آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية

الهند المضطربة: صعود اقتصادي وأزمات دينية

مقدمة:

وصل حزب بهاراتيا جاناتا (حزب الشعب) الهندي إلى السلطة بقيادة رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي عام 2014، وأعيد انتخاب الحزب مرة ثانية منتصف عام 2019[1]؛ أسفرت الانتخابات العامة الهندية سنة 2019 عن تعزيز هيمنة الحزب على المشهد السياسي الهندي بحصوله منفردًا على 303 مقعدًا بنسبة 55.9% من إجمالي المقاعد، فيما حصل التحالف الوطني الديمقراطي الذي يقوده الحزب على 363 مقعدًا تمثل 65.1% من إجمالي المقاعد.

في المقابل حصد حزب المؤتمر الوطني الهندي 52 مقعدًا تمثل 9.5% من إجمالي المقاعد، وبلغ نصيب التحالف التقدمي المتحد الذي يتزعمه الحزب 91 مقعدًا تمثل 16.8% من مقاعد البرلمان، ليمنى بذلك الحزب بالهزيمة الثانية على التوالي بعد انتخابات 2014، بعد عقود من هيمنته على المشهد السياسي الهندي[2].

لقد تعطل الصعود الاقتصادي الهندي الذي بدأ خلال العقد الأول من القرن الحالي -حيث شهدت الهند ازدهارًا اقتصاديًا بسرعة قياسية من خلال شركات تكنولوجيا المعلومات، لتصبح مؤهَّلة لأن تكون لاعبًا عالميًّا وحتى قوة اقتصادية عظمى- تحت تأثير الأزمة المالية العالمية في عام 2008 التي أدت إلى جمود التحول الهيكلي الذي كانت تشهده البلاد، كما تفاقمت الصدمة لعقد كامل بسبب سوء إدارة الاقتصاد الوطني[3].

وكذلك؛ يعد المحللون البعد الأيديولوجي القومي من العوامل الرئيسية وراء ضمان التفوق السياسي لحزب الشعب الهندي؛ فقد ركز الحزب وقياداته على المعتقدات الهندوسية موجهين انتقادات لحزب المؤتمر بدعوى عمله على استرضاء المسلمين على حساب المعتقدات الهندوسية، وفي هذا السياق تأسس 45 ألف فرع للمنظمة الهندوسية المتطرفة “راشتريا سوايامسيفيك سانج” (Rashtriya Swayamsevak Sangh) التي قامت بحشد التصويت لصالح الحزب الهندوسي في مختلف الولايات. ويبرز هذا البعد القومي بقوة في حالات العنف التي تقع بين المسلمين والهندوس فضلا عن أوقات التوترات مع باكستان والتي استغلها حزب الشعب الهندوسي مطلع عام 2019 لحشد التأييد لصالحه عندما هاجمت جماعة تسمى “جيش محمد” حافلة جنود هنود ما أدى لمقتل نحو 40 منهم وهو ما ردت عليه الحكومة بمهاجمة مقار للجماعة داخل باكستان التي ردت بإسقاط طائرتين هنديتين واعتقال أحد الطيارين إلى أن تم الإفراج عنه؛ على نحو عزز فرص نجاح الحزب الهندوسي[4].

انطلاقًا من هذا الواقع؛ بُنِيت سياسة حزب بهاراتيا جاناتا؛ بقيادة رئيس الوزراء الحالي- ماريندرا؛ على مستويي الاقتصاد، والأقليات؛ وخاصة الأقلية المسلمة؛ التي تمثل ثاني أكبر مجموعة دينية في البلاد؛ لينطلق باتجاه تحقيق صعود اقتصادي كبير من جهة؛ وانغلاق أيديولوجي من جهة ثانية؛ على نحو أنتج فرصًا وأوجد تحديات، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي.

أولًا- الصعود الاقتصادي الهندي: مؤشرات وتحديات

في عام 2014؛ حينما وصل رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي للحكم لأول مرة كرئيس للوزراء، كانت الهند عاشر أكبر اقتصاد في العالم. وخلال السنوات السبع التالية نما اقتصادها بنسبة 40%، ثم انكمش الناتج المحلي الإجمالي في الهند بنحو 25% تأثرًا بعمليات الإغلاق الناتجة عن تفشي وباء كورنا؛ لكن التقديرات الخاصة بصندوق النقد الدولي توضح أنه مع تلاشي تأثير الجائحة، فإن الاقتصاد الهندي سيكون الأعلى نموًا بين الدول الكبرى بنسبة 8%، ويتوقع أن تصبح الهند خامس أكبر اقتصاد في العالم بحلول 2027؛ بناتج محلي إجمالي بالأسعار الجارية يصل لنحو 5 تريليونات دولار أمريكي.

على مستوى الأداء الاقتصادي الصاعد؛ تشير التقديرات أيضًا إلى أن حجم سوق الأوراق المالية في الهند يعتبر الرابع عالميًا؛ بعد كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان، كما تعد الهند ثالث أكبر دول العالم في التوسع بالشحن التوربيني بعد الولايات المتحدة والصين. وتعتبر الهند ثالث أكبر قاعدة للشركات الناشئة أحادية القرن، وهي شركات يقدر رأس مالها بأكثر من مليار دولار، وذلك بواقع 83 شركة، يصل إجمالي رأسمالها إلى 277.8 مليار دولار أمريكي. ويُتوقع أن يصل عدد هذه الشركات في الهند لنحو 100 شركة ستساهم في توفير نحو 1.1 مليون وظيفة مباشرة؛ وفق بعض التقديرات[5].

أسهم في تحقيق هذه المؤشرات الإيجابية؛ إقدام المستثمرين الأجانب على تحويل الأموال إلى سوق الأوراق المالية في الهند، متفائلين بصعودها الاقتصادي مرة أخرى، وهو ما يؤكده ظهور شركة ناشئة تقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار في كل شهر في مجال الحوسبة السحابية والتعليم والترفيه والتمويل والمدفوعات والسياحة، بالتوازي مع تحويل شركات التصنيع العالمية أنظارها إلى الهند للحد من تركُّز مصانعها في الصين؛ مستفيدة من البنية التكنولوجية التحتية، والسوق المحلية الضخمة والمليئة بالكوادر الإدارية الناطقة باللغة الإنجليزية والمخزون الهائل من اليد العاملة الشابة.

يأتي ذلك كنتيجة أيضًا لنجاح الهند في تحقيق تقدم كبير في توفير البنية التحتية المادية والرقمية، وفي تنمية قدرتها على توفير السلع الأساسية لسكانها، إضافةً إلى تقوية قاعدة مواردها البشرية من مهندسين ماهرين ورجال أعمال[6].

وقد ترجمت هذه الإنجازات في مجموعة من المحاور التي تجذب المواطنين لحزب الشعب أبرزها التركيز على الاحتياجات الأساسية؛ فعقب توليه رئاسة الوزراء في عام 2014 جعل رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” البنية التحتية الأساسية في صدارة أولويات حكومته، وتحديدًا مرافق الصرف الصحي التي يتسبب غيابها في العديد من القرى والمناطق الفقيرة في الهند في تهديد الصحة العامة، ومن ثم أطلق حملة وطنية لإمداد كل منزل بخدمات الصرف الصحي لحماية البيئة والتصدي لانتشار الأوبئة. وتؤكد الحكومة الهندية تمكنها من إمداد أكثر من 90 مليون منزل في المناطق الفقيرة بخدمات الصرف الصحي.

يضاف إلى ذلك توصيل الغاز الطبيعي للمنازل مجانًا؛ إذ يعتبر ذلك من أهم إنجازات حكومة “مودي” من خلال تطبيق خطة “أوجاوالا” التي كفلت توصيل الغاز لأكثر من 70 مليون منزل في المناطق الفقيرة؛ حيث تم الترويج لهذه الخطوة باعتبارها تمثل رفعًا للعبء عن كاهل السيدات في المناطق الفقيرة، وأنها تعود بالنفع على أكثر من 160 مليون مواطن هندي، وهو ما أدى لحشد التصويت لصالح الحزب الحاكم في المناطق الفقيرة؛ حيث تمكن من التأثير من خلال الخدمات الأساسية وتوصيل الغاز للمنازل على أكثر من 250 مليون ناخب نتيجة للتركيز على الحياة اليومية للمواطنين[7].

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية؛ فإن الهند تواجه مجموعة من التحديات الاقتصادية؛ في مقدمتها: الحاجة لزيادة معدلات التشغيل؛ فتشير التقديرات إلى احتياجها لتوفير نحو 90 مليون فرصة عمل غير زراعية بين عامي 2023 و2030؛ وتحتاج الهند لرفع معدل التوظيف الصافي لديها بنسبة 1.5% سنويًا خلال هذه الفترة؛ بغرض زيادة الناتج المحلي بنسبة تتراوح بين 8 و8.5%.

وقد خلقت الحرب الروسية الأوكرانية تحديًا آخر بالنسبة للاقتصاد الهندي، يتمثل في اضطراب سلاسل الإمداد الناجم عن العقوبات الغربية على موسكو، فضلا عن تأثرها بحالة عدم اليقين في التجارة العالمية مع ارتفاع أسعار النفط والسلع الغذائية الأخرى، لذا يتوقع أن تنعكس تداعيات هذه الأزمة على الاقتصاد الهندي في صورة ارتفاع معدلات التضخم المدفوعة بالتكلفة، فإن كل ارتفاع في أسعار النفط الخام بنسبة 10% يؤدي إلى ارتفاع بنسبة 0.4 نقطة مئوية في مؤشر التضخم الاستهلاكي. ونظرًا لاعتماد الهند على استيراد احتياجاتها من النفط الخام بنسبة 85% فإن الارتفاع الكبير في أسعار النفط العالمية إلى أعلى مستوى لها منذ 14 عامًا، جراء الأزمة الروسية الأوكرانية، سيضغط بشكل كبير على مستوى الأسعار في الهند[8].

ومن التحديات التي يرصدها البعض بخصوص الاقتصاد الهندي أيضًا، التقلبات التي تحدث في القوانين والسياسات الاقتصادية بشكل مفاجئ ومستمر؛ ما يؤدي لعدم الاستقرار في الأطر التشريعية المنظمة. فضلًا عن حالات الفساد والمحاباة لبعض الشركات، وغياب الشفافية والنزاهة؛ ما يؤدي لاختلال الثقة في السياسات الحكومية، والتناقض في السياسات المنظِمة بسبب عدم توافق الرؤى بين المستوى الفيدرالي بالعاصمة والمستوى المحلي بالولايات؛ وتؤثر هذه المشكلات سلبًا على حجم الاستثمارات الأجنبية بقطاع التصنيع المحلي في الهند[9].

وبالتالي، تعتمد قدرة الهند على تحقيق الازدهار مرة أخرى لتصبح بديلا جديًا للصين على قدرتها في مواجهة العيوب المزمنة في سياساتها والتعامل مع التحديات الاقتصادية التي تواجهها.

وأمام هذه التحديات؛ فإن الحكومة الهندية تراهن على عدة ركائز لتطوير اقتصادها وزيادة معدل النمو خلال العقد المقبل، أبرز هذه الركائز: تشكيل سوق وطنية واحدة، تعتمد فيها كثير من الشركات والمستهلكين على النظام المالي الحديث. إلى جانب توسع الصناعة، في ظل تخطيط بعض الشركات لتطوير سلاسل التوريد المحلية بما يتناسب مع الأهداف والخطط الرسمية الرامية إلى تطوير مصانع للبطاريات والمركبات الكهربائية وأشباه الموصلات، فضلا عن التكنولوجيا، مع تضاعف حجم خدمات تكنولوجيا المعلومات في ظل الاستعانة بمصادر خارجية في الهند خلال العقد الفائت، حتى باتت عائدات هذا القطاع السنوية تقارب 230 مليار دولار، بما جعل الهند المصدر الخامس عالميًا لهذه الخدمات؛ رغم أنها لا تزال في المرتبة السادسة عشر على سلم صادرات السلع العالمية. كما تراهن الهند على عامل الرفاهية الرقمية، مع تطوير شبكات أمان وطنية عالية التقنية لتقديم الدعم للمحتاجين عبر الإرسال المباشر إلى الحسابات المصرفية للأفراد، وقد بلغت قيمة هذه المدفوعات نحو 81 مليار دولار بما يعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي حتى نهاية مارس 2022؛ وذلك مقارنة بنحو 1% قبل أربع سنوات[10].

ثانيًا- التحديات الدينية: قراءة في عمليات استهداف الوجود المسلم

قبل وصول حزب الشعب الهندي إلى الحكم؛ كانت الهند تُذكَر بوصفها مثلا في إدارة التنوع العرقي والديني؛ باعتبارها أحد النماذج الرائدة في هذا المجال؛ رغم المناوشات والمشكلات التي قد تكون مرت بها من قبل؛ لكن مع وصول الحزب إلى السلطة؛ ونظرًا لمحورية البعد الأيديولوجي بالنسبة لحزب الشعب الهندوسي؛ تغيرت الأوضاع خاصة فيما يتعلق بالمسلمين (الذين يشكلون أكبر أقلية دينية في البلاد بما يقارب 14%) عبر سياسة فرض الأمر الواقع عليهم من خلال إجراءات وتشريعات تمييزية ضدهم. فبالتوازي مع التصريحات الطائفية ضد المسلمين[11]، ارتكبت في الهند الكثير من المجازر الوحشية وأعمال الحرق والهدم ضدهم، والتي تنفذ من قبل عصابات هندوسية متطرفة (إرهابية)، وقد وُثِّق بعضها بمقاطع فيديو تناقلتها وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي.

تشير الدراسات إلى أن بهاراتيا جاناتا بارتي (حزب الشعب الهندوسي) هو الجناح السياسي للأصولية الهندوسية المعروفة باسم “هندوتفا” التي تعني “الهند للهندوس”[12]. ولهذه الحركة ثلاثة أجنحة؛ أولها شبه عسكري ويشير إلى “منظمة المتطوعين القومية” (راشتريا سواياميسيفاك سانغ) والتي تمثل أحد جذور حزب الشعب الهندي، ونشأت سنة 1925 لمواجهة المحتل البريطاني والمسلمين في نفس الوقت، وأنشأت منظمات عسكرية متطرفة أخرى تركز نشاطها بشكل رئيسي في أعمال العنف ضد المسلمين والمسيحيين، والحركة هي المسئولة عن اغتيال المهاتما غاندي[13]. أما الجناح الثاني فهو الديني ويتعلق بـ”المجلس الهندوسي العالمي” (فيشا هيندو باريشاد) وهو بمثابة المرجعية الدينية الأولى لليمين الهندوسي المتطرف. فيما يمثل حزب بهاراتيا جاناتا الجناح السياسي للحركة الأصولية الهندوسية[14].

تعود جذور حزب بهاراتيا جاناتا قومي (سياسيًا) إلى حزب “بهاراتيا جانا سانغ” المؤسَّس عام 1951، والذي اندمج سنة 1977 مع حزب “جاناتا بارتي” بغرض منافسة حزب المؤتمر الوطني الذي هيمن على الحياة السياسية الهندية منذ الاستقلال. وفي الثمانينيات حل محل هذا التحالف حزب “بهاراتيا جاناتا” الذي فاز بمقعدين في انتخابات 1984، وشارك في التسعينيات بحكومتين ائتلافيتين ثم قاد حكومة ائتلافية سنة 1998 وحتى 2004 ليخلفه حزب المؤتمر الوطني حتى 2014 حين استعاد حزب بهاراتيا جاناتا السلطة بشكل منفرد[15]، ولا يزال يحكم حتى الآن في الهند بعد تعزيز مقاعده في انتخابات 2019[16].

يؤمن حزب الشعب الهندوسي (بهاراتيا جاناتا) بالهندوسية معتبرًا إياها الهوية الأصلية الوحيدة للبلاد وأنه لا مكان للمسلمين فيها، ومن ثم لا بد أن يرحلوا إلى باكستان تطبيقًا لشعار “الهند للهنود”. وفي هذا السياق ركزت خطب مرشحي حزب الشعب الهندي منذ انتخابات 2014 مرورًا بانتخابات 2019 على عدة مواقف أبرزها: ضرورة مراجعة مكتسبات الأقليات في الهند لتقليصها، وفرض قانون مدني موحد على جميع الهنود بما في ذلك المسلمين ما يعني إلغاء المرجعية الإسلامية للأحوال الشخصية للمسلمين، وإنهاء الحكم الذاتي في إقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة، وهدم المساجد الكبرى للمسلمين بدعوى أنها بنيت على أنقاض معابد هندوسية، واعتبار باكستان عدوًا تجب الحرب ضده[17].

إن هذه الأيديولوجية تُرجِمت في سياسات وإجراءات ضد الوجود المسلم في الهند؛ على نحو أنتج تحديات لثقافة التعددية في الهند، حتى أصبحت السلطات الهندية نفسها أحيانًا جزءًا من هذه التحديات. ويمكن سرد مجموعة من المؤشرات لتوضيح ذلك:

  • التصريحات المسيئة للإسلام والمسلمين:

يعرف عن قادة حزب بهاراتيا جاناتا عداؤهم للإسلام والمسلمين في الهند وجوارها، ويُترجَم ذلك العداء في تصريحات مسئولي الحزب من حين لآخر، وآخر الصيحات ضمن هذا الجانب ما جاء في تصريحات المتحدثة باسم حزب الشعب الهندي الحاكم نوبور شارما، وكذلك المسؤول الإعلامي بفرع الحزب في العاصمة الهندية ناوين جيندال، والتي تسيء للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وذلك في نغمة متكررة منذ عقود تحمل الكراهية وتحض على العنف وقد ازدادت وتيرتها منذ وصول حزب الشعب إلى الحكم برئاسة ناريندرا مودي في مايو 2014.

نددت العديد من الدول مثل قطر والكويت والسعودية وإيران والبحرين والمالديف وعُمان والأردن وأفغانستان وليبيا وإندونيسيا، بتصريحات مسؤولي الحزب الحاكم، وطالبت بعض الدول سفراءَها بتسليم رسائل احتجاج على ذلك.

أكدت الهند على لسان المتحدث باسم الحزب الحاكم أنها تحترم كل الأديان، وأن كل المواطنين الهنود أحرار في اعتناق أي معتقد يؤمنون به. ولم تتعرض البيانات الهندية الحزبية أو الحكومية لأي حكومة، لكنها خصّت باكستان ومنظمة التعاون الإسلامي بنقد لاذع، قائلة إن تصريح المنظمة بهذا الصدد ينم عن “ضيق العقل”، ووصفته بأنه “مغرض” و”مضلل” و”مؤذٍ”؛ معتبرة أن منظمة التعاون الإسلامي “تتبع خطة لتقسيم الناس لحساب عناصر لها مصالح”. وطلبت الخارجية الهندية، من المنظمة “أن تمتنع عن التوجهات الطائفية وأن تُظهر الاحترام لكل الأديان”؛ وفقًا لها.

لم ترد نيودلهي على الدول الأخرى ولم تهاجمها حتى أنها أعلنت تعليق عضوية المتحدثة باسم الحزب لست سنوات، وطرد مسؤول آخر من الحزب وتقديم ثالث للمحاكمة، وذلك لأن مصالح كبرى تربطها بهذه المنطقة؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري الهندي مع دول مجلس التعاون الخليجي وحدها 87 مليار دولار بين عامي 2020 و2021، إلى جانب وجود نحو 7.5 مليون هندي يعملون في هذه الدول، ويوفرون للهند عملة صعبة تُقدّر بنحو 40 مليار دولار في العام. وتعتمد الهند على هذه الدول إلى حد كبير لتوفير حاجاتها من النفط والغاز.

رأى مراقبون أن هذه الإجراءات مؤقتة، وأن المسؤوليْن سيعودان إلى بعض المواقع القيادية حين تهدأ الأمور؛ لكن هذه المواقف جديدة على السياسة الهندية كما أنها توضح متى تستجيب هذه السياسة للمواقف الخارجية؛ فهذه الاستجابة لم تأتِ بعد انتقادات الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة لانتهاكات حقوق الإنسان في الهند، في حين أن احتجاجات “دول صغيرة” جعلتها تتخذ بعض الإجراءات لمواجهة الإسلاموفوبيا وبعض الانتهاكات ضد المسلمين[18].

ومع ذلك؛ فإن السلطات الهندية ردت على احتجاجات بعض المسلمين على هذه التصريحات بهدم منازلهم وإزالة ممتلكاتهم[19]!

  • محو الهوية المسلمة في الهند:

إن الوجود المسلم في الهند ليس مستساغًا للقوميين المتعصبين على المستويين السياسي والشعبي، وهو ما نجم عنه توظيف العديد من الأدوات والسياسات التي استهدفت إضعاف الهوية المسلمة في الهند؛ فتبنت السلطات العديد من الإجراءات الهادفة إلى محو هوية المسلمين في البلاد، بغرض دمجهم قسريًا وتذويبهم في المجتمع الهندوسي، ويتم في هذا السياق توظيف جهات القضاء التي يُفترَض بها تحقيق العدالة. من بين هذه الإجراءات محاولات تحويل مساجد أثرية إلى معابد هندوسية؛ وفي الغالب يحرك الهندوس دعاوى قضائية، مطالبين بالحفر في أساسات المساجد بزعم إقامتها على أنقاض معابدهم قبل مئات السنين. وتقبل المحاكم هذه القضايا، رغم وجود قانون هندي صدر عام 1991، يضمن بقاء كل أماكن العبادة (ما عدا مسجد البابري) على الوضع الذي وجدت فيه يوم الاستقلال في أغسطس 1947.

زادت الجماعات الهندوسية من دعاويها ضد المساجد بعد أن تمت لها السيطرة نهائيا على أرض مسجد البابري بأمر المحكمة العليا في نوفمبر 2019، والتي أعطت أرضه للطرف الهندوسي رغم اعتراف المحكمة نفسها في حيثيات الحكم بأنه كان مسجدا لـ500 عام، وأن التماثيل وضعت فيه في ديسمبر 1949. عقب السيطرة على أرض مسجد البابري وهدمه، أعدّت الجماعات الهندوسية قائمة بثلاثة آلاف مسجد يطالبون بتحويلها إلى معابد، مما يعني أن التضييق على مسلمي الهند آخذ في التصاعد؛ محوًا لثقافتهم وهويتهم وأماكن عبادتهم[20].

تتضمن إجراءات محو الهوية المسلمة في الهند أيضًا؛ حظر الكتب الإسلامية وتقليص المعاهد والمدارس والجامعات الخاصة بالمسلمين، فضلا عن ملاحقة الدعاة المسلمين المؤثرين من أمثال دكتور ذاكر نايك. وفي بعض الأحيان يتم حظر الطقوس الإسلامية، فقد حظرت إحدى القرى الهندية (قرية تيتولي بولاية هاريانا) ممارسة الشعائر الإسلامية من إطلاق اللحى وأداء الصلاة وغيرها.

ويرتبط بمحاربة الهوية الإسلامية في الداخل الهندي ملف الأحوال الشخصية؛ وهو من القضايا الشائكة التي تهم المسلمين في الهند منذ الاستقلال؛ فكثيرًا تتعالى المطالبات بين الحين والآخر لتطبيق قانون مدني على الجميع لكن الحكومة الهندية لم تفعل ذلك وأكدت أنها لن تقوم به إلا إذا طلبه المسلمون.

ومع ذلك؛ تندلع من حين لآخر المشكلات بسبب الأحكام القضائية التي تخص المسلمين ولم يتم فيها الرجوع إلى الشريعة الإسلامية. وكانت الاحتجاجات هي سبيل المسلمين لرفض هذا الفرض؛ ولذا نأت الحكومات التالية على الاستقلال بنفسها عن فرض قانون مدني ينظم الأحوال الشخصية للمسلمين.

لكن الأمر اختلف في ظل حكومة حزب الشعب الهندوسي؛ فقد أبلغت الحكومة الهندية في أكتوبر 2016 المحكمة العليا أن الطلاق الثلاثي في الإسلام غير دستوري ويتنافى مع مبدأ المساواة بين الجنسين، وذلك رغم أن هذه المسألة تقع في صلب قانون الأحوال الشخصية للمسلمين. وفي أغسطس 2017؛ جرمت المحكمة الطلاق الثلاثي: أي تطليق الزوجة طلاقًا بائنًا مرة واحدة “مثلا بقوله لها: أنت طالق طالق طالق”. ومرر البرلمان الهندي في يوليو 2019 قانونًا يتضمن هذا الحكم؛ ما اعتبرته رموز إسلامية اعتداءً على الهوية الإسلامية من جانب حزب بهاراتيا جاناتا[21].

  • الانتهاكات ضد شعب إقليم كشمير:

بعد إلغاء الهند للوضع الخاص لإقليم جامو وكشمير- الذي تقطنه أغلبية مسلمة، أشار تقرير للجنة خبراء بالأمم المتحدة إلى تدهور وضع حقوق الإنسان في الإقليم، منذ أن ألغى البرلمان الهندي الوضع الدستوري لولاية جامو وكشمير في 5 أغسطس 2019؛ إذ لا يزال العديد من المتظاهرين رهن الاعتقال مع استمرار القيود على خدمة الانترنت مع تهم بالاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة، فضلا عن تجريم الصحفيين الذين غطوا الوضع هناك واحتجاز ناشطين في مجال حقوق الإنسان، ووقف أعمال اللجنة الحكومية المعنية بوضع حقوق الإنسان في جامو وكشمير في أكتوبر 2019، والتي كانت واحدة من الطرق القليلة التي يمكن من خلالها لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التماس الإنصاف.

أشارت لجنة الخبراء إلى أنه لم يتم تقديم أي معلومات للجمهور حول ما سيحدث للحالات الجارية التي كانت الهيئة تحقق فيها، بما في ذلك مئات حالات الاختفاء القسري المشتبه بها التي يرجع تاريخها إلى عام 1989، كما أن الادعاءات المتعلقة بآلاف المقابر التي لا تحمل علامات وبعض مواقع المقابر الجماعية لم يتم التحقيق فيها بشكل صحيح حتى الآن[22].

وهنا تجدر الإشارة إلى أن وضع إقليم كشمير يعتبر إحدى القضايا الشائكة التي نتجت عن تقسيم الهند وباكستان والتي كانت ولا زالت سببًا في تأجج الصراع داخل الهند وبينها وبين باكستان؛ فقد منحت بريطانيا عند التقسيم لما يعرف بالدول الأميرية التي كانت جزءًا من شبه الجزيرة الهندية وخاضعة للاحتلال البريطاني حق الانضمام إلى الهند إذا كانت ذات أغلبية هندوسية، وحق الانضمام لباكستان إذا كانت ذات أغلبية مسلمة؛ غير أن حاكم إقليم كشمير –وكان هندوسيًا- اختار الانضمام إلى الهند رغمًا عن رغبة الأغلبية المسلمة في مقابل الحصول على دعم نيودلهي لكبح الاحتجاجات وحركات التمرد التي قام بها مسلمون رغبة في الانضمام إلى إسلام اباد؛ مؤسسًا بذلك لصراع ممتد داخليًا وخارجيًا منذ أكثر من سبعة عقود[23].

بعد أسابيع قليلة من التقسيم اندلعت الحرب الهندية الباكستانية الأولى والمعروفة بحرب كشمير الأولى سنة 1947 والتي أسفرت عن خضوع ثلثي الإقليم للهند، وتعرف هذه المنطقة باسم ولاية جامو وكشمير وهي ذات أغلبية مسلمة ويطالب أغلبية سكانها بالاستقلال عن الهند والانضمام إلى باكستان معتبرين نيودلهي قوة احتلال للإقليم، فيما سيطرت باكستان على ثلث مساحة الإقليم وتعرف باسم “أزاد كشمير”. وكان يفترض تنظيم استفتاء لتقرير المصير ولم يتم حتى الآن، ثم وقعت حرب كشمير الثانية سنة 1965 ولم تسفر عن تغيير وضع الإقليم[24].

ووفق إحصاءات سنة 2011 فإن عدد سكان ولاية جامو وكشمير بلغ 12.5 مليون نسمة، ويعتبر الإقليم الوحيد ذا الأغلبية المسلمة في الهند، وتنشط فيه حركات تمرد تطالب بالاستقلال عن الهند منذ التقسيم سنة 1947. وبموجب المادة 370 من الدستور الهندي فإن ولاية جامو وكشمير تتمتع بالحكم الذاتي بما يتضمنه ذلك من الحق في تسيير كافة شئون الولاية باستثناء أمور الدفاع والاتصالات والشئون الخارجية، وكانت هذه المادة تمنح للولاية دستورًا وعلَمًا منفصلين[25].

وفي إطار محاولات تنفيذ الأجندة السياسية لحزب بهاراتيا جاناتا؛ أعلنت السلطات الهندية يوم 5 أغسطس 2019 إلغاء المادة 370 من الدستور الهندي، وترتب على هذا الإجراء أيضًا إلغاء مادة دستورية أخرى بشكل تلقائي كانت تحظر شراء الأجانب أو عملهم بالولاية؛ بما أثار المخاوف حول إمكانية تغيير التركيبة السكانية للإقليم لتغيير هويته الإسلامية[26].

وأتبعت الحكومة الهندية قرار إلغاء الحكم الذاتي بتقسيم الولاية إلى إقليمين اتحاديين في 30 أكتوبر 2019، الإقليم الأول جامو وكشمير وهو ذو أغلبية مسلمة وسيكون له مجلس تشريعي والثاني “لاداخ” دون مجلس تشريعي، وهو ذو أغلبية بوذية[27].

وتعكس هذه الإجراءات الأفكار القومية الهندوسية المتشددة بشأن الموقف من المسلمين والتي يتبناها الحزب الحاكم، كما أنها تتنافى مع الموقف الدولي بشأن النزاع على الإقليم والذي تمثل في قرارات مجلس الأمن التي قررت حق الإقليم في تقرير المصير[28]. ولم يتوقف الأمر على ذلك فقد لجأت الحكومة الهندية لتعزيز تواجدها الأمني والعسكري في المنطقة لمصادرة حق سكان جامو وكشمير في الاحتجاج الذي كان وسيلتهم خلال عقود ما بعد التقسيم للتعبير عن حقوقهم والدفاع عنها. وفي محاولة لاحتواء رد الفعل المسلم؛ لجأت الحكومة الهندية إلى قطع خدمات الاتصال الهاتفي والانترنت والبث التلفزيوني في الإقليم مع فرض قيود على التنقل والتجمع[29].

  • الحرمان من حق المواطنة:

في  ديسمبر 2019؛ أقرت السلطات الهندية تعديلات على قانون المواطنة لعام 1955؛ على نحو يحرم ملايين المسلمين من الجنسية ويمنحها للمهاجرين من ست طوائف أخرى ينتمون أصلا إلى أفغانستان وباكستان وبنغلادش. والمجموعات التي استفادت من حق الجنسية: هندوسية وبوذية وزرادشتية ويانية ومسيحية وسيخية. واستثنى القانون المسلمين من هذا الحق، رغم أنهم عرضة للاضطهاد كذلك في تلك الدول وفي غيرها.

وقد عرّف القانون الهندي عام 1955 المهاجرين غير النظاميين بأنّهم أجانب دخلوا إلى البلاد من دون جواز سفر صالح أو وثائق سفر، أو أنهم بقوا في الهند بعد انتهاء مدة إقامتهم المسموح بها. وبالتالي كان يحظر منحهم الجنسية ويجيز ترحيلهم أو سجنهم.

وقد عبرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية ودولية غير حكومية عن مخاوف من أن يكون هدف التعديل تحويل البلاد عن صبغتها العلمانية الديمقراطية؛ إذ يفرض قانون المواطنة المعدل عمليًا على سكان ولاية آسام شمال شرقي البلاد إثبات أن آباءهم عاشوا في الهند ما قبل عام 1971، وهو ما يعني أن نحو مليونين من هؤلاء قد يتحولون إلى “عديمي الجنسية”، بسبب عدم قدرتهم على تقديم أوراق ثبوتية تتعلق بالشروط المطلوبة منهم، نظرًا إلى تعقيدات تقسيم الهند وحدودها مع بنغلادش. وهكذا فإن الذين سيتحولون إلى “عديمي الجنسية” سيعدون “مقيمين غير شرعيين”، وقد يُزج بهم في سجون كبيرة.

ويمكن توضيح أبعاد هذه التعديلات وتداعياتها على المسلمين بشكل أوسع من خلال لمحة تاريخية؛ ففي سبعينيات القرن العشرين، طالب سكان ولاية آسام شمال شرق الهند بإخراج المهاجرين من الولاية للحفاظ على فرص العمل والثقافة المحلية، فأبرم اتفاق مع الزعماء المحليين والولاية منتصف الثمانينيات لإجراء إحصاء لسكان الولاية يتم بمقتضاه سلب الجنسية عن كل من دخل الهند بعد 1971م وهو العام الذي شهد نشأة بنجلاديش عن باكستان. واستهدف ذلك حرمان المسلمين من الجنسية باعتبار أنهم أغلبية المهاجرين الذين قدِموا للولاية؛ غير أن الإحصاء الذي تم تنفيذه بالفعل عام 2019 بيَّن أن الولاية بها نحو مليوني أجنبي أغلبهم من الهندوس وليس المسلمين[30].

بناءً على ذلك استقرت حكومة الهند على تعديل قانون الجنسية المشرع سنة 1955 للسماح بتجنيس المها­­جرين من ست طوائف من غير المسلمين (الهندوس والسيخ والجاينيين/اليانيين والبوذيين والمسيحيين والبارسيين)، والقادمين من ثلاث دول إسلامية (أفغانستان وبنجلاديش وباكستان)، والذين دخلوا الهند قبل نهاية 2014[31].

وأبرز تبعات هذا القانون على المسلمين هناك أنه فضلا عن التمييز الديني ضدهم واعتبارهم مواطنين درجة ثانية[32]؛ أنه بالفعل يستهدف نزع صفة المواطنة عن ملايين منهم فلن يصبحوا حتى مواطنين درجة متدنية لأنهم سيكونون من “البدون” أي بدون جنسية نهائيًا؛ فوفقًا لقانون الجنسية سيطلب من كل شخص في الهند تقديم ما يثبت إقامة والديه في البلاد قبل سنة 1971 بالنسبة لولاية آسام وقبل سنة 1987 بالنسبة للولايات الأخرى. ومن المشكلات الكامنة بهذا القانون أنه يفترض من جميع تقديم مستندات تثبت حملهم الجنسية الهندية؛ في الوقت الذي تشير فيه التقديرات إلى أن ما يقارب 45% من سكان الهند أميون أو مقيمون في القرى والمناطق النائية ولا يمتلكون أوراقًا تثبت جنسيتهم؛ بما يهدد مئات الملايين منهم بالحرمان من الجنسية.

بالنسبة لغير المسلمين فإن تعديلات قانون المواطنة تضمن لهم تخطي هذه العقبة بخلاف المسلمين الذين يتعرضون لخطر الحرمان من الجنسية. وفي هذا الحالة سيتعرض هؤلاء لمخاطر الاحتجاز في المعسكرات أو الترحيل والحرمان من الخدمات الحكومية مثل التعليم المجاني والعلاج والوظائف الحكومية والتسهيلات البنكية أو الحصول على وثائق مثل جوازات السفر ورخص القيادة وغيرها. وسيستمر هذا الوضع طالما بقيت الحكومة الهندوسية المتشددة في موقعها.

وقد لاقت التعديلات احتجاجات واسعة من المسلمين والمعارضين الهندوس الذين يرون في القانون تشويهًا لصورة الهند العلمانية التعددية ومن سكان آسام أنفسهم الذين يرون أن التعديلات لم تستجب لمطالبهم فضلا عن المسلمين المستهدفين بالقانون بشكل رئيسي[33].

ورغم تورطها في صور متعددة من التمييز الديني ضد المسلمين؛ حاولت الحكومة الهندية تصوير التعديلات على قانون الجنسية بأن له أبعادًا إنسانية من خلال الادعاء بأن الطوائف الست التي يسمح لها بالتجنيس لا يجدون مكانًا آخر يذهبون إليه في ظل معاناتهم على أسس دينية في بلدانهم الأصلية[34]؛ على نحو تتبين ضحالته بالنظر إلى مجموع السياسات الهندية تجاه المواطنين المسلمين مثل الموقف من إقليم كشمير والعنف المفرط تجاه الاحتجاجات، والتواطؤ مع الجماعات الإرهابية التي ارتكبت مجازر ومحارق بحق المسلمين ومقدساتهم.. إلخ.

خاتمة:

إن كان هذا التقرير قد ألقى الضوء بشكل سريع على بعض النجاحات الاقتصادية التي حققتها الهند في مسيرتها التنموية؛ فإن أبرز التحديات العميقة التي عكستها متابعة الوضع الاقتصادي للهند أيضًا هو الحاجة للتنويع؛ أي تنويع الاستثمارات الاقتصادية، لضمان عدم تركزها في القطاع الخدمي فقط الذي يُقبِل عليه المستثمرون الأجانب نظرًا لوضوح القوانين والسياسات الخاصة به؛ بخلاف القطاعات التصنيعية الأخرى التي يلتفها الغموض والمفاجآت في كثير من الأحيان، كما لفت التقرير عن الحاجة للتنويع في التوظيف؛ ليشمل قطاعات أخرى إلى جانب القطاع الزراعي.

هذا التنوع إن كان مطلوبًا على المستوى الاقتصادي؛ فإنه أكثر طلبًا وإلحاحًا على المستوى الثقافي والديني والعرقي؛ فإن كان غيابه النسبي على المستوى الاقتصادي مشكلة؛ فإن غيابه أو تغييبه على المستوى الديني والثقافي يعتبر مشكلة أعمق، ولا بد من التعاطي معها بسياسات حقيقية تستهدف تحييد أجهزة الدولة؛ لتكون أداة لضمان العدالة والمساواة بين الأغلبية والأقلية؛ دون تحيز لطرف على حساب الآخر، ودون أن تكون هي نفسها جزءًا من المشكلة.

يعتبر المسلمون جزءً أصيلا من تاريخ الهند؛ بل إنهم يشكلون ثاني أكبر جماعة دينية في البلاد، وحجم أكبر من أن تستوعبهم دولة أخرى أو حتى مجموعة دول، فلا جدوى من السياسات الرامية إلى التهجير أو الإقصاء، ومن ثم لا مناص من العمل على إدماج الجميع في دولة وطنية ديمقراطية؛ تُبنى على التنوع والتناغم بين مكونات المجتمع كافة، كما هو مطلوب على مستوى الاقتصاد؛ لضمان نجاح خطط الصعود والنمو الهندي.

والملاحظة الجديرة بالاهتمام أيضًا هنا هي تأثير بعض القوى العربية والمسلمة في الموقف الهندي؛ فحين وجدت السلطات هناك موقفًا شبه موحد بين عدة دول لها تأثيرها في مسار العلاقات بين الهند والعالم العربي والإسلامي؛ لجأت السلطات إلى اتخاذ إجراءات لتهدئة الأوضاع خاصة فيما يتعلق بالتصريحات المسيئة للمسلمين وللإسلام، وإن كانت هذه الإجراءات غير كافية لاجتثاث أزمة التمييز الديني من جذورها؛ فمن الضروري الضغط لإصلاح الأوضاع ولتخفيف حدة التمييز ضد المسلمين في الهند، فضلا عن تصدير خطاب إسلامي معتدل يخاطب كافة مكونات المجتمع الهندي وينشر الصورة الصحيحة عن الدين ويستعرض تاريخ المسلمين هناك وكيف أنه وحتى وقت قريب كان جزءًا من التاريخ الوطني الهندي المناضل ضد “الاستعمار” الخارجي وضد محاولات الاستغلال والاحتلال.

______________________

الهوامش

[1] منى مصطفى، هيمنة القوميين: كيف تمكّن حزب “بهاراتيا جاناتا” من حسم الانتخابات الهندية؟، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 27 مايو 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/rn41B

[2] المرجع السابق.

[3] جوش فيلمان، صعود الهند المعطَّل.. كيف خنقت الحكومة النمو؟، كيوبوست-ترجمات، 30 ديسمبر 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/jtwP9

[4] منى مصطفى، مرجع سبق ذكره.

[5] نعمة زهران ومحمد عادل حنفي، صعود الاقتصاد الهندي باعتباره أسرع الاقتصادات الكبيرة نموًا عام 2022، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، 12 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/qGE5x

[6] جوش فيلمان، صعود الهند المعطَّل.. كيف خنقت الحكومة النمو؟، مرجع سبق ذكره.

[7] منى مصطفى، مرجع سبق ذكره.

[8] نعمة زهران ومحمد عادل حنفي، مرجع سبق ذكره.

[9] جوش فيلمان، صعود الهند المعطَّل.. كيف خنقت الحكومة النمو؟، مرجع سبق ذكره.

[10] نعمة زهران ومحمد عادل حنفي، مرجع سبق ذكره.

[11] منى مصطفى، مرجع سبق ذكره.

[12] أحمد شوقي، مسلمو الهند في عهد حزب الشعب: تبعات تحول الدولة من العلمانية إلى الهندوسية، فصلية قضايا ونظرات، العدد (17)، أبريل 2020، ص ص 29- 40، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/EiuQO

[13] عماد يوسف قدورة، نتائج الانتخابات الهندية: الدلالات الاستراتيجية، مركز الجزيرة للدراسات، 20 مايو 2014، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/jR4CA

[14] أحمد شوقي، مسلمو الهند في عهد حزب الشعب: تبعات تحول الدولة من العلمانية إلى الهندوسية، مرجع سبق ذكره.

[15] عماد يوسف قدورة، مرجع سبق ذكره.

[16] منى مصطفى، مرجع سبق ذكره.

[17] المرجع السابق.

[18] ظفر الإسلام خان، الهند.. خطاب الكراهية على لسان مسؤولي الحزب الحاكم ليس صدفة، الجزيرة نت، 6 مايو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/e05I3

[19] الهند تهدم منازل مسلمين بعد مظاهرات مناهضة للتصريحات المسيئة للنبي محمد، بي بي سي عربي، 12 يونيو 2022، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/WqqJ0

[20] ظفر الإسلام خان، مرجع سبق ذكره.

[21] أحمد شوقي، سياسات الإسلاموفوبيا في ميانمار والصين والهند، في: مجموعة باحثين، الجديد في حالة الإسلام والمسلمين في العالم (2010- 2020): ما بعد الإسلاموفوبيا، سلسلة أمتي في العالم، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، القاهرة، 1442هـ/2021م، ص 307.

[22] جامو وكشمير: خبراء أمميون يدعون إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الوضع المقلق بشأن حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، 5 أغسطس 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/q6vbi

[23] نجاح محمود، التوتر الهندي الباكستاني إلى أين؟، موقع الميادين نت، 5 مارس 2019، متاح عبر الرابط التالي  https://cutt.us/8nrLd

[24] وفد إعلامي تركي يزور “كشمير” المتنازع عليه بين باكستان والهند، سوفاداكس، 22 سبتمبر 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/ckYuN

[25] إلغاء الحكم الذاتي في كشمير الهندية.. 4 أسئلة حول قرار خطير، الجزيرة نت، 6 أغسطس 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/ZgjOA

[26] المرجع السابق.

[27] متاجر مغلقة وشوارع مهجورة.. بدء سريان قرار التقسيم بكشمير الهندية، الجزيرة نت، 31 أكتوبر 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/xBwLQ

[28] راجع هذه القرارات في: البروفيسور أليف الدين الترابي، قضية كشمير المسلمة: المبادئ الأساسية والحقائق الثابتة، باكستان، المعهد العالمي للدراسات والبحوث الاستراتيجية باسلام اباد، ط1، جمادى الثانية 1431 هـ- يونيو 2010 م.

[29] وفد إعلامي تركي يزور “كشمير” المتنازع عليه بين باكستان والهند، مرجع سبق ذكره.

[30] قانون الجنسية بالهند.. القصة في نقاط، الجزيرة نت، 26 ديسمبر 2019، متاح عبر الرابط التالي https://cutt.us/rGvtC

[31] بعد اعتقال 100 متظاهر| الأزهر يدعو الهند للنظر في «إقصاء المسلمين من الجنسية»، أخبار اليوم، 19 ديسمبر 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/gebPU

[32] في الأوبزرفر: ما يجري في دلهي “وحشية ضد المسلمين”، بي بي سي عربي، 1 مارس 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/cpGF0

[33] قانون الجنسية بالهند.. القصة في نقاط، مرجع سبق ذكره.

[34] الهند: يجب منح المهاجرين غير المسلمين الجنسية، المصري اليوم، 8 يناير 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/iOAgS

فصلية قضايا ونظرات – العدد السادس والعشرون – يوليو 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى