الأزمة الجزائرية: متابعة لتطور مواقف الأطراف المختلفة في حلقة العنف المفرغة

تمهيد:

توشك الأزمة الجزائرية على دخول عامها الثامن، وهى لا تزال محتفظة بنفس السمات التى بدأت بها وأبرزها تعدد أطرافها وتداخل أبعادها وتعقد تفاصيلها وقبل ذلك وبعده اقترانها بواحدة من أسوأ موجات العنف فى التاريخ الإنسانى بكل ما يصاحب ذلك من قسوة ودموية ووحشية.
والأزمة الجزائرية تشكل نوعاً فريداً من الأزمات فهى على حد وصف أحد الباحثين[1] لا تندرج تحت أى تصنيف نمطى، فالجزائر ليست فى وضع ثورى، وهى ليست أيضاً فى وضع تمرد على الحكومة، كما أننا لا يمكن أن نعتبر ما تمر به الجزائر نموذجاً لحرب أهلية، وعليه فإن كل المفاتيح التى يستخدمها الباحثون فى التحليل السياسى لا تنطبق على الوضع الجزائرى. وربما لهذا السبب تعددت الأوصاف التى يتم من خلالها رصد الحالة الجزائرية، فهى لدى البعض حرب لتقسيم مواقع النفوذ بشكل قسرى [2]، ولدى آخرين نموذج لحالة الدولة الرخوة ؛ التى لا تضطلع بمهام الحكم وعلى رأسها مهمة الأمن ؛ حيث لجأت الحكومة الجزائرية منذ فترة ليست بالقصيرة إلى تسليح المواطنين ليتولوا بأنفسهم مهمة الدفاع عن ذويهم وأنفسهم [3]؛ كما أننا يمكن أن نتعامل مع الحالة الجزائرية على أنها إحدى صور الصراع القبلى ؛ بعد أن تحولت القوى السياسية ـ بما فيها مؤسسة الحكم ذاتها ـ إلى ما يشبه القبائل المتناحرة ؛ التى تتصارع من أجل الاستئثار بالغنيمة السياسية بأكملها !.
ويشترك فى صياغة تفاصيل الملف الجزائرى عدد من الأطراف المتباينة يأتى على رأسها أياً كان الاختلاف حول ذلك ؛ النظام الجزائرى نفسه، أو بالأحرى الأنظمة التى تعاقبت على عمر الأزمة الجزائرية منذ بدايتها، وتعريف حدود النظام الحاكم فى الجزائر يعد أحد طلاسم الشأن الجزائرى، فليس ثمة اتفاق حول التكوين الرسمى له، وجذور ذلك ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب وإنما ترجع إلى تاريخ مجلس الأوفياء ذاته، أو مجلس قيادة الثورة الجزائرى، والذى لم يكن معروفاً لأحد على وجه اليقين ممن يتكون بالضبط [4]، حتى أصبح ” العمل من وراء الستار ” هو أحد المفاهيم الشائعة فى وصف النظام السياسى الجزائرى، بما يعنى أنه لا يقتصر فى تشكيله على أعضائه الرسميين، وإنما يمتد ويتقاطع ويتداخل مع دوائر أخرى للسلطة ” الفعلية ” غير الرسمية. هذه التوليفة المعقدة من دوائر السلطة تضفى قدراً من الغموض على مفهوم النظام الجزائرى، وتفرض علينا أن نتجنب التسطيح قدر الإمكان ونحن نتعامل مع المخرجات الرسمية لهذ النظام أو العمليات التأسيسية التى يتمخض عنها، فتعاقب الرؤساء المنتخبين أو المعينين أو إكمال البنيان المؤسسى النيابى أو تعديل الدستور الجزائرى … كل هذه العمليات ينبغى أن تعالج دائماً فى إطار من خصوصية الهرم السياسى فى الجزائر [5]. والذى يعنينا فى هذا التقرير هو الوقوف على طبيعة الدور الذى أسهم به هذا النظام ؛ أياً كان تركيبه أو حدوده ؛ فى الأزمة التى تعصف بالجزائر منذ سبع سنوات، فالمشاهد أن التحولات المتتالية التى شهدها هرم السلطة منذ تفجر الأوضاع بعد إلغاء انتخابات 1992 ـ فضلاً عن تلك التى من المتوقع له أن يشهدها فى أبريل من عام 1999 عقب الانتخابات الرئاسية المبكرة التى ستجرى فى هذا التاريخ ـ هذه التحولات لم تسفر ؛ و نرى أنها لن تسفر ؛ فى أى من مراحلها عن إنهاء مسلسل العنف، رغم كل الوعود التى يقدمها النظام فى هذا الصدد، والتى تتعهد بإيقاف العنف والقضاء على الإرهاب أو فلوله على حد تعبير المسئولين الجزائريين !.
وفضلاً عن الأطراف الرسمية المتورطة فيها فإن الأزمة الجزائرية تشتمل على العديد من الأطراف غير الرسمية التى لا يقل دورها وتأثيرها على مجريات الأحداث عن دور وثقل الأطراف الرسمية، وهذه الأطراف ؛ بحكم عدم رسميتها ؛ يصعب تقصى دورها بدقة، كما يصعب التأكد من مصداقية البيانات التى تصاغ حولها أو تتوافر بخصوصها، و هذا هو الحال ؛ على سبيل المثال ؛ مع ” الجماعة المسلحة “، والتى تكاد الأخبار التى تصاغ حولها أن تقارب درجة الأساطير، نظراً لما يشوبها من لامعقولية فى بعض الأحيان، ومن بشاعة لا توصف فى معظم الأحيان، وهو ما دفع البعض إلى حد القيام بإجراء مقارنة بينها وبين طائفة ” الحشاشين ” الشهيرة التى ظهرت فى فترة الحملات الصليبية على المشرق الإسلامى وعرف عنها استباحتها لكل مقدس أو مصون [6]. ومما يزيد من الصعوبات المتعلقة بتقصى دور الجماعة أنه لا يوجد كيان محدد يمكن أن نتعامل معه على أنه يمثلها، فهذه الجماعة تنقسم بدورها إلى العديد من الأجنحة والجماعات التى يصعب حصرها أو دراستها عن بُعد. أما عن أمراء هذه الجماعات فقد أوردت إحدى الدراسات ؛ على سبيل التهكم ؛ ما يفيد أن الصحف الجزائرية قد نشرت خبر مقتل أحدهم حوالى ” عشر مرات ” على يد السلطات الجزائرية، الأمر الذى يوحى بأن عنصراً من اللايقين قد بات يغلف معظم ما تتناقله وكالات الأنباء بخصوص هذه الجماعة ـ أو الجماعات ـ وأمرائها. وليست الجماعة هى آخر أطراف الأزمة فهناك جيش الإنقاذ الجناح المسلح للجبهة والذى انثبق على مسرح الأحداث بعد إلغاء الانتخابات التشريعية التى كانت الجبهة على وشك الفوز بها وما تلى ذلك من اعتقالات لأنصار الجبهة الذين تظاهروا احتجاجاً على هذا التصرف، حيث أعلن جيش الانقاذ ” الجهاد ” ضد النظام الحاكم منذ ذلك التاريخ وحتى قيام أميره، مدنى مزراق، بالإعلان عن قرار الهدنة الشهير، ثم هناك جبهة الإنقاذ نفسها والتى توزعت قياداتها على قارات ثلاث ؛ ما بين قيادة برلمانية فى الولايات المتحدة وقيادة تنفيذية فى أوربا ثم قيادة داخلية فى الجزائر العاصمة، وقد أسهم تعارض مواقف هذه القيادات مما يجرى فى الجزائر فى صعوبة الحديث عن موقف موحد للجبهة من أعمال العنف الدائرة فى البلاد. أما الأحزاب القبائلية أو ورثة التركة الفرنسية فى الجزائر بعد الاستقلال فهم يمثلون نخبة مسيطرة فى العديد من القطاعات وعلى رأسها الإدارة والإعلام، ويمارسون من خلال هذه المواقع نفوذاً هاماً مستغلين فى ذلك ما يربطهم بجنرالات الجيش من علاقات اقتصادية وثيقة، وتعتبر هذه الأحزاب لسان حال الأقلية البربرية التى نزعت مؤخراً إلى الإدلاء بدلوها فى دوامة العنف المتقد فى البلاد من خلال تكوين ما أسمته بالحركة البربرية المسلحة. ولا يمكن أن تعالج الأزمة الجزائرية بمعزل عـن ” الصامت الكبير ” أو الجيش الجزائرى، والذى يشكل فى حد ذاته مؤسسة متماسكة تمتلك وضعاً خاصاً فى الحالة الجزائرية نظراً لحجم انخراطها فى عملية صنع القرار الرسمى إلى جانب ما تحوزه تحت يديها من موارد ومقدرات ضخمة تصل فى بعض الأحيان إلى حد احتكار قطاعات اقتصادية بعينها، وما تملكه من علاقات حساسة مع النخبة القبائلية فضلاً عما يتواجد بين أعضائها أنفسهم من توازنات حساسة ومعقدة يتوقف عليها فى كثير من الأحيان مستقبل الاستقرار السياسى فى البلاد برمتها.
وإلى جانب الأطراف الداخلية سالفة الذكر، سوف نسعى فى هذا التقرير أيضاً إلى استجلاء مواقف الأطراف الدولية المعنية بالأزمة الجزائرية، وفى مقدمتها فرنسا، وهى الدولة التى استعمرت الجزائر لمدة تربو على المائة والعشرين عاماً والتى ما زالت تربطها بها علاقات “مصيرية ” على حد وصف الساسة الفرنسيين أنفسهم، ثم الاتحاد الأوربى الذى يدفعه إلى الاهتمام بالشأن الجزائرى عدد من الاعتبارات على رأسها قضية المهاجرين غير الشرعيين من الشمال الأفريقى عموماً ومن الجزائر خصوصاً والذين من المتوقع أن تزداد أعدادهم بنسب أكبر إذا ما استمرت الأزمة الداخلية فى الجزائر على نفس منوالها، أما الولايات المتحدة الأمريكية فإن وضعها العالمى الجديد وموقفها الحساس من التيار الأصولى والأنظمة الإسلامية يدفعها إلى بذل اهتمام ما بالوضع الجزائرى، خاصة إذا ما نظر إليه من زاوية أنه ربما يسفر عن قيام أصولية جديدة فى منطقة الشرق الأوسط تضاف إلى رصيد الحكومات التى لا تعمل وفق الهوى الأمريكى فى المنطقة مثل السودان وإيران !، وأخيراً وليس آخراً فقد كان للأمم المتحدة فى ظل أمانتها العامة الجديدة نوع من الإسهام فى ملف الأزمة الجزائرية، وهو على الرغم من محدوديته فإنه يسجل للمنظمة الدولية اهتمامها بإثبات حضورها العالمى ولو على المستوى الاعتبارى.
وتبدو قيمة الدور الذى قامت به المؤسسة الدولية إذا ما قورن بالموقف الحيادى للمنظمة العربية الموازية ؛ والتى لم يزد حجم مشاركتها أو مشاركة أعضائها فى الوضع الجزائرى عن التأكيد ؛ فى نوع من المجاملة المستغربة على أن الأزمة الجزائرية هى شأن داخلى لا يحق للأطراف الخارجية التدخل فيه بأى شكل، وذلك فى ترديد تقليدى لتصريحات النظام الجزائرى الذى ارتضى من الأشقاء العرب التحلى بالصمت وهاجم أكثر من مرة الأطراف التى تطوعت ولو على المستوى القولى المجرد بإدانة ما تشهده الجزائر من أعمال عنف.
وسوف نسعى فى هذا التقرير إلى محاولة فك خيوط الأزمة الجزائرية وذلك بالوقوف على مواقف الأطراف المختلفة مما يدور داخل الجزائر عبر تتبع الأدوار التى لعبها كل طرف منذ اشتعال فتيل العنف فى الجزائر، مع الاعتراف مقدماً بقصور الدراسة عن بُعد، وما قد تنضوى عليه من ثغرات، خاصة وأن الأزمة الجزائرية هى أعقد من أن يفك طلسمها فى وريقات محدودة ؛ وهى الأزمة التى يعجز الجزائريون أنفسهم ممن يعيشون بداخل الجزائر بل وممن ينجون من أعمال القتل والمذابح عن تفسيرها وإجلاء ضبابها ؛ ولذا فإنه لا يمكن التعهد أن يحمل هذا التقرير كشفاً كاملاً عن حقيقة ما يجرى فى الجزائر أو عن الطرف الأكثر تورطاً فيما تشهده البلاد. ولعل الأهمية الحقيقية للقيام بهذه المتابعة لا تكمن فى التوصل إلى القائمين بأعمال العنف أو فى إدانة طرف بعينه وتبرئة ساحة الآخرين ؛ وإنما تكمن فى لفت الأنظار إلى حقيقة بسيطة مفادها أنه إذا كانت الجزائر لا تشكل حالة متفردة من حيث ظروفها الاجتماعية والسياسية والثقافية وإنما هى أحد الأنماط التقليدية لدولة ما بعد الاستعمار، فإن الذى تشهده الجزائر لا يمكن استبعاد تكراره فى بقية الأنماط التى ما زالت تصر على أن ما تشهده الجزائر يعد شأناً داخلياً، وتنسى أو تتناسى أن الشؤون الداخلية فى معظم الدول التى اشتركت فى الخبرة الاستعمارية تكاد أن تكون نسخاً متكررة لها نفس القابليات وتحمل نفس التناقضات وتعتريها نفس نقاط الضعف. كما أن دراسة الأزمة الجزائرية يمكن اعتبارها دراسة لأحد النماذج المحتمله للتفجر المتسارع الذى لا يمكن ضبطه أو التخفيف من غليانه من دون خسارة المجتمع ككل، خاصة وأن الخبرة العربية الإسلامية ” المعاصره ” تعرف نموذجاً مماثلاً لهذه العملية الانهيارية للمجتمع، تزامن مع بداية الأزمة الجزائرية واكتمل فى مرحلة مبكرة من عمرها ألا وهو النموذج الصومالى، الذى تشابه سيناريو الأحداث فيه مع سيناريو الأحداث فى الجزائر وانتهى بخسارة جميع الأطراف التى انخرطت فى الصراع منذ بدايته، بل وبما هو أكثر من ذلك، باختفاء الدولة الصومالية بأكملها. وإذا كان فرقاء الأمس فى الصومال يحاولون اليوم تدارك ما فات، فإن الأجدر بالدول التى هى على وشك الانزلاق إلى نفس هذه النهاية أن تجنب نفسها الوصول إليها منذ البداية. وتأتى الجزائر على رأس هذه الدول، ذلك أن الصراع الذى تشهده من غير المحتمل أن يسفر عن فوز طرف بعينه على بقية الأطراف، وإنما عن خسارة الجميع، بما يعنيه ذلك من إمكانية التردى إلى نفس النتيجة التى انتهت إليها التجربة الصومالية من قبل، ونعنى بها تحلل للمجتمع وانهيار للدولة. خاصة وأن الدولة فى الجزائر قد تنازلت عن دورها كضابط للإيقاع السياسى، وتحولت إلى مجرد خصم فى منازلة سياسية غير محددة الغايات، فقطاعات كثيرة فى الحكم فى الجزائر ما زالت تؤمن بشدة أن علاج ما تمر به البلاد يتلخص فى القضاء الكامل على الخصوم، حتى لو اتضح أن هؤلاء الخصوم يضمون فى ثناياهم قطاعات كاملة من الشعب الجزائرى. حرب المواقع التى تشهدها الجزائر تعد بهذا المعنى بديلاً لحرب القبائل التى شهدتها الصومال من قبل، كما تعتبر نموذجاً لحرب المذاهب أو الأيدولوجيات التى من الممكن أن تشهدها دول أخرى فى المستقبل المنظور.

النظام الجزائرى: بين صناعة الأزمة ومحاولة حلها

أياً كان المدى الذى تتعدد فيه الأطراف التى تتورط بشكل أو بآخر فى دوامة العنف فى الجزائر ؛ فمما لا شك فيه أن النظام الجزائرى يمثل نقطة ارتكاز أساسية فى العديد من تفاصيل الأزمة المشتعلة فى البلاد منذ ما يقارب السنوات السبع، وتتفق معظم التحليلات المختصة على العودة بتاريخ الأزمة الجزائرية إلى يوم 26 ديسمبر 1991 وهو ما يوافق تاريخ إجراء الجولة الأولى من الإنتخابات التشريعية العامة و التى تمكنت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ من الفوز بـ 188 مقعداً من مقاعد المجلس النيابى البالغ عددها 460 مقعداً أى ما نسبته 47.5 % من إجمالى الأصوات الإنتخابية المشاركة، فيما لم يفز حزب جبهة التحرير ؛ وهو الحزب الحاكم وقتذاك ؛ بأكثر من 15 مقعداً[7].
وقد تمثل رد فعل النظام فى مواجهة هذه النتائج ؛ وكما هو معروف ؛ فى القيام بخدعة دستورية الغرض منها الحيلولة دون استئثار الإنقاذيين بأغلبية المقاعد فى المجلس التشريعى، وكان كبش الفداء الذى قدم لإنجاح هذا الخطة هو الرئيس الشاذلى بن جديد نفسه، بعد أن قام بآداء الدور الذى خصص له والذى تمثل فى قيامه بحل مجلس الشعب فى 4 يناير 1992 ثم ثنى على ذلك بتقديمه استقالته من منصبه فى اليوم التالى مباشرة لتصبح البلاد فى حالة من الفراغ الدستورى الذى يتعذر معه اتمام الجولة الثانية من الانتخابات والتى كان قد تحدد لها يوم 16 يناير 1992. وبالفعل تدخل مجلس الأمن الأعلى ـ المؤلف من رئيس الوزراء وثلاثة من الجنرالات واثنين من الوزراء ـ ليعلن عن إلغاء الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية، و تولى إدارة البلاد ” مجلس أعلى للدولة ” تم تشكيله لهذا الغرض و تألف من خمسة أعضاء تمثلت مهمتهم فى إدارة مهام الحكم لحين انتهاء مدة الرئيس ” المستقيل”.
ترأس المجلس الخماسى أحد زعماء حرب التحرير وهو محمد بوضياف الملقب بـ ” قديس الثورة الجزائرية ” و الذى قضى فى المغرب 30 عاماً منفياً فى مدينة القنيطرة و لم يمكث فى السلطة فى وطنه الجزائر لأكثر من 166 يوماً بعد أن فشل فى مجاراة لعبة التوازنات المعقدة التى تسيطر على الحكم الجزائرى [8] والتى يتمثل أحد أبرز معالمها فى الثقل الواضح لمؤسسة الجيش وتدخلها فى كل صغيرة وكبيرة فى البلاد، إذ لم يكن خافياً على أحد أن استقالة الشاذلى بن جديد نفسه قد جاءت كاستجابة مباشرة للطلب الذى وجهه إليه العسكر فى هذا الخصوص، بعد أن تسبب أو كاد أن يتسبب فى انفلات السلطة من أيدى الجيش بإفساح المجال أمام الجبهة للوصول إلى الحكم، ولذا فإن البعض يقارن بين بن جديد وبوضياف بقولهم إن بن جديد سقط لأنه خرج على دوائر السلطة الفعلية فى الجزائر فى حين سقط بوضياف لأنه لم يدخل فيها أبداً [9]،فعلى الرغم من قبوله العمل وما يتفق ومنطق الجيش من حيث الاستمرار على منهج المواجهة والتحدى بدلاً من الحوار والتعايش إلا إن بوضياف قد وسع من دائرة التحدى هذه لتشمل عدداً من عناصر الجيش نفسه وذلك بعد أن فتح ملفات الفساد على مصراعيها وبدأ فى محاسبة المقصرين وهو الأمر الذى لم يرق كثيراً لجنرالات الجيش الذين استقدموه من منفاه كوجه مقبول لدى الشعب بتاريخه النضالى ولم يستقدموه لكى يقوم بدور القاضى عليهم. وعلى أية حال فقد جاء اغتيال بوضياف ليكون بمثابة تعبير عن رغبة أطراف النزاع فى تصفية حساباتهم بالأسلوب الدموى ونبذ العمل السياسى الهادىء [10].
توازنات السلطة والعلاقات الحساسة بين أطراف اللعبة السياسية والدور الحيوى للعسكر كل هذه الأبعاد تعد مسئولة عن قدر كبير من الغموض الذى مازال يلف الأزمة الجزائرية حتى يومنا هذا، ذلك أنه على الرغم من تأكد المراقبين من الدور الهام الذى تمثله هذه الأبعاد مجتمعة إلا أن الطبيعة الفعلية لهذا الدور لا تزال غير معلنة، الأمر الذى يجعل معظم تحليلات الأزمة الجزائرية تقوم على قدر كبير من الظن الذى لا يرضى عنه الجزائريون أنفسهم، وعليه فإنه لا يمكن أن نلقى بتبعة العنف الذى يخترط البلاد طيلة هذه السنوات على حادث إلغاء الإنتخابات فحسب، فهذا الحادث على الرغم مما ينطوى عليه من دلالات خطيرة إلا إنه لا يكفى بمفرده لكى يقف مبرراً أو مفسراً لطاحونة العنف الأسود التى تلتهم الأبرياء بلا هوادة، ثمة أبعاد أخرى تعد هى المسئول الحقيقى عما يجرى فى الجزائر والمسئول الأصلى عن حادث إلغاء الإنتخابات التشريعية فى أواخر عام 1991، أحد أبرز هذه الأبعاد يتمثل فى الدور الذى يلعبه الجيش فى تشكيل السياسة وإدارة السلطة ـ وإن بشكل غير مباشر ـ بما يضمن له جنى ثمار السلطة الفعلية من دون التحمل بأعبائها.
وعقب اغتيال بوضياف اختير على كافى لرئاسة المجلس الأعلى للدولة، وانضم رضا مالك إلى المجلس كعضو خامس، وأعضاء المجلس الخماسى كانوا فى تلك الفترة هم خالد نزار ؛ وزير الدفاع، على هارون، الشيخ تيجانى هدام، فضلاً عن رضا مالك. وقد لجأ على كافى إلى أسلوب التهدئة عبر مسكنات ولم يتخذ أى خطوات فعلية فى سبيل إيجاد متنفس سياسى شرعى للأزمة الجزائرية، خاصة بعد إعلانه رفض الحوار مع جبهة الإنقاذ التى اعتبرها منتهية، وهكذا انضم على كافى بدوره إلى معسكر أنصار الحل الأمنى متعظاً بتجربة سلفه المغدور. وركز كافى على الأزمة الاقتصادية التى تمر بها البلاد نائياً بنفسه عن ألغام القضايا السياسية وشدد على ضرورة الاهتمام بالوضع الاقتصادى حيث كان من المعروف أن ورقة المجلس الأعلى الرابحة فى محاصرة الإنقاذ إنما تتمثل فى التشكيك فى قدرة الجبهة على إيجاد برامج عملية لمواجهة المعضلة الاقتصادية[11].
وفى هذه الآونة تخلى خالد نزار عن حقيبته الوزارية لمصلحة الجنرال زروال، الذى تعددت الروايات بشأن صعوده السريع فى وقت لم يكن فيه نجمه لامعاً، حيث اختاره المجلس الخماسى رئيساً للبلاد بتوصية مباشرة من المجلس الأعلى للأمن وذلك فى 30 يناير 1994. وكان زروال قد شغل حتى عام 1989 منصب قائد القوات البرية ونائب لقائد الأركان وذلك قبل أن ينشب خلاف بينه وبين الرئيس بن جديد حول إعادة تنظيم الجيش قدم زروال على أثره استقالته حيث عين سفيراً لبلاده فى رومانيا ثم لم يلبث أن قدم استقالته مرة أخرى وعاد إلى مسقط رأسه فى الجزائر حيث اعتزل الحياة السياسية إلى أن دعى لتولى وزارة الدفاع خلفاً للجنرال خالد نزار ثم عين رئيساً للدولة لفترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات [12]. غير أن أهم ما لفت الانتباه إلى هذا الوافد الجديد هو تأكيده على عدم كفاية الحل الأمنى لإخراج البلاد من أزمتها ودعوته لمواكبة الحل الأمنى بمخرج سياسى، وعليه حاول زروال أن يعمل منذ البداية بشكل مزدوج على محورى ” الحوار ـ بناء المؤسسات “، إلا انه لم يرغب أو بالأحرى لم يستطع ـ إذا أخذنا وجود المؤسسة العسكرية فى الحسبان ـ أن يكامل ما بين هذين المحورين، ففى الوقت الذى كان يسعى فيه إلى فتح قنوات اتصال سرية مع قادة الجبهة فى المعتقلات والسجون الجزائرية للتفاوض بشأن إيجاد مخرج للأزمة التى تعتصر البلاد ؛ فإنه لم يسمح باشتراك ممثلى الجبهة فى أى من الجولات الانتخابية المتعاقبة التى شهدتها الجزائر طوال فترة حكمه، وهو ما جعل من فكرة بناء مؤسسات الدولة الجزائرية التى طالما ألح عليها زروال منطوية على خلل أساسى صاحبها فى جميع مراحلها ألا وهو غياب أحد أهم أطراف الأزمة عن ساحة العمل الشرعى ممثلاًً فى الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وترتب على ذلك أن تفاقمت أعمال العنف الدموى بشكل كبير خاصة بعد أن أدى استبعاد الجبهة إلى خلخلتها داخلياً وتسرب العديد من الانشقاقات عن محيط سيطرتها و أبرزها الجماعة المسلحة التى أصبحت تعمل باستقلالية تامةً وبشكل يصعب السيطرة عليه من قبل النظام بل ومن قبل جبهة الإنقاذ نفسها. وقد وصل حد التعارض بين الجبهة الأم وما انفصل عنها من جماعات إلى حد نشوب اشتباكات مسلحة بين الطرفين أخذت فيها الجبهة فى العديد من الأحيان جانب الجيش الذى تولى مهمة تصفية هذه الجماعات منذ بداية ظهورها.
وعقب توليه السلطة شرع زروال فى تشكيل فريق عمله والذى كان أحد أبرز أطرافه الجنرال محمد بتشين، الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الجزائرية والذى يوصف بأنه مهندس مشروع زروال الإصلاحى، حيث تولى ؛ نيابة عن زروال ؛ ملف المفاوضات مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وقام بوصفه مستشار الرئيس للشئون الأمنية والسياسية باقتراح العديد من الإصلاحات التى تبناها زروال بحماس وعلى رأسها المشروع المؤسسى الذى سار بالتوازى مع عدد من الجولات الحوارية مع الجبهة، والجنرال بتشين أحد العسكريين القلائل الذين حافظوا على وجودهم فى الدائرة الأولى للسلطة بعد انهيار حكم “جبهة التحرير الوطنى” التى احتضنته فى لجنتها المركزية منذ عام 1979، ثم قادته صراعات القوى إلى روما حيث عمل ملحقاً عسكرياً فى سفارة بلاده منذ عام 1981 ليعود منها قائداً لمناطق عسكرية مختلفة فى الجزائر قبل أن يتولى منصب رئيس المخابرات العسكرية [13]. وقد راهن بتشين على سيناريو الحوار واعتبر أنه لا خروج للدولة مما تعانيه من عنف أسود إلا من خلال مد جسور للحوار مع الإسلاميين الذين ينبذون العنف، وقد لقى هذا النهج ترحيباً ـ على الأقل علنياً من الأمريكيين والفرنسيين ـ فى مرحلة ما، وهو السبب الذى وقف وراء دعم الدولتين لنظام الرئيس زروال إعلامياً [14] على اعتبار أن هذا يعد أنسب الحلول لمواجهة خطر الجماعات المسلحة من وجهة نظرهم.
وعلى الرغم من كافة التطورات السلبية التى اعترضت مشروع زروال المؤسسى وأبرزها استمرار أعمال العنف بلا توقف، فإن زروال وفريقه الاستشارى قد أصرا على مواصلة الحل السياسى ـ مع عدم إيقاف الحل الأمنى الذى كان له بدوره أنصاره الأقوياء داخل دائرة السلطة الفعلية ـ وقد تمثل جوهر هذا الحل السياسى وفقاً لزروال فى ضرورة تخطى شرعية انتخابات 1991 الملغاة وذلك عبر بناء شرعية مضادة بما يؤدى ـ وفقاً له ـ إلى إنهاء مسلسل العنف الذى تشهده البلاد. وكانت أولى خطوات الحل السياسى تتمثل فى تعجيل موعد إجراء الانتخابات الرئاسية التى حدد لها يوم 16 نوفمبر 995[15] وتقدم لخوضها 40 مرشحاً لم ينجح سوى أربعة منهم فى استيفاء الشروط اللازمة لخوضها[16]. وكان هؤلاء المرشحون هم: رئيس البلاد فى المرحلة الانتقالية الأمين زروال، سعيد سعدى الأمين العام لحزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية وممثل البربر فى هذه الانتخابات، محفوظ نحناح ممثل التيار الإسلامى وزعيم حركة حماس، وأخيراً نور الدين بوكروح مرشح حزب التجديد الجزائرى والذى يعتبره المراقبون ممثلاً لتيار إسلامى شديد الإعتدال يقف على تضاد مع كافة التيارات الموجودة على الساحة الجزائرية بما فيها التيار الإسلامى التقليدى والتيار العلمانى بطبيعة الحال، أما رضا مالك ؛ رئيس الوزراء الأسبق وأحد أنصار نظرية الحل الأمنى والذى أسس حزباً مضاداً للإسلاميين ( حزب التجمع من أجل الجمهورية ) فقد فشل فى الحصول على التوقيعات اللازمة لترشيح نفسه.
ووفقاً للبعض لم يكن المقصود من وراء إجراء هذه الانتخابات اختبار ما إذا كان الرئيس زروال سيفوز بها أم لا بقدر ما كان المقصود تحصيل أكبر قدر من المشاركة الشعبية يؤسس عليه زروال شرعية حكمه للبلاد فى مواجهة العوامل المتعددة التى كانت تنال من هذه الشرعية وعلى رأسها المجازر المستمرة بدون توقف، فضلاً عن الاتهامات التى كانت تلاحقه سواء من قوى المعارضة أو من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان[17]، بل إن البعض يذهب إلى أن التوقيت الذى اختاره النظام كان مستهدفاً فى حد ذاته ؛ حيث قدر النظام الجزائرى أن الأوضاع الأمنية المتردية سوف تساعده على تحقيق الإجماع الوطنى حول شخصية وحيدة تقدمها السلطة [18]. وقد تحقق لزروال ما أراد، حيث أُعلن أن نسبة المشاركين قد بلغت أكثر من 75 % من إجمالى المسجلين فى القوائم الانتخابية، ولذا فقد أصبح سائداً أن يستخدم زروال نتائج هذه الانتخابات فى خطبه الإعلامية مذكراً بأنه فيما لم يشارك فى انتخابات 1991 سوى ما نسبته أقل من نصف الشعب الجزائرى فإن 12 مليوناً من إجمالى 16 مليون جزائرى مسجلين فى قوائم الانتخابات قد اشتركوا فى انتخابات 1995، وأن نصيبه من أصواتهم بلغ 61 % وهو ما يثبت ـ وفقاً له ـ أن الشعب الجزائرى قد اختار فتح صفحة جديدة فى مسيرته الديموقراطية.
وعقب تنصيبه رئيساً منتخباً للبلاد فى 27 نوفمبر 1995 استهل زروال فترته الأولى بالإعلان عن إغلاق معسكر الاعتقال الأخير من معسكرات الاعتقال السبعة التى فتحت أبوابها بعد إلغاء انتخابات 1991 لاستقبال المعتقلين من أنصار الجبهة بالأساس، ومن ثم الإفراج عن 650 سجيناً كما اختار زروال أحمد أو يحيى لرئاسة الحكومة بدلاً من مقداد سيفى [19]، حيث شكل أويحيى وزارة جديدة ضمت اثنين من حركة حماس، وكأن زروال كان يسعى بذلك إلى ترجمة تصريحاته التى أدلى بها فى خطابه الرئاسى عندما أعلن أنه رئيس لكل الجزائريين وأن يده ممدودة للجميع بدون إقصاء [20].
ولكن لم تكد مرحلة الانتخابات الرئاسية أن تنتهى إلا وعادت البلاد إلى إلى أسوأ مما كانت عليه من قبل حيث تفاقمت المذابح وأعمال العنف بشكل مروع وانتشرت سلسلة التفجيرات والقتل العشوائى بطول البلاد وعرضها وبدت الجزائر كما لو كانت بصدد حرب أهلية غير محددة الأطراف أو الأهداف، ورغم ذلك فقد ظل الرئيس زروال متمسكاً بفكرة الحل المؤسسى، حيث لم تحفزه تلك الأحداث على النزول إلى أرض الواقع ومحاولة معالجة الأزمة من جذورها، وإنما ظل يعمل وفق نمط الفكر المؤسسى مع اللجوء الحذر لما أطلق عليه الحوار الوطنى المحكوم، وبالتوازى مع الحل المؤسسى حاول النظام الجزائرى امتصاص السخط الجماهيرى من خلال سلسلة من التصريحات التى حاول من خلالها التقليل من أهمية ما يجرى فى البلاد من عنف، كما عمد إلى اتهام الصحافة بالمبالغة فيما تنشره من أرقام الضحايا ؛ ولذا فقد أصبح للحكومة الجزائرية أرقامها التى تقل كثيراً عن الأرقام التى تنشرها الصحف حول المغدورين فى المذابح المتكررة. وكثيرة هى التصريحات التى صدرت على ألسنة المسئولين يعدون فيها بالقضاء على فلول الإرهاب ” الذى يلفظ أنفاسه الأخيرة “. وإلى جانب اتهام الصحف بالمبالغة دأب المسئولون الجزائريون وعلى رأسهم الرئيس زروال نفسه على اتهام دول خارجية متعددة ؛ وعلى رأسها إيران [21]؛ برعاية الإرهاب وتغذيته بالمال والسلاح وامتدت الاتهامات فى مرحلة لاحقة لتطول عددا من الدول الأوربية التى وصفت بأنها تمــــارس لعبة النفاق مع الإرهاب فى الجزائر [22].
ولكن لم تجد كثيراً هذه الاتهامات كما لم تنجح فى تحويل اهتمام المواطنين تجاه أطراف خارجية، فقد ظلت شكوك معظم الجزائريين تحوم حول القوى المتصارعة داخل الجزائر نفسها، ولذا فقد انتقل زروال إلى الخطوة الثانية فى ” برنامجه التأسيسي” حيث أعلن فى مؤتمر صحفى أن حكومته قد اعتزمت عقد مؤتمر وطنى للتحضير لإجراء استفتاء عام حول تعديل الدستور الجزائرى قبيل نهاية عام 1996 وتنظيم انتخابات عامة فى النصف الأول من عام 1997. وقد تضمنت التعديلات الدستورية التى طرحت للاستفتاء: حظر قيام الأحزاب على أسس دينية أو لغوية أو جهوية، الاعتراف بالإسلام واللغة العربية والثقافة البربرية كمقومات ثلاثة للشخصية الجزائرية، قصر مدة تولى الرئاسة إلى فترتين تمتد كل منهما لخمسة أعوام، وإنشاء مجلس ثنائى الغرفة، والعمل وفقاً لنظام التمثيل النسبى [23].
وقد اعتبر البعض أن الإضافة الخاصة بإنشاء غرفة ثانية للبرلمان الجزائرى كانت المقصود الأساسى من وراء تعديل الدستور، نظراً لما أفرزته من زيادة فى قوة موقف النظام الجزائرى، فقد نص هذا التعديل على أن يتشكل هذه المجلس من خلال قيام الرئيس بتعيين ثلث أعضائه، فيما يتم اختيار الثلثين المتبقيين عبر المجالس المحلية ومجالس الولايات. وقد أُعطى المجلس الجديد صلاحية على قدر كبير من الأهمية تتمثل فى ضرورة تصديقه على أى قانون يمرره المجلس الوطنى ؛ الغرفة الأولى للبرلمان ؛ وذلك بأغلبية ثلاثة أرباع الأصوات لكى يصبح هذا القانون نافذاً. ومن الطبيعى أن هذا التعديل قد مثل ورقة احتجاج رئاسية فى وجه أى تشريع قد يتعارض مع أغراض النظام ويفلت رغم ذلك من بين أيدى مجموعته البرلمانية. أما بقية التعديلات فقد كانت مقررة بشكل أو بآخر منذ دستور 1989 بما فيها ذلك التعديل الخاص بحظر إنشاء تجمعات سياسية على أسس دينية[24].
وكانت أحزاب المعارضة قد سبق واعترضت على أجندة الرئيس للإصلاح المؤسسى، حيث ارتأت هذه الأحزاب أن الانتخابات التشريعية ينبغى أن يكون لها السبق على تعديل الدستور، وذلك لكى تتاح الفرصة أمام البرلمان الجزائرى المنتخب لكى يدلى بدلوه فى الإضافات المقترحة للدستور الجزائرى، غير أن الرئيس زروال أعلن أن أغلب القيادات التى استشارها قد رجحت هذا الترتيب وذلك فى جولة الحوار الوطنى التى دعا إليها النظام فى شهر إبريل من عام 1996.
وعلى الرغم من نجاح النظام فى إقرار هذه التعديلات الدستورية إلا أن المراقبين لم يرصدوا أى تحسن فى موقف زروال، واعتبر البعض أن تعديل الدستور ـ وعلى العكس من الانتخابات الرئاسية ـ لم يسهم فى دعم شرعية الرئيس زروال فى مواجهة بقية أطراف اللعبة السياسية، وإنما زاد من التوترات الكائنة بينهما [25]. والغريب فى هذا السياق أن جبهة الإنقاذ المحظورة لم يكن لها رد فعل مباشر بشأن نجاح الحكومة فى إقرار التعديلات الجديدة وذلك على خلاف موقفها الداعم لنتائج الانتخابات الرئاسية، أما بقية الأحزاب المعارضة فإن الهوة بينها وبين النظام قد اتسعت خاصة أنه قد أصبح لزاماً عليها أن تعيد تأسيس نفسها لكى تتماشى مع المشروعية الدستورية، فضلاً عن أنها تحملت بالتزامات متعددة اعتبر أن الغرض منها هو تحجيم قوتها فى مواجهة النظام الجزائرى.
اختزال قوى المعارضة
خطوة التعديل الدستورى نُظر إليها على أنها خطوة أساسية من أجل تعضيد موقف النظام فى بقية مراحل المسيرة الديمقراطية التى وعد زروال بخوضها، والتى تتضمن إجراء انتخابات تشريعية ومحلية، ثم إجراء انتخابات مجلس الأمة الذى أفرزته هذه التعديلات نفسها، فهذه التعديلات فضلاً عن كونها قد دعمت من موقف الرئيس من خلال إعطائه سلطة الحكم بمراسيم خلال فترات توقف البرلمان وفترات العمل بقانون الطوارئ، فإنها قد ضمنت أيضاً عدم تكرار ما حدث فى انتخابات 1991عندما استأثر حزب واحد (الإنقاذ ) بأغلبية المقاعد، وذلك باستبدال النظام الانتخابى القديم بنظام الانتخاب بالقائمة النسبية، كما أن هذه التعديلات قد نجحت فى اختزال وإضعاف قوى المعارضة الشرعية التى تعرض كثير منها للإحراج بعد أن طلب منه تغيير اسمه، مثل حزبى النهضة وحماس الذين طلب منهما إلغاء وصف الإسلامى من اسميهما، الأمر الذى أخل بدرجة كبيرة من مصداقية الحزبين أمام المواطن الجزائرى. وقد بدا هذا بوضوح من خلال التراجع الملحوظ الذى شهدته أحزاب التيار الإسلامى فى المناسبات الانتخابية المتعاقبة، ففى الانتخابات التشريعية التى أجريت فى 5 يونيو 1997 احتل حزب حمس ( وهو الاختصار الجديد لحماس بعد أن تغير اسمه إلى حركة مجتمع السلم ) المركز الثانى، واحتل حزب النهضة المرتبة الرابعة [26]، ثم تراجع ترتيب حزب حمس فى الانتخابات المحلية إلى المركز الثالث، واكتفى حزب النهضة بالمركز الخامس [27]بعد أن تخطاه حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية [28]، أما فى انتخابات مجلس الأمة فقد تراجع ترتيب “حمس ” إلى المركز الرابع[29] وهو الأخير فى هذه الحالة إذ لم يحرز سوى مقعدين بعد أن تخطاه هو الآخر الحزب القبائلى البربرى ؛ جبهة القوى الاشتراكية ؛ الذى استهدفه بدوره التعديل الدستورى فى أحد بنوده وذلك حينما نص على ضرورة تواجد قادة الأحزاب بشكل منتظم داخل الجزائر العاصمة، حيث اعتبر أن المقصود تحديداً من هذا النص هو حسين آيت أحمد ؛ زعيم جبهة القوى الإشتراكية ؛ والذى عرف عنه التواجد خارج الجزائر لفترات طويلة لاعتبارات أمنية بالأساس.
وقد حصل هذا الضمور فى قوة أحزاب وقوى المعارضة وعلى رأسها التيار الإسلامى ؛ برموزه التى سمح بها النظام كبديل شرعى للإنقاذ المحظورة ؛ فى الوقت الذى تنامت فيه قوة حزب الرئاسة الجديد الذى أنشأه زروال ليخوض به الجولات الانتخابية المتعاقبة، وهو حزب التجمع الوطنى الديموقراطى، وكان زروال قد نجح فى إيجاد جناح مؤيد له داخل حزب جبهة التحرير، وذلك بعد أن تولى بوعلام بن حمودة منصب الأمين العام للحزب فى يناير 1996، ورغم ذلك فإن زروال لم يقتنع بأداء الحزب أثناء عملية الاستفتاء على تعديل الدستور مما دفعه إلى إنشاء حزب جديد موالٍ لمؤسسة الرئاسة، وعليه قام بتكليف عبد الحق بن حمودة ؛ رئيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين بالقيام بهذه المهمة، و عقب اغتيال الأخير، فى إطار سلسلة التوازنات المعقدة فى الجزائر، اختار زروال عبد القادر بن صلاح لقيادة حزبه الجديد، والذى تمكن من خلاله بالفوز بأغلبية أصوات الناخبين فى كافة الجولات الانتخابية التى خاضها، وأولها الانتخابات التشريعية ؛ التى فاز بها التجمع الوطنى ولم تتعد مدته على الساحة الحزبية الجزائرية أكثر من ثلاثة أشهر.
وقد اختلفت التحليلات التى قدمت لتفسير الولادة القوية لهذا الحزب، حيث ذهب فريق[30] إلى أن حزب التجمع قد فرض نفسه بقوة بفعل تنظيمه الجيد ودعايته الانتخابية الهادئة التى اتسمت بالواقعية وعدم تقديم وعود وردية، وبفعل ما يمتلكه من كوادر وقيادات سياسية متمرسة … أما الفريق الثانى[31] فقد رأى أن ذلك الحضور القوى لهذا الحزب قد تم بشكل مفتعل، ذلك أنه قد خاض الانتخابات وهو لا يزال فى طور البحث عن أيدولوجيا وخطاب سياسى متماسك، فضلاً عن أن هذا الحزب قد حقق هذا الفوز الكبير فى حين لم يكد الناخبون يحفظون اسمه … كل ما هو معروف عنه أنه حزب الرئيس زروال، ولذلك آثر منظمو العملية الانتخابية إعطاء الحزب الرمز (ز) وهو الحرف الأول من اسم الرئيس، الأمر الذى أعطى انطباعاً بأن التصويت لذلك الحزب هو تصويت على شخص الرئيس زروال نفسه.
وقد أعطى فوز التجمع الوطنى الديموقراطى بالأغلبية فى كل الدورات الانتخابية التى خاضها انطباعاً للمراقبين بأن الجزائر على وشك الدخول ؛ أو إعادة الدخول ؛ فى مرحلة جديدة من سيطرة الحزب الواحد على كافة مقاليد الحكم فى البلاد [32]، وهو الانطباع الذى حاول النظام الجزائرى التغلب عليه من خلال إتاحته الفرصة أمام قوى المعارضة لتقديم ما فى جعبتها من بدائل لحل الأزمة التى تتهم النظام الجزائرى بالإخفاق فى التصدى لها والتعامل معها. وفى هذا السياق قبلت حكومة أو يحيى الطلب الذى توجهت به المعارضة لمناقشة الوضع الأمنى فى البلاد [33]وتم عقد جلسة برلمانية لهذا الغرض استمرت لمدة ست ساعات، أوضح خلالها أويحيى أن حصيلة العنف فى البلاد لا تتجاوز 26 ألف قتيل ( وهو رقم يقل كثيراً عن التقديرات التى تقدمها وكالات الأنباء العالمية والتى تتراوح بين 75 ألف و120 ألف قتيل ) كما حمل أويحيى على دول أوربية وعربية اتهمها بدعم الإرهاب فى الجزائر عبر سماحها لجماعات إرهابية بالعمل على أراضيها، واعتبر أن إيران تأتى على رأس من يدعمون الإرهاب فى دولته، وأوضح أن أحد أهداف الإرهاب هو إيقاف العملية الديموقراطية التى تشهدها الجزائر، حيث رصد بدء تنفيذ المجازر الجماعية فى شهر أغسطس 1996 وهو الموعد الذى عقدت فيه الندوة الوطنية الثانية التى تكفلت بإتمام المؤسسات التشريعية فى الجزائر.
غير أن إجابات أو يحيى لم تقنع الكثير من النواب الذين أصروا على عقد جولة ثانية بشأن نفس الموضوع، وقد دامت الجولة الجديدة سبع ساعات، وناقش فيها النواب الأبعاد المختلفة للأزمة الجزائرية وعلامات الاستفهام المختلفة المحيطة بها، وعلى رأسها تلك المرتبطة بكيفية تسريب الأسلحة إلى الجماعات الإرهابية، وأسباب وجود قوات الأمن بالقرب من أماكن وقوع المجازر[34]، إلى غير ذلك من التساؤلات التى يطرحها تقريباً كافة المتتبعين للشأن الجزائرى، الأمر الذى أظهر طبيعة الغموض الذى مازال يلف أبعاد الأزمة الجزائرية بالنسبة لأولئك المعايشين لها من داخل الجزائر وبشكل قد يفوق ما يستشعره المتتبعون لها من خارج الجزائر، وذلك على الرغم مما أعلنه نائب رئيس المجلس الشعبى الوطنى الجزائرى ؛ الطاهر بن يعيش ؛ من أن ” الكل يعرف من هم القتلة فى الجزائر” [35]، الأمر الذى يجعل الحل من وجهة نظرة لا يكمن فى الحوار ؛ و إنما فى إنهاء القتل والعنف، أى فى مواصلة الحل الأمنى، وهو المنطق الذى لم يزد الأوضاع إلا سوءاً منذ بداية الأزمة.

حصاد المرحلة الانتقالية:

وهكذا قفل عام 1997 على ما احتواه من مجازر مروعة و أعمال عنف طاحنة والجزائر مستكملة لأبنيتها الدستورية ومؤسساتها التمثيلية، وذلك بعد رحلة شاقة راهن عليها الرئيس زروال واعتبرها كفيلة بوأد الإرهاب والقضاء على فلوله، وأصر على استكمالها حتى نهايتها على الرغم مما صاحبها واقترن بها من عنف طاحن وقتل أهوج، الأمر الذى عكس مفارقة مزدوجة لدى متتبع الشأن الجزائرى، جانبها الأول يتمثل فى إصرار النظام الجزائرى على بناء الشرعية للوقوف بها فى وجه أطراف لا تعنيها مسألة الشرعية فى شىء، سواء أكانت هذه الأطراف عبارة عن جماعات متشددة مسلحة أو تيارات استئصالية داخل صفوف الجيش، أو حتى مجرد جماعات موتورة انجرفت إلى دوامة العنف لاعتبارات الثأر والانتقام الجماعى، سواء أكان انتقاماً ظنياً أو مؤكداً. أما الجانب الثانى لهذه المفارقة فيتمثل فى إقصاء النظام، وهو بصدد تشييده لمؤسساته التمثيلية، للطرف الأهم فى الأزمة الجزائرية ممثلاً فى الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتى كانت الأقرب للفوز فى انتخابات 1992 الملغاة،هذا الإقصاء تسبب فى إثارة أكثر من علامة استفهام بعضها يتعلق بمدى مصداقية التجربة الديموقراطية فى الجزائر من جهة وبعضها الآخر يتعلق بطبيعة الدور والضغوط التى يمارسها العسكر على سير العملية الديموقراطية، ومدى اتساق هذه الضغوط مع الرغبات غير المعلنة للأطراف الدولية والإقليمية التى ظهرت بمظهر من يقبل بانتهاك الديموقراطية للحيلولة دون حدوث تطورات غير مأمونة العواقب، وأبرزها احتمال وصول الإسلاميين للسلطة، أياً كانت الخسائر التى يمكن أن تصاحب هذا الانتهاك والتى لا يتحملها أحد سوى الشعب الجزائرى نفسه.
وعلى أية حال فقد انتهت المرحلة الانتقالية والبلاد فى وضع لم يختلف كثيراً عنه قبل بدايتها وبحيث بدا واضحاً أن توقعات الرئاسة لم تكن فى محلها، وبخاصة تلك التى ربطت بين إجراء الانتخابات وخروج البلاد من دوامة العنف والفوضى إلى حالة السلم والاستقرار وبناء الديموقراطية فعلى الرغم من تحقق بعض المكاسب السياسية الهامة للنظام الجزائرى وعلى رأسها توفير الشرعية للسلطات التى ظلت تفتقر إليها منذ انقلاب 1992 وإلغاء المسلسل الإنتخابى الأول الذى شهدته الجزائر على أساس التعددية وحياد الإدارة بعد الإستقلال، فإنه ـ أى النظام الجزائرى ـ لم ينجح فى توظيف الإيجابية الملحوظة التى تعامل الشعب الجزائرى من خلالها مع دعاوى الحكومة بالمشاركة والتصويت فى المناسبات الانتخابية المتتالية، كما أنه لم ينجح فى توظيف الشرعية الجديدة التى تحصل عليها فى بناء جسور للحوار الجاد والعلنى مع كافة الأطراف المعنية بالأزمة الجزائرية [36]، وإنما ظلت التوازنات المعقدة بين أطراف المركب ” الإدارى ـ العسكرى ” حاكمة لما يجرى فى الكواليس، ومعرقلة لأى احتمالات للحلول الجذرية للأزمة. خاصة وأن التيار المتشدد كان ينظر إلى نتائج هذه المرحلة الانتقالية بعين القلق على اعتبار أنها قد أدت ؛ ضمن ما أدت إليه ؛ إلى إيجاد برلمان ثلثه من الإسلاميين، فضلاً عن أنها قد سمحت للأخيرين بالتواجد فى الحكومة الائتلافية ؛ وإن على رأس وزارات هامشية ؛ لأول مرة.
معسكر الصقور: العمل من وراء الستار
يضم معسكر الصقور فى عضويته كافة أنصار الحل الأمنى الرافضين للحوار، على اختلاف مواقعهم من هرم السلطة ؛ سواء تلك الرسمية أوغير الرسمية ؛ ويأتى فى مقدمتهم كل من خالد نزار وزير الدفاع السابق وأحد أعضاء المجلس الأعلى للدولة، والذى كان الممسك الفعلى بالسلطة بعد استقالة الرئيس بن جديد فى يناير 1992 إلا أنه كان حريصاً على إبعاد الجيش عن واجهة السلطة مبقياً على التقليد المعروف بالحكم من وراء الستار، ولذا قبل النزول عن السلطة لمصلحة الأمين زروال الذى مثل أفضل البدائل فى حينه [37]، و رضا مالك ؛ رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب التجمع من أجل الجمهورية، أحد أبرز أنصار الحل الأمنى، و الذى ينتقد الائتلاف الحاكم بوصفه يشتمل على أطراف إسلامية، توظف الدين فى السياسة وترفع شعارات دينية أيدولوجية، و محمد العمارى ؛ رئيس الأركان والموصوف بالرجل القوى فى مؤسسة العسكر، وذلك على الرغم من تكتمه الشديد وقلة تصريحاته المعلنة، وهو يقود منذ سنوات حملة استئصال ضد الجماعات المسلحة، وتشرف قواته على ميليشيات الدفاع الوطنى ؛ التى سلحها الجيش لتتولى مهمة ” الدفاع ” فى المناطق البعيدة عن ثكناته.
ويعد الدور الذى يلعبه الجيش فى تشكيل السياسة وإدارة السلطة فى الجزائر دوراً أساسياً ؛ كما يمكن أن نتعامل معه كمتغير مستقل فى مختلف مراحل تطور الأزمة الجزائرية، حتى وإن توارى الحديث عنه إعلامياً أو طغت عليه الممارسات التأسيسية التى راهن عليها نظام زروال طوال فترة حكمه للجزائر، فقد كان الجيش يقيم هذه الممارسات إما سلباً أو إيجاباً ويحتفظ بحقه فى التدخل فى الوقت المناسب و بطرق شتى، وهو الأمر الذى بدا بوضوح فى القرار الأخير الذى اتخذه زروال بخصوص عزمه التخلى عن السلطة قبل موعد انتهاء ولايته، حيث تناثرت الأقاويل التى تؤكد على أن زروال لم يقدم على فعل ذلك باختياره، وإنما تحت ضغط من معسكر الصقور الذى يعمل من وراء الستار.
وقد أحيط نشاط معسكر الصقور بغموض كبير دفع البعض إلى التخمين بتورطه فيما تشهده البلاد من مذابح، وهو الاتهام الذى دعمه التصريح الذى أدلى به الجنرال بتشين ـ فى إطار الحرب الكلامية التى نشبت عقب قرار الرئيس زروال التنحى عن الحكم ـ والذى أكد فيه على أن السلطة قد شكلت فى بداية التسعينات ما سماه بـ “كتائب الموت ” وذلك فى اتهام صريح لمؤسسة الأركان ورئيسها الجنرال العمارى [38].
وقد تعددت التحليلات التى انطلقت من فرضية تورط جناح المتشددين فيما شهدته ؛ وتشهده ؛ البلاد من مذابح. ثمة اتجاه يذهب إلى أن تورط متشددي النظام فى هذه المذابح يهدف إلى تشكيل رأى عام ضد الإسلاميين بما يساهم فى إقصائهم عن المشاركة أو على الأقل تحجيم أى نجاح يمكن أن يحصلوا عليه فى أى مناسبة انتخابية لاحقة تشهدها البلاد [39]. فريق آخر ذهب إلى أن الجهاز المتشدد داخل السلطة يقوم بتنفيذ عمليات القتل الجماعية فى القرى التى أيدت الجبهة الإسلامية للإنقاذ فى انتخابات 1991 أو جناحها المسلح بعد إلغاء هذه الإنتخابات [40]، فضلاً عن القرى التى ينخرط شبابها فى صفوف الجماعة الإسلامية المسلحة، ولعل ما يؤيد التفسير السابق أن كثيرا من المناطق التى ترتكب فيها هذه المذابح هى بالفعل محسوبة على الإسلاميين، كذلك فإن مما يثير التساؤلات هو حقيقة وقوع العديد من المجازر فى المناطق والولايات المحيطة بالعاصمة مثل المدية والبليدة وعين الدفلى، علماً بأن هذه المناطق تشكل قواعد أساسية للجيش الجزائرى الذى يتخذ منها خط الدفاع الأول عن العاصمة. والتساؤل الذى يطرحه معظم المهتمين بالشأن الجزائرى يدور حول السهولة التى تستطيع بها الجماعات المسلح تنفيذ مجازرها والفرار قبل وصول قوات الأمن ولماذا تصل هذه القوات ؛ فى معظم الأحيان ؛ بعد المجازر وليس قبلها. وقد ضاعف من هذه الشكوك التصريحات والبيانات المثيرة للغموض والتى تقوم السلطات الجزائرية بالإفصاح عنها بين الحين والآخر، ففى يوليو 1997 أصدرت الحكومة بياناً يفيد انضمام أحد قادة الجماعة الإسلامية إلى صفوفها، معتبرة أن هذا الانضمام يشكل ضربة قوية لهذه الجماعات، إلا إن هذا البيان قد عزز شكوكاً انتشرت بكثافة خلال السنوات الأخيرة مفادها أن الجماعة المسلحة تنظيم مخترق من الجهاز العسكرى الجزائرى.
وقد وصفت الدعاية التى يتم ترويجها عبر الصحف الخاصة والحكومية من يقومون بارتكاب هذه المذابح بأنهم طائفة متوحشة محلوقة الشعر مطلوقة اللحى تعوى عند الهجوم كالذئاب، بيد أن هذه الدعاية قد تركت أثراً عكسياً لدى شرائح واسعة من الرأى العام المحلى التى أصبحت تعتقد بأن مثل هؤلاء القتلة لا يمكن أن تكون لهم أية علاقة بالإسلام بأى شكل من الأشكال، وأن هذه المذابح التى تستهدف مواطنين عزلاً من الصعب أن تنسب إلى الجماعات الإسلامية وحدها[41].
غير أن الشائعات التى تحدثت عن تورط أنصار الحل الأمنى فى المجازر التى تشهدها الجزائر قد دخلت إلى حيز الوقائع بعد أن ظهرت القرائن الدامغة على اشتراك عناصر من قوات الأمن الجزائرية وعدد من رؤساء البلديات، ورجال المقاومة الشعبية فى المذابح التى تشهدها البلاد. وقد بدأ الأمر بظهور تقرير رسمى تناقلته الصحف الجزائرية جاء فيه أن هناك 128 حالة على الأقل انتهك فيها أفراد من قوات الأمن الحكومية حقوق الإنسان ؛ اشتملت على أعمال قتل واغتصاب وخطف، ونقلت الصحف عن تقرير للمرصد القومى لحقوق الإنسان أن من بين 52 حالة وفاة مشتبه بها عام 1997 ؛ حدثت سبعة حالات داخل مراكز الشرطة [42]. ثم تحول الأمر من مجرد انتهاك لحقوق الإنسان إلى تورط فى جرائم متعمدة، حيث ذكرت مجموعة من الصحف الخاصة أن نحو اثنى عشر مسئولاً محلياً وعضواً فى مجموعات الدفاع الذاتى فى ولاية غليزان قد ألقى القبض عليهم للاشتباه فى أنهم قتلوا عشرات المدنيين، وكتبت الصحف أن الموقوفين قد مارسوا القرصنة فى المنطقة تحت ذريعة التدخل ضد أشخاص يشتبه فى انتمائهم إلى الجماعة الإسلامية المسلحة، وأضافت بأنهم قاموا بمصادرة الأموال ومارسوا النهب وتدمير الممتلكات وخطف الأشخاص وإعدامهم عشوائياً، وكان من ضمن الموقوفين رئيس بلدية غليزان نفسه فضلاً عن قائد قوات الدفاع الذاتى فى منطقة غليزان ومنطقة جيديوة المجاورة، وقد أحاطت بهما الشبهات بعد أن تم اكتشاف قبرين جماعيين فى بئر وقبو يحتويان على التوالى على 17 و 62 جثة [43].
ثم ذكرت صحيفة الوطن الجزائرية أن السلطات قد اعتقلت 120 من رجال الشرطة الذين اتهموا بانتهاك حقوق الإنسان، وذكرت الصحيفة أن وزارة العدل قد رصدت عشر حالات إعدام من دون محاكمة من بينها إعدام سبعة أشخاص داخل مراكز الشرطة، وتتوجت هذه الأنباء بقيام محكمة جنايات ولاية تيزى أوزو الجزائرية بإصدار أحكام تتراوح بين الإعدام والسجن المؤبد والسجن لمدد تتراوح بين 10 و 20 عاماً ضد تسعة من عناصر الحرس البلدى لارتكابهم تجاوزات أمنية بما فى ذلك القتل العمد لثلاثة مواطنين، والحريق لمنازل يسكنها مواطنون، ويأتى هذا الحكم فى إطار سلسة من الأحكام أصدرتها المحاكم الجزائرية ضد عدد من أفراد الأمن، لما وصف بالتجاوزات التى ارتكبها هؤلاء[44].
وهكذا تكشف التطورات التى تشهدها الجزائر عن حقيقة مفادها أن شبكة العنف هناك ليست أحادية الفاعل، فالأمن والجماعات والميليشيات التى سلحها الجيش بنفسه تتقاسم المسئولية ؛ وإن بنسب متفاوتة لا يمكن تحديدها بدقة ؛ عما تشهده البلاد من عنف. غير أن هذه الأطراف التقليدية قد انضمت إليها مؤخراً أطراف أخرى غير تقليدية لتدلى هى الأخرى بدلوها فى شبكة العلاقات الملتهبة بين القوى الأساسية على الساحة، ونقصد بها الأقلية البربرية ؛ وممثلوها السياسيون أو حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية وحزب جبهة القوى الإشتراكية، فضلاً عن ممثليها المسلحين ونقصد تلك الحركة التى ظهرت عقب اغتيال المطرب القبائلى ؛ معطوب الوناس ؛ والتى أطلقت على نفسها اسم الحركة البربرية المسلحة. هذا ويفضل البعض الحديث عن الوجود البربرى تحت مسمى حزب فرنسا أو طابور فرنسا الخامس فى الجزائر!.

الفرانكوفونيون: الطابور الخامس

يُرجع البعض بداية الفرنكوفونية فى الجزائر إلى عام 1875 م، حين بدأت فرنسا تأخذ أبناء الباشاوات والأغوات المرتبطين بها إلى ترابها وتدمجهم فى مدارسها، لتنشئهم على قيمها ونمط المعيشة فيها، وصاحب ذلك حملة واسعة من التنصير خاصة بين أطفال القبائل. وقد اتفق المؤرخون على أن الذين حملوا لواء الاندماج فى الثقافة الفرنسية هم أولئك الفرنكوفونيون لا غيرهم، سواء من كان منهم ممثلاً للأهالى فى الإدارة أوالمثقفين أو السياسيين. والفرنكوفونية فى الجزائر ممثلة فى تيار ثقافى اجتماعى، اصطلح على وصفها بـ ” حزب فرنسا ” وتعنى حسب قاموس الشارع السياسى حزب الاستعمار جيشاً ولغة وثقافة وسياسة، الذى يعادى حزب الجزائر شعباً ولغة وثقافة[45].
ويعقد الفرنكوفونيون أمالاً عريضة على مؤسسة الجيش وتحديداً على هيئة الأركان، التى يرأسها الجنرال العمارى، حيث توجد بين الطرفين روابط وثيقة ومصالح متعددة، أبرزها الرغبة المشتركة فى عدم وصول الإسلاميين إلى مقاعد السلطة، وتعطيل قانون التعريب الذى يصر جناح المحافظين على تفعيله، وإعادة العلاقات مع فرنسا إلى سابق عهدها، واعتماد سياسة ليبرالية واسعة غير حذرة[46].
ويتنازع حزبا جبهة القوى الإشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديموقراطية على تمثيل منطقة القبائل ( عقل الفرنكوفونية ) سياسياً، ويتزعم الجبهة الإشتراكية حسين آيت أحمد ؛ الذى يعد واحداً من الثوار الجزائريين الأوائل إلى جانب الرئيس الراحل محمد بوضياف و أحمد بن بله، وقد تولى رئاسة البرلمان الأول بعد الإستقلال. غير أنه لم يلبث أن التحق بالمعارضة وأسس جبهة القوى الاشتراكية عام 1963، مما أدى إلى سجنه وإصدار حكم بالإعدام ضده من حكومة رفيقه السابق أحمد بن بله، ونجح آيت أحمد فى الفرار من زنزانته عام 1965 م ووصل إلى سويسرا، وبعد إصلاحات 1989 وإقرار التعددية السياسية، عاد إلى الجزائر وأطلق من جديد جبهة القوى الاشتراكية، ومع تفاقم العنف، عاد إلى المنفى بعد أيام من اغتيال الرئيس بوضياف، وكان من بين الموقعين على وثيقة العقد الوطنى فى روما. أما التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية فيتزعمه سعيد سعدى الذى بدأ نشاطه فى إطار جبهة القوى الاشتراكية قبل أن ينشق عنها ليؤسس فى فبراير 1989 م حزب التجمع الذى يمثل الخط الراديكالى فى الدفاع عن القضية البربرية، وقد اعتقل سعدى عام 1980 ثم أفرج عنه عام 1985، ويدين سعدى كل من النظام والإسلاميين، ويطالب بأن تنهض الديموقراطية الجزائرية على إقصاء التيار الأصولى [47].
وعلى الرغم من الدور الهام الذى مارسه التيار الفرنكوفونى منذ بداية الأزمة الجزائرية إلا أنه قد استلفت إليه الانتباه مؤخراً بشكل أكثر كثافة، وبخاصة بعد أن اقترب موعد دخول قانون التعريب حيز التنفيذ. وكان هذا القانون قد أثار- وما زال يثير- صدامات عديدة ظاهرة وضمنية منذ اليوم الأول الذى اقترح فيه قبل عدة سنوات، فعقب إقرار القانون فى عام 1990 خرج نحو نصف مليون متظاهر معترضين عليه ومطالبين باعتماد الأمازيغية ( لغة البربر ) لغة رسمية للجزائر، وكان الرئيس بوضياف ؛ إيثاراً منه للسلامة وتجنباً للدخول فى مواجهة مع النخبة القبائلية التى تحتل أماكن حساسة فى الإدارة ؛ كان قد اتخذ قراراّ بتأجيل سريان قانون إلزامية العربية معتبراً أن ” الظروف غير مناسبة “، وعقب اغتيال الأخير يوم 29 يونيو 1992، اتخذ أعضاء المجلس الاستشارى المعين ؛ الذى حل محل البرلمان المنتخب غداة انقلاب يناير 992 ؛ قراراً بإلغاء قانون تعميم استعمال اللغة العربية فى الإدارات والمؤسسات [48]، ولكن المجلس الوطنى الانتقالى أعاد التصديق فى عام 1996 على قانون 1990 وأكمله، وحدد الخامس من يوليو 1998 م موعداً لسريان مفعوله.
ولم ينتظر القبائليون حتى يدخل القانون حيز التنفيذ الفعلى، وإنما بدءوا مظاهراتهم قبل ذلك بفترة طويلة، حيث امتدت أعمال الشغب فى مدن الشرق الجزائرى وعاث شباب القبائل فساداً وانتهاكاً لممتلكات الأفراد ومؤسسات الحكومة، وبدأ ممثلوهم السياسيون فى التنديد بالقانون معتبرينه وسيلة للقمع من جانب الحكومة وانتهاكاً لحقوق الإنسان[49]. ويذكر أن قانون التعريب ينص على تعريب الإدارة فوراً وتعريب التعليم الجامعى بحلول عام 2000 م، ويفرض القانون غرامات على المخالفين لأحكامه والتى تتضمن أن تكون المعاملات والمراسلات فى جميع الإدارات والمؤسسات والجمعيات والأحزاب باللغة العربية وأن تكون جميع التصريحات والندوات والبرامج التليفزيونية باللغة العربية وأن تعرب إذا كانت بلغة أجنبية
وقد تزامنت ثورة البربر ضد تفعيل قانون التعريب مع اغتيال المطرب القبائلى معطوب الوناس الذى يعد أحد رموز الثقافة البربرية، والذى عرف بمواقفه المناوئة للسلطة والإسلاميين، والذى كانت وسيلته فى تعبئة أنصارة تتمثل فى توزيع شرائط الكاسيت، وإقامة الحفلات الغنائية التى كانت أقرب للمظاهرات منها إلى الحفلات، حيث كان يروج من خلالها لمواقفه التى كان البربر يتلقفونها بحماس بالغ. ففى شريطه الجديد الذى كان سيصدر حسب رغبته فى يوليو الماضى بعنوان ” كتاب مفتوح إلى رئيس الحكومة والسادة نواب البرلمان “، جدد الوناس مواقفه تلك، منتقداً السلطة وعجزها عن التطور وتجاوز الحسابات الضيقة والمؤامرات وصراع الأجهزة، كما جدد فى الآن نفسه مواقفه الجذرية فى مقارعة الاتجاهات الأصولية، ولم يفته كذلك أن يواصل انتقاد الأحزاب الديموقراطية بانقساماتها وحروبها التى تحول دون توحيد الجهود فى مواجهة المتطرفين، كما انتقد الوناس قانون التعريب ؛ الذى اعتبره مخالفاً للدستور[50] ؛ وقد أثار اغتيال الوناس عدداً من التساؤلات تتعلق بطبيعة الأطراف صاحبة المصلحة فى ” تهييج ” القبائل البربرية فى هذا التوقيت بالذات، فعلى الرغم من أن أصابع الاتهام قد توجهت ؛ كالمعتاد إلى الجماعات الإرهابية ؛ فإن البعض قد ألمح إلى أن اغتيال الوناس ربما قصد من وراءه تحريك النعرات القبلية لدى القبائل البربرية، وتغذية مشاعر السخط الكامن لديها ضد كل ما هو عربى وما هو إسلامى لإحراج النظام الجزائرى الذى أقدم على خطوة تفعيل قانون التعريب دونما استشارة لبقية أطراف لعبة التوازنات المعقدة، خاصة وأن الشعارات التى رفعها المتظاهرون قد تجاوزت مجرد الاحتجاج على مقتل الوناس إلى مهاجمة العروبة والإسلام، كما حدث تعد بالضرب على عدد من العاملين العرب فى منطقة القبائل مما أدى إلى وفاة عدد منهم. وعلى أية حال فقد أُعلن أن بياناً تم توزيعه فى لندن، يحمل توقيع حسان حطاب ؛ أحد أبرز أمراء الجماعة الإسلامية المسلحة ؛ يعلن فيه عن مسئوليته عن اغتيال المطرب الجزائرى[51]، وإن كانت البيانات من هذا النوع يمكن لأى طرف ترويجها عند اللزوم !.
وأثناء اشتعال الأزمة البربرية، ظهر إلى الوجود بيان غامض يعلن عن انبثاق الحركة البربرية المسلحة، متهماً ” بعض الخونة ” باغتيال الوناس، ومتوعداً بالانتقام من كل من ساهم بطريق مباشر أو غير مباشر فى اغتيال المطرب، وكذلك بالانتقام من كل الذين سيطبقون قانون التعريب أو سيحملون الناس على الالتزام به “[52]، وقد أثار هذا البيان ـ على الرغم من الشكوك التى أحاطت بمصداقيته ـ مخاوف لدى مؤسسة الرئاسة، الأمر الذى دفع الرئيس زروال إلى التأكيد على عزمه الضرب بيد من حديد على أى تمرد فى منطقة القبائل [53]. ومنطقة القبائل هى إحدى أولى المناطق التى تولى الجيش بنفسه تسليحها لتكوين ما سمى فى حينه بفرق الدفاع الذاتى، ولذا كان الإعلان عن قيام الحركة البربرية المسلحة شاهدا جديدا على فشل التخطيط الحكومى الذى تصور أن تسليح المواطنين كفيل بتحقيق الأمن ولم يتخيل ؛ أو ربما تخيل ولكنه تغاضى- أن ذلك قد يسهم فى تأجيج الصراع المشتعل أصلاً وذلك بإغراء المواطنين بممارسة العنف الذى يستحيل ضبطه، إذا ما تسبب فى إيجاد حلقة مفرغة من الانتقام والانتقام المضاد بين أبناء الشعب الجزائرى الواحد، والذين يمتلكون على الرغم من ذلك مائة سبب وسبب للاختلاف وإن على أتفه الأسباب.

تنحى زروال: بين الإقالة والإستقالة

فى مساء الجمعة 11 سبتمبر خرج زروال على الشعب الجزائرى بخطاب تليفزيونى استغرق 45 دقيقة أعلن فيه عزمه الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة قبل نهاية شهر فبراير من عام 1999 ( تم تأجيل هذا الموعد بعد ذلك إلى شهر إبريل من العام نفسه) كما أعلن عن عزمه عدم ترشيح نفسه فى هذه الانتخابات. وعلى الرغم من الدهشة التى صاحبت إعلان هذا القرار، سواء على المستوى الداخلى أو المستوى الخارجى فإن العديد من التحليلات قد قدمت لمحاولة تفسيره، وقد اتفقت معظم هذه التحليلات على أن ثمة ضغوط وتراكمات قد صبت فى اتجاه دفع زروال لاتخاذ هذا القرار وأنه لم ينبع من مجرد قناعة الرئيس الشخصية بأنه ” قد حان الأوان لبدء مرحلة سياسية جديدة قائمة على مبدأ التداول على السلطة “، كما أعلن زروال نفسه وهو بصدد تبريره لقراره المفاجىء. غير أن هذه التحليلات قد اختلفت حول طبيعة هذه الضغوط وأسباب تفجرها فى هذا التوقيت بالذات. ثمة اتجاه ذهب إلى أن زروال لم يستطع أن يجارى النخبة الفرنكوفونية التى تربصت به منذ وصوله للسلطة وبدءه الحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ. هذه النخبة ؛ وفقاً لهذا الرأى ؛ تمكنت فى نهاية المطاف من إجبار زروال على التنحى بعد أن نصبت له كمائن يتعذر تخطيها من دون التحمل بتكاليف باهظة، وفى مقدمتها الجماعة الإسلامية المسلحة، وأزمة الصحراء الغربية وكمين التردى الاقتصادى والتوتر الاجتماعى [54]، هذا التوتر الذى بلغ أشده بعد مصرع الوناس فى ظل ظروف كانت مواتية لتفجر الأوضاع بشكل يصعب على الرئيس التحكم فيه، فقد تعالت أصوات المتظاهرين فى أثناء تشييع الوناس تتهم السلطة باغتياله، والسلطة فى نظر القبائليين، الذين ينتمون فى معظمهم للتيار الفرنكوفونى، قاصرة على الثنائى زروال ـ بتشين[55].
وقد تزامن هذا التصعيد الفرنكوفونى مع حملة إعلامية فرنسية ومظاهرات عمت شوارع باريس تنادى بإلغاء التعريب وترفع شعارات معادية لانتماء الجزائر العربى الإسلامي[56]. كما تعاقبت التصريحات الرسمية الفرنسية ؛ على أعلى المستويات ؛ تنتقد بشدة اغتيال المطرب البربرى فيما حمل دلالة قوية على خصوصية منطقة القبائل لدى المستعمر القديم [57]، ومما هو معروف أن الإدارة الفرنسية هى التى أوصلت النخبة الفرنكوفونية إلى ماهى عليه الآن من وضع مسيطر فى الإدارة والإعلام والاقتصاد وذلك قبل أن تحصل الجزائر على استقلالها، وبعد الاستقلال استمرت العلاقات الوطيدة بين الطرفين بشكل مثل دوماً عنصر إقلاق للنخبة الوطنية الحاكمة، ويبدوا أن الضغوط التى مارستها الفرنكوفونية فى الجزائر قد آتت ثمارها أخيراً ممثلة فى قرار زروال الذى شعر أنه قد أصبح فى مواجهة مع أربعة ملايين بربرى يشكلون 20 % من الشعب الجزائرى، ويتلقون دعماً من طرف خارجى قوى (فرنسا) ومن أطراف داخلية (النخبة الفرنكوفونية وقيادات الجيش المتعاونة معها) الأمر الذى دفعه إلى اتخاذ قراره النزول عن هرم السلطة بعد أن شعر أن التهديد قد بات قريباً جداً منه وأن الأمور قد تتطور إلى ما لا يحمد عقباه.
البعض الآخر ربط بين قرار زروال وبين الحملة الإعلامية الشرسة التى شنتها صحف المعارضة على مستشاره للشئون السياسية، الجنرال محمد بتشين، وقد استهل هذه الحملة التشهيرية ” نور الدين بوكروح “، زعيم حزب التجديد الجزائرى، الذى اتهم بتشين ؛ الرئيس السابق للمخابرات الجزائرية ؛ بأنه يقف على رأس امبراطورية اقتصادية وأنه سيقود الجزائر نحو نظام يشبه نظام بوكاسا فى أفريقيا الوسطى سابقاً، كما اتهمه بوضع جماعته ( جماعة قسنطينة ) فى الوزارات والولايات وفى المناصب الهامة فى الدولة. وتذهب هذه التحليلات إلى أن تصريحات بوكروح ما هى إلا انعكاس لصراع محتدم بين مراكز القوى فى السلطة، أعطى بعض أطرافه الضوء الأخضر لبوكروح لكى يستهل هذه الحملة غير المسبوقة فى التشهير بأحد أقطاب دائرة السلطة الفعلية فى البلاد والجنرال بتشين ؛ كما سبق القول ؛ هو عسكرى ذو باع طويل من الخبرة، كما إن له دراية بأساليب الحوار والمساومة السياسية، ولذا فقد اعتمد عليه الرئيس زروال فى إدارة الحل السياسى الذى سار بالتوازى مع الحل الأمنى الذى أصر عليه معسكر الصقور. وهكذا اعتبر زروال أن الحملة الموجهة ضد بتشين إنما هى موجهة له شخصياً، وقرر النزول عن السلطة بعد أن استشعر أن ذراعه الأيمن ومستشاره الأول قد أصبح مستهدفاً من قبل بقية أطراف السلطة الفعلية، وهكذا فقد اعتبر هذا التحليل أن قرار زروال كان مجرد إظهار للصراع المستتر الذى كان يجرى بين جناحى النظام الجزائرى منذ مدة طويلة، وأنه إذا كان ثمة أمر غريب فى ذلك القرار فإنه يتمثل فى قيام زروال بالإعلان عن نتيجة ذلك الصراع بنفسه وليس فى مضمون القرار ذاته [58].
وقد أعاد قرار زروال إلى الأذهان ما جرى فى أخريات عهد الرئيس السابق الشاذلى بن جديد عندما اضطر فى حينها إلى تقديم استقالته مغلفاً ذلك بالقول بأنه قد أقدم على التضحية بالمنصب الرئاسى طواعية ” خدمة للمصالح العليا للوطن الجزائرى “. وقد أجمع المراقبون حينئذ على أن بن جديد قد قدم استقالته تحت ضغط من المؤسسة العسكرية، ويرى هؤلاء أن استقالة زروال تأتى فى إطار نفس الملابسات، خاصة وأن إعلانه عن قراره قد جاء فى أعقاب اجتماع عاصف للقيادة العسكرية ـ تماماً مثلما حدث عند إقالة بن جديد[59]، وإن كان من غير المعلوم بالضبط ما الذى تم أثناء هذا الاجتماع والذى ضم كلا من الجنرال محمد العمارى، رئيس الأركان، والجنرال محمد مدين، رئيس المخابرات العسكرية، والجنرال خالد نزار، وزير الدفاع السابق، وأقرب مستشاريه، محمد تواتى، والجنرال اسماعيل العمارى، مدير الأمن الداخلى للجيش وقائد فرق مكافحة الإرهاب، والجنرال محمد بتشين، المستشار السياسى للرئيس زروال وساعده الأيمن، بالإضافة إلى الرئيس زروال نفسه. وقد أفادت بعض المصادر أن الاجتماع قد استغرق أربع ساعات وشهد تبادلاً للاتهامات بين العسكريين والجنرال بتشين، حيث انتهى الأمر بقيام العسكر بدعوة الرئيس زروال إلى تقديم استقالته ثم تم التوصل إلى حل وسط يتمثل فى التعجيل بإجراء انتخابات مبكرة [60]. عناصر التشابه لا تقف عند حد المقارنة بين قرار زروال واستقالة بن جديد فحسب ولكنها تمتد لتصل إلى تجربة الرئيس المغدور محمد بوضياف نفسه، وكأن عناصر ملف الأزمة الجزائرية تمثل منظومة متكررة تعيد نفسها عبر الزمان والمكان والأشخاص، فقد قارن البعض بين الظروف التى اتخذ فيها زروال قراره وبين الظروف التى أفضت إلى تصفية بوضياف، فكلاهما عمد فى أخريات عهده بالسلطة إلى الخروج عن دوائر السلطة الفعلية، سواء عبر فتح ملفات الفساد أو محاكمة المقصرين، ويرى هؤلاء أن زروال قد تجاوز ما قام به بوضياف بمراحل وذلك عبر سماحه بمحاكمة عدد من مسئولى البلديات والدفاع الشعبى بعد ثبوت تورطهم فى المذابح، وتكمن خصوصية هذه المحاكمات فى أنها تناولت أطرافاً من المعروف عنها اتصالها بجهات ذات قوى ونفوذ فى جهاز الحكم، عبر وسائط مالية وجهوية مختلفة، فضلاً عن إقدامه على تفعيل قانون التعريب وهو الإجراء الذى فتح عليه أبوابا لا توصد من الاتهامات الأمر الذى جعل الأجواء معبأة ضده، على الأقل من قبل قطاع يعتد به من ذوى النفوذ فى دوائر السلطة. مصادر أخرى أرجعت أسباب قيام الجيش بهذه الخطوة إلى ما جاء فى الأجزاء غير المعلنة من تقرير اللجنة الأممية التى زارت الجزائر فى أواخر عام 1998، حيث يروج فى بعض الأوساط السياسية أن التقرير الذى أعدته لجنة الأمم المتحدة التى زارت الجزائر، خاصة فى جزئه الذى لم ينشر، يحمل تلميحات واضحة إلى تورط جهات رسمية فى أعمال العنف ضد المدنيين، ويتضمن انتقاداً ضمنياً للمؤسسة العسكرية، بينما يدعو إلى تقوية مؤسسة الرئاسة، وعليه هب جانب العسكر بزعامة الجنرال محمد العمارى بإبعاد زروال قبل أن يبعدهم، وهو ما انتهى بالضغط عليه ليعلن التخلى عن الحكم [61]، وعلى النقيض من تلك التحليلات التى انطلقت من افتراض وقوع زروال تحت ضغط من خصومه ذهبت مصادر أخرى إلى أن قادة الجيش قد بذلوا خلال اجتماع العاشر من سبتمبر جهوداً خارقة لإقناع الرئيس زروال بالتخلى عن فكرة الاستقالة، لتفادى الوقوع فى أزمة سياسية كبرى، تعود بالبلاد إلى نقطة الصفر التى واجهتها بعد الإطاحة بالشاذلى بن جديد فى عام 1992، وأنه تم التوصل بعد جهد إلى الحل الوسط المتمثل فى إعلان زروال تنحية ولكن بعد تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة [62].
غير أن مما يدعم من التحليلات التى تؤكد وقوع زروال تحت ضغوط من مناوئيه دفعته فى النهاية إلى أخذ قراره بالتنحى، هو تلك الحملة التى روجتها ” المصادر المطلعة ” عن مرض زروال الذى ربما يمنعه من مواصلة عمله، فقد مهد العسكر للقرار الذى أعلنه زروال من خلال الترويج لأخبار تفيد أن العملية الجراحية التى أجراها زروال فى أحد مستشفيات جنيف فى مارس 1998 لم تكن بالبساطة التى أعلن عنها. وكأن قيادات الجيش كانت تعيد بتلك الحملة إلى أذهان الجزائريين ما جرى فى أخريات عهد الرئيس السابق هوارى بومدين الذى دخل فى مرحلة طويلة من المرض مما أدى إلى وقوع البلاد فى حالة من الفراغ السياسى التى أسفرت عن عدد من القرارات المتسرعة توجت باختيار الرئيس الشاذلى بن جديد لرئاسة البلاد وهو الرئيس الذى لا يحتفظ له معظم الجزائريين اليوم بذكرى طيبة [63].
وعلى الرغم من أن الفارق الزمنى بين الموعد القانونى لانتهاء الفترة الرئاسية الطبيعية للرئيس زروال وبين الموعد الذى ارتضاه لإجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة لا يتعدى بضعة أشهر إلا ان المغزى السياسى للقرار فى حد ذاته هو الذى ألقى بظلال كثيفة من الشك حول طبيعة التوازنات التى أفرزته وكذا حول طبيعة الضغوط التى تولد عنها، فالرئيس زروال لم يكن بحاجة ؛ إذا ما كان يريد فعلاً أن يفسح المجال أمام الآخرين إعمالاً لمبدأ التداول على السلطة، لم يكن بحاجة لأن يتعجل الشهور القلية المتبقية من فترة ولايته، معلناً عن عزمه التنحى بهذا الشكل الدرامى، خاصة وأنه رجل المؤسسات، والحلول القانونية، ثم إن التداول على السلطة يكتسب طابع التهرب من التحمل بأعباء السلطة إذا ما جاء بهذه الطريقة وفى إطار بيئة فى مثل وضعية البيئة الجزائرية. تنحى زروال إذن هو نذير جديد من نذر استمرار المسلسل المأساوى الجزائرى فضلاً عن كونه مؤشر واضحا على مدى حدة المعارك التى تتم فى أروقة الحكم الجزائرى، هذه المعارك التى يتسبب الغموض الذى يلفها ويلف الأطراف المشتركة فيها فى استمرار معاناة الشعب الجزائرى، الذى يدفع من دماء أبنائه ثمناً لخلافات وصراعات ربما لا يدرى عن غاياتها شيئاً.

جبهة الإنقاذ: الرهان على الحضور

بدأت الجبهة الإسلامية للإنقاذ فى فرض حضورها على الساحة الجزائرية فى أخريات عهد الرئيس السابق الشاذلى بن جديد، حيث أدى الوضع الاقتصادى المتدهور وما صاحبه من سخط شعبى على أداء النظام الذى يحتكر السلطة منذ تاريخ الحصول على الاستقلال إلى إتاحة الفرصة أمام الجبهة لكى تشكل بديلاً مقنعاً للمواطن الجزائرى، سواء من الناحية الأيديولوجية ؛ بعد أن فرغت جعبة الوطنيين من الشعارات ونفد مخزونهم من الرصيد التاريخى لحرب التحرير، أو من الناحية التنظيمية حيث استغلت الجبهة شبكة ضخمة من المساجد التى تمتد بطول البلاد وعرضها فى تعبئة الجزائريين لصالح مشروعهم الإنقاذى.
وعليه كان من الطبيعى أن تشتعل المواجهات بين أنصار الجبهة وبين النظام فى مرحلة مبكرة من عمر الأزمة الجزائرية ؛ أى قبل حادثة إلغاء الانتخابات نفسها والتى جرت فى عام 1992، كما حدث عام 1987 عندما لقى عدد من قادة الجبهة مصرعهم على أيدى قوات الأمن كما حكم على 200 آخرين بالسجن لمدد متفاوتة [64].
وعلى الرغم من الإجراءات الإصلاحية التى لجأ إليها الرئيس بن جديد فى أخريات عهده لامتصاص موجة السخط الشعبى، فقد تمكنت الجبهة من سحب البساط من حزب الرئاسة ؛ فى تلك الفترة ؛ جبهة التحرير الوطنى، واستطاعت الفوز بـ 55 % من جملة أصوات الناخبين فى الانتخابات المحلية التى أجريت فى مطلع عام 1990 م، فيما لم يتمكن حزب جبهة التحرير وقتها من الحصول على أكثر من 32 % من الأصوات[65].
وعقب الإعلان عن موعد إجراء الانتخابات التشريعية التعددية الأولى فى تاريخ الجزائر طالبت الجبهة بضرورة عقد الانتخابات الرئاسية متزامنة مع الانتخابات التشريعية أو عقبها بفترة وجيزة وهو ما رفضه النظام الجزائرى. وعلى أثر تنامى خلافاتها مع النظام قامت الجبهة بدعوة أنصارها للقيام بإضراب عام، كما انتظم مؤيدوها فى مظاهرات ضخمة تطالب باستقالة الرئيس بن جديد وإجراء تعديلات فى القوانين الانتخابية. وبعد أسبوع من الاضطرابات توصلت الجبهة إلى نوع من الاتفاق مع جبهة التحرير تم بموجبه إنهاء الإضراب المعلن من جانب الجبهة كما اتفق على إجراء الانتخابات التشريعية قبل استهلال عام 1992 م. غير أن هذا الاتفاق لم يحل دون نشوب مواجهات متكررة بين أنصار الجبهة وأفراد الأمن الجزائرى طوال الفترة التى سبقت إجراء الانتخابات التشريعية، وتمثلت ذروة هذه المواجهات فى قيام وحدات من قوات الأمن باحتلال مقر الجبهة فى يوليو 1991 واعتقال عباس مدنى الرجل الأول فى الجبهة ونائبه على بلحاج ؛ حيث اتهم الرجلان بالتآمر المسلح ضد الدولة الجزائرية[66].
وبعد الإعلان عن نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية، والتى كانت الجبهة على وشك الفوز فيها بالأغلبية المطلقة، اتهمت جبهة التحرير جبهة الإنقاذ ؛ فى سابقة هي الأولى من نوعها يتهم فيها حزب الرئاسة حزباً معارضاً بممارسة التزوير الانتخابى، حيث اتهم مسئولو حزب جبهة التحرير قادة الإنقاذ بالإفادة من سيطرتهم على المحليات عبر ترتيب أوضاع معينة أعانتهم على الفوز فى الانتخابات التشريعية. وقد تدخل الجيش ليضع حداً للمواجهات الجارية بين الجبهتين، مستأثراً بالسلطة من دونهما عبر ما سمى بالمجلس الأعلى للدولة ؛ والذى ترأسه محمد بوضياف قبل اغتياله.
وقد قام أعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفائزين فى الدور الأول من الانتخابات التشريعية بتشكيل ما وصف بمجلس الظل، وبقوا متمسكين بهذه النتيجة طوال سجالهم اللاحق مع النظام. وعقب إلغاء الانتخابات تفجرت أعمال الشغب وانتشرت الاضطرابات الجماهيرية ؛ وتدخلت قوات الأمن وقامت باقتحام مكاتب الجبهة، وفرضت حالة الطوارئ، وتم فتح مراكز الاعتقال فى الصحراء الغربية، وأعلنت الجبهة أن ما لا يقل عن 30000 من أعضائها قد تم اعتقالهم فيما لقى 150 آخرون منهم مصرعهم بعد أن تولى الجيش مقاليد الحكم، وقد تضاعفت هذه الأرقام بطبيعة الحال بعد أن تفاقمت الأزمة وتعددت أطرافها. وفى مارس 1992 تم حل جبهة الإنقاذ رسمياً، وفى يونيو من نفس العام مثل زعيماها ؛ مدنى وبلحاج ؛ أمام محكمة عسكرية فى البليدة حيث حكم عليهما بالسجن لمدة 12 عاماً بتهمة التآمر ضد الدولة، وتفجرت المظاهرات الغاضبة فى الجزائر العاصمة وسرعان ما انتشرت فى بقية المدن[67].
وباشتعال فتيل الأزمة فى الجزائر أخذ سيناريو العنف المتبادل بين الجبهة وقوات الأمن الطابع الفردى فى مراحله الأولى، حيث كان عنف الجبهة موجهاً ضد المسئولين فى الحكومة الجزائرية وكان الأمن بدوره يرد من خلال الاعتقال العشوائى، ويقوم بتصفية حركيى الجبهة بشكل سرى، وعقب تشكيل الجناح العسكرى لجبهة الإنقاذ الذى استهدف رجال الأمن والمسئولين الحكوميين بدأت الشبهات ؛ على الجانب الآخر ؛ تحوم حول تورط قوات الأمن فى مجازر استهدفت أقارب الشباب المنخرط فى صفوف جيش الإنقاذ. ولا يمكن بطبيعة الحال تحديد الطرف المسئول عن إشعال فتيل العنف الأهوج أو البادئ باستخدام أسلوب تصفية الخصوم ؛ إذ تدعى الجبهة أن النظام قد مارس ضد أعضائها شتى أنواع القمع والتعذيب فى معسكرات الصحراء ؛ الأمر الذى يعطيها الحق فى الثأر من رموزه، فيما يدعى النظام أن قيادى الجبهة هم الذين توعدوا منذ البداية بأنه إذا أعيقت الجبهة عن تحقيق أهدافها فإن الدماء سوف تسيل أنهاراً. وتلت مرحلة تصفية الخصوم مرحلة جديدة بدأ فيها العنف يطول المثقفين والصحفيين ورجال الإعلام بعد أن تبنى هؤلاء مواقف معينة تجاه الأزمة، وشرعوا فى إدانة أطراف معينة دون غيرها.
وكانت ورقة الجبهة الرابحة طوال تلك الفترة تتمثل فى التلويح بنتائج انتخابات 1992 الملغاة، حيث كانت هذه الحادثة تمثل آداتهم فى دحض شرعية خصومهم ولذا فقد كانت جزءاً لا يتجزأ من أى مداخلة إعلامية فى أى محاورة أو ندوة يكون أحد أطرافها أحد أعضاء الجبهة، فالاعتراف بنتائج الانتخابات، بوصفها اختيار الشعب الحر وتعبيره عمن ينوب عنه، وتسليم السلطة إلى مستحقيها وانهاء حكم الجيش أصبح يشكل المفردات الأساسية لخطاب الجبهة، وبعد حل الجبهة أضيف إلى مطالب الجبهة ضرورة الاعتراف بها كطرف شرعى فى الحياة السياسية.
وكانت هذه المطالب تواجه بالرفض من قبل القيادات السياسية المختلفة التى تعاقبت على عمر الأزمة الجزائرية؛ ابتداءاً من بوضياف ومروراً بعلى كافى وانتهاءاً بزروال الذى استهدف منذ بداية حكمه بناء إطار جديد و بديل لشرعية انتخابات 1991 الملغاة، وقد تمثل هذا البديل فى سلسلة المؤسسات التى نجح النظام فى تشييدها لإيجاد غطاء من الشرعية الدستورية، وفى نفس الوقت عدم السماح للجبهة بمزاحمة السلطة فى أى من إجراءاتها التأسيسية، وقد تم هذا بالأساس عبر إقصاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ من شتى المناسبات الانتخابية التى شهدتها الجزائر وإفساح المجال أمام عناصر بديلة مثل حركة حماس وحركة النهضة وذلك مع علم النظام الكامل بعدم قدرتهما على شغل الفراغ الذى أحدثه غياب الجبهة الإسلامية للإنقاذ على اعتبار أنهما من الأحزاب الموصوفة بأنها على تفاهم مع الحكومة، فضلاً عن أن الحركتين كانتا موجودتين على الساحة أيام جبهة الإنقاذ ولكنهما لم يستطيعا أن يبارياها فى نفوذها الجماهيرى.
وعليه كان اشتراك حماس والنهضة يتم بغرض إنقاذ سمعة التعددية والديموقراطية ولإعطاء الانتخابات الصبغة التنافسية اللازمة لإضفاء الشرعية وليس أكثر من ذلك. وقد اتضحت محدودية قدرات حماس والنهضة على مدار الانتخابات المتتالية، من خلال النسب المتراجعة التى كانا يحققانها، وسواء كان التقلص فى حضور الحزبين قد تم بفعل النظام نفسه ؛ وهو ما اشتكى منه الحزبان أكثر من مرة ؛ أو بفعل حقيقة حجم الحزبين فى الشارع الجزائرى فإن النتيجة النهائية هى أن النظام الجزائرى قد نجح فى اختزال خصومه مرة عن طريق الإقصاء ومرة عن طريق التهميش بحيث استطاع ان يخرج من تجربة التعددية وهو سيد الموقف، تماماً كما كان الحال قبل أن يشرع فى خوضها!
غير أن هذه النتيجة لا تتعارض مع حقيقة أن زروال قد مد قنوات اتصال مع عدد من قادة الجبهة فى مراحل مختلفة وأفرج عن عدد من أبرز رموزها فى مرحلة مبكرة من تولية الرئاسة ؛ إلا أنه كان يمارس ذلك بشكل لا يفضى إلى حل الأزمة ؛ إما لتأخره فى اتخاذ قراراته أو لمبالغته فى الحذر عند اتخاذها بفعل توازنات معينة داخل النظام، وقد انعكست الطبيعة المعقدة لهذه التوازنات فى أكثر من موقف، فعندما سمح زروال عقب تولية الرئاسة بفترة وجيزة بالإفراج عن على جدى وعبد القادر بوخمخم، ( وهما من قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ممن يأتون فى المرتبة التالية مباشرة لمرتبة القادة الأساسيين أمثال مدنى وبلحاج )، تسربت أخبار تفيد بحدوث انشقاقات بين قيادات الجيش كنتيجة لما وصف بالاتصالات السرية بين قيادات جزائرية وبين شيوخ الجبهة فى السجون، كما تقدم رضا مالك ؛ المعروف بعدائه للإسلاميين ورفضه لأى اتفاق معهم ؛ باستقالته من منصبه كرئيس للوزراء فى 11 أبريل 1994 احتجاجاً على هذا التقارب بين السلطة والجبهة [68]. وفى إطار هذه الشبكة المعقدة من صراع المواقع فى قمة هرم السلطة أجرى الرئيس زروال فى شهر مايو 1994 عدداً من التعديلات فى عدد من المناصب العليا فى الجيش الجزائرى ؛ حيث قام بإقصاء أحد أبرز أنصار معسكر الاستئصاليين فى الجيش وهو الجنرال عباس غزيل[69]، الأمر الذى أدى إلى دعم التوتر بين معسكرى الرئاسة والجيش. وعلى الجانب الآخر، أُعلن فى أواخر شهر أغسطس 1994 أن كلاً من عباس مدنى وعلى بلحاج قد قاما بإرسال خطاب إلى الرئيس زروال يعرضان عليه فيه بدء هدنة بين النظام وبين الجناح المسلح للجبهة ( الجيش الإسلامى للإنقاذ ) فيما وصف بأنه استجابة منهم لمبادرات النظام، وربما أيضاً سعياً من جانبهم إلى استغلال التوتر القائم بين أطرافه. وفى منتصف سبتمبر تم إطلاق سراح كل من مدنى وبلحاج ووضعا تحت الإقامة الجبرية [70]، لكى يشتعل الغضب بين أنصار معسكر الحل الأمنى الذين قابلوا هذا الإجراء باحتجاجات شديدة. حتى وصلت موجة الرفض إلى داخل الحكومة نفسها حيث قدمت إحدى الوزيرات فى الحكومة الجزائرية استقالتها احتجاجاً.
هذه المقدمات التى أوحت بأن حواراً سرياً يدور بين الجبهة والنظام لم تسفر عن انتهاء الخصومة بين الطرفين، كما لم تعكس حالة من الثقة المتبادلة فيما بينهما، فقد دأب كلاهما على التذكير بمواقفه المرجعية بين الحين والآخر، حيث أعلنت الجبهة عقب جولة الحوار الوطنى التى عقدت فى شهر أغسطس 1994 عن رفضها الاشتراك فى أى حوار ما لم يتم الإعلان عن عفو عام عن جميع عناصرها المعتقلين وإنهاء حالة الطوارئ فضلاً عن إعادة الاعتراف بها كطرف شرعى على الساحة السياسية. ومن جانبه أعلن زروال أن قادة الإنقاذ يشجعون الإرهاب وقال إن السلطة استطاعت أن تحصل على رسالة بعث بها بلحاج إلى قائد الجماعة الإسلامية المسلحة يعترف فيها بأنه لو كان خارج السجن لكان جندياً فى صفوفهم [71].
وعندما استهل زروال برنامجه التأسيسى بالإعداد للانتخابات الرئاسية تساءل الكثيرون عن جدوى إجراء أى انتخابات إذا ما ظلت الجبهة مقصاة من ساحة العمل السياسى. إلا أنه قد بدا واضحاً من خلال استقراء مواقف الجبهة نفسها أنها لم تكن لتقبل بأن تعاود العمل السياسى ابتداءً من نقطة الصفر، وهى التى كانت على وشك تشكيل الحكومة الجزائرية عام 1992، فضلاً عن أن اهتزاز صورتها ؛ بعد النشاط الدموى الذى سجلته الجماعة الإسلامية على حسابها ؛ قد جعلها تقيم رصيدها من المقاعد المحرزة فى عام 1991 تقييماً أعلى من أى وقت مضى، خاصة وأنها ربما لا تستطيع أن تضيف إليها الكثير إذا ما هى عرضت نفسها على الشارع الجزائرى فى أى انتخابات جديدة.
وعند هذه المرحلة التى نجح فيها زروال فى بناء شرعية جديدة فيما تخلخلت فيها شرعيتها بفعل الرصيد الدموى الذى سجل على حسابها ؛ شعرت قيادات الجبهة أن ثمة حاجة لأن تعلن بوضوح براءتها من أعمال العنف الأهوج الذى أصبح موجهاً ضد الكافة ومن الحرب التى تشنها الجماعة الإسلامية ضد الشعب الجزائرى بأكمله. وكانت أولى خطوات ذلك أن قبل ممثلوا الجبهة الاشتراك فى مؤتمر عقد فى مدينة روما الإيطالية فى نوفمبر 1994، ضم العديد من الأحزاب الجزائرية المعارضة، حيث توصل المؤتمرون إلى ما عرف باسم ميثاق روما فى يناير 1995، اعترضوا فيه على استخدام العنف للوصول إلى السلطة ودعوا النظام الجزائرى إلى إنهاء حالة الطوارىء وتيسير سبل التفاوض بين جميع أطراف الأزمة الجزائرية حول أنسب الحلول لما تمر به البلاد من عنف. وعلى الرغم من اعتراض الحكومة الجزائرية على ما جاء فى الميثاق فقد استمرت المفاوضات السرية بين النظام وقادة الجبهة حتى بعد أن تمت إعادة مدنى وبلحاج إلى السجن مرة ثانية فى شهر يونيو، ولم تسر الأمور على وتيرة واحدة فقد كانت العلاقة بين النظام والجبهة تتراوح فى تلك الفترة اقتراباً وابتعاداً حسب معطيات متباينة، وعليه كانت المفاوضات بين الطرفين كثيراً ما تتوقف ثم تستأنف عن غير نتائج ملموسة على وتيرة العنف التى كانت مستمرة بثبات غريب، ولغير غاية معلومة، الأمر الذى كان يعنى ضمناً أن للحل السياسى معارضيه المستعدين لفعل أى شىء من أجل عرقلة الحوار القائم بين الحكومة والجبهة، ويعنى أيضاً أن الجبهة لم تعد الممسك الوحيد بزمام المعارضة وإنما ثمة أطراف أخرى أعلى صوتاً وأعنف أثراً تنازعها حضورها وتأثيرها على الساحة الجزائرية.
وعقب الانتخابات الرئاسية عاود قادة الجبهة عرض رغبتهم فى الحوار على النظام الجزائرى، غير أن ذلك لم يعكس موقفاً موحداً بين كافة ممثليها، فقد كانت الجبهة فى ذلك الحين منقسمة إلى: قادة مؤسسين وهما مدنى وبلحاج بالأساس وكانوا فى تلك الفترة فى السجون الجزائرية، الجناح البرلمانى للجبهة والموجود بالولايات المتحدة ويرأسه أنور هدام، الهيئة التنفيذية للجبهة ويترأسها رابح كبير من أوربا، وأخيراً المكتب المؤقت للجبهة داخل الجزائر نفسها ويرأسه، المفرج عنهما، على جدى وعبد القادر بوخمخم، ( يذكر ان أحمد الزاوى، وهو أحد القيادات المؤسسة للجبهة الإسلامية للإنقاذ، قد أعلن فى يوم 7/ 10 / 1997 عن تأسيس ” مجلس تنسيقى للإنقاذ “، وحدد مهمته فى السعى إلى عقد مؤتمر تلتقى فيه اطارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وفاعلياتها دون إقصاء ولا تهميش لرسم سياسة مستقبلية راشدة، وتمثيل الجبهة الإسلامية فى الخارج مع الحفاظ على خطها الأصيل لإيقاف التدهور الذى أصاب صدقيتها [72] وقد تبنى رابح كبير فكرة مواصلة الحوار ورحب بنتائج الانتخابات أما أنور هدام فقد دعى إلى استمرار النضال وهاجم رابح كبير واتهمه بالخيانة. وقد عبر النظام الجزائرى عن استعداده للمضى قدماً فى عملية المصالحة، واتخذ عدداً من الإجراءات للصفح عن بعض عناصر الجبهة. ورغم هذه الأجواء الودية، فقد استمرت عمليات العنف لتثبت أن ثمة فاعلين آخرين غير الجبهة يحاولون إثبات حضورهم على الساحة وكذا إثبات تنصلهم من هذا الوفاق النسبى الذى بدأ يلوح فى الأفق بين الجبهة وبين فريق الرئيس زروال و تأكيد عزمهم على الاستمرار فى إدارة الأزمة بالشكل الذى يروق لهم.
وعليه فقد اعتبر المراقبون أن استمرار الحوار بين الجبهة والنظام الجزائرى قد ولد آثاراً سيئة عليهما معاً، فكما تعالت الأصوات الرافضة لمثل هذا الحوار فى معسكر الرئيس زروال ؛ بشكل أدى إلى حدوث انقسام واضح فى صفوف مؤسسات الحكم، فقد اتسعت الشقة ـ على الجانب الآخر ـ بين الجبهة والجماعة المسلحة إلى حد قيام الأخيرة بإعلان الحرب على جبهة الإنقاذ بعد أن اتهمتها بممالأة النظام الجزائرى والإذعان لبرنامجة العلمانى [73]، وذلك على الرغم من أن الجناح العسكرى للجبهة كان ملتزماً حتى تلك المرحلة بإعلان الجهاد ضد النظام الجزائرى، إلا أن ذلك لم يشفع للجبهة عند قادة الجماعة التى أصبحت منذ ذلك الحين تعمل فى مواجهة كافة أطراف الأزمة الجزائرية بما فى هؤلاء جبهة الإنقاذ نفسها.
استمرار الجبهة فى التمسك بالعمل العسكرى ـ حتى تلك المرحلة ـ كان يبرره سعي قادتها إلى محاولة امتلاك ورقة ضاغطة فى وجه النظام الجزائرى يمكن استخدامها فى المفاوضات السرية التى كانت تجرى بين الطرفين، ولكن لم ينته عام 1996 إلا وكانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ قد أيقنت عجزها عن مواجهة النظام الجزائرى بالقوة المسلحة، وأدركت أن الحرب الدموية التى تشهدها البلاد تلحق الأذى بالإسلاميين أكثر من النظام، وأن استمرارها يضعفهم أكثر، خاصة وأن هذه الحرب يشنها فى معظم الأحيان جناح مستقل عنها تماماً وإن كانت ممارساته تحسب على الجبهة، ولهذا شرع الإنقاذيون فى إدانة المذابح اليومية التى ترتكب فى أنحاء البلاد، وهو ما أعطى الإيحاء بأنهم باتوا مستعدين للمساومة وبالتالى التخلى عن شروطهم القصوى السابقة. وبدأ التأكيد على أهمية الحوار لحل الأزمة يأخذ طابعاً أكثر كثافة[74].
ويبدو أن النظام الجزائرى قد تجاوب مع هذه النوايا بشكل عملى تمثل فى إطلاق سراح الرجل الأول فى الجبهة: الشيخ عباس مدنى. وكانت الحكومة قد أطلقت قبله بإسبوعين سراح الشيخ عبد القادر حشانى الرجل الثالث فى الإنقاذ بعد مدنى وبلحاج، والراجح أن الجبهة قد سهلت للنظام اتخاذ مثل هذه المبادرة ؛ ليس فقط عبر الإدانة المتكررة لأعمال العنف ولكن أيضاً عبر التخلص من ثنائية ” الهيئة التنفيذية ـ الهيئة البرلمانية ” للجبهة، فأصبح كبير هو الناطق الأوحد باسم الإنقاذ، واختفت تقريباً كل الأصوات المتشددة خاصة بعد سحب الغطاء الشرعى عن الإنقاذى أنور هدام الذى يعتبر قريباً من الجماعة المسلحة المتشددة، خاصة وأنه قد سبق وأدلى بتصريحات اعتبر فيها الجماعة المسلحة ” أكبر وأهم وأقوى تنظيم فى الجزائر “، كما تنسب إليه مبادرة دمج مسلحى الإنقاذ مع مسلحى الجماعة فى إطار ما عرف بجماعة الجزأرة، وانتهى ذلك الاندماج فى أواخر عام 1995 باغتيال انقاذيين مندمجين من قبل رفاقهم فى الجماعة، كما تجدر الإشارة إلى أن إعادة تنظيم الهيئة التنفيذية فى الخارج ونزع سلطة التصريح عن هدام كل ذلك قد ترافق مع تحرك القضاء الأمريكى الذى اكتشف فى هذا التوقيت بالذات أن هدام مقيم فى الولايات المتحدة بشكل غير شرعى فتم إيقافه، ” وتلى ذلك قيام إحدى محاكم الجزائر بإصدار حكم غيابي بإعدام 17 متشدداً هارباً منهم أنور هدام نفسه بتهمة التورط فى اغتيال عبد الحق بن حمودة ؛ الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين، وإذا ما أضيف إلى ذلك أن على بلحاج وهو من أكثر الإنقاذيين راديكالية مازال فى السجن ولم يطلق مع مدنى ؛ خلصنا إلى نتيجة مفادها أن الجبهة قد أغلقت ملفها الراديكالى تماماً [75].
وكانت تصريحات الرجل الأول فى الجبهة ؛ عباس مدنى ؛ قد أصبحت تعكس بوضوح التوجه الجديد للجبهة، حيث صرح مدنى للصحفيين عقب الإفراج عنه بالقول ” علينا أن نفكر فى المستقبل ولا نفكر فى الماضى ” وهى صيغة جديدة مخالفة لكل الصيغ التى كانت تؤمن بها وتعتمدها قيادات الإنقاذ فى الداخل والخارج، كما نقل رئيس الهيئة التنفيذية ؛ رابح كبير ؛ عنه تأكيده عقب خروجه من السجن أن الأولوية لم تعد تتمثل فى عودة الشرعية إلى الجبهة وإنما فى وقف النزف، فإذا أضفنا إلى ذلك قوله ” إن الأزمة الجزائرية يتطلب حلها مشاركة كل الأطراف بلا استثناء وهى ليست بين طرفين فقط “، فإن هذا يعنى تغيراً جذرياً فى الخطاب، فالإنقاذ من خلال زعيمها التاريخى لم تعد تؤمن بأنها القوة الوحيدة الفعالة فى البلاد قياساً على مواقفها السابقة، وكان آخر إعلان له فى هذا الإطار رسالته المعلنة التى وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة يعلن فيها عن استعداده التعاون من أجل وقف العنف[76].
وقد تمخضت كل هذه الإرهاصات عن قيام الجيش الإسلامى للإنقاذ فى سبتمبر1997 بالإعلان عن مبادرته الشهيرة لوقف إطلاق النار من جانب واحد وسريان هدنة غير مؤقتة من طرفه، كما أدان البيان الذى أصدره الجناح المسلح للجبهة أعمال العنف والمجازر التى تشهدها البلاد. ودخلت هدنة الإنقاذ حيز التنفيذ فى شهر أكتوبر من نفس العام ( 2 أكتوبر 1997 ) وقد توالى انضمام العديد من الجماعات المسلحة إليها، وهو الأمر الذى ولد عدد من الصراعات الداخلية بين أمراء الجماعة الإسلامية، حيث اعتبرت الجماعة الأم أن المنشقين عنها ؛ من المنضمين لهدنة الإنقاذ ؛ بمثابة خائنين يتعين جهادهم. والغريب فى هذا السياق أن الحكومة الجزائرية قد نفت أكثر من مرة أن تكون السلطة الجزائرية ( الرئاسة ـ الحكومة ) قد تفاوضت أو أجرت اتصالات مع جيش الإنقاذ لإعلان هذه الهدنة، وهو الأمر الذى أكده رابح كبير بقوله إن الاتصالات التى جرت قد تمت مع قيادات الجيش وليس مع الحكومة الجزائرية نفسها[77].
مفارقة تحول الحوار مع الجبهة من الحكومة إلى الجيش أكدها السيد أحمد طالب الإبراهيمى، وزير الخارجية الجزائرى السابق، فى خطابه أمام المؤتمر السابع لحزب جبهة التحرير الوطنى عندما كشف أن ثمة قنوات اتصال قد فتحتها الحكومة مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأن الذين فتحوا هذه القنوات تراجعوا لاحقاً فى ما ظهر على أنه مجرد تكتيك سياسى، وقد مُنع الإبراهيمى من مواصلة إلقاء كلمته بعد تأكيده على ضرورة الحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وفى تأكيد على تحول دفة الحوار مع الجبهة من الحكومة إلى الجيش ذكرت إحدى الصحف الجزائرية أن عدداً من عناصر الجيش الإسلامى للإنقاذ قد انضموا إلى قوات الجيش فى مقاتلة قوات مناوئة من الجماعة الإسلامية المسلحة[78].
وقد أثارت الهدنة التى أعلنها جيش الإنقاذ العديد من التحليلات المتضاربة، ففيما ذهب البعض إلى أن هذه الهدنة قد جاءت كمحصلة لجهود فريق زروال ـ بتشين، وهوالفريق الموصوف بالاعتدال و المعروف عنه تشجيع الحوار مع الجبهة منذ بداية الأزمة، فإن آخرين يرون أن قائد أركان الجيش، الجنرال محمد العمارى والمقربين منه ضمن تيار الاستئصاليين قد خطفوا المبادرة من فريق الرئاسة، واستبقوا الجميع للحصول على الهدنة، وذلك بهدف إجهاض أية محاولة من الرئيس وفريقه لإيجاد حل سياسى ونهائى مع القيادة السياسية لجبهة الإنقاذ ممثلة فى الشيخ عباس مدنى وبعض القادة الآخرين المفرج عنهم[79]، ويذهب أنصار هذا التحليل إلى أن نجاح زروال فى إرساء دعائم الحل السياسى قد دفع خصومه إلى ربط صلاتهم بالجناح العسكرى للجبهة، والمدهش أن الجيش الإسلامى للإنقاذ قد تجاوب مع مبادرة الجيش ظاناً أنه سيتمكن بذلك من تحصيل نتائج سياسية. غير أن اتجاهاً ثالثاً يذهب إلى أنه ليس ثمة خلاف بين مواقف طرفى الحكم الجزائرى ( فريق زروال يتشين ـ فريق الصقور ) فيما يتعلق بالجبهة الإسلامية للإنقاذ، فكلاهما يعمل على إنهاء ملف الجبهة ومسح تجربتها من الذاكرة السياسية الجزائرية، ولكنهما يختلفان فى طريقة الوصول إلى هذا الهدف، ولذا فقد باشر الطرفان اتصالات بجبهة الإنقاذ، كل منهما على حدة، لكنها ظلت اتصالات مقطوعة وسرية، أراد منها الطرفان كسب الجبهة والإيحاء إليها بأن الطرف الآخر هو الذى يصر على محاربتهم واستئصالهم[80].
وكما أسفر بدء الحوار بين الجبهة والحكومة عن ظهور الخلافات المستترة بين الجبهة والجماعة المسلحة أدت المباحثات التى جرت بين جيش الإنقاذ والجيش الجزائرى عن ظهور المزيد من الخلافات، ولكن بين قادة الجبهة أنفسهم فى هذه المرة، خاصة وأن الاتفاق قد بدا كما لوكان قد تم بعيداً عن الرموز التاريخية للجبهة ممثلة فى شيوخها التقليدين بداخل الجزائر، فقد أعلن أحمد الزاوى، رئيس المجلس التنسيقى للإنقاذ، أن الهدنة التى أعلنها الجيش لن تساهم فى حل الأزمة وانتقد الهيئة التنفيذية التى يترأسها رابح كبير، واعتبر أن الهدنة التى توصلوا إليها لا تلزم قواعد الجبهة، أما عبد الله أنس، أحد قياديي الإنقاذ فى الخارج فقد اعتبر أن الهدنة لم تحقق سلماً ولا أمناً، وذهب قمر الدين خربان إلى أن الهدنة تمثل انقلاباً عسكرياً على القيادة السياسية للجبهة ممثلة فى الشيخين على مدنى وعلى بلحاج [81].
ويمكن اعتبار أن نجاح العسكر فى اقتناص هذه المبادرة من أيدى مؤسستى الرئاسة والحكومة، قد مثل إنجازاً مهماً يحسب للجيش الجزائرى وقادته، غير أن تقييم هذا الإنجاز ـ كما ذهبت إلى ذلك إحدى التحليلات[82] ـ يتفاوت حسب الإطار الذى سيوضع فيه، وحسب الطريقة التى سيوظف بها، فقطاع كبير من قادة الجيش ينظر إلى هذه الهدنة على أنها ليست أكثر من استسلام تم بواسطة ذكاء القيادة العسكرية، وقدرتها على المناورة، وأنه لن يترتب عنها أى متغيرات سياسية، خصوصاً بالنسبة للتعامل مع جبهة الإنفاذ. غير أن تقييم الهدنة بهذه الطريقة واعتبارها مجرد مناورة فى إطار حرب المواقع والخطط فى قمة الهرم السياسى فى الجزائر يضيع على الجزائر وعلى الجزائريين فرصة الاستفادة من هذا التقارب كانتصار سياسى يمكن أن يؤدى إلى إيقاف دوامة العنف والعنف المضاد الذى تشهده البلاد منذ سنوات. ومن جانبها فقد حرصت الجبهة دائماً على التأكيد أن الهدنة التى أعلنتها لا تمثل استسلاماً وإنما محاولة لتفعيل وعودها السابقة بشأن إيقاف أنهار الدماء السائلة فى الجزائر وتفجير قنابل الحياة، كما أنها محاولة لكشف النقاب عن الأطراف الحقيقية المتورطة فى قتل الأبرياء والمسئولة عن وصول البلاد إلى ما وصلت إليه من عنف أعمى. وإذا كانت الجبهة تراهن على استمرار حضورها فى الشارع الجزائرى وقدرتها على إعادة الأمن الذى افتقده الجزائريون، فإن الهدنة يمكن أن تشكل خطوة هامة لإعادة الثقة فى الجبهة من جديد، وعليه فإن الجيش ليس هو المستفيد الوحيد من النتائج المترتبة عنها. وبعيداً عن التوازنات السياسية التى صاحبت إطلاق هدنة الإنقاذ أو تلك التى تلتها فإن الحاصل على أرض الواقع أن الهدنة لم تؤد إلى وقف العنف بشكل كامل. ثمة أطراف أخرى استمرت فى النشاط الدموى المعتاد، وقد توجهت أصابع الاتهام إلى الجماعة المسلحة بوصفها الطرف المتبقى من شبكة الاتفاقات التى ضمت معظم أطراف الأزمة عداها.

الجماعات المسلحة: لغة الدماء:

انبثقت الجماعة الإسلامية المسلحة على مسرح الأحداث بشكل يصعب رصد بدايته بشكل دقيق، وإن كان البعض يؤرخ لذلك عند مرحلة التحول صوب تصفية المدنيين أو ـ وفقاً لأدبيات هذه الجماعة ـ جهاد المجتمع الكافر!
كانت الجماعة الإسلامية تعمل فى البداية تحت غطاء من شرعية جبهة الإنقاذ، حتى شرعت الأخيرة فى الاستجابة لمبادرات النظام نحو إجراء حوار سرى بين قيادات الطرفين، عند هذه المرحلة آثرت الجماعة المسلحة أن تعمل بشكل مستقل، ووصل بها الأمر إلى حد تهديد الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتقام إذا ما هى قبلت الانضمام إلى جولات الحوار الوطنى التى نظمتها السلطة الجزائرية. وقد ارتبطت الحركة المسلحة فى مراحلها الأولى باسم السعيد مخلوفى، الضابط السابق فى الجيش الجزائرى، وهو صاحب كتاب ” العصيان المدنى ” الذى صدر عام 1991، والذى اعتبر فى حينه بمثابة دليل الحركة الاحتجاجية التى قامت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فى الفترة مابين 25 مايو و 5 يونيو من نفس السنة وانتهت بإقالة الحكومة وإلقاء القبض على شيوخ الجبهة فى 30 يونيو 1991، وبعد اندلاع أعمال العنف مطلع عام 1992، بعد إلغاء الانتخابات التشريعية التى كانت الجبهة على وشك الفوز بها، شكل مخلوفى مجموعة مسلحة تحت اسم ” حركة الدولة الإسلامية “، وقد انضم مخلوفى إلى الجماعة المسلحة مع محمد السعيد وعبد الرزاق رجام، زعيمى تيار الجزأرة وذلك فى حركة الوحدة الشهيرة فى 13 مايو 1994، لكن مخلوفى عاد وابتعد عن الجماعة المسلحة بعد قتلها السعيد ورجام واتهم أجهزة الأمن باختراق الجماعة، وبعد صدامات دامية مع الجماعة المسلحة انسحب مخلوفى برجاله إلى ولاية بشار قرب الحدود الجزائرية المغربية، حيث مسقط رأسه، وحيث لقى مصرعه بعد ذلك على يد إحدى المجموعات التابعة للجماعة المسلحة [83].
والجماعة المسلحة ليست علماً على كيان بعينه وإنما هى تعبير عن كافة الجماعات التى تستخدم السلاح ضد السلطة والمدنيين، وتعتبر أن القطيعة مع النظام الجزائرى قد وصلت إلى نقطة اللاعودة، ولا تقبل ؛ من ثم ؛ أى تهادن أو حوار معه. ولا يمكن الادعاء بأن فى الإمكان صياغة أى تعميمات بشأن هذه الجماعات، بما فى ذلك التعميم الذى قد يستثيره التعريف السابق، فالجماعة الإسلامية متعددة الأمراء، متعددة التصورات والأيدولوجيات ومتعددة الأساليب أيضاً، وعليه يمكن أن نجد فى إطارها من يقبل بالحوار، كما نجد من يرفضه، ويمكن أن نجد من يستبيح دماء المواطنيين الجزائريين عن غير جريرة، كما نجد من يرفض ذلك ويعتبره نوعاً من الإجرام.
والتفسير الرسمى الذى يقدمه النظام الجزائرى لنشوء الجماعة المسلحة يقوم على أن الجماعة قد اجتذبت إلى صفوفها السكان المتضررين اقتصادياً والمحبطين سياسياً، وبخاصة من جراء سياسات مرحلة الثمانينات، وأنها تفرض على العائلات التى لديها عدد كبير من الأبناء أن تساهم بابن أو اثنين فى الجهاد، كما أنهم يفرضون على الأهالى إتاوات مالية ويفرضون عليهم أيضاً إخفاء أفراد منهم عند الخطر فضلاً عن تزويدهم بالطعام وغيره من الحاجات الضرورية. ويعتذر المسئولون الجزائريون عن عدم قدرتهم التصدى لكل المذابح التى ترتكبها الجماعة بالقول بأنهم لا يستطيعون أن يتواجدوا فى كل مكان من مساحة الجزائر الشاسعة فضلاً عن أن الأمن يعتمد على المعلومات التى يقدمها الجزائريون أنفسهم، وطالما تذرع الناس بالصمت فستظل الأزمة مستمرة [84].
وقد أمكن مؤخراً التمييز بين اتجاهين أساسيين فى إطار الجماعة المسلحة ؛ الاتجاه الأول كان يتزعمه ( الأمير ) جمال زيتونى قبل أن تتم تصفيته، ويخلفه ( الأمير ) عنتر زوابرى ؛ والذى رصدت الحكومة الجزائرية لمن يأتى برأسه 5 ملايين دينار، وهو يتزعم حالياً ما يسمى بالكتيبة الخضراء ويسيطر تماماً على منطقة أولاد علال التى حولها إلى ما يشبه الحصن، ويرى هذا الفريق أن قتال المرتدين مقدم على قتال الكفار الأصليين، ويذهب إلى أن مؤسسات الدولة الجزائرية من حكومات ووزارات ومحاكم ومجالس شعبية وشورية وبرلمانية وجيش ودرك وشرطة هى مؤسسات كافرة كما الحكم الجزائرى برمته [85]. وقد ذكرت الصحف أن الزوابرى قد أهدر دماء الشعب الجزائرى واستحل أموالهم وأعراضهم، وأن ما يتم الاستيلاء عليه من غنائم أثناء عمليات اقتحام القرى يتم تقسيمها إلى جزئين، يأخذ أمير الجماعة أحدهما فيما يوزع الجزء الثانى على المشاركين فى العملية، ومن بين الوثائق التى عُثر عليها بحوزة المسلحين الذين ألقى القبض عليهم عدد من الفتاوى التى تنظر فقهياً لممارسات الجماعة منها واحدة خاصة بقتل الأطفال، وتنص على أنه يجوز قتل الأطفال إذا احتمى بهم الكفار، أما بالنسبة للسبايا فقد ذكرت إحدى الفتاوى أن الأمير هو الذى يهديها ولا يقبلها إلا من أهديت له بإذن الأمير [86].
أما الاتجاه الثانى فيمثله حسان حطاب، أمير المنطقة الثانية فى الجماعة المسلحة، والذى لا يرى جواز قتل المواطنين العزل، وتستهدف جماعته فقط أفراد النظام والجيش الجزائرى والمتعاونين معهما. وفى بيان له صدر يوم 13/ 3 / 98 أعلن فيه حطاب عن ” براءة جماعته من الأعمال اللاشرعية واللامسئولة من كل قتل أو إيذاء مادى أو معنوى أصاب الأبرياء من أبناء هذه الأمة من دون بينة”[87]، ورغم ذلك فإن جماعة حطاب لا تقبل بالهدنة التى أعلنها الجيش الإسلامى للإنقاذ، حيث تعتبر أن قتالها للنظام الجزائرى ينهض على أساس أنه نظام مرتد ” بدل الشرائع وحكم القوانين الوضعية على رقاب الأمة بالحديد والنار ” ومن ثم لا تجوز مهادنته، فضلاً عن أنها تعتبر هدنة الإنقاذ بمثابة استسلام وخذلان وخضوع للنظام الجزائرى لأنها هدنة معلنة من طرف واحد.
وقد أدى إعلان عدد من أجنحة الجماعة المسلحة قبول الهدنة التى أعلنها الجيش الإسلامى للإنقاذ إلى حدوث انقسامات دموية فى الجماعة، حيث اعتبرت الجماعة الأم هذه الجماعات أنها جماعات مرتدة وبدأت عملية تصفية داخلية، وكان أبرز أمراء الجماعة المسلحة الذين انضموا لهدنة الإنقاذ هو مصطفى كرطالى، أمير ” كتيبة الرحمن “، والذى استجاب للنداء الذى وجهه كل من مدنى مزراق، أمير الجيش الإسلامى للإنقاذ بوقف القتال ووضع السلاح. حيث استنكر كرطالى فى بيان أصدره المجازر الوحشية التى تبنتها الجماعة الإسلامية المسلحة وانتهاكها الأعراض والأموال، واعتبر أن من يقومون بهذه الأعمال طائفة من المجرمين، ودعا بقية الكتائب الإسلامية أن يسلكوا سبيل الهدنة[88]، وعقب ذلك البيان دخلت جماعة كرطالى فى معارك عنيفة مع عناصر من الجماعة الإسلامية المسلحة التى رفضت ما جنح إليه كرطالى واعتبرته وجماعته من المرتدين[89].
وتثير الجماعة الإسلامية المسلحة بجناحيها العديد من التساؤلات، يتعلق معظمها بالقدرات التنظيمية العالية لأعضائها والكميات الضخمة من الأسلحة التى تحوزها، فالجماعة تمتلك ترسانة من الأسلحة تتراوح بين مدافع الهاون والقنابل اليدوية وبنادق الكلاشينكوف، كما ذكر مسئولون جزائريون أن الجماعة لديها معامل خاصة لتصنيع السلاح، وأُعلن أن رجال الجماعات المسلحة يستخدمون شبكات الصرف الصحى كطريق للهروب ويلجأون إلى تلغيم المنافذ التى يمكن أن يستخدمها رجال الأمن الجزائرى لتطويقهم [90]، كما أعلن أن أجهزة استخبار الجماعة قد تمكنت من اكتشاف شبكة التجسس التى شكلها الجيش الجزائرى من الرعاة لإبلاغهم بأى تحركات غير عادية فى مناطق الجبال ومن ثم تم استهداف هؤلاء الرعاة بعدد من العمليات الإرهابية للقضاء عليهم [91].
وليس هذا أغرب ما يتعلق بالجماعة الإسلامية المسلحة، فالعديد من الملابسات التى تصاحب المذابح التى تنسب لهذه الجماعة تثير بدورها العديد من علامات الاستفهام، من ذلك على سبيل المثال ما تنشره الصحف الجزائرية نفسها على ألسنة الناجين من عدد كبير من المذابح من أن المهاجمين كانوا يرتدون ملابس عسكرية[92] أو يرتدون ملابس الحرس البلدى وأنهم قدموا أنفسهم للسكان على أساس انهم يقومون بدورية[93]، وتدفع هذه التفاصيل البعض إلى القول بأن الجيش ـ أو قطاعاً منه ـ يشترك فى المذابح التى ترتكب ضد المدنيين، من هؤلاء رئيس الوزراء الجزائرى السابق، عبد الحميد الإبراهيمى، الذى صرح أكثر من مرة بأن الجيش أراد تشويه صورة الإسلاميين ومعاقبة السكان الذين اقترعوا لهم فى الانتخابات التشريعية والبلدية التى جرت فى الجزائر قبل ست سنوات[94]، ولم يكن هذا هو الاتهام الأول للجيش الجزائرى بالتورط فى المذابح فقد اتهم ضابطان فى الشرطة الجزائرية وجندى سابق، توجهوا بطلب حق اللجوء السياسى لبريطانيا، اتهموا قوات الأمن الجزائرية بالمشاركة فى عمليات تعذيب وتصفيات، وقد نشرت تصريحات هؤلاء فى جريدة الاندبندنت البريطانية، حيث أفاد أحد الضابطين أنه كان مسئولاً عن الأسلحة فى أحد مراكز الشرطة الجزائرية وأن رفاقه كانوا يقومون بتصفية السجناء من خلال خنقهم بمماسح مبللة بالماء، ومن خلال أساليب أخرى مشينة، كما نقلت الصحيفة عن جندى جزائرى قوله أنه قد شاهد لحية للتنكر فى تجهيزات أحد أعضاء وحدة كوماندوز كانت عائدة من هجوم على إحدى القرى عثر فيها لاحقاً على جثث 23 مدنياً قتلوا ذبحاً، وأكد أنه شاهد ضباطاً يثقبون أرجل بعض المشبوهين الإسلاميين، كما شاهدهم فى مرة أخرى يقومون بثقب معدة أحدهم بواسطة ثقابة كهربائية داخل قاعة مسماة بقاعة الموت ووصف شرطى آخر للصحيفة أشكال التعذيب التى تعرض لها المسجونون بواسطة الحوامض والتيار الكهربى [95]. أماالقيادى الإنقاذى أنور هدام، والمعتقل فى الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب توصف بانها أسباب إدارية، فقد صرح لمجلة ” ديرشبيجل ” الالمانية، بأنه يعتبر الجماعة المسلحة تنظيم مخترق من قبل الجيش، ولم ينكر هدام تأييده فى بادىء الأمر للجماعة وقادتها إذ قال فى معرض حديثه ” ان هذه الجماعة التى علقنا عليها أمالاً كبيرة، أصبحت أداة إرهابية فى يد الجيش “[96].
والغموض الذى يلف طبيعة وحقيقة الجماعة المسلحة يجد ما يبرره فى ذلك الغياب التقليدى لقوات الأمن طوال الفترات التى تتم فيها المذابح، والتى قد تمتد إلى 5 ساعات كما حدث فى مذبحة الرايس الشهيرة، فالمعتاد فى مذابح الجزائر أن تصل قوات الأمن بعد انتهاء المذابح وليس أثناءها، وقد تساءل البعض [97] هل من الصعب فعلاً أن يحمل مواطن السماعة ليبلغ القوات المرابطة فى الحى أو القرية بوصول مهاجمين حال تعرض شارعه أو محلته لهجمة إرهابية !، وكيف تستطيع مجموعات يستنتج من حجم المذابح التى ترتكبها أن عددها غير قليل، أن تنفذ من الحواجز وتأخذ كامل وقتها لإنجاز مهمتها اليومية حتى آخر سطر فيها من دون أن يزعجها أحد؟ ويصل هذا الرأى إلى أن ما تشهده الجزائر إنما هو الأسلوب الذى ارتضته الأطراف للأخذ بالثأر وتصفية الحسابات بين الجناح الاستئصالى فى الجيش وغلاة المتطرفين الذين غدوا أسرى دوامة العنف الأعمى. أما الرئيس السابق أحمد بن بلة فقد صرح للصحافة الأسبانية أن الجزائريين لم يعودوا يعرفون ” من يقتل ومن يُقتل”، وأضاف أن الجزائر تضم عدداً كبيرأ من المؤسسات شبه الأمنية التىأنشئت أثناء النضال من أجل التحرير وتحولت بعد ذلك إلى أجهزة لا تطاق لقتل الشعب [98]. وقد لخص البعض الوضع فى الجزائر بقوله أن السلطة فى الجزائر فى مشكلة حقيقية، فلو ثبتت الاتهامات الموجة إليها فإنها تغدو سلطة مجرمة ولو لم تثبت فإنها تبقى سلطة عاجزة [99].

الموقف الفرنسى: بين الحذر والمصلحة

من الممكن اعتبار أن الموقف الفرنسى من العنف الدائر فى الجزائر لا يزيد عن كونه مجرد جزء من شبكة معقدة من العلاقات ـ المتوترة غالباً ـ بين الدولتين، ذلك أن عناصر هذه العلاقة فضلاً عن كونها متعددة فهى متنافرة أيضاً فى الكثير من الأحيان، وعليه فقد اصطلح عدد من المراقبين[100] على الإشارة لهذه العلاقة بأنها خليط من المحبة و الكراهية!.
فعقب الحصول على الاستقلال تصادمت الدولتان من خلال أكثر من قضية، جاءت على رأسها قضية الصحراء المغربية، حيث دعمت فرنسا الموقف المغربى فيما ساندت الجزائر مطالب جبهة البوليساريو الرامية إلى إنشاء دولة مستقلة. كما دأب النظام الاشتراكى الحاكم فى الجزائر على التنديد بالتدخلات العسكرية الفرنسية فى أجزاء شتى من القارة الأفريقية، وأخيراً وليس آخراً فقد مثل اختلال الميزان التجارى بين البلدين ؛ لصالح فرنسا باستمرار ؛ نقطة صدام إضافية فى سجل العلاقات الحساسة بينهما[101]. غير أن كل هذه المكدرات، وغيرها الكثير، لم تحل دون اهتمام فرنسا بالجزائر من أكثر من زاوية، كما لم تلغ الإدراك الجزائرى لأهمية الدور الفرنسى ومحوريته بالنسبة للجزائر.
وعندما حدث انقلاب عام 1992 فى الجزائر رحبت فرنسا به، بل وترددت مقولات فى حينه تفيد أنها، أى فرنسا، قد تم استشارتها قبل قيام الجيش بهذ الخطوة، ولذا حرصت فرنسا على إظهار دعمها للنظام الجزائرى فى تلك الفترة، وقد تزايد هذا الدعم بشقيه السياسى والاقتصادى عقب تولى إدوارد بلادور لمنصب رئيس الوزراء [102]. ويبدو أن فرنسا قد راهنت فى تلك المرحلة على مؤسسة الرئاسة واعتبرت أنها قادرة على مواجهة خطر الأصولية التى كانت على وشك الوصول للسلطة عام 1992 بكل ما يتضمنه ذلك من تهديد للمصالح الفرنسية فى الجزائر وربما أيضاً تهديد لفرنسا نفسها. فعلى الرغم من حرصها المعلن على ضرورة رعاية الديموقراطية الوليدة فى الجزائر، فإنها لم تجد غضاضة فى الإفصاح عن خشيتها مما قد يترتب على وصول الإسلاميين للسلطة، خاصة وأن المسئوليين الفرنسيين مازالوا يحتفظون فى ذاكرتهم بصورة حية للمشاكل التى سببتها لها المقاومة الإسلامية إبان حصول الجزائر على استقلالها، الأمر الذى حرصوا على ألا تتاح الفرصة لتكراره حتى وإن جاء هذه المرة عبر صناديق الانتخابات.
إلا أن الرهان الفرنسى قد أدى إلى عكس ما كان يرجوه، فبعد أن تفجر ملف العنف المسلح ـ الذى أسندت بطولته بشكل أساسى إلى الجماعة الإسلامية المسلحة ـ استهدف الرعايا الفرنسيين الموجودين فى الجزائر دون غيرهم وذلك قبل أن يمتد إلى داخل التراب الوطنى الفرنسى ذاته. وقد بدأ الأمر باغتيال 5 من موظفى السفارة الفرنسية فى الجزائر فى أغسطس 1994، وفى نوفمبر من نفس العام وصل عدد القتلى من الفرنسيين إلى 21 قتيلاً، ثم قام مسلحون، أعلن عن انتمائهم للجماعة الإسلامية، باختطاف طائرة ركاب فرنسية وذلك فى شهر ديسمبر، مما أسفر عن مقتل ثلاثة من ركابها، غير أن منفذى هذه العملية قد لقوا مصرعهم على يد قوات الأمن الفرنسية عقب هبوط الطائرة فى ميناء مارسيليا، الأمر الذى قابلته الجماعة المسلحة بأن أعلنت ” الجهاد ” ضد فرنسا!
ويعتبر المسئولون الفرنسيون أن عام 1995 هو عام الدماء فى بلادهم، فقد تم فيه تنفيذ عدد من التفجيرات داخل العاصمة باريس راح ضحيتها العشرات من الفرنسيين، وهو الأمر الذى لم تشهده فرنسا منذ أمد بعيد. فقد انفجرت ثلاث عبوات ناسفة ابتداء من شهر يوليو مروراً بشهر أغسطس وانتهاءاً بشهر سبتمبر راح ضحيتها 23 شخصاً فضلاً عن إصابة 90 آخرين كما أحبطت العديد من محاولات التفجير الأخرى التى تم اكتشافها، وقد أعلنت ” الجماعة الإسلامية المسلحة ” مسئوليتها عن هذه التفجيرات، واعتبرتها بمثابة تنفيذ لتهديدها السابق بشن الحرب على الفرنسيين.
وقد ذُكر فى ذلك الحين أن الجماعة قد أعلنت عن عدد من الشروط لوقف حملتها المسلحة ضد فرنسا[103]، منها: قيام الأخيرة بإغلاق سفارتها فى الجزائر، وامتناعها عن إرسال أى مساعدات للنظام الجزائرى، فضلاً عن إلغاء اجتماع كان مقرراً عقده بين الرئيسين الفرنسى والجزائرى. وقد حاولت الحكومة الفرنسية أن تقلل من أهمية هذا البيان، حيث صرح مسئول فرنسى بالقول: ” إننا نتعامل مع خطر الهجمات الإرهابية بشكل جدى ولكننا لا ننظر إلى مثل تلك المطالب بعين الاعتبار “. ورغم ذلك فقد تم بالفعل إلغاء الاجتماع الذى كان مقرراً عقده بين شيراك وزروال. وقد ذكر كل من الرئيسين أسباباً مختلفة لإلغاء اللقاء، فقد أرجع زروال ذلك إلى عدم رغبته فى الاجتماع برئيس الدولة التى مازالت تسلك مسلكاً يتسم بالعدائية بإزاء دولته الجزائر، فيما ذكر شيراك أن تأجيل اللقاء يرجع إلى رغبته فى عدم الإيحاء بأن فرنسا تساند مرشحاً بعينه فى الانتخابات الرئاسية التى كانت على الابواب ؛ خاصة وأن زروال كان قد طلب ـ وفقاً للمصادر الفرنسية ـ أن يحظى اللقــــاء بينهما بتغطية إعلامية مناسبة [104].
وعلى الرغم من هذا التباين فى المواقف فقد سارع شيراك إلى تهنئة زروال عقب فوز الأخير فى الانتخابات الرئاسية التى أجريت فى عام 1995. ولذا فقد توقع عدد من المراقبين أن تسير العلاقات الفرنسية الجزائرية قُدماً بعد تلك الانتخابات التى نجح زروال من خلالها أن يرسى شرعية جديدة للحكم فى الجزائر، غير أن تصريحات شيراك والتى دعا فيها إلى أهمية السماح بإدماج التيار الإسلامى المعتدل بصورة أو بأخرى عند إجراء الانتخابات التشريعية قد أفسدت هذا المناخ الودى، حيث قوبلت هذه التصريحات بسيل من الانتقادات الجزائرية التى اعتبرت ذلك تدخلاً فى شئونها الخاصة، الأمر الذى دفع شيراك إلى إعادة التمسك بالحذر وعدم الاندفاع إلى التورط إلى حد بعيد فى الوضع الجزائرى.
غير أن الحرص الفرنسى لم يقنع الأطراف المسلحة التى استأنفت حملتها الموجه ضد الفرنسيين ولكن انطلاقاً من الجزائر فى هذه المرة، فبعد أن نجحت فرنسا فى تطويق التفجيرات الإرهابية داخل أراضيها، انتقلت الحملة الموجة ضد الفرنسيين مرة أخرى إلى داخل الجزائر، الأمر الذى بدا كما لوكان تصفية لحسابات قديمة وليس مجرد مهاجمة لمصالح النظام الفرنسى لتأييده العلنى ؛ فى مرحلة معينة، للحكومة الجزائرية. حيث تم استئناف العنف الموجه ضد الرعايا الفرنسيين المقيمين بالجزائر فى عام 1996. ففى شهر مارس من هذا العام تم العثور على جثث سبعة من الرهبان الفرنسيين مقطوعة الرؤوس وذلك فى منطقة الميديا جنوب العاصمة الجزائرية، وقد أعلنت الجماعة الإسلامية المسلحة مسئوليتها عن الحادث وأضافت أنه يأتى كانتقام مزدوج ؛ ضد الحكومة الفرنسية والنظام الجزائرى ؛ خاصة بعد رفض الأخير الاستجابة لمطالبها بالإفراج عن معتقلى الجماعة فى السجون الجزائرية. وعلى أثر ذلك سارعت الحكومة الفرنسية بإجلاء جميع رعاياها من الجزائر بما في هؤلاء 300 راهب فرنسى. إلا إن ذلك لم يثن الجماعة المسلحة عن الاستمرار فى حملتها الدموية، ففى أغسطس من نفس العام اغتيل أسقف الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فى حادث انفجار عبوة ناسفة فى منزلة بالعاصمة الجزائرية، وقد جاء اغتيال الأسقف فى أعقاب اجتماع كان قد أجراه الأخير مع وزير الخارجية الفرنسى السابق، هيرفى دو شاريت، لتذكير السلطات الفرنسية بأن الحملة ضدها يمكن أن تأخذ أشكال متعددة. وقد أثار هذا الحادث موجة من الغضب داخل وخارج الجزائر، حيث وصفه الرئيس زروال بأنه عمل بربرى يظهر افتقار من ارتكبوه للقيم الإسلامية المعهودة فى الشعب الجزائرى، أما دوشاريت فقد علق على الحادث بالقول أن مثل هذه الأعمال لن تثنى فرنسا عن الاستمرار فى علاقات الصداقة والتضامن مع الشعب الجزائرى.
وعلى الرغم من استمرار التصريحات الفرنسية من نفس نوعية تصريحات دو شاريت والتى كانت توحى بأن فرنسا مستعدة لتقديم يد العون بشكل فعلى للنظام الجزائرى، فإن صور ضحايا تفجيرات 1995 وما تلاها قد جعلت الحكومة الفرنسية أكثر حذراً فى تناولها للملف الجزائرى، كما أصبح الساسة الفرنسيون ملتزمين بتصريحات مقتضبة ومختصرة إذا ما تعلق الأمر بالجزائر، بحيث تجنب هؤلاء إدانة أي من أطراف الصراع فى الجزائر وعلى رأسهم النظام الجزائرى والجماعات المسلحة. وقد حدد الرئيس شيراك موقفه الرسمى مما تشهده الجزائر بالقول ” إن السياسة الحاسمة فى الجزائر إلى جانب إرادة التطبيق هى وحدها التى تسمح بإحراز تقدم فى اتجاه الحوار والتفاهم الوطنى واحترام حقوق الإنسان ” ثم أضاف قائلاً ” من الصعب للغاية التدخل من الخارج فى شئون الجزائر ” وشدد على أن فرنسا مستعدة لتقديم المساعدة ولكن فى الإطار والشكل الذى ترغب فيه السلطات الجزائرية التى تقع عليها وحدها مسئولية إعادة الأوضاع إلى حالتها الأولى وتحقيق الأمن. أما وزير خارجيته، هبير فيدرين فقد دأب على التأكيد فى كل مرة يجد نفسه مضطراً فيها للحديث عن الجزائر على أن الأوضاع الجزائرية هى مسألة داخلية وأن السلطة هناك هى الوحيدة القادرة على مواجهتها [105].
وعلى الرغم من أن الحذر قد مثل موقفاً موحداً اشترك فيه معظم الساسة الفرنسيين، إلا أن إحدى الدراسات قد رصدت تفاوتاً فى مواقف المسئولين الأساسيين فى النظام الفرنسى، فالرئيس شيراك الذى كان قد تعامل بارتياح مع نتائج الانتخابات الرئاسية قد بات مقتنعاً أن الرئيس زروال لم يستغل التأييد الشعبى الذى حظى به على النحو الصحيح، وأنه كان قادراً على أن يستند إلى شعبيته لتغير المعادلات وإدخال إصلاحات اجتماعية واقتصادية تساهم فى تخفيف الأزمة، أما رئيس الوزراء ليونيل جوسبان وبحكم توجهه الاشتراكى فإن هذا يعنى أن تعاطفه الطبيعى لابد أن يصب فى خانة المعارضة الاشتراكية فى الجزائر وليس فى خانة النظام الجزائرى نفسه، ولعل هذا مما يبرر تصريحاته التى أدلى بها بعيد تسلمه منصبه والتى حمل فيها المسئوليـة مناصفة بين النظام والجماعة الإسلامية [106].
ومن الجدير بالذكر أن تصريحات جوسبان السالفة قد مثلت خروجاً على النهج الفرنسى فى تناول الوضع الجزائرى والذى يتسم فى مجمله بالحذر الشديد، فقد اتهم جوسبان السلطات الجزائرية للمرة الأولى تقريباً بأنها شريكة فى استخدام العنف، وقال ” إننا نقف أمام معارضة تتسم بالتعصب والعنف وتقاتل ضد سلطة تستخدم هى نفسها العنف وقوة الدولة “[107]. وقد ردت الصحف الجزائرية على تصريحات جوسبان بسيل من الانتقادات، فتساءلت صحيفة المجاهد الحكومية عما إذا كان جوسبان ” يتظاهر بعدم التمييز بين الجزارين وبين المدافعين عن حقوق الإنسان “، ورأت لوتانتيك أن تصريحات جوسبان غير مقبولة واعتبرته أول شخصية تظهر على المسرح الدولى ” تظهر عداءً ملحوظاً للسياسة الجزائرية “، واعتبرت لوماتان أن التدخل فى شئون الجزائر ” واضح فى تصريحاته “، فى حين حملت جريدة الوطن عنواناً موحياً يقول ” جوسبان لا يعرف من الذى يقتل “[108].
وفى إطار حرب الاتهامات المتبادلة التى تسببت فيها تصريحات جوسبان بشكل أو بآخر، بدأ المسئولون الجزائريون بدورهم فى اتهام جهات أوربية بدعم الإرهاب بالمال والسلاح. ففى تصريح له اتهم بختى بلعايد وزير التجارة الجزائرى جهات أوربية بإمداد وتمويل من سماهم بـ ” جماعات الإرهاب ” وقال إن هذه الجهات تستهدف الجزائر بإمداد هذه الجماعات بالمال والسلاح، وأضاف إن هذه الدول تسعى للانتقام من الجزائر ” ولكن هذه المحاولات لن تنجح ” [109]. وقد بدأت الاتهامات الجزائرية تأخذ طابعاً أكثر حدة عقب الدعوة التى تبنتها عدد من الدول الغربية بتدويل الأزمة الجزائرية، حيث بدأ فى أواخر عام 1997 نقاش فرنسى أمريكى حول الوضع فى الجزائر، تلى ذلك قيام البرلمان الأوربى بتبنى اقتراح إرسال لجنة للتحاور مع البرلمان الجزائرى حول الوضع الأمنى، كما أدرج حلف الناتو المسألة الجزائرية ضمن جدول أعماله فى أكتوبر عام 1997. فضلاً عن ذلك فقد دعت منظمات ومؤسسات ثقافية وشخصيات فرنسية بارزة إلى ” يوم تضامن ” مع الشعب الجزائرى فى 10 نوفمبر 1997 فى باريس وعدد من المدن لإصدار عريضة تطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية فى الفظائع التى تحدث فى الجزائر[110].
وقد قوبلت فكرة تدويل الأزمة الجزائرية بالرفض القاطع من قبل الساسة الجزائريين، حيث أعلن السفير الجزائرى لدى الأمم المتحدة، محمد صالح الدمبرى، وهو وزير سابق للخارجبة الجزائرية، أن بلاده لا تحتاج إلى وساطة خارجية، وقال الدمبرى ” عندما نتحدث عن الوساطة فإننا نتحدث عن حرب أهلية، وليست هناك حرب أهلية فى الجزائر، الجزائر دولة مستقلة وذات سيادة لديها برلمان ديموقراطى ومؤسسات وقادرة على حل مشاكلها الخاصة (…) ولا نقبل بأى تدخل فى شئوننا الخاصة ” ثم نقل الدمبرى الكرة إلى ملعب منتقدى النظام الجزائرى عندما أضاف ” هناك قواعد لدعم الإرهاب فى الجزائر، فى فرنسا وبلجيكا وإيطاليا وسويسرا وألمانيا ونطالب هذه الدول بالتعاون لوضع نهاية لكل ذلك (…) هذا إرهاب دولى ” [111].فى ظل هذه الأجواء المتوترة بين البلدين، قامت صحيفة الأوبزرفر اللندنية بنشر معلومات عن تورط أجهزة الاستخبارات الجزائرية فى تفجيرات باريس، حيث نقلت الصحيفة عن عميل سابق للاستخبارات الجزائرية اتهامه إياها بالضلوع فى تفجيرات باريس فضلاً عن تورطها فى المجازر التى تشهدها الجزائر نفسها، وكررت صحيفة لوموند الاتهامات التى أوردتها الأوبزرفر، إذ نسبت إلى ضابط رفيع الرتبة فى جهاز الاستخبارات قوله ان المجازر هى من تنفيذ الحكومة وكذا التفجيرات التى شهدتها فرنسا عام 1995، وقد وصفت السفارة الجزائرية فى لندن المعلومات التى أوردتها الصحيفة بأنها معلومات سخيفة، فى الوقت الذى رأت فيه وزارة الداخلية الفرنسية أن هذه المعلومات تدعوا إلى أكبر قدر من التحفظ[112]، وقد تزامن تاريخ نشر هذه المعلومات فى الصحف الفرنسية مع المسيرة التى تم تنظيمها فرنسا فى يوم 10 / 11/ 97 تضامناً مع الشعب الجزائرى والتى حظيت بدعم المسئولين الفرنسيين، الأمر الذى قابلته الحكومة الجزائرية بالاحتجاج، حيث اعتبرت أن هذه التصرفات تصب فى المساعى الرامية للتدخل فى الشئون الجزائرية الداخلية، وجددت رفضها المطلق لأى محاولة من هذا النوع[113].
غير أن الأجواء الملبدة بين الدولتين قد اتجهت صوب الانفراج بعد أن شرعت فرنسا فى محاكمة 38 شخصاً من الإسلاميين المقيمين على أرضها بتهمة تشكيل شبكة دعم للجماعة المسلحة المتهمة بتنفيذ التفجيرات الإرهابية فى صيف 1995[114]، وقد مثل هذا الإجراء الاستجابة الأولى من نوعها للمطلب الجزائرى المتكرر للدول الأوربية بتفكيك شبكات دعم الجماعات الإرهابية العاملة من أراضيها، حيث كانت هذه هى المحاكمة الأولى لشبكة إسلامية فى فرنسا، وقد عبرت الحكومة الجزائرية عن ارتياحها لهذا الإجراء، خاصة وأنها قد دأبت على اتهام الدول الأوربية بمساعدة الإرهاب بالمال والسلاح. وتفعيلاً لهذا الارتياح قبلت الحكومة الجزائرية التعاون مع القضاء الفرنسى فى إتمام المحاكمة، حيث قامت فى فبراير 1998 بتسليم الشرطة الفرنسية نسخة من بصمات جثة الشخص الذى اتهمه القضاء الفرنسى بأنه منسق عمليات التفجير التى شهدتها فرنسا، وكانت السلطات الجزائرية قد أعلنت أن ” على توشنت ” الشهير بطارق، والذى ينتمى للجماعة المسلحة، قد قتل فى أحد فنادق العاصمة الجزائرية فى مايو 1997، دون أن يتم التعرف عليه فى حينه. وبعد التدقيق فى البصمات المعطاه ومقارنتها بتلك الموجودة لديها، أفادت أجهزة الأمن الفرنسية أنها متطابقة، وعليه أصدرت محكمة باريس الجزائية حكماً بالسجن لمدة عشرة أعوام على منسق عمليات التفجير ” المتوفى “، وأشارت المحكمة أنها قد قررت إدانة توشنت من ضمن 40 شخصاً حوكموا بتهمة تشكيل شبكة تضم عناصر إسلامية نظراً لأنها ليس لديها أى معلومات رسمية بشأن وفاة المتهم [115].
وعلى أثر إغلاق ملف التفجيرات الإرهابية التى شهدتها فرنسا، سادت العلاقة بين البلدين موجة هادئة، انحازت خلالها فرنسا لصالح الحكومة الجزائرية وبدأت تتغاضى عن أمانيها السابقة بإدماج التيارات الإسلامية المعتدلة، حيث جاءت تصريحات الرئيس الفرنسى جاك شيراك فى هذه المرحلة لتعبر عن رغبة فرنسا فى إقامة علاقات هادئة وطبيعية مع الجزائر فضلاً عن نيتها ألا تضع النظام الجزائرى والإسلاميين على قدم المساواة، ومن جانبها تعاطت الحكومة الجزائرية بإيجابية مع هذه النبرة الجديدة، وخففت من انتقاداتها التى كانت تكيلها لجارتها الشمالية، كما انشغلت الحكومة فى هذه المرحلة بموضوع المبادرة الأوربية وزيارة وفد الترويكا الأوربية، الأمر الذى أسهم فى تحييد الملف الفرنسى حتى حين.

الاتحاد الأوربى: من الاتهامات إلى التوافق

توجه وزير الخارجية الجزائرى، أحمد عطاف، إلى بروكسيل فى أواخر شهر نوفمبر من عام 1997 بدعوة من وزراء خارجية دول الاتحاد الأوربى ليشرح وجهة نظر بلاده حول الأحداث الأمنية والسياسية التى تشهدها الجزائر وما صاحبها على الصعيد الدولى من تفسيرات وتأويلات متضاربة زادت الوضع السائد فى الجزائر غموضاً.
وقد تمثل موقف الاتحاد الأوربى من الأزمة الجزائرية منذ بدايتها فى التأكيد على ضرورة إتخاذ خطوات ملموسة فى مجال حقوق الإنسان والحريات العامة ودعم المسار الديمقراطى من خلال إجراء حوار حقيقى مع المعارضة الرافضة للعنف، وقد مثلت هذه المطالب نقاط اختلاف مع الحكومة الجزائرية التى كانت ترفض التعامل مع ماتسميه بمشكلة الإرهاب على أنها مشكلة لحقوق الإنسان، وترفض من ثم السماح باستقبال مقررى المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة. وقد دأب المسئولون الجزائريون على التذكير بأن الجزائر دولة مشتركة فى نحو 23 اتفاقية دولية وإقليمية خاصة بحقوق الإنسان وأنها تقدم تقارير سنوية للجنة الأمم المتحدة المعنية، وعليه فإن كان لدول الاتحاد من تساؤلات بشأن الوضع الخاص بحقوق الانسان فى الجزائر فإن عليهم مطالعة التقارير السنوية التى تقدمها الجزائر للمنظمات الدولية المعنية فى هذا الصدد [116].
وعليه فقد تمثلت مهمة عطاف بالأساس فى تقديم صورة عن الوضع فى الجزائر تختلف عن تلك التى راجت فى الدول الأوربية، وذلك فضلاً عن التشاور مع أعضاء لجنة العلاقات الخارجية فى البرلمان الأوربى لبحث قرار البرلمان بإرسال وفد إلى الجزائر لتقصى الحقائق الأمنية فى البلاد، وهو القرار الذى اتفق عليه الأعضاء وبخاصة بعد المعلومات التى أطلقها بعض المعارضين الجزائريين بخصوص تورط ميليشيات تابعة للسلطة الجزائرية فى أعمال القتل والمجازر التى تشهدها الجزائر.
وفى ختام مباحثاته مع الرئاسة الأوربية ومفوضية بروكسل والبرلمان الأوربى شدد عطاف على رفض بلاده جملة وتفصيلاً قبول لجنة تقصى حقائق حول أعمال العنف مؤكداً أنه لا يعلم الغاية الكامنة وراء إرسال تلك اللجنة الدولية فى الجزائر فى الوقت الذى يعلن فيه “الإرهابيون” مسئوليتهم عن الأعمال الإرهابية، كما أعلن وزير الخارجية الجزائرى فى المؤتمر الصحفى الذى عقد فى بروكسل عن خلاف واضح فى المواقف بينه وبين القيادة الأوربية التى اجتمع معها حول حول اللجوء إلى أوربا والذى وصفه بأنه يحمى الإرهاب ويغذيه بالمال والسلاح. وقد رفض جاك بوس، وزير خارجية لوكسمبورج، هذه الاتهامات وأكد بحضور ضيفه الجزائرى عدم تقبله الاتهامات الجزائرية، كما أكد أن بلدان الاتحاد الأوربى تعتبر مسألة حق اللجوء حقاً مقدساً ولا يمكن تسليم اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية. ورغبة منه فى تلطيف حدة الموقف، أعلن عطاف أن هناك تطوراً فى الموقف الأوربى تجاه الشبكات المغذية للإرهاب، حيث وقع تفكيك لبعضها، واستجابت بعض الدول لمطلب الجزائر فى هذا الصدد، وبشأن قبول الجزائر استقبال وفد البرلمان الأوربى، اشترط عطاف أن يتم الإعداد لبرنامج عمل ذلك الوفد مع السلطات الجزائرية مؤكداً أن ذلك لا يمت بصلة لطلب منظمة العفو الدولية الخاص بإرسال لجنة لتقصى الحقائق، وقال إن زيارة الوفد البرلمانى الأوربى للجزائر تأتى فى إطار الحوار القائم منذ أمد بعيد بين المجلس الشعبى الجزائرى وبين البرلمان الأوربى، وأن ذلك الوفد لن يسمح له بإجراء أى تحقيق فى أى مسألة وطنية كانت[117].

الترويكا الأوربية: زيارة شرفية

وفى هذه الآونة أعد مدراء الشؤون السياسية فى وزارات الخارجية للبلدان الخمسة عشر فى الاتحاد الأوربى فحوى رسالة يقوم وفد ترويكا أوربية بتسليمها إلى الحكومة الجزائرية، وذكر مصدر أوربى أن ممثلى الدبلوماسية الأوربية حددوا أهداف المهمة الأوربية فى: الاستماع إلى وجهات نظر الحكومة الجزائرية حول الوضع الداخلى ورصد طلباتها المتعلقة بالتعاون لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن التأكيد على تضامن الاتحاد الأوربى وقلق الرأى العام الأوربى لاتساع المذابح التى تستهدف المدنيين، ولفت إلى أن الرأى العام الأوربى يضغط على بلدان الاتحاد من أجل التحرك والنظر فى إمكانات المساعدة لوقف المذابح [118].
وكانت زيارة الترويكا الأوربية تحمل طابعاً رمزياً بالأساس، وهو الأمر الذى ظهر بوضوح من خلال تشكيل الوفد الذى ضم مجموعة من ” كبار الموظفين المختصين فى شئون الشمال الإفريقى “، وقد كاد ذلك أن يتسبب فى إلغاء زيارة الوفد، بعد أن اعترضت الحكومة الجزائرية على هذا التمثيل الضعيف، ولكنها تراجعت عن موقفها بعد أن حدث اتفاق بين الطرفين على تركيبة الوفد ومهمته، كما حرص المسئولون الأوربيون قبيل زيارة الوفد على طمأنة الحكومة الجزائرية من خلال عدد من التصريحات المشجعة التى تفصح عن ” تأكد الأوربيين من عدم ضلوع الحكومة الجزائرية فى المجازر التى تشهدها البلاد “، فقد أكد مانويل مارين، مفوض الشئون المتوسطية فى المفوضية الأوربية اقتناعه بعدم ضلوع الحكومة الجزائرية فى المذابح التى تشهدها البلاد [119]، كما أعلن وزير الخارجية البريطانى، روبين كوك، أمام النواب الأوربيين فى ستراسبورج أنه لا وجود لأى دليل يثبت مزاعم ضلوع السلطات الأمنية فى المذابح التى جرت فى الجزائر، وكذا حرص وزير الخارجية الفرنسى، هيبر فيدرين، على التأكيد بدوره على أن المعلومات التى جمعها الأوربيون لا تتوافق مع فكرة تورط الجيش الجزائرى فى المجازر التى يتعرض لها الجزائريون.
وعلى الرغم من أن نجاح مهمة الترويكا الأوربية كان يهم المسئولين الأوربيين بشكل كبير، نظراً لأن الأزمة التى تعيشها الجزائر تمس أوربا من عدة أوجه ؛ أدناها يتعلق بالأخطار المحتملة لتدفق تيارات الهجرة من الجزائر نحو الضفة الشمالية لحوض المتوسط، وأقصاها يتعلق باحتمال وصول ” التيار الأصولى ” إلى مقاعد السلطة فى الجزائر مع مايتضمنه ذلك من تهديد كبير لفرنسا ودول الجوار الإقليمى بصفة عامة، على الرغم من ذلك فإن زيارة الترويكا، التى لم تدم لأكثر من 24 ساعة، قد بدأت وانتهت من دون أن يجد جديد سواء فى الموقف الأوربى أو الموقف الجزائرى، فقد عاد المسئولون الأوربيون إلى بلادهم بنفس التصريحات التى صرحوا بها قبل الزيارة، مضافاً إليها الأسف لأن الفرصة لم تتح للقاء كافة أطراف الأزمة، كما ظهرت الصحف فى الجزائر حاملة لنفس العناوين التى تطالب أوربا بوقف لعبة النفاق مع الإرهاب، وتخص بالاتهام الدولة التى ينحدر منها رئيس الوفد الأوربى نفسه، ديريك فاتشيت، وهى بريطانيا، والتى اتهمتها إحدى الصحف الحكومية الجزائرية بأنها الدولة التى يعمل فيها الإرهابيون من دون رادع، وأضافت الصحيفة أنه لولا هذا الدعم اللوجيستى لكان الإرهاب فى الجزائر قد أبيد منذ مدة طويلة[120].
ومع انتهاء مهمة وفد الترويكا الأوربية، لم يبد أن اتفاقاً فى شأن الوضع الجزائرى قد ساد وجهات النظر الأوربية، ففى حين اتخذت بعض الأوساط فى فرنسا موقفاً مسانداً للحكم الجزائرى وبدأت من ثم فى توجيه الاتهامات وبشكل محدد إلى الجماعات المسلحة، فإن المدافعين عن حقوق الانسان قد رفضوا توجيه أصابع الاتهام إلى ” الإرهابيين ” على وجه الخصوص، وقال باتريك بودوان، رئيس الاتحاد الدولى لحقوق الانسان: ” لا يمكن أن نقدم دعماً مطلقاً للحكومة الجزائرية وتجاوزاتها “. كما أسهم معارضون جزائريون فى زيادة الارتباك وعدم وضوح الرؤية، بعد أن اتهموا السلطة الجزائرية بالإعداد لهذه المجازر وإن كان ذلك بدون تقديم أدلة على هذه الاتهامات[121].
وقد أدلى عدد من هؤلاء المعارضين بشهاداتهم أمام اللجنة البرلمانية المكلفة حقوق الانسان فى البرلمان البريطانى، وكان أحد هؤلاء المعارضين، وهو محمد العربى زيتوت، قد دعا دول الاتحاد الأوربى وبريطانيا إلى عدم الإصغاء إلى فرنسا التى اعتبر أنها قد انحازت إلى جانب الحكم الجزائرى، كما تحدث الصحفى رشيد المسعودى عن الطغيان الثقافى الفرنسى، واتهم الإعلام الفرنسى بتجاهل الأدلة على التواطؤ الحكومى فى أعمال القتل، أما محمد سكوت الناطق باسم مجلس اللاجئين الجزائريين، فقال إن لندن نفسها لا تزال تعتقل طالبى اللجوء وتعيدهم إلى بلادهم على الرغم من وصول حزب العمال إلى الحكم فيها. وكان أشهر من أدلوا بشهاداتهم أمام البرلمان البريطانى هو عبد الحميد الإبراهيمى، رئيس الوزراء الجزائرى السابق، والذى اتهم أجهزة الأمن الجزائرية بأنها مسئولة عن تنظيم مجازر الجزائر، وبأنها نظمت سلسلة الاعتداءات التى وقعت فى فرنسا عام 1995، ويبدوا أن تصريحات مسئول بثقل الإبراهيمى قد زعزعت ثقة الفرنسيين فى النظام الجزائرى، وهو النظام الذى كانوا يحرصون على تبرئة ساحته فى كل المناسبات الإعلامية المتاحة، وعليه فقد علق المتحدث باسم الخارجية الفرنسية باقتضاب على تصريحات الابراهيمى واكتفى بالتذكير بالتصريحات التى أدلى بها وزير الخارجية الفرنسى حول عدم وجود أدلة عن تورط الجيش فى أعمال المجازر التى تشهدها الجزائر، ولكنه أضاف فى هذه المرة ” وفى المقابل لا توجد معلومات مؤكدة تماماً “[122].
هذه الحالة من الارتباك وتداخل المواقف فى الأوساط الأوربية ظهرت بوضوح فى اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوربى فى 26 يناير 1998، حيث تبنى الوزراء “بالإجماع ” إعلاناً يدعو الحكومة الجزائرية إلى شفافية أكبر فيما يتعلق بالوضع الداخلى، وقد جاءت الدعوة لمزيد من الشفافية كمحصلة لاتجاهات متعددة ومتباينة سادت بين الدول الأوربية، ففيما أرادت بعض الدول التعبير بشكل صريح عن براءة السلطات الجزائرية من الشكوك التى استهدفتها، فقد اقترحت بلدان أخرى الاقتصار على إدانة الجماعات التى تمارس الإرهاب، أما وزير الخارجية الألمانى السابق، كلاوس كينكل فقد تحدث عن أهمية إقناع الحكومة الجزائرية بجدوى المساعدة الأوربية [123]. وكان التقرير الذى رفعه وفد الترويكا الأوربى إلى مجلس وزراء الخارجية قد تضمن إشارات إلى أنه ” طالما لا تسمح الجزائر بمزيد من الانفتاح، فإن الشكوك سوف تظل محيطة بها “.
وقد قوبلت الدعوة الأوربية ـ وكما هى العادة ـ باستنكار الصحف الجزائرية، حيث اعتبرت صحيفة المجاهد الحكومية أن أوربا تريد التدخل فى الشؤون الجزائرية مهما كلفها ذلك، وأنها لا تفهم الشفافية إلا على أنها نشر لمراقبين أجانب على الأراضى الجزائرية، ورأت الصحيفة أن تدويل الأزمة سوف يتسبب فى الفوضى ولن يجلب الاستقرار المنشود، كما نشرت الصحيفة أيضاً تصريحاً أدلى به شوقى حمراوى الناطق باسم الحكومة ووزير الاتصال، قال فيه إن الجزائر طلبت من الاتحاد الأوربى خلال زيارة الترويكا الأوربية ” الخروج من إطار العموميات ” وتسهيل قيام حوار حول نقاط محددة، لاسيما مكافحة الإرهاب، وتعطيل شبكات الدعم، وقال حمراوى ” إن الجزائر جددت رفضها لأى لجنة تحقيق دولية، معتبراً أن طرح السؤال ” من يقتل من؟ ” هو تواطؤ مع الإرهاب، لأنه يبرره ويعطيه ذرائع من خلال الإساءة إلى سمعة الدولة وقوى الأمن والشعب “[124].

الوفد البرلمانى الأوربى: متابعة الحوار

تم التحضير لزيارة الوفد البرلمانى الأوربى أثناء زيارة وزير الخارجية الجزائرى، أحمد عطاف، لبروكسل كما سبق القول، وقد اُعتبرت زيارة الوفد على أنها استمرار لمسيرة الحوار بين الطرفين، وإن كان البعض قد طالب بإلغائها وذلك بعد النتائج الهامشية للغاية التى حققتها بعثة الترويكا، ولذا فقد طالب بعض البرلمانيين الأوربيين بصرف النظر عن القيام بزيارة جديدة [125]، ورغم ذلك استقبلت العاصمة الجزائرية فى 8 فبراير 1998وفداً برلمانياً أوربياً ترأسه الفرنسى أندريه سولييه، وقد أفادت الإذاعة الجزائرية أن الوفد سيجرى محادثات مع وزير الخارجية أحمد عطاف، فضلاً عن لقاء نواب جزائريين وممثلين عن الأحزاب السياسية الممثلة فى لجنة الشئون الخارجية وأعضاء جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، كما التقى الوفد وفداً نيابياً جزائرياً رأسه السيد عبد القادر حجار، الذى أفاد أن مجموعته قد طالبت الوفد الأوربى بضرورة تشكيل لجنة تحقيق دولية حول شبكات الإرهاب فى أوربا، وقد علق مقرر وفد البرلمان الأوربى بالقول ” نحن مستعدون لتشكيل لجنة تحقيق فى شأن جمع الأموال والشبكات التى تدعم الإرهاب فى أوربا “، ولكنه أضاف ” إن على الجزائريين فى المقابل أن يوافقوا على الإفساح للمجتمع الدولى للتحقيق فى مشاكل حقوق الإنسان والتعذيب “[126].
وقد دبت الخلافات بين أعضاء الوفد البرلمانى أثناء الزيارة بسبب ما اعتبر أنه دعوة من جانب أحد أعضاء الوفد، وهو النائب الألمانى دانيال كوهين بنديت، إلى محاورة نائب زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، الشيخ على بلحاج، وكان بنديت قد أعلن فى مناقشة له مع الصحفيين أنه إذا كانت هناك فرصة واحد إلى عشرة آلاف فى إقناع بلحاج بالتخلى عن العنف فيجب أن نغتنمها “. وقد فسرت الصحف الجزائرية تصريحات بنديت بأن النواب الأوربيين يطلبون لقاء ممثل جبهة الإنقاذ المحظورة. وقد سارع رئيس الوفد بإيضاح أن اقتراح النائب لم يعرض على الوفد الذى لا يوافق عليه، وأن الموقف الرسمى للوفد يعبر عنه رئيسه أو نائب رئيسه، وأكد أن بنديت سيظل عضواً فى الوفد لحين انتهائه من مهامه ويستطيع حينئذ أن يقول ما يريد بصفته الشخصية. أما النائب الألمانى نفسه فقد نفى ما تناقلته عنه الصحف وقال: ” إذا كنت أريد الحوار مع الجبهة فإن هذا لا يعنى أنى متوافق مع هذا الحزب، أنا ضد تدخل الدين فى السياسة، ولا يمكن أن أكون متوافقاً مع الإنقاذ، أريد فقط أن أتعرف على تفكيرهم “[127]
وقد أنهى الوفد الأوربى زيارته للجزائر فى 15 فبراير 1998، وكان آخر ما فعله النواب هو القيام بتصرف رمزى ذى مغزى كبير على مستوى إيضاح المواقف، حيث رفض الوفد البرلمانى تسلم رسالة من حزبين محظورين وهما الجبهة الإسلامية للإنقاذ والحركة من أجل الديموقراطية ( القريبة من الرئيس السابق أحمد بن بلة )، وأفاد صحافيون أن رئيس الوفد الأوربى، أندرييه سولييه، قد مزق أمامهم رسالة مختومة من جبهة الإنقاذ من دون أن يفتحها للإطلاع على مضمونها، مبرراً ذلك بأن الوفد قد أعطى للمسئولين الجزائريين ” كلمة شرف ” بعدم الاتصال بالأحزاب المحظورة، وقد اعتبرت الهيئة التنفيذية للجبهة الإسلامية للإنقاذ قيام الوفد بتمزيق الرسالة بمثابة تهريج إعلامي، ونفت أن تكون قد طلبت لقاء الوفد، وأوضحت أن الرسالة كانت مجرد مساهمة فى توضيح صورة الوضع فى الجزائر [128].
وفى أواخر شهر فبراير تقدم الوفد البرلمانى الأوربى بتقريره عن الزيارة التى قام بها للجزائر إلى رئيس البرلمان الأوربى، وأفاد هذا التقرير ” أن وضع آلية دستورية ديموقراطية تستند إلى الدور الذى تلعبه الجمعية الوطنية الجزائرية المنتخبة يقطع الطريق أمام أى دعوة لتشكيل لجنة تحقيق دولية ” وأضاف التقرير ” ان ذلك لا يعنى أن مسألة حقوق الانسان لم تعد مطروحة فى الجزائر، ولكن هذا الأمر يجب أن يبحث فى الإطار البرلمانى ” وتابع أن الوفد الأوربي ” أبلغ محاوريه الجزائريين أنه فى هذا السياق يمكن أن يدرس موضوع القواعد اللوجيستية للإرهاب فى أوربا ” [129]. وقد جاء هذا التأكيد الأوربى على معارضة إجراء تحقيق دولى للأزمة الداخلية فى الجزائر ليكون بمثابة دليل على اقتناع الدول الأوربية ببراءة ساحة النظام الجزائرى من الاتهامات التى سبق أن وجهت إليه بالضلوع فى أعمال العنف الموجهة ضد المدنيين. وإن كان البعض يرى أن الموقف الأوربى لم ينهض على اقتناع فعلى بسلامة موقف النظام الجزائرى بقدر ما مثل رهاناً على البديل المناهض للاتجاهات الأصولية، والذى عبر عنه فى هذه الحالة النظام الجزائرى نفسه.
واتساقاً مع هذا الخط الأوربى الجديد فى التعامل مع النظام الجزائرى، بدأت فى الجزائر بتاريخ 15 / 3 / 98 اجتماعات بين فريق من خبراء الشرطة الجنائية الدولية (انتربول ) ومسئولين جزائريين، من أجل التعرف على وجهة نظر الحكومة الجزائرية فى شأن الشبكات الإرهابية فى أوروبا، حيث قدم الجانب الجزائرى للوفد قائمة بأسماء أعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ وقادة الجماعات المسلحة فى الخارج [130]. وفى إطار إجراءات إعادة بناء الثقة مع نظام الرئيس زروال، قامت عدة حكومات أوربية بإجراءات اعتقال ضد إسلاميين مقيمين فى أوروبا، كما بدأت الدول الأوربية فى تشديد القبضة على الإسلاميين بحيث يمكن القول أن خريطة المواقف الأوربية قد اتضحت ملامحها إلى حد بعيد، فدول الاتحاد قد فضلت الرهان على نظام الرئيس زروال فى مقابل التغاضى عن دعاويها السابقة بشأن أهمية الحوار وإدماج التيارات المعتدلة من المعارضة الإسلامية، وهو التوجه الذى كانت فرنسا أول الآخذين به، بل ووصل الأمر إلى حد التراجع عن التأكيدات السابقة على قدسية مبدأ حق اللجوء السياسى والذى كانت تعتبره بعض الدول أمراً مفروغاً منه، ويبدو أن الحسابات الأوربية قد انتهت إلى ضرورة القضاء على خطر الجماعات المسلحة فى الجزائر وأن النظام الجزائرى هو خير من يقوم بذلك ولذا فإن دعمه يمثل أفضل الخيارات المتاحة، خاصة وأن أى خيار آخر يفقد هذه الدول تعاون النظام الجزائرى ومرونته التى اكتسبها بعد لأى، ويجعلها تقف فى مواجهة الجماعات المسلحة من جديد بعد أن كانت الإجراءات التى اتخذتها الحكومة الجزائرية قد نجحت إلى حد بعيد فى إنهاء حملة العنف الموجهة ضد الأجانب المقيمين فى الجزائر، كما يبدوا أن الاتهامات التى توجه بها المعارضون الجزائريون ضد النظام الجزائرى بالضلوع فى المجازر والتورط فى تفجيرات فرنسا قد افتقدت الدليل الكافى لحمل الدول الأوربية على إعادة صياغة مواقفها من النظام الجزائرى بشكل سلبى، كما أن الكثير من هذه الشهادات ـ على افتراض صدقها ـ كانت تدين الجيش وليس الحكومة، وعليه قدرت الدول الأوربية أن اكتساب ود النظام الجزائرى حتى لو لم يفدها بشكل كامل فإنه لن يعرضها لانتقادات داخلية من جانب الرأى العام الأوربى.

الموقف الأمريكى: العمل على المحاور الهادئة

تزامنت حادثة إلغاء الانتخابات التشريعية فى الجزائر مع فترة حكم الجمهوريين بزعامة جورج بوش والذى كان لإدارته موقفها الخاص مما تسميه بظاهرة الإسلام السياسى، وقد عبر عن هذا الموقف المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، إدوارد جيرجيان، فى نفس عام إلغاء الانتخابات بقوله ” إن الولايات المتحدة ليس لديها ما تضمره للإسلام كواحد من أعظم المعتقدات العالمية … كما أنه ليس لدى أمريكا ما تضمره للمسلمين الذين يؤكدون على تمسكهم بمبادىء دينهم، غير أن واشنطن ترتاب من أولئك الذين يستخدمون الدين لتغطية أهدافهم الإرهابية وأنشطتهم العنيفة … فالدين وحده لا يؤثر فى صياغة الولايات المتحدة لعلاقاتها مع غيرها من الدول إيجاباً أو سلباً، ولكن معركة الولايات المتحدة الحقيقية إنما هى ضد الإرهاب والعنف وعدم التسامح [131].
ولم يتطوع المسئولون الأمريكيون أبدا بتوضيح المعيار الذى يستخدمونه فى التمييز بين النوعين اللذين ذكرهما جيرجيان، أى بين المسلمين الطيبين والمسلمين الأشرار Good Moslims & Bad Moslims وفقاً لمصطلحات الإدارة الأمريكية نفسها، ورغم ذلك فقد استخدم هذا التقسيم التحكمى فى العديد من الحالات، وبشكل أفرز العديد من التناقضات، فبناء على هذا المعيار الغامض دخل المجاهدون الأفغان فى دائرة الإسلاميين الطيبين فيما دخل مجاهدو حزب الله فى دائرة الإسلاميين الأشرار، على الرغم من أن كلاهما يدافع عن قضية واحدة وهى تحرير الأرض المغتصبة، إلا أنه من المفهوم أن تحرير أرض يسيطر عليها السوفييت لهو أمر يختلف بشكل جلى عن تحرير أرض يسيطر عليها اليهود من منظور الإدارة الأمريكية.
وبناء على هذا الأسلوب فى التعامل مع الإسلام ” السياسى ” استقبلت الإدارة الأمريكية حادثة إلغاء الانتخابات التشريعية فى الجزائر بشكل اتسم بالسلبية الشديدة، إذ اكتفى المتحدث باسم الإدارة الأمريكية بالإعلان عن ” أسف ” الولايات المتحدة لإيقاف العملية الديموقراطية فى الجزائر، غير أنه لم يشفع هذا الأسف بالإعلان عن عزم بلاده اتخاذ أى خطوات فعلية لتفعيل هذا الموقف الرافض، وعليه بدا التصريح الأمريكى المقتضب كما لو كان لخدمة أغراض الاستهلاك الإعلامى فحسب، أما الموقف السياسى للإدارة الأمريكية فقد أظهر ارتياحاً صريحاً لتدخل الجيش لإقصاء الإسلاميين عن الحكم. ولم يكن عسيراً على الإدارة الأمريكية أن تبرر موقفها فى هذا الصدد، فهى وإن كانت ” تدعم العملية الديمقراطية فى بلدان الشرق الأوسط، إلا أنها تعارض فى الوقت ذاته هؤلاء الذين يتخذون من الديمقراطية مجرد ذريعة للاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها للأبد “[132].
وعقب مجىء الإدارة الديموقراطية بقيادة بل كلينتون إلى السلطة، بدأ المحللون فى توجيه النصح للإدارة الجديدة بالتخلى عن المعيار المعمول به فى التعامل مع الإسلام ” السياسى “، نظراً لما يتسم به هذا المعيار من جمود لا يتفق مع الطبيعة البراجماتية التى يجب أن تتسم بها سياسات الولايات المتحدة الأمريكية إزاء دول العالم، فقد وقفت الولايات المتحدة فى معارضة الثورة الإيرانية منذ اندلاعها لا لشىء إلا لأنها قد جاءت بحفنة من ” الإسلامين الأشرار ” على حساب ” الشاه الطيب ” وفقاً لمعطيات المعيار القديم، وهو الأمر الذى أفقد الولايات المتحدة حليفاً هاماً فى منطقة الخليج، وعليه توجه عدد من المحللين بالنصح لإدارة الرئيس الديموقراطى بأن تقلع عن هذه التصنيفات، وأن تحاول الإفادة من كافة الظروف المحتملة، بما فيها إمكانية وصول الإسلاميين ـ أياً كان توصيفهم ـ للسلطة فى أى من بلدان العالم، حتى لا تتكرر تجربة الحليف الضائع مرة أخرى.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية قد أخذت بهذا الرأى فيما يتعلق بالأزمة الجزائرية، فآثرت عدم الانحياز لأى طرف من أطراف الصراع، أو على الأقل أظهرت ذلك إعلامياً، فهى تدعم نظام الرئيس زروال فى الوقت الذى تستضيف فيه إنقاذى صادر ضده حكم بالإعدام داخل الجزائر، وهى تشجع المسار الديمقراطى وإن كانت تعترف بوجود تجاوزات تتخلله، وهى تدين أعمال العنف الموجه ضد المدنيين وإن كانت لا ترغب أن تتورط فى الأزمة بأى شكل من الأشكال.
وقد فضلت الإدارة الأمريكية العمل على المحاور الهادئة التى تبقيها بعيدة عن أتون الأزمة وتكسبها فى ذات الوقت ثقة ـ أو على الأقل عدم معاداة ـ الأطراف المتصارعة فى الجزائر. وتمثلت هذه المحاور فى: الدعوة لتحرير الاقتصاد، التعددية السياسية، دعم المؤسسات النيابية وحكم القانون واحترام حقوق الإنسان … وقد اعتبر السفير الأمريكى السابق لدى الجزائر، رونالد نيومان، أن العمل على هذه المحاور يمثل حلاً للأزمة “من جذورها”[133].
وتفصح تصريحات المسؤليين الأمريكيين عن إداراكهم للوضع الخاص الذى يمثله الجيش فى الدولة الجزائرية، لذا فقد حملت تصريحاتهم فى البداية نوعاً من التأكيد على ضرورة المحافظة على وحدة الجيش الجزائرى لما لذلك من أهمية فى الحفاظ على الاستقرار الداخلى، غير أنها انطوت أيضاً على تلميحات بشأن تنامى السلطات التى يتمتع بها العسكريون خاصة بازاء المؤسسات البرلمانية المنتخبة.
وقد حرص المسئولون الأمريكيون على التأكيد على استمرارية سياسية المحاور الهادئة فى أكثر من مناسبة، وعلى عدم انتواء الولايات المتحدة إطلاق أية مبادرة بشأن الوضع فى الجزائر، خاصة فى أواخر عام 1997 حينما راجت بعض تقارير أفادت أن وزيرة الخارجية الأمريكية أمرت بمراجعة سياسة الإدارة الأمريكية فى الجزائر، وذلك فى أعقاب المباحثات التى أجرتها مادلين أولبرايت مع نظيرها الفرنسى، هيبر فيدرين، على هامش اجتماعات الجمعية العامة الـ 52 فى نيويورك [134]، فسارع المتحدث باسم الخارجية الأمريكية إلى التقليل من أهمية هذه التقارير كما استبعد حدوث أى تغيير جذرى فى موقف الولايات المتحدة مما يجرى فى الجزائر [135].
ويبدوا، أن هذه السياسة قد أتاحت للولايات المتحدة أن تكون أقل المتضررين من أعمال العنف وأكثر المستفيدين من عملية التحول الليبرالى التى شهدتها الجزائر مؤخراً. فقد وقعت شركات النفط الأمريكية عقوداً هامة مع الحكومة الجزائرية، طوار فترة الأزمة، للإفادة من حقول النفط والغاز المنتشرة بكثرة فى الصحراء الجزائرية، كان من أبرزها ذلك العقد الذى وقعته شركة Arco مع الحكومة بقيمة 1.5 بليون دولار فى فبراير 1996. كما يمكن استشفاف الانسجام الاقتصادى بين الولايات المتحدة والجزائر من خلال القروض المتكررة التى وافق الصندوق والبنك الدوليين على منحها للحكومة الجزائرية فى تعبير عن رضاهما عن الإدارة الاقتصادية السديدة للأخيرة[136].
وقد بدأت الولايات المتحدة تكسر حاجز التصريحات المقتضبة وتفصح عما توصلت إليه تحرياتها بشأن الوضع فى الجزائر وذلك مع استهلال عام 1998. ففى يناير من هذا العام أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الجماعة المسلحة تتحمل مسئولية معظم الفظائع التى تحدث فى الجزائر، ولكنها أعلنت أيضاً أن بعض مجموعات الحرس الحكومى المحلى ربما تكون ضالعة هى الأخرى فيها. وشجعت الولايات المتحدة للمرة الأولى تقريباً إرسال بعثات لتقصى الحقائق لمحاولة الوقوف على حقيقة ما يجرى فى الجزائر، وكرر الناطق باسم الخارجية الأمريكية موقف بلاده التى تدين بشدة المجازر وتدعو إلى احترام سيادة القانون، كما كرر الدعوة إلى قيام حوار بين الفئات الجزائرية المختلفة التى تنبذ العنف وإلى توسيع قاعدة الحكم [137]، ومنذ إطلاق التصريح الأمريكى بدأ الحديث عن ” تدويل الأزمة الجزائرية ” يجرى بشكل مكثف، ويتعرض للعديد من التحليلات مابين موافق ورافض. غير أن الموقف الجزائرى الرسمى قد قابل مثل هذه الطروحات بالرفض القاطع حيث دأب المسؤلون الجزائريون على التأكيد بأن الأزمة الجزائرية هى شأن داخلى لا يحق لأى أحد التدخل فيه، وفى مواجهة هذا الرفض، أعلن مساعد وزير الخارجية الأمريكى لشئون الشرق الأوسط، مارتن إنديك، أن على الجزائر ألا تتوقع من المجموعة الدولية أن تقف صامتة بينما تستمر الأعمال الوحشية ضد المدنيين، وأضاف انديك إنه فى استطاعة الجزائر أن تظهر المزيد من الشفافية من دون أن يؤثر ذلك على سياستها.غير أن واشنطن لم تذهب بعيداً فى انتقاداتها للنظام الجزائرى، فقد حدد إنديك خطوات حل الأزمة الجزائرية من منظور الولايات المتحدة بأنه يتمثل فى مجرد تفعيل العناصر الرئيسية التى حددها زروال لتحقيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وأضاف أن على الحكومة الجزائرية أن تتحمل مسئولياتها فى حماية مواطنيها بشرط أن يتم ذلك تحت سلطة القانون ودون أن يؤثر على الخطوات المتواضعة التى اتخذت نحو قيام حكم ديموقراطى[138].
وقد ظلت الولايات المتحدة حريصة على ألا تتورط بأى شكل من الأشكال فى الأوضاع الداخلية التى تشهدها الجزائر، ومن الأمور اللافتة أن الأمريكيين المقيمين فى الجزائر لم يتعرضوا لأى هجمات إرهابية فى غمار الحملة التى استهدفت الأجانب المقيمين داخل الجزائر من قبل من وصفوا بالجماعات الإسلامية المسلحة. وقد حظيت مسألة مثل مسألة النزاع الحدودى حول الصحراء المغربية بين الجزائر والمغرب بعناية الإدارة الأمريكية بشكل ربما يفوق عنايتها بأزمة العنف الدائر بداخل الجزائر، ظهر هذا بوضوح أثناء الزيارة التى قام بها مارتن إنديك للجزائر والتى وصفتها الصحف بأنها مؤشر على ” إعادة الاهتمام الأمريكى بالجزائر “. فقد اهتم المسئول الأمريكى فى هذه الزيارة بتسوية الخلاف الذى لاح فى الأفق بين الجزائر والمغرب بعد ان ترددت أنباء عن قيام القوات الجزائرية برصد لجماعات مسلحة تعمل بالقرب من منطقة الحدود المغربية الجزائرية، وبعد صدور اتهامات جزائرية ضد المغرب بإيواء متطرفين إسلاميين. وكانت الإدارة الأمريكية قد أبدت اهتماماً متزايداً بتطور الخلاف بين المغرب والجزائر لكون ذلك يهدد التوازنات فى المنطقة [139].
أما عن الأوضاع الداخلية فى الجزائر فلم تشأ الولايات المتحدة أن تتقدم بمبادرة فردية من جانبها لحلها وإن التزمت بين الحين والآخر بالإعلان عن وقوفها فى صف الحكومة الجزائرية التى تحارب الإرهاب، وفى هذا الصدد أعلن السفير الأمريكى فى الجزائر، كاميرون هيوم، عن أن بلاده تحارب الإرهابيين بصرامة، كما أشار إلى تطابق وجهات نظر الولايات المتحدة والجزائر حول هذه الظاهرة [140]. ويبدو أن الولايات المتحدة قد آثرت أن تلقى بتبعة الأزمة الجزائرية على عاتق الأمم المتحدة بدلاً من أن تضطلع هى بدور مؤثر فيها، وفى هذا الصدد أكد بيل ريتشاردسون، سفير الولايات المتحدة فى المنظمة الدولية، على ضرورة إرسال مقررين دوليين حول أعمال التعذيب والعنف، وتابع ريتشاردسون ” إننا نشجع الحكومة الجزائرية على القبول بهؤلاء المقررين، إذ يجب إجراء تحقيق دولى فى هذه المأساة، والأمم المتحدة هى الهيئة الدولية المسئولة والمؤهلة لإجراء مثل هذا التحقيقات”[141].
ومع تغير نبرة الخطاب الامريكى وتحوله نحو المطالبة بإجراء تحقيق دولى، وجدت الحكومة الجزائرية أنه ربما يصبح من الأفضل أن تخفف من تشددها بإزاء مسألة قبول مراقبين من الخارج، خاصة بعد أن صدرت شهادات أوربية فى صالحها فى هذا الصدد، فضلاً عن أن قبول المراقبين تحت مظلة الأمم المتحدة ربما يصبح أقل إحراجاً من وجهة نظر الكرامة الجزائرية.

الأمم المتحدة: الحفاظ على السمعة الدولية:

فيما وصف بأنه نهاية للتردد الجزائرى بشأن استقبال ممثلى الهيئات الدولية، استقبلت الجزائر يوم 22 يوليو 1998 وفداً دولياُ برئاسة ماريو سواريش، الرئيس البرتغالى السابق، وضم كلاً من عبد الكريم الكباريتى، رئيس الوزراء الأردنى السابق، ميك كوجرال، رئيس الوزراء الهندى السابق، دونالد ماك هنرى، عضو حكومة الرئيس الأمريكى السابق جيمى كارتر، سيمون فاى، الوزيرةالفرنسية السابقة، وأموس واكو، وزير العدل الكينى.
وقد تم تشكيل الوفد بتنسيق بين الأمين العام للأمم المتحدة، كوفى عنان، والأمين العام لجامعة الدول العربية، عصمت عبد المجيد، والأمين العام لمنظمة الوحدة الأفريقية، سالم أحمد سالم، وذلك بوجب اقتراح قدمه أحمد عطاف، وزير خارجية الجزائر، إلى المنظمات الثلاث فى رسالة رسمية بعث بها فى مايو 1998 بهدف وضع حد للضغوط التى تمارسها بعض المنظمات الدولية لإرسال لجان تقصى حقائق، ولتقديم شهادة ” حق ” عن هذا الواقع[142].
وقد حرص رئيس الوفد أن يؤكد منذ البداية على أن مهمة الوفد إنما هى مهمة استعلامية وليست تحقيقية، وأنها تضم ستة شخصيات دولية تمثل الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية وأنها مكلفة بتقديم تقرير شامل يكون بمثابة شهادة دولية عن الوضع المعاش فى الجزائر يعرض على الأمين العام للأمم المتحدة، وأضاف أن هذه العملية تجرى فى إطار احترام القوانين وسيادة الدولة الجزائرية المطلقة. وتنبع أهمية هذه التأكيدات من أن الحكومة الجزائرية قد ترددت كثيراً قبل الموافقة على استقبال هذه اللجنة الدولية، وذلك فى إطار رفضها العام لمسألة تدويل الأزمة الجزائرية، وعليه كان هذا الإطار الذى قدمت فيه مهمة اللجنة هو الحل الوحيد الذى حظى بموافقة جميع الأطراف.
ولم يكن إرسال هذه اللجنة هو أول تعامل بين المنظمة الدولية والحكومة الجزائرية، فتاريخ هذا التعامل يعود إلى بداية اندلاع موجة المذابح المتكررة التى استهدفت القرويين، فقد تطوع كوفى عنان الأمين العام للأمم المتحدة بإعطاء تصريحات قال فيها: ” إننا ظللنا نتعامل طويلاً مع الأزمة الجزائرية على أنها شأن داخلى، ولكن ليس بوسعنا أن نظل ننظر إلى ما يجرى على أنه لا شىء أو على أننا ليس لدينا علم به، ثم نترك الشعب الجزائرى لكى يواجه المذابح بمفرده ” وطالب عنان بضرورة إيجاد حل عاجل، ووضع حد للمجازر التى تعيشها الجزائر. غير أن إجابة الرئيس زروال على مقترحات عنان، فى تلك الفترة، جاءت حاسمة، إذ أكد زروال للأمين العام أن الجزائر دولة ذات مؤسسات وهيئات منتخبة، هى وحدها القادرة على الخروج بالبلاد من أزمتها، وشدد زروال على مطلبه إليه وهو ألا يعود إلى مثل هذه التصريحات ولا يفكر لحظة فى التدخل فى شئون الجزائر الداخلية. وكان طبيعياً بعد ذلك أن يتراجع عنان عن تصريحاته المدوية عندما قال فى لهجة اليائس: ” كنت أتصور بحكم كونى أميناً عاماً للأمم المتحدة أن بمقدورى أن أعرض وساطتى فى كل مرة أشعر فيها أن هناك حاجة إليها … لكننى اليوم أفضل التخلى تماماً عن هذه الفكرة ” [143]. وكانت مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين هى المعنية التالية من بين أجهزة المنظمة الدولية بإدانة هذه المجازر، فقد صرحت مارى روبنسون المفوضة العليا لحقوق الإنسان والرئيسة السابقة لجمهورية أيرلندا، أكثر من مرة، أن قضية حقوق الإنسان فى الأزمة الجزائرية هى مسألة تهم المجتمع الدولى بأسره، لذا فقد ساندت الزيارتين الأوربيتين للجزائر، وكانت من أوائل من طرحوا فكرة المساهمة الدولية فى حل الأزمة الجزائرية[144]، وكانت روبنسون قد أعلنت فى وقت سابق عن قناعتها بأن المسئولية الكبرى عن أعمال العنف لا تتحملها السلطات فى الجزائر، واعترفت بأن جزءاً كبيراً للغاية من العنف يرجع إلى عوامل خارج نطاق الدولة، ورغم ذلك فقد استمرت فى دعوتها للحكومة الجزائرية بقبول وفد دولى للتحقيق فى ما تشهده البلاد من أعمال قتل [145]. وكان الرد الجزائرى التقليدى على مثل هذه المبادرات يتمثل فى رفض أى تدخل أجنبى فى الشأن الجزائرى الداخلى والتأكيد على أن المشكلة التى تواجهها الجزائر إنما هى مشكلة إرهاب وليست مشكلة انتهاك لحقوق الإنسان.
وقد انتقدت مفوضية الأمم المتحدة نفسها اللجنة الدولية التى أوفدت إلى الجزائر برئاسة سواريش، وقالت المفوضية إن هذه اللجنة لا يمكنها أن تتوصل إلى أى نتائج ملموسة بسبب افتقارها للآلية والخبرة العملية فى التحقيق فى أعمال خطرة كتلك التى تشهدها الجزائر، وترى مارى روبنسون إن مهمة الوفد اللجنة لا تتعدى الملاحظة، فهى غير مخولة أولاً، وغير قادرة ثانياً بسبب القيود الجزائرية، فقد أعلن وزير الخارجية الجزائرى أحمد عطاف ” أن بإمكان اللجنة جمع معلومات، شريطة أن يكون مصدر هذه المعلومات يتصرف ضمن الإطار القانونى ” والإطار القانونى يعنى تحديداً أن كل الذى تستطيع اللجنة فعله هو الملاحظة الإجمالية غير الهادفة، ومن ثم الاتصال بالعناصر المتفقة مع السلطة، أو المنضوية إلى أحزاب وتنظيمات تحظى برضا الحكم، وهو ما يعنى أنه سيكون من المحظور على أعضاء الوفد التقاء أى من أعضاء جبهة الإنقاذ المحظورة أو أى من التنظيمات الجزائرية الأخرى التى تم حظر نشاطاتها[146].
وكما انتقدت مفوضية الأمم المتحدة اللجنة الدولية وتوقعت لها الفشل، فقد انتقدها أيضاً عدد من الأحزاب الجزائرية، مثل حزب التجمع من أجل الجمهورية الذى يتزعمه الراديكالى الكبير رضا مالك، والذى أوضح فى حديث له، أنه، مثل معظم قادة الأحزاب الجزائرية (باستثناء حزب جبهة القوى الاشتراكية بزعامة حسين آيت أحمد )، يرفض التدخل الخارجى فى الشئون الجزائرية، وأضاف أنه لا يتوقع لهذه اللجنة النجاح فهى على حد قوله قد قامت بمهمات سابقة فى العديد من الدول الأفريقية ولم تحقق نجاحاً، كما أنها ربما يغلب عليها طابع المجاملات، حيث أن رئيسها، ماريو سواريش، كان لاجئاً سياسياً فى الجزائر فى فترة حكم سالازار فى البرتغال، وساهم بعد ذلك فى اتفاقية الجزائر الخاصة بتصفية المستعمرات البرتغالية فى أفريقيا [147].
و من جانبه فقد أشاد ماريو سواريش بالوسائل والإمكانات التى وفرتها الحكومة الجزائرية لتسهيل مهمة اللجنة وقال ” إن الأرضية الطيبة التى وفرتها الجزائر من وسائل مادية وبشرية ومعنوية وحرية الحركة والاتصال مع كل الجهات والأطراف سواء فى الدولة أو المعارضة قد أسهم فى نجاح العملية التى تجرى فى أحسن الظروف وبعيداً عن الأجواء الإعلامية منعاً لأى إثارة أو تشويه وحفاظاً على مصداقية ونزاهة اللجنة وحياد الحكومة الجزائرية [148]. ورغم هذه التصريحات المشجعة فقد أفادت بعض المصادر أن الوفد قد قضى بعض الوقت متردداً فى التعرف على مصادر العنف والإرهاب وأن الأسئلة التى توجه بها إلى الجزائريين قد تركزت حول ” من يقتل من؟” غير أن تحليلات أخرى قد انتهت إلى أن وفد الأمم المتحدة سوف يسعى إلى تأكيد ما هو موجود باعتبار أن ما تم انجازه فى الجزائر هو أفضل ما فى الإمكان وأنها فى الطريق السليم والصحيح [149].
وعقب انتهاء الزيارة تأكدت صحة ما ذهب إليه أصحاب التحليل الثانى، إذ أكد ماريو سواريش، أنه رغم الموقف المعقد نتيجة الإرهاب إلا أنه لا يعنى بأى شكل من الأشكال أن الجزائر فى خطر، بل إنها تجاوزت الخطر الحقيقى، وأن الوضع يسير نحو الانفراج بعد سيطرة الدولة على الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية وفرضها سيادة القانون، وأكد أن البعثة أتمت مهمتها بنجاح وتمكنت من الوصول إلى كل الأماكن بحرية تامة، وأنه استطاع الاتصال بكل الأطراف الجزائرية [150]. وهكذا انضم تقرير الوفد الأممىأأ إلى ما سبقه من تقارير دولية فى الإشاده بالنظام الجزائرى وتبرئة ساحته من أعمال العنف التى تشهدها البلاد وهى النتيجة التى توقعها كثيرون حتى قبل أن يصل أعضاء الوفد إلى الجزائر. ولكن على الرغم من هذه النتيجة الرمزية التى أسفرت عنها زيارة الوفد الأممى، فقد تردد بعدها أنها قد تركت صدوعاً كبيرة على مستوى علاقة مؤسسة الجيش، الذى أضيرت ساحته بشكل أو بآخر فى ثنايا تقرير اللجنة، بالرئاسة الجزائرية، الأمر الذى تبدت آثاره فى قرار زروال عزمه التنحى[151]، وهو القرار الذى أسهم فى إضافة المزيد من علامات الاستفهام حول المستقبل السياسى والأمنى للجزائر.

العرب والجزائر: بانوراما عدم التدخل

تمثل الموقف العربى من الأزمة الجزائرية إجمالاً فى عدم الرغبة فى التورط فى الشأن الداخلى للدولة الشقيقة، وتنوعت تصريحات القادة العرب التى تعبر عن هذا المضمون، على اعتبار أن عدم التدخل يعبر ـ أكثر من أى شىء آخر ـ عن ثقة الحكومات العربية فى النظام الجزائرى وفى قدرته على مواجهة التحدى الداخلى بالكفاءة المطلوبة. غير أن السبب الحقيقى وراء ذلك الدعم المتوانى من جانب البلدان العربية للشقيقة الجزائرية، يرجع فى قدر كبير منه إلى ارتباط الأزمة الجزائرية بخطر الإرهاب، وهو الخطر الذى لا تزعم أى دولة أنها تملك علاجاً شافياً له، ليس فقط بسبب الطبيعة الدموية لهذا الخطر أو بسبب الغموض الذى يحيط عادة بمرتكبيه، وإنما أيضاً بسبب الظروف المواتية فى معظم البلدان العربية تقريباً لنمو هذه الظاهرة. وهو الأمر الذى يجعل احتمالات العدوى قائمة بشكل كبير لدى أية دولة تتطوع بشكل جدى لمساعدة الجزائر للخروج من محنتها. غير أن النظام الجزائرى يتحمل من جانبه قدراً من المسئولية أيضاً وذلك برفضه القاطع لأى محاولة أو دعوة للتدخل من جانب أى طرف سيان فى ذلك الأطراف العربية والأطراف الدولية الأخرى وذلك فى إطار الحساسية الجزائرية العامة لكل ما هو خارجى. وفيما يلى نماذج من المواقف العربية “المقتضبة” التى نقلتها وسائل الإعلام على ألسنة المسئولين العرب.
الجامعة العربية: أوفد الدكتور عصمت عبد المجيد مبعوثاً خاصاً إلى الجزائر فى شهر يناير من عام 1998 لتسليم الرئيس زروال رسالة عاجلة أكد له فيها موقف الجامعة الرافض لأى تدخل أجنبى فى الشئون الداخلية للجزائر، كما أكد عبد المجيد على استعداد الجامعة لتقديم أى عون للسلطات الجزائرية ورفضها لكل أعمال العنف والإرهاب، ومن جانبه عبر السفير مهاب مقبل، مبعوث الأمين العام، عن إيمانه بأن ما يجرى فى الجزائر هو شأن داخلى، مؤكداً قدرة الحكومة الجزائرية على القضاء على الإرهاب، وتابع ” إن الارهاب يلفظ أنفاسه الأخيرة ” وأنه مطمئن للوضع فى الجزائر وأن ما نراه مبالغ فيه وأن الأوضاع فى الجزائر طبيعية وتسير على ما يرام”[152].
الإمارات: أكدت على تضامنها مع الشعب الجزائرى فى محنته التى يمر بها، ووقوفها إلى جانبه فى مواجهة المجازر التى يرتكبها خارجون على كل القيم الإسلامية والإنسانية، وأعلن وزير الدولة للشئون الخارجية الإماراتى عن استعداد بلاده لإرسال وفد للجزائر للبحث مع الحكومة الجزائرية فى ما يمكن أن تقدمه من مساعدة وعون للشعب الجزائرى من أجل وقف هذه الجرائم البشعة، وقال ان دولة الإمارات ترحب فى الوقت ذاته باستقبال وفد جزائرى من الحكومة الجزائرية للغرض نفسه، كما ناشد الوزير المجتمع الدولى التحرك الفعال والوقوف إلى جانب الحكومة الجزائرية بحزم[153].
مصر: حرصت مصر على التأكيد فى كل المناسبات المتاحة على أن ما تمر به الجزائر هو شأن داخلى، وقد ساندت مصر المطالب الجزائرية الموجهة للبلدان الأوربية بشأن ضرورة قيام هذه الدول بتفكيك شبكات دعم الجماعات المسلحة العاملة من أراضيها. وتنسق الدولتان الأوضاع الأمنية بينهما باستمرار كما حدث فى مؤتمر وزراء الداخلية العرب وعند التوقيع على الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، وعندما توترت العلاقات بينهما فى أواخر عام 1997 كان ذلك لأسباب اقتصادية بالأساس، حيث انزعجت القاهرة من القرارات الجزائرية المفاجئة بمنع دخول حاصلات زراعية مصرية إلى أرضها بحجة عدم مطابقتها للمواصفات [154]، ولكن هذا التوتر سرعان مازال بشكل كامل بعد الزيارة التى قام بها الوزير المصرى أحمد جويلى إلى الجزائر فى أكتوبر 1998، حيث تم التنسيق بين البلدين فيما يتعلق بالمواصفات القياسية ومعايير الجودة المشترطة فى السلع.
السعودية: أصدر مجلس الوزراء السعودى بياناً جاء فيه استعداد المملكة لتقديم كل ما يطلب منها لوقف إراقة الدماء، كما أدان البيان الإرهاب بكل صوره ومصادره[155]، كما ناشد إمام وخطيب المسجد الحرام فى خطبة الجمعة الأخيرة من رمضان الماضى الجزائريين ” حقن الدماء والاحتكام إلى صوت الحق ” ودعا ذوى التأثير فى الأمة إلى ” العمل الجاد لجمع كلمة المسلمين”[156].
قطر: أعلن مجلس الوزراء القطرى تأييد الدوحة ما جاء فى البيان السعودى بشأن الجزائر، وصرح الناطق باسم مجلس الوزراء بأن المجلس جدد مواقفه من أعمال العنف فى الجزائر، وأعرب عن بالغ قلقه واستيائه من استمرار المجازر الوحشية هناك”[157].
العراق: أكد العراق باستمرار على ” رفضه القاطع لأى تدخل فى الشئون الداخلية للجزائر، كما دعا إلى ضرورة قيام موقف عربى موحد”[158].
عمان: كان السفير العمانى فى الجزائر قد تعرض لحادث اختطاف من قبل من وصفوا بالجماعات المسلحة وذلك قبل أن يطلق المختطفون سراحه لكى ينتقل للعمل فى سوريا بدلاً من الجزائر، وتجمدت العلاقات بين الجزائر وعمان منذ ذلك التاريخ. ولكن عقب الزيارة التى قام بها زروال إلى عمان فى أواخر عام 1997 تحسنت العلاقات بين البلدين مرة أخرى وتم اعتماد سفير جديد لعمان فى الجزائر. وقد آثرت عمان ألا تتدخل فى الوضع الجزائرى بأكثر مما تدخل به باقى الأشقاء العرب[159].
لبنان: دعت الحكومة اللبنانية السابقة برئاسة رفيق الحريرى إلى تحرك عربى فعال لمساعدة الجزائر على مواجهة محنتها، وقد قابلت الحكومة الجزائرية هذا التصريح باستدعاء السفير اللبنانى لدى الجزائر حيث أبلغته شفوياً رفض الجزائر لأى تدخل فى شئونها الداخلية أياً كان الشكل الذى يتخذه وأياً كان مصدره[160].
اليمن: تمثل موقف اليمن فى ” إدانة المجازر الوحشية البشعة التى تقع فى الجزائر ورفض كل أشكال العنف والإرهاب والتطرف”[161].
تونس: وقفت تونس إلى جانب الجزائر فى ” صراعها مع الدول الأوربية التى سعت إلى إرسال لجنة تحقيق عن المجازر التى تتم فيها ” وذلك لقناعة الحكومة التونسية بأن ما يجرى فى الجزائر إنما هو شأن داخلى [162].
ليبيا: لا يعرف بالضبط طبيعة الموقف الليبى مما يجرى فى الجزائر، فبعدما قامت السلطات الليبية فى أواخر عام 1997 بطرد 132 جزائرياً لغير سبب مفهوم، الأمر الذى تسبب فى توتر العلاقات بين البلدين، عادت العلاقات بين البلدين للتحسن على أثر تطابق الموقفين الليبى والجزائرى من مشروع أطلسى كشفت عنه إحدى الصحف الأسبانية ويرمى إلى تشكيل قوات طوارئ أطلسية للتدخل فى منطقة شمال أفريقيا عند الحاجة، وبعدما كان الموقف الليبى الرسمى يحض النظام الجزائرى على فتح حوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ ويعرض القيام بوساطة بين الطرفين ؛ بدأ الإعلام الليبى يشن حملات شبه يومية على من أسماهم ” الزنادقة ” فى إشارة منه إلى الجماعات المسلحة، وهو ما أدى بدوره إلى حدوث تقارب مع الحكومة الجزائرية التى ارتضت من الجارة الشرقية هذا الدور[163].
المغرب: مثل النزاع المغربى الجزائرى حول الصحراء الغربية تركة ثقيلة لم تنجح الدولتان فى تجاوزها حتى يومنا هذا، وذلك على الرغم من الاجراءات التصالحية التى تم اتخاذها منذ ” قمة الخيام ” التى عقدت بوساطة سعودية، وقد أصيبت العلاقات بين البلدين بانتكاسة حقيقية بعد اغتيال الرئيس محمد بوضياف، الذى كان بصدد البحث جدياً فى حل لنزاع الصحراء، ثم لحقها توتر جديد فى عام 1994 فى أعقاب عملية مسلحة استهدفت أحد فنادق مدينة مراكش، حيث بدأت الحكومة المغربية منذ ذلك التاريخ فى فرض التأشيرات على الجزائريين وذلك كإجراء وقائى للحيلولة دون انتقال حلقة العنف الجزائرى إلى داخل المغرب، حيث اتهمت أوساط مغربية متعددة الجزائر بمحاولة تصدير العنف إلى المغرب، مستندة فى ذلك إلى الحادث المذكور الذى كشف عن شبكة تخريبية تستهدف زعزعة استقرار البلاد. ومن جانبها أبدت السلطات الجزائرية انزعاجها من عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الجزائر عبر الحدود مع المغرب. وقد أسفرت كل هذه المكدرات عن توتر العلاقات بين البلدين بشكل دائم، الأمر الذى أدى إلى تجميد نشاط اتحاد المغرب العربى الذى تشكل الدولتان عموده الفقرى[164]. الموقف المغربى من الوضع فى الجزائر يبدوا بهذا المعنى محكوماً بعوامل مسبقة تعوق المغرب عن السعى الجدى للتوسط فى حل الخلاف الجزائرى الداخلى، وذلك على الرغم مما تعلنه القيادات المغربية المختلفة وعلى رأسها الملك الحسن الثانى نفسه من رغبة متفائلة فى إعادة العلاقات بين البلدين إلى مجاريها الطبيعة، وفى خروج الشعب الجزائرى من محنة الإرهاب التى يواجهها بشجاعة [165].
ولا يلوح فى الأفق المنظور أن المواقف العربية السالفة قابلة للتغير، وذلك على الرغم من استمرار المجازر التى تنخر فى المجتمع الجزائرى وتنذر بتحول بلد المليون شهيد إلى بلد المليون قتيل، فالأطراف العربية مازالت مصرة على مجاملة الحكومة الجزائرية وإن جاء ذلك على حساب الشعب الجزائرى نفسه الذى يقدم أرواح أبنائه ثمناً لهذه المجاملة، وترى الأطراف العربية أن النظام الجزائرى مازال يمتلك ـ أو على الأقل يدعى امتلاك ـ معظم خيوط الوضع الداخلى فى البلاد، وعليه ترى الحكومات العربية أنه بوصفه المعبر الشرعى عن الدولة الجزائرية يمكنه أن يحمل بمفرده عبء حل الأزمة حتى لو كان هو نفسه أحد أطرافها. ويبدو أن إرادة التدخل لا تتحقق لدى الأطراف العربية إلا عندما يختفى الطرف الذى يحتكر امتلاك القوة، أو بتعبير آخر عندما يتلاشى الشكل المؤسسى للدولة وتصبح عبارة عن مجموعة من الفرقاء المتحاربين الذين يتساوون فى ادعاءاتهم امتلاك الشرعية. غير أن هذا النوع من التدخل المتأخر قد لا يؤتى ثماره دائماً، كما أنه قد يقابل بصعوبات يستحيل تجاوزها، ويبدوا ذلك واضحاً من خلال استقراء النموذجين اللبنانى والصومالى، ففى كل منهما كانت جميع الأطراف تتنازع الشرعية وتتقاتل عليها ـ وعليه لم يكن ثمة طرف متاح لكى ” تعلن الثقة فى قدراته على حل الأزمة “، كما لم يكن من الممكن اعتبار أن الأزمة فى هذين النموذجين هى ” أزمة داخلية “، ففى كلتا الحالتين انهارت الحدود بين ما هو داخلى وما هو خارجى بحيث أصبح المجتمع منكشفاً بدون دولة أو انكمشت الدولة لكى تتطابق حدودها مع حدود القبيلة أو الميليشيا التى تقاتل من أجل فرض سيطرتها على بقية الأطراف ـ هذه الملابسات والأوضاع التى ميزت هاتين التجربتين ربما تكون مسئولة ـ إلى حد كبير ـ عن تفسير ذلك التلاقى الذى حدث حول إرادة التدخل لتصحيح الأوضاع سواء من قبل أطراف عربية فى الحالة اللبنانية أو من قبل أطراف دولية فى الحالة الصومالية إلا انه من الواضح أن التدخل فى الحالتين لم يسفر عن كل النتائج المرجوة وإن كان ذلك يصدق بدرجة أكبر على النموذج الصومالى. أما الوضع الجزائرى فإنه يبدو مغايراً لهذين النموذجين وذلك بوصفه وضعاً لم يفقد فيه الطرف الأقوى كل قوته بعد ومن ثم فهو يدير الأزمة من موقع الطرف الشرعى الذى يواجه زمرة من الخارجين، وهو بهذا المعنى يعتبر أن أى مسعى للتدخل ينضوى على شبهة قدح فى هذه الشرعية التى يدعيها فى مواجهة خصومة، ويساعده على هذا ذلك التردد الذى يخيم على مواقف الأطراف التى تعرض المساعدة على استحياء، فهى من جانبها تعرف الطبيعة الشائكة للأزمة الجزائرية وتعرف أنها تمتلك قابليات العدوى ولذا تؤثر أن تدع الأمر كله للنظام الجزائرى بنفسه معلنة عن ثقتها فى قدراته على مواجهة الأزمة الداخلية التى تشهدها بلاده، غير أن هذا التردد العربى من جهة والتصلب الجزائرى من جهة أخرى لن ينجحا فى إخفاء حقيقة كون النظام الجزائرى قد وضع نفسه فى مواجهة مع قطاعات واسعة من الشعب الجزائرى وهو الأمر الذى ينذر بتحول الأزمة الجزائرية ؛ المتسارعة أصلاً ؛ إلى شكل أكثر خطورة يصعب فيه التدخل حتى لو جاء حينئذ بدعوة من النظام نفسه.

خلاصة:

تناولنا فى هذا التقرير مواقف الأطراف المختلفة التى تتشكل من خلالها أبرز ملامح الأزمة الجزائرية، ونقصد بالأزمة هنا تلك الحلقة المفرغة من العنف والعنف المضاد التى تكبل الشعب الجزائرى منذ سبع سنوات، وقد وقع الاختيار على هذه الأطراف دون غيرها نظراً للدور الهام الذى تلعبه ـ إيجاباً أو سلباً ـ فى هذه الأزمة. والنتيجة التى أمكن الخلوص إليها بعد القيام بهذه المتابعة الموجزة هى أن كل هذه الأطراف تتحمل نسباً متفاوتة من المسئولية عما آلت إليه الأوضاع ؛ أو بالأحرى تردت إليه فى الجزائر على مستويى الدولة والمجتمع.
فالنظام الجزائرى لم تزد محاولاته لاستعادة الأمن والاستقرار عن أن تكون مجرد جهود مبتورة لا يمكنها أن توفر حلاً للأزمة من جذورها، إما بفعل إقصائه لأطراف فاعلة من على خريطة القوى السياسية وإما بفعل تهميشه لقطاعات واسعة من الشعب الجزائرى وهو بصدد البحث عن مخرج للبلاد من أزمتها ؛ هذا إذا ما تغاضينا عن حقيقة كونه أحد المساهمين البارزين فى تفجير ملف العنف أصلاً بفعل احتكاره لوسائل التعبير وقنوات الرأى لعقود طويلة فى الوقت الذى تخلى فيه عن حقه فى احتكار امتلاك أدوات القوة لفرض الأمن، فالنظام الجزائرى قبل بتسليح المجتمع فى مقابل الحفاظ على مكاسبه السياسية الأمر الذى تسبب فى تفجر عملية ثأرية متداخلة الأطراف لم يعد بإمكانه أن ينهيها بقرار منفرد.
أما الجيش فإنه يضم فى صفوفه قطاعات ذات ثقل ؛ تعطى الأولولية للمكاسب الاقتصادية على حساب الاعتبارات الأمنية، وتؤمن بأن حل الأزمة التى تشهدها الجزائر يتلخص فى استئصال الجماعات المتمردة عبر الاستمرار فى سيناريو الحل الأمنى أو بالأحرى الحل الدموى، هذه القطاعات العسكرية تفصلها فى حقيقة الأمر هوة واسعة عن بقية قطاعات المجتمع الجزائرى، وذلك بفعل ما تحوزه من قدرات وامتيازات اقتصادية واجتماعية، ولهذا السبب يعد الانخراط فى صفوف النخبة العسكرية أحد المطامح الهامة فى المجتمع الجزائرى. وتظهر حقيقة الوضع الاقتصادى المتميز لأفراد الجيش الجزائرى فى حرص قياداته على عدم زيادة حجمه عما هو عليه ـ حوالى 160 ألف فرد فقط ـ وذلك على الرغم من أن الاعتذار الأساسى الذى يبرر به القادة العسكريون عدم مقدرتهم التصدى لكل المذابح التى تشهدها البلاد هو أن الجيش الجزائرى لا يستطيع أن يتواجد فى كل أنحاء البلاد، وهو نفس السبب الذى برر به الجيش قيامه بتسليح فرق الدفاع الذاتى.
أما الجماعات الإسلامية والتى انخرطت جميعها قبل انفجار ملف العنف الدموى تحت لواء جبهة الإنقاذ فقد بدأت بمشروع إصلاحى ثم انجرفت إلى دوامة العنف الثأرى، بعد أن قيمت مكاسبها السياسية التى اغتصبها النظام بشكل يفوق تقييمها لمصلحة الشعب الجزائرى بأكمله، الأمر الذى أفقدها قدراً كبيراً من مصداقيتها لدى الشارع الجزائرى، كما أدى إلى انبثاق العديد من الجماعات المسلحة من جعبتها، حيث مارست هذه الجماعات العنف تحت رصيد الجبهة مما أدى إلى تشوه الصورة التى كانت تعد بها عند بداية ظهورها.
أما الموقف الدولى فإنه يثير بدوره مفارقة ” المصلحة ـ الادعاء “، ففيما تتمثل المصلحة المؤكدة لحكومات الدول الغربية فى بقاء الأنظمة المدعومة من قبل الجيش فى سدة الحكم فى الجزائر ؛ ومن ثم فى عدم وصول التيار الإسلامى إلى مقاعد السلطة، فإن جملة وافرة من شعارات حقوق الإنسان قد تم ترويجها على مدار الأزمة على الرغم من ذلك. وقد صبغت هذه المفارقة المهام الشرفية الثلاث التى قام بها أطراف دوليون إلى الجزائر، حيث كان أعضاء هذه الوفود يصلون إلى الجزائر وهم مستعدون لتبرئة ساحة النظام الجزائرى حتى قبل القيام بمهامهم الاستقصائية، وفى بعض الأحيان كانت تصريحات الاشادة بالنظام الجزائرى وتأكيد برائته تسبق وصول هذه البعثات إلى الجزائر، وهو ما كان يضفى بظلال من اللاصدقية أو المجاملة على طبيعة هذه البعثات. هذا التناقض فى الدور الدولى يجد تبريره فى حقيقة كون هذه الأطراف الدولية لديها ترتيب معين للأولويات، بحيث تقلقها مسألة مثل قضية تيارات الهجرة بأكثر مما تقلقها قضية انهيار المجتمع الجزائرى بأكمله.
الأطراف العربية تعاملت مع الأزمة الجزائرية على أنها شأن داخلى، ومثل هذا الموقف يجد تبريره فى طبيعة الوضع العربى العام، الذى يفضل عدم الاعتراف بالأزمات عن محاولة حلها، على الرغم من أن الأزمة الجزائرية تمثل نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه الوضع فى العديد من الدول العربية الأخرى التى تمتلك نفس القابليات التى أدت بالجزائر إلى ماهى عليه، الأمر الذى كان يفترض من هذه الدول أن تسعى بشكل جدى إلى محاولة تدارك الوضع المأساوى الذى باتت الجزائر مستغرقة فيه.
وعلى الرغم من خلو هذا التقرير ـ تقريباً ـ من بيان بالمذابح أوأرقام الضحايا الذين دفعوا أرواحهم ثمناً لهذا العنف الأعمى فإن الثابت أن العنف قد مثل وتيرة لا تنفك على مدار جميع الفترات التى تناولها هذا التقرير، إلى الدرجة التى أصبح لا يستثير معها القدر الذى يستحقه من القلق أو الاهتمام المجردين ؛على اعتبار أنه أصبح مجرد ظاهرة روتينية. كما أصبح التساؤل حول ” من يقتل من؟” مدعاة للضجر بين جميع المهتمين بالأزمة الجزائرية ؛ ليس فقط لأنه أصبح سؤالاً بلا إجابة، بعد أن اتسعت دائرة العنف وتعقدت تفاصيلها ربما إلى درجة تصعب معها محاولة الإجابة ” الجنائية ” عن هذا التساؤل، ولكن أيضاً لأن تساؤلاً من هذا النوع يفترض فى ذاته حتمية القصاص، والأخير أصبح حقاً مشاعاً بين جميع الجزائريين، بعد أن قام الجيش الجزائرى ـ بنفسه ـ بتسليح الأفراد لكى يعوض من خلالهم عجزه عن القيام بوظيفته الأمنية. والمجتمع المسلح يمارس القصاص ممن يتوهم أنه مسئول عن العنف، وهذا بطبيعته يفتح أبواباً لا توصد من ردود الأفعال الدموية القائمة فى مجموعها على المظنة والحدس. وعلى الرغم من توافر الأمثلة الحية التى تفصح بوضوح عن الآثار الخطيرة لتسليح الأفراد، فإن المسئولين الجزائريين أقدموا على هذه الخطوة بدون تردد يذكر، وهو ما أدى، ضمن أشياء أخرى، إلى أن أدمنت الفئات المسلحة فى الجزائر ممارسة العنف، كما اعتبرت أن من حقها الاسترسال فى عمليات لا تنتهى من العنف والعنف المضاد
بهذا المعنى فإن العنف المسلح فى الجزائر هو فى قدر كبير منه عنف ثأرى، ومما يؤكد هذه السمة الثأرية للعنف الجزائرى طبيعته اللاغائية، فمنفذو هذه العمليات لا يعلنون عن مطالب معينة يبغون تحقيقها، فضلاً عن أنهم لا يحددون شروطاً من جانبهم لإيقاف حملتهم الدموية، فالعنف الموجه ضد النظام على سبيل المثال لم يعلن مرتكبوه أن هدفهم يتمثل فى اسقاطه لإقامة نظام بديل أو شىء من هذا القبيل، ونفس الشىء يقال بالنسبة للأسباب الواهية التى كانت تبرر بها العمليات التى استهدفت الرعايا الفرنسيين. ولعل غياب ” الغايات المباشرة ” المعروفة عن الجماعات المسلحة عموماً التى تتميز مطالبها بالصرامة غالباً ولا تقبل التفاوض بخصوصها، هو الذى دفع العديد من المراقبين إلى الإلقاء بتبعة العنف على الكيانات الرسمية فى الدولة الجزائرية على اعتبار أن هذه الجهات توظف العنف بشكل تكتيكى لخدمة غاياتها الاستراتيجية والمحددة سلفاً.
وبعيداً عن الطبيعة التى تميز العنف الجزائرى عن غيره، فإن الأمر الذى يبدوا مؤكداً أن خروج الدولة الجزائرية مما تعانيه لا يمكن تصور حدوثه من غير قرار جماعى داخلى، قرار يستوعب طاقة العنف التى ولدتها حالة العسكرة الفوضوية المتفشية فى المجتمع، ويعيد التفاف الجزائريين حول مشروع جماعى تنصهر فى بوتقته كافة الخلافات التى تشكل أسواراً فيما بينهم، ويتطلب هذا بدوره أن يعترف أطراف الصراع ببعضهم البعض، لكى يصبح من الممكن مد جسور للتفاهم بينهم، فالإصرار النظامى على اعتبار الأطراف التى يستبعدها من الحياة السياسية بشكل تحكمى أطرافاً غير شرعية، يفسح المجال أمام مشكلة لا يمكن حلها، ويجعل البديل المسلح مطروحاً بشكل دائم، طالما بقيت هذه الأطراف ” غير الشرعية ” لكى تمثل قطاعات معتبرة من الشعب الجزائرى، وعلى الجانب الآخر فإن الجماعات المسلحة ؛ أياً كانت هويتها ؛ لن تفلح فى حملتها الموجهة ضد قوى الحكم، الأمر الذى يفرض عليها أن تعيد صياغة مواقفها التى تعبر من خلالها عن رفض مهادنة النظام أو التفاوض معه بشأن إيجاد حل للأزمة.
الجزائريون بهذا المعنى مطالبون بإصلاح ما فسد، فالأواصر الجزائرية فى حاجة إلى إعادة الالتئام مرة أخرى، والفرقاء المتقاتلون عن غير سبب واضح فى حاجة إلى إعادة التقارب. ثمة حاجة إذن إلى مشروع جديد يحقق الانصهار القومى والثقافى ويعيد ترتيب الأولويات. وعلى الرغم من اعترافنا بتقاعس الموقف العربى وإحجامه عن القيام بالدور الذى ينبغى منه ؛ فإن الحل الذى تتطلبه الأزمة الجزائرية ينبغى أن ينطلق من الجزائريين أنفسهم، حتى يمكن بعد ذلك لأى مبادرة أن تكون ذات معنى، فالشعب الجزائرى عليه عبء استئصال نزعة العنف ؛ إذا كانت هذه متفشية فى عموم الشعب، ومحاصرتها ؛ إن كانت لدى قطاعات معينة منه، الجزائريون عليهم أن يصالحوا أنفسهم قبل أن ينتظروا من الآخرين أن يقوموا بذلك لهم، وأولى خطوات مصالحة الذات هى أن يعترف أطراف النزاع ببعضهم البعض، وينبذوا عزمهم على الاستمرار فى تصفية خصومهم، لأن خصومهم هؤلاء هم فى النهاية جزء من النسيج الجزائرى العام، الذى تجمع أجزائه مصلحة واحدة ومصير واحد، والذى يؤدى بتر أى جزء منه إلى تآكل المقدرة الكلية للدولة والمجتمع الجزائريين.

خاتمة:

تبدو لنا أهم عناصر الاعتبار والدلالات المتعلقة بالحلقة المفرغة للعنف الذى ميز الأزمة الجزائرية فى الإجابة عن التساؤل:
ما هو حصاد مسلسل العنف الذى لا تبدو له نهاية فى المدى المنظور؟
– الحدث الجزائرى هو واحد من الأحداث التى يجب التوقف عندها، إنه لا يقل فى التأثير على العرب والمسلمين عن حرب الخليج الثانية، ليست تلك مبالغة، إنما هو حدث يصب فى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. هذا الحدث الذى اتسم بالكثافة فى الحركة والسرعة والتنوع فى أحداثه فى بدايته انتهى إلى حركة رتيبة أو روتينية أورثت سلوكا داخليا وعربيا ودوليا يمكن تسميته “بالتعايش مع العنف “، وضمن هذه الحلقة المفرغة للعنف سارت الدولة نحو الإضعاف، وسار المجتمع نحو التفكيك. الدولة صارت إحدى القوى المتنازعة، والمجتمع شهد قوى منقسمة ومتصارعة تنفى بعضها بعضا خروجا على كل قواعد العقد الاجتماعى والسياسى.
– الكامن فى الحدث الجزائرى أكثر من الظاهر فيه أو منه، أطراف العنف، قوتها وحجمها، أهدافها وغاياتها، هذه المصادر الكامنة فى تشكيل ظاهرة العنف شكلت أهم عناصر عشوائية الظاهرة بحيث تستعصى على الضبط، العشوائية اتخذت ضمن هذا السياق عشوائية فى تكوين الظاهرة، وعشوائية فى التفسير وعشوائية فى التقويم وضمن هذه العشوائية تبدو عملية عسكرة المجتمع “تسليح الشعب” وهى عملية محفوفة بالمخاطر تتضمن ما يفرضه السلاح من إغراء بالقوة وممارستها، وهو أمر يأتى على قدرات النظام السياسى بالسلب خاصة فى قدرته على التغلغل فى أرجاء الوطن وأقاليمه المختلفة.
– حينما تشعر الدولة بضعفها فإنها تحاول التأكيد على قوتها تارة تجاه الداخل بالتأكيد على قدرتها فى السيطرة على مجرى الأحداث وتارة تجاه الخارج بالتأكيد على أن الأحداث هى شأن داخلى يتعلق بسيادة الدولة، وعدم تدخل الدول الأخرى فى شئونها، وضمن هذا الوضع تستمر الأحداث فى التفاقم، ويعتبر العرب مؤسسات وأنظمة أن هذا شأن داخلى جزائرى إيثاراً للسلامة والراحة وهو عمل يشير إلى “مؤامرة السكوت” عن دولة تتآكل ومجتمع يتفكك ضمن آليات العنف الذى يأكل كل فاعليات الدولة والمجتمع، ويخرب كل وشائج العلاقة بينهما. هذه المواضعة للسكوت أصبحت نمطا فى السلوك العربى تارة يمارس حيال العراق، وتارة أخرى حيال الصومال، وتارة ثالثة حيال الجزائر نمط تؤكده الدول العربية وهى تتحدث عن مقومات وحدتها من آمال وآلام مشتركة وتاريخ وجغرافيا، ولغة وأهداف، فإذا بها تمارس أقصى درجات تمسكها بسيادتها حيال بعضها البعض (منازعات الحدود التى تمثل قنابل موقوتة فى العلاقات العربية – العربية) هذا من جانب، ومن جانب آخر (قاعدة الإجماع) والتى تشير إلى امتلاك كل دولة لفيتو ينسف أى فاعليات عربية فى معالجة القضايا العربية، بينما تتوازى سيادات هذه الدول حيال كثير من التدخلات الخارجية (القواعد العسكرية – استدعاء قوات أجنبية للدفاع عنها – التأثير الخارجى من خلال قوى سياسية داخلية)، هذا التقليد فى العلاقات البينية العربية – العربية، أورث سلوكا من إهمال الشأن العربى حتى يستفحل بحيث لا يمكن استدراك الأمر المتعلق به، وهو أمر أسهم فى تدويل الشئون الداخلية أو القضايا العربية البينية، إلى حد ينفلت فيه عالم الأحداث من التأثير العربى، وهو أمر تحول بفعل تواتر هذا السلوك إلى تحول كثير من مناطق العالم العربى إلى موضع للتعامل وليست فاعلة فيه.
الشأن الجزائرى ليس بعيدا عن ذلك بل هو واحد من المؤشرات الدالة فى هذا المقام على ضعف الدولة، وتفكيك المجتمع، واختفاء الدور العربى. إن التجزئة أصبحت تفرض قوانينها فى التعامل، والتجزئة هى عنوان الضعف والمدخل إليه وصناعة الضعف، تحت مقولات متعددة وتعليلات متنوعة، صارت عربية.
– يؤكد الحدث الجزائرى أن تمكين الخارج فى التأثير لا يتأتى إلا بقابليات الداخل المتمثلة فى ضعفه ” قل هو من عند أنفسكم”، إن البحث فى بنية وبيئة الدولة والمجتمع الجزائريين هى التى تفسر ضمن بنية الانقسام وبيئة التنافى كيف أن التدخلات الخارجية تؤتى أثارها السلبية على الكيان الجزائرى، وتحرك كل إمكانات الأمة الجزائرية، ليس فقط نحو الإهدار، ولكن ربما إلى الانتحار الذى يثمر تخريب العلائق على كل مستويات الكيان الجزائرى، شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية وتقطع أوصالها وانسداد شرايين المجتمع، وضعف شبكة العصبية والاتصالية، وازدياد عناصر الاستقطاب والانفصال هى عوامل تمثل قابليات الدور الخارجى المتزايد حتى لو صدعت الدولة فى الجزائر بالسيادة (!) فسيادة الدولة ليست كلمة تقال وإنما جملة من السياسات والفاعليات تبنى عناصر السيادة على الأرض وضمن كيان الدولة والمجتمع.
إن استحكام حلقة الأزمات (الهوية والشرعية والتوزيع والتغلغل) تشكل بيئة مواتية لإضعاف الدولة وتفكيك المجتمع، ومحاولة اكتساب الشرعية عبر الخارج إنما يعبر عن استهانة بالشروط الداخلية التى تؤسس قوة الدولة والمجتمع.
– يؤشر الحدث الجزائرى على واحدة من أهم الإشكالات التى تثار بصدد العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتفرض ضرورة الجمع بين معادلتين مهمتين قوة الدولة وقوة المجتمع، وكيف يحدث استطراق القوة فى الدولة والمجتمع معا. هل هذه هى المعادلة الصعبة، لماذا استقر فى العقل السياسى العربى أن قوة الدولة تعنى إضعاف المجتمع، وأن إضعاف الدولة يعنى قوة المجتمع، إن هذا النمط من التفكير الذى ترتب عليه نمط تسيير وتدبير أحد العناصر المسئولة عن إضعاف الدولة وتفكيك المجتمع، وبدا الأمر أن قوة الدولة يعنى مركزيتها أكثر من قدرتها على التغلغل واستبدادها أكثر من فاعليتها وكفاءتها وإنجازها، فمن حيث أرادت أن تكون قوية ضعفت فى علاقتها مع المجتمع، وقوى المجتمع تصورت أن تقوية أركانه فى تقويض قوة الدولة وإضعاف شأنها والتغاضى عن هيبتها، ومن حيث أرادت قوى المجتمع قوتها، مدت شبكة علاقاتها عبر الدولة وخارجها لتعبر عن قوة تابعة، لاقوة تابعة بشروط العلاقة بين قوة وفاعلية الدولة وقوة وفاعلية المجتمع.
إن أهم ما يطرحه الحدث الجزائرى أن نتعلم ونعى تسيير المجتمع فى إطار فقه وثقافة السفينة التى لايمكنها الوصول إلى بر الأمان إلا بقوانين تؤكد عناصر تقسيم العمل وتكامل الجهود، وتطرح معانى الأمة الجامعة والجماعة الوطنية، فهل نتعلم أن اختلاف التنوع حركة فاعلة نحو الائتلاف والاجتماع، واختلاف التضاد والانقسام حركة سالبة نحو التنازع والفشل لا تحصل شيئا سوى ذهاب الريح وغياب الفاعلية والتأثير.. أين الجزائر من كل ذلك؟
*****

الهوامش:

[1] انظر: رشيد بوكروح، الحوادث، العدد 2180، 14 / 8 / 1998. نقلاً عن وليام زارتمان الباحث فى جامعة جون هوبكنز.
[2] انظر: جهاد سالم، الوطن العربى، العدد 1114، 10 / 7 / 1998.
[3] انظر: فهمى هويدى، الشرق الأوسط، 6 / 11 / 1997.
[4] انظر: محمد الرميحى، العربى الكويتية، العدد 472، مارس 1998.
[5] حول تعقد الهرم المؤسسى الجزائرى انظر: سليم نصار، الحياة، 18 / 10 / 1998.
[6] انظر: محمد الرميحى، العربى الكويتية، العدد 480، نوفمبر 1998.
[7] Uropa Year book , 1996 , p 333
[8] محمد الأكحل، الحوادث، العدد 2187، 2/ 10 / 1998.
[9] المرجع السابق.
[10]سعيد محمد الشهابى، العالم، العدد 438، 4 / 7 / 1992.
[11] العالم، العدد 439، 11 / 7 / 1992.
[12] صالح حسن، العالم، العدد 639، 19 / 9 / 1998.
[13] فيصل جلول، الوسط، العدد 348، 28 / 9 / 1998.
[14] الحياة 24 / 9 / 1997.
[15]p 52 , 53 Lara Marlowe , Time , November 27 , 1995
[16] وأهمها تحصيل 75000 توقيع من 25 ولاية جزائرية و بحد أدنى 1500 توقيع عن كل ولاية
[17] Robert Mortimer , Current History , May 1997 , p 232.
[18] أحمد ترك، الأمة فى عام، 1994ـ 1995، ص 236
[19] Uropa Year Book , op. Cit , p 335
[20] أحمد ترك، مرجع سابق، ص 241.
[21] الشرق الأوسط، 18 / 10 / 1997.
[22] الحياة، 20 / 1 / 1998.
[23] الحياة، 25 / 11 / 1996.
[24] Robert Mortimer , op.cit , p 233
[25] Ibid , p 234
[26] الحياة، 7 / 6 / 1997.
[27] الأهرام، 12 / 11 / 1997.
[28] يذكر أن هذا الحزب قد رفض الإنصياع لمطالب النظام بإلغاء لفظ ” الثقافة ” من اسمه بحجة أنه لم يذكر صراحة أنه تجمع من أجل الثقافة البربرية وإنما هو تجمع من أجل الثقافة بمعناها العام
[29] الحياة، 29 / 12 / 1997.
[30] محمد عبد الرحمن دياب، الأهرام، 6 / 7 / 1997.
[31] فهمى هويدى، الشرق الأوسط، 16 / 6 / 1997.
[32] أحمد الربعى، الشرق الأسط، 26 / 10 / 1997.
[33] الحياة، 2 / 2 / 1998.
[34] الحياة، 7 / 2 / 1998.
[35] الحياة، 11 / 2 / 1998.
[36] محمد خليفة، الحياة، 30 / 10 / 1997.
[37] الوسط، العدد 345، 7 / 9 / 1998.
[38] فيصل جلول، الوسط، العدد 348، 28 / 9 / 1998.
[39]انظر الحوار الذى أجرته هدى الحسينى مع مايكل ويليس مؤلف كتاب “التحدى الإسلامى فى الجزائر “، الشرق الأوسط، 1 / 2/ 1997.
[40] فهمى هويدى، الأهرام، 30 / 9 / 1997.
[41] زياد الباز، الوسط، العدد 294، 15 / 9 / 1997.
[42] الحياة، 4 / 3 / 1998.
[43] الحياة، 15 / 4 / 1998.
[44] الأهرام، 11 / 6 / 1998.
[45] صالح حسن، العالم، العدد 630، 18 / 7 / 1998.
[46] فيصل جلول، الوسط، مرجع سابق.
[47] الحوادث، العدد 2180، 14 / 8 / 1998.
[48] العالم، العدد 628، 4 / 7 / 1998.
[49] الأهرام، 30 / 6 / 1998.
[50] رشيد بوكروح، الحوادث، العدد 2180، 14 / 8 / 1998.
[51] الأهرام، 1 / 7 / 1998.
[52] رشيد بوكروح، الحوادث، مرجع سابق.
[53] الأهرام، 7 / 7 / 1998.
[54] العالم، العدد 639، ص 18، 19 / 9 / 1998
[55] انظر فى التحدى الفرنكوفونى زياد الباز، الوسط مرجع سابق.
[56] عبد الرحمن سلامة، الحوادث، العدد 2167، 17 / 7 / 1998.
[57] العالم، العدد 628، 4 / 7 / 1998.
[58] على بوراوى، العالم، العدد 640، 26 / 9 / 1998.
[59] حسن عواد، الوسط، العدد 347، 21 / 9 / 1998.
[60] محمد الأكحل، الحوادث، العدد 2187، 2 / 10 / 1998.
[61] على بوراوى، العالم، مرجع سابق.
[62] حسن عواد، الوسط، مرجع سابق.
[63] جهاد سالم، الوطن العربى، مرجع سابق.
[64] Uropa Year Book ,Op.cit , p , 332
[65] Ibid , p 333
[66]1993 World Kessing’s Report
[67] Uropa Year Book , Op.cit p 333
[68] Ibid , p 334.
[69] الحياة، 2 / 10 / 1998.
[70] فيصل جلول،الوسط، العدد 286، 21 / 7 / 1997.
[71] Uropa Year Book , Op.cit , p 335
[72] الحياة، 8 / 10 / 1997.
[73] Uropa Year Book , Op.cit ,335
[74] خالد عمر بن ققة، الحياة، 7 / 8 / 1997.
[75] فيصل جلول، الوسط، العدد 286، مرجع سابق.
[76] خالد عمر بن ققة، الحياة، 7 / 8/ 1997.
[77] الحياة، 11 / 10 / 1997.
[78] الحياة، 22 / 4 / 1998.
[79] العالم، العدد 640،3 / 10 / 1998.
[80] المرجع السابق
[81] الحياة، 30 / 3 / 1998.
[82] قصى صالح الدرويش، الشرق الأوسط، 17 / 10 / 1997.
[83] الحياة، 17 / 11 / 1998.
[84] الشرق الأوسط، 5 / 11 / 1997.
[85] الحياة، 19 / 5 / 1996.
[86] الحياة، 9 / 10 / 1997.
[87] الحياة، 14 / 3 / 1998.
[88] الحياة، 9 / 11/ 1997.
[89] الحياة، 13 / 3 / 1998.
[90] الحياة، 27 / 2 / 1998.
[91] الحياة، 24 / 2 / 1998.
[92] الحياة 18 / 1/ 98 نقلاً عن ليبرتى الجزائرية
[93] الحياة 25 / 1/ 98 نقلاً عن نفس الصحيفة
[94] الحياة، 20 / 1/ 1998.
[95] الشرق الأوسط، 31 / 10 / 1997.
[96] الحياة، 25 / 8 / 1997.
[97] رشيد خشانة، الحياة، 24 / 9 / 1997.
[98] الحياة، 17 / 11/ 1997.
[99] حازم صاغية، الحياة، 19 / 11/ 1997.
[100] انظر على سبيل المثال: أسعد حيدر، الحياة، 21 / 2/ 1997.
[101] أحمد ترك، مرجع سابق، ص 246
[102] Uropa Year Book , Op.cit , p 335
[103] أحمد ترك، مرجع سابق، ص 347، نقلاً عن مجلة Times بتاريخ 30 / 10 / 1995.
[104] Uropa Year book , Op.cit , p 336.
[105] سعيد اللاوندى، الأهرام، 1 / 10 / 1997.
[106] رندة تقى الدين، الحياة، 19 / 1 / 1998.
[107] الحياة 1/ 10 / 1997.
[108] الحياة، 2 / 10 /1997.
[109] الحياة، 29 / 10 / 1997.
[110] الشرق الأوسط، 29 / 10 / 1997.
[111] الحياة، 9 / 10 / 1997.
[112] الحياة، 11 / 11 / 1997.
[113] الأهرام، 12 / 11/ 1997.
[114] الحياة، 25 / 11/ 1997.
[115] الحياة، 19 / 2 / 1998.
[116] الأهرام، 26 / 1 / 1998.
[117] الشرق الأوسط، 28 / 11/ 1997.
[118] الحياة، 14 / 1 / 1998.
[119] الحياة، 18 / 1 / 1998.
[120] الحياة 20 / 1 / 98، نقلاً عن صحيفة المجاهد الحكومية.
[121] الحياة، 25 / 1 / 1998.
[122] الحياة، 24 / 1 / 1998.
[123] الحياة، 28 / 1 / 1998.
[124] الحياة، 28 / 1 / 1998.
[125] الأهرام، 8 / 2 / 1998.
[126] الحياة 10 / 2 / 1998.
[127] الحياة، 11/2/98، نقلاً عن صحيفة الوطن الجزائرية.
[128] الحياة، 12 / 12/ 1998.
[129] الحياة، 28 / 2 / 1998.
[130] الحياة، 16 / 3 / 1998.
[131], p 46 Judith Miller , Foreign Affaires , Vol. 71 , 1993
[132],p 47 Ibid
[133] انظر نص خطاب سفير الولايات المتحدة السابق لدى الجزائر، رونالد نيومان، أمام إحدى لجان مجلس الشيوخ الأمريكى فى http: // www. africanews.org/ north/ algeria/ stories
[134] الأهرام، 1 / 10 / 1997.
[135] World Kessing’s Record , Op.cit
[136] Ibid
[137] الحياة، 14 / 1 / 1998.
[138] الحياة 12 / 3 / 1998.
[139] الحياة 15 / 3 / 1998.
[140] الأهرام، 14 / 6 / 1998.
[141] الحياة، 27 / 3 / 1998.
[142] انظر: عبد الرحمن سلامة، الحوادث، العدد 2179، 7 / 8 / 1998.
[143] سعيد اللاوندى، الأهرام، 1 / 10 / 1997.
[144] الحياة، 17 / 1 / 1998.
[145] الحياة، 1 / 4 / 1998.
[146]انظر: حسن آل بلال، العالم، العدد 632، 1 / 8 / 1998.
[147] أسامة عجاج، الحوادث، العدد 2188، 9 / 10 / 998.
[148] عبد الرحمن سلامة، الحوادث، مرجع سابق.
[149] الأهرام، 26 / 8 / 1998.
[150] الأهرام، 10 / 8 / 1998.
[151] على بوراوى، العالم، مرجع سابق.
[152] الحياة، 3 / 3/ 1998.
[153] الحياة، 16 / 1 / 1998.
[154] الحياة، 15 / 11/ 1997.
[155] الحياة، 23 / 1 / 1998.
[156] الحياة، 24 / 1 / 1998.
[157] الحياة، 23 / 1 / 1998
[158] الحياة، 23 / 1 / 1998.
[159] الشرق الأوسط، 28 / 10 / 1997.
[160] الحياة، 16 / 1/ 1998.
[161] الحياة، 16 / 1/ 1998.
[162] الحياة، 20 / 1 / 1998.
[163] الحياة، 25 / 1/ 1998.
[164] انظر: رضا الأعرجى، الوسط، العدد 337، 13 / 7 / 1998.
[165] الحياة، 3 / 11/ 1997.

نشر في حولية أمتي في العالم – العدد الأول

للتحميل اضغط هنا