المنطقة العربيةتقارير ودراسات

العدوان الرقمي الإسرائيلي على فلسطين

مقدمة

يواصل الكيان الصهيوني المحتل تصعيد إجراءاته القمعية والتنكيلية بحق المواطنين الفلسطينيِّين، كجزءٍ لا يتجزأ من الحرب الشاملة التي يشنها الاحتلال على الوجود الفلسطيني في القدس المحتلة؛ حيث انطلقت أحداث الاعتداء الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة في مطلع شهر مايو من العام الجاري، تحديدًا في “حي الشيخ جراح” وهو الحي الواقع خارج أسوار البلدة القديمة في القدس، حيث قامت قوات الاحتلال بإخلاء سكَّان الحي زعمًا بأن المستوطنين اليهود اشتروا الأراضي بشكل قانوني من جمعيتين يهوديَّتين اشترتا الأرض منذ أكثر من 100 عام، الأمر الذي وُصف بأنه عملية تطهير عرقي تمارسها سلطات الاحتلال بهدف تهويد “حي الشيخ جراح” وغيره من أحياء المدينة المقدسة؛ حيث لا تزال إسرائيل تعمل على نقل أجزاء من سكَّانها المدنيِّين اليهود إلى الضفة الغربية وفضاء غزة بصورةٍ منهجيةٍ ومنظَّمة، وهو ما يشكِّل خرقًا وانتهاكًا للقانون الدولي. ووفقًا لبيان وزارة الخارجية الفلسطينية، يقطن ما يزيد عن مليون مستوطنٍ إسرائيليٍّ في المستوطنات التي استولت عليها سلطات الاحتلال الإسرائيلية دون وجه قانوني في الضفة الغربية. ومن بين هؤلاء المستوطنين، يسكن ما يربو على 190000 مستوطنٍ يهوديٍّ في القدس الشرقية وفي المناطق المحيطة بها، وتتمثل الغاية من المشاريع الاستيطانية التي تنفذها إسرائيل في تغيير وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة من الناحيتين المادية والديموغرافية بهدف الحيلولة دون عودتها إلى فلسطين[1].

وعلى الرغم من وحشية الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وهمجيتها تجاه الشعب الفلسطيني، لم تستحِ إسرائيل من تبرير سلوكها العدواني تجاه الشعب والأراضي الفلسطينية أمام الرأي العام العالمي والعربي، ولاسيما أمام الشعوب العربية التي هرولت أنظمتها للتطبيع مع إسرائيل، وأظهرت علاقات قوية مع إسرائيل وأواصر تعاونية تخطَّتْ حتى حدود العلاقات الطبيعية (التطبيع) إلى علاقات وطيدة في مختلف القطاعات، على مرأى ومسمع من العالم بأسره.

تشارك التقنيات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي والصفحات الإسرائيلية في عدوان رقميٍّ يساهم في خدمة وتبرير العدوان العسكري الإسرائيلي، فعلى الرغم من شراسة الهجمات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية والتي خلَّفت خسائر مادية جسيمة، مستهدفة المنازل والمدارس والسكان والأطفال والمدنيين؛ حيث أعلن “أشرف القدرة” الناطق باسم وزارة الصحة الفلسطينية أن حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي على فضاء قطاع غزة بلغت 232 شهيدًا، منهم 65 طفلًا و39 سيدة و17 مسنًّا[2].

إلَّا أن إسرائيل لم تتوانَ عن تبرير ذلك العدوان، فلم تكتفِ بالعدوان العسكري والهجمات الصاروخية، بل صوَّبت عدوانها الرقمي وهجماتها السيبرانية على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال الصفحات الإسرائيلية الرسمية الموجَّهة باللغة العربية لمحاولة تشويه الواقع، والادِّعاء بأن عدوانها هو ردُّ فعل مشروع ضدَّ هجمات الفصائل الفلسطينية ولا سيما “حماس” وأن حربها ليست مع الشعب الفلسطيني بل إن حربها مع “حماس” حتى إنها غيرت الهاشتاج الأكثر تداولًا أثناء الانتفاضة وهو #غزة_تحت_القصف إلى #حماس_تحت_القصف، وأنها بهذا العدوان تدافع عن الأمن القومي الإسرائيلي، وحماية المدنيين الإسرائيليين، ومن ثم سيتناول التقرير الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية وأهدافها، مع تحليل المحتوى الرقمي الإسرائيلي باللغة العربية خلال أحداث الانتفاضة الفلسطينية في مايو 2021، وكيف برَّرت إسرائيل عدوانها الغاشم على فلسطين، وذلك من خلال استدعاء بعض النماذج من المنشورات الإسرائيلية باللغة العربية على صفحاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، أثناء اندلاع أحداث عملية “سيف القدس” والتي استمرَّت أحد عشر يومًا، وأخيرًا يخلص إلى تقييم نتائج الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية الموجَّهة باللغة العربية.

أولًا- الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية وأهدافها:

تهدف الإستراتيجية الإسرائيلية الرقمية إلى بناء واقع جديد تتعايش فيه إسرائيل مع المنطقة العربية في أجواء يسودها السلام والحب بعيدًا عن القضية الفلسطينية التي جنَّبتها إسرائيل تماما، فهي لم تعد بحاجة إلى تقديم أي تنازلات تجاهها حتى تتمتَّع بعلاقات طبيعية مع بعض الدول العربية، وأصبح شعار “السلام مقابل السلام” بديلًا عن شعار “السلام مقابل الأرض” هو الهدف الأعلى للجانب الإسرائيلي.

ولعلَّ إسرائيل قد انتبهت لهذا السلاح الدعائي الرقمي منذ فترة طويلة؛ حيث إنها من أولى الدول التي تبنَّت الدبلوماسية الرقمية وهي الدبلوماسية التي تعرف بأنها “أساليب وطرق جديدة لإجراء الدبلوماسية بمساعدة الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث بدأ الدبلوماسيون والقادة السياسيون، في الآونة الأخيرة، إدراك الطرق التي يمكنهم بها استخدام شعبية التكنولوجيا في هذا العصر الرقمي لتعزيز العلاقات الدولية وفي نهاية المطاف تحقيق مصالح بلادهم”[3].

كما عرفت أيضًا بدبلوماسية تويتر، ودبلوماسية الفيسبوك، ولعل هذه المصطلحات توضِّح أن هناك مجالات جديدة لممارسة الدبلوماسية، وأن كل دولة لا بدَّ أن تبحث عن كيفية استغلال أدوات الإنترنت مثل وسائل التواصل الاجتماعي في ممارسة الدبلوماسية.

وقد أشار تقريـر الدبلوماسـية الرقميـة لعـامي 2016، 2017[4]، إلى أن إسرائيل قد احتلَّت المركز الثامـن عالميًّا عام 2016 والتاسع عالميًّا عام 2017 مـن بـين الـدول التـي تسـتخدم الدبلوماسـية الرقميـة، كما قامت وزارة الخارجية الإسرائيلية عـام 2015 بتوظيف أكثر من (75) موظفًا و(8) مستشــارين في قســم الدبلوماسية الرقمية إضافــة إلــى (30) موظف منتشـرين حـول العالـم في مكاتـب التمثيـل الدبلوماسـي كالسـفارات والقنصليــات في الــدول المختلفة، كما استضافت إسرائيل في مارس 2016 أول مؤتمر دولي حول الدبلوماسية الرقمية في جامعة تل أبيب مع مشاركين من 25 دولة، تحت عنوان “التكنولوجيا في خدمة الدبلوماسية”[5].

ومن ثم استغلَّت إسرائيل الدبلوماسية الرقمية كأحد أدوات إدارة الصراع العربي-الإسرائيلي الممتد، وأيضًا كأحد أدوات قوتها الناعمة التي تتَّخذها ستارًا لتبرير استخدام قوتها العسكرية والعدوانية تجاه الشعب الفلسطيني؛ حيث أنشأت الحكومة الإسرائيلية إدارة متخصصة في الدبلوماسية الرقمية وهي مسؤولة عن استخدام البرامج والأدوات اللازمة لنشر الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يمكنها من التواصل مع عدد كبير من المستخدمين، كما أنشأت فريقًا للدبلوماسية الرقمية باللغة العربية في وزارة الخارجية الإسرائيلية، وذلك للتواصل مع الملايين في العالم العربي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، في مختلف القضايا السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، ولا سيما القضية الفلسطينية، لتشكيل صورة ذهنية مختلفة حول إسرائيل في العالم العربي فيما يعرف بالتطبيع الرقمي.

وفي هذا الصدد أنشأت الحكومة الإسرائيلية عددًا من المواقع الرسمية باللغة العربية على أشهر مواقع التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك”، و”تويتر”، و”إنستجرام” وغيرها، وتحمل الصفحة الرسمية للحكومة الإسرائيلية اسم “إسرائيل تتكلم بالعربية”[6]، كما أطلقت وزارة الخارجية الإسرائيلية صفحة “إسرائيل في الخليج”[7]، فضلًا عن عدد من الصفحات الرسمية للمسؤولين الإسرائيليين على تلك المواقع باللغة العربية أشهرها صفحة المتحدث العسكري باسم الجيش الإسرائيلي “أفيخاي أدرعي”[8]، وصفحة رئيس الوزراء الإسرائيلي باللغة العربية[9]، وصفحة المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلى للإعلام العربي “أوفير جندلمان”[10].

ثانيًا- نماذج من العدوان الرقمي الإسرائيلي على فلسطين

من متابعة المحتوى الرقمي للدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية الموجَّهة باللغة العربية قبل اندلاع أحداث “حي الشيخ جراح” والتي أطلق عليها عملية “سيف القدس”، يتبيَّن أن القضية الفلسطينية لم تكن في بؤرة التركيز الإسرائيلي، بل جاء التركيز على المشترك العربي الإسرائيلي في مختلف القضايا الاجتماعية، والاقتصادية، والرياضية وغيرها، فهي تغرِّد بعيدًا عن القضية المفصلية في العلاقات العربية-الإسرئيلية، فلم تظهر القضية الفلسطينية على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الإسرائيلي باللغة العربية إلا من خلال استعراض قوتها العسكرية وتبرير استخدامها للقوة العسكرية كحقٍّ شرعيٍّ في الدفاع عن الأمن القومي الإسرائيلي وحماية مواطنيها.

ولعل أحداث الأيام الإحدى عشر لـ”حي الشيخ جراح” والانتفاضة الفلسطينية الأخيرة في مايو 2021، تعدُّ مختبرًا حقيقيًّا للمحتوى الرقمي الإسرائيلي، والذي انطلق بادِّعاءات لتبرير الهجمات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية؛ وكانت البداية في 8 مايو 2021؛ حيث قامت صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” بنشر صورٍ من صلوات الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، لشباب فلسطينيين وهم يقومون برمي الحجارة وجاء التعليق عليها كالتالي: “شارك عشرات الألوف لكن بعد تحريض مستمر خلال الأيام الأخيرة من قبل السلطة الفلسطينية وعناصر إرهابية مثل “حماس” اندلعت أعمال شغب في الحرم القدسي، بل حتى قبل انتهاء الصلاة، مما دفع إلى دخول رجال الشرطة المكان، مستخدمين وسائل تفريق المتظاهرين. نتيجة لأعمال الشغب؛ جُرح 17 شرطيا”[11].

وهي بذلك تحاول تبرير اقتحام الشرطة الإسرائيلية للمسجد الأقصى، مدعيةً بأن الاقتحام جاء كرد فعل لأعمال الشغب الفلسطينية، حاز هذا المنشور على عدد (103) مشاركة، و(7 آلاف و600) تعليق، و(أربعة آلاف و700) إعجاب، وجاءت معظم التعليقات سلبية من جانب الجمهور المتفاعل باللغة العربية.

وتحت عنوان “على نفسها جنت براقش” بثت صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” فيديو لانقطاع الكهرباء في غزة معلقةً عليه “هكذا تدمِّر حماس البنية التحتية للمياه والكهرباء في غزة وتخلق أزمة إنسانية خطيرة”[12].

كما نشر”أوفير جندلمان” المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، سورة القدر من القرآن الكريم، في إشارة إلى أنها ليلة مباركة، وعلى الرغم من ذلك تستمر أعمال الشغب في باحة الحرم[13].

ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد اعتياد المحتوي الرقمي الإسرائيلي الاستشهاد بآيات من القرآن والسنة، وذلك لكسب تعاطف الشعوب العربية المسلمة، والادِّعاء بأن إسرائيل تؤمن بالتعايش الديني وتحترم جميع الأديان.

كما نشرت صفحة إسرائيل بالعربية على موقع تويتر صورًا للمسجد الأقصى، مؤكِّدة أن الأقصى كان بخير وسيظل بخير وأن إسرائيل تصون حرية العبادة لكل الأديان[14].

بينما على صعيد آخر نشرت صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” صورًا أيضًا من داخل المسجد الأقصى لأعمال تخريب وحجارة واصفة إياها بأن هذا التصرف “خيانة أمانة في الحفاظ على قدسية الحرم”[15].

كما استشهدت الصفحات الإسرائيلية برسائل تزعم أنها من قبل مواطنين عرب يدعمون فيها إسرائيل في حربها ضد ما أسموه الإرهاب[16].

كما استشهدت صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” بعدد من المنشورات لكتاب عرب، منها على سبيل المثال منشورات داعية إسلامي أردني إماراتي يُدعى “الدكتور وسيم يوسف”، والذي يؤيِّد التطبيع مع إسرائيل، ويهاجم “حماس”، كما استشهدت بعدد من الفيديوهات لمواطنين عرب يتضامنون مع إسرائيل في مواجهة “حماس”[17].

نشرت أيضًا صفحة “إسرائيل بالعربية” على موقع تويتر منشورًا للكاتبة السورية “هدى جنات” تهاجم فيه فكرة أن إسرائيل هي المسؤولة عن مشاكل العرب من الفقر والجهل وغيرها[18].

كما استشهدت نفس الصفحة بكلمات للكاتبة والناقدة الإماراتية “مريم الكعبي” بأن القضية أصبحت قضية سمسرة من جانب منظمة “حماس” وأن “حماس” لم تنتصر كما تدعي ولكنها أطلقت صواريخها من أجل استدعاء هجوم إسرائيل على غزة المحاصرة[19].

كما نشرت تلك الصفحات صورًا لإطلاق صواريخ من فضاء قطاع غزة على المسجد الأقصى، وصورًا لألعاب نارية أطلقها الفلسطينيون فأسفرت عن إشعال نيران في باحة المسجد الأقصى، وعلقت على هذه الصور قائلةً: “أطلق إرهابيون في قطاع غزة أكثر من 200 صاروخ باتجاه إسرائيل، ثلثها سقط داخل القطاع وتسبَّب بإصابة مدنيِّين فيه. “حماس” تطلق صواريخها من المناطق المأهولة بالسكان مختبئة وراء الأطفال والنساء”، كما قامت بنشر صورٍ لحطام مدرسة في مدينة أشكلون في جنوب إسرائيل، دُمِّرَتْ نتيجة سقوط صاروخ تمَّ إطلاقه من قطاع غزة[20].

كما قامت تلك المنشورات بالتأكيد على العدو المشترك لإسرائيل والعرب وهي إيران التي ترسل صواريخها على إسرائيل وكذلك على الدول العربية مثل السعودية.

واصفة الصراع بينها وبين إيران بالصراع بين الخير والشر، وأن إسرائيل دولة يستفيد من ابتكاراتها العالم في كل المجالات، بينما يعاني الشرق الأوسط من نشاطات “حماس” وغيرها من المليشيات التي تدعمها إيران مما أنهك شعوب العراق وسوريا ولبنان واليمن والغزيين[21].

وفي نفس الوقت الذي قتلت فيه الصواريخ الإسرائيلية مئات من الأطفال والمدنيين الفلسطينيين، سلَّط المحتوى الرقمي الإسرائيلي الضوء فقط على الخسائر الإسرائيلية، بقصد الظهور بمظهر الضحية أمام الرأي العام العربي، ولا سيما الضحايا من المدنيِّين والأطفال الإسرائيليين.

 

 

كذلك لم يتردَّد المحتوى الرقمي الإسرائيلي في إظهار الكيان الصهيوني بالمظهر الديمقراطي وأنها مثال للمجتمع الذي تتعايش فيه كافَّة الأديان والأعراق.

وفي أثناء الأحداث نشرت صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على موقع تويتر صورًا لشاحنات إسرائيلية محمَّلة بالمعدَّات الطبية المتعلِّقة بفيروس كورونا، ومنتجات غذائية لقطاع غزة[22].

في حين نشرت صورًا أخرى لشاحنات تحمل معدَّات طبية من الأردن لقطاع غزة، تحت عنوان “حماس تتصدى للمساعدات الإنسانية بالقذائف” حيث أطلقت “حماس” قذائف على معبر ” كيرم شالوم” منعت دخول الشاحنات[23].

على صعيد آخر لم تتخلَّ الإستراتيجية الإسرائيلية عن إبراز تفوُّقها العسكري والتباهي بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وهو الأمر الذي يظهر باستمرار في منشوراتها الموجَّهة باللغة العربية.

كذلك تضمَّنت البيانات الرسمية الإسرائيلية نفس المضمون حيث أكَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “بنيامين نتنياهو” على أن إسرائيل تخوض معركة صعبة وأن هذه المعركة ستطول، مؤكِّدًا على أن العدو الرئيسي لهم هو حركات “حماس” و”الجهاد الإسلامي”[24].

كما قال “نتنياهو” في أحد تصريحاته بعد وقف إطلاق النار أن إسرائيل قاتلت إرهابيِّين يختبئون بين صفوف المدنيِّين، وأنهم فعلوا جميع ما بوُسْعهم من أجل تجنُّب وقوع ضحايا، مؤكِّدًا على أخلاقية الجيش الإسرائيلي!![25]

وبعد انتهاء عملية “سيف القدس” لم تعترف إسرائيل بقوة المقاومة الفلسطينية، ولكنها أصرَّت على إبراز انتصارها وعدم تكبُّدها أية خسائر، وهو ما يتناقض مع ما نشرته خلال المعركة من إظهار نفسها في موقف الضحية؛ حيث نشرت الصفحات الإسرائيلية -فور وقف إطلاق النار- صورًا من تل أبيب لعودة الحياة الطبيعية في شوارعها في حين تلملم “حماس” جراحها جرَّاء القصف الإسرائيلي.

كما نشرت كاريكاتير لانتصار “حماس” الوهمي، عن بعد، بمعزل عن خسائر غزة المادية[26].

وبعد قرار إطلاق وقف النار نشر “أوفير جندلمان” على صفحتة على موقع تويتر منشورًا تحت عنوان “تلخيص عملية حارس الأسوار 2021” جاء فيه أن إسرائيل قد دمَّرت أكثر من 100كم من الأنفاق تحت الأرض، وأنه لو لم ترتكب حماس” حماقة قصف القدس في خدمة إيران، لما اندلعت المعركة، وسكان غزة كانوا يحتفلون بعيد الفطر، “حماس” تجاهلتهم وَسَعَتْ للحرب[27].

ثالثًا- تقييم فاعلية الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية الموجهة باللغة العربية

بعد الاستعراض السابق لعدد من المنشورات الإسرائيلية في صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة، يمكن القول إن الدعاية الرقمية الإسرائيلية ركَّزت على إظهار إسرائيل بمظهر الضحية، وأن هجماتها ما هي إلا رد فعل مشروع لحماية أمنها القومي ومواطنيها، وأن الفصائل الفلسطينية في غزة وخاصة “حماس” هي التي تبدأ بالعدوان بدعم من إيران وحزب الله، وأن إسرائيل هي جانب الخير الذي يهدف إلى السلام والتعايش، وقد استعانت في ذلك المحتوي بآيات من القرآن والسنة، ومنشورات داعمة لها من العرب، ورسوم الكاريكاتير؛ لجعل المحتوى أكثر جذبًا.

ومن هنا يأتي التساؤل: هل استطاعت إسرائيل الوصول إلى الشعوب العربية من خلال دبلوماسيتها الرقمية؟ وهل ستنجح في كسب التعاطف والتطبيع الشعبي بعدما طبَّعت علاقاتها مع بعض الأنظمة العربية بشكل علني؟

وللإجابة على التساؤل الأول بشأن إمكانية إسرائيل الوصول للشعوب العربية نجد أنه بالفعل استطاعت إسرائيل اختراق الشعوب العربية والوصول إليها من خلال دبلوماسيتها الرقمية عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ولعل الدليل على ذلك هو أعداد المتابعين المتفاعلين مع تلك الصفحات؛ فعلى سيبل المثال يبلغ عدد المتابعين لصفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على فيسبوك 3.2 مليون متابع، بينما بلغت صفحة”أفيخاي أدرعي” 2 مليون متابع، وهو ما يؤكِّد وصول الرسائل الإسرائيلية الموجَّهة باللغة العربية إلى قطاع من الشعوب العربية؛ حيث يؤكِّد في هذا السياق مدير عام بوزارة الخارجية الإسرائيلية “أنه باستخدام التكنولوجيا، تتواصل إسرائيل مع جماهير جديدة عبر الحدود التي كان من المستحيل عبورها في السابق، نحن قادرون على الوصول إلى جماهير جديدة بطريقة وعمق لم يكن من الممكن تصوره قبل عقد من الزمان فقط، لكن هذا ليس مسعى وحيدًا، لكي نكون ناجحين، نحتاج إلى تعاون دولي. لذلك، نسعى باستمرار إلى إجراء حوارات مع البلدان الأخرى، حتى نتمكن من بناء مستقبل أفضل للجميع”[28].

أما فيما يتعلق بالتساؤل الثاني، نجد أنه على الرغم من وجود بعض المؤشرات العربية المؤيدة للتطبيع والمناهضة للمنظمات الفلسطينية ولا سيما “حماس”، والتي ظهرت من خلال هاشتاج #فلسطين_ليست_قضيتي، فإن الأحداث الأخيرة كانت مثارة حول الأقصى والقدس، وهو الأمر المتعلِّق بالبُعد الديني وليس السياسي!!، وهو ما يدُقُّ ناقوس الخطر حول مآلات استمرار الإستراتيجية الإسرائيلية الرقمية، إلا أنه على الجانب الآخر ظهرت انتفاضة شعبية رقمية ربما تكون هي الأقوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال هاشتاج #أنقذوا_حي_الشيخ_جراح، بالإضافة إلى التعليقات المسيئة لإسرائيل عبر تعليقات المتفاعلين العرب على صفحاتهم.

لم تكن الانتفاضات الشعبية رقمية فحسب، حيث انتفضت مجموعات من الشباب العربي الأردني على الحدود الفلسطينية وطالب المتظاهرون السلطات بفتح الحدود، ويأتي تفاعل الأردنيِّين مع دعوات الاحتشاد ضمن هاشتاج #يلا_على_الحدود، وحسبما أفادت وكالة “وفا” بأن المشاركين توافدوا إلى الحدود مع فلسطين، حاملين الأعلام الفلسطينية، بالإضافة إلى لافتات مندِّدة بالاعتداءات الإسرائيلية في القدس وغزة[29].

إنه الجانب المضئ في الأحداث الأخيرة، فقد شاهدنا في الهبة الفلسطينية الأخيرة، كيف استعادة القضية الفلسطينية زخمها على مسرح الأحداث، وذلك في مقابل زخم التطبيع والاتفاقيات العربية الإسرائيلية، ولعلَّ هذه الأحداث تذكِّرنا بأحداث الانتفاضات الشعبية في مصر وغيرها من الدول العربية، فنتذكَّر “موقعة السفارة الإسرائيلية” في 9 سبتمبر 2011، عندما توافدت مجموعات كبيرة من الشباب المصري أمام مقر السفارة الإسرائيلية في الجيزة لإغلاقها[30].

وهو الأمر الذي ربما يؤكِّد للعالم بصفة عامة، وإسرائيل بصفة خاصة، أن القضية الفلسطينية بأبعادها الدينية والقومية والإنسانية لا تزال حيَّة داخل وجدان الشعوب العربية، هذا الأمر الذي ربما يُفزع إسرائيل، ويمثِّل المؤشِّر الأهمَّ لصعوبة تحقيق استهداف الشعوب العربية، ولذلك يجعلون هدف اختراق الشعوب العربية لبناء واقع جديد لإسرائيل، من الأهداف بعيدة المدى التي تستهدف أجيالًا قادمة، وهو ما أشار إليه “يوناثان جونين”، مدير وحدة الإعلام الرقمي باللغة العربية في وزارة الخارجية الإسرائيلية، حين قال إن فريقه يصل إلى 100 مليون شخص شهريًّا من خلال حسابات التواصل الاجتماعي وهو ما يعادل ضعف العدد المسجل قبل عام، في حين أقر المسؤولون أنه لا تزال هناك العديد من التعليقات السلبية على الصفحات الإسرائيلية، إلا أنهم يحاولون الإجابة على أكبر عدد ممكن، سواء كانوا مؤيدين أو أقل تعاطفًا، وأضاف: سيستغرق الأمر بضع سنوات، ربما ليس أجيالًا، قبل أن نرى تعليقات إيجابية أكثر من التعليقات السلبية، ومع ذلك، فإن التغيير مهم ويجب عدم الاستهانة به وأكَّدَ أنه لم يعد يُنظر إلى إسرائيل على أنها مشكلة كبيرة بالنسبة لقضاياهم المحلية. هذا تغيير كبير نراه. نأمل أن نزرع بذور المستقبل[31].

وعليه؛ تُعَدُّ أحداث “حي الشيخ جراح” نموذجًا للتضليل الإعلامي الإسرائيلي، باستخدام منصَّات التواصل الاجتماعي لترويج محتوًى مضلِّل، وتجميل صورة إسرائيل، والتغطية على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، والمقدسات الإسلامية، ولتشتيت حالة التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، ولتمرير رسائل للشعوب العربية من أجل كسب التعاطف العربي، وغسيل العقول العربية ولا سيما من الشباب والأجيال الجديدة.

ضمَّت تلك الرسائل قضايا وسياقات مختلفة، لمحاولة دمج الكيان الصهيوني داخل المنطقة العربية، وعلى الرغم من الهبَّة الرقمية العربية المضادَّة من قبل الشعوب العربية خلال الأحداث الأخيرة، إلا أنه يجب دقُّ ناقوس الخطر من تلك الإستراتيجية الرقمية الإسرائيلية تجاه الشعوب العربية على المدى الطويل من مخاطبة أجيال جديدة عربية قادمة، نشأت على أخبار التطبيع العربي والاتفاقيات العربية الإسرائيلية، بمعزل عن القضية الأم في هذه العلاقات، وهي القضية الفلسطينية، ولا سيما في غياب إستراتيجية عربية مقاومة لهذة الحملات التضليلية…

________________________

الهوامش

[1] انظر موقع وزارة الخارجية الفلسطينية، قضايا أساسية، الاستيطان، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3juGrQP

[2] عمر علاء، حصيلة العدوان الإسرائيلي على غزة.. خسائر البشر والحجر، موقع المصري اليوم، 20 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3x9SLdl

[3] Digital Diplomacy, E-diplomacy, Cyber Diplomacy, Diplo, available at: https://www.diplomacy.edu/e-diplomacy

[4] تقرير الدبلوماسية الرقمية الصادر عن مركز إسطنبول للشؤون الرقمية (أكا) لعام 2016 وعام 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2TqdY3T

[5] وزارة الخارجية تبادر إلى أول مؤتمر دولي عن الدبلوماسية الرقمية، موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، 3 مارس 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3dtV0jX

[6] صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على موقع فيسبوك، متاح عبر الرابط التالي: https://www.facebook.com/IsraelArabic

[7] صفحة “إسرائيل في الخليج” على موقع فيسبوك، متاح عبر الرابط التالي: https://m.facebook.com/IsraelintheGulf

[8] صفحة “أفيخاي أدرعي” المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على موقع فيسبوك، متاح عبر الرابط التالي: https://www.facebook.com/IDFarabicAvichayAdraee

[9] صفحة رئيس الوزراء الإسرائيلي على موقع فيسبوك، متاح عبر الرابط التالي: https://www.facebook.com/IsraeliPM.Arabic

[10] صفحة “أوفير جندلمان” المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي على موقع فيسبوك، متاح عبر الرابط التالي: https://www.facebook.com/OfirGendelmanpmo

[11] صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على موقع فيسبوك، 8 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3hndTWG

[12] فيديو “على نفسها جنت براقش”، على حساب “إسرائيل بالعربية” على موقع تويتر، 15 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3h41rwc

[13] صفحة “أوفير جندلمان” على موقع فيسبوك، 8 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3joE9Tk

[14] حساب “إسرائيل بالعربية” على موقع تويتر، 21 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3ydK69T

[15] صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على موقع فيسبوك، 10 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2UfEKME

[16] صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على موقع فيسبوك، 10 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/361Q1Td

[17] فيديوهات لمواطنين عرب يتضامنون مع إسرائيل في مواجهة “حماس”، صفحة إسرائيل تتكلم بالعربية على موقع فيسبوك، 15 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://fb.watch/5-P9_6sWBM

[18] حساب “إسرائيل بالعربية” على موقع تويتر، 25 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3Ah00Sq

[19] حساب “إسرائيل بالعربية” على موقع تويتر، 25 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2UhC5Sk

[20] صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على موقع فيسبوك، 11 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/366mjwx

[21] صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على موقع فيسبوك، 13 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3Ae8DgN

[22] حساب “إسرائيل بالعربية” على موقع تويتر، 21 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3h3vCDA

[23] حساب “إسرائيل بالعربية” على موقع تويتر، 19 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3w9sJpb

[24] صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على موقع فيسبوك، 11 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3dqt3ZZ

[25] حساب “إسرائيل بالعربية” على موقع تويتر 21 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/2UT3Y3H

[26] حساب “إسرائيل بالعربية” على موقع تويتر، 22 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3hih7uM

[27] صفحة “أوفير جندلمان” على موقع تويتر، 21 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3yb6Ib8

[28] Yuval Rotem, Why digital diplomacy matters?,  The Jerusalem Post, 16 October 2018, available at: https://bit.ly/3w7YxKY

[29] آلاف الأردنيين يحتشدون وسط محاولات لاجتياز الخط الحدودي مع فلسطين (فيديو)، روسيا اليوم، 14 مايو 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://bit.ly/3x9cgm7

[30] اقتحام السفارة الإسرائيلية، قناة المصري اليوم على موقع YouTube، 10 سبتمبر 2011، متاح عبر الرابط التالي: https://youtu.be/_eG31B68JQU

[31] Digital Diplomacy for the Arab world: Israel shares its story one post at a time, Israel ministry of Foreign Affairs,15 March 2018, available at: https://bit.ly/3dvieWD

 

فصلية قضايا ونظرات- العدد الثاني والعشرون ـ يوليو 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى