تقارير ودراسات

السيبرانية والعدالة العالمية: البيانات الضخمة نموذجًا

مقدمة:

استخدم كلاوس شواب المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي مصطلح “الثورة الصناعية الرابعة” عام 2015؛ للإشارة إلى ثورة تكنولوجية غير مسبوقة، مستندة إلى الثورة الرقمية، من شأنها إحداث تغيرات جذرية في نظم الإنتاج والإدارة والحكم عبر العالم. تلك الثورة مدعومة بالابتكارات والتطورات على صعيد تقنيات عدة أبرزها: “الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وإنترنت الأشياء، والمركبات ذاتية القيادة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وتكنولوجيا النانو، والتكنولوجيا الحيوية، وعلوم المواد، وتخزين الطاقة، والحوسبة الكمومية”.

هذه الثورة “رابعة” لأن شواب يميزها عن ثلاث ثورات صناعية سابقة في التاريخ البشري الحديث؛ الأولى (خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا) وقد ارتبطت بميكنة العملية الإنتاجية وتحول المجتمعات الزراعية لمرحلة التصنيع خاصة بقطاعي الحديد والنسيج، مع اختراع محرك البخار. فيما اُستخدمت الطاقة الكهربائية في ظلال الثورة الصناعية الثانية لتكثيف مخرجات العملية الإنتاجية، مع إضافة صناعات جديدة، في حين اعتمدت الثورة الصناعية الثالثة على أتمتة العملية الإنتاجية باستخدام الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات[1].

وفق كلاوس شواب؛ فإن الثورة الرابعة ليست امتدادًا للثورة الثالثة؛ رغم أن الأخيرة قامت على الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات؛ وذلك بسبب التفاوت بينهما من جوانب عدة: أولها: سرعة الإنجازات الحالية على نحوٍ غير مسبوق تاريخيًا إذ تتطور الثورة الصناعية الرابعة أسيًا وليس خطيًا، وثانيها: النطاق؛ فالثورة الراهنة تمتد لكل صناعة تقريبًا في كل البلدان، وثالثها: التأثيرات الجذرية المتوقعة على أنظمة الإنتاج والإدارة والحكم، مع الفرص التي تتيحها هذه الثورة على صعيد الوصول غير المحدود للمعرفة، وسعات التخزين وقوة المعالجة غير المسبوقة للبيانات، والتي تنعكس بدورها في منتجات وتطبيقات جديدة يجري تسويقها للجمهور من بلايين البشر المتصلين لحظيًا بالإنترنت عبر الهواتف الخلوية. هذا التباين (الفجوة في السرعة والنطاق والنظم) ناجم عن دمج التقنيات التي تقضي على الفواصل بين المجالات المادية والرقمية والبيولوجية[2].

إن الحصان الأسود وراء تطوير ودمج وتوظيف تقنيات الثورة الصناعية الرابعة يكمن في البيانات الضخمة Big Data، والتي يمكن اعتبارها في الوقت نفسه منتجًا للثورة الرقمية أو الثورة الصناعية الثالثة وهي في الآن ذاته وقود الثورة الصناعية الرابعة التي تنتج أيضًا المزيد من البيانات الضخمة التي يعاد استثمارها واستغلالها[3].

وكما هو الأمر بالنسبة للثورات الصناعية السابقة؛ لم تخلُ النقاشات بشأن الثورة الصناعية الرابعة من جدالات بشأن تداعياتها على قضيتي التنمية والعدالة العالمية وما يرتبط بهما من فجوة بين الشمال والجنوب، وإن كان البعض يعتبر أن تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة وتحديدًا البيانات الضخمة في نطاق السياسة الدولية بشكلٍ عام هو امتداد للنقاشات المتصلة بآثار التكنولوجيا عامة وما يتفرع عنها من تطورات في مجالات الاتصالات والمعلومات وغيرها[4].

وأخذًا في الاعتبار تشعب تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، وكون البيانات الضخمة هي وقودها ومحركها؛ كما سبق القول؛ فإن هذه الورقة تحاول الاقتراب من الظاهرة وتداعياتها في مجالي التنمية والعدالة العالمية؛ عبر الإجابة عن السؤال الرئيسي التالي: كيف تؤثر “البيانات الضخمة” على قضيتي التنمية والعدالة العالمية؟

قد يكون من الصعب تقديم إجابات جازمة تتعلق بهذا السؤال، لكن يمكن الاقتراب منه عبر عدد من التساؤلات الفرعية التالية؛ تمهيدًا لدراسة أكثر عمقًا في وقت لاحق:

كيف تنظر المؤسسات الدولية لظاهرة البيانات الضخمة، وانعكاساتها بالنسبة لقضية التنمية العالمية؟

لماذا تُثير ظاهرة البيانات الضخمة المخاوف بشأن العدالة العالمية؟ وكيف تتباين قدرات الدول على الاستفادة من هذه الظاهرة؟

كيف تطورت مؤشرات عدم المساواة العالمية خلال العقود الأربعة الماضية- التي شهدت بروز وتصاعد الثورة التكنولوجية والإلكترونية والثورة الصناعية الرابعة؟

تحاول الدراسة الاقتراب من هذه التساؤلات عبر العناصر التالية: أولا: البيانات الضخمة والتنمية العالمية: قراءة في رؤى المؤسسات الدولية. ثانيًا: مركزية البيانات ومخاطر الاستعمار الرقمي: تعميق الفجوة العالمية. ثالثًا: عدم المساواة العالمية خلال أربعة عقود: قراءة في مؤشرات توزيع الدخول.

أولًا- البيانات الضخمة والتنمية العالمية: قراءة في رؤى المؤسسات الدولية:

يشبه البعض البيانات بالنسبة للثورة الصناعية الرابعة/ الثورة الرقمية/ الثورة التكنولوجية وما يرتبط بها من تطورات وأجهزة وتقنيات وتطبيقات ذكية؛ يشبهها بالوقود بالنسبة للثورة الصناعية السابقة، لكنها تتميز عنه بإمكانية إعادة استخدامها لمراتٍ غير محدودة، كما أن استخدامها ينتج عنه إنتاج بيانات جديدة إذ تقدر الزيادة السنوية في البيانات بنحو 61%[5]. يشير تقرير على الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة؛ إلى أن 90% من البيانات في العالم تم إنتاجها خلال عامين سابقين على كتابته؛ ويتوقع أن تنمو البيانات المتاحة بنسبة 40% سنويًا، وتتضاعف القدرات العالمية لتخزين البيانات كل 40 شهرًا منذ الثمانينيات[6].

إن المقابل الذي تحصل عليه شركات التكنولوجيا العملاقة من تقديم خدماتها للعملاء بالمجان كمواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي هو “البيانات” المتعلقة بتفاعلات المستخدمين واهتماماتهم وتفضيلاتهم[7]. وتتعلق هذه التفاعلات باستخدامات العملاء للهواتف الذكية والمواقع الإلكترونية مثل التواصل الاجتماعي وبطاقات الائتمان، وتسمى حصيلة هذه التفاعلات بـعودام البيانات” وهي تمثل الجزء الأكبر من البيانات المتاحة عالميًا والمعروفة أيضًا بـ”البيانات الضخمة”، التي يمكن تحليلها آنيًا للوصول إلى معلومات أو نتائج يجري استغلالها تجاريًا؛ في التسويق والإعلان والإدارة[8].

يتم جمع البيانات من المستخدمين دون علمهم في الغالب؛ فحين يُحمل أحدهم تطبيقًا للتنبؤ بأحوال الطقس؛ يسمح أيضًا للتطبيق بتحديد موقعه؛ ظانًا أنه سيحصل مقابل ذلك على خدمة أفضل؛ لكن التطبيق يقوم بجمع سلوكيات الفرد من خلال مراقبة حركته وأفعاله، ومن ثم تحليل هذه البيانات والحصول من ورائها على قيمة تجارية عالية؛ دون أن يكون المستخدم على علم بما يحصل في الخفاء[9].

يجري استخدام البيانات الضخمة في تدشين الحملات الإعلانية أو التطبيقات الجديدة الموجهة للمستخدمين حسب ميولهم، والتي تدر بدورها بيانات جديدة، كما تُستخدم البيانات لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي كالروبوتات. لكن العبرة لتحصيل هذه المنافع بالقدرة على استخراج المعلومات من البيانات بعد القيام بعمليات التصنيف والتحليل لها للوصول إلى خلاصات يمكن الاستفادة منها في تحقيق الأرباح؛ التي قدرت بنحو 203 مليارات دولار عام 2020 مقابل نحو 103 مليارات خلال عام 2016. ومن أكبر الشركات التي تحتفظ وتستثمر البيانات الضخمة خاصة في مجال الإعلانات الرقمية: أبل وأمازون ومايكروسوفت وجوجل وفيسبوك، وقد بلغت إيرادات هذه الشركات من نشاط الإعلانات نحو 25 مليار دولار عام 2017[10].

تميل المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد والبنك الدوليين إلى تسليط الضوء على نحو أكبر على دائرة المزايا والعوائد التي يمكن جنيها من البيانات الضخمة بشكلٍ خاص ومن التقدم التكنولوجي والثورة الرقمية والثورة الصناعية الرابعة بشكلٍ عام، وإن كانت تشير أحيانًا وعلى استحياء لانعكاسات سلبية بالنسبة لقضية العدالة العالمية؛ في حين تركز كتابات أخرى إلى تبني وجهة النظر المعاكسة عبر تسليط الأضواء على هذه الانعكاسات السلبية؛ وإن كانت تتفق مع وجهة النظر الأولى بشأن مصدر هذه الانعكاسات فهي ناجمة بشكل كبير عن التوزيع غير العادل لتركز الاختراقات التكنولوجية والرقمية وما يرتبط بها من بيانات ضخمة.

على سبيل المثال؛ ترى الأمم المتحدة أن عمليات تحليل البيانات الضخمة يمكن أن تخدم الرفاه الاجتماعي وضمان وصول المعونات للفئات الضعيفة والمساهمة في تحقيق التنمية المستدامة. وقد قدمت المنظمة العالمية أمثلة توضح فرص الاستفادة من البيانات الضخمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إذ يمكن الإشارة إلى خمسة أهداف لتوضيح الفكرة. على صعيد القضاء على الفقر؛ يمكن اعتبار “أنماط الإنفاق على خدمات الهاتف المحمول مؤشرات بديلة لمستويات الدخل”. ويمكن الاستفادة من “التعهيد الجماعي أو تتبع أسعار المواد الغذائية المدرجة على الإنترنت في مراقبة الأمن الغذائي” وذلك لتحقيق الهدف المتعلق بالقضاء على الجوع تمامًا، كما “يساعد رسم خرائط لحركة مستخدمي الهواتف المحمولة في التنبؤ بانتشار الأمراض المعدية” ومن ثم ضمان الصحة الجيدة والرفاه، كما “تكشف تقارير المواطنين عن أسباب معدلات انسحاب الطلاب” للوصول إلى التعليم الجيد. وفي سبيل الوصول إلى المساواة بين الذكور والإناث؛ “يمكن أن يكشف تحليل المعاملات المالية عن أنماط الإنفاق والآثار المختلفة للصدمات الاقتصادية على الرجال والنساء”[11].

وبالمثل؛ فإن المقالات التي تنشرها مجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي والتي تنشر إلكترونيًا؛ تتبنى موقفًا مشابهًا من الثورة الرقمية؛ إذ تراها حتمية ولا بد من تبنيها بغض النظر عن قلق الناس بشأن مستقبلهم الوظيفي نتيجة إحلال الآلات محلهم؛ وترى أنه لا بد من التكيف معها عبر وسائل عدة أبرزها التعليم والبنية التحتية والسياسات والتعاون الدولي؛ معتبرة أن الثورة الرقمية ستمر وستحدث تغييراتها وآثارها كما حدث مع اختراع محرك البخار والطاقة الكهربائية[12].

في عام 2018، أعلن جيم يونغ كيم الرئيس السابق لمجموعة البنك الدولي أن المجموعة ستدخل شراكة مع الجمعية الدولية لشبكات الهاتف المحمول، وكذلك مع مشغلي شبكات الهاتف المحمول عبر العالم بغرض “الاستفادة من البيانات الضخمة من أنظمة إنترنت الأشياء للمساعدة في القضاء على الفقر المدقع وإطلاق العنان لمحركات جديدة للنمو الاقتصادي”[13].

الناظر في مواقف المؤسسات الدولية يجد أنها تميل إلى التأكيد على جدوى الثورة الصناعية الرابعة بما تقوم عليه من بيانات ضخمة عن المستخدمين عبر العالم، وهذا في مجالات التنمية ودفع النمو الاقتصادي والقضاء على الفقر؛ لكن هذه المواقف تتجاهل الواقع إلى حد كبير، وخاصة ما يتعلق بالاختلالات المتعلقة بالبنية التحتية للتكنولوجيا والثورة الرقمية عبر العالم، وإن كانت تشير إلى ذلك أحيانًا وعلى استحياء دون رصد دقيق لنتائجه على أرض الواقع. يمكن تفهم ذلك بالنظر إلى كون هذه المؤسسات الأعمدة التي يقوم عليها النظام العالمي منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية خاصة مؤسستي بريتون وودز: البنك وصندوق النقد الدوليين؛ الذين شكلا ركيزة النظام الاقتصادي العالمي خلال العقود  السبعة الماضية.

إن غياب القراءة في الواقع الحاصل بالعالم حاليًا بالتوازي مع الاختراقات التكنولوجية والرقمية يمكن تبينه في خطابات المؤسسات الدولية؛ فبدلًا من تناول نماذج عملية وكيف تم الاستفادة منها في القضاء على الفقر مثلًا أو تحقيق التنمية؛ يلاحظ أن هذه الخطابات يغلب عليها الطابع النظري والإرشادي مثل الحديث عن إمكانية الاستفادة من هذه الانجازات، والفرص التي قد تتيحها؛ بأدوات الاحتمال وليس التأكيد أو الجزم بتجارب عملية.

لكن ماذا تكشف البيانات والتقارير المتوفرة عن المستفيدين من الثورة الصناعية الرابعة عامة والبيانات الضخمة خاصة وما يرتبط بها تقنيات الذكاء الاصطناعي؟

لقد أصبحت البيانات المتولدة عن تصرفاتنا اليومية وحركاتنا بمثابة سلعة خاصة تحتكرها أو تهيمن عليه كبرى شركات التكنولوجيا العالمية التي تمتلك منصات التواصل الاجتماعي والعلامات التجارية لأجهزة الهاتف المحمول التي انتشرت بشكلٍ كبير خلال العقود القليلة الماضية؛ وهو ما يسمح لهذه الشركات بتحقيق ثروات طائلة من وراء تحليل واستغلال هذه البيانات ثم إعادة انتاج بيانات جديدة بناءً على المنتجات والخدمات التي يجري تطويرها[14].

من الحقائق المتعلقة بالنظام الاقتصادي العالمي أن دولًا كبرى بعينها تحتضن عمالقة التكنولوجيا من الشركات، ومن ثم تستفيد هذه الدول من خلال التراكم الرأسمالي المحقق من وراء هذه الشركات ومنتجاتها فضلًا عن إعادة تصدير هذه المنتجات، وهو ما ينقلنا إلى العنصر التالي الخاص بعدالة توزيع البيانات عبر العالم ومن ثم تحديد من يحصد عوائد الاستثمار فيها.

ثانيًا- مركزية البيانات ومخاطر الاستعمار الرقمي: تعميق الفجوة العالمية:

تحدث أوسال صهباز “Ussal Sahbaz” المدير التنفيذي لمراكز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية بإسطنبول في دراسة له بعنوان “الذكاء الاصطناعي وخطر الاستعمار الجديد” عن “الاستعمار الرقمي” من جانب القوى الكبرى التي تحتكر البيانات كالولايات المتحدة الأمريكية والصين واللتان تتفوقان في مجال الذكاء الاصطناعي بسبب ما يمتلكانه من بيانات وفيرة؛ وهو ما يحقق للدولتين وفورات مالية ضخمة عبر شركاتهما التي تغزو العالم بمنتجاتها وتجمع بيانات المستخدمين وتعيد استخدامها لتطوير منتجاتها أو لطرح منتجات جديدة؛ مؤكدًا أن الفجوة في البيانات ستنقلب إلى فجوة في الواقع الاقتصادي والمالي عبر تعميق الاختلالات العالمية وإضعاف الاقتصادات الوطنية وتبديد المزايا الاقتصادية التي حصلت عليها بعض القوى الصاعدة؛ وإن كان صهباز لم ينكر في الوقت نفسه أن بإمكان بعض الدول الصغيرة الاستثمار في البيانات وترجمتها إلى قوة اقتصادية.

يوضح صهباز أن الولايات المتحدة تعتبر أكبر اقتصاد في العالم وثالث دولة من حيث عدد السكان، والأكثر اتصالًا بالإنترنت؛ تقليديًا؛ باعتبار أنها موطن اختراع الإنترنت. وقد تفوقت شركات التكنولوجيا الأمريكية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ بفضل ما تمتلكه من بيانات لتتفوق بذلك شركات مثل: أبل ومايكروسوفت وأمازون وألفا بت وفيس بوك؛ على شركات الطاقة والتمويل التقليدية كأكبر خمس شركات في الولايات المتحدة من حيث القيمة السوقية في السنوات العشر الماضية.

أما الصين، فهي عملاق ذكاء اصطناعي صاعد بقوة؛ إذ تُعتبر أكبر دولة من حيث عدد السكان وثاني أكبر اقتصاد في العالم. وتنتج بشكل مستمر حجمًا كبيرًا من البيانات بسبب الاعتماد السريع للتقنيات الرقمية هناك؛ إذ تمتلك الصين ثلاثة أضعاف عدد أجهزة المحمول التي يمتلكها الأمريكيون، وعشرة أضعاف عدد توصيلات الطعام عبر الإنترنت، وخمسين ضعف عدد مدفوعات الهاتف المحمول كما أعلن الحزب الشيوعي الصيني تركيزه على الذكاء الاصطناعي، وحفز الحكومات المحلية، والحاضنات والجامعات لدعم الأعمال القائمة على الذكاء الاصطناعي. ورغم أن نشاطها يتسم بالمحلية بشكل ما؛ يُرجح زيادة القيمة السوقية للشركات الصينية بشكلٍ كبير عندما تتجه للعالمية مدعومة بتوجيهات وسياسات حكومية صينية.

وقد احتلت الصين المركز الأول عالميًا عام 2017 بالنظر إلى الاستثمارات في رأس المال الاستثماري بالشركات الناشئة بمجال الذكاء الاصطناعي؛ بقيمة 4.9 مليار دولار، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بقيمة 4.4 مليار دولار، من إجمالي 10.7 مليار دولار على مستوى العالم، لتنفرد بقية الدول بنحو 1.4 مليار دولار فقط؛ وهو ما يُسهم في إرساء دعائم احتكار أمريكي وصيني للابتكارات العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي حيث تقوم كل من الولايات المتحدة والصين وشركاتهما بتجميع المزيد من البيانات والمواهب اعتمادًا على البيانات الضخمة التي تنتجها[15].

إن قراءة في البيانات المتوفرة عن قائمة أعلى الشركات قيمة في العالم توضح أن عمالقة التكنولوجيا الذين يستحوذون على نصيب الأسد من البيانات المتاحة يأتون في الصدارة، لتكون شركاتهم الأعلى قيمة في العالم خلال عام 2021 وذلك على حساب الشركات العاملة في نشاطات تقليدية كالطاقة والتصنيع وغيرهما، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين تعتبران الأكثر هيمنةً على هذه القائمة بالنظر إلى جنسيات شركات التكنولوجيا الأعلى قيمة.

ضمن قائمة الشركات العشر الأعلى قيمة في العالم خلال عام 2021 جاءت أبل في المركز الأول وفق تقييمات فبراير 2021 بقيمة 2.134 تريليون دولار، فيما كان المركز الثاني من نصيب أرامكو السعودية والتي تعد استثناء لشركات الطاقة ضمن القائمة بقيمة نحو 2.028 تريليون دولار، وتبعتها مايكروسوفت بقيمة 1.768 تريليون دولار، ثم أمازون بقيمة سوقية 1.608 تريليون، وألفا بت المالكة للعلامة التجارية جوجل بقيمة سوقية تقارب 1.397 تريليون دولار. ومن الواضح أن هذه الشركات تحمل جميعها الجنسية الأمريكية باستثناء أرامكو السعودية والتي تُصنف ضمن شركات الطاقة –كما سلفت الإشارة.

كان المركز السادس من نصيب شركة تينسنت القابضة المحدودة، وهي شركة صينية متخصصة في مجال الإنترنت والألعاب والتي بلغت قيمتها السوقية في فبراير 2021 نحو 874.7 مليار دولار، وهي بذلك تعد أعلى الشركات الصينية من حيث القيمة السوقية، وتبعتها عالميًا شركة فيس بوك الأمريكية بقيمة سوقية 741.7 مليار دولار، ثم شركة تسلا الأمريكية الرائدة في مجال تصنيع السيارات الكهربائية بقيمة 712 مليار دولار، وشركة علي بابا- الموقع الصيني الرائد بمجال التجارة الإلكترونية بقيمة 698.1 مليار دولار، فيما كان المركز العاشر من نصيب شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة المتخصصة في صناعة الإلكترونيات وصناعة أشباه الموصلات بقيمة سوقية بلغت 597.2 مليار دولار في فبراير من العام السابق[16].

تكشف البيانات السابقة عن أن الدول الكبرى وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية والصين تهيمن على كبرى الشركات التكنولوجية حول العالم، والتي أصبحت اقتصاداتها تقوم بشكل كبير على البيانات الضخمة التي يجري استغلالها لتوليد قيمة تجارية مرتفعة؛ عبر تحليل توجهات المستهلكين وتدشين الحملات الإعلانية من جهة وطرح منتجات وتطبيقات جديدة تلقى قبولهم من جهة أخرى، فضلًا عن إعادة استخدام هذه المنتجات والتطبيقات لتوليد غيرها –كما سبق الذكر- وهكذا دون حد أقصى، لتحقق هذه الشركات تراكمًا رأسماليًا كبيرًا؛ تستفيد منه أيضًا الدول التي تحتضن هذه الشركات؛ في حين تظل الدول الفقيرة تكنولوجيًا ورقميًا متأخرة عن الركب؛ فاقدة فرصًا كبيرة تتيحها هذه البيانات التي لا تمتلكها أصلًا فضلًا عن فقدان فرص اقتصادية أخرى تتعلق بتدهور اقتصاداتها التقليدية من جهة وخسارة الوظائف التي تشغلها الأيدي العاملة نتيجة الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من جهةً أخرى.

ما يعزز مركزية البيانات ومن ثم عوائد الاستثمار فيها هو الاستحواذات الضخمة التي يقوم بها عمالقة التكنولوجيا عبر العالم، ففي عام 2018 استحوذت شركة علي بابا الصينية للتقنية التي توظف البيانات الضخمة في أنشطة البيع بالتجزئة وإدارة المخزون على شركة داتا أرتيسانز لزيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في أنشطتها. وفي عام 2020 استحوذت شركة سيلز فورس على شركة تابلوه، مقابل 15.7 مليار دولار، كما استحوذت شركة جوجل على شركة لووكر مقابل 2.6 مليار دولار[17].

وقد كانت الأمم المتحدة واقعية عند تناولها مزايا البيانات الضخمة والتحول الرقمي بالنسبة لتحقيق التنمية المستدامة؛ فرغم تأكيدها على أهمية البيانات؛ أشارت إلى أن هناك مخاطر من “تزايد التفاوت والتحيز؛ فقد أصبح هناك فعلا فجوات بين من يملكون البيانات ومن لا يملكونها. ودون اتخاذ إجراء مناسب، فربما فُتحت جبهة جديدة من التفاوت تقسم العالم نصفين بين من يعرفون ومن لا يعرفون. فكثير من الناس مُستثنون مما يجري في العالم الجديد للبيانات والمعلومات؛ بسبب الحواجز اللغوية أو الفقر أو الجهل أو غياب الهياكل التكنولوجية الأساسية أو البُعد الجغرافي أو التمييز. فهناك طائفة واسعة من الإجراءات التي ينبغي اتخاذها، بما في ذلك بناء قدرات جميع البلدان وعلى وجه الخصوص البلدان الأقل نموا، والبلدان النامية غير الساحلية، والدول النامية[18].

فضلا عن ذلك؛ أشارت الأمم المتحدة لوجود نقص في البيانات االمطلوبة لوضع سياسات إنمائية على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية؛ إذ تفتقد كثير من الحكومات الإمكانات المطلوبة للحصول على البيانات الكافية لتحليل أوضاع الشعوب بما في ذلك الأفراد الأشد فقرًا والأكثر تهميشًا، الذين يشكل الوصول إليهم وتحسين أوضاعهم أبرز ملامح استراتيجيات القضاء على الفقر المدقع والقضاء على الانبعاثات الخطرة على البيئة.

بالنسبة لفرص المنافسة في مجال الابتكارات والذكاء الاصطناعى القائم على البيانات الضخمة من جانب الدول الصغيرة؛ فإن الفرص قاصرة على عدد قليل من الدول مثل سنغافورة وإسرائيل وإستونيا، ويمكن إضافة الإمارات على المستوى الإقليمي؛ وفق ما يشير إليه المدير التنفيذي لمراكز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية بإسطنبول، فالشركات الناشئة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بهذه الدول تولد عالمية ولا تستهدف السوق المحلية كما أنها تستفيد بالاستقرار الاقتصادي النسبي بدولها. إن الاستراتيجية التي تتبعها هذه الشركات الناشئة هي البيع لعمالقة التكنولوجيا من الشركات الكبرى سواء الصينية أو الأمريكية؛ الأمر الذي يخلق قيمة لهذه الشركات ولدولها ذات الكثافة السكانية المحدودة.

لتوضيح القيمة المضافة التي حققتها بعض الدول الصغيرة من وراء الاستثمار في البيانات والذكاء الاصطناعي القائم على البيانات الضخمة؛ يمكن الإشارة إلى حالة بيع شركة موبايلي Mobileye الإسرائيلية الناشئة المتخصصة في مجال تقنيات السيارات ذاتية القيادة لشركة إنتل Intel بصفقة قيمتها 15 مليار دولار عام 2017. كانت حصة الحكومة الإسرائيلية من هذه الصفقة مليار دولار في صورة ضرائب؛ بما يعادل نحو 125 دولارًا لكل فرد من إجمالي الصفقة[19].

وفي عام 2019؛ أعلنت شركة إنتل الأمريكية أيضًا استحواذها على شركة هابانا لابس الإسرائيلية، التي تُعنى بتصنيع رقاقات وخوارزميات للذكاء الاصطناعي بملياري دولار. ويذكر أن إنتل توظف في إسرائيل وحدها نحو 12 ألف شخص، كما يتمّ إنتاج جزء كبير من رقاقات الشركة التي توزع حول العالم في مدينة حيفا[20]. وتستثمر شركة مايكروسوفت الأمريكية في شركة ناشئة إسرائيلية باسم (أني فيجن) لإنتاج برامج وتطبيقات التعرف على الوجه للتعرف على الفلسطينيين وتعتمد هذه البرامج على آلية البيو ميترك. وتشتهر الشركة الإسرائيلية بأحد البرامج التي تُستخدم لتتبع الأفراد في مقاطع الفيديو المباشرة وبين كاميرات المراقبة المختلفة، وتجني إسرائيل أرباحًا كبيرة من تصدير هذه التقنيات.

لكن إلى جانب الأبعاد السياسية والاقتصادية لهذا المشروع؛ هناك الأبعاد الأخلاقية المتعلقة بمدى شرعية التصرف الإسرائيلي من جهة، ومن جهة أخرى ازدواجية معايير مايكروسوفت نفسها التي احتجت من قبل على تكثيف الصين المراقبة لأقلية الإيغور المسلمة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي وآليات التعرف على الوجه، كما روجت لمبادئ أخلاقية تتعلق بتنظيم استخدام تقنيات التعرف على الوجه[21]!

على مستوى الدول الناشئة متوسطة الحجم؛ ومن بينها جنوب أفريقيا والبرازيل والمكسيك وإندونيسيا وتركيا؛ يزعم صهباز أن التحدي الأكبر الذي تمثله تقنيات الذكاء الاصطناعي لهذه الدول يتركز بشكل رئيس في أن تلك الدول لا تُصنف كبيئة خصبة لنماذج الأعمال العالمية لعدم محدودية أسواقها المحلية؛ كما هو الوضع بالنسبة لدول كسنغافورة والإمارات. ورغم ذلك فإن هذه الأسواق ليست كبيرة للدرجة التي تنتج البيانات الكافية لشركات الذكاء الاصطناعي للتوسع محليًا ثم الانتقال إلى التوسع السريع على المستوى العالمي.

إن هذه الدول تواجه خطرًا من وجهٍ آخر؛ حيث إن تنميتها الاقتصادية الحالية تعتمد بشكل كبير على التصنيع والذي يجذب الشركات العالمية نظرًا لانخفاض تكلفة العمالة، لكنها قد تفقد هذه الميزة في ظل عدم قدرتها على التحول إلى مراكز للذكاء الاصطناعي الذي يحول قطاع التصنيع نحو الأتمتة ويقلل أعداد العاملين اليدويين بشكل يهدد بانتقال الصناعات العالمية من الدول متوسطة الدخل للدول الكبرى التي تحتكر الذكاء الاصطناعي كالولايات المتحدة الأمريكية والصين؛ وهذا في الوقت الذي لا تملك الدول متوسطة الدخل مرونة عالية للتحول بسبب عائق البيانات السابق الإشارة إليه من جهة وبسبب المخاوف المتعلقة بالاستغناء عن العمالة اليدوية من جهةٍ أخرى[22].

وفق دراسة بعنوان “مخاطر الذكاء الاصطناعي على الأمن ومستقبل العمل”؛ توضح مؤسسة راند الأمريكية المتخصصة في الأبحاث والتطوير أن الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف كبيرة بشان الأثر على العمل البشري وإمكانيات استبدال تقنيات الذكاء الاصطناعي بالعمالة البشرية التي تعتمد على وظائفها لتدبير دخولها ومعايشها، خاصةً أن الأتمتة تقلل الطلب على الأشخاص الذين يملكون المهارات التي تمت أتمتتها أي يمكن القيام بها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي[23]. وفي استطلاع رأي لقادة قطاع التكنولوجيا في 108 من الدول، قال المشاركون إنهم يعتقدون أن 10% من القوى العاملة في شركاتهم ستستبدل في غضون 5 سنوات بواسطة الذكاء الاصطناعي؛ لكن أكثر من ثلثي المشاركين اعتقدوا أن وظائف جديدة ستظهر لتعويض ذلك[24]. وبالفعل فقد العديد من الناس وظائفهم وربما بشكل نهائي خلال عام كورونا مع التحول نحو الرقمنة بشكل كبير[25].

بشكلٍ عام؛ لا تزال دول الجنوب عامة في وضع متأخر بالنظر إلى التحول نحو تفعيل الذكاء الاصطناعي لتحقيق التنمية، كما أن بعضها يواجه مخاطر جراء هذا التحول خاصة في ظل عدم اعتماد استراتيجيات وطنية لتطبيق الذكاء الاصطناعي داخل القطاعات الاقتصادية المختلفة للاستفادة من الفرص التي يتيحها ومواجهة التحديات الناجمة عنه أيضًا. وتشير تقارير إلى أن دولًا معدودة في الجنوب هي التي أحرزت تقدمًا على صعيد التحول نحو الرقمية مثل الهند وكينيا والمكسيك. في الهند على سبيل المثال؛ ركزت استراتيجية الذكاء الاصطناعي على النمو والإدماج الاجتماعيين، لتزويد الهنود بالمهارات اللازمة للعمل في هذا القطاع، والاستثمار في أبحاث الذكاء الاصطناعي، وتصدير آلياته إلى البلدان النامية الأخرى[26].

ثالثًا- عدم المساواة العالمية خلال أربعة عقود: قراءة في مؤشرات توزيع الدخول:

قد يكون من الصعب في هذا التقرير إيجاد علاقات سببية بين تطور مسار قضيتي التنمية والعدالة العالميتين من ناحية وتطور ظاهرة السيبرانية وتحديدًا الثورة الصناعية الرابعة وما تقوم عليه من بيانات ضخمة من ناحية ثانية، وهو أمر يتطلب اطلاعًا أوسع ومؤشرات أدق؛ دون الاكتفاء بالرؤى والاتجاهات النظرية.

لكن بشكل عام؛ تشير مقالة منشورة بمجلة التمويل والتنمية الصادرة عن صندوق النقد الدولي؛ إلى أنه يمكن تبين آثار الفجوة الرقمية بالنسبة لقضية العدالة العالمية بالنظر فيما حدث خلال عام وباء كورونا أي عام 2020؛ إذ تسارعت وتيرة التحول الرقمي بسبب الجائحة، في ضوء إجراءات الوقاية من المرض وضمان التباعد الاجتماعي بين البشر. فرغم أن التكنولوجيا أسهمت في استجابة بعض الحكومات عبر العالم بسرعة واستخدام الحلول الرقمية لتقديم المساعدات المالية للمحتاجين فضلًا عن صمود بعض المنشآت الاقتصادية وأحيانًا نموها، كان للتحولات التكنولوجية أيضًا آثارها السلبية فيما يتعلق بالاختلالات في توفير الخدمات التعليمية والصحية والمالية، بسبب الفجوة بين القادرين على الارتباط رقميًا وغيرهم سواء بين البلدان أو داخل كل بلد، وذلك على نحو كشف وربما أسهم في تفاقم عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية[27].

هذه النقاشات المتعلقة بالعصر الرقمي وتداعياته بالنسبة للتنمية والعدالة العالمية والفجوة بين الأغنياء والفقراء يمكن اعتبارها حلقة غير منفصلة عن النقاشات الخاصة بالعولمة وانعكاساتها بالنسبة لقضايا التنمية؛ ففي الوقت الذي كان يدافع فيه أنصار العولمة عن أنها ستشجع النمو الاقتصادي العالمي وستسهم في القضاء على الفقر؛ انبرى كتاب آخرون للحديث عن التداعيات السلبية التي صاحبت عصر العولمة فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي وتوزيع عوائده على الأفراد والفجوة بين الشمال والجنوب. في كتابه بعنوان “القرن العشرون الطويل: الاستعمار الاقتصادي الأمريكي لدول العالم الثالث” أشار جومو كوامي سوندرام؛ الخبير الاقتصادي الماليزي؛ إلى أن الربع الأخير من القرن العشرين والذي كان مرتبطًا بالعولمة والتحرر قد شهد أيضًا تراجع معدلات النمو، وزيادة حدة التقلبات الاقتصادية عبر العالم، وزيادة التفاوتات بين الدول الغنية والفقيرة، ومحدودية المساعدات الموجهة للأخيرة، وزيادة نفوذ الشركات متعددة الجنسيات، وذلك مقارنةً بالعقود الثلاثة التالية على الحرب العالمية الثانية[28].

ودون أن يجزم بالعلاقة السببية؛ أشار كوامي إلى وجود مؤشرات عدة على زيادة حدة التفاوتات العالمية خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين بالتزامن مع تسارع وتيرة العولمة والتحرر الاقتصادي عبر العالم. من المؤشرات التي سردها: أن أغنى 1% من سكان العالم أي حوالي 50 مليونًا –مع نهاية القرن العشرين- حصلوا على 57% مما يصل إلى 2.7 مليار نسمة أي حصلوا على ما يحصل عليه 54 ضعفًا لعددهم من السكان، وأن متوسط دخل أفقر 10% من سكان أمريكا أفضل من متوسط دخول ثلثي سكان العالم، وأعلى 10% دخولًا من الأمريكيين أي 25 مليونًا يملكون دخلا تراكميا يعادل ممتلكات 43% من سكان العالم أي نحو مليار شخص أو 40 ضعف عددهم. أشار أيضًا كوامي إلى تباطؤ معدلات النمو بالدول الأقل نموًا عدا الصين ودول شرق آسيا والهند آخر عقدين من القرن العشرين مقارنةً بالعقدين السابقين، وتراجع النمو في دخل الفرد من الناتج المحلي إلى 33% مقابل 83%، وانخفاض نصيب الفرد من النمو الاقتصادي في 89 دولة أي 77% من دول العالم بنسبة 5% على الأقل وزيادته بالنسبة بنفسها داخل 14 دولة أي 13% من الدول[29].

تجدر الإشارة إلى أن هذه المؤشرات وإن كانت تأتي تحت عنوان التفاوتات العالمية في ظل العولمة والتحرر الاقتصادي خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين؛ فإنها أيضًا كانت مصاحبة بالثورة الهائلة في مجال تكنولوجيا الاتصال والمواصلات؛ أي إنها غير منفصلة عن النقاشات الراهنة الخاصة بتداعيات الثورة الصناعية الرابعة على التنمية والعدالة العالمية في ظل الفجوة الراهنة في القدرات الرقمية بين مختلف دول العالم ومناطقه.

وتطبيقًا لمنهج جومو كوامي أو لبعض إجراءاته؛ ودون الجزم بالسببية أيضًا؛ واستنادًا لتقارير عالمية بشأن المساواة؛ يمكن القول إن التفاوتات في الدخول قد ازدادت حدة عبر العديد من مناطق العالم خلال العقود الأخيرة بما فيها العقدان الأولان من القرن الحادي والعشرين، رغم تفاوت درجة الزيادة من عقد لآخر ومن منطقة لأخرى؛ أي إن الثروة ازداد تركزها في أيدي فئات محدودة من الناس[30].

وتتضح تفاقم عدم المساوة عبر العالم؛ خلال العقود الأربعة الماضية؛ أي بالتوازي مع عصر الرقمية والثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي؛ وليس بالضرورة نتيجة له؛ ورغم ثبات نصيب شريحة الـ 10% الأعلى دخلًا في الشرق الأوسط؛ فإن المنطقة احتفظت بأعلى معدل تفاوت حول العالم.

ومن حيث توزيع النمو في الدخل العالمي بين الأفراد؛ تشير بيانات تقرير اللامساواة العالمية لعام 2018؛ إلى أن شريحة الـ 1% الأغنى حصلت على ضعف ما حصلت عليه شريحة الـ 50% الأفقر من ذلك النمو، وتحديدًا 27% مقابل 13%، في حين انخفض معدل نمو دخل الطبقة المتوسطة العالمية التي تضم نحو 90% من الفقراء بكل من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. وازدادت حصة شريحة الـ 1% الأغنى في العالم من الدخل العالمي من 16% عام 1980 إلى 22% عام 2016؛ في حين حصل الـ 50% الأفقر في العالم على نحو 10% عام 2016 مقابل 8% عام 1980؛ أي أن الأغنياء ازدادوا غنىً في حين بقي نصيب الفقراء مستقرًا من الدخل؛ لكنه قد يتضاءل في الواقع بالنظر إلى التضخم وارتفاع مستويات المعيشية. ويوضح الرسم التالي هذه التفاوتات[31].

خاتمة:

رغم العوائد والمنافع التي يمكن جنيها من البيانات الضخمة؛ فإن هذه البيانات كما معظم الثروات والموارد عبر العالم يحتكرها عمالقة شركات التكنولوجيا التي تتحكم في هذه البيانات وتستخدمها على النحو الذي يدر عليها الأرباح ولو على حساب خصوصية المستهلكين. إن من يهمين على البيانات يمكنه السيطرة على قطاعات الإعلام والإعلانات والتسويق انتهاءً بسيطرة أوسع على الاقتصادات التي تتحول نحو الرقمنة؛ الأمر الذي يحتم على الدول الصغيرة والمتوسطة التوجه نحو إنتاج البيانات واستغلالها، لتتمكن من الاستفادة بالثورة الرقمية لتحقيق نموها الاقتصادي ورفاهة شعبها.

إن المؤشرات التي سبقت الإشارة إليها بشأن تركز الشركات الكبرى في دول بعينها من جهة وزيادة الاختلالات العالمية من جهة ثانية لا تعكس بالضرورة العلاقة السببية بين الثورة الرقمية من جهة وزيادة حدة التفاوتات العالمية من جهة أخرى؛ لكنها تكشف عن أن مؤشرات غياب العدالة العالمية تفاقمت خلال العقود الأربعة الماضية؛ على نحوٍ يدعو للتساؤل عن الكيفية التي يمكن بها تحقيق وعود المؤسسات الدولية بشأن التنمية والقضاء على الفقر استفادةً من التحول نحو الرقمية والاختراقات التكنولوجية، كما يدعو للتساؤل بشأن آثار مركزية هذه التقنيات وما يرتبط بها من بيانات ضخمة على العدالة العالمية؛ فهل تؤدي لمزيد من العدالة! أم إلى مزيد من تركز الثروات بأيدي من يمتلكونها! وكيف يمكن أن يتصرف العالم النامي؟

إن هذه التساؤلات ربما تكون موضوعًا لدراسة أخرى تحاول تسليط مزيد من الضوء على ظاهرة السيبرانية وانعكاساتها على التنمية والعدالة العالمية، من خلال نماذج عملية؛ تأثرت سلبيًا باختراق اقتصاداتها من جانب عمالقة التكنولوجيا في العالم، وكيف تصرفت هذه الدول حيال هذه الاختراقات، فضلًا عن محاولة استعراض نماذج تمكنت من التعامل مع الظاهرة واستغلالها لبناء اقتصادات رقمية؛ تمكنها من تحقيق التنمية والرفاهية لشعوبها، أو تحدي عمالة التكنولوجيا العالمية بتشريعات وقواعد تحد من نفوذهم في الاقتصادات الوطنية أو على بيانات المواطنين.

*****

الهوامش

[1] Klaus Schwab, The Fourth Industrial Revolution: What It Means and How to Respond, World Economic Forum, 14 January 2016, Available at: https://cutt.us/8NTeM

[2] Ibid.

[3] طه الراوي، البيانات.. النفط الجديد، نون بوست، 8 نوفمبر 2018، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/tVv68

[4] علي جلال معوض، تأثير البيانات الضخمة في نظريات العلاقات الدولية، السياسة الدولية، ملحق اتجاهات نظرية في تحليل السياسة الدولية “البيانات الضخمة في العلاقات الدولية”، العدد 219، يناير 2020، ص ص 9-14.

[5] طه الراوي، البيانات.. النفط الجديد، مرجع سابق.

[6] البيانات الضخمة لأغراض التنمية المستدامة، الأمم المتحدة، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/csBjf

[7] طه الراوي، البيانات.. النفط الجديد، مرجع سبق ذكره.

[8] البيانات الضخمة لأغراض التنمية المستدامة، مرجع سبق ذكره.

[9] يان كاريير وسوالو فيكرام هاكسار، معًا لبناء اقتصاد بيانات أفضل، مجلة التمويل والتنمية، صندوق النقد الدولي، عدد مارس 2021، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/XUvG7

[10] طه الراوي، البيانات.. النفط الجديد، مرجع سبق ذكره.

[11] البيانات الضخمة لأغراض التنمية المستدامة، مرجع سبق ذكره.

[12] مارتن مولآيزن، كل ما يمكن أن يُقال عن الثورة الرقمية، مجلة التمويل والتنمية، صندوق النقد الدولي، عدد يونيو 2018، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/UaI4o

[13] مجموعة البنك الدولي تدخل في شراكة مع GSMA للاستفادة من البيانات الضخمة لإنترنت الأشياء في عملية التنمية، البنك الدولي، 26 فبراير 2018، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/otlBy

[14] يان كاريير وسوالو فيكرام هاكسار، معًا لبناء اقتصاد بيانات أفضل، مرجع سبق ذكره.

[15] Ussal Sahbaz, Artificial Intelligence and the Risk of New Colonialism, Horizons, Issue No. 16, Spring 2020, Available at: https://cutt.us/iMed9

[16] TY HAQQI, 20 Most Valuable Companies In The World in February 2021, Yahoo finance, 24 February 2021, Available at: https://cutt.us/GNlqy

[17] مستقبل البيانات الضخمة بعد كوفيد-19، مرصد المستقبل، 17 يونيو 2020، متاح عبر الرابط التالي:  https://cutt.us/K02uA

[18] البيانات الضخمة لأغراض التنمية المستدامة، مرجع سبق ذكره.

[19] Ussal Sahbaz, Artificial Intelligence and the Risk of New Colonialism,  Op. cit.

[20] علي عواد، لماذا اشترت «إنتل» شركة إسرائيلية رائدة في الذكاء الاصطناعي؟، الأخبار، 19 يناير 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/f2Zcq

[21] كيف تستخدم إسرائيل الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع مايكروسوفت لمراقبة الفلسطينيين؟، يورونيوز، 1 نوفمبر 2019، متاح عبر الرابط التالي:  https://cutt.us/CECa1

[22] Ussal Sahbaz, Artificial Intelligence and the Risk of New Colonialism,  Op. cit.

[23] أوسوندي أ. أوسوبا، وويليام ويلسر الرابع، مخاطر الذكاء الاصطناعي على الأمن ومستقبل العمل، مؤسسة راند، 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/psv5j

[24] روث دوجلاس، الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية.. حقائق وأرقام، SciDev.Net، 22 نوفمبر 2019، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/bKu1G

[25] غيتا بات، من يملكون ومن لا يملكون، مجلة التمويل والتنمية، صندوق النقد الدولي،  مارس 2021، ص 2، متاح عبر الرابط التالي: https://cutt.us/ROi0z

[26] المرجع السابق.

[27] المرجع السابق.

[28] جومو كوامي سوندرام (تحرير)، القرن العشرون الطويل: الاستعمار الاقتصادي الأمريكي لدول العالم الثالث، ترجمة: محمود كامل، مراجعة: محمد صلاح غازي)، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2016)، ص 20.

[29] للمزيد من المؤشرات؛ انظر: المرجع السابق، ص ص 22-30.

[30] – لوكاس تشانيل وآخرون، تقرير اللامساواة في العالم 2018: الملخص التنفيذي، برلين، مختبر اللاومساواة العالمية، 2018، ص 6، متاح عبر الرابط التالي: https://wir2018.wid.world/

[31] للمزيد من المؤشرات عن التفاوتات العالمية خلال العقود الأربعة الماضية: انظر: المرجع السابق، ص ص 7-16.

فصلية قضايا ونظرات- العدد الحادي والعشرون – أبريل 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى