المنطقة العربية

الحرب على اليمن واشكاليات التحالف العربي

مقدمة:

إن الحرب التي اندلعت في اليمن منذ 26 مارس 2015 من قبل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، لم تندلع بين عشية وضحاها، فقد كان لوضع اليمن الراهن جذور لا تقف حتى عند ما جرى منذ الثورة اليمنية في 11 فبراير2011، بل إلى ما قبل ذلك وعلى مدار نحو 28 عاماً، منذ الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990. لقد شهدت اليمن حالة من عدم استقرار سياسي وتدهور اقتصادي وتفكك ثقافي جعل منها أرضاً خصبة للتدخلات الدولية والإقليمية عبر تلك العقود الثلاث. فقد صنعت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في أبريل 1994 نوعا من التهميش للجنوبيين طوال فترة حكم علي عبدلله صالح؛ الأمر الذي نتج عنه الحراك الجنوبي في عام 2007 والمطالب الجنوبية بفك الارتباط عن الشمال.
ولا يخفى أن القبيلة لعبت دورًا محوريا في تكوين المجتمع اليمني ثم في العلاقة بين المجتمع والدولة، وأن هذا الدور يختلف من منطقة لأخرى، وأن القبائل تتمتع باستقلالية كبيرة في مناطق نفوذها، خصوصًا في الشمال، بل تتمتع أحيانا كثيرة بسلطة أقوى من سلطة الدولة، وتعتبر قبائل “حاشد” و”بكيل” من أكبر القبائل التي تلعب دورًا في اليمن، وكانت تتمتع بعلاقات قوية مع حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم قبل الثورة.
ومع غياب التنمية الاقتصادية والسياسية على حدٍّ سواء، وتجلِّي ذلك في ضعف حضور الدولة وضيق دائرة المناطق المسيطر عليها من قبل الحكومة المركزية وانتشار الفساد، وتردي الأوضاع على المستويات كافة؛ أدى ذلك بتراكمه إلى ضعف ولاء السكان المحليين للدولة، وبالتالي وفَّر البيئة الملائمة لاستقطاب تنظيم مثل القاعدة لهم، والذي عاد بقوة (بعد أن نجحت الحكومة اليمنية في إضعافه منذ عام 2003)، حيث أعاد بلورة نفسه في عملية الاندماج بين جماعاته في كل من اليمن والسعودية في عام 2009 بما يُسمّى “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”(1).
هذا علاوة على ظهور الحوثيين الذين لم يكن لهم -حتى وقت قريب- أجندة سياسية واضحة، حيث لم يكونوا سوى حركة صغيرة تتخذ من مناطق محددة في محافظة صعدة الشمالية مقرًّا لأنشطتها المتعلقة بالمذهب الزيدي، ولكن ما لبث أن قوي عودها بفعل تلك الحروب الست التي خاضتها ضد النظام السابق -نظام علي عبدالله صالح- خلال الفترة 2004-2010؛ ومن ثم قامت الثورة باستيعابهم في عام 2011، لكنهم استغلوا الحالة الانتقالية وضعف الدولة منذ 2011 لفتح العديد من جبهات الصراع مع مختلف قطاعات المجتمع، في محاولة لفرض سيطرتهم عليها، فقاموا باستهداف السلفيين في دماج والقبائل في حاشد، وهي قوى تقليدية داخل المجتمع اليمني كانت المملكة العربية السعودية تدعمها خلال السنوات الماضية، وبعد ذلك اتخذ القتال طابعًا مذهبيًّا وتأثر بالصراع الإقليمي بين السعودية وإيران، بحيث أبرز الحوثيون البُعد الطائفي بوضوح في حصار دماج وهجومهم على مركز دماج رغبة منهم في القضاء على “السلفية التقليدية بطابعها الوهابي”، والتي تُمثل امتدادًا للنفوذ السعودي في اليمن(2).
والخلاصة أن الثورة أفرزت تحولات على جميع المستويات، وأسهمت في تغيير خريطة التحالفات السياسية، ووفرت بيئة خصبة ومناسبة للتدخلات الخارجية في الشأن الداخلي، والذي سيتضح من خلال المحاور الآتية:

أولًا- دوافع التدخل في اليمن:

في ظل ما سبق، لم تلق الثورة اليمنية مجالاً لها لكي تقيم نظامها، حيث اصطدمت بالعديد من القوى المضادة، المتمثلة بدءا في الرئيس السابق علي عبدالله صالح والحوثيين، إضافة إلى حزب الإصلاح، الذي سعى لتحقيق مشروعه باسم الثورة. فقد دخل الحوثيون في صراع مع حزب الإصلاح، ثم مع الحكومة اليمنية التي تلت الثورة وعلى رأسها الرئيس عبدربه منصور هادي، وذلك بعد أن تحالفوا مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وقاموا بالسيطرة على محافظات صعدة وحجة وعمران، ثم زحفوا إلى صنعاء تحت ستار مطالب اجتماعية بتحسين الأوضاع المعيشية؛ حتى تمكنوا من السيطرة على العاصمة في 21 سبتمبر 2014، وأصدروا إعلانًا دستوريًّا سيطروا فيه على السلطة في فبراير 2015، والذي لاقى رفضًا على المستويين الإقليمي والدولي. وتلا ذلك في 21 فبراير 2015 هروب الرئيس اليمني من الإقامة الجبرية، وتوجهه إلى محافظة عدن، وإعلانه التراجع عن الاستقالة، وأن الحوثيين انقلبوا على الشرعية، وأن عدن أصبحت العاصمة المؤقتة، التي تدار شؤون البلاد منها(3).
وقد كانت هناك أسباب وعوامل سهلت من صعود الحوثيين ومكنتهم من السيطرة على البلاد(4)، ومنها:
1- حالة الفوضى والصراع على السلطة منذ ثورة 2011، وذلك من خلال تحالف بعض القوى السياسية مع الحوثيين؛ من أجل تحقيق مصالحهم، كاستخدم الرئيس السابق علي عبدالله صالح الحوثيين للتخلص من حزب الإصلاح. كما قام الرئيس عبدربه منصور هادي باستخدام الحوثيين كأداة لضرب حزب الإصلاح أيضًا؛ مما أدى لزيادة نفوذ الحوثيين. كما أن تشجيع قوى سياسية أخرى لصعود الحوثيين -القوى المحسوبة على اليسار كالحزب الاشتراكي والحزب الناصري- عن طريق سكوتهم على تمدد الحوثي؛ مما أسهم في ترسيخ قوة الحوثيين على الساحة السياسية.
2- سعي الحوثيين للتحالف مع إيران، وتقوية علاقتهم معها ومع حلفائها في المنطقة؛ لتلقي الدعم في مجال التدريب العسكري والتنظيمي والإعلامي.
3- تراجع النفوذ السعودي في اليمن؛ وذلك بسبب تبعثر الملف اليمني بين أكثر من جهة، بعد وفاة الأمير سلطان بن عبدالعزيز، والذي تولى الملف اليمني لفترة طويلة، وانشغال الحكومة السعودية بملفات أخرى كالملف المصري، السوري، والعراقي، وغيرها من الملفات على حساب الملف اليمني.
4- اكتساب الحوثيين خبرة عسكرية خلال مواجهاتهم مع الجيش اليمني والقوات السعودية في فترة حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
5- أسلوب الرئيس عبد ربه منصور هادي، المتمثل في(5):
أ‌) ضعف إدارة الدولة التي سهلت للحوثيين السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، فقد افتقد أداؤه السياسي للفاعلية، واتسم بالعجز والتباطؤ الشديد، ولم يبذل جهودًا كافية لحشد القوى السياسية وقطاع واسع من الشعب خلفه.
ب‌) إصرار الرئيس عبدربه منصور هادي على فرض أسعار مرتفعة للمشتقات النفطية؛ فقد أصدرت الحكومة قرارًا برفع أسعار المشتقات النفطية، وبدأ تطبيقه في 30 يوليو 2014؛ مما أدى إلى غضب الشعب، وخرجت مظاهرات مناوئة استغلتها بعض الجماعات، كجماعة الحوثي، وهيأت ساحات دائمة للاعتصام، وقامت بحصار العاصمة، والتمركز في مداخلها من الجهات الأربع، ورغم أن الحكومة تراجعت وخفَّضت من الزيادة التي رفعتها في الأسعار بما نسبته 67%، لم يتراجع الحوثيون عن مواصلة اقتحام العاصمة وإسقاطها يوم 21 سبتمبر 2014.
ت‌) كذلك أسلوب الرئيس عبدربه منصور هادي سهَّل من دخول الحوثيين إلى مناطق قبيلة حاشد، والتخلص من نفوذ أبناء الشيخ الأحمر، ولم يقدم الدعم الكافي للواء (310) الذي كان يرابط في مدينة عمران، في محاولة لإضعاف حليفه الرئيس، اللواء علي محسن الأحمر. أضف إلى ذلك، أن الرئيس هادي لم يتبنَّ موقفًا جادًّا يمنع الحوثيين من اجتياح صنعاء بعد سقوط عمران، وبعد سقوط صنعاء عمل على تسهيل وصولهم إلى رداع والبيضاء، وكان يبلغ شيوخ القبائل أن الحوثيين لا يستهدفونهم بقدر ما يستهدفون أطرافًا سياسيةً معينةً.
وفي اتجاه آخر، قام الحوثيون والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح بالتمدد نحو عدن، والسيطرة على المناطق المحاذية لها، والوصول إلى مطارها، وذلك بعد سيطرتهم على مطار تعز؛ ما أدى إلى مواجهات مسلحة بين هذه القوات وقوات الجيش واللجان الشعبية الموالية للشرعية. كما استهدف الطيران الحربي، الموالي للرئيس السابق القصر الرئاسي في 19 مارس 2015؛ ما أدى إلى هروب الرئيس عبدربه منصور هادي مجددًا إلى العاصمة السعودية الرياض. ودفعته تلك التطورات إلى طلب التدخل العسكري الإقليمي والدولي، فقد طالب مجلس الأمن في 24 مارس 2015 بالتدخل العسكري السريع لفرض منطقة حظر طيران على المواقع والمطارات التي يسيطر عليها الحوثيون، كما دعا هادي دول مجلس التعاون الخليجي إلى إرسال قوات درع الجزيرة لوقف تمدد الحوثيين.
وجاءت الاستجابة سريعة من دول مجلس التعاون، حيث أعلن البيان الصادر مساء 26 مارس 2015 عن دول مجلس التعاون -ما عدا عُمان- الاستجابة لطلب الرئيس اليمني بالتدخل العسكري، وردع عدوان ميليشيا الحوثي وتنظيمي القاعدة وداعش على البلاد(6).
وقد أيدت مجموعة أخرى من الدول التدخل العسكري في اليمن، كمصر بمشاركة عناصر من القوات المسلحة المصرية ومن القوات البحرية والجوية، وفي الاتجاه نفسه أعلنت كل من المملكة المغربية وجمهورية السودان مشاركتهما ضمن التحالف؛ لإعادة الشرعية في اليمن(7).
وترجع هذه الاستجابة السريعة والاهتمام المتزايد لما يحدث في اليمن في إطار التنافس الإقليمي بين السعودية وإيران، وأهمية الموقع الجغرافي لليمن لدى القوى المتنافسة، ويمكن تفسير ذلك فيما يلي:
1) يعتبر الموقع الاستراتيجي الحيوي لليمن وتجاوره مع منطقة الخليج العربي فعّل البعد الجيوستراتيجي للصراع، فاليمن الجزء الأضعف في الطوق الأمني الذي شكلته المملكة العربية السعودية؛ لتعزيز أمنها القومي؛ حيث يشكل المجتمع اليمني بتركيبته الجهوية-المذهبية أساسًا للاصطفاف الاجتماعي، والاستقطاب السياسي الذي يشهده اليمن. وتنعكس الاضطرابات اليمنية على السعودية، تبعًا لطبيعة شبكة العلاقات العشائرية المذهبية الممتدة بين اليمن والجنوب السعودي(8). ويتضح ذلك من خلال تصريح الأمير مقرن بن عبدالعزيز- ولي عهد السعودية الأسبق، عندما قال: “إن الإطار المرجعي للسياسة الخارجية السعودية كان الخليج العربي، منذ نشأة مجلس التعاون الخليجي في 1981، ولكنه تحول الآن ليصبح هو الجزيرة العربية، وهو ما يعني دخول اليمن في الإطار المرجعي الجغرافي والسياسي لسياسة المملكة العربية السعودية”(9).
2) موقع اليمن الجغرافي المميز على طريق الملاحة الدولية، من شأنه تمكين إيران من تعطيل جزء مهم من خطوط الملاحة الدولية، وبالتالي الإضرار بالمصالح الخليجية والغربية في المنطقة؛ حيث إن الموقف الإيراني تجاه اليمن يمثل محاولة إيرانية للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها من دول المنطقة، وخلق حالة من التوتر الإقليمي المستمر، من شأنه أن يلحق أضرارًا بمصالح هذه الدول بدرجة أو بأخرى؛ الأمر الذي ساعد على إيجاد قدر من التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، في التعامل مع الأوضاع في اليمن(10).
3) سيطرة الحوثيين على اليمن يمكن أن يترتب عليها العديد من التداعيات الجيوستراتيجية والاقتصادية على دول مجلس التعاون؛ حيث يتحكم اليمن بموقعه الجغرافي في مضيق “باب المندب”، الذي تمر عبره تجارة الخليج مع الدول الغربية لا سيما النفط، كما أن اليمن يمثل حاجزًا لدول الخليج من الهجرة غير الشرعية والتنظيمات الإرهابية كتنظيم “القاعدة”، ويمثل أيضًا ظهيرًا أمنيًّا لكل من المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، من خلال حمايته لحدودهما البرية الجنوبية بالنسبة للسعودية، والغربية بالنسبة لسلطنة عمان(11). ومن الناحية المذهبية، نجاح الحوثيين في التماسك والاحتفاظ بالمناطق التي يسيطرون عليها، يمكن أن يغير من معادلة التيارات الشيعية في منطقة الخليج ككل، فبروز الشيعة بهذه القوة في اليمن يجعل دول الخليج في مرمى أهداف “الحركة الحوثية”، كما يمثل تصاعد سيطرتهم دافعًا لإذكاء النعرة المذهبية، وعمليات التقسيم التي آلت إليها العديد من دول المنطقة(12).
4) الوجود الإيراني غير المباشر في اليمن يسهل اختراقها لمنطقة القرن الأفريقي عبر البوابة الإريترية. فمن الجانب المذهبي تنشر إيران المذهب الشيعي الاثني عشري إلى أفريقيا عبر اليمن. ومن الجانب الجيوستراتيجي تعتبر إيران اليمن قاعدة للنشاط الاستخبارتي الإيراني على الحدود الجنوبية للسعودية، وقد تصبح ممرًّا لنقل شحنات أسلحة إيرانية إلى أفريقيا وتحديدًا في إريتريا، التي تمتلك إيران فيها قاعدة عسكرية بحرية(13).

ثانيًا- عمليات التحالف ودلالاتها:

بدأ التدخل العسكري في 26 مارس 2015 بواسطة التحالف العربي المكون من دول الخليج -عدا عمان- وكل من مصر والمغرب والأردن والسودان، فيما يعرف بالتحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، ، بتوجيه ضربات جوية مكثفة لمناطق تمركز الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وتولت قطع عسكرية بحرية تأمين منطقة باب المندب، وذلك في إطار عمليتي (عاصفة الحزم وإعادة الأمل)؛ حيث انقسمت العمليات العسكرية في اليمن إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى- عاصفة الحزم التي بدأت في 26 مارس 2015 حتى 21 أبريل 2015، وركزت على(14):
1- تكثيف الضربات الجوية لمعاقل الحوثيين بالتوازي مع فرض حصار بحري على السواحل اليمنية.
2- إعادة الشرعية إلى اليمن المتمثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي.
3- منع الحوثيين من السيطرة على مفاصل الدولة، ووقف حركتهم وتقدمهم وإبعاد خطرهم عن الحدود السعودية.
فقد ذكرت قوات التحالف العربي أن مشروعية عملياتها (عاصفة الحزم، إعادة الأمل) في اليمن استندت إلى أربعة مصادر قانونية على الأقل، هي:
المصدر الأول: المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنصُّ على أنه: «ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء «الأمم المتحدة»، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالًا لحقِّ الدفاع عن النفس تُبلَّغ إلى المجلس فورًا، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال، فيما للمجلس -بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق- الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدوليين، أو إعادته إلى نصابه»(15).
بررت السعودية قيام التحالف العربي بتوجيه ضربات على اليمن؛ بغرض حماية حدودها من هجمات الحوثيين، وأنه قبل أسبوعين من إطلاق عاصفة الحزم، قام الحوثيون بمناورات عسكرية، وذلك بالقرب من الحدود الجنوبية للسعودية، والتي استخدمت فيها الذخيرة الحية والأسلحة المتوسطة والثقيلة؛ ما جعل السعوديين يستشعرون خطر التهديد، وهو ما كان المبرر لهم(16). وفي ذلك الوقت، كانت دول الخليج ماتزال تستصدر قرارًا من مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولكنها لم تنجح إلا في 14 أبريل من نفس العام باستصدار قرار رقم (2216) الذي قُدِّم كمقترح من دول الخليج العربية، بعد بدء العمليات العسكرية “عاصفة الحزم”، وطالب الحوثيين بوقف القتال، وسحب قواتهم من المناطق التي فرضوا سيطرتهم عليها، بما في ذلك صنعاء، وينصُّ على فرض عقوبات جديدة تمثلت في تجميد أرصدة وحظر السفر للخارج لبعض العناصر المتورطة(17).
المصدر الثاني: معاهدة الدفاع العربي المشترك؛ حيث أنشأت جامعة الدول العربية في 13 من أبريل عام 1950 معاهدة الدفاع المشترك، التي انضمت إليها جميع الدول العربية التي استقلت بعد الحرب العالمية الثانية، ووفقًا لهذه المعاهدة، تلتزم جميع الدول العربية بمساعدة أي دولة عضو تتعرض لتهديد أو اعتداء بجميع الوسائل، بما فيها الوسائل العسكرية(18).
وجاء المبرر الثاني تحت مظلة جامعة الدول العربية بتأييدها للتدخل العسكري في اليمن بقيادة السعودية؛ ما يضفي شرعية لتدخلها، كما أنه في حين تم اتخاذ هذا القرار بتوجيه ضربات على اليمن في 26 مارس 2015، كان هناك موعد لاجتماع وزراء الخارجية العرب، والذي سبق اجتماع القادة العرب في قمتهم العادية السادسة والعشرين -التي عُقدت في شرم الشيخ- ومن خلالها تم مناقشة كيفية إعادة إحياء معاهدة الدفاع العربي المشترك لمواجهة الأزمات الموجودة في كلٍّ من: سوريا، واليمن، والعراق، وليبيا(19).
المصدر الثالث: الاستراتيجية الدفاعية لدول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث أقرت قمة مجلس التعاون الخليجي في دورتها الثلاثين التي عُقدت بالكويت في 15 من ديسمبر 2009 الاستراتيجية الدفاعية التي كانت قد حظيت بموافقة رؤساء الأركان ووزراء الدفاع الخليجيين، والتي شكلت نقلة نوعية في التعاون الدفاعي المشترك بين دول منظومة مجلس التعاون الخليجي، وترسيخ مفهوم بناء القوة الذاتية(20).
أدركت دول مجلس التعاون الخليجي، حينما سقطت العاصمة صنعاء في يد الحوثيين حقيقة ما يحدث، وكانت تصريحات وزير الخارجية السعودي “سعود بن فيصل آل سعود” واضحة في رفض ما قامت به ميليشيا الحوثي في صنعاء، ثم جاء بيان وزراء مجلس التعاون الخليجي الذي أعقب اجتماعهم في جدة، ليرفض بصورة واضحة ما جرى، مبررًا أن دول المجلس لن تقف مكتوفة الأيدي؛ لأن اليمن جزء لا يتجزأ من أمن الخليج(21) ). وأن ما يحدث في اليمن سيؤثر على أمن دول الجوار، وأن درع الجزيرة الذي استخدم أثناء احتجاجات البحرين في عام 2011 قد يمكن أن يحل نفس المشكلة، ولكن بشكل آخر وأكبر، ويضم دولًا أخرى غير خليجية، ولكن مَن يقود هذه الدول هي بالأساس دول خليجية (السعودية والإمارات) لإضفاء شرعية أوسع على التدخل(22).
المصدر الرابع: الطلب الرسمي الذي تَقدَّم به الرئيس الشرعي لليمن عبد ربه منصور هادي في الرسالة التي وجّهها لقادة دول الخليج العربية، «بتقديم المساندة الفورية بكلِّ الوسائل والتدابير اللازمة بما في ذلك التدخل العسكري؛ لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي، وردع الهجوم المتوقع حدوثه في أي ساعة على مدينة عدن»(23).
وتُبَرِّر دول مجلس التعاون الخليجي -وعلى رأسها المملكة العربية السعودية- أن ردَّها جاء بناء على الطلب اليمني بالتدخل العسكري؛ لكونه يلامس حاجة استراتيجية لدول الخليج؛ حيث أعلن البيان الصادر مساء 26 مارس 2015 الاستجابة لطلب الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي “بالتدخل العسكري، وردع عدوان ميليشيا الحوثي، وتنظمي القاعدة وداعش على البلاد”، وشدد البيان “على خطورة انقلاب ميليشيا الحوثي على أمن المنطقة، بعد فشل كل الجهود التي بُذلت لاستعادة الأمن عبر العملية السياسية”، وأن التدخل العسكري الخليجي في اليمن يأتي ردًّا على استخدام قوى إقليمية لميليشيا الحوثي؛ بهدف تحويل اليمن قاعدة نفوذ لها، فضلًا عن كونه تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي(24).
وعلى الرغم من تأكيد قيادة التحالف تدمير القدرة الصاروخية لجماعة الحوثي والموالين لعلي عبدالله صالح، وتحقيقها الأهداف التي انطلقت من أجلها، فإنها أعلنت عن وقف عملية عاصفة الحزم، وإطلاق عملية جديدة تسمى إعادة الأمل.
المرحلة الثانية: بدأت في 22 أبريل 2015، وكان التطور العسكري الأبرز بها هو بدء العملية البرية في 13 سبتمبر 2015، والتي كانت تهدف إلى(25).
· سرعة استئناف العملية السياسية.
· استمرار حماية المدنيين ومكافحة الإرهاب وتكثيف المساعدة الإغاثية والطبية للشعب اليمني.
· التصدي للتحركات والعمليات العسكرية للميليشيات الحوثية ومن تحالف معها.
· منع وصول الأسلحة جوًّا وبحرًا إلى الحوثيين وحليفهم صالح.
وتمكنت العمليات العسكرية التي بدأت من 26 مارس 2015 إلى 17 يوليو من العام نفسه من تحرير ما لا يقل عن 5 محافظات جنوبية هي عدن، ولحج، وأبين، والضالع، وشبوة، وأجزاء واسعة من مأرب.
التدخل العسكري غير المباشر (داخل اليمن)، والذي كان عن طريق عملية السهم الذهبي: وهو الاسم الذي أُطلق على الهجوم المشترك بين قوات هادي والمقاومة الجنوبية في 16 يوليو 2015 -بدعم وتدريب من قوات التحالف- لاستعادة عدن، وقد تمت السيطرة على قاعدة العند بمساعدة مقاتلين إماراتيين، كما أن السعودية أمدت القوات المناهضة للحوثيين بالأسلحة عن طريق حدود المملكة مع الجوف ومأرب(26) ). وقد مثلت هذه العملية تحولًا استراتيجيًّا وسياسيًّا على مستوى عمليات قوات التحالف؛ حيث إنها نجحت في تحرير عدن والمحافظات التابعة لها من سيطرة الحوثيين والقوات الموالية لعلي عبدالله صالح، والذي ترتب على ذلك عودة الحكومة الشرعية لتمارس مهامها من داخل اليمن(27).
وفي هذا الإطار، فقد تحولت القدرات العسكرية للحكومة اليمنية تحولًا جوهريًّا بعد تلقي قوات المقاومة الشعبية ووحدات الجيش اليمني تدريبًا عسكريًّا من جانب قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، فضلًا عن تسليح القوات الداعمة للحكومة اليمنية بدبابات ومدرعات حديثة ومنظومات تسليح متطورة تفوق مستوى الأسلحة التي استولى عليها الحوثيون من معسكرات ومناطق تمركز الجيش اليمني التي قاموا بالسيطرة عليها(28).

ثالثا- نتائج التحالف على ضوء الوضع الإقليمي:

اتسم السياق الإقليمي الشرق أوسطي قبل الثورات العربية لعام 2011، بوجود محورين رئيسيين من التحالفات، انقسمت معظم بلدان الإقليم ضمنها، وهما طبقًا لما اصطلح على تسميته حينها، محور الاعتدال وضم كلًّا من (السعودية، الإمارات، الكويت، مصر، الأردن، والسلطة الفلسطينية)، ومحور الممانعة وشمل كلا من (إيران، سوريا، حزب الله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين)، ثم ظهر محور بين هذين المحورين تمثل في (تركيا وقطر).
ومع اندلاع الثورات، تفتتت المحاور السابقة، ومالبثت وأن تغيرت قبل 30 يونيو 2013 -تاريخ سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر- تزايد الدور الإقليمي لدول الخليج العربي؛ حيث كانت قطر الدولة الأكثر نشاطًا في المنطقة، وتغيرت تحالفات النظام الإقليمي الشرق أوسطي؛ حيث تَكَوَّن تحالف يضم (تركيا، قطر، مصر، تونس وحركة حماس)، وتحالف ثانٍ يضم (دول مجلس التعاون الخليجي- ما عدا قطر- إضافة إلى الأردن)، وتحالف آخر يشمل كلًّا من (إيران، سوريا، وحزب الله في لبنان)(29).
أما بعد 30 يونيو 2013، وسقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، تغيرت خريطة التحالفات وتبلورت مرحلة جديدة، فقد كون الرباعي الخليجي (السعودية، الإمارات، الكويت والبحرين)، إضافة إلى مصر والأردن تحالفًا في مواجهة التحالف الذي تقوده (إيران مع النظام العراقي والنظام السوري وحزب الله في لبنان)، فضلًا عن التحالف بين (تركيا، قطر، والفاعلين الآخرين كجماعة الإخوان المسلمين، وحماس في قطاع غزة(30). وازدادت هذه التحالفات والتحالفات المضادة تعقيدًا وتداخلًا، منذ صعود ما يبدو أنه عدوهم المشترك، ألا وهو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).
وبالنظر إلى حالة التنافس الإيراني السعودي في الإقليم، اتجهت المملكة العربية السعودية إلى تكثيف دورها في منطقة الخليج، على نحو يسمح لها بمقاومة النفوذ الإيراني المتزايد في الإقليم -التي عدت الثورات العربية امتدادًا لثورتها الإسلامية- ومحاصرة التداعيات السياسية والأمنية للثورات في المنطقة. وأصبحت السعودية مركز الثقل في الإقليم، وذلك مع تراجع دور مصر وسوريا الإقليمي بعد ثورات الربيع العربي، واحتواء دور قطر. وخير دليل على ذلك، قيام المملكة العربية السعودية بتشكيل تحالفات عسكرية، مثل التحالف العربي السني لمواجهة إيران، الذي يضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن والمغرب والسودان وتركيا وباكستان لدعم الشرعية في اليمن، وإعلان المملكة في منتصف ديسمبر 2015 سعيها لتشكيل تحالف إسلامي لمكافحة الإرهاب يضم 34 دولة إسلامية سُنية(31).
وفي المقابل، تمكنت إيران من تحقيق بعض المكاسب الإقليمية عقب المفاوضات مع مجموعة (1+5، وتوقيع اتفاق إطاري بشأن الملف النووي، وعلى أثر هذا الاتفاق تم استبعاد إيران وحزب الله من قائمة التهديدات الإرهابية التي تصدرها الاستخبارات الأمريكية سنويًّا. وبالتالي تغير النهج الإيراني إلى درجة أكثر توافقية مع القوى الغربية، بما يسمح بإجراء مزيد من التفاهمات الإقليمية(32)، وهنا ظهرت الأهداف الجيوستراتيجية الإيرانية أكثر وضوحًا، بعد هذا الاتفاق مع الدول الغربية.
فقد سعت إيران إلى استثمار الاتفاق النووي؛ من أجل التحول إلى قوة نووية إقليمية باعتراف دولي بشكل مكنها من تصعيد دعمها لحلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وحزب الله اللبناني، وجماعة الحوثي في اليمن، والميليشيات الشيعية في العراق، فضلًا عن التدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول الأخرى، على غرار البحرين، عبر دعم مطالب الحركات الشيعية المعارضة ومواصلتها التدخل في الشوؤن الداخلية لبعض دول مجلس التعاون الخليجي ، من خلال شبكات التجسس والمناورات الاستفزازية، والتهديد بغلق مضيق هرمز، واستمرار احتلال الجزر الإماراتية، وأخيرا الطموح النووي واستخداماته العسكرية(33)
وفي ضوء ماسبق، كان لابد وأن يصبح اليمن ساحة للتدخلات والتدخلات المضادة السعودية الإيرانية أساسًا، في ظل سياق إقليمي مضطرب تلعب فيه القوى الكبرى دورًا بارزًا. حيث تعرض الاعتماد على الدور الأمريكي، كحليف لدول الخليج وخاصة السعودية لأزمة كبيرة، فقد أصبح هناك إحباط خليجي من إدارة أوباما، حين أصبحت تريد إنجاز الاتفاق النووي مع إيران، ولا تعادي بصرامة الثورات، ولا تكترث للتمدد الإيراني في المنطقة، وهذا ما يلاحظ من خلال عقد المملكة العربية السعودية صفقات تسلح، مع كل من روسيا وفرنسا؛ ردًّا على سياسات الولايات المتحدة. إضافة إلى ما اعتبرته السعودية قيام إيران بملء الفراع الناتج عن تراجع التأثير الأمريكي في المنطقة، فسارعت بتشكيل التحالف العربي للتدخل في اليمن، فمن وجهة النظر الخليجية يظهر أن الولايات المتحدة قد رهنت كل شيء في المنطقة لمحاربة تنظيم الدول الإسلامية في العراق وبلاد الشام، وبالتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، وذلك على حساب مطالب السعودية الخاصة(34).
كما عملت أمريكا على تسهيل تمدد الحوثيين وانتقالهم إلى عمران وصنعاء؛ وكل ذلك من أجل مواجهة تنظيم القاعدة في عام 2014. غير أنّ الموقف الأمريكي تجاه الحوثيين والرئيس السابق قد شهد تغيرًا جذريًّا، بعد محاولاتهم التمدد نحو الجنوب، وسعيهم لإسقاط عدن، حيث أدانت الولايات المتحدة العمليات العسكرية للحوثيين ضد الحكومة اليمنية، وأقرّت تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي لعملية “عاصفة الحزم”، التي قادتها السعودية ضد الحوثيين. ففي حين دخلت المفاوضات النوورية جولتها النهائية، حظيت المملكة العربية السعودية بدعم قوي من الولايات المتحدة في حربها على اليمن، فيما يمكن وصفه على أنه وسيلة ترضية، بعد أن فشلت المملكة في منع حلفائها الغربيين عن عقد الاتفاق مع إيران(35). ويتضح ذلك من خلال ما أصدره البيت الأبيض من بيان، بالتزامن مع بدء الضربات الجوية في اليمن؛ حيث أعلن فيه “موافقة الرئيس باراك أوباما، على تقديم دعم لوجستي واستخباراتي لعملية عاصفة الحزم العسكرية في اليمن، مؤكدًا في الوقت نفسه إدانة الولايات المتحدة بشدة للعمليات التي يقوم بها الحوثيون ضد الحكومة المنتخبة اليمنية، والتي تسببت في عدم الاستقرار، والفوضى(36).
وما لبثت أن تعثرت العملية العسكرية في اليمن وارتفعت الاصوات في الكونجرس تنديداً بتمادي عملية قتل آلاف المدنيين اليمنيين بالقصف الجوي العشوائي من قبل التحالف العربي، مما جعل أوباما، في عام 2016، القيام بفرض حظر على الإمدادات العسكرية للسعودية. وبعد وصول ترامب بأربعة أشهر إلى البيت الأبيض، قرر إلغاء الحظر والعودة إلى سياسة أوباما السابقة.
وعلى الرغم من أن اليمن ليس على رأس سلم أولويات الأجندة الدبلوماسية للرئيس ترامب إلا ان إستراتيجيته تجاه اليمن تبلورت وفق محوريين أساسيين؛ أولهما: ما يتبناه من موقف متشدد تجاه إيران متمثلاً في بدء إعلانه فرض عقوبات ضد الحرس الثوري الإيراني في 13 أكتوبر 2017، والانسحاب من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018(37). وثانيهما: هو الحفاظ على صفقات الأسلحة الأمريكية إلى السعودية والتي كانت محور النقاش في زيارة ولي العهد السعودي (محمد بن سلمان) إلى الولايات المتحدة، حيث ناقش ترامب وبن سلمان في محادثاتهما اتفاقاً جرى التوصل إليه في عام 2017 بشأن استثمارات سعودية مع الولايات المتحدة بقيمة 200 مليار دولار بما يشمل مشتريات عتاد عسكري ضخمة من الولايات المتحدة، كما ذكر ترامب “أن المبيعات العسكرية أسهمت في توفير 40 ألف وظيفة للأمريكيين، مقدماً للصحفيين خلال جلسة تصوير مع ولي العهد السعودي رسمًا توضيحيًا يظهر عمليات شراء السعودية لمعدات عسكرية أمريكية تتراوح بين السفن وأنظمة الدفاع الصاروخي والطائرات والعربات المدرعة(38).
أما روسيا فتعتبر إيران حليفها الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وتوظف علاقاتها بإيران لخدمة مصالحها الخاصة في اليمن. فهي تميل إلى إيران في هذا الصراع؛ لأن هناك مصالح مشتركة فيما بينهما؛ حيث تأتي إيران في المرتبة الثالثة عالميًّا من حيث استيراد السلاح الروسي بعد الصين والهند. وفي هذا الشأن، فإنه لا يمكن إغفال الهدف السياسي لتصدير السلاح الروسي إلى إيران، في ظل بحث روسيا عن الدور واستعادة المكانة في النظام الدولي، وتحقيق مصالحها على حد سواء(39). كما ترى أن الشيعة في إيران والامتدادات لهم في دول الخليج واليمن تشكل عامل توازن في المنطقة، أمام ما يسمى من قبل الخبراء الروس بالتطرف السني، المتمثل في الحركات الإسلامية الجهادية،فهي تتخوف من زيادة نفوذ تنظيم القاعدة في اليمن(40) ).
وبالنظر إلى نتائج التحالف العربي في اليمن، فيمكن القول إنه قد نجح التحالف بحصاره البحري في منع إيران من إمداد الحوثيين بالأسلحة والمعدات، وأن الضربات الجوية دمرت قسمًا كبيرًا جدًّا من قوة الصواريخ الخاصة بالحوثي وصالح، ووفرت إسنادًا جويًّا قريبًا وفعالًا للعملية البرية التي استطاعت تحرير ثاني أكبر مدينة في البلاد (عدن) وخمس محافظات أخرى من سيطرة قوات الحوثي وصالح، ولكن طيران التحالف لم يبذل جهودًا كافية لحماية المدنيين، ما عرض العديد منهم للخطر(41). كما أنه بعد ثلاث سنوات من العمليات العسكرية لم تتغير الخارطة العسكرية بشكل ملموس منذ يناير 2017 عندما حررت القوات الحكومية ميناء المخا من سيطرة الحوثيين وأعقب ذلك جمود في العمليات العسكرية.
فيسيطر الحوثيون على معظم المحافظات الشمالية بما في ذلك العاصمة اليمينة صنعاء وتشمل سيطرتهم محافظتي عمران وصعدة (عدا مديريتين في صعدة تدور فيهما معارك) والمحويت وحجة (عدا أجزاء من مديريتي ميدي وحرض التابعتين لمحافظة حجة) وذمار والبيضاء (عدا مديرتين بمحافظة البيضاء) ومديريات في تعز إلى جانب مديرية من محافظة لحج ومحافظة الحديدة (عدا مديرية الخوخة وجزء حيس) إلى جانب كامل محافظة (أب وريمة) وهذه المناطق هي الأكثر كثافة سكانية في البلاد(42).
أما الحكومة الشرعية فتسيطر على معظم المحافظات الجنوبية، لكن السيطرة على الواقع للقوات الموالية لدولة الإمارات والسعودية وهي: عدن (العاصمة المؤقتة) وتتنازع مع قوة “الحزام الأمني” التابع للإمارات والمجلس الانتقالي الجنوبي، والأمر نفسه في محافظات الضالع، لحج، شبوة، حضرموت، المهرة، أبين، سقطرى، وهذه المناطق أقل كثافة سكانية لكنها ذات ثروات نفطية وغير نفطية؛ كالثروة السمكية والمواقع الجيوستراتيجية التي تطل على باب المندب وخليج عدن و الكوادر البشرية المؤهلة وغيرها(43). ومازالت قوات الشرعية والمقاومة الشعبية بدعم سعودي تتحرك في محاور صعدة، الجوف، نهم، أرحب، وذلك من أجل إعادة التوازنات على الأرض ومازالت تسعى لتحرير كل من صنعاء والحديدة لكسب المعركة بأكملها.

الخاتمة:

إن الوضع الإقليمي الجيوستراتيجي أو المذهبي على حدٍّ سواء هو أحد الأسباب الرئيسية، في انتقال الصراع الإقليمي إلى القوى المتناظرة داخل اليمن؛ حيث تفاعلت القوى الإقليمية جيوستراتيجيًّا ومذهبيًّا بشكل واضح مع القوى المناظرة داخل اليمن؛ وذلك لأسباب تتعلق بأهمية الموقع الجغرافي لليمن، وبتقاطعات وتباينات النفوذ الجيوستراتيجي للفاعلين وحضورهم، فضلاً عن المحددات المذهبية التي بلورت انقسامًا واستقطابًا من قبل الدول الإقليمية مما أجج الأبعاد المذهبية والجيوستراتيجية في الصراع الداخلي اليمني ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية لا يُعرف كم ستظل قائمة.
كما أن طول أمد العمليات العسكرية وعدم الحسم العسكري لهذه الحرب يرجع إلى عدم وجود رؤية واضحة للانسحاب السعودي من اليمن منذ البداية، ويقابله انشغال إماراتي في تحقيق مصالح جيوستراتيجية لها في بعض مناطق اليمن، وكل هذا في ظل فشل الحكومة اليمنية في دمج القوات المؤيدة للشرعية داخل اليمن في جيش واحد؛ ما أدى إلى المزيد من الاقتتال الداخلي.
وهذه التعقيدات الإقليمية بين كل من السعودية والإمارات في اليمن قد تحتاج إلى دراسة بشكل أوسع وأدق، فعلى سبيل المثال، اشتبكت كوادر مناهضة للحوثيين من حزب التجمع اليمني للإصلاح مرارًا وتكرارًا مع السلفيين في تعز، ووسع تنظيم القاعدة نت وجوده في جنوب اليمن، وتمكن من السيطرة على محافظة المكلا بالكامل، كذلك انقسم الجيش اليمني بين الموالين للرئيس عبد ربه منصور هادي والموالين للرئيس السابق علي عبدالله صالح، فضلًا عن انشقاقات داخل القوات المؤيدة للشرعية نفسها؛ حيث اندلعت أعمال عنف في مطار عدن بين المقاتلين الذين تدعمهم دولة الإمارات و«قوات الحرس الرئاسي» التابعة لهادي عبد ربه.
أضف إلى ما سبق، مطالبات الحراك الجنوبي بالانفصال وتكوينه للمجلس الانتقالي الجنوبي، وإن كان لا يُمثل كل فصائل الحراك. وتعكس هذه الانشقاقات خلافات حقيقية جدًّا على أرض الواقع، في ظل أزمة إنسانية وكارثية تحيق باليمن تتلخص في انتشار الأوبئة والأمراض والمجاعة على نطاق واسع من البلاد، ونقص الغذاء، وعدم صرف الرواتب لشريحة كبيرة من الشعب اليمني(44).
*****

الهوامش:

(*) باحثة في العلوم السياسية.
(1) عبداللطيف علي ناصر، أثر العوامل المحلية والإقليمية والدولية على الأمن القومي اليمني 2001-2010، رسالة دكتوراه، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2017، ص ص 109-122.
(2) المرجع السابق، ص ص 98-99.
(3) أبو بكر أحمد باذيب، المعضلة اليمنية: سيناريوهات ما بعد الحرب، كراسات استراتيجية، العدد 263، المجلد 25، أبريل 2016، ص ص7-8.
(4) عبدالناصر المودع، الأزمة اليمنية في ضوء تمدد الحوثيين: الجذور والسيناريوهات المحتملة، مجلة دراسات شرق أوسطية، السنة 18، العدد 70، شتاء 2015، ص23-24.
(5) ناصر محمد علي الطويل، مستقبل اليمن بعد سيطرة الحوثيين على السلطة في صنعاء، أوراق سياسية، مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث، ص 6-7.
(6) نص بيان دول مجلس التعاون الخليجي، قناة العربية، تاريخ النشر: 25 مارس 2015، تاريخ الدخول: 5 مارس2017، متاح على الرابط: https://goo.gl/bo89V5
(7) أبو بكر أحمد باذيب، مرجع سبق ذكره، ص 9-13.
(8) انظر:
– نجلاء مكاوي وآخرون، الاستراتيجية الإيرانية في الخليج العربي، بيروت: مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى، 2015، ص264.
– أحمد محمد أبو زيد، معضلة الأمن اليمني- الخليجي: دراسة في المسببات والانعكاسات والمآلات، مجلة المستقبل، العدد 414، أغسطس 2013، ص75.
(9) مصطفى علوي، قابلية التأثير: إعادة تعريف خرائط المصالح والعلاقات الخليجية، السياسة الدولية: ملحق تحولات استراتيجية، العدد197، يوليو 2014، ص15.
(10) Anthony H. Cordesman and Michael Gibbs, U.S. and Iranian Strategic Competition: The Gulf and The Arabian Peninsula, Washington: Center for Strategic and International Studies, 3rd edition, 2013, Accessed in 12/9/2017. Available at: https://goo.gl/Uu5apv

(11) الأزمة اليمنية إلى أين؟ مجلة دراسات شرق أوسطية، السنة 19، العدد 71، ربيع 2015، ص 77-78.
(12) مصطفى علوي، مرجع سبق ذكره، ص16.
(13)حمدان نايف مسعود على الصرفي، مصادر عدم الاستقرار السياسي في الجمهورية اليمنية 1990-2012، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2015، ص118.
(14) عاصفة الحزم: إعادة ترتيب الأوراق الإقليمية، مركز الجزيرة للدراسات، تاريخ النشر: 2 أبريل 2015،، تاريخ الدخول: 9 مايو2015. متاح على الرابط:
https://goo.gl/V18x1T
(15) المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، «الفصل السابع: فيما يُتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان»، منظمة الأمم المتحدة، تاريخ الدخول: 25 نوفمبر 2017، متاح على الرابط: https://goo.gl/DXFoAg
(16)Jamal Abdullah, Geopolitical Context of Operation Decisive Storm and GCC states’ attitudes toward It, Aljazeera Center for Studies, 30 April 2015, ، Accessed in 25 November 2017. Available at: https://goo.gl/GGDy4z
(17) قرار مجلس الأمن رقم (2216) بشأن اليمن الصادر بتاريخ 14 أبريل 2015.
(18) معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، ميثاق جامعة الدول العربية، ، تاريخ الدخول: 25 نوفمبر 2017.متاح على الرابط:
https://goo.gl/omPCJE
(19) سفيان أحمد محمود الشنباري، السياسة السعودية تجاه اليمن في ضوء الحراك الشعبي اليمني 2011-2015، رسالة ماجستير، جامعة الأزهر: كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2016، ص138.
(20) الاستراتيجية الدفاعية لدول مجلس التعاون، ميثاق مجلس التعاون الخليجي، تاريخ الدخول: 25 نوفمبر 2017، متاح على الرابط:
https://goo.gl/rKeqCK
(21) اجتماع طارئ لوزراء داخلية دول الخليج لمناقشة أوضاع اليمن بتاريخ 2 أكتوبر 2014، موقع مجلس التعاون الخليجي، ، تاريخ الدخول: 9 فبراير 2018، متاح على الرابط:
https://goo.gl/VVH8G6
(22) نجلاء مكاوي وآخرون، الاستراتيجية الإيرانية في الخليج العربي، بيروت: مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحاث، 2015، ص 126.
(23) Jamal Abdullah; Op.Cit.;
(24) أبو بكر أحمد باذيب، مرجع سبق ذكره، ص ص 12-13.
(25) انظر الآتي:
– محمد عبدالله يونس وآخرون، الشرق الأوسط 2016: اتجاهات التحول من الفوضى إلى ضبط أزمات المنطقة مرجع سبق ذكره، ص3.
– أحمد المصري، اليمن بين «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل».. حصاد 229 يومًا، وكالة الأناضول، تاريخ النشر: 9 نوفمبر2015،، تاريخ الدخول: 20 أبريل 2017. متاح على الرابط:
https://goo.gl/A1S1Mq
(26)Michael Knights and Alexander Mello, The Saudi-UAE War Effort in Yemen (Part 1): Operation Golden Arrow in Aden, The Washington Institute, 10 August 2015, Accessed in 20/4/2017, Available at:
https://goo.gl/b2jV6N
(27) المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، «أدوار رئيسية.. لماذا نجحت عملية السهم الذهبي في تحرير عدن؟»، تاريخ النشر: 22 يوليو 2015،، تاريخ الدخول: 10/5/2017. متاح على الرابط:
https://goo.gl/bMEqGj
(28) معادلات غير صفرية: المسارات الحاكمة للصراع الداخلي في اليمن بعد تحرير عدن، حالة الإقليم، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، العدد 19، يوليو 2015، ص9.
(29) أحمد عاطف، التحالفات القطاعية: تحالفات الضرورة حول القضية الواحدة في الشرق الأوسط، اتجاهات الأحداث، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد 8، مارس 2015، ص29.
(30) المرجع السابق، ص 29.
(31) انظر:
– إيمان رجب،Neo-Middle East: خمسة اتجاهات رئيسية تعيد تشكيل الشرق الأوسط خلال عام 2014، حالة الإقليم، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، فبراير 2014، ص16.
– Guido Steinberg, Leading the Counter Revolution: Saudi Arabia and Arab Spring, SWP Research Paper, June 2014, pp. 5-6.
– إبراهيم غالي (محرر)، الشرق الأوسط 2016: اتجاهات التحول من “الفوضى” إلى “ضبط” أزمات المنطقة، ملحق اتجاهات الأحداث، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، العدد 15، يناير- فبراير 2016، ص5.
(32) دلال محمود السيد، انتشار القوة وحدود تغير موازين القوى الإقليمية، السياسة الدولية: ملحق اتجاهات نظرية، العدد 200، المجلد 50، أبريل 2015، ص13.
(33) محمد عباس ناجي، مسارات ثلاثية: التأثيرات المحتملة للاتفاق النووي على سياسات إيران الخارجية، اتجاهات الأحداث، العدد13، أغسطس 2015، ص36-37.
(34) وائل أحمد عبدالكريم، أثر سباق التسلح في الخليج على الاستقرار الإقليمي، رسالة ماجستير، القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، 2015، ص212.
(35) Farea Al-Muslimi, The recent nuclear agreement with Iran will likely have farreaching effect on conflict across the Middle East particularly the war in Yemen, Carnegie Middle East Center, 21 September 2015, , Accessed in 16 November 2017. Available at: https://goo.gl/KCS13o
(36) ما هي الدول المشاركة بعملية “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين وما حقيقة الموقف الأمريكي؟ CNN Arabic، تاريخ النشر: 26 مارس 2015،، تاريخ الدخول: 4 ابريل 2017، متاح على الرابط: https://goo.gl/sM94tv
(37) فكتور شلهوب، تجاهل واشنطن لجرائم حرب اليمن… من أوباما إلى ترامب، العربي الجديد، تاريخ النشر: 14 سبتمبر 2017، تاريخ الدخول: 26 يونيو 2018، متاح على الرابط:
https://goo.gl/Vb1nMq
(38) مجلس الشيوخ الأمريكي يرفض إنهاء الدعم المقدم لحملة السعودية في اليمن،BBC عربي، تاريخ النشر: 21 مارس 2018، تاريخ الدخول: 26 يونيو 2018، متاح على الرابط:
https://goo.gl/mwa1Q4
(39) إيلاف نوفل العكيدي، الأهمية الجيوستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط وأثرها على العلاقات الروسية الإيرانية، الطبعة الأولى، القاهرة: دار الراية للنشر والتوزيع، 2016، ص 149-155.
(40) عزت سعد السيد، السياسة الروسية وأمن الشرق الأوسط: بين الإرهاب وإيران، السياسة الدولية، تاريخ النشر: 30 اغسطس 2015، تاريخ الدخول: 17 نوفمبر 2017، متاح على الرابط:
https://goo.gl/Y8UxUF
(41) Michael Knights, What Did the Gulf Coalition War Achieve in Yemen?, Washington Institute, 9 April 2016, Accessed in 2/5/2017, Available at:
https://goo.gl/T4ccNX
(42) عاصفة الحزم في عامها الرابع: هل يريد الخليج الانتصار على إيران أم لديه أطماع في اليمن، تقييم حالة، مركز أبعاد للدراسات والبحوث، مارس 2018 ، ص ص4-5
(43) المرجع السابق، ص ص 12-17.
(44) انظر:
– Andrew Engel, Reassessing the Civil War in Yemen, Washington Institute, 8 March 2017, Accessed in 12/12/2017, Available at: https://goo.gl/H4tQcj
– Michael Young, A regular survey of experts on matters relating to Middle Eastern and North African politics and security, Carnegie Middle East Center, 5 December 2017, Accessed in 12/1/2018, Available at: https://goo.gl/ChmdeA

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق