الحجابالولايات المتحدة وأوروباد. منى أبو الفضل

السياق الدولي والفكري لقضية الحجاب في فرنسا: ملاحظات أولية

إن الإطار الذي يقدم فيه الموضوع هو إطار حوار الثقافات، أو تقاطع الثقافات والحضارات، وهو إطار مركب يتجاوز النظرة التجزيئية التي تخص الجدل المثار حول قرار حظر الحجاب والرموز الدينية في المدارس الفرنسية الحكومية، واعتقد أن قضية حوار الثقافات – أو حوار الحضارات – تبرز بصورة أكثر وضوحاً من خلال خبرة نماذج من المثقفين الذين يعيشون في دول ذات ثقافة مختلفة، حيث يمارسون هذه المساحة الحوارية لا فقط فكرياً ولكن أيضاً حياتياً، فمساحة حوار الثقافات أو حوار الحضارات هي المجال الحيوي الذي تثار فيه القضايا، وتحدث فيه المواقف وتستعرض فيه المنظورات. ولقد تعايشت مع هذا المجال الحيوي لمدة طويلة، هي معايشة فعلية للخارج تجعلني كدارسة للعلوم السياسية أفكر في الأحداث التي يمر بها العالم بطريقة مختلفة.
لقد أثيرت أول واقعة حول الحجاب في فرنسا في عام 1989، وقد كانت هذه لحظة مهمة جداً سواء في تاريخ فرنسا أو الولايات المتحدة، حيث الاحتفالات بمرور 200 عام على تاريخ الثورة الفرنسية، التقاطع الزمني لسلسة من المشاهد في هذه الفترة، سواء على المستوى المباشر المحلي الأوربي أو المستوى العالمي، حيث شهدت هذه الفترة نهاية الحرب الباردة وسقوط حائط برلين، وبداية التفكير في الطريقة التي يمكن أن ينظر بها إلى نمط العلاقات الدولية paradigm، وهنا كان بداية ميلاد المنظور الحضاري على مستوى الأكاديميا، وكانت هذه الفترة هي مرحلة انفجار الموقف في البوسنة، كانت أوربا نفسها تمر بمرحلة نوعية من التطوير لفكرة الكتلة أو النظام الأوربي، بما ينعكس بشكل أو بآخر على الهويات المحلية أو القومية وعلى فكرة النسيج القومي، زد على ذلك وجود أزمة داخلية على الساحة الأوربية حول فكرة new Europe، وصدرت في هذه الفترة كتابات تعبر عن أزمة التغير والتطور والعولمة والمخاض الذي يعيشه العالم الإسلامي، وفي هذا السياق برز دور الإسلام والمرأة والنظر إلى الحجاب كرمز. واعتقد أننا لسنا بصدد الحديث عن النموذج الذي يقدم معايشة تتأمل التحولات في النظام الدولي السياسي العالمي، والتداخل على المستوى المحلي والدولي، وعمليات سيولة الحدود بين الدول، وتفتح الآفاق وظهور مجالات جديدة في الأكاديميا، ومبادرات جديدة في التعامل مع الظواهر، والبحث عن منظور يستوعب التغيرات الواقعة، مع أن هذا هو المجال الذي يهمني كثيراً، وهو: كيف نستطيع أن نؤطر لهذا السياق الذي نعيشه اليوم، والذي يسمى بجدل الخطاب وإشكالية القرار؟ وكيف نستطيع أن نؤطر للسياق الذي يتعامل مع إشكالية الهويات؟ فالقضية ليست فقط حول الهوية الإسلامية في أوربا، وإن كانت قضية الهوية الإسلامية في أوربا لها ميدان خاص، لأن الهوية الإسلامية في أوربا يمكن أن تثير الكثير في الذاكرة التاريخية، فنحن كدول عربية آفاقنا محدودة بالمحليات، ولكن ميزة الأكاديمي الذي يعيش في المساحة ما بين الثقافات والحضارات أن لديه فسحة من التأمل، بحيث يستطيع أن يدرك أن الذاكرة الفرنسية تتحرك في الوقت الراهن في إطار العلمانية والقيم التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية، وتسعى في نفس الوقت إلى المحافظة على هذه المنظومة، وذلك بالبحث عن القيمة الرئيسية في هذه المنظومة التي يمكن أن تكون هي موضع التهديد، ولا يقتصر هذا التخوف على مسألة حجاب المرأة المسلمة، ولكن يستشف أيضاً في سياق العولمة والحداثة وجملة من التطورات التي تبرز في الساحة اليوم، وفي هذا السياق فإن القلق التاريخي يمكن أن نتفهمه عند ذكر الهوية الإسلامية في أوربا، وهذا يفرض تحدياً معيناً على مثقفي الأمة ومثقفي أوربا اليوم والذي يشكل مساحة مشتركة للالتقاء، فالهوية الإسلامية في أوربا تثير السؤال حول إمكانية أو تصور أن يعيش المسلم في أوربا كمسلم، فهذا السؤال يثور في إطار الذاكرة التاريخية، ولقد بدأ التعامل معه منذ اللحظة الأندلسية، والتي ثار خلالها الجدل حول متى وأين، وكان لذلك انعكاساً على مسار الجدل حول التدخل في قضية البوسنة، حتى أن مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا السابقة أصرت على التمييز بين البعد السياسي والبعد الإنساني.
إن السياق الذي يجب أن نضع فيه الجدل المعاصر لابد أن نعي أن له أبعاداً سياسية وتاريخية، وأبعاداً ترتبط بذاكرة قومية، وذاكرة تاريخية بعيدة، وسياق يرتبط بقراءة الواقع المعاصر وخصائص هذا الواقع والمنظومات التي تثور فيه، وهنا يجب الوقوف على مستوى السياقات التاريخية، وبإلقاء نظرة عامة يمكن القول أن هناك ثروة من الإنتاج الفكري، على مستوى علماء الفكر السياسي وعلماء العلوم الاجتماعية في أوربا وفي أمريكا– سواء على مستوى الإنتاج العلمي أو على المستوى الثقافي العام – وليس أدل على ذلك من أنه في الفترة القصيرة التي ارتبطت بالمشهد الفرنسي والجدل الذي أثير حوله تولدت ثروة من المداخلات والآراء والأفكار، ولقد تزامن هذا الإنتاج الفكري مع مبادرات منفتحة على “العالم العالمي”؛ عالم تداخل الثقافات والحضارات وتعدد الإشكاليات بما فيها إشكاليات الحداثة وإشكاليات ترتبط بالهوية. إن هذه اللحظة التي تتسم بغزارة الإنتاج الفكري تفرض علينا – نحن أصحاب التخصصات المعنية – أن نبحث عن المنظور الذي يمكن أن يؤطر لهذه الجدالات الحديثة، والذي يمكن أن يستوعب و يسهم في ترشيد المواقف والسياسات. من خلال تأطيره لهذا الوفر في المواضيع والرؤى المختلفة نظراً لقدرته التجريدية، والسؤال هو: هل المنظور الحضاري الذي نتحدث عنه هو المنظور الحضاري الذي قدمه صمويل هنتجتون؟ ولماذا التصق المنظور الحضاري الذي يطرح في العالم بالمنظور الصدامي؟ إن المسئولية الفكرية والثقافية تقتضي أن الفت النظر إلى أنه يجب أن نميز بين المنظور الحضاري وبين المقومات والمنطلقات لهذا المنظور. وإن لم نقم بدورنا في التعامل مع ما يدور اليوم في ساحة الهوية الإسلامية في أوربا، أو ما يدور حول جدل الإسلام والعلمانية، أو ما يدور حول قرارات شيراك في هذا المجال، وإن لم ننتبه إلى الفرصة الرائعة المتاحة أمام المثقف في الفترة الراهنة، سواء كان مسلماً أو غير مسلم أوربياً أو عربياً، للتعامل على مستوى مسئول لمحاولة تأطير وفتح مجالات جديدة للتفكير في هذه القضايا، وإن لم نفعل ذلك نصبح أمام لحظة خيانة أمانة، وبخاصة أننا نعيش اليوم في عالم التداخل والمساحات الجديدة، وأرى أننا اليوم في لحظة فارقة تتطلب من أصحاب الفكر بذل الجهد ومحاولة إعادة صياغة الوعي بالتاريخ وبذاكرة الهوية الإسلامية في أوربا، وذلك بإرساء ذاكرة جديدة هي ذاكرة الحوار والعلاقات الأوربية الإسلامية، فنحن اليوم أمام فرصة لم تتح لأجيال سابقة، وهذه لحظة تاريخية يمكن من خلالها فتح آفاق التنوير في إطار العقل والفكر، ونحن في حاجة إلى أن نفتح المجال على مستوى المفكرين لتناول هذه القضايا في منأى – قدر الإمكان – عن ضغوط القوة.
وخلاصة القول أن هذا موضوع يفضى إلي التفاؤل إذا نظرنا إليه من المدخل السليم، ولم نستغرق في بعض التفاصيل.

*****

(·) نص تفريغ العرض الشفوي بعد تحريره.
(··) أستاذ العلوم السياسية – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة.

نُشر في: نادية مصطفى (تحرير)، الهوية الإسلامية في أوروبا.. إشكاليات الاندماج: قراءة في المشهد الفرنسي، (القاهرة: برنامج حوار الحضارات – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2005).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق