تقارير ودراسات

الهوية والثورة

 

الهوية والثورة(*)

 

إعداد/ محمد كمال محمد

 

30/03/2011

 

جددت ثورة الخامس والعشرين من يناير الجدل حول هوية مصر بشكل صريح وضمني، وهوما وضح فى تصاعد الخطاب العلمانى بمكوناته الليبرالية واليسارية برفض التعديلات الدستورية التى تمهد إلى إجراء انتخابات نزيهة وصياغة  دستور جديد بعد هذه الانتخابات،

بالإضافة إلى  ماوقع من حوادث فتنة طائفية بعد أن سعد الجميع بتلاحم كافة مكونات الشعب فى ميدان التحرير، ودعوة قلة- وإن كانت ذات صوت عال عبر الإعلام بأشكاله المختلفة عبر حملات منظمة – إلى تغييرالمادة الثانية من الدستور والتى تنص على أن  الاسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسى للتشريع. وهو الأمر الذى يستهدف النواة الصلبة الحاضنة لهوية مصر: إسلاميتها وعروبتها.

 

ومن الضرورى التأكيد على أن  الحديث عن الهوية المصرية لا ينحصر في مسألة الدين (مسلم /مسيحى). فالهوية لا تقتصر على الجانب الدينى بل هناك التاريخ واللغة والثقافة والفكر والقيم الحاكمة التى ارتضى المجتمع أن تحكم سلوكه وتوجه مساراتهفالقيم هنا هى موجهات السلوك وضوابطه وموازينه، وحامية البناء الاجتماعي ومفعّلته. كما يجب التمييز بين عدة مستويات عند الحديث عن الهوية : هوية الدولة، هوية المجتمع،هوية النظام السياسى. فالقول بأن الديمقراطية والليبرالية والعدالة والمدنية والنهضة هى التى يجب أن تشكل ملامح هوية مصر الآن وجهة نظر تتعلق بهوية النظام السياسى، كما أن المكونات الخمس تحتاج لمن يملأ مضامينها، والذى يجب أن يحددها هوالتيار الرئيس بما يحمله من تاريخ وثقافة وفكر، يتمثل هذا التيار الرئيس فى الجماهير ونخبتها المنطلقة من ثوابت هذه الجماهير والمعبرة عنها. فمن يصيغ هوية النظام السياسيى هو هوية المجتمع والدولة، وعكس هذه المعادلة معناه معاداة الهوية الأصلية للملايين وهو ما مثل أحد أسباب الثورة المصرية حيث سعى النظام السابق حثيثًا لطمس هوية الشعب فلم يكن معبرًا عنها فى توجهاته وسياساته الخارجيه والداخلية.  

 

وقد أكدت وكشفت ذروة الثورة ( 25 يناير- 11 فبراير) عن النواة الصلبة الحاضنة لهوية مصر بكل تنوعاتها ومشاربها.فالغالبية العظمى التى شاركت فى الثورة تعبر عن مجتمع مصرى متدين- بمسلميه ومسيحيه -عروبى، يستوعب كافة ألوان الطيف السياسى من الليبرالين واليساريين. وضح ذلك فى مواعيد المليونيات فى أيام الجمعة وأقامة الصلوات فى ميدان التحرير، ومشاركة مسيحيين من الكاثوليك والإنجيليين أقامو صلواتهم فى الميدان بالأضافة إلى بعض الأرثوذكس،  مع تذكر منع البابا شنودة لطائفته من المشاركة صراحة وتأييده للرئيس المخلوع وقوله له ” احنا معك”على  شاشات التليفزيون، كما أن مشاركة المسيحيين فى باقى المحافظات فى الثورة كانت مشاركة ضئيلة للغاية وانعدمت فى معظم محافظات الصعيد خصوصًا أسيوط. أما العروبة فاتضحت فى استلهام الثورة التونسية ودعم الثورة الليبية معنويًا وماديًا بالمساعدات الطبية فيما بعد.

 

تجاوزت الثورة فى تلك الفترة الفصل المفتعل بين مكونات الشعب المصرى فتجاور رقيق الحال قاطن الأحياء الشعبية مع ميسور الحال من أهل الأحياء الراقية،وشارك فى الثورة أهل العاصمة والأقاليم من خلفيات ثقافية وفكرية ومجتمعية وسياسية متعددة تناغمت وانسجمت فى عمل ثورى مبدع.

 

هذه الحالة مثيرة للإعجاب لكنها عند أغلبية المتابعين لم تدم، بوصفها لحظة فريدة استثنائية أو إتيكيت ثورى تنازل الكل فيه عن تحفظاته ضد الكل، وليس تغييرًا جذريًا في الرؤى عند الجميع. إدامة هذه اللحظة الإستثنائية وجعلها طبيعة أمر يحتاج إلى جهد كبير، فالزخم الثوري في ميدان التحرير لم ينتقل بعد إلى المجتمع، و نحتاج إلى جهد منظم وعمل مخطط يتعلق بالتحول المجتمعي حتى لا ينفك المجتمع عن الثورة.

 

هذا الجهد المطلوب من جميع الأطراف تتحمل الأغلبية الجزء الأكبر من مسئوليته من خلال إدارة حوار مجتمعى على أرض الواقع يتمثل فى العمل المشترك فى القضايل المتفق عليها وهى قضايا تنموية ذات طبيعة عملية مترجِمة  للمحتوى المتفق عليه من شعار الثورة :الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، و دور الأقلية يتمثل فى المشاركة فى البناء و عدم الاستفزاز غير المبرر بزعم أن ما لم يأخذ الآن شيئًا فلن يأخذ شيئًا فيما بعد. وهو منطق التفاوض لا منطق الحوار. الحوار يحكمه وعي بمصلحة عليا، أما التفاوض فهو سعى للمصلحة الخاصة الفئوية فى مباريات قوى.  وفى هذا الإطار فإن رفض التعديلات الدستورية يخفى ورائه ترتيب يريد أن يحدد علاقة الدين بالدولة مرة واحدة وللنهاية لصالحه وفقا لتصور خاص به فى مواجهة إرادة الشعب، أي احتكار الحكم على التعديلات وهي معروضه لاستفتاء شعبي.

 

وينبغى التنبه إلى أن عدم استمرارالحالة التى ولدتها الثورة من تلاحم القوى المختلفة لا ينفى أن كميات من الطاقة  والفاعلين قد دخلت المجال العام السياسي.  وتحركت مراكز الثقل لتتجاوز القوى التقليدية ولم تنفيها، لكنهه صبت فى عافية النواة الصلبة للهوية المصرية. فالشباب اليوم يقدم نموذجًا مهمًّا وجديدًا بمرجعية متجاوزة، تتماهي في الهوية المصرية المتدينة المنفتحة.

 

إن مقولة النواة الصلبة الحاضنة: الإسلام والعروبة لاتعنى أن الهوية أمر ناجز بل إن مفاد وجود نواة يعنى لزوم وجود دوائر متنوعة متراكبة غير متنافية تحتضنها وتظللها وتحتفى بها النواة الأساسية؛ لأن تلك الدوائرإثراء لها. فالإسلام يمثل عقيدة للمسلم، وحضارة للمسلم وغير المسلم باعتبار أن الحضارة الإسلامية العربية شارك فى بنائها المسلمون والمسيحيون وغيرهم من أديان وأعراق مختلفة وهى التى تمثل الإطار الجامع لهذه المكونات. تلك الهوية ليست إقصائية استقطابية فضلا عن أن تكون مفجرة للصراعات فيما يصفه البعض بأنه ” هويات قاتلة” إشارةً إلى مايثيره الانتماء الدينى من صراعات ووجوب تنحيته جانبًا، فإذا كان مثير للصراع فينبغى تجنبه، وهو دفن للرؤس فى الرمال خصوصًا إذا ما طُلب ذلك من طرف واحد وهو فى حالتنا المسلمين، فى حين أن الآخرين ينزلون الشارع ويعتصمون حاملين رمزهم الدينى.

 

وصفوة القول أن الثورة أكدت على لب هوية الأغلبية الصامتة التى أعلنت فى جلاء مركزية الإسلام والعروبة فى هوية مصر وأن العروة الوثقى التى تنعقد حولها هويتنا هى أن تكون مصر حرة مستقلة قوية. وهى هوية ذات مرجعية، وشرعية، و جامعة، وفعالة، ودافعة للعمل. وهذا هو السبيل للخروج من الاستقطاب ما بين النخبة – فالجماهير حسمت هويتها-   عبر صياغة خطاب للهوية من خلال مبادئنا وقيمنا وإطار واسع جامع،وهذه الجماهير  تستحق أن تجرى هويتها الإسلامية العربية فى الدستور بجميع مواده -وليس الثانية فقط- والقوانين والسياسات  مجرى الماء فى الورد عبر منظومة قيمه من أجل تحقيق الحرية والعدل والكرامة. وهنا يمكن أن تلتقى النخب الإسلامية والاشتراكية والليبرالية.

 


 


 

*أعدتهذه الورقة من خلال حلقة عصف ذهني عقدت فى مركز الحضارة للدراسات السياسيةأدارتها أ.د. نادية مصطفى، وحضرها عدد من الأساتذة وشباب الثورة والباحثينمنهم: أ.د. سيف الدين عبد الفتاح، د.هبة رءوف، د.حسين القزاز د. معتز عبدالفتاح، أ.توفيق غانم، أ.هشام جعفر، أ.مدحت ماهر، أ.وسام فؤاد، أ.نجوانالأشول، أ.عبد الله عرفان، أ.سمية عبد المحسن، أ.شيماء بها الدين.

 

 

 



*أعدت هذه الورقة من خلال حلقة عصف ذهني عقدت فى مركز الحضارة للدراسات السياسية أدارتها أ.د. نادية مصطفى، وحضرها عدد من الأساتذة وشباب الثورة والباحثين منهم: أ.د. سيف الدين عبد الفتاح، د.هبة رءوف، د.حسين القزاز د. معتز عبد الفتاح، أ.توفيق غانم، أ.هشام جعفر، أ.مدحت ماهر، أ.وسام فؤاد، أ.نجوان الأشول، أ.عبد الله عرفان، أ.سمية عبد المحسن، أ.شيماء بها الدين.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى