آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيةالعالم الإسلامي

باكستان ومعضلة التنمية والتحولات الداخلية والإقليمية

مقدمة:

نشأت دولة باكستان في أغسطس 1947 وكان ظهورها بداية لمرحلة جديدة في شبه القارة الهندية، حيث تأسَّست بعد الاتفاق بين الأطراف السياسية الفاعلة في شبه القارة الهندية على قيامها إلى جانب دولة الهند. وقد قامت الدولة الجديدة بعد صراع طويل مع الاستعمار البريطاني والأغلبية الهندوسية التي قادت حركة المقاومة الوطنية في شبه القارة الهندية[1]، ولقد عانت البلاد من الحكم العسكري لفترة طويلة، مثل انقلاب أكتوبر 1958 الذي قام به الجنرال أيوب، وانقلاب 1970 الذي قام به الجنرال ضياء الحق على الحكم المدني للرئيس ذو الفقار علي بوتو، وأخيرًا انقلاب برويز مشرف على نواز شريف في 1999[2]، ولا تزال باكستان تعاني من عدم الاستقرار على عدَّة مستويات؛ على المستوى السياسي يستمرُّ الصراع بين النُّخب المدنية والعسكرية على السلطة[3]، بالإضافة إلى عدم استقرار العملية السياسية حيث تمَّ سحب الثقة من عمران خان (رئيس الحكومة المنتخب)[4] من البرلمان في أبريل 2022، وصوَّت أعضاء البرلمان الباكستاني، يوم الإثنين 11 أبريل 2022، على تعيين زعيم المعارضة شهباز شريف، رئيسًا جديدًا للوزراء في البلاد بشكل مؤقَّت[5]، ومن جانب آخر تعاني البلاد من ضعف مؤسَّسات الدولة والعنف السياسي. أما على المستوى الاقتصادي، فتُعاني البلاد من تراجع وتعثُّر التنمية الاقتصادية وعدم استقرار معدَّلات النموِّ الاقتصادي، والفجوة الكبيرة في توزيع ثمار التنمية، مما أدَّى إلى مشكلات اقتصادية خطيرة مثل ارتفاع البطالة والتضخم وأزمة الطاقة والغذاء والمياه وغيرها.

أما على المستوى الأمني فتواجه الدولة عدَّة مشكلات من أهمِّها عدم استقرار الوضع الأمني وازدياد الهجمات والأعمال الإرهابية خاصة على المناطق الحدودية بشكل يعوق ممارسة المواطنين حياتهم اليومية. وقد شهدت العمليات الإرهابية زيادة بعد سيطرة طالبان على السلطة في أفغانستان مما أدَّى إلى تعزيز قوة حركة طالبان الباكستانية.

وتنقسم هذه الورقة إلى محورين، المحور الأول: التنمية الاقتصادية في باكستان، ويتناول مجموعةً من الأسئلة: ما هي المراحل المختلفة التي مرَّت بها باكستان في طريقها للتنمية الاقتصادية؟ ما هي المشكلات التي تُعاني منها باكستان في التنمية؟ ما هي أهم مؤشِّرات باكستان طبقًا لمؤشِّر التنمية المستدامة الأخير (2021)؟ والمحور الثاني: أهم التحديات الإقليمية وتتمثَّل في: الصراع مع الهند، والعلاقات مع أفغانستان، وموقف باكستان من التقارب الروسي الصيني. ويناقش المحور مجموعة من الأسئلة: ما هي طبيعة العلاقة وأهم نقاط الصراع بين باكستان والهند وكيف تطوَّر الصراع؟ كيف تطوَّرت العلاقات الباكستانية الأفغانية وخاصة في ظلِّ وصول طالبان للسلطة في 2021؟ وأخيرًا كيف تفاعلت باكستان مع التقارب الروسي الصيني بعد الحرب الباردة؟

أولًا التنمية الاقتصادية

تمثِّل التنمية الاقتصادية والاجتماعية واحدةً من أهمِّ المعضلات التي تواجهها باكستان، وبالرغم من أن المؤشِّرات الاقتصادية الدولية تشير إلى تقدُّم باكستان في العديد من الجوانب، إلا أنها ما زالت تُعاني من ارتفاع مستويات الفقر وانخفاض مستويات التعليم والصحة والخدمات وخاصة في قطاع الطاقة والمياه، بالإضافة إلى أنها لم تستطع الحفاظ على معدَّل نموٍّ اقتصادي دائم طوال عقودها الستَّة. فقد كان للحربين الرئيسيَّتين مع الهند، وخسارة الجزء الشرقي من البلاد، وتجربة ذو الفقار علي بوتو مع السياسات الاشتراكية، آثارُها السلبية على الاقتصاد.

وفي حقبة ما بعد 11 سبتمبر ساعد تدفُّق المساعدات الاقتصادية الأجنبية، وإعادة جدولة الديون، وزيادة التحويلات المالية من الباكستانيِّين في الخارج، على تسجيل معدَّلات نموٍّ جيِّدة. لكن الوضع الأمني المتردِّي، والنقص المستمر في الطاقة، وانخفاض الاستثمارات الأجنبية ثبَّطت عزائم المستثمرين المحليِّين واضطرَّت باكستان للاستدانة من صندوق النقد والبنك الدوليين مرة أخرى، مما انعكس مجددًا في مزيد من الصعوبات للاقتصاد الباكستاني[6].

لقد مرَّت تجربة التنمية في باكستان بعدَّة مراحل: المرحلة الأولى (1947-1958)، والمرحلة الثانية (1958-1971)، والمرحلة الثالثة (1972-1977)، والمرحلة الرابعة (1977-1988)، والمرحلة الخامسة (1988-2002)[7]، وقد واجهت تجربة التنمية في باكستان خلال هذه المراحل العديد من العقبات، مثل هيمنة الزراعة على النشاط الاقتصادي ونشوء طبقة من الإقطاعيِّين التي تسيطر على قطاع الزراعة ولا تسمح بأي قوانين للإصلاح الزراعي قد تغيِّر من مكانتها الاجتماعية والاقتصادية، والضغط السكاني المتزايد والذي أدَّى إلى عجز الدولة عن تقديم الخدمات المختلفة، وانتشار البطالة، التفاوت الاقتصادي، والفساد، وأزمة الديون والتي أدَّت إلى الاعتماد على الخارج في تمويل عملية التنمية، وفقدان القدرة على اتخاذ القرار السياسي المستقل، والإنفاق العسكري وهيمنة المؤسَّسة العسكرية على المؤسَّسات الأخرى وخاصة في ظلِّ التهديد الهندي[8].

لا يختلف الوضع الاقتصادي اليوم كثيرًا في باكستان، ويمكن القول إن الاقتصاد الباكستاني يواجه التحديات ذاتها، حيث يشير مؤشِّر أهداف التنمية المستدامة الأخير (SDG) لعام 2021 إلى عدَّة نقاط هامَّة بخصوص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فيقدَّر عدد سكان باكستان بأكثر من 220 مليون نسمة في عام 2021، ومعدل نمو يبلغ 1.95% سنويا. ولا يزال النمو السكاني أحد أكبر التحديات التي تواجه التنمية في باكستان، حيث تقل أعمار 60% من سكَّانها عن 25 عامًا، ويبلغ معدَّل الخصوبة 3.5 مولود لكل امرأة. وهذا يعني أن توفير التعليم والصحة والتوظيف لمجموعة كبيرة ومتنامية من الشباب سيظلُّ مشكلة في المستقبل القريب. أما في قطاع التعليم، فلا تزال معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة سيئة عند 59% من السكَّان، أيضًا جودة التعليم والتوظيف لخريجي المدارس منخفضة للغاية، ولا يتمتع الشباب المتنامي بفرص الوصول إلى التعليم الجيد[9]. وتواجه باكستان أيضًا أزمة طاقة، وهي ليست مشكلة حديثة، فقد عانت مختلف القطاعات الصناعية والمستهلكين في المنازل من نقص الطاقة وانقطاع التيار الكهربائي لسنوات.

وعلى الرغم من نموِّ متوسِّط الدخول، إلا أن معدَّلات التضخم ترتفع حيث وصل إلى 6%، مما يرفع تكلفة السلع الأساسية. بينما وصلت البطالة إلى 16% بين الطبقة المتوسطة المتعلِّمة. وطبقًا لبرنامج الغذاء العالمي يُعاني أكثر من 21% من السكَّان من سوء التغذية. بينما يُعاني 44% من الأطفال دون سنِّ الخامسة من توقُّف النمو. ويواجه 37% من السكَّان انعدام الأمن الغذائي، على الرغم من أن باكستان منتِج رئيسي للقمح والأرز. إلى جانب هذه التحديات، تُعاني باكستان من نقص كبير في المياه، فتحتلُّ المرتبة 14 من بين 150 دولة معرَّضة بشدَّة لخطر أزمة المياه. وتشير منظمة Water Aid إلى أن 17 مليون شخص في باكستان يفتقرون إلى المياه النظيفة بالقرب من منازلهم، وأن 70 مليونًا يفتقرون إلى صرف صحي لائق، ومعظمهم في المجتمعات الريفية[10].

وعلى صعيد آخر تواجه باكستان حاليا العديد من المشكلات الهيكلية التي تُعيق عملية التنمية الاقتصادية؛ ومنها:

أولا- أزمة إدارة الموارد: ويعتبر سوء الإدارة وغياب الحوكمة الرشيدة من الأسباب العميقة لمعظم مشاكل باكستان الاقتصادية. فعلى الرغم من تمتُّع باكستان بوفْرة الموارد الطبيعية والمصادر البشرية؛ حيث يوجد فيها خامس أكبر احتياطي ذهب في العالم وثاني أكبر احتياطي من الملح وسادس أكبر احتياطي من الفحم، لكنها لم تستطع استغلال هذه الموارد لمصلحتها الاقتصادية، بل هناك مخاوف من أن تؤدِّي هذه الاكتشافات إلى حرب أهلية في ولاية بلوشستان بسبب سيطرة زعماء القبائل المحليِّين على الأرض هناك، كما أن الحكومات الباكستانية المتعاقبة لم تستطع التخطيط والتنفيذ لبرامج مناسبة تمكِّنها من الاستفادة من الموارد البشرية المتمثِّلة بفئة “الشباب” الأكثر حيويَّة في المجتمع[11].

ثانيًا- الحرب على الإرهاب: تضرَّرت باكستان اقتصاديًّا من الحرب على الإرهاب، حيث أثَّرت الحرب على تدفُّق الاستثمارات المحلية والأجنبية وجعلت منها بيئة غير آمنة وغير جاذبة للاستثمار، فقد تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في باكستان بنسبة 45% في 2009-2010، بالمقارنة مع المؤشِّرات التي كانت قبل الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان، ولم يستطع “صندوق دعم التحالف” (CSF) بقيادة واشنطن تعويض الخسائر التي تحمَّلتها باكستان منذ بداية الحرب في 2001، حيث وصلت تعويضات الصندوق إلى حوالي 13 مليار دولار، في حين زادت الخسائر عن 106 مليارات دولار. ومن جانب آخر، تقدَّر الخسائر الناتجة عن الهجمات الإرهابية خلال 2013-2014 و2014-2015 فقط بحوالي 11.6 مليار دولار[12]. بعبارة أخرى، إن الحرب على الإرهاب لم تقتصر على التأثير على موارد الميزانية فحسْب، بل كان على باكستان تخصيص المزيد من الموارد للأغراض الأمنية، فضلًا عن أنها أثَّرت سلبًا على قطاع السياحة بصفة خاصة[13].

ثالثًا- أزمة الطاقة: تسبَّب إهمال الحكومات الباكستانية المتعاقبة في قطاع الطاقة بأزمات أصبحت بدورها عقبة كبرى أمام النمو الاقتصادي، وتتطلَّع إسلام أباد اليوم إلى تطوير تجارة الطاقة مع دول آسيا الوسطى وغيرها من دول الجوار، ومن المتوقَّع أن يربط خطُّ أنابيب الطاقة العابر من آسيا الجنوبية إلى آسيا الوسطى باكستان بكلٍّ من أفغانستان وطاجيكستان وقرغيزيا. وتتطلَّب تجارة الطاقة عبر الحدود رفع كفاءة قطاع الطاقة المحلي، وتتطلَّب عدَّة خطوات، أهمها: زيادة الاستثمار في تطوير نظم توزيع الطاقة، وتحسين إدارة الموارد من المستهلكين، وتوفير حزمة متنوِّعة من أنواع الطاقة القابلة للاستخدام في البلاد[14].

رابعًا- الاتفاقات التجارية غير الفعالة: أدَّى تعثُّر نظام الحوكمة الرشيدة في الاتفاقيات التجارية، وخاصة إهمال حماية المصالح الوطنية، إلى حدوث تحيُّزات مخلَّة في العلاقات الاقتصادية أثَّرت على النمو الاقتصادي الباكستاني بالسلب. وعلى الرغم من عضوية باكستان في “منظمة التعاون الاقتصادي-إيكوتا” (ECOTA)، و”منطقة التجارة الحرة لجنوب آسيا” (SAFTA)، لم تفلح باكستان في ممارسة تجارة كبيرة مع شركائها الإقليميِّين؛ حيث لا يزيد نصيب باكستان من التجارة الإقليمية عن 5%، مقارنة بحوالي 40% بالنسبة للتجارة البينية للدول الأخرى الأعضاء في هاتين المنظمَّتين[15].

بالإضافة إلى تلك التحديات البنيوية، تواجه الحكومة في باكستان عددًا من التحديات مثل: النقص الحاد في احتياطيات النقد الأجنبي، حيث تعاني باكستان في الوقت الحالي من نقص حاد في احتياطيات النقد الأجنبي، وهو أكبر انخفاض منذ عام 2019، حيث وصل احتياطي النقد الأجنبي إلى 16.4 مليار دولار أميركي، بسبب زيادة عجز الحساب الجاري والعجز التجاري، وارتفاع مدفوعات الديون الخارجية.

التفاوض مع صندوق النقد الدولي: تتفاوض الحكومة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض عاجل بقيمة مليار دولار، حيث بدأت المفاوضات بين الطرفين الأربعاء 25 مايو الماضي ومستمرة حتى الان. ويضع صندوق النقد الدولي شروطا صعبة من وجهة نظر الحكومة الباكستانية، حيث يتوجب على الحكومة إجراء إصلاحات اقتصادية من ضمنها رفع الدعم عن بعض العناصر الرئيسية مثل البترول، وهذا ما يزيد من المخاوف لدى المواطنين، بالرغم من تعهُّد رئيس الوزراء بعدم رفع الأسعار[16].

حكومة على وشك الإفلاس: لا تزال حكومة شهباز شريف تحافظ على عدم رفع الأسعار على المواد الأساسية خوفًا من زيادة استياء المواطنين الذين كانوا ينتقدون ارتفاع الأسعار خلال حكم عمران خان. لكن الوضع الحالي للاقتصاد ومستوى انهيار العملة المحلية يجعلان من الصعب على الحكومة الإبقاء على الأسعار القديمة. كما أن أسعار البترول ترتفع عالميًّا، وفي حال لم يتم رفع الأسعار فإن الحكومة سوف تضطر إلى أن تتحمَّل فارق الأسعار. وقد تمَّ الإعلان عن إمكانية كبيرة لرفع أسعار البترول والمحروقات، لكن الحكومة تراجعت عن ذلك، في وقت تشهد فيه البلاد انقطاعات متكرِّرة للتيار الكهربائي وسط ارتفاع درجات الحرارة، مما يزيد من المعاناة والاستياء لدى المواطنين[17]، كما تواجه الدولة مشاكل ندرة المياه،كما سبق الذكر، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بمشاريع التنمية المستدامة، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة الدين العام، والتوزيع غير المتكافئ للثروة[18].

بالإضافة إلى معضلة التنمية الاقتصادية، تواجه باكستان نطاقًا واسعًا من التحديات الداخلية يشمل التحديات الأمنية، وأمن المنشآت النووية، والتحديات السياسية والحكومية[19]، فالتحديات التي تواجه الأمن الداخلي في باكستان حاليًّا هي الأكثر تهديدًا لأسس الدولة وأركان وجودها، فلقد أدَّتْ سيطرةُ طالبان على أفغانستان بعد خروج الولايات المتحدة إلى تعقيد الوضع الأمني في باكستان، إذ تخشى باكستان من حركة طالبان الباكستانية وكذلك الانفصاليِّين في إقليم بلوشستان الباكستاني والحركات المسلَّحة الأخرى الذين يقومون بشنِّ هجمات على باكستان[20]، وقد نتج عن ذلك زيادة كبيرة في عدد وشدَّة الحوادث الإرهابية في باكستان بأعداد كبيرة من القتلى، وعطَّلت إلى حدٍّ كبير الحياة اليومية، لا سيما في أجزاء من إسلام أباد، وعلى نحو أشد في المناطق القبلية على الحدود مع أفغانستان[21].

ثانيًا- التحديات الإقليمية

  • الهند:

شهدت العلاقة بين باكستان والهند توترًا متزايدًا في الفترة الأخيرة مع تزايد التصعيد من الجانب الهندي سواء فيما يتعلَّق بقضية كشمير أو فيما يتعلَّق بقضية الإرهاب، وهو الأمر الذي يفسِّره البعض على أنه انعكاس لتوجُّهات الحكومة الهندية القومية برئاسة ناريندرا مودي منذ عام 2014[22]، وتمثِّل قضية كشمير قضية أساسية في العلاقة بين البلدين[23]، وقد تجدَّد الصراع في أغسطس 2019 عقب قيام الهند بإلغاء الحكم الذاتي لإقليم كشمير الذي يقع في الهند، في المقابل اعتبرت باكستان قرار الهند خطوة “غير شرعية”، مؤكدة أن المنطقة، التي تشهد تمردًا انفصاليًّا وتطالب إسلام أباد بالسيادة عليها، معترف بها دوليًّا كأرضٍ متنازعٍ عليها، كما أعلنت باكستان أنها ستلجأ لمحكمة العدل الدولية[24].

دشَّن قرار الهند مرحلة جديدة من الصراع الهندي الباكستاني وأضاف مسارات جديدة من التعقيدات السياسية في شبه القارة الهندية[25]، وزاد التوتُّر بين البلدين، إذ خفضت باكستان الروابط الدبلوماسية وأغلقت مجالها الجوي وعلَّقت العلاقات التجارية مع الهند، وقد تمَّ تسجيل أكثر من 4600 حالة لانتهاك وقف إطلاق النار في عام 2020 وحده بين الدولتين، من جهتها تحاول الهند تغيير التركيبة الديموغرافية وهوية المنطقة ذات الأغلبية المسلمة، فقد أدخل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تعديلات على قوانين الإقامة في كشمير الهندية لأول مرة منذ عام 1947، في مسْعى للقضاء على أي محاولة لتحدِّي مسألة تبعية المنطقة -المتنازع عليها- للهند[26].

ومع وصول حكومة شهباز شريف إلى السلطة في إبريل الماضي خلفًا لعمران خان، يتوقَّع المحلِّلون أن العلاقات بين البلدين قد تشهد تحسُّنًا وقد تشهد أزمة إقليم كشمير تسوية من جانب البلدين ونقطة انطلاق جيدة للهند لاستئناف الحوار. وذلك بسبب الخلفية السياسية والعائلية لشهباز شريف التي تشجِّع التعاون مع الهند، وبسبب الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها باكستان وأيضًا التطوُّرات الإقليمية والعالمية الراهنة التي قد تدفع البلدين إلى التعاون والسعي لتحقيق التنمية الاقتصادية[27].

أما فيما يخصُّ قضية العمليات العنيفة تجاه الهند، كان لنمط التفاعل الصراعي بين الهند وباكستان دورٌ في ظهور وتمدُّد الجماعات العنيفة التي تستهدف الهند، وقامت بتنفيذ العديد من العمليات الإرهابية سواء في كشمير أو داخل الهند، ويمكن تصنيف هذه الجماعات والتنظيمات إلى فئتين: الأولى هي تلك التنظيمات والجماعات التي تتَّخذ من باكستان قاعدةً لها وتتكوَّن بالأساس من عناصر باكستانية وتعدُّ جماعتا “جيش محمد” و”لشكر طيبة” أبرز هذه المنظمات، أما الفئة الثانية فهي تلك التي تتَّخذ من باكستان قاعدة لها ولكنها تتكوَّن من عناصر كشميرية بالأساس ومن أبرزها حزب المجاهدين. وقد قامت السياسة الهندية تجاه هذه القضية منذ انتهاء الحرب الباردة على الإدانة الكاملة للإرهاب والدعم غير المحدود لمكافحته عليه، والمطالبة بتوقيع معاهدة شاملة للتصدِّي له، والدعم الكامل للولايات المتحدة في حربها في أفغانستان بغرض تحقيق مكاسب سياسية في أفغانستان التي تُعَدُّ عمقًا استراتيجيًّا لباكستان، وإضعاف موقف باكستان المرتبط بدعم الجماعات الإسلامية المتشدِّدة، ومحاولة إبعاد باكستان عن الحملة الأمريكية، في المقابل نَفَتْ باكستان أيَّ صلة لها بهذه الجماعات وندَّدت باتهامات الهند لها[28].

من ناحية أخرى، عملت الهند على تكوين شبكة من الحلفاء الإقليميِّين والدوليِّين كجزءٍ من الاستراتيجية المتَّبعة لعزل باكستان دوليًّا، حيث عملت الهند على تعزيز تعاونها مع الولايات المتحدة الأمريكية في مجال مكافحة الإرهاب العابر للحدود، وهو ما ظهر من خلال توقيع الاتفاق الثنائي بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الحكومة الهندي مودي في يونيو عام 2016، حيث نصَّ هذا الاتفاق على تعزيز الجهود المشتركة لمكافحة التهديدات الإرهابية من الجماعات المتطرِّفة مثل القاعدة، وداعش، وجيش محمد، ولشكر طيبة، ومطالبة باكستان بتقديم المسؤولين عن هجمات مومباي عام 2008[29]إلى العدالة، كذلك فقد عملت الهند على تعزيز التعاون مع دول الخليج العربي وخاصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؛ فقد استغلَّت الهند فرصة التوتُّر في العلاقة بين باكستان ودول الخليج العربي بعد رفض باكستان إرسال قوات للمشاركة في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن لتعزيز التعاون الأمني مع شركائها في منطقة الخليج وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب، ويُعَدُّ هذا التعاون الهندي – الخليجي في مجال مكافحة الإرهاب استمرارًا للسياسات المتَّبعة من قبل الحكومات الهندية السابقة[30].

تشهد كشمير منذ سيطرة طالبان على كابول تصعيدًا في التوتُّر مع تنفيذ المتمرِّدين هجمات وقيام قوات الأمن بعمليات ضدَّ مخابئ المتمرِّدين وعمليات تسلُّل عبر خطِّ وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان. ولم تنسب نيودلهي صراحةً مسؤولية تلك التصعيدات لسيطرة طالبان على أفغانستان، واتَّهمت باكستان بتحريك مجموعتي “لشكر طيبة” و”جيش محمد” المتمركزتين على أراضيها واللتين تُنسب إليهما العديد من الهجمات في كشمير، وهي اتهامات تنفيها باكستان، واكتفت الهند بتكثيف دورياتها في محيط الشطْر الباكستاني من كشمير وعزَّزت بعض المخيمات العسكرية[31].

  • أفغانستان:

تُعَدُّ أفغانستانُ الجارَ الأكثر أهمية لباكستان نظرًا للتداخل العميق بين البلدين عرقيًّا وجغرافيًّا؛ فقد هيْمن مبدأُ “العمق الاستراتيجي” على العقلية الباكستانية إزاء أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي حين كان الطموح لدى العسكريِّين الباكستانيِّين -المدفوع بمشاركة المجاهدين الأفغان انتصارهم العسكري- يكمن بتأمين أفغانستان الصديقة والموالية لهم لتكون في مواجهة الهند، وعمقًا لهم للوصول إلى أسواق دول آسيا الوسطى[32].

يرجع تاريخ التوتُّرات في علاقات أفغانستان وباكستان إلى فترة تأسيس باكستان، ويمكن القول إن هناك ثلاث قضايا أساسية تحكم العلاقة بين باكستان وأفغانستان، في البداية كانت مسألة الحدود، نتيجة مطالبة أفغانستان ببعض الأراضي التي زعمت أنه تمَّ التنازل عنها تحت ضغوط استعمارية ورفض خط “ديورند” الحدودي، ودعم المطالبة بإنشاء منطقة بشتونستان[33]. ثانيًا، قضية اللاجئين الأفغان، ففي عام 1978 مع وصول النظام الشيوعي إلى الحكم شعرت باكستان بالخطر خاصة مع زيادة تدفُّق المهاجرين الأفغان وأيضًا مع ازدياد الوجود السوفيتي في أفغانستان. وثالثًا، ملف الإرهاب[34].

في أعقاب استيلاء طالبان على أفغانستان في أغسطس 2021، كثَّفت حركة طالبان الباكستانية من هجماتها ضدَّ باكستان بشكل كبير[35]. تجدر الإشارة إلى أن حركة طالبان الباكستانية هي تكتُّلٌ من الجماعات الجهادية المناهضة لباكستان التي تنْشط داخل أفغانستان وخارجها، وعلى النقيض من التصوُّرات بأن الانسحاب الأمريكي وعودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان يشكِّلان انتصارًا استراتيجيًّا لباكستان، فإن أفغانستان ما بعد الولايات المتحدة تتحوَّل إلى تحدٍّ أمنيٍّ أكبر لإسلام أباد نظرًا لدعمها لطالبان باكستان ولجماعة خراسان داعش ولعدَّة حركات مسلحة أخرى، حيث يسير المجتمع الباكستاني مرة أخرى نحو السقوط في قبضة موجة إرهاب جديدة، تتضمَّن شنَّ هجمات انتحارية على أماكن دينية وإراقة دماء مئات القتلى[36].

وفي ظلِّ نظام طالبان، تتمتَّع حركة طالبان الباكستانية بقدرٍ أكبر من الحرية العملياتية للتخطيط للهجمات ضد باكستان وتنفيذها. وعلى الأرجح، تستخدم حركة طالبان باكستان الأسلحة التي تركتْها القوات الأمريكية في أفغانستان، وقد أتاح توقُّف ضربات الطائرات بدون طيار الأمريكية بزيادة القوة التنظيمية لحركة طالبان باكستان[37].

الخلاصة: تشكِّل حركة طالبان باكستان تهديدًا طويل الأمد للأمن الداخلي الباكستاني من مخابئها الأفغانية، وقد استعادت الحركة القدرة على تنفيذ هجمات بارزة في باكستان، وسيتعيَّن على باكستان أن تعيد تقييم سياستها الأفغانية الحالية، إذا كانت تريد حلًّا فعَّالًا للمشكلات الإرهابية التي تواجهها[38].

ج) التقارب الروسي الصيني:

شهدت العلاقات الروسية – الصينية تقدُّمًا ملحوظًا في العقدين الماضييْن، وباتت مواقف الدولتين أكثر تقاربًا في ملفات عديدة، وقد ازداد التعاون الاقتصادي بينهما، سواء كان على المستوى الثنائي أو في الأطر الإقليمية والدولية، إضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة، والزيارات المتبادلة بين قادة البلدين، ومشروعات الصناعات العسكرية بينهما، وعقد الغاز الذي وقَّعه زعيما البلدين في بكين عام 2015[39]، وقد وسَّعت روسيا علاقتها بالصين، بعد ضمِّ القرم عام 2014 وما تبعه من عقوبات غربية، في مجالي الطاقة والسلاح. حيث وافقت على بيع أنظمة الصواريخ المضادَّة للطائرات للجيش الصيني. أما في مجال الطاقة، فقد جرى توقيع اتفاقية تقضي بتوريد 38 مليار طن سنويًّا من الغاز الروسي لمدة 30 عامًا. من جهة أخرى، أجرى البلدان مناورات بحرية عسكرية عديدة[40]،  وهكذا، يمكن القول إن العلاقات الروسية – الصينية ستستمرُّ في توجُّهاتها القائمة، طالما استمرَّت المصالح المشتركة والإرادة السياسية لدى قيادة البلدين، بما يمكنهما من احتواء خلافاتهما والتحديات التي ستواجههما[41].

أدَّى التقارُب بين روسيا والصين على المستوى الدولي والإقليمي إلى تقارب الدولتين من باكستان، ومحاولة نسْج علاقات قوية ومحاولة ضمِّها للحلف الروسي الصيني في مواجهة القطبية الأحادية والهيمنة الأمريكية التي تسيطر على النظام الدولي، وقد استجابت باكستان لهذا التقارب نظرًا لتوتُّر العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان بعد عودة طالبان للسلطة في أفغانستان.

لقد شهدت التحالفات الباكستانية تغيُّرًا ملحوظًا وخاصة بعد وصول طالبان للسلطة في أفغانستان، فقد شهدت علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية تراجعًا، حيث إن الأخيرة تسعى لتحميل باكستان مسؤولية عودة طالبان، في حين ترفض باكستان هذا الاتهام، نتيجة لذلك انخفضت المساعدات الاقتصادية والدعم المالي والأمني الذي طالما قدَّمته الولايات المتحدة لباكستان قبل وأثناء الحرب على أفغانستان. وتمَّ إدراج باكستان في اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي التي تُعنى بمكافحة جرائم غسل الأموال والتهرُّب الضريبي في العالم، وكانت باكستان قد أبْدت دهشتها من قرار مجموعة العمل المالي بالإبقاء عليها في قائمتها الرمادية إذ قالت إنها امتثلت لمعظم بنود خطة العمل[42].

من جهة روسيا، فإنها تعمل على زيادة الجهود الدبلوماسية لإحياء علاقاتها في آسيا في ظلِّ تراجع صلاتها مع الغرب، والتوتُّرات المتزايدة مع الولايات المتحدة، خاصة أن الأخيرة تعمل على تكثيف وجودها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بتحالفات مع كلٍّ من الهند، وأستراليا، واليابان، بالإضافة إلى أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وانهيار الحكومة، وتسلُّم طالبان الحكم أدَّى إلى احتمالات تصاعد موجات العنف في الإقليم؛ ما دفع موسكو إلى التفكير في تعزيز علاقاتها مع باكستان، بالرغم من أن العلاقة بين البلدين شهدت تاريخًا من انعدام الثقة[43].

الآن، يتغيَّر المشهد الروسي – الباكستاني، على الرغم من حفاظ روسيا تاريخيًّا على علاقاتها مع الهند، وذلك منذ أن وقَّعت الدولتان على معاهدة السلام والصداقة والتعاون عام 1971، لكن في ظلِّ العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند، بدأت روسيا تفقد تدريجيًّا صفقات مربحة للشركات الأمريكية، لتصبح الولايات المتحدة أكبر شريك دفاعي للهند من حيث مبيعات الأسلحة. وبينما استعادت روسيا عام 2015 لقبها كأكبر مصدِّر أسلحة إلى الهند بعدَّة صفقات، بقيت تداعيات العلاقات الاستراتيجية بين نيودلهي وواشنطن ملحوظة على موسكو. وفي السياق نفسه، وبالرغم من التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وباكستان، ودورهما المتناغم حتى وقت قريب في أفغانستان، فإن واشنطن في ظلِّ قربها من نيودلهي -العدو التاريخي لإسلام أباد- زادت من حدَّة نقدها للأخيرة، وبلغت حدَّ اتهام الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب القادة الباكستانيين بالكذب والخداع، وهذه العوامل دفعت موسكو وإسلام أباد إلى تقارب سريع[44].

توتَّرت العلاقات الباكستانية – الأمريكية خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بين عامي 2017 و2021، وأُقصي العسكريُّون الباكستانيُّون من برنامج التعليم العسكري الأمريكي؛ ما دفع إسلام أباد إلى توقيع اتفاقية تدريب أمني مع موسكو لتدريب ضباطها في المؤسسات العسكرية الروسية لأول مرة في تاريخ البلدين. وشهد عام 2018 تشكيل لجنة عسكرية مشتركة بين البلدين بعدما زار الجنرال الباكستاني قمر جاويد باجوا موسكو، ليتبعها تكثيف في الاتصالات الدبلوماسية تتوِّجها زيارةٌ لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى إسلام أباد عام 2021، ليلتقي نظيره الباكستاني شاه محمود قريشي، وهي الزيارة الأولى لمسؤول روسي رفيع المستوى منذ ما يقرب من عقد من الزمان[45].

بالإضافة إلى ذلك، فإن الرغبة المشتركة في ضبط سلوك طالبان أفغانستان، واحتواء تبعات الانسحاب الأمريكي من البلاد، تجمع موسكو وإسلام أباد؛ حيث خدم كلٌّ من الطرفين الآخر؛ فقد دافعت باكستان عن دور روسي في المحاورات مع طالبان حتى قبل انهيار السلطات داخل أفغانستان، ورفضت موسكو الجهود الأمريكية لاحتواء النُّفوذ الباكستاني في أفغانستان من خلال تكثيف التواصل الدبلوماسي مع إسلام أباد[46].

بالنسبة للصين، رغم أن العلاقات بين الصين وباكستان كانت دائمًا ودِّية، فقد انحصر التعاون بين البلدين سابقًا في غالبه في المستوى السياسي والعسكري، ولم تمتدَّ العلاقات إلى التبادل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الشامل كما هي عليه اليوم. فهذه المرحلة الجديدة من العلاقات بدأت في مايو 2013 مع زيارة رئيس مجلس الدولة الصيني، لي كه تشيانغ، إلى باكستان، والتي اقترح فيها رسميًّا فكرة “الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني”. ثم تبادل بعد ذلك القادة والمسؤولون من كلا البلدين، وبصرف النظر عن مشاريع البنية التحتية والطاقة، فقد شملت هذه المرحلة الجديدة من العلاقات بين البلدين أيضًا المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، وحتى التعاون الثقافي[47].

مما سبق، يمكن رؤية كيف أن العلاقات بين كلٍّ من روسيا والصين وباكستان تتَّجه نحو مزيد من التفاهم والتقارب نتيجة لعدَّة متغيرات دولية وإقليمية. كان من أهمها بالنسبة لباكستان عداؤها مع الهند ورغبتها في زيادة عدد الحلفاء في مواجهة الهند، بالإضافة إلى ذلك، أدَّى توتُّر العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان مؤخَّرًا واتهام الولايات المتحدة لباكستان بمعاونتها للإرهاب إلى اتجاه باكستان إلى تعزيز علاقتها بروسيا. أما العلاقة بين الصين وباكستان فهي علاقة تعاونية قوية من البداية نظرًا لمصالح الطرفين، فقد كانت العلاقات الودية بين الهند والاتحاد السوفيتي شوكة في خاصرة الصينيين الذين بدأت علاقاتهم الخاصة مع الاتحاد السوفيتي تتدهور منذ الستينات فصاعدًا. لذلك سعت الصين في منطقة جنوب آسيا إلى التحالف مع باكستان تحقيقًا للتوازن مع الهند، وحافظت على هذه السياسة حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وقد مثَّلت عودة طالبان للسلطة في أفغانستان ورقةً مهمَّةً في العلاقات الباكستانية الروسية الصينية، ومع استمرار المصالح المشتركة من المحتمل أن تستمر وتتطوَّر الشراكة بين روسيا والصين وباكستان.

خاتمة:

لقد عانت باكستان من أزمات وتحديات مهمَّة وخطيرة منذ تأسيسها عام 1948 وحتى الآن. وقد تركت تلك الأزمات آثارها على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في باكستان. لقد تناول هذا التقرير أهم التحديات السياسية والاقتصادية والإقليمية التي تواجه باكستان وكيف تؤثِّر على حاضر الدولة ومستقبلها.

انقسم التقرير إلى محورين؛ ناقش المحور الأول التنمية الاقتصادية في باكستان من حيث المؤشِّرات الاقتصادية الدولية والتحديات التي تواجه باكستان في تحقيق التنمية، حيث يتَّجه الاقتصاد الباكستاني نحو أزمة مالية تهدِّد التنمية الاجتماعية والسياسية وتغذِّي الاضطرابات الاجتماعية وبالتالي هناك حاجة إلى إصلاحات هيكلية جادَّة، سبق أن أعاقتها النخبة الاقتصادية في البلاد، لتجنُّب تأزُّم الوضع الاقتصادي وتجديد الثقة في الاقتصاد الباكستاني في الداخل والخارج[48]. بينما تناول المحور الثاني التحديات الإقليمية التي تواجهها باكستان. وتناول المحور ثلاثة أطراف اقليمية: الهند، وأفغانستان، والعلاقات الروسية الصينية من حيث القضايا والملفات التي تحكم العلاقات مع باكستان والاستراتيجية المتبعة من جانبها تجاه هذه القوى الثلاثة.

ويمثِّل عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني المتزايد والإرهاب ودعم التطرف والجماعات الإرهابية المسلَّحة، بالإضافة إلى توتُّر العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة -على خلفية استيلاء طالبان على السلطة في أفغانستان- تهديدًا لاستقرار البلاد في المستقبل القريب، كما تعرقل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. مما يدفع الحكومة إلى ضرورة مواجهة عدم الاستقرار على عدَّة مستويات مثل ضرورة سَنِّ وتنفيذ سياسات وتحرُّكات صارمة لمكافحة الإرهاب ووقف تمويل الجماعات المسلحة، وضرورة بناء إجماع عبر المجتمع الباكستاني فيما يتعلَّق بدور الدولة ومفاهيم المواطنة من جانب الجهات الفاعلة المحلية مثل الأحزاب والحركات المختلفة، واتخاذ إصلاحات اقتصادية هيكلية وجادَّة نتيجةَ حجم التجزئة والانقسام داخل المجتمع على أسس عرقية وطائفية، وحجم الاختلاف بين وجهات نظر معتدلة ومتطرِّفة، وحجم الاضطرب السياسي بسبب اختلال توازن القوى بين قادته المدنيِّين والعسكريِّين، مما أنتج مفهومًا معقَّدًا لطبيعة المواطنة والعملية السياسية بأكملها.

هذا بالإضافة إلى الأزمة السياسية الحالية وذلك بعد توجُّه رئيس وزراء باكستان المعزول دستوريًّا، عمران خان، نحو تسليحِ قُوى الشارع التي تؤيِّده واتهامه مؤسسات الدولة ولا سيما السلطة القضائية بالإطاحة به بناء على أوامر أمريكية، كما طالب بإجراء انتخابات مبكرة. في المقابل منعت الحكومة عدَّة تظاهرات وحظرت من استخدام عمران خان لقوى الشارع وما قد يسبِّبه من فوضى. وفي الوقت الذي تبدو فيه الانتخابات المبكِّرة أمرًا لا مفرَّ منه تقريبًا، يعتقد بعض المراقبين الأمريكيِّين أن فرص خان في الاستمرار في الحكم كبيرة للغاية، بسبب ضعف وتشتُّت الأحزاب السياسية المعارضة، وبسبب الدعم الشعبي لخان. وإذا تسلَّم عمران خان مقاليد السلطة مرة أخرى فمن المتوقَّع أن يدفع بقوة لأجندته السياسية ويعاقب منتقديه، مع مواصلة توجيه سياسته الخارجية نحو موسكو وبكين بدلًا من الولايات المتحدة[49].

في الوقت الذي تواجه فيه باكستان التهديدات الإقليمية، مثل تركيزها حول الهند وخاصة بعد 2019 (بعد إعلان الهند ضم كشمير)، بالإضافة إلى القلق المتزايد بشأن التهديد الداخلي المتزايد للإرهاب، والوضع في أفغانستان وخاصة بعد استيلاء طالبان على السلطة، وما نتج عنه من توتُّر في العلاقات مع الولايات المتحدة، والتقارب الروسي الصيني وتداعياته على المنطقة[50]

______________________________

الهوامش

[1] ستار جبار علاوي، باكستان دراسة في نشأة الدولة وتطور التجربة الديمقراطية، (السودان: دار الجنان للنشر والتوزيع، 2012)، ص 5.

[2] شفيق شقير، باكستان.. تاريخ حكم العسكر والمدنيين، مركز الجزيرة للدراسات، 17 أغسطس 2007، تاريخ الاطلاع: 1 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3wukHth

[3] هبة كمال عبد المجيد، العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية للدولة وأثرها على اضطراب النظام في باكستان، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 24 يوليو 2016، تاريخ الاطلاع: 1 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/Y67RP

[4] للمزيد انظر:

– باكستان بين الشرعية الإسلامية وتعايش الديمقراطية والجيش، الشرق الأوسط، 8 سبتمبر 2018، تاريخ الاطلاع: 1 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3sAqYlP

– باكستان: البرلمان يصوت على عزل رئيس الوزراء عمران خان، فرانس 24، 9 أبريل 2022، تاريخ الاطلاع: 1 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3wdjVlr

[5] ما هي التحديات التي تواجه الحكومة الباكستانية الجديدة، سكاي نيوز، 11 أبريل 2022، تاريخ الاطلاع: 1 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي:

https://bit.ly/3FYZhcd

[6]  تحديات الداخل الباكستاني وضغوط الخارج، جريدة الاتحاد الإماراتية، 2011، تاريخ الاطلاع: 3 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.ly/BJD1qat

[7] ستار جبار علاوي، باكستان دراسة في نشأة الدولة وتطور التجربة الديمقراطية، مرجع سابق، ص ص 201-218.

[8] المرجع السابق، ص ص 218-230.

[9] Economic corridor development in Pakistan: concept, framework, and case studies, Asian development bank, February 2022, p. VII, available at: https://cutt.us/YmC1m

[10] Tahmina Rashid, Pakistan’s substantial development challenge, Asian and the Pacific Policy Society, 23 September 2021, accessed: 5 May 2022, available at: https://cutt.us/V2nHr

[11] Sakib Sherani, Defining challenges, DAWN, 29 January 2021, accessed: 4 June 2022, available at: https://cutt.us/JrdGw

[12] Pakistan gets 336 m in coalition support fund, foreign reserves climb to 19 bn, DAWN, 28 July 2015, accessed: 4 June 2022, available at: https://cutt.us/iJqOz

[13] Sakib Sherani, Defining challenges, Op. cit.

[14] شاهد نعيم، الاقتصاد الباكستاني: التناقضات بين الإمكانات والسياسات، مركز الجزيرة للدراسات، 29 نوفمبر 2015، تاريخ الاطلاع: 4 يونيو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/5IBPf

[15] المرجع السابق.

[16] محمد العقاد، باكستان تئن وسط أزمات اقتصادية ومعيشية متدهورة، مركز الجزيرة للدراسات، 22 مايو 2022، تاريخ الاطلاع: 4 يونيو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/390ppat

[17] المرجع السابق.

[18] Syed Zeeshan Haider, Pakistan’s major problems and their solutions, Pakistan Today, 16 June 2018, accessed: 4 June 2022, available at: https://cutt.us/QEl2O

[19] Pakistan’s Internal Security Challenges: Will The Military Cope?, Institute of peace and conflict studies, August 2013, accessed: 5 May 2022, available at: https://cutt.us/HN7Lr

[20] ياسمين أحمد إسماعيل، التداعيات الدولية والإقليمية للانسحاب الأمريكي من أفغانستان، مجلة كلية السياسة والاقتصاد، المجلد 15، العدد 14، أبريل 2022، ص 475.

[21] Sumit Ganguly, What Pakistan’s New National Security Policy Leaves Out, Foreign Policy, 2 February 2022, accessed: 5 May 2022, available at: https://cutt.us/uxUm5

[22] أنجيلوس عبد الملك، السياسة الهندية تجاه باكستان منذ 2014، المركز الديمقراطي العربي للدارسات الاستراتيجية، 25 فبراير 2022، تاريخ الاطلاع: 3 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/ETbWy

[23]  عزة جمال عبد السلام، مستقبل الصراع بين الهند وباكستان في ضوء الغاء الحكم الذاتي لإقليم كشمير، مجلة كلية السياسة والاقتصاد، العدد الثالث، 2019، ص 46.

[24] المرجع السابق، ص 43.

[25] المرجع السابق، ص55.

[26] محاكاة خطط الاستيطان الإسرائيلية.. هكذا يسعى مودي لتغيير هوية كشمير، مركز الجزيرة للدراسات، 30 أغسطس 2020، تاريخ الاطلاع: 6 يونيو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3MsJBzd

[27] Namra Naseer and Rushali Saha, What Political Change in Pakistan Could Mean for Relations With India, The Diplomat, 13 may 2022, accessed: 4 June 2022, available at: https://cutt.us/W1Gow

[28] أنجيلوس عبد الملك، السياسة الهندية تجاه باكستان منذ 2014، مرجع سابق.

[29] هجمات مومباي هي مجموعة من الهجمات المسلحة شبه المتزامنة بدأت أحداثها ليل الأربعاء 26 نوفمبر 2008، قامت بها مجموعات من المسلحين على عدد من الفنادق الفاخرة والمطاعم الشهيرة والمستشفيات ومحطات القطارات المكتظة في المدينة التي يزيد عدد سكانها عن 13 مليون نسمة، مما تسبب في مقتل 195 شخص، وجرح مئات آخرين واحتجاز عدة سياح أجانب.

[30] أنجيلوس عبد الملك، السياسة الهندية تجاه باكستان منذ 2014، مرجع سابق.

[31] الهند تخشى عواقب سيطرة طالبان على أفغانستان في كشمير، فرانس 24، 16 أكتوبر 2021، تاريخ الاطلاع: 4 يونيو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/390u3oV

[32] أحمد موفق زيدان، العلاقات الباكستانية الأفغانية، مركز الجزيرة للدراسات، 5 ديسمبر 2012، تاريخ الاطلاع: 4 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/f5Wo5

[33] Mohib Ullah Durani, Ashraf Khan, Pakistan – Afghan Relations: Historic Mirror, The Dialogue, Volume IV, Number 1, 2021, p 27.

[34] Ibid, p. 34.

[35] شنَّت طالبان الباكستانية معظم الهجمات من داخل الأراضي الأفغانية. ووفقًا للأرقام الصادرة عن المعهد الباكستاني لدراسات الصراع والأمن، شهد أبريل 2022 ارتفاعًا بنسبة 24% في هجمات المسلَّحين مقارنة بالشهر السابق. وشهد أبريل وقوع 34 هجومًا، مما أودى بحياة 55 شخصًا وأصيب 25 آخرون على الأقل. وفي مارس، بلغ عدد الهجمات 26. لكن عدد الضحايا كان أعلى بكثير، حيث سقط 77 قتيلًا و288 جريحًا، وذلك بسبب تفجير انتحاري مدمِّر في مسجد شيعي في بيشاور في اليوم الرابع من الشهر، وللمزيد انظر:

– عمر فاروق، باكستان في مواجهة المجيء الثاني لـ«طالبان»، الشرق الأوسط، 10 مايو 2022، تاريخ الاطلاع: 4 يونيو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3Q7aOdZ

[36] عمر فاروق، باكستان في قبضة موجة إرهاب جديدة وهجمات انتحارية، الشرق الأوسط، 7 مارس 2022، تاريخ الاطلاع: 4 يونيو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3zlR4xl

[37] مجيد عبد الباسط، عودة حركة طالبان الباكستانية بعد استعادة طالبان السلطة، عين أوروبية على التطرف، 16 مارس 2022، تاريخ الاطلاع: 5 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3sNSTiz

[38] المرجع السابق.

[39] محددات العلاقات الروسية الصينية وتجلياتها في الشرق الأوسط، مركز حرمون للدارسات المعاصرة، 22ديسمبر 2018، ص 2.

[40] عام 2015 في شرق البحر الأبيض المتوسط على مقربة من سوريا، وفي عام 2016 في بحر الصين الجنوبي، وفي عام 2017 في بحر البلطيق، المسرح الرئيس للمواجهة العسكرية بين روسيا والحلف الأطلسي.

[41] محددات العلاقات الروسية الصينية وتجلياتها في الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص ص 3-4.

[42] Samprity Biswas, Russia–China– Pakistan Engagement in the Changing Global Context: Scrutinizing the Realist Logic of a Trilateral ‘Axis, Jadavpur Journal of International Relations vol. 25, Issue 1, 2021, p. 11.

[43] Rouben Azizian, Peter Vasilieff, Russia and Pakistan: The Difficult Path to Rapprochement, Asian Affairs, vol. 30, Issue 1, 2003, p. 38.

[44] مصطفي شلش، روسيا وباكستان.. تعاون الضرورات، مركز الدارسات العربية الأوراسية، 19 ديسمبر 2021، تاريخ الاطلاع: 4 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/6jauo

[45] المرجع السابق.

[46] منى هاني محمد، العلاقات الروسية الباكستانية، المركز العربي للبحوث والدراسات، 6 يونيو 2021، تاريخ الاطلاع: 4 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/MRmLx

[47] The Strategic Importance of Chinese-Pakistani Relations,  Aljazeera Center for Studies, 3 August 2016, accessed: 5 May 2022, available at: https://bit.ly/3wN0eQG

[48] Stephanie Flamenbaum, the future of Pakistan, United States institute of peace, March 2020, pp. 1-2.

[49] محمد المنشاوي، الأزمة السياسية في باكستان.. ما حدود العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد وعمران خان؟، مركز الجزيرة للدراسات، 7 أبريل 2022، تاريخ الاطلاع: 4 يونيو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3toyUat

[50] Stephanie Flamenbaum, the future of Pakistan, Op. cit.

فصلية قضايا ونظرات – العدد السادس والعشرون ـ يوليو 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى