د. نادية مصطفىمختارات

العالم الإسلامي في النظام الدولي: التحديات والفرص

ورقة مقدمة إلى الملتقى الشبابي العالمي للفكر والثقافة الذي تنظمه أمانة الشباب الاتحادية في حزب المؤتمر الوطني السوداني الخرطوم 27-29 / 11 / 2008

العالم الإسلامي جزء من النظام الدولي المكوّن من عدة نظم دولية فرعية: إقليمية ونوعية. و”العالم الإسلامي” مصطلح يشير إلى الدول الإسلامية وإلى المسلمين في دول أخرى، ومن ثم فهو مصطلح جيوسياسي يترجم واقع الأمة الإسلامية الحالي، أي عدم انضوائها في إطار دولة واحدة. وفي المقابل، فإن الأمة الإسلامية مفهوم عقدي بالأساس؛ حيث إن مفهوم الأمة مفهوم محوري وتأسيسي في رؤية المسلمين عن أنفسهم مقارنة بغيرهم من الأمم، فالرابطة العقديّة (الإسلام) هي التي تربط بين شعوب متنوعة الأقوام والأعراق والألوان والأجناس… ومن ثم، فإن مصطلح العالم الإسلامي، وإن كان يبدو مصطلحًا جيواستراتيجيًّا، إلا أنه ما زال محملًا بالأبعاد القيمية المرتبطة بالإسلام، ومن ثم فهو يطرح إشكاليات عند التعامل معه، بقدر ما تطرح أيضًا مفاهيم الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية الآن من إشكاليات عند الاقتراب منها لتحليل وفهم حالة النظام الدولي المعاصر وموضع الإسلام والمسلمين منه. فالأمة الإسلامية، الدولة الإسلامية، العالم الإسلامي ليست مصطلحات مترادفة.
إن هذا الارتباك المفاهيمي الذي يقابله دارسو العلاقات الدولية الآن ليس إلا انعكاسًا لارتباك آخر على صعيد واقع أو حال أو وضع المسلمين على صعيد النظام الدولي المعاصر. فبعد أن توارى ثم تراجع ثم قارب على الاختفاء مفهوم الأمة الإسلامية، ناهيك عن مفهوم الخلافة (بل أضحى الأخير محاطًا بعلامات الشك والريبة)، برزت وسادت مفاهيم أخرى تستقطع الأمة إلى مكونات فرعية قومية أو جغرافية أو نوعية؛ من قبيل: النظام الإقليمي العربي، الخليج، شمال أفريقيا، الهلال الخصيب، الشرق الأدني، الشرق الأوسط، الأورومتوسطية، شبه القارة الهندية، الشرق الأوسط الكبير. كما برزت مفاهيم أخرى تجمع بين الأمة وأمم أخرى من قبيل: الجنوب، العالم الثالث، الدول النامية،… وجميع هذه المفاهيم لا تستقطع الدول الإسلامية من سياقها الكلي فقط، بل تشد أطرافها إلى قوى وتكوينات أخرى جغرافية أو نوعية أو حضارية. ناهيك بالطبع عما يكمن في استبدال مفهوم العالم الإسلامي بالأمة من فقدان معاني التوحد والتجانس، فضلًا عما أضحى يحيط بمفهوم الدولة الإسلامية ذاته من التباسات.
كل هذه الأمور فرضت التساؤل التالي: إن الأمة كمفهوم عقدي، والذي ترجم نفسه من قبل في دول وتكوينات قادت، باسم الإسلام تفاعلاتها الدولية في عصور الازدهار الحضاري والفتوح والوحدة، فهل ما زالت هذه الأمة قائمة كمستوى للتحليل في العلاقات الدولية؟ أي لماذا بمقدورنا أن نتحدث عن “وضع للمسلمين” في النظام الدولي، سواء أطلقنا عليه “العالم الإسلامي أو الدول الإسلامية أو الأمة الإسلامية، وهل ما زال بمقدورنا أن نكتشف أن للتفاعلات الدولية التي يشارك فيها المسلمون، شعوبًا ودولًا، ملامح وخصائص مشتركة تميزها عن غيرها من أنماط التفاعلات الدولية ومحاورها؟
فمن الملاحظ –وخاصة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين وحتى الآن- توالي الإصدارات العربية والأجنبية (كتبًا ومقالات) تحت العناوين التالية: العالم الإسلامي والنظام الدولي، المسلمون والتغيرات الدولية، الإسلام والغرب، … إلخ، وعلى نحو يمكن معه القول إنه قد يتبلور مجال فرعي عن الدراسات الدولية حول الإسلام.
بعبارة أخرى، إذا كان وجود منظمة المؤتمر الإسلامي يعني أن أعضاءها يعترفون -بانضمامهم إليها- بأنهم أصحاب ذاتية تختلف عن خصوصيات تنظيمات أخرى ينضمون إليها أيضًا، بحكم الجغرافيا أو القومية… إلخ، وإذا كانت منظمة المؤتمر الإسلامي هي الشكل التنظيمي الوحيد الذي أمكن الاتفاق عليه بعد انهيار الخلافة الإسلامية رمزًا لوحدة الأمة الإسلامية، فما الذي يتسم به وجود العالم الإسلامي في النظام الدولي المعاصر (على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أو على أقصى تقدير منذ نهاية الحرب العالمية الأولى) من خصائص تميزه عن غيره من النظم الفرعية، سواء من حيث وضعه كنظام فرعي أو من حيث نمط التفاعلات المشارك فيها أو التي يكون موضوعًا فيها؟
حقيقة، وبالرغم من الاعتراف بواقع التنويعات والاختلافات الراهنة بين الدول الإسلامية، وعلى نحو ينعكس بقدر كبير على فعالية منظمة المؤتمر الإسلامي، إلا أن الإجابة على السؤال المذكور عاليًّا تظل ضرورية للاعتبارات التالية:
أولًا: تجديد الوعي بوجود الأمة واستمرارها، بالرغم مما قد يبدو على أوضاعها من تجزئة ووهن، وبيان أنها ما زالت تمثل منظومة ذات وجود تعبر عنها خصائص وأنماط تفاعلاتها مع العالم.
ثانيًّا: في حين أن أوساطًا سياسية وأكاديمية وفكرية غربية تنظر للعالم الإسلامي ككيان استراتيجي أو كلي تبحث في خصائصه وتداعياته، فما زالت كثير من دوائرنا محجمة عن الاقتراب من هذا المستوى رافضة الاعتراف بأن هناك ما يجمع المسلمين في إطار واحد من التفاعلات الدولية، وذلك انطلاقًا من أن الرابطة العقدية لا تحوز الأهمية أو الأولوية عند تحليل السياسات الدولية، وهي بالأساس سياسات تقوم على المصالح وليس على الروابط أو الأبعاد القيمية.
ومن ثم، فإن الإجابة عن السؤال السابق سيتم تناولها دون التوقف التفصيلي عند أوضاع مختلف الدول الإسلامية، حيث إنني أقدم تصورًا كليًّا يستدعي نماذج وأمثلة لمجرد التوضيح.
والمقولة الأساسية التي تتمحور حولها الإجابة عن السؤال السابق تتلخص في مستويين: المستوى الأول يتصل بالعالم الإسلامي كموضوع لتفاعلات النظام الدولي السائد وتأثيراته في هذه المرحلة التحولية الراهنة – منذ نهاية القرن العشرين- حيث شهد وضع الدول الإسلامية مفترق طرق جديد يتعمق من خلال مجموعة متطورة من الأدوات التدخلية: تأثير النظام الدولي على السياسات الداخلية، وعلى التفاعلات الإقليمية على نحو يوضح أن نمطًا من التأثيرات الخارجية على مناطق العالم الإسلامي من شأنها إعادة تشكيلها على أسس جديدة تمثل تحديات خطيرة على مصالح الأمة في مجموعها (القوة، الوحدة، الاستقلال) وتستوجب تنظم استجابات في مواجهتها. والمستوى الثاني: يتصل بآفاق وإمكانيات العالم الإسلامي كفاعل في النظام الدولي.
والمقولة هي: مهما تراكمت التحديات من حول الدول والنظم، فلابد وأن يكون أمام العالم الإسلامي فرص لابد من توظيفها، مستغلًا الإمكانيات المتاحة له. وبمقدور المجتمع المدني الإسلامي عبر العالم (أي منظمات شعوب الأمة) -وخاصة ما يقوده شباب الأمة- أن يؤدي دورًا على المستوى العالمي متجاوزًا القيود على النظم والمكونات أو متجاوزًا رؤاها وسياساتها غير القادرة على أو غير الراغبة في تفعيل الروابط السياسية وغيرها من الروابط بين مكونات الأمة كسبيل لإدارة التهديدات والتحديات التي تواجه الأمة برمتها.
وإذا كان المستوى الأول يتصل بتشريح الوضع الراهن على المستوى الرسمي وخاصة منذ نهاية الحرب الباردة، فإن المستوى الثاني يتصل بآفاق المستقبل وبإمكانيات الشعوب.

أولًا: العالم الإسلامي “موضوع” في تفاعلات النظام الدولي السائد: أنماط التحديات والسياسات الغربية

شهد النصف الثاني من القرن العشرين حربين عالميتين وصراعات قوى عالمية أثرت بدرجة كبيرة على العالم الإسلامي، حيث مثّلت مصادر لتشكيل دوله وإعادة تشكيل توازنات إقليمية والتوازنات العالمية من حوله.
وكان العالم الإسلامي يمثل ساحة تأثير أيضًا في هذه العمليات التي تشابكت فيها بدرجات متنوعة –عبر نصف القرن– الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية مع الأبعاد الثقافية والحضارية وفي قلبها الأبعاد الدينية.
ومع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتى وسقوط الشيوعية في شرق أوربا، دخل النظام العالمي منذ بداية التسعينيات مرحلة تحولات عالمية اقترنت بتجليات العولمة في إطار ما سمى “النظام العالمي الجديد” بقيادة غربية وهيمنة أمريكية بصفة خاصة.
وبقدر ما كان لهذه التحولات من آثار كبيرة على التحديات التي تواجه العالم الإسلامي وعلى وضع الإسلام والمسلمين في التفاعلات العالمية، بقدر ما تسارعت هذه التحديات وتعمقت كثافتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وبذا، اختلطت وتداخلت آثار التحولات العالمية في هيكل النظام الدولي ومنظومة قيمه مع آثار العولمة وآثار الحرب التي تقودها الولايات المتحدة على المدعو “الإرهاب”.
وإذا كانت أدوات إدارة التفاعلات حول العالم الإسلامي وعبر أرجائه قد امتدت من أدوات القوة الصلدة، وعلى رأسها عودة الاحتلال العسكري والضغوط والعقوبات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، إلى أدوات القوة الناعمة التي تحولت معها الأدوات الثقافية من وسائل إلى غايات في حد ذاتها، إلا أنه من أهم ملامح العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين ذلك الصعود المتزايد للأبعاد الدينية والثقافية والحضارية في العلاقات الدولية بين الغرب والعالم الإسلامي بصفة خاصة، حيث لم تعد تنفصل على الإطلاق عن الأبعاد الاستراتيجية التقليدية، بل ظهر توظيف مكثف من القوى الغربية للأبعاد الأولى لخدمة الأخيرة والعكس صحيح، وهو الأمر الذي أفرز التساؤل عن العلاقة بين المجموعتين من الأبعاد سواء عند مناقشة آثار العولمة وتحدياتها، أو سواء عند مناقشة الحرب الأمريكية على الإرهاب (تشخيصًا وتفسيرًا وتقييمًا).
ومن قلب هذا الإطار العام: تجدد الاهتمام بمجال الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات ليصبح في قلب “السياسات العالمية، وعلى نحو أفرز جدالات عديدة حول أهداف الحوار ودوافعه ومجالاته ووظيفته وشروطه ليصبح حوارًا عادلًا متكافئًا.
هذا، وخلال العقدين الماضيين، ومنذ بداية التسعينيات من القرن الماضى، ثارت حول أبعاد وضع العالم الإسلامي وتحدياته في النظام العالمى جدالات معرفية وفكرية ونظرية، ناهيك بالطبع عن السياسية، بين مدارس واتجاهات مختلفة. ولقد كان للرؤى الإسلامية نصيبًا وافرًا فيها؛ حيث مثلت الأوضاع والسياسات العالمية المتصلة والمحيطة تحديات وتهديدات للعالم الإسلامي، سواء على مستوى المصالح السياسية والاقتصادية للدولة أو على مستوى أمنها القومي، ناهيك عن مستوى الهوية والتحديات للخصوصيات الدينية والثقافية والحضارية في ظل اختراقات خارجية كثيفة وعميقة للداخل وللعلاقات بين الدول الإسلامية.
ويتضح لنا من هذا التقديم بعض الأبعاد التي يتركز عليها تحليلنا:
1. كيف يدرك النظام الدولي السائد –الرسمي وغير الرسمي– العالم الإسلامي: مصدرًا لتهديد استقرار العالم؟ ولماذا؟
2. أنماط التحديات التي يمثلها النظام الدولي السائد، الذي يقوده الآن الغرب برافديه الأمريكي والأوربي، وهي تحديات تنبع من هيكل هذا النظام (الأحادية) ومن منظومة قيمه.
3. السياسات “الغربية” تجاه العالم الإسلامي: علاج لمشاكل العالم الإسلامي أم مصادر تهديد وتحدي ممتدة لأمنه واستقراره وخصوصيته؟

1- العالم الإسلامي كمصدر لتهديد استقرار وسلامة العالم: رؤى غربية رسمية وفكرية

منذ نهاية الحرب الباردة، وبصفة خاصة منذ 11 سبتمبر 2001، فإن جانبًا أساسيًّا من الاستراتيجية الأمريكية العالمية قد انبني على أن العالم الإسلامي يمثل مصدرًا للتهديدات والتحديات العالمية، فإن تحليل خطابات إدارتي كلينتون، وإدارتي بوش ليؤكد أنها قد اعتبرت أن: التسلطية، وعدم احترام حقوق الإنسان، وعدم نجاح جهود التنمية، والأصولية الإسلامية، والإرهاب من أهم مصادر تهديد استقرار العالم والسلام، بل ومن مصادر تهديد الغرب ذاته. هذا، وقد تبين أيضًا من تطور مفهوم الأمن الأوربي –بعد نهاية الحرب الباردة– كيف أن الاتحاد الأوربي –ومنذ ما قبل 11 سبتمبر– يعتبر أن جنوب المتوسط قد أضحى مصدرًا لتهديدات جديدة للأمن الأوربي، وعلى رأسها: عدم استقرار النظم جنوب المتوسط، والأصولية والإرهاب، والهجرة. بعبارة أخرى، وبالرغم من حرص الخطابات الرسمية على إعلان التمييز بين الإسلام والمسلمين، إلا أن العالم الإسلامي برمته قد أضحى ساحة لسياسات أمريكية وأوروبية تفاوتت أدواتها ما بين القوة الصلدة والقوة الرخوة، وتسعى جميعها –وفق أهدافها المعلنة– إلى علاج جذور الإرهاب، أي التصدي لمصادر تهديد الأمن الأوربي والأمن الأمريكي.
كذلك قفز ما يتصل بالإسلام –عقيدة ودينًا- إلى قلب الخطابات الفكرية والإعلامية غير الرسمية التي تعتبر أن الإسلام هو مصدر التهديد، وليس المسلمين!، وتفاوتت الاتجاهات الفكرية والسياسية التي تعاملت مع هذه القضية في مدى اعتبار الإسلام أو المسلمين تهديدًا أو تحديًّا. بل تفاوتت من حيث درجة اعتدالها أو تطرفها في تقدير مسئولية كل من: المسلمين والنظام الدولي عما يعتري العالم الإسلامي من مشاكل وعما يثيره من مشاكل عالمية؛ حيث إن تداعيات الصراعات على صعيده لم تعد تقتصر على حدودها، ولكن امتدت إلى أرجاء العالم، وخاصة مع زيادة وطأة التدخلات الخارجية حيالها.
فعلى سبيل المثال، ولمجرد التوضيح وليس رسم خريطة اتجاهات الفكر الغربي تجاه هذه المسألة، يمكن أن نتوقف عند النماذج التالية من الرؤى الفكرية التي سادت عقب نهاية الحرب الباردة. باستعراض أهم مقولات تيارين من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين: التيار المتبني لفكرة الخطر الإسلامي، والتيار المعارض لوجود تهديد إسلامي، على نحو ما يلي:
حيث يتوجه ممثلو التيار المتبني لفكرة الخطر الإسلامي بما يلي من النصائح لحكومات الدول الغربية:
تطوير نوع من الليبرالية المتطرفة في مواجهة الإسلام المتطرف، تتمثل سماتها في عدم تشجيع مبدأ الانتخابات المفتوحة، وتهميش الجماعات الراديكالية والتي من المحتمل أن تؤدي مشاركتها إلى الإطاحة بالعملية الديموقراطية برمتها، وفي المقابل يجب على حكومات الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة أن تمضي قدمًا في جهودها الرامية لدعم قيم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تعارضها الكثير من الجماعات الإسلامية، (وهو الأمر الذي بدا بوضوح بعد المؤتمر الشهير الذي عقده بارزون إسلاميون في عام 1981 في باريس لصياغة إعلان إسلامي لحقوق الإنسان يتوافق مع الشريعة ويخلو من كل ما جاء بالإعلان العالمي متعارضًا معها). فضلًا عن دفع قيم المجتمع المدني وحرية الصحافة على النمط الغربي، هذا ويذهب أصحاب هذا التوجه إلى أنه حتى لو كانت نتائج مثل هذه الإستراتيجية محدودة أو هامشية فإنها أفضل من لا شيئ، خاصة وأن الإسلاميين ينجحون في الوصول إلى السلطة عندما لا يوجد من يقف في وجوههم.
ويرى المحللون الأمريكيون(من التيار المشار إليه آنفًا) أنه أيًّا كان شكل النظام العالمي الذي ستسفر عنه الأحداث الجارية حاليًّا، فإن على الولايات المتحدة أن ترفع فيه قيم التعددية والتسامح والاختلاف، بل ويجب عليها، في الوقت ذاته، أن تقف في وجه كل ادّعاء يقول صاحبه إنه يتحدث باسم الله.
فالإدارة الأمريكية، وفقَهم، عليها أن تعلن صراحة عن فصلها بين ما هو ديني وما هو دنيوي، وعن تمسكها بقيم الليبرالية الديموقراطية التي تتضاد تمامًا مع قيم الدولة الإسلامية التي يدعوا إليها الإسلاميون.
واعترافًا منهم بالصعوبات التي يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة إذا ما تبنت هذه الاستراتيجية في وجه حلفائها الإسلاميين، وبخاصة المملكة العربية السعودية التي يعتبر هذا التيار أنها تقوم بكل انتهاكات حقوق الإنسان المتصورة، لا يمانع هؤلاء المحللون أن تقوم الولايات المتحدة بهذا الدور عبر وسطاء من الأفراد والمنظمات -مثل المنظمات المعنية بحقوق الإنسان- الأمريكية والعربية، والتي يمكنها أن تنتقد بحرية، وإنْ من منطلق غير رسمي، ممارسات الإسلاميين في الشرق الأوسط.

أما التيار المعارض لوجود تهديد إسلامي، فتنصب نصائحه بالأساس على ما يتصل بالتعامل مع ما يسمى “الإسلام السياسي” وخاصة “الجماعات الإسلامية”. ومفاد هذه النصائح التي تقدمها أحد أدبيات هذا التيار هو: أن التشدد معها لن يعكس سوى ازدواجية في المبدأ ونوعًا من النفاق السياسي. وذلك نظرًا للعنف الذي تسانده ضد هذه الجماعات بما يدفعها إلى سياسات العنف المضاد، في نفس الوقت الذي تقوم فيه الدول الغربية بالدفاع عن وحماية كثير من النظم الشمولية. ومن ثم، تنطلق هذه النصائح من ضرورة عدم قبول انحصار تطبيق قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان داخل المجتمعات الغربية بينما يقبع المسلمون تحت وطأة الأنظمة الشمولية والقمعية.
بعبارة أخرى، يمكن القول إن العالم الإسلامي في نظر النخب السياسية والفكرية الأمريكية ( وبدرجة مقبولة من التعميم: الغربية) بمختلف روافدها، إنما يمثل مصدرًا لواحدٍ أو أكثر من أنماط التهديدات: الجيواستراتيجية، والحضارية.
هذا، وقد تنامى وزن أنماط التحديات الحضارية مجدولًا مع نمط التحديات الجيواستراتيجية عقب الحادي عشر من سبتمبر، حيث قفز وزن الأبعاد الثقافية والحضارية في العلاقات الدولية بصفة عامة. وليس أدل على ذلك من أن استراتيجية الحرب الأمريكية على الإرهاب قد أضحت محملة –ضمنًا أو صراحةً– بهذه الأبعاد الحضارية، كما سنرى في أنماط السياسات المتبعة لإدارة ما يمثله العالم الإسلامي من تهديد للغرب. وليس من المستغرب أنه قد سبق هذه السياسات “الصدامية” صدور أطروحات “هانتنجتون” عن “صدام الحضارات”، والتي رأى فيها البعض تدشينًا وتمهيدًا، بل وأساسًا انبنت عليه هذه السياسات ووجدت فيه مبرراتها.
ومن هنا يمكن أن نفهم مقولة “جون اسبوسيتو” التالية:
“إن الطريقة التي يفكر بها غير المسلمين في الإسلام والمسلمين هي التي تحكم الأسلوب الذي يتعاملون به مع المسلمين. مما يحكم بدوره الطريقة التي يفكر ويتعامل بها المسلمون مع غير المسلمين”. ولذا، فإن “التتبع النقدي لفكر الآخر يمثل ضرورة لا يمكن تجازوها؛ لأنه سرعان ما سيتحول إلى سياسات تؤثر علينا”.
بعبارة أخرى، فإن اقترابنا حتى الآن من خصائص مرحلة ما بعد الحرب الباردة ومن عملية العولمة ينصَّب على مستويين من مستويات ثلاثة غير منفصلة: التشخيص والتنظير، الأيديولوجيا، والسياسات.
وإذا كان تشخيص وتنظير أوضاع نهاية القرن العشرين تضعنا أمام خصائص ووقائع لا يمكن إنكارها( كتجليات للعولمة على صعيد الاقتصاد والسياسة والاتصال)، وإذا كان تحليل الأطر الفكرية الغربية التي أحاطت بهذه الخصائص يفصح عن الاتجاهات الكبرى للأيديولوجيا التي تحكم عملية العولمة باعتبارها عملية إرادية تقودها وتؤثر على تفاعلاتها الولايات المتحدة الأمريكية، فإن المستوى الثالث، الذي لا يكتمل إلا به فهم أبعاد عملية العولمة في تجلياتها المختلفة، هو مستوى السياسات؛ أي سياسات القوى التي تقود هذه العملية والتي تعكس أهدافها وأدوات تحقيق مصالحها.
ويتجسد في هذا المستوى الثالث أي السياسات: مصادر التحديات التي تواجه العالم الإسلامي في نهاية القرن العشرين.

2- أنماط التحديات التي يمثلها النظام الدولي السائد للعالم الإسلامي

إذا كانت نهاية الحرب الباردة والعولمة قد كشفتا عن إرهاصات مرحلة جديدة لوضع العالم الإسلامي في النظام الدولي، فإن تداعيات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر على الاستراتيجية الأمريكية والأوربية قد أكدت ملامح هذه المرحلة. وبغض النظر عن أبعاد النقاش حول ما إذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد دشنت مرحلة من السياسات الأمريكية الصدامية ذات الأبعاد الثقافية والحضارية تجاه العالم الإسلامي، أو أنها قد كشفت عن وجود هذه السياسات ذات الامتدادات السابقة التي ترجع إلى ما بعد نهاية الحرب الباردة، حيث أضحى العالم الإسلامي محلًا لإعادة تشكيل للداخل في دوله ولإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في أرجائه…
حقيقة تعرض العالم الإسلامي دائمًا عبر تاريخه –منذ أن انتقل من مرحلة القوة إلى مرحلة الضعف– إلى تأثير التوازنات الدولية وتحولاتها عليه بصورة سلبية لم يعد قادرًا على مقاومة تداعياتها. ولعل المفاصل التاريخية التالية تستدعي الدلالات المقصودة إلى الأذهان: التوازنات الأوربية والتنافس الاستعماري منذ القرن السادس عشر وحتى اكتمال تقسيم العالم الإسلامي، التوازنات الأوربية وتصفية الإمبراطورية العثمانية، التوازنات الأوربية، تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الخلافة الإسلامية واستكمال استعمار العالم، التوازنات العالمية ونهاية الحرب العالمية الثانية واستقلال الدول الإسلامية في شكل دولٍ حديثة، التوازنات العالمية والحرب الباردة في أرجاء العالم الإسلامي.
بعبارة أخرى، فإن التحديات والتهديدات لم تتوقف عبر التاريخ الإسلامي، بل وحتى خلال مراحل القوة، إلا أنها اتخذت أشكالًا متحولة عبر القرون الثلاثة الأخيرة (الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين)، أي منذ أن بدأ الهجوم المباشر على قلب العالم الإسلامي واستعماره عسكريًّا وذلك في ظل تزايد وطأة الانقسام والضعف الحضاري. ومن ثم، لم يعد بالمقدور مواجهة التحديات والتهديدات والاستجابة لها بفاعلية، ومن ثم تجاوزها واستيعابها كما حدث مع الحروب الصليبية والغزوتين التتاريتين على سبيل المثال.
ومن ثم، فإن المرحلة الراهنة من تطور النظام الدولي، بعد نهاية الحرب الباردة، في ظل إرهاصات ثم دلالات الأحادية الأمريكية من ناحية والعولمة من ناحية أخرى، لتمثل امتدادًا لهذا المسلسل من التحديات والتهديدات التي تتزاوج على صعيدها دائمًا الأدوات الثقافية مع الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
ذلك لأن التحولات العالمية التي شهدها النظام الدولي، مع تصفية الحرب الباردة ونهايتها، كان لها آثارها المتعددة على العالم الإسلامي، والتي استحكمت وتبلورت دلالاتها مع تداعيات الحادي عشر من سبتمبر. ومن أهم مجالات هذه التحولات وآثارها خمس مجالات حددها د. محمد السيد سليم، في دراسة له حول “التحولات العالمية وآثارها على العالم الإسلامي”، كالآتي:
أولًا: سعي النظام العالمي الجديد إلى فرض منظومة القيم الرأسمالية والليبرالية: حيث طرح منظرو النظام العالمي الجديد مقولة الانتصار التاريخي للرأسمالية والليبرالية، وأن هذا الانتصار يعني هزيمة الأيديولوجيات المتنافسة، وصعود الفكر الرأسمالي باعتباره الفكر الوحيد، الصالح للتطبيق. ولعل الدراسة الشهيرة للمفكر الأمريكي “فرانسيس فوكاياما” بعنوان “نهاية التاريخ” هي خير تعبير عن هذا التوجه الفكري. ولا يقتصر الأمر على ذلك، ولكنه يمتد إلى سعي القوى المهيمنة على النظام العالمي لفرض تلك القيم من خلال توظيف مختلف أدوات القوة بحيث تصبح قيم “اقتصاديات السوق” و”التخصيصية ” و”حقوق الإنسان” والتعددية السياسية هي القيم الوحيدة المعتمدة، أي الضغط في اتجاه التحول الرأسمالي الديموقراطي.
إن تأمل سعي القوى المهيمنة على النظام العالمي الجديد إلى فرض هذا التحول يوضح أنه لا يتم كغاية في حد ذاتها، وإنما كأداة لفتح الأسواق وتحرير التجارة كما أنه يتم بشكل يحقق مصالح تلك القوى بالأساس.
ثانيًّا: التهديدات والصراعات الجديدة في العالم الإسلامي: حيث أدى صعود النظام العالمي الجديد إلى نشأة مصادر جديدة لتهديد العالم الإسلامي، وإلى بروز أشكال جديدة من الصراعات بين الدول الإسلامية ذاتها. ويكفي أن نشير إلى التهديدات الخارجية الجديدة التي يواجهها مسلمو البوسنة والهرسك، وأذربيجان، وإلى الصراعات الجديدة بين دول آسيا الوسطى الإسلامية سواء على الحدود أو الأقليات، أو بين دول الخليج الغربي، وإلى نشأة أشكال جديدة من أشكال عدم الاستقرار داخل الدول الإسلامية، ذاتها، كما هو الحال في أفغانستان والجزائر. وإن هذه الأشكال هي إلى -حد معين- ثمرة من ثمار النظام العالمي الجديد، وهي تثير بالنسبة للعالم الإسلامي قضايا جوهرية تتعلق بتطوير نظام التسوية السلمية للمنازعات بين الدول الإسلامية.
ثالثًا: عمليات ضبط موازين القوى الإقليمية عند وضع الهيمنة الغربية (الأمريكية): ولعل من أهم الإشكاليات التي تثيرها التحولات العالمية بالنسبة للعالم الإسلامي، هي محاولة الولايات المتحدة ضبط وتجميد موازين القوى في نظم إقليمية متعددة في العالم الإسلامي بشكل دائم –نسبيًّا- عند وضع اللاتوازن لصالح القوى الصديقة للغرب والولايات المتحدة بالتحديد. ويظهر ذلك في ميدان عمليات ضبط التسلح وصادرات السلاح.
رابعًا: تحويل الأمم المتحدة إلى مؤسسة تابعة للسياسة الأمريكية: كانت الأمم المتحدة تعد في عصر التوازن الدولي الثنائي والحرب الباردة أحد الأدوات المتاحة للدول الصغرى للتعبير عن وتنفيذ سياستها الخارجية وتحقيق التنمية. ومع تحول التوازن الدولي نحو الاختلال لصالح الغرب الرأسمالي التي تحولت معادلة الأمم المتحدة لتصبح واجهة سياسية دولية للمصالح والسياسات الأمريكية كما حدث في قرارات أزمة الخليج الثانية.
خامسًا: تدهور المركز الاقتصادي النسبي لدول الجنوب: أشرنا فيما سبق إلى أن التحولات العالمية قد أدت إلى تهميش دول الجنوب، والواقع أن عملية التهميش قد امتدت طوال ربع القرن الأخير بشكل مضطرد. ولكن معدلات التهميش زادت في خلال العقود الأخيرة. كذلك فإن الجديد في النظام العالمي الجديد هو أن عملية التهميش وفرض آليات التبعية تحولت إلى عملية سياسية معلنة قوامها إجبار دول العالم الثالث على “الالتحاق” بآليات النظام الرأسمالي العالمي، حتى ولو كان ذلك على حساب مصالحها، فيتم إجبار تلك الدول على فتح أسواقها ذات القدرات التنافسية المحدودة أمام المنتجات الصناعية للدول الرأسمالية، وإجبارها على بيع ممتلكاتها العامة للوفاء بالديون وأقساط خدمتها.
وبناء عليه، يمكن أن نميز بين أنماط التحديات والتهديدات الغربية للعالم الإسلامي على ضوء: النطاق المكاني للتحديات من ناحية، ومناط التحديات ومجالاتها من ناحية أخرى، وعلى ضوء ما يحقق لها من استمرارية أو تغير من ناحية ثالثة.
نطاق التحديات المكاني: ونحن نقترب من الموضوع، فإن الأمة –كما سبق القول- ليست في الذهنية فقط، ولكنها وحدة التحليل ومنطلقه؛ فإذا كان تعريف “الدولة إسلامية” الراهنة يثير إشكاليات عديدة، وإذا كانت الأسئلة تثور حول درجة تميز العلاقات بين الدول الإسلامية -بحكم صفتها هذه- وبين الدول الأخرى، وإذا كانت الأسئلة تثور أيضًا حول درجة تميز العلاقات فيما بين الدول الإسلامية نفسها بالمقارنة بغيره من مجموعات الدول غير المسلمة؛ وإذا كان التساؤل الأكبر السائد الآن حول أين هذه الأمة؟ إلا أن اقترابنا ينطلق من مستوى الأمة، وذلك فيما يتصل بالكليات دون أن نفقد الأثر مع الخصوصيات التي تفرضها أحوال كل منطقة وأوضاعها. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، نسعى أيضًا ألا نفقد أثر القواسم المشتركة بين مشاكل الأمة وبين مشاكل الجنوب بصفة عامة ولكن مع الحرص على تبيان ما في مشاكل الأول من خصوصية -بحكم صفتها- بالمقارنة بمشاكل هذا الجنوب ولهذا فإن كان منظورنا ينصب على الأمة فإننا نبحث أيضًا عن موقعها في إطار أشمل وأكثر تعقيدًا لا تنتهي تأثيراته عليها. ومن ثم، فإن فهم خصائص هذا الإطار أي النظام الدولي (على مستوى القوى المحركة، العمليات، التفاعلات، الأحداث) شرط مسبق لتحديد أنماط التحديات ومصادرها. كذلك، فإن التحديات النابعة من هذا الخارج وخاصة -على مستوى السياسات- لابد وأن يتجسد على مستويين أحدهما عام وآخر خاص بكل منطقة تتشكل فيه قواسم العام وفقًا لقواسم الخاص. ويحقق الجمع بين المستويين، فضلًا عن الإطار المقارن بين المناطق، اقترابًا شاملًا يجسد الروابط ويحدد المفاصل رأبًا للصدع الذي أحدثته دراسات المناطق ودراسات القضايا بصورة منفصلة تضمحل معه ويتآكل مفهوم الأمة. ويمثل اقترابنا هذا قفزًا على رفض البعض الحديث عن وحدة سياسية بين المسلمين وعلى اقتصار البعض على الحديث عن المشروع الإسلامي الحضاري كأداة لإحياء فكرة وحدة الجماعة وعلى اقتصار البعض الآخر على الحديث عن الجماعة في داخل الدولة (الوحدة).
– منابع التحديات (من أين) ومصادرها (ماذا) ومجالاتها (وأين تتجلى؟): نحن لا نتكلم عن جدلية العلاقة بين الداخلي والخارجي (أي هل الخارجي هو مصدر التحدي أم الداخلي)؛ نحن نتحدث عن العلاقة بين الداخلي والخارجي. وإذا كانت دراسة التحديات الداخلية لا تهمل أثار وانعكاسات الخارجية، فمما لاشك فيه أن دراسة التحديات الخارجية لا تعني إعطاء الغلبة لتأثير الخارج على المجتمعات والنظم وعلى العلاقات الدولية الإسلامية، وإنما تسعى أولًا إلى تحديد منابع التحديات ومصادرها في الخارج، ثم ثانيًّا تحديد مجالات تجلياتها، وتتبدى هذه المجالات على ثلاثة محاورهي: القوة (القومية والكلية)، الوحدة (بين مكونات الأمة)، الاستقلال (عن الآخر).
ومما لا شك فيه، أن هذا “الخارج” ليس شيئًا واحدًا وليس من منبعٍ واحد. فإنْ كان منبع التحدي قد تمثل من قبل (منذ نهاية القرن 18) في دول استعمارية متنافسة، ومن ثم كان مصدر التحدي الأساسي هو (الاحتلال العسكري) وكان مجال التحدي هو فقدان الاستقلال الرسمي، فإن منبع التحدي الآن ليس حكومات القوى الكبرى المسيطرة في العالم بجيوشها وأساطيلها فقط؛ ولكن كيانات وفواعل أخرى (الشركات متعددة الجنسية مثلًا) وقوى وعمليات متنوعة (الرأسمالية العالمية المتطورة، الثورة المعلوماتية، الثورة التكنولوجية، الإحياء القومي والديني…). ومن ثم، نظرًا لتغيير المنابع تتغير مصادر التحديات ومجالات التعبير عنها إلى أنماط متحولة من التدخلات – غير العسكرية – شديدة الوطأة على أبعاد أخرى من الاستقلال، ناهيك عن الوحدة وعن الذاتية والهوية.
لعل من أبرز هذه التغيرات -وهو ما نشدد عليه هنا باعتباره السمة المميزة للتحديات الراهنة- وهي التحديات الحضارية الثقافية. وهذه التحديات وإن كان الداخل هو ساحتها والثقافة هي مظهرها، إلا أن الذي يبرز وطأتها وعواقبها الحقيقية هو: البيني (العلاقات بين مكونات الأمة)، والعلاقة مع الآخر، ومن هنا كل أبعادها السياسية. كيف؟ ففي ظل: التجزئة القطرية، والتبعية السياسية والاقتصادية، والخلل في التوازن العسكري لصالح الأعداء- وكلها تحديات ليست جديدة، ولكن تتزايد وطأتها- فإن خط الدفاع الأخير المتبقي للأمة هو البعد الحضاري العقيدي الثقافي؛ فهو الرابطة الباقية الأساسية بين مكونات الأمة والمميزة لها عن الآخر بدون اندماج واستيعاب كاملين فيه. بل إنه تكمن في هذا البعد إمكانيات التجديد الحقيقية؛ فالتجديد لا يكون ماديًّا فقط؛ بل لابد أن يصبح منطلقه ومحكه هو البعد الثقافي الحضاري. فهذا هو الركيزة لعملية تجديد ذاتية منفتحة، لا تقوم ذاتيتها على الانغلاق ولكن تتبلور في ظل أسس التعارف الحضاري مع الآخر. وعلى هذا النحو، فإن ” الثقافي ” هنا الذي نهتم به ليس التفاصيل الغنية عنه ولكن باعتباره مخرج أو مدخل في عملية سياسية كبرى متعددة الأبعاد.
ومن ناحية أخرى، فإذا كان تأثير الخارجي هو محصلة التأثير على الداخلي وعلى البيني، وحيث تتجسد هذه المحصلة في العلاقة مع الآخر (أوجه توازن القوى أو اختلالها أو عدم تكافؤها)، فمما لاشك فيه أنه يصبح من الأهمية تقدير طبيعة اللحظة التاريخية -الراهنة – من حيث ما وصلت إليه درجة التهديدات الخارجية وطبيعتها بالمقارنة بمراحل سابقة. ومن هنا – كما سبقت الإشارة – أهمية تحديد وزن البعد الثقافي بالمقارنة بالسياسي والاقتصادي والعسكري.
– مستويات التحديات: وحين نقترب من الموضوع في كلياته أو جزئياته لا يمكن أن نقتصر على تحليل الرؤى والأفكار، سواء من جانب الأقلام الإسلامية أو الغربية، ولكن لابد وأن تتصدى لجانب معلوماتي أساسي عن وقائع سياسات القوى الكبرى تجاه القضايا التي تمس الإسلام والمسلمين فمثلًا: لا يجب أن نقتصر على تحليل نظرية صدام الحضارات من واقع المنظورات المختلفة لها، ولكن لابد لنا وأن نتناول لماذا تظهر في هذه المرحلة وبهذه الصورة؟ والا تمثل إطارًا للحركة المقترحة تمهد لها وترشدها؟ وما هي الدلائل على ذلك من التراكم في السياسات الغربية. ومن ناحية أخرى مثلًا، فإن اختلاف المنظورات حول حقوق الإنسان لا تكتمل وضوحه إلا على ضوء أمثلة من سلوك وسياسيات القوى الغربية نحو هذه القضية وكيفية توظيفها في عمليات التدخل -غير العسكرية حتى الآن- وهو الأمر الذي يمثل تحديًّا مهمًا من التحديات الخارجية التي تواجه استقلالية بعض النظم وذلك في ظل التوظيف المعاصر لسلاح الأقليات غير المسلمة الذي سبق توظيفه في مراحل سابقة من التاريخ الإسلامي، وهكذا…
– الثوابت والمتغيرات (مناط التحدي): إن التحديات الخارجية التي تواجه الأمة ليست طارئة، ولكنها الصورة الراهنة لأصل تتجدد أشكاله وأساليبه وأدواته من مرحلة إلى أخرى. ومن ثم في ظل ما سبق توضيحه عن: مغزى نطاق التحديات الزماني، ونطاق التحديات المكاني، ومستويات التحديات ومنابعها ومصادرها وتجلياتها، ألا يجب علينا أن نتساءل: ما هو الثابت وما هو المتغير في هذه العملية التراكمية عبر عدة قرون سواء قرون القوة والفتح والوحدة أو قرون الضعف والتراجع والتجزئة من تاريخ المسلمين؟ إن المتغير هو أشكال التحدي وأساليبه وأدواته وتجلياته ولكن الثابت هو مناطه. وهذا المناط يبرز منه أن: غاية الآخر في استبعاد واقصاء وإذابة هذه الأمة ودثر نموذجها الحضاري، وإذا كان قد فشل في قرون القوة، فإن قرون الضعف قد شهدت درجات من نجاح هذه الغاية.

3- أنماط سياسات القوى الكبرى الغربية في النظام الدولي تجاه العالم الإسلامي: مصادر التحديات ومجالاتها

المقصود هنا أهداف السياسيات الغربية والقضايا التي تدور حولها والأدوات التي تلجأ إليها: (من تقييد عملية التسلح إلى الضغوط لفتح الأسواق إلى التدخلات باسم الديموقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الأصولية والإرهاب إلى تفجير الأزمات إلى احتكار تكنولوجيا المعلومات والإتصالات والفضائيات). بعبارة أخرى: لا ينفصل هذا المستوى عن مدلول معين خاص بتحديات العولمة ومؤتمراتها. كما أن المقصود أيضًا هو الأنماط المختلفة من السياسات تجاه مناطق العالم الإسلامي: فمن نمط ” التفجير في آسيا”، إلى تحديات نمط “التفكيك في المنطقة العربية”، إلى نمط عزل المفاصل (إيران، تركيا) عن أجزاء الجسد الإسلامي المختلفة شرقًا وغربًا، عربية كانت أم غير عربية، إلى تحديات نمط “التصفية والإبادة والاستئصال” في البلقان، إلى تحديات نمط “إعادة الاكتشاف في ظل إعادة التشكيل” في إفريقيا، وهنا تجدر الإشارة إلى أن من العوامل المشتركة بين هذه الأنماط هو الدور الإسرائيلي، أو بمعنى أدق: الدور الصهيوني العالمي. وإلى جانب أنماط التحديات هذه، التي تنطبق على مناطق مسلمة، فإن هناك أنماط أخرى من التحديات خاصة بالأقليات المسلمة. وهنا، نواجه تحديات نمطين أساسيين: أحدهما خاص بالأقليات المسلمة في الغرب، التي تواجه ما يمكن تسميته تحديات معضلة الاندماج/ الحفاظ على الهوية المسلمة، والنمط الآخر: يظهر بين الأقليات المسلمة في الشرق ويغلب عليه تحديات مطالب الاستقلال عن الكيانات الأكبر غير المسلمة التي تضمها.

ومن ثم، فإن التغيرات النظمية وطويلة الأجل (فواعل دولية جديدة) قضايا عالمية جديدة، ثورة معرفية ومعلوماتية، اقتصاد عالمي …) وكذلك التغيرات في توزيع القوى العالمية وفي آليات إدارة العلاقات الدولية، جميع هذه التغيرات تضع جميع دول العالم أمام تحديات متجددة. تتلخص في التحديات التي تفرضها الأبعاد الثلاثة الكبرى لعملية العولمة: تحديات عولمة الرأسمالية، تحديات عولمة الديموقراطية وحقوق الإنسان، تحديات الثورة المعلوماتية والاتصالية. وحيث إن العولمة – كما سبق التوضيح- هي عملية إرادية تقودها الولايات المتحدة. ومن ثم، فإن محتوى أبعادها الثلاثة لا ينفصل عن مضمون النموذج الغربي الرأسمالي (المعرفي، الحضاري، السياسي،…) لذا، فإن استراتيجيات القوى الكبرى وسياساتها إنما تجسد -بصورة محددة- مصادر التحديات التي تواجه الدول الإسلامية. ولقد عكست مؤتمرات العولمة خلال التسعينيات مجالات هذه التحديات ومصادرها الأساسية.
وحيث إنه لا يمكن بالطبع في هذا الموضع التوقف التفصيلي عند ملامح السياسات على صعيد هذه الأنماط الأربعة، فيكفي استدعاء الملامح الكبرى المتضمنة في الاستراتيجية العالمية للحرب على الإرهاب، بقيادة أمريكية وأوروبية، كيف أن هذه الملامح إنما تعكس هذه الأنماط الأربعة موظفة في ذلك –في تناغم شديد لم يسبق له مثيل– الأدوات الثقافية والأدوات الصلدة في منظومة متكاملة ومتعاضدة. فإذا كانت القوة العسكرية تضرب وتحتل تحت دعاوى مكافحة الإرهاب ومقاومة النظم الاستبدادية وإسقاطها، فإن أدوات القوة الناعمة تتجه إلى العقول والأفكار والقلوب، ومن ثم تأتى الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني وإلى إصلاح الإسلام وإلى التربية الدينية وإلى حوار الحضارات.
وإذا كانت القوة العسكرية تتجه لإسقاط بعض النظم التي تحول دونها مصالح محددة (البترول)، وضرب عناصر المقاومة ضد المشروع الصهيوني، أو احتواء وإجهاض ما تبقى من مشروعات الاستقلال والنهوض، فإن سياسات مساندة التحول الديموقراطي وحقوق الإنسان ليست إلا سياسات انتقائية ذات معايير مزدوجة تتحرك في مناطق (مثل: دارفور، لبنان …) ولا تتحرك في مناطق أخرى (فلسطين المحتلة) وهكذا…
وحيث إن الخريطة معقدة ومتداخلة وممتدة عبر ما يقرب من العقدين، فأكتفي بإلقاء الضوء على المشهد الكلي للعالم الحالى 2008 -والذي يمثل جزءًا من أعمال حولية أمتى في العالم لهذا العام الذي سيصدر مع بداية العام 2009- إذن ماذا رأيتُ في هذا التقرير عن سياسات أمريكا والاتحاد الأوربي في تفاعلها مع سياسات روسيا والصين والهند – تجاه العالم الإسلامي؟ الإجابة تتلخص في إجابة التقرير عن السؤال التالي: هل تأكدت الهيمنة الأمريكية أم تتزايد التحديات والمصاعب أمامها؟ وإذا ظلت هي المهيمنة -ولكن مع اختلال في توازن النفوذ والمصالح وليس توازن القوى، حيث يظل الأخير وخاصة العسكري لصالحها- فيصبح السؤال الكبير الثاني، والذي يمثل الخيط الناظم لهذه التقارير الفرعية الثلاثة حول سياسات القوى الكبرى: أمريكا، والاتحاد الأوربي، وروسيا والصين والهند، في عدد الحولية: مرصد الحالة الإسلامية2008، هو: كيف تختبر ساحة العالم الإسلامي هذه الأنماط من التوازنات؟ وما المغزى والدلالة بالنسبة لمصالح الأمة الإسلامية ومدى التدخلات والتأثيرات الخارجية على أوضاع دولها الداخلية، وعلى الأزمات والصراعات الساخنة والكامنة، وأخيرًا على العلاقات البينية على صعيد العالم الإسلامي؟

ثانيًّا: العالم الإسلامي فاعلًا في النظام الدولي، الإمكانيات والفرص، نحو خطاب إنساني يتجاوز خطاب الثنائيات

إن الطرح السابق عن الوجه الأول للعملة –أى وضع العالم الإسلامي في النظام الدولي– إنما يبرز لنا استقطابًا ثنائيًّا حادًا بين رؤيتين متقابلتين ذائعتين (وإن كان إلى جانبهما رؤى أخرى أقل سيادة).
رؤيتنا تجاه الآخر باعتباره يأتي بـ: حرب صليبية، استعمار، امبريالية، هيمنة، تغريب، احتلال، عولمة، علمانية، استغلال، أو باعتباره: مصدر التقدم والعلم والمعرفة والنمط الذي يجب الاحتذاء به. ورؤيته تجاهنا باعتبارنا: تخلف، إرهاب، عنف، عدم تسامح، استبداد، بدائية، أو باعتبارنا أصحاب: الحضارات القديمة والأرض موطء الأديان ومكمن الثروات.
ويدفع هذا الأمر للتساؤل إما من منطلق آخر لرؤيتنا(هو منظور فقه حضاري يؤصل لفترات قوتنا؛ حيث لابد أن يؤصل لمراحل ضعفنا الآن “منظور فقه حضاري”: يستدعى مفرداتنا ومفاهيمنا الحضارية، ومنظومات قيمنا الحضارية عن علاقتنا وموضعنا من العالم، ويؤصل لمفاهيم محورية في هذه المنظومة: الأمة، الدعوة، التعدد والتنوع، التعارف والحوار والتواصل، التدافع والجهاد والحرب والسلام، العدالة والإخاء والإنسانية…؟
ومن ناحية أخرى، فإن الطرح السابق عن الوجه الأول للعملة، مهما بلغت وطأته، فلا يجب أن يُخفي ملامح للأمل مبعثها أبعاد المقاومة الجارية من ناحية وأبعاد الإمكانيات القائمة. من ناحية أخرى، وأقصد هنا أبعاد المقاومة ضد خطط إحكام سيطرة المشروع الأمريكي الصهيوني على المنطقة استنادًا إلى مثلث احتلال: أفغانستان- العراق – فلسطين، واستكمالًا ودعمًا لبؤرتين أخرتين: الاحتلال الناعم للخليج، والتجزئه والتفكيك لمراكز قوة أخرى باستخدام ورقة الطائفية والعرقية والمذهبية والقومية…
وهذه المقاومة تأخذ صورًا عدة ابتداء من المقاومة العسكرية (العراق، أفغانستان، فلسطين) إلى إعادة بناء القوى العسكرية (إيران) والقوى الشاملة (تركيا) إلى إعادة بناء النموذج من الداخل (المعارضة الإسلامية الداخلية).
أما عن الإمكانيات القائمة، فلا داعي أن أستعيد كل ما ينشر عن مقومات الثروة البشرية والمادية التي ما زالت قائمة، بعد كل قرون النهب والاستنزاف، والتي ما زال الصراع قائمًا من أجل استكمال هذا الاستنزاف (تكفي الإشارة إلى إمكانيات الزراعة الهائلة في أفريقيا وخاصة السودان، والثروات الجديدة بعد البترول).
وكلا الأمران، أبعاد المقاومة والإمكانيات، يحتاجان لاستمرارهما وتفعيلهما ليتحولا إلى تيار من التغيير الشامل؛ أي رؤية استراتيجية عن وضع العالم الإسلامي في النظام الدولي من منظور فقه حضاري وليس مجرد منظور سياسي أو عسكرى أو اقتصادي. وسأركز في حديثي على ما يتصل بالشباب ودوره في إصلاح وضع العالم الإسلامي في النظام الدولي أو مواجهة ضغوط هذا النظام، ومن أهم منطلقات هذه الرؤية ما يلى:
1- إن النموذج الحضاري الإسلامي الذي تحققت فعالياته خلال قرون القوة والفتح والإنجاز الحضاري، هو نموذج بدأ من الداخل، ومن الإنسان، واتجه للخارج مثبتًا فعالياته، سواء في إدارة الحروب أو إدارة السلام من أجل بناء حضاري، وفي ظل تواصل وتعارف حضاري لا ينقطع مع الآخر. هذا النموذج تعرض بالتدريج للتشوه، ابتداء من الداخل بالأساس، على نحو مكَّن منا الآخرون –أصحاب النموذج الحضاري المقابل أو المضاد– ولم تكن أدوات تَمكُّنِهم منا، مجرد أدوات الحرب والسياسة والاقتصاد التقليديين، ولكن أدوات الثقافة أيضًا التي تتعامل مع منظومات القيم التي هي للإنسان كمنظومته العصبية المركزية. ولقد وصل هذا التوظيف الآن أقصاه بعد قرون ممتدة من توظيفه لخدمة أدوات السيطرة الأخرى: ابتداء من التبشير إلى التغريب إلى العولمة الثقافية على النمط الحداثي الوضعي.
إن هذا القول عن وضع الأبعاد الثقافية والقيمية لا يعني بالطبع إسقاط الأبعاد الأخرى؛ فهذا من غير طبائع الأمور، ولكن تأكيدًا للتمازج والتداخل بين المجموعتين، وعلى نحو يفسح الطريق (وعلى ضوء نتائج الخبرة التاريخية الممتدة) لإعادة التأكيد على أهمية وضرورة تجديد النموذج الحضاري، واستمرار المقاومة انطلاقًا من متطلبات هذا التجديد، بل وبناء عليها. ولذا، فلا غرابة أن نجد أن أبعاد المقاومة الجارية إنما تقوم على مشروعات تستهدف إحياء وتجديد هذا النموذج الحضاري الإسلامي الذي لا يعلي من القوة المادية على حساب المعنوية، ولكن يجعل من الأخيرة منطلقًا ومرتكزًا لتفعيل القدر المتوفر من القوة المادية بغية إحداث اختراق في الحلقة المفرغة من الإحباطات أو من انعدام أساليب القوة مقارنة بما لدى الأعداء. بل تصبح هذه القوة المعنوية هي المنطلق والأساس. إلا أن هذا الإحياء والتجديد لهذا النموذج يتطلب شروطًا وهي إعادة بناء الإنسان في ظل هياكل ومؤسسات تؤمن بالفعل بحقوق الإنسان وحرياته وليس مجرد هياكل أو مؤسسات أو مواثيق تحسن استخدام هذه المصطلحات لأغراض التزين أو التخفي أو تغطية كل مظاهر الاستبداد والتسلط، بل تؤمن أن الشعارات الحماسية الانفعالية لا تكفي بمفردها، مهما حسُنت النوايا، لأننا نواجه قوى مضادة مسلحة بالعدة والعتاد والمعرفة والعلم.
2- بعبارة أخرى، علينا أن نعي أن مواجهة ضغوط وقيود الخارج، لا يكفي لها مجرد تكديس السلاح واستيراده أو مجرد أنماط التنمية الاستهلاكية التي توفر لنا أشكال ومظاهر التقدم وليس جوهره. أو مجرد الشعارات الحماسية المعادية للغرب وحضارته، ولكن واقع النظام الدولي وما آل إليه وضع المسلمين فيه يحتاج لمشروع نهوض حضاري متكامل، لن تقوم به النظم القائمة بمفردها إذا حسنت نواياها وقدراتها ورؤاها – ولكن يجب أن يضطلع بمسئوليته كل إنسان وكل فرد– وخاصة إذا لم تصلح نوايا النظم القائمة – فعلى كل منا واجب المقاومة فلقد أضحت المقاومة فرض عين على الجميع في وقت استبيحت فيه الأمة على كل المستويات، ولذا لا غرابة أن الشباب أضحى هدف الجميع: النظم المستبدة القائمة، المؤسسات الدولية العالمية التي يسيطر عليها القوى الكبرى، المؤسسات المدنية العالمية وعبر القومية: فالشباب مستهدف بكل برامج التربية المدنية، والمشاركة السياسية، والتنمية البشرية، وحوار الثقافات والحضارات … كل يريد اجتذابه إلى دائرة صفوفه، ولذا فالخوف كل الخوف على تشتت الولاء والانتماء والتوجه والوجهة في زمن العولمة.
3- إن جهود تجديد وإحياء النموذج الحضاري الإسلامي، وإن بدأت من الأوطان، إلا أنها لا يمكن أن تظل حبيسة حدوده، ولكن جهود التواصل عبر الحدود التي جزأت الأمة يجب أن تستمر بكل الطرق الممكنة. فإذا لم يكن للنظم القائمة إيمان بما يمكن أن تحققه وحدة الأمة الفعلية، وليس مجرد استدعاء هدف الوحدة في الخطب الرسمية والمناسبات، فلابد أن يستمر إيمان الشعوب بهذه الوحدة القائمة بالفعل على الرابطة العقدية أساسًا، والعمل على تحويلها إلى واقع فعلى وعلى مصالح ملموسة للشعوب.
إن استمرار الوعي بهذا الوجود الدائم للأمة هو الشرط المطلوب البناء عليه بعد ذلك، وهذا يمكن أن يتحقق من خلال التواصل المنظم والمستمر عبر قنوات عديدة تتوافر حاليًّا، ولعل هذا هو أهم إيجابيات العولمة -لمن يريد الاستفادة منها– فلا يكفي أن نلتقى اليوم في ملتقى عالمي لشباب الفكر والثقافة ينظمه حزب حاكم. ولكن الأشكال تتعدد والسبل متنوعة أمام الشباب الفاعل والمبادر للتنسيق والتشبيك فيما بينه عبر الحدود وحول قضايا الأمة ومن أجل تفعيل التضامن ضد الامبريالية والصهيونية والاستبداد والاستغلال وتحقيقًا للحريات وحقوق الإنسان.
إن الشباب هو القادر على تغيير ما آل إليه جمود الأمة وعدم حراكها لدرجة دفعت البعض للقول: ” هل نعلن موت الأمة”. هل الشباب الذي يعاني من التشتت المعرفي والفكري، والذي يعاني من البطالة وانعدام الحقوق؟ هل هو القادر على تحقيق هذا الانطلاق؟ إنه لظلمٌ شديدٌ أن نحمّله بمفرده أعباء تغيير تراكمات ممتدة، ولكن لابد من نخب قائدة وحاكمة تتحالف مع هذا الشباب وتحول طاقاته إلى مجرى للتغيير، ليس لصالحها ولكن لصالح الوطن والأمة والعالم كله.
4- إن الرؤية الاستراتيجية التي نتحدث عنها لا تريد أن تخلق ثنائية أخرى في مواجهة النظام الدولي الراهن وما تحمله من ضغوط وقيود على وضع العالم الإسلامي، ولذا فإذا كان العالم الإسلامي قد واجه تحولات حضارية عالمية متتالية عبر ما يزيد عن القرنين، فإن سعيه لحل مشاكل وتحسين وضعه ودوره في النظام العالمي، ليس اختيارًا حضاريًّا متعصبًا لحضارة بعينها ضد أخرى، ولكنه اختار يتعصب للإنسانية كلها، فهي تمر بأزمة، كما أن النموذج الغربي (الذي يبدو سائدًا أو منتصرًا) يمر بدوره بأزمةٍ تتزايد حلقاتها استحكامًا مبرزة حيوية تأثير الأزمات القيمية والأخلاقية، بل وربما إنشاء الأزمات المادية: المالية منها والاقتصادية، وهذه الأزمات لا تقتصر –بالطبع– على حدود الغرب الجيواستراتيجية؛ ولكنها تمتد إلى العالم كله قدر امتداد تدخلات ونفوذ القوى الغربية عبر العالم، مدعية السعي لاستقرار وأمن وسلام العالم. ويصبح السؤال: كيف نُفعِّل المساعدة في التغيير العالمي انطلاقًا من منظومة القيم الحضارية الإسلامية القائمة على التوحيد والتزكية والعمران والتدافع والتداول، والتعدد والتنوع والتعارف والتواصل والحوار ومن أجل تحقيق العدالة محور منظومة القيم الإسلامية، بل والإنسانية؟
إن سبل المقاومة الحضارية الشاملة أمام “الشباب ذي التوجه الحضاري الإسلامي” عديدة: سواء على صعيد العلم والمعرفة، أو الإعلام، أو المجتمع المدني أو الدبلوماسية أو التنمية الاقتصادية…
إن هذه السبل لابد وأن تدفعه إلى دائرة الانتماء الإنساني العالمي/ من منطلق توجه الحضاري الإسلامي، سعيًّا نحو تفعيل خطاب إنساني إسلامي جديد، لا يعتذر عن تراث الحضارة الإسلامية ولا يدافع عنها أو عن أصولها وتاريخها وواقعها، ولكن يقدم رؤى بنائية من منظور فقه حضاري لمشاكلنا كجزء من مشاكل العالم بل وفي قلبها ومن جراء مشاكل القوى المسيطرة على هذا العالم مع نفسها ابتداء ثم تصديرها إلى غيرها. ومن هذه السبل:
الروابط مع مبادرات المجتمع المدني العالمي أو تحالف الحضارات؛ فإن الشعوب الغربية ليست هي “الحكومات والسياسات الغربية، التي نعاني من تأثيراتها على النظام الدولي برمتها. ناهيك عن تلك المبادرات التي لا تتجه إلى شعوب الغرب فقط ولكن هناك “الشرق أيضًا، الذي نحن جزأ منه جغرافيًّا وتاريخيًّا. وهذا الشرق، إلى جانب حضاراته وشعوبه، التي قد نتقاسم معها بعض القواسم أكثر مما نتقاسم مع حضارة الغرب، هذا الشرق ليس شعوبًا فقط لابد وأن نتواصل معها، ولكن يبرز على صعيده قوى دولية أيضًا سبق ونافست الغرب على قيادته للعالم – “الاتحاد السوفيتي السابق”، وتحاول أن تستعيد دورها (روسيا الاتحادية)، فضلًا بالطبع عن تلك التي تريد أن تدعم دورها كمنافس جديد (الصين). هذه القوى “الرسمية” تمثل فرصًا لنظمنا لابد وأن تعيد حساباتها حول أنماط علاقتنا بها وكيفية تفعيلها.
وأخيرًا وليس آخرًا بالطبع، فإن “الغرب- الشرق” ثنائية قد تسقط عن قصد أو عن غير قصد دائرة “الجنوب أو العالم الثالث” والتي نحن كعالم إسلامي جزأ منها، فإن شعوب ونظم هذه الدائرة تتقاسم معنا الكثير من المشاكل النابعة من النظام الدولي المحيط، ولقد تمكن البعض منها من إحراز إنجازات على أصعدة مختلفة اقتصادية وعسكرية …الخ، استدعت القول بأنها من القوى الصاعدة الإقليمية الجديدة، مثل كوريا الجنوبية،سنغافورة، الهند، البرازيل، وهي دول لا تنتمى إلى “العالم الإسلامي”، إلا أننا نتقاسم معها الكثير من المشاكل والفرص على حدٍ سواء.
وبعد أن كانت هذه الدول – وغيرها – تنتظم في تجمعات تعبر عن مشاكلها: مجموعة عدم الانحياز ومجموعة الجنوب، … تآكلت هذه التجمعات بعد أن تم شد أطراف أعضائها إلى تجمعات أخرى مع الدول الكبرى، وهو الأمر الذي يستدعي التفكير في أنه إذا لم تكن السياسات الرسمية قادرة بعد على تفعيل هذه التجمعات من جديد ألا يمكن للشعوب أن تجتهد في ذلك موظفه لهذا الغرض آليات العولمة؟
خلاصة القول: إن “التضامن العالمي” من أجل وضع مشاكلنا كعالم إسلامي – في سياقه العالمي- هو اقتراب لابد من الحرص عليه بغية تعبئة مساندة القوى المضادة للعولمة أو ما يسمى العولمة البديلة أو المقابلة للعولمة التي تسودها الأمركة والتغريب.
إن هذا المنهج وإن كان لا يضمن في كل الأحوال الاستجابة لمطالب الهوية والخصوصية، في ظل الإنسانية؛ حيث إنه قد يغلب أحيانًا اعتبارات الإنسانية العالمية على ما عداها من انتماءات ذات مرجعيات أخرى غير ما يسمى مرجعية الحقوق العالمية، إلا أن هذا المنهج لابد وأن يحقق تنسيقًا في مواجهة المشاكل العالمية التي تمس الجميع على كوكب الأرض أى على صعيد النظام العالمي – وليس مجرد نظام الدول- وهي تحديات الانفجار السكاني، ثورة الاتصالات، ثورة المعلومات، والتكنولوجيا (الزراعية، البيولوجية، الميكنة) أزمة البيئة. فالأزمات والصراعات والحروب(الصراع العربي الاسرائيلي، أو احتلال العراق، أو احتلال فلسطين، أو ثورات الشيشان، وحروب البلقان، أو كشمير، أو …إلخ من صراعات القوى التقليدية في أرجاء العالم الإسلامي المختلفة) التي تهدد أمن واستقرار العالم، ونحن في قلبه، ليست فقط هي النمط الوحيد أو الأخطر من الأزمات والتهديدات والتحديات؛ بل النمط الآخر لا يقل خطورة بل إنه يبدو متداخلًا -بصورة أو بأخرى- مع هذا النمط الشائع الذي ظل يحوز اهتمامنا كبؤرة للصراع مع التدخلات الخارجية فيه. إلا أنه للعملة وجه آخر لابد من الانتباه إليه؛ لحاجته لعمل جاد وليس ليصرفنا عن الصراعات الأخرى الحيوية التي تدور على أراضينا وتهدد تماسك الأوطان والهويات والخصوصيات والاستقلال السياسي. فهذه الأخيرة رغم أهميتها إلا أنها لن تدار برشادة دون الانتباه إلى: مشاكل “الإنسان” وحقوقه وحرياته، بل والأهم إلى واجباته في المشاركة في مواجهة ما يواجه الإنسانية برمتها من تهديدات.
وكل هذا يحتاج إلى رؤية استراتيجية من منظور فقه حضاري تكون قادرة على توليد خطابات وسياسات “إنسانية” إسلامية جديدة، سواء على صعيد النخب الحاكمة و على صعيد الشعوب، وفي قلبها النخب الشابة المعارضة سياسيًّا أو الناشطة مدنيًّا أو المتفاعلة عالميًّا مع نظرائها.
إن هذه الرؤية ليست رؤية انصياع أو تكيف “بكرامة” وهي ليست بديل لرؤية المقاومة العسكرية، ولكنها رؤية تقوم على الحاجة إلى استدعاء كل صور “المقاومة الحضارية”، وكلٌ من موضعه وكلٌ بقدره الذي يستجيب لمقاصد الشريعة، وعلى نحوٍ يستجيب لضغوط النظام العالمي المحيط ويحقق –تدريجيًّا وبصورة تراكمية– إمكانيات التغيير على ضوء الإمكانيات والفرص المتاحة. إنها دعوة لرؤية إنسانية عالمية تعارفية تنطلق من استعاده منظومة القيم الإسلامية في بناء الفرد والمجتمع والدولة والعالم. هي رؤية يشارك فيها الإنسان: الشاب وغيره، وليس بالضرورة فقط النظم والحكومات، وإن كانت تلك الأخيرة ما زالت تتحمل مسئولية الراعي.

*****

قائمة المراجع

§ باللغة العربية:

أولًا- الكتب:
1. د. زينب عبد العظيم: الاستراتيجية الأمريكية العالمية واستمرار الحرب ضد الإرهاب، في: مجموعة مؤلفين، أمتي في العالم، كتاب غير دوري يهتم بقضايا العالم الإسلامي، القاهرة: مركز الحضارة والدراسات السياسية، 2003.

2. شريف عبد الرحمن: نماذج من الرؤى الغربية لحالة الإسلام والمسلمين فى العالم المعاصر، في: مجموعة مؤلفين، أمتي في العالم، كتاب غير دوري يهتم بقضايا العالم الإسلامي، القاهرة: مركز الحضارة والدراسات السياسية، 1999- 2000.

3. مجموعة مؤلفين: أمتي في العالم، كتاب غير دوري يهتم بقضايا العالم الإسلامي،العدد الأول (1998): العولمة والعالم الإسلامي، القاهرة: مركز الحضارة والدراسات السياسية، 1999.

4. مجموعة مؤلفين: أمتي في العالم، كتاب غير دوري يهتم بقضايا العالم الإسلامي، العدد الخامس (2001 – 2002): تداعيات الحادي عشر من سبتمبر، القاهرة: مركز الحضارة والدراسات السياسية، 2003.

5. مجموعة مؤلفين: أمتي في العالم، كتاب غير دوري يهتم بقضايا العالم الإسلامي،العدد السادس (2003 – 2004): احتلال العراق، القاهرة: مركز الحضارة والدراسات السياسية، 2005.

6. مجموعة مؤلفين: أمتي في العالم، كتاب غير دوري يهتم بقضايا العالم الإسلامي،العدد السابع (2005): الإصلاح في الأمة بين الداخل والخارج، القاهرة: مركز الحضارة والدراسات السياسية، 2006.

7. مجموعة مؤلفين: أمتي في العالم، كتاب غير دوري يهتم بقضايا العالم الإسلامي، العدد الثامن: مرصد الحالة الإسلامية 2008، القاهرة: مركز الحضارة والدراسات السياسية، تحت الإعداد.

8. د. نادية محمود مصطفى ود. باكينام الشرقاوي (محرران): الأمن العربي ومشروع الشرق الأوسط الكبير”، المؤتمر التاسع عشر لمركز البحوث والدراسات السياسية: ديسمبر 2005، جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية،2006. د. نادية محمود مصطفى، البعد الثقافي للشراكة الأوروبية المتوسطية، (في): د. نادية محمود مصطفى (محرر)، أوروبا وإدارة حوار الثقافات الأورومتوسطية: نحو تفعيل رؤية عربية، أعمال المؤتمر الذي نظمه برنامج حوار الحضارات في أبريل 2005، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2008.

9. د. نادية محمود مصطفى: التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامي، (في): أعمال مشروع التحديات التي تواجه العالم الإسلامي، القاهرة: رابطة جامعات الدول الإسلامية، نوفمبر 1999.

10. د. نادية محمود مصطفى: التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامي: بروز الأبعاد الحضارية الثقافية، (في): د. نادية مصطفى، د. سيف الدين عبد الفتاح (محرران)، الأمة في قرن، عدد خاص من حولية أمتي في العالم، الكتاب السادس، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، ودار الشروق الدولية،2002.

11. د. نادية محمود مصطفى: المنطقة العربية والنظام الدولي الجديد، القسم الأول، (في): تقرير الأمة في عام (1992) 1412هـ، القاهرة: مركز الدراسات الحضارية، 1993.

12. د. ودودة بدران: الرؤى المختلفة للنظام العالمي الجديد (في): د. محمد السيد سليم (محرر)، النظام الدولي الجديد، جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 1994.

ثانيًا المقالات والدوريات العلمية:

1. د. محمد السيد سليم: التحولات العالمية وآثارها على العالم الإسلامي، (في): د. حسن العلكيم (محرر)، قضايا إسلامية معاصرة، 1997.
2. د. نادية محمود مصطفى: أولى حروب القرن الواحد والعشرين: رؤية أولية، مجلةالسياسة الدولية، 2003.
3. د .نادية محمود مصطفى: السياسة الأمريكية والمنطقة العربية بعد 11 سبتمبر، موقع إسلام أون لاين، 12/09/2002، على الرابط:
http://www.islamonline.net/arabic/politics/2002/09/article16.shtml.

§ باللغة الإنجليزية:

Books:

1. Blanken Horn D. (and others), (eds.): “The Islam/West Debate: Documents from a Global Debate on Terrorism, U.S. Policy, and the Middle East “, Rowman & Littlefield Publishers, Inc., 2005.
2. Bower Bruce: “While Europe Slept: How Radical Islam is Destroying the West from Within”, Random House 2006.
3. Bulliet, Richard W., “The Case for Islamo-Cristian Civilization”, Columbia University Press, 2006.
4. Esposito J.: “The Islamic Threat: Myth or Reality?”, 3rd edition, Oxford University Press, 1999.
5. Fawaz A. Gerges: “The Far Enemy: Why Jihad Went Global”, Cambridge University Press, 2005.
6. Fuller E. Graham, & Ian O. Lesser:
“A Sense of Siege: The Geopolitics of Islam and the West”, Boulder, Colo.: West view, 1995.
7. Hunter Shireen T.: “Islam, Europe’s Second Religion: The New Social, Culture, and Political Landscape”, Center for Strategic & International Studies, Praeger Publishers, USA, 2002.
8. Lahoud, Nelly, “Islam in World Politics”, Routledge, January 2005.
9. Lewis Bernard: “What Went Wrong? The Clash between Islam and Modernity in the Middle East”, Perennial, 2003.
10. Mandeville, Peter, “Global Political Islam: International Relations of the Muslim World”, Routledge, 2007.
11. Rabasa Angel M., & Cheryl Benard, and others, “The Muslim World After 9/11”, RAND Corporation, 2004.

للتحميل اضغط هنا

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق