتها إلى القدس الشريف عاصمة لإسرائيل في 8 ديسمبر 2017، من المهم تذكُّر أن السيسي ومتحدِّثي الخارجية المصرية قد مكثوا أربع سنوات يكرِّرون أن عاصمة فلسطين هي القدس “الشرقية”؛ في تنازل واضح وصريح عن معظم المدينة أو ما يعرف –إسرائيليًّا- بالقدس الغربية.
إبان العدوان الإسرائيلي على غزة أبريل-مايو 2016، برزت القاهرة بوصفها الوسيط الأكثر قبولا في إسرائيل سواء من قبل المسؤولين الرسميِّين أو الأحزاب والرأي العام، إلى درجة اعتبار السيسي موحِّد الحزبين الكبيرين شديدي التنافس، فقد ذكرت صحيفة “هآرتس” العبرية حينها أن تصريحات السيسي تصب -ليس فقط في مصلحة ما تسمِّيه السلام- بل في التوفيق بين الحزبين الإسرائيليَّين “العمل” و”الليكود”، قائلةً: “الوحدة ستأتي عن طريق القاهرة”، موصية الزعيميْن بسرعة دعم المبادرة المصرية.
كما ركَّزت “هآرتس” في نسختها الإنجليزية، على أن ما سموه «نداء السيسي للسلام» يأتي وسط محادثات الوحدة بين نتنياهو زعيم “حزب الليكود” وهرتسوج زعيم “حزب العمل”. كما نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” عن مصادر في حزبي “الليكود” و”العمل” أن السيسي يدعم الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية في إسرائيل بمشاركة الحزبين. ونقلت الصحيفة عن هرتسوج قوله: “تصريح السيسي يُعَدُّ إشارة إلى إظهار إرادة العالم العربي المعتدل”، و”من المهم للغاية أن نستمع إلى الرئيس المصري وندرس هذه الفرصة بصورة جدِّيَّة ومسؤولة”، لتتساءل الصحيفة في النهاية عن قدرة السيسي على “المساعدة في تواجد حكومة وحدة وطنية في إسرائيل”؟ وعليه، أكَّد مسؤولون -في تقرير عرضته القناة العاشرة الإسرائيلية- أنه إذا تم تشكيل حكومة وحدة وطنية، فإن نتنياهو وهرتسوج سيذهبان إلى مصر لإطلاق مبادرة سلام جديدة تحت إشراف السيسي(29).
ولكن ماذا عن موقف السيسي من الطرف الآخر: الفلسطينيين؟ وماذا أراد نظام السيسي من تلك الوساطة ساعتها؟ من المهم أن نستمع إلى تحليل “الإذاعة الإسرائيلية” التي قالت ساعتها إنه “من المرجَّح أن الوساطة المصرية لن تكون بغير ثمن، خاصة أن مصر احتجَّت سابقًا على تخفيف الحصار عن قطاع غزة ومنح الأتراك بعض التسهيلات والامتيازات في القطاع، كجزء من اتفاق تطبيع العلاقات بين إسرائيل وتركيا، وربما تسعى عن طريق وساطتها إلى قطع الطريق على تركيا والحصول على امتيازات في القطاع الذي تشترك مع إسرائيل في محاصرته منذ أعوام”. وهذا نص لا يحتاج إلى بيان أو استنتاج، ولا نتعجَّب بعده من تذكير “جيروزاليم بوست” لنا بأن للسيسي “شعبية جارفة في إسرائيل؛ بفضل الموقف الصارم الذى أبداه تجاه حماس فى عملية “الجرف الصامد”، كذلك بفضل قمعه العنيف لجماعة “الإخوان” الإرهابية”(30).
لقد استفاد السيسي من حالة الفراغ الأيديولوجي لمؤيِّديه، حيث عمل على إعادة تسويق العلاقات المصرية-الإسرائيلية، باعتبارها ضرورة في ظل وجود عدو إقليمي مشترك هو حركة “حماس”، وهو امتداد لعدو داخلي هو “الإخوان المسلمين”، ونقل بذلك إسرائيل من خانة “صراع وجود” إلى خانة “الشريك الضروري”.
لقد ظهر التطوُّر العلني للعلاقات المصرية-الإسرائيلية جليًّا، من خلال مشاركة السفير المصري حازم خيرت في مؤتمر “هرتسيليا” السادس عشر في إسرائيل، وعنوانه “أمل إسرائيلي، رؤيا أم حلم؟”، وتعتبر تلك المرةُ الأولى التي تشارك مصر بصفة رسمية في مؤتمر “هرتسيليا” المتخصِّص في مراجعة السياسات الأمنية والدفاعية للدولة العبرية.
بدت العلاقة بين البلدين ذاهبة إلى مدى أبعد حين قام وزير الخارجية المصري سامح شكري بزيارة لإسرائيل في زيارة تعدُّ الأولى من نوعها منذ 2007م، حيث التقى رئيس الوزراء نتنياهو في مقر رئاسة الوزراء (في القدس) عوضًا عن تل أبيب، في إشارة واضحة لتخطِّي الثوابت الدبلوماسيَّة ما قبل 2013 التي طالما تمسَّك بها الرؤساء المصريون حتى حسني مبارك، بل أثناء فترة عدلي منصور. ولعل وقوف سامح شكري أثناء تلك الزيارة، إلى جانب رأس تمثال تيودور هرتزل -الزعيم التاريخي للصهيونية- كان بمثابة تصالح مع تاريخ نشأة إسرائيل، في تناقض مع الأُسُسِ التاريخيَّة العربية. وقامت رئاسة الوزراء الإسرائيلية بنشر صورة نتنياهو مع شكري أثناء مشاهدتهما نهائي كأس الأمم الأوروبية، في جو حميمي، يعكس عدم وجود أيِّ تخوُّف لدى النظام المصري من ردود فعل محليَّة محتمَلة حول تطوُّر العلاقات المصرية-الإسرائيلية.. فأظهرت الزيارة كيف نُقلت تلك العلاقات إلى مستوى التحالف العلني، بعيدًا عن سياسة الغرف المغلقة السابقة(31).
تتقدَّم إسرائيل اليوم ليس بوصفها طالبًا للسلام بقدر ما هي مفتاح حلٍّ لمشكلات مصر والعرب الداخلية والإقليمية والعربية. فبالإضافة إلى دعم “3 يوليو” ضد “الإخوان” و”حماس” معًا، يتم طرح إسرائيل وسيطًا بين مصر وإثيوبيا في أزمة سدِّ النهضة. فقد جاءت زيارة شكري المشار إليها إلى القدس عقب زيارة تاريخية قام بها نتنياهو لدول حوض النيل، وجاء وجود شكري في القدس ليطمئن الرأي العام المصري بأن وجود إسرائيل في منطقة حوض النيل، هو وجود الحليف وليس العدو، كما حمل تطلُّعات القاهرة إلى وساطة إسرائيلية فيما يخصُّ الأزمة مع إثيوبيا، وذكر بعض المحلِّلين أن القاهرة تعتقد أن إسرائيل تمتلك القدرة على دفع إثيوبيا إلى التفاوض على حصة عادلة لمصر من مياه النيل(32).
ولم تكن هذه التطوُّرات تعني أن التحالف صار علنيًّا بصورة مطلقة، فلم يزل الإعلام المصري يحتفظ بقدر من التمويه بتجديد فقرات التهجُّم على إسرائيل لفظيًّا واتِّهامها بدعم الإرهاب في سيناء والتعاون مع أعداء مصر لاسيما تركيا، أو عرقلة جهود مصر من أجل السلام والاستقرار أو الاحتفاظ بمطامع في مصر وخاصَّة سيناء، وهكذا، لكن دون أية انتقادات للتوجُّه الرسمي وسياساته التطبيعيَّة. ويعني ذلك بالنسبة لإسرائيل أن الثقة المتبادلة لا تزال محصورة أو محاصرة داخل القنوات الرسمية وبعيدة عن فضاء الرأي العام المصري الذي لا يزال النظام يتحسَّب لغضبه ولو نسبيًّا.
ويمكن أن نختم الموقف المصري بالإشارة إلى خطبة السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2017، والتي دارت في جوهرها حول ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية الحديثة وبنيتها، وخاصَّة ضدَّ دعوى تغيير هويَّتها، والتي أتى فيها على ذكر فلسطين وإسرائيل على النحو الآتي:
«ثانيا- إن الوقت قد حان لمعالجة شاملة ونهائية لأقدم الجروح الغائرة في منطقتنا العربية، وهي القضية الفلسطينية، التي باتت الشاهد الأكبر على قصور النظام العالمي عن تطبيق سلسلة طويلة من قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن. إن إغلاق هذا الملف من خلال تسوية عادلة تقوم على الأُسُسِ والمرجعيَّات الدوليَّة وتنشئ الدولة الفلسطينيَّة المستقلَّة على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، هو الشرط الضروري للانتقال بالمنطقة كلِّها إلى مرحلة الاستقرار والتنمية، والمحك الأساسي لاستعادة مصداقية الأمم المتحدة والنظام العالمي. ولاشك أن تحقيق السلام من شأنه أن ينزع عن الإرهاب إحدى الذرائع الرئيسية التي طالما استغلَّها كي يبرِّرَ تفشِّيه في المنطقة، وبما يضمن لكافَّة شعوب المنطقة العيش في سلام وأمان. فقد آن الأوان لكسر ما تبقَّى من جدار الكراهية والحقد للأبد، ويهمُّني هنا أن أؤكِّد أن يدَ العربِ ما زالت ممدودة بالسلام، وأن تجربة مصر تثبت أن هذا السلام ممكن، وأنه يعد هدفًا واقعيًّا يجب علينا جميعًا مواصلة السعي بجدية لتحقيقه».
ثم خرج السيسي، كعادته، عن النص قائلًا: «اسمح لي فخامة الرئيس أن أخرج عن النص الموجود.. وأتوجه بكلمة ونداء إلي من يهمهم هذا الأمر. أوجه كلمتي أو ندائي الأول إلى الشعب الفلسطيني وأقول له: “مهم قوي الاتحاد خلف الهدف وعدم الاختلاف وعدم إضاعة الفرصة والاستعداد لقبول التعايش مع الآخر؛ مع الإسرائيليين، في أمان وسلام، وتحقيق الاستقرار والأمن للجميع”. وأقول وأوجه ندائي للشعب الإسرائيلي: “لدينا في مصر تجربة رائعة وعظيمة في السلام معكم منذ أكثر من أربعين سنة ويمكن أن نكرِّر هذه التجربة وهذه الخطوة الرائعة مرة أخرى.. أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي جنبًا إلى جنب مع أمن وسلامة المواطن الفلسطيني.. وندائي إليكم أن تقفوا خلف قيادتكم السياسية وتدعموها ولا تترددوا.. وأنا هنا أخاطب الرأي العام في إسرائيل، أقول له لا تتردد.. اطمئن.. نحن معكم جميعًا من أجل إنجاح هذه الخطوة، وهذه فرصة قد لا تتكرَّر مرة أخرى”، “وكلمتي الأخرى أو ندائي الأخير إلى كل الدول المُحبة للسلام والاستقرار وإلى كل الدول العربية الشقيقة، أن تساند هذه الخطوة الرائعة، وإلى باقي دول العالم أن تقف بجانب هذه الخطوة التي إذا نجحت ستغيِّر وجهَ التاريخ”، وإلى القيادة الأمريكية.. إلى الرئيس الأمريكي نداء ” لدينا فرصة لكتابة صفحة جديدة في تاريخ الإنسانية من أجل تحقيق السلام في هذه المنطقة”»(33).
وفي هذا السياق التقى السيسي لأول مرة علانية بنتنياهو، وجرى السِّجال المعتاد حول ذلك اللقاء، لكن التعليق الأهم عليه جاء على لسان الكاتب بالأهرام عماد جاد؛ حيث نشر مقالا بصحيفة “الوطن” الموالية للنظام جاء فيه: «..التقى الرئيس بالعديد من الرؤساء والمسؤولين، وجميعها كانت لقاءات مهمة، ولكن البعض منَّا لم يتوقف إلا أمام لقاء الرئيس مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهناك من اعتبر اللقاء في حد ذاته مصيبة وتطبيعًا ولقاءً مع العدو، إلى غير ذلك من ألفاظ ومصطلحات، وقد تجاهل هؤلاء أننا وقَّعنا معاهدة سلام مع الدولة العبرية عام 1979م، وأن إسرائيل انسحبت من كل الأراضي المصرية التي كانت تحتلها حتى الكيلومتر الأخير، وأن مشكلتنا مع إسرائيل كانت، ولا تزال، هي القضية الفلسطينية، أي الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وفى القلب منها مدينة القدس الشرقية وقطاع غزة، أو الأراضي التي احتُلَّتْ في عدوان يونيو 1967. وأنه طوال قرابة أربعة عقود منذ توقيع المعاهدة مع إسرائيل والعلاقات تتراوح ما بين السلام البارد والحرب الباردة بسبب التنافس الإقليمي المصري-الإسرائيلي، وبسبب استمرار الاحتلال ومصادرة الأراضي وإنشاء المستعمرات عليها. ولكن علينا في الوقت نفسه أن نضع المصلحة الوطنية المصرية في المقدِّمة ونتحلَّى بالموضوعية، ونعترف بأن إسرائيل لعبت دورًا مهمًّا في دعم ثورة الشعب المصري في الثلاثين من يونيو، ومارست الوفود التي أرسلها بنيامين نتنياهو ضغوطًا كبيرة على أعضاء في الكونجرس من أجل تبنِّي رؤى موضوعية تجاه الأحداث في مصر»(34).
بهذا تتجلَّى تحوُّلات في المفاهيم الأساسية للدولة الوطنية والمصلحة والوطنية والقضية العربية وفي قلبها فلسطين؛ ومن العلاقة المعيارية مع إسرائيل التي تقوم على التسليم بها أمرًا واقعًا والاستفادة منها حتى في إعادة الأمور الداخلية لمصر إلى نصابها وفق رؤية النظام القائم والمتحدِّثين نيابة عنه. لكن -على الرغم من ذلك- ظهرت أصوات أخرى تنتقد ذلك التحوُّل؛ فيكتب عمرو الشوبكي على سبيل المثال: «والحقيقة أن التحوُّل الذى عرفه شكل ومضمون الخطاب الرسمي في السنوات الأربع الأخيرة لافت، فقد عكس قطيعة مع كل المراحل السابقة، سواء تلك التي حاربت فيها مصرُ إسرائيلَ، أو تلك التي أقامت سلامًا معها، فكلامها لم يتجاهل أن إسرائيل تمثِّل آخر دولة احتلال عنصري في العالم، وأنه حتى الرئيسيْن السادات ومبارك اللذيْن التزما بالسلام أدانا سياستَها. الخطاب الرسمي الحالي غاب عنه أي إدانة صريحة أو مستترة للاحتلال الإسرائيلي، وأصبح يتكلَّم عن شعبيْن متناحريْن أو بلديْن متصارعيْن يتحمَّلان نفس المسؤولية في مآسي الشعب الآخر، وليس دولة احتلال تقهر شعبًا وتحتلُّ أرضَه وترفض إعطاءه حقوقه في بناء دولته المستقلَّة. ولذا بدا غريبًا أن يطالب الرئيس السيسي، في كلمته بالأمم المتحدة، الشعب الفلسطيني (المقهور والواقع تحت الاحتلال) بأن يقبل العيش بأمان مع الشعب الإسرائيلي، ثم طالب الأخير: «بأن يقف وراء قيادتهم لإنجاح عملية السلام»، في حين أن الواقع يقول إن القيادة الإسرائيلية لا ترغب في أي سلام وتنتهج سياسة قائمة على التوسُّع والاستيطان تحت غطاء أمريكي ودولي»(35).
في هذه الآونة منعت إسرائيل مسلمي فلسطين من الصلاة في المسجد الأقصى وأوقفت الأذان، ثم أعقبها قرار ترامب بنقل سفارة دولته إلى القدس.. فكيف كان موقف مصر والعرب؟
وليس المقصود البحث في دور السيسي في مستجدَّات المنطقة بقدر ما نسلط الضوء على إسرائيل نفسها: مكانة وصورة في المنطقة العربية، وكذلك تصور الإسرائيليِّين عن وضعيَّتهم وعوامل التمكين لها، ودور الأنظمة العربية في ذلك. فهذه التحوُّلات لم تكن إسرائيليَّة إنما كانت بالأساس عربيَّة في مقدِّمتها برز النظام المصري ما بعد 3 يوليو، ومِن ورائه جاءت السعودية والإمارات والأردن والبحرين وبقية العرب بما فيها فلسطينيون ضالعون في العملية ذاتها المتعلقة بتأكيد مركزية إسرائيل في المنطقة العربية. وقد شهدت السنوات الأخيرة انتقال علاقات تلك الدول بإسرائيل من السرِّ إلى العلانية ومن السُّبل غير المباشرة إلى العلاقات المباشرة وعلى مستويات رسمية عالية.
ففي عام 2015م، أشارت صحيفة “لوبوان” الفرنسية إلى أن مسؤولين من السعودية وإسرائيل التقيا خمس مرات منذ عام 2014م ومنتصف 2015م. وتمحورت تلك اللقاءات حول سبل مواجهة “الخطر الإيراني” سياسيًّا واقتصاديًّا. وتضيف صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية لقاءً سادسًا تمَّ في تل أبيب في يوليو 2016 بين الجنرال السعودي السابق أنور عشقي والمدير الحالي لمركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية (الذي كان برفقة وفد من رجال الأعمال السعوديِّين) ومدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية جولد شاركا، كما التقى الوفد السعودي بأعضاء من الكنيست الإسرائيلي خلال تلك الزيارة(36). وقال عشقي، في مقابلة مع قناة “دويتشه فيلله (DW)” الألمانية نشرتها في 27 يونيو 2017: المملكة ستنسج علاقة مع إسرائيل، وشرط وجود هذه العلاقة هو موافقة إسرائيل على المبادرة العربية وتطبيقها، وبعد عملية السلام والتطبيع ستكون العلاقة بين السعودية وإسرائيل بحسب المصالح المشتركة وبحسب المعاملة بالمثل(37).
تأتي صفقة تيران وصنافير بين مصر والسعودية ذات خلفية إسرائيلية، من الأهمية بمكان تقديرها حق قدرها. فقد أشارت صحيفة “جيروزاليم بوست” إلى أن الاتفاق المصري-السعودي حول الجزيرتيْن، وموافقة تل أبيب عليه (والذي بدا شرطًا، وأعلنت مصادر وتسريبات عن ذلك خاصة محادثة وزير الخارجية المصري مع المستشار القانوني لنتنياهو ومراجعتهما بنود الاتفاق المصري السعودي بندًا بندًا)، يشير على الأرجح إلى “استمرار الاتصالات السرية والمصالح المشتركة ما بين السعودية وإسرائيل”(38).
وتعبيرًا عن تحليل رائج يرى المحلِّل السياسي الإسرائيلي إيلي نيسان أنه “ربما يشكل تعرُّض السعودية وإسرائيل للتهديد الإيراني قاسمًا مشتركًا بينهما..”، ويقول: ..هناك علاقات غير معلنة استراتيجية واقتصادية واستخباراتية بين البلدين. بالتأكيد ساهمت زيارة ترامب في تطوير العلاقات بين السعودية وإسرائيل في اتجاه محاربة الإرهاب. تتعرض إسرائيل والسعودية وبعض الدول السنية الأخرى للإرهاب سواء من قبل داعش أو من قبل إيران وبعض الجهات التي تعمل تحت إمرة إيران كحزب الله”، ويمتد التعاون بين الجانبين إلى المجال الاقتصادي أيضًا، بحسب إيلي نيسان، الذي أشار إلى احتمالية فتح السعودية مجالها الجوي قريبًا أمام الطيران المدني الإسرائيلي(39).
في المقابل كتب الكاتب مساعد العصيمي، في صحيفة الرياض السعودية مقالًا نشر في السادس من يونيو 2017، دعا فيه إلى حسم الأولويات: “هل هناك عدو أشد من إيران علينا وعلى بلادنا.. وهل إسرائيل كما إيران في التهديد والتأثير والإقلاق وبث الحقد والكراهية”؟ ودعا إلى التركيز على “العدو الحقيقي” (أي إيران) على حدِّ تعبيره. كما دعا للالتفات إلى المصلحة أولًا: “لنحكِّم العقل ونديره نحو مصالحنا ونعيد تداول المسائل اقتصاديًّا وسياسيًّا وتعامليًّا وحتى تاريخيًّا في إطار حسابات الربح والخسارة وحسابات المصالح والاستقرار، كي نعلم من أشد خطرًا إيران أو إسرائيل”(40).
وموضوع التعاون الاقتصادي بين السعودية وإسرائيل ليس جديدًا، ففي عام 2010، نشرت صحيفة “الفاينانشال تايمز” عن تعاون اقتصادي بين مجموعة IDBالإسرائيلية الضخمة التي كان يرأسها الملياردير الإسرائيلي “نوتشي دانكنر Nochi Dankner” من جهة، وجهاز قطر للاستثمار ومجموعة العليان السعودية من جهة أخرى. وفي منتصف العام 2012 كتب الأمير لواء ركن نايف بن أحمد بن عبد العزيز، (أحد القادة العسكريين السعوديين، متخصص في مجالات العمليات الخاصة والحرب الإلكترونية)، مقالا في إحدى المجلات التابعة للقوات المشتركة الأمريكية، تحدَّث فيها بإيجابية عن إسرائيل وعن ضرورة تقوية العلاقات بين بلاده وتل أبيب، مادحًا الرئيس الإسرائيلي السابق، شيمون بيريز، مؤكدًا على ضرورة أن يستثمر الجانبان في تقوية أواصر التعاون والتلاقي بين الفلسطينيِّين والعرب عمومًا والإسرائيليِّين(41). وقبل أقل من ثلاثة أسابيع على بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في 2014، كتب الأمير تركي الفيصل لـ”مؤتمر إسرائيل للسلام” مقالًا يدعو للتطبيع، وقال: “أحلم بيوم أتمكن فيه من توجيه الدعوة، ليس للفلسطينيين فقط، بل للإسرائيليين، للمجيء وزيارتي في الرياض”(42).
في ظل العوامل سالفة الذكر، يبدو أن السعودية وإسرائيل رغبتا في تعضيد علاقتهما، من خلال اختراق المستوييْن العسكري والاقتصادي، وكذلك الانتقال إلى مرحلة العلاقات العلنية الرسمية، خاصَّة أن هناك تقارير تفيد بسعي السعودية للحصول على تعاون إسرائيلي في إدارة مضيق باب المندب وخليج عدن لقطع إمدادات إيران عن الحوثيِّين، وأنها، أيضًا، وقعت مذكرة تفاهم لشراء ونصب منظومة القبة الحديدية ومنظومة صواريخ “حيتس” عبر الشريك المُصنع “رايثيون” للصناعات الدفاعية؛ وهي شريك مع شركة رفاييل الإسرائيلية.
ومن هنا، جاء دور جزيرتي “تيران وصنافير” لتصبحا مدخل التطبيع العلني بين السعودية وإسرائيل. فوفقًا لما أورده تقرير “المونيتور” على لسان مصدر مُطَّلع داخل القصر السعودي، فإن طلب الحصول على الجزيرتين من مصر لم يكن طلب سعوديًّا خالصًا، بل هو طلب إسرائيلي نفَّذته السعودية؛ وهو الطلب الذي تمَّ تقديمه عبر مسؤولين إسرائيليِّين لمساعدي الملك سلمان خلال عطلة الصيف التي قضاها في مدينة “كان” الفرنسية عام 2015. وفي خضمِّ ترتيبات نقل جزيرتي “تيران وصنافير” إلى السيادة السعودية، والتي كان آخرها تصديق السيسي على الاتفاقية المتعلقة بهذه الترتيبات في 24 يونيو 2017، جاء الكشف عن محادثات اقتصادية بين إسرائيل والسعودية؛ حيث أكَّدت صحيفة “التايمز The Times” البريطانية أن الطرفين يُجريان محادثات لإقامة علاقات اقتصادية، تبدأ صغيرة وذلك من خلال السماح للشركات الإسرائيلية بالعمل في الخليج، والسماح لشركة طيران “العال” الإسرائيلية بالتحليق فوق المجال الجوي السعودي(43).
ليس هذا فقط، بل ظهرت بوضوح ملامح التقارب، عندما شارك رئيس أركان الجيش الإسرائيلي جادي أيزنكوت، مع رؤساء أركان جيوش كل من (السعودية والإمارات والأردن ومصر)، وقادة هيئة الأركان في دول غربية ومن حلف شمال الأطلسي، وغيرها في اجتماع لقادة هيئة الأركان المشتركة الأمريكية المستضيفة للمؤتمر الثاني لدول التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”، وذلك جاء بهدف تمكين “إسرائيل” من المشاركة في إدخال تعديلات على هيكلة المؤتمر للمشاركة فيه، رغم عدم مساهمة تل أبيب بشكل رسمي في هذا التحالف، بل إنها لم تتلق دعوة لحضور المؤتمر الأول لقادة التحالف، ليس هذا فقط ما يؤكِّد مشاركة “إسرائيل” في التحالف، بل إن وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون أعلن مشاركة دولته في التحالف، قائلًا: “من المحرج للدول العربية إعلان مشاركتنا في العلن”.
ليس هذا فقط، ففي السادس من سبتمبر 2017، أي قبل توارد الأنباء عن زيارة ابن سلمان لـ”إسرائيل” بيوم واحد، وصف نتنياهو خلال مشاركته في احتفال رفع الكؤوس احتفالًا بالسنة العبرية الجديدة في مبنى وزارة الخارجية في القدس الغربية، العلاقات مع الدول العربية بأنها الأفضل وتسجل رقمًا قياسيًّا غير مسبوق في تاريخ هذه العلاقات، قائلًا: “التعاون مع الدول العربية أكبر من أي فترة كانت منذ إقامة “إسرائيل” وما يحدث اليوم مع كتلة الدول العربية لم يحدث مثله في تاريخنا، وعمليًّا التعاون قائم بقوَّة وبمختلف الأشكال والطرق والأساليب رغم أنه لم يصل حتى الآن للحظة العلنية، لكن ما يجري تحت الطاولة يفوق كل ما حدث وجرى في التاريخ”(44).
ووفقًا لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تجري اتصالات سرية مع السلطة الفلسطينية والسعودية والأردن لتنسيق أول رحلة طيران لحجاج فلسطينيِّين من مطار “بن جوريون” إلى السعودية. وفي أبريل 2017، عرض وزير النقل والاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، على جيسون جرينبلات، ممثل الرئيس الأمريكي، خطة “سكة قطار السلام الإقليمي”، والتي تتحدَّث عن ربط إسرائيل بالأردن ومنها بالسعودية ودول الخليج عبر شبكة سكك حديد تسمح للدول العربية بمنفذ إلى البحر المتوسط. وهو المشروع الذي ستموِّله شركات خاصَّة بهدف الربح المالي.
إن الخطوات التطبيعية الواسعة التي اتَّخذتها المملكة مؤخرًا، كانت في ظلِّ وجود محمد بن سلمان، حاكمًا فعليًّا للبلاد، وفقًا للعديد من التقارير الدولية. وبعد تولي ابن سلمان ولاية العهد، ورصد الاحتفاء الإسرائيلي الشديد بهذه الخطوة. فمن المتوقع أن يتَّخذ ابن سلمان خلال السنوات القادمة خطوات متقدِّمة للغاية في علاقته بإسرائيل، لم يسبقه بها أحدٌ من قادة الدول العربية تاريخيًّا(45).
ومن ناحية أخرى، فلقد قفزت إسرائيل مبكرًا إلى الجيب ثم القلب الإماراتي، وإذ يمكن عد العام 2004 عام التحوُّل الكبير في السياسة الإماراتية بوفاة الشيخ زايد بن سلطان ومباشرة ولي العهد محمد بن زايد لمهام الحاكم الفعلي للإمارات، فيمكن عدُّه أيضًا العام الأبرز للاختراق الإسرائيلي للسياسة والاقتصاد الإماراتيَّيْن. فقد فتحت دبي مبكرًا الباب الخلفي أمام رجال الأعمال اليهود بدءًا من تجَّار الألماس العالميين مثل ليف لفيف وبيني شتاينميتز، فالأزياء والماشية، وصولا إلى تجارة السلاح وأنظمة المراقبة المتطورة التي تدار من تل أبيب واستعانة الإمارات بأقمار التجسُّس الإسرائيلية؛ الأمر الذي انتقل من المحدودية إلى السَّعة، ومن السرِّ إلى شبه العلانية، خاصة بعد ثورات العرب منذ 2011، وبالأشدِّ من منتصف 2013.
وتلعب تغريدات رئيس شرطة دبي دورًا مهمًّا للكشف عن الخلفية الثقافية للهرولة الإماراتية نحو ترويج “حق إسرائيل” التاريخي والواقعي في التطبيع والانضمام إلى جامعة الدول العربية، وأن تبقى دولة واحدة تضم إليها الفلسطينيِّين باعتبارهم أبناء العمومة.
وبالمثل تأتي البحرين من البوابة الثقافية؛ باسم التسامح الديني ودور كل من الفن والثقافة والمتاحف والزيارات الشعبية المتبادلة في تذويب جبال الجليد التي لم يَعُدْ لها مكان في المناخ الجديد للمنطقة.
وهكذا يتوالى العرب على مشروع كبير يكمل التطبيع الذي أخذ أربعة عقود منذ “كامب ديفيد” المصرية-الإسرائيلية برعاية الولايات المتحدة، ليأتي مشروع ترامب لترسيخ مركزية إسرائيل في المنطقة ليس فقط من الناحية القانونية والدبلوماسية، ولكن من ناحية مجالات التعاون الشاملة التي غالبًا ما تظهر فيها يد إسرائيل باعتبارها هي اليد العليا القادرة على الإنتاج والعطاء، ويد العرب هي التي تدفع الثمن.

خاتمة

في كلمته أمام مؤتمر رؤساء كبرى المنظمات اليهودية الأمريكية يوم 14 فبراير 2016، أعلن نتنياهو أن الوقت حان لبعض الدول العربية التي تربطها علاقات سرِّيَّة بـ”إسرائيل” للاعتراف علنًا بتلك العلاقات؛ مؤكِّدًا أن الدول العربية الأكثر اعتدالًا ترى “إسرائيل” كحليف وليست عدوًّا، في الوقت الذي يجمعهم صراع مشترك ضدَّ إيران وتنظيم داعش، ونظرة الدول العربية الرئيسية تغيَّرت تجاه “إسرائيل”(46). وواضح أن هذا هو الذي يجري العمل عليه على قدم وساق ضمن عملية كبرى لإغلاق القضية على جروحها، وتمكين اليهود من القدس وإعادة رسم الأرض المحتلة بالتبادل مع أرض مصرية في سيناء، وضمن إعادة ترسيم كبرى للمنطقة أقطارًا وطوائف وجماعات وإثنيَّات.
الدلالة الأهم التي برزت من مرحلتي الثورة والثورة المضادَّة وبالنظر إلى الخطاب الإسرائيلي والعربي الرسمي والغربي في كثير منه، هو طمس الفارق بين إسلاميِّين معتدلين وآخرين متشدِّدين، وقصر مفهوم الاعتدال على الأنظمة الديكتاتورية التي -رغم الاعتراف بديكتاتوريتها وهدرها لكل مبادئ حقوق الإنسان والحريات- إلا أنها متماشية مع المعايير الإسرائيلية والتي أهمهما ضمان أمن إسرائيل والمشاركة في استقرارها باسم الالتزام بمتطلبات السلام. هذه الملاحظة في غاية الأهمية. إن المفاهيم السياسية التي يتم بها تصوير واقع ومجريات المنطقة باتت تستند إلى مرجعية إسرائيلية تتبعها الأنظمة الحاكمة وأجهزتها العسكرية والأمنية والإعلامية شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، وتؤيِّدها القوى الغربية الرسمية وبعض غير الرسمية. وبناء عليه تسارعت وتيرة الترويج لكون “الإخوان المسلمين” متشدِّدين ثم إرهابيِّين، وأنه لا فارق بين الإخوان والقاعدة ثم تنظيم الدولة.. الأمر الذي سبق إشاعته نسبيًّا عن المقاومة الفلسطينية، ثم جرى التوسُّع فيه بعد موجتي الثورات والثورات المضادة.
وخلاصة القول: إنه كما أن العامل المساعد الأول للمشروع الصهيوني اليوم هو استبداد النُّظم وصراع المحاور في المنطقة بين العرب والمسلمين، فإن التحدِّي الأساس البارز أمام استمرار هذا المشروع باعتراف أطرافه كافَّة يتمثَّل في الشعوب والإسلام والرابطة بينهما. ومن ثم فإن الواجب المباشر العمل على تعزيز المشروع الحضاري الإسلامي بوصفه الدرع والسهم الأساسي في المواجهة. وهذا المشروع ليس من نوعية المشروعات السياسية والبرامج الحزبية إذ هو حالة أمَّة تتعدَّد مجالات فعلها ومسارات البناء فيها بطول العالم وعرضه. وبناء عليه فإن الوعي بتحوُّلات المنطقة العربية في قلب الأمَّة الإسلامية وجهود مَرْكَزَةِ إسرائيل في قلبها -ركنًا أساسيًّا وشرطًا ضروريًّا- يفرض على الجميع: دولا وحكومات، وشعوبًا وجماعات، وأفرادًا في كافَّة المواقع والتخصُّصات، ممن لا يزالون يؤمنون بالأمَّة وقضيَّتِها، ووحدَتِها وحريَّتِها، وحقِّها في الاستقلال والتقدُّم، هؤلاء جميعًا عليهم أن يجدِّدوا وجهتهم وجهودهم من أجل استرداد الذات والحفاظ على ما تبقَّى منها.
إن مواجهة المشروع الصهيوني وحالة التَّصهين الراهنة لا تقتضي ترك المسار المقاوم لمسار آخر، ولا هدم ما تمَّ بناؤه أثرًا عن حالة انفعالية غاضبة أو ما شابه، بقدر ما تفرض استكمال السَّير والإصرار على مواصلته والمزيد من تجميع الجهود وتنسيقها، وتوجيه قدر أكبر من هذه الجهود باتجاه فلسطين والقدس والدفاع عنهما.
ومن ثمَّ يجب تجديد العمل على محاور تجديد وحفظ الهوية القائمة على دوائر الانتماء المتحاضنة، والاحتفاظ بالوعي الديني والتاريخي الواصل حاضر القدس وفلسطين بماضيهما. كذلك يجب تجديد جهود الدعوة والتربية والتنشئة الحضارية على قيم هذه الأمَّة، فأمَّتنا أمَّة قيم كما هتف العلامة حامد ربيع من قبل. ومن ثم تتضافر الجهود الحقوقية والقانونية والشرعية والفكرية والخيرية.. للدفاع عن الأرواح والأعراض والأموال التي يستهدفها مشروع التَّصهين والأسرلة القائم.. ومن مجموع هذه الجهود العريضة والمتناثرة نأمل أن نوقف تقدُّم هذه الهجمة، وأن يجدِّد الله تعالى لنا أمر رشد يعز فيه الحق وأهله.
*****

الهوامش:

(*) يعود فضل كبير في إخراج هذه الورقة إلى الجهد الذي قامت به الباحثتان بمركز الحضارة نادية مصطفى عبد الشافي، ومروة يوسف، في جمع المادة الأساسية، وما قامت به نادية مصطفى عبد الشافي من توثيق لعدد كبير من الهوامش، فإليهما أتوجه بشكر جزيل.
(*) المدير التنفيذي لمركز الحضارة للدراسات والبحوث.
(1) انظر في هذا الشأن: سيف الدين عبد الفتاح، عقلية الوهن، (القاهرة: دار القارئ العربي، 1991).
(2) سمية عبد المحسن، التطبيع والمقاومة عبر مئة عام من وعد بلفور، في الباب الأول من هذا الكتاب.
(3) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحشر: الآية 14].
(4) حول الاختراق الإسرائيلي انظر: بقية موضوعات هذا الباب، خاصة: التحول في مواقف السعودية والإمارات تجاه إسرائيل: المواقف والعلاقات والدلالات، والاختراق الإسرائيلي لتركيا وإيران، وإسرائيل وتفتيت نسيج المنطقة العربية: القضية التركية نموذجًا.
(5) انظر:
– إبراهيم حسين معمر، إسرائيل والثورة المصرية: قراءة في السجال الداخلي، (في): العدد الحادي عشر من حولية «أمتي في العالم» عن (الثورة المصرية والتغيير الحضاري والمجتمعي)، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، مكتبة الشروق الدولية، 2012)، ص ص 459 – 468.
– أمجد جبريل، الدبلوماسية الإسرائيلية بعد الثورة المصرية: دراسة في موقع إسرائيل من التفاعلات الإقليمية والتحالفات الجديدة، نفس المرجع السابق، ص ص 469 – 488.
(6) نواف الزرو، “زوال إسرائيل” على أجندة الجدل الصهيوني، موقع الجزيرة.نت، 27 يناير 2012، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/1K7xRgB
(7) انظر في هذا الشأن:
– طارق البشري، بين الإسلام والعروبة، (القاهرة: دار الشروق، 1996).
– طارق البشري، الحوار الإسلامي العلماني، (القاهرة: دار الشروق، 1996).
(8) انظر: الباب الأول من هذا الكتاب، مئة عام من وعد بلفور المسار والمآلات.
(9) انظر: بسام عبد القادر النعماني، الوطن العربي بعد 100 عام من اتفاقية سايكس-بيكو: قراءة في الخرائط، (تونس: مونت بليزير، 2016).
(10) راجع الباب الأول من هذا الكتاب.
(11) من أهم النماذج على ذلك نموذج أحمد شوقي أمير الشعراء العرب المحدثين والملقَّب أحيانًا “شاعر العروبة والإسلام” و”أمير الدولتين” و”أمير القوافي” كما لقبه حافظ إبراهيم يوم تكريمه وتنصيبه أميرًا للشعراء، وهو من نعى الخلافة إبان إسقاطها على يد أتاتورك، وتابع ثورة سوريا بقصيدته “نكبة دمشق” (1926م)، ودعا لوحدة سوريا في قصيدته “دمشق”، وتابع ليبيا ولبنان وغيرهما، لكنه مع ذلك لم يأتِ على القضية الفلسطينية ولا وعد بلفور ولا أحداث البراق بذكر، مما أثار دهشة النُّقَّاد. انظر: عادل أبو عمشة، أمير الشعراء أحمد شوقي والقضية الفلسطينية، ورقة مقدمة لمؤتمر الأدب والأديب ودورهما في الحياة السياسية، قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة النجاح الوطنية بنابلس، فلسطين، 16 مارس 2009، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/KPKCNS
(12) يُشار في ذلك إلى تنبيه المؤرخ العربي قسطنطين زريق لأول نكبة حاقت بالعرب سنة 1948م في كتابه “دروس النكبة”، ثم بعد ههزيمة 1967م، نشر كتابه “دروس النكبة مجدَّدًا”، ثم نشر كتابه “دروس النكبة مثَّلثًا” بعد غزو صدام للكويت سنة 1990. انظر في ذلك: سعد الدين إبراهيم، علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين، صحيفة المصري اليوم، العدد 1105، 23 يونيو 2007، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/7iJbES
(13) انظر في هذا الشأن: عبد العزيز مصطفى كامل، العلمانيون وفلسطين: ستون عامًا من الفشل وماذا بعد؟، لندن: سلسلة تصدر عن مجلة البيان، خاصة القسم الثاني: أوهام السلام…في أجواء الصدام، ص ص 65 – 126.
(14) انظر في تحولات الفتاوى الأزهرية عن فلسطين وتبعيَّتها للسياقات والخيارات السياسية: جماعة من العلماء (تقديم)، فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف حول تحرير فلسطين والأقصى الشريف، سلسلة فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف (7)، (القاهرة: دار اليسر، 2011).
(15) نعيمة أبو مصطفى، القضية الفلسطينية: ماذا حدث لها وما مستقبلها بعد الثورات المضادة، إضاءات، 14 مايو 2015، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/TYSXjV
(16) مدحت ماهر، الدولة اليهودية من المشكلة إلى المكانة: مئة عام بين وعد بلفور وموعد التصهين العربي، المرجع السابق، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/TB9YUY
(17) انظر: بنيامين نتنياهو، محاربة الإرهاب، ترجمة: عمر السيد وأيمن حامد، (القاهرة: النهار للطباعة والنشر والتوزيع، 1996)، ص ص 73 – 95.
(18) انظر على سبيل المثال: محسن صالح (رئيس تحرير)، الموقف الإسرائيلي من ثورة 25 يناير المصرية، تقرير معلومات (23)، (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2012)، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2MA58aH
(19) نائب إسرائيلي: فوز مرسي “مسمار أخير بنعش السلام”، موقع فلسطين أون لاين، 25 يونيو 2012، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/rEoEJW
(20) محسن صالح (رئيس تحرير)، الموقف الإسرائيلي من ثورة 25 يناير المصرية، مرجع سابق، ص 50.
(21) أحمد جمال زيادة: مصر السيسي التي تحبها إسرائيل: لقاءات سرية وعشق علني، موقع إضاءات، 27 فبراير 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/HGL5HT
(22) روني دانيال: السيسي أبلغ إسرائيل بالإطاحة بمرسي قبلها بـ3 أيام، ترجمة: علاء البشبيشي، موقع العالم بالعربية، 7 أغسطس 2013، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/NDRdyo
(23) وذلك منذ خطابه الأول عن ثورة يوليو أثناء الاحتفال بذكراها في 23 يوليو 2014 عقب تنصيبه بنحو الشهر ونصف الشهر. ثم تكرَّرت بعدها في محافل مختلفة داخليًّا وخارجيًّا حتى أمست ثابتًا من ثوابت خطاب السيسي عن الإسرائيليِّين. وقد جاء هذا الخطاب أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة في أول اختبار لرد فعله فلم يذكر كلمة “عدوان” مرة واحدة إنما استبدل بها عبارة “الأزمة” و”الاقتتال”. انظر:
– محمد محمود السيد، النكبة في خطاب الرئيس المصري، موقع إضاءات، 17 مايو 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/jEMTnx
(24) في مايو 2015، أعلنت مصر رسميًّا -عبر محكمة مصرية- اعتبارها حركة المقاومة الفلسطينية “حماس” جماعة إرهابية، ما أعطى انطباعًا للعالم أن إسرائيل تحارب الإرهاب، لا شعبًا فلسطينيًا مغتصبة أرضه ومهدرة دماؤه، ومن ثم بدأت الصحافة العبرية الاحتفاء بنظام السيسي وتشجيعه على إجراءاته التي يتخذها في صالح أمن إسرائيل.
– راجع: أحمد جمال زيادة، مصر السيسي التي تحبِّها إسرائيل…، مرجع سابق.
(25) انظر المقرر الدراسي لمادة “الدراسات الاجتماعية” للصف الثالث الإعدادي، الوحدة الثالثة ـ الدرس الرابع (مصر والصراع العربي-الإسرائيلي)، (القاهرة: وزارة التربية والتعليم، ط 2017 – 2018)، ص ص 67 – 70.
(26) أحمد جمال زيادة، مصر السيسي التي تحبها إسرائيل…، مرجع سابق.
(27) سيد أحمد الخضر، مصر وإسرائيل.. التطبيع يبلغ أشده، موقع الجزيرة.نت، 3 مارس 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/53XTSG
(28) المرجع السابق.
(29) محمد جعفر، خطاب السيسي في ميزان الصحافة الإسرائيلية، 18 مايو 2016، موقع أهل مصر، متاح عبر الربط التالي: https://goo.gl/Quu7TC
(30) المرجع السابق.
(31) محمد سليمان، توجه السيسي الجديد نحو العلاقات المصرية الإسرائيلية، “منتدى فكرة” بموقع معهد واشنطن، 29 يوليو 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/zwbF3y
(32) المرجع السابق.
(33) كلمة السيسي أمام الأمم المتحدة – نص كامل بالفيديو، موقع مصراوي، 19 سبتمبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/1Yh3YY
(34) عماد جاد، لقاءات الرئيس في نيويورك، صحيفة الوطن المصرية، 21 سبتمبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/jSksox
(35) عمرو الشوبكي، مصر وإسرائيل، المصري اليوم، 23 سبتمبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/PdM77M
(36) شيماء عزت، صحيفة بريطانية: الرياض وتل أبيب تبحثان إقامة علاقات اقتصادية، موقع فرانس 24، 19 يونيو 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/EW9FWm
(37) عشقي لـDW: العالم الإسلامي سيطبِّع مع إسرائيل إذا طبَّعت السعودية، 27 يونيو 2017، موقع قناة دويتشه فيلله (التليفزيون الألماني DW) بالعربية، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2ICQhdt
(38) السعودية وإسرائيل- صفقة تلوح في الأفق قد تغير وجه المنطقة، 27 يونيو 2017، موقع قناة دويتشه فيلله (التليفزيون الألماني DW) بالعربية، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/Kny8CR
(39) المرجع السابق.
(40) المرجع السابق.
(41) محمد محمود السيد، من عبد الناصر إلى تيران وصنافير: رحلة التطبيع السعودي الإسرائيلي، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، 30 يونيو 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/URu5DN
– Qatar, Saudi entities partner Credit Suisse fund, Gulf News, 13 August 2010, https://bit.ly/2tI6UiZ
– General Naef Bin Ahmed Al-Saud, The evolution of Saudi Security and enforcement Policies on Communication, Joint Force Quarterly, issue 65, 2d quarter 2012, https://bit.ly/2Kyceze
– Amir Oren, For Saudi Arabia, Israel Is Turning From Foe to Friend, haaretz, 15 April 2012, https://bit.ly/2IFyS3Q
(42) محمد محمود السيد، من عبد الناصر إلى تيران وصنافير، مرجع سابق.
(43) المرجع السابق.
(44) نورا بنداري عبد الحميد، العدو أصبح حليفًا.. ابن سلمان والتوجه الجديد نحو “إسرائيل”، موقع نون بوست، 12 نوفمبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: http://www.noonpost.org/content/20682
(45) محمد محمود السيد، من عبد الناصر إلى تيران وصنافير، مرجع سابق.
(46) نورا بنداري عبد الحميد، العدو أصبح حليفًا، مرجع سابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى