العالم الإسلامي

الثقافة الإستراتيجية بين الجهاد والمقاومة والإرهاب: النموذج الأفغاني

إن الحديث عن الثقافة الإستراتيجية لبلد ما يعني ” منظومة عقائده المشتركة، وفرضياته، وأنماط سلوكه، المستمدة من تجارب مشتركة وروايات مقبولة، تسهم في صوغ هوية جماعية وعلاقاتٍ بالجماعات الأخرى، وتحدد الغايات والوسائل المناسبة لإنجاز الأغراض الأمنية”[1]، لذا فالثقافة الإستراتيجية تشير إلى أصل سلوك الدولة من الداخل من مدخل ثقافة المجتمع الوطنية ككل[2].
لذا فالبحث يهدف إلى استجلاء الثقافة الإستراتيجية لأفغانستان – إن كان ممكنا- وتجلياتها الحالية في عالم الأحداث في عام 2010. إن مفهوم الثقافة الإستراتيجية مفهوم له بعد تاريخي بطبيعته فالشعوب تستقي تلك الثقافة عبر تجاربها التاريخية وتأثيرات الجغرافية والديموجرافية عبر السنين بالاضافة إلى عقائدها الدينية الراسخة والعادات الإجتماعية، لذا فتقدمة هذا البحث بمقدمة عن أفغانستان من حيث التكوين والجغرافيا والتاريخ لأمر هام يمكننا من قراءة الواقع المعاش حاليا. فأن كان البحث ينطلق من مبدأ الرصد والتحليل إلا أن طبيعة المفهوم تفرض المرور بالتاريخ والفكر لهذا البلد.

أفغانستان: معلومات أولية

تقع أفغانستان في جنوب آسيا الوسطى تجاورها من البلدان: إيران غربا، طاجكستان، أوزبكستان، تركمانستان من الشمال، الصين في أقصى شرق البلاد وباكستان جنوبا وشرقا[3].
وهي تقع في طريق الحرير القديم ولذا كانت مطمع الدول الكبرى عبر التاريخ بسبب موقعها الهام، لذا فالاحتلال والاستعمار ليس بالأمر الغريب على الأفغان. بالاضافة إلى أن التدخل الأجنبي في سياستها الداخلية أمر معتاد مما سبب عدة حروب داخلية وصراعات عديدة عبر الزمن.
يبلغ عدد السكان حوالي 32 مليون[4] نسمة، 28% منهم يقرؤون ويكتبون أي أن نسبة الأمية حوالي 70 %،.1 43% من الرجال يقرؤون ويكتبون , 12.6% من النساء يقرأن ويكتبن حسب إحصائيات عام 2000 [5].
و بذلك نتكلم عن أن 70% من الشعب الأفغاني أمّي وبذلك من الصعب الحديث عن وعي شعبي أو ثقافة عامة تصل جميع الطبقات بعضها البعض.
وتتسم أفغانستان بالتنوع العرقي وتتكون من ” البشتون 40%، الطاجيك 25%، الهزارة 20%، الأوزبك 7.5%، التركمان 2% ثم 4.5% مجموعات أخرى”[6].
§ وهناك عدة لغات: الفارسية 50% والبشتو 35% ثم الأوزبكية 8% ثم العربية كأقلية[7]
أما من حيث الدين فإن 80% من السكان من المسلمين السنة و20% من المسلمين الشيعة، ويوجد أقليات أخرى مثل السيخ والهندوس.
إذن فأفغانستان غنية بالتنوع العرقي واللغوي، بالإضافة إلى توزيع هذه اللغات إلى مناطق مختلفة. أما المجتمع الأفغاني فهو مجتمع قبلي تحكمه القبلية في العديد من الأمور خاصة السياسة بطبيعة الحال.

نبذة عن التاريخ الأفغاني:

أدى الموقع الجغرافي المميز على طريق الحرير وفي وسط آسيا الوسطى إلى محاولة سيطرة القوى الكبرى على أفغانستان عبر العصور المختلفة. ومنذ تأسيس أفغانستان المعروفة حاليا عام 1747 على يد أحمد شاه الدوراني وتلعب الدول الكبرى أدوارًا هامة في تشكيل الوضع الأفغاني. فتعاقب عليها عدة أنواع من الاحتلال يمكن تقسيم تاريخها إلى عدة مراحل:

أولا- الاحتلال البريطاني:[8]

مثلت الدولة الأفغانية عائقا أمام توسع الإمبراطورية البريطانية من ناحية والامبراطورية الروسية من ناحية أخرى فكان الصراع على أفغانستان أدى إلى نشوب حربين ضد أفغانستان من قبل القوات البريطانية في 1839 وانتهت بانتصار أفغانستان، ثم 1878 وانتهت بسيطرة بريطانيا على السياسة الخارجية الأفغانية. ونالت أفغانستان استقلالها من تلك السيطرة في 1919 عقب هجوم من أمان الله على الهند للضغط على بريطانيا لنيل ذلك الاستقلال.

ثانيا- الاحتلال السوفيتي:

لم تغب روسيا عن المشهد الأفغاني عبر الفترات المتعاقبة، وتحول ذلك التأثير إلى احتلال فعلي في 24 ديسمبر 1979. وذلك حين شعرت موسكو أن النظام الماركسي في أفغانستان (و والذي بدأ في أبريل 1978 عقب انقلاب عسكري) لم يعد يستمع إلى توجيهاتها في إخماد الغضب الشعبي من السياسات الماركسية لذلك النظام في عهد حفيظ الله أمين. واستمرت المعارك حتى انسحاب القوات السوفيتية في 1989.
و في خلال هذه الأثناء ظهر “المجاهدون” لمقاومة هذا الاحتلال، في البداية كان تسليحهم ضعيف وإمكانياتهم قليلة ثم تدخلت الولايات المتحدة وأعطت الضوء الأخضر لدعم المجاهدين ضد الاتحاد السوفيتي، وجاء الدعم من كل حدب وصوب، وسمحت الدول العربية للشباب للذهاب للجهاد في أفغانستان وذهب الكثير (خاصة مع تنامي الصحوة الاسلامية في ذلك الوقت)، وهنا كان مصطلح ” الجهاد” هو المهيمن على تلك المقاومة.

ثالثا- المجاهدون الأفغان: من الجهاد إلى التقاتل الداخلي

في عام 1985 اتحدت الأحزاب المجاهدة السبعة الرئيسة تحت راية واحدة وسميت الإتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان بقيادة عبد رب الرسول سيّاف ونجحت في إرغام الروس على الانسحاب، وتلقى هذا الاتحاد دعما من الولايات المتحدة وعدة دول أخرى ولكن”منذ رحيل السوفييت عام 1989، دارت رحى العديد من الحروب الداخلية في البلاد.لم تکن الحروب الداخلیة بمعناها الاصلی بل کان هناك تدخلاً واضحاً من قبل باکستان الجارة الجنوبیة لأفغانستان. في 24 نيسان / إبريل 1992، تم توقيع اتفاق عرف باسم اتفاق بيشاور من قبل أحزاب الإتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان السبعة وحزب الوحدة الشيعي والحركة الإسلامية محسني، فتم الاتفاق على تشكيل حكومة مؤقتة لمدة شهرين وعلى رأسها صبغة الله مجددي، ثم يتبعه ولمدة أربعة أشهر برهان الدين رباني. ولكن الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار والذی کان موالیاً لباکستان رفض الاتفاقية بالرغم من أنه من الموقعين عليها. فهاجم كابل وانهارت الاتفاقية، وبقي رباني في رئاسة الدولة. عادت الأحزاب المتناحرة لتجتمع في 7 مارس 1993 في إسلام أباد في باكستان بعد حرب ضروس ومعارك طاحنة في كابل، وتم توقيع اتفاقية عرفت باتفاقية إسلام أباد، وشاركت فيها السعودية وباكستان، ونصت الاتفاقية على أن لرباني رئاسة الدولة لمدة 18 شهرا، وقلب الدين حكمت يار يتولى رئاسة الوزراء، وأن يتم إيقاف إطلاق النار. ولكن الاتفاقية لم تنفذ بسبب اندلاع القتال من جديد بين رباني وحكمتيار بسبب الاتهامات المتبادلة بين الحزب الإسلامي والجمعية. في الأول من يناير عام 1994 تعرض برهان الدين رباني لمحاولة انقلاب بيد تحالف بين حكمتيار وعبد الرشيد دوستم وصبغة الله مجددي وحزب الوحدة الشيعي، ولكن الانقلاب فشل، من قبل أحمدشاه مسعودالقائد المعروف وتم تجديد فترة حكم رباني لعام آخر في يوليو 1994. وفي نوفمبر 1994 بدأت طالبان بالظهور، وخلال عامين سيطرت على معظم مناطق أفغانستان ودخلت كابول عام 1996 وأعلنت نفسها الحاكمة للبلاد بإزاحة رباني وحكمتيار الذي وقع مع رباني اتفاقية عام 1996″[9] ولم يزل القتال قائما بين تحالف الشمال بقيادة أحمد شاه مسعود( الذي اغتيل قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بيومين) مع بعض المجاهدين وطالبان حتى دخول القوات الأجنبية لأفغانستان، وقد ساعد تحالف الشمال لقوات الأجنبية في السيطرة على كابل.

رابعا- احتلال الولايات المتحدة و”التحالف ضد الارهاب” من خلال الناتو:

وبعد ذلك هاجمت الولايات المتحدة أفغانستان بحجة إيواء طالبان لأسامة بن لادن المتهم بتخطيط هجمات الحادي عشر من سبتمبر في عام 2001. ومنذ ذلك الحين تخضع للاحتلال الأجنبي المتمثل في قوات الناتو (الإيساف) حتى الآن. وقد تم ذلك تحت مظلة الأمم المتحدة.
وهذه النبذة التاريخية تثير عندي عدة ملاحظات حول الحالة الأفغانية بشكل عام، فإن كان الغرض من البحث رصد أحداث العام 2010 وتأثيره في وضع الثقافة الإستراتيجية لأفغانستان, إلا أن الوضع المتأزم في أفغانستان لم يكن وليد الأمس، بل هو حصاد سنين من الاحتلال والمقاومة والجهاد وأخيرا “الإرهاب”، سنين من القتال والتقاتل والفرقة، من الدعم والتجريم، من الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية السيئة.
1) إن المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في الحالة الأفغانية لهي أكبر مؤشر على تأثير المصالح السياسية للدول الكبرى على تلك المسميات، فعندما جاهد الأفغان ضد المحتل السوفيتي – وهو جهاد واجب ومفروض- أطلق عليم “المجاهدون” وكان اسما مشروعا، وذلك مع توافق المصلحة مع الولايات المتحدة في إطار الحرب الباردة.
لقد سمحت الدول الإسلامية والعربية للخروج للجهاد ودعم المجاهدين على غير العادة بسبب الدعم الأمريكي، ونفس الوضع في الحالة الشيشانية (قارن ذلك بالوضع الفلسطيني وحتى مصطلح الجهاد غير متداول في هذه القضية). أم الآن فالوضع مختلف. لقد أطلقت الكثير من المسميات في غرف صانعي القرار وليس الباحثين
إن مفهوم الثقافة الإستراتيجية يثير بعض الإشكالات، فإذا كان المفهوم يتحرك في الحديث عن ثقافة الدولة وتأثيرها على رؤيتها الأمنية وسياسته الخارجية والداخلية وأنه ينبع من الهوية الجماعية لتلك الأمة والعقيدة لمشتركة لها، فالدولة من المفترض أن تترجم ذلك الوعي الجمعي من خلال مؤسساتها المختلفة، فإن السؤال هو هل يمكن تطبيق هذا المفهوم مباشرة؟ من هو الممثل لتلك الثقافة؟، لقد تناحرت الفصائل المختلفة من بعد حرب السوفيت وظلت البلاد فترة كبيرة دون حكومة مركزية مستقرة، وطغت الأمية على ذلك الشعب الذي شهد حروبا طويلة أكلت الأخضر واليابس. ثم جاءت حركة طالبان لتحكم بالحديد والنار وتمثل في ذات الوقت نجاة من الحرب الأهلية القائمة..
2) أعتقد أن الثقافة الإستراتيجية في الحالة الأفغانية هي في مرحلة تحاول أطراف عدة التأثير فيها وإعادة تكوينها، لذا فالسؤال هو هل تتمكن القوات الأجنبية من التأثير في تعريف الأفغان للعدو، وسأحاول تمثيل الأطراف الفاعلة على الساحة الأفغانية كي أتمكن من رصد وتفسير وتحليل أحداث الحالة الأفغانية من مدخل حالة الاحتلال والتعامل معها.
لقد أثبت التاريخ الأفغاني أن الأفغان لا يقبلون الاحتلال، ولايتوانون عن الجهاد والقتال ضد المحتل، ولم يستطع أي محتل الصمود أكثر من عقد على الأرض الأفغانية، فأحد مقومات الثقافة الإستراتيجية هو رفض الاحتلال وعدم التسليم له حتى وإن كانت الحروب الداخلية متعددة والقبلية مستشرية، والسؤال هو هل تلك الثقافة قد تتغير قريبا؟ هل استهداف قوات الاحتلال الدولية لأهداف غير عسكرية بجانب أهداف عسكرية قد يغير تلك الثقافة ؟ هل “التطوير” المنشود من قبل القوات الأجنبية قد يحول “الجهاد” إلى إرهاب يوما ما؟

الساحة الأفغانية : الأطراف الفاعلة

هناك عدة أطراف في الساحة الأفغانية، وهذه الأطراف ليست متجانسة الرؤى في كثير من الأحيان، وقد يكون هناك فاعلين آخرين ولكني أرى أن هؤلاء هم الأهم.
على المستوى الداخلي للدولة؛ يوجد الرئاسة والحكومة الأفغانية، ويوجد القبائل والأحزاب الأخرى ( مثل المجاهدين على سبيل المثال “تنظيم الدعوة الإسلامي بأفغانستان عبد رب الرسول سيّاف، وهناك عبد الرشيد دوستم الشيوعي السابق) والتنظيمات القبلية مثل اللويا جيرغا وفي المقابل حركة طالبان الأفغانية. ومجموعة حقّاني التابعة لها والحزب الاسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار في مقاومة الاحتلال.

الوضع الأفغاني في عام 2010:

منذ إقرار أوباما لخطته الإستراتيجية في أواخر عام 2009 والوضع الأفغاني يأخذ منحى آخر وهو التمهيد لانسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، والتي اتفقت على الانسحاب بحلول العام 2014 مع عمل شراكة استراتيجية في قمة الناتو في لشبونة في 20 نوفمبر 2010. ويمكن القول أن 2010 عام المؤتمرات بامتياز فقد شهد العام ثلاثة مؤتمرات أولها مؤتمر لندن عن أفغانستان في 28 يناير 2010 ثم كابل في 29 يونيو 2010 ثم قمة الناتو بلشبونة في 20 نوفمبر 2010.
· مؤتمر لندن( 28 يناير):
لقد أقر مؤتمر لندن “إستراتيجية تلزم الدول الغربية بالمساعدة على بناء الجيش والشرطة والاقتصاد في أفغانستان، إضافة إلى تمويل جهود الحكومة الأفغانية الرامية إلى محاربة الفساد وإقناع مسلحين من طالبان بالمشاركة في العملية السياسية الجارية في البلاد.”[10]
وبدأت قوات التحالف منذ مؤتمر لندن تتجه إلى تمكين القوات الأفغانية أكثر فأكثر من القيام بالمهام الأمنية فهو”يمثل خطوة حاسمة تجاه قيادة أفغانية أكبر لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية في أفغانستان” كما يقول بيان المؤتمر. وأكد المؤتمر أن ذلك لا يعني تخلي المجتمع الدولي عن أفغانستان بل هو ملتزم بأمن أفغانستان واستقرارها.
وقد أعلن المؤتمر دعم خطة الحكومة في الحوار مع طالبان” لإقناعهم بإلقاء السلاح وقطع علاقاتهم مع تنظيم القاعدة وباقي “المنظمات الإرهابية” وإدماجهم في الحياة السياسية”[11]، ورصدوا لذلك 140 مليون دولار وإنشاء صندوق لدعم جهود المصالحة مع مقاتلي طالبان الذين ألقوا السلاح.
· مؤتمر كابل(29 يونيو):
ويعد مؤتمر كابل أكبر مؤتمر تنظمه أفغانستان في العقود الماضية بحضور بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة وأندرس فوغ راسموسن الأمين العام لحلف شمال الأطلنطي بالإضافة إلى ممثلين عن 70 دولة ومنظمة دولية، والحكومة الأفغانية عندما استضافت هذا المؤتمر أرادت أن تقول للمجتمع الدولي إنها قادرة على تأمين سلامة الضيوف الذين كان من بينهم 44 وزيرا للخارجية ومن ثم بإمكانها أن تتولى مسؤولية الدفاع في المستقبل كما يشير إلى ذلك بشير الأنصاري[12]
و يهدف هذا المؤتمر إلى التباحث حول المصالحة مع المعارضة والتوطئة لتسلم مهام الأمن والتصرف في نسبة أكبر من المساعدات الدولية التي تتولاها الآن الهيئات العالمية في أفغانستان.
و يرى المراقبون أن مؤتمر كابل لم يأتي بجديد عن مؤتمر لندن، فملف المصالحة والفساد وتسليم القيادة للأفغان هي نفس الأهداف الأساسية لمؤتمر لندن، ويرى الأنصاري أن”المستفيد الأول من مؤتمر كابل هو الرئيس حامد كرزاي الذي تمكن من هندسة المؤتمر بطريقة تحقق أهدافه مثل أخذ موافقة دول التحالف على إبقاء قواتها في أفغانستان حتى العام 2014، وهو العام الذي تنتهي فيه ولايته، وهو بحاجة إلى من يحافظ على عرشه.”[13]
· قمة الناتو بلشبونة(20 نوفمبر):
لقد كانت قمة لشبونة –فيما يتعلق بأفغانستان- جزءا لا يتجزأ من هذه السلسلة من الاجتماعات فقد قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندرس فوع راسموسن في افتتاح جلسة اليوم الثاني إن “التوجه المباشر اعتبارا من اليوم هو نحو قيادة أفغانية للوضع في أفغانستان”.وأضاف أن “هذه هي رؤية الرئيس الأفغاني حامد كرزاي التي نشاركه فيها وسنجعلها حقيقة واقعة اعتبارا من العام 2011، مع استمرار الحلف بتنفيذ التزاماته هناك”. مؤكدا أن الحرب ضد الارهاب أمر هام بالنسبة للحلف كما هو هام بالنسبة للأفغان وأن الانسحاب من أفغانستان يعتمد في النهاية على الأوضاع على الأرض قائلا في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز إنه إذا لم تستوف الشروط الكاملة بنهاية العام 2014، فيتعين على الحلف مواصلة المهمة القتالية”[14]
و تتلخص هذه المؤتمرات في ثلاثة أهداف هي الانسحاب وإعطاء “القيادة” للأفغان، وجهود المصالحة ودمج مقاتلي طالبان، ومحاربة الفساد. وأرى أن هذه الأهداف تعكس الأزمة التي يعيشها التحالف الدولي وتخبط في استراتيجيته في أفغانستان.
فبالنسبة للانسحاب فالتصريحات المختلفة حول الجدول الزمني للانسحاب ؛ فقد أكدت تلك المؤتمرات أن الانسحاب يبدأ في 2011 وينتهي في 2014 مع الإبقاء على الدعم اللازم للحكومة الأفغانية في حالة الاحتياج إليه، ثم أكد راسموسن أن ذلك يخضع للظروف على الأرض، وبذلك تظهر الضغوط الحاصلة على الحكومات لإعلان جدول للانسحاب برغم أن الوضع على الأرض يشير إلى فشل هذه الحملة وانتصار المقاومة الأفغانية.
أما يتعلق بالفساد ف”في الوقت الذي تصنف فيه منظمة الشفافية الدولية الحكومة الأفغانية على رأس قائمة أكثر الدول فسادا في العالم -إذا استثنينا الصومال بحكم أوضاعها المختلفة- جاء مؤتمر كابل الدولي لتعلن الدول المانحة فيه تسليم 50% من معوناتها إلى حكومة غارقة في الفساد بدل المنظمات الدولية.
قبل سنتين كانت الحكومة الأفغانية تحتل المرتبة الخامسة في الفساد في العالم، ولكنها اليوم تتصدر تلك القائمة. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي جعل المجتمع الدولي يضاعف ثقته في نظام يضاعف فساده؟!”[15]”
إلا أن هناك من يرى أنه “مطلوب الآن الترويج لتعليل الانسحاب بعجز الأفغان أنفسهم عن “الارتقاء” إلى المستوى الذي يريده لهم الغزاة العسكريون، الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والرفاهية المعيشية فهذا ما يجري ترويجه لدى الرأي العام الغربي عبر التركيز المكثف على فساد حكومة كرزاي.
أي أن المقصود في نهاية المطاف تعليل الانسحاب القادم حتما بالقول، إن الفئة التي استلمت السلطة عن طريق القوات الأميركية، وبقيت فيها بدعمها هي مع دعم القوات الأطلسية، ليست جديرة بمزيد من العون العسكري والسياسي والاقتصادي لأنها فئة فاسدة.”[16]
أما المصالحة فهي تدل على جهل بالعقيدة الطالبانية والمقاومة الأفغانية، فإن مشكلتها الأساسية هي مع الاحتلال كما يؤكد بذلك عبد السلام ضعيف [17]سفير طالبان في أفغانستان سابقا، فإن رصد الأموال يعني وضع فرضية أن الأفغان يقاتلون من أجل المال والوضع الاقتصادي وهي فرضية غير صحيحة في اعتقادي وجهل بالثقافة الأفغانية، ونفس الوقت فإن قوات التحالف تستعدي كل الأفغان بحملات الطائرات التي بدون طيار والتي تسفر عن ضحايا مدنيين كثر. إن المصالحة مطلوبة لدرء فتنة الاقتتال الداخلي مستقبلا ولكن يجب أن تكون أفغانية بحتة وبرعاية شخصيات وطنية.
· الانتخابات الأفغانية (18 سبتمبر):
لقد أقامت الحكومة الأفغانية الانتخابات البرلمانية في الثامن عشر من شهر سبتمبر، وأعلنت النتائج النهائية في نهاية شهر نوفمبر المنصرم، أي بعد حوالي شهرين ونصف.
و قد أوردت جريدة النيويورك تايمز عدة شهادات[18] حول حالات تزوير شابت العملية الانتخابية تنوعت ما بين تسويد البطاقات والرشى للموظفين لكبار والصغار، وإرهاب المواطنين للتصويت لصالح مرشّح ما أو عدم التصويت لآخر.
و قد صرف 150 مليون دولار على هذه الانتخابات من قبل دول التحالف وذلك لإضفاء صورة زاهية على المشهد الأفغاني إلا أن المحاولة باءت بالفشل الذريع، فمشهد الانتخابات لم يكن أقل إحباطا من بقية المشهد الأفغاني بالنسبة لقوات الاحتلال والذي لم تعلن نتائجه ألا بعد شهرين ونصف من الاقتراع، وأظهرت النتيجة إبطال أكثر من ربع الأصوات من بين 5ز6 مليون صوت تم الإدلاء بها في هذه الانتخابات.
ونتائج الانتخابات لم تعكس النفوذ القبلي على الأرض وكان فيها الكثير من الخاسرين والمحتجين مما يؤدي إلى حالة من التوتر على الأرض.
لقد أرادت قوات التحالف أن تؤكد نصاعة المشهد الأفغاني، وتطور ثقافته ومؤسساته فإذا بها “تمثيلية” هزلية أحبطت العالم الغربي من الوضع الأفغاني؛ فالبرلمان الجديد فاقد مصداقيته وشرعية الرئيس زادت اهتزازا بعد الانتخابات الرئاسية المحبطة.
إن الانتخابات أكدت أن الاحتلال يهتم “بتمثيل ” الديمقراطية دون أن يكون لها البنية المطلوبة والثقافة الداعمة لها ؛ فأفغانستان تعاني من عدم الاستقرار الأمني والاحتلال والقبلية والفساد؛ ولم تكن الحكومة إلا قائدة لقاطرة من الفساد حسب تقرير الشفافية الدولية.
و لم تسفر الانتخابات إلا عن مزيد من السخط الداخلي والخارجي.
· الوضع العسكري:
لقد خسرت قوات الاحتلال حوالي 600 قتيل خلال العام 2010، وطبقا لتقرير عسكري أمريكي يصدر بشكل دوري ” -الذي يغطي الفترة من أبريل/نيسان وحتى الثلاثين من سبتمبر/أيلول 2010- إن العنف في أفغانستان بلغ في الأشهر الأخيرة أعلى مستوى له على الإطلاق، وإن ما وصفه بالتمرد يزداد تعقيدا وتطورا.وأشار التقرير العسكري الموجه إلى الكونغرس إن حوادث العنف زادت بنسبة 300% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2007 باستثناء القنابل التي تفجر على الطرق.”[19]
ويصل نفوذ طالبان وسيطرتها على الأرض إلى مساحة كبيرة حتى يتكلم البعض أن الحكومة لا تسيطر فعليا إلا على كابول ( نفتقد إلى تقارير حيادية عن نفوذ طالبان بالضبط).
ولكن فيما يتعلق بالموضوع فإن المقاومة تكتسب قوة على الأرض وتتأكد للقوات يوما بعد يوم أنها في مأزق، فلو أستمرت في المستنقع الأفغاني فقد ينفرط عقد قوات التحالف بسبب النفقات العالية التي تتحملها تلك الدول في ظل أزمة اقتصادية ونتائج هزيلة على الأرض، وإذ انسحبت –كما تروج لذلك حكومة كرزاي- فإن دخول طالبان لكابول وشيك، واحتمال حرب أهلية ليس ببعيد أبدا.
· الوضع الإنساني في أفغانستان (حسب التقارير الدولية)[20]:
“صعدت أفغانستان عدة مراتب في مؤشر التنمية البشرية الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث كانت تحتل مرتبة 181 من أصل 182 بلداً في عام 2009 لترتفع إلى المرتبة 155 من أصل 168 بلداً في مؤشر هذا العام.
ويقيس مؤشر التنمية البشرية “معدل الإنجازات في كل بلد وفقاً للعناصر الأساسية للتنمية البشرية وهي: الحياة الطويلة والصحية، وإمكانية الحصول على المعرفة والمستوى المعيشي اللائق.
مع ذلك، ما تزال أفغانستان واحدة من البلدان الـ 23 الأقل نمواً في العالم، وفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إذ أن 42 بالمائة من الأفغان فقراء ويصل معدل العمر المتوقع عند الولادة في البلاد إلى 44.6 عاماً في الوقت الذي يوجد فيه طبيب واحد وسريرا مستشفى فقط لكل 5,000 أفغاني. في الوقت ذاته، يصل معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة في البلاد إلى 275 لكل 1,000 ولادة حية ومعدل الوفيات النفاسية إلى 1,400 لكل 100,000 ولادة. كما لا يستطيع أكثر من نصف الأفغان الحصول على مياه الشرب المأمونة ولا يتمتع 63 بالمائة منهم بخدمات الصرف الصحي المحسنة.
ويفيد التقرير أنه على الرغم من الصعوبات العديدة، يشعر أكثر من نصف الأفغان بالرضا عن ظروف معيشتهم. وقد صنفت منظمة الشفافية الدولية، وهي منظمة متخصصة في مراقبة الفساد تتخذ من برلين مقراً لها، أفغانستان الدولة الثالثة الأكثر فساداً في العالم في عام 2010.”[21]

· الحالة الثقافية:

” ليست أفغانستان بذلك مجرد “مقبرة عسكرية” لإمبراطوريات العصر الحديث، بل هي أيضا مقبرة “إستراتيجيات الهيمنة” التي حملت البصمات الأميركية والأطلسية في العصر الحديث.”[22] إلا أن البعض يرى من خلال الرصد أن هناك تأثير ثقافي لاستراتيجيات الهيمنة تلك.
هناك نوعان من الثقافة سيتم رصدها في هذا البحث؛ الثقافة اليومية والمقصود بها طبيعة الحياة اليومية للأفغان من مأكل ومشرب وملبس واهتمامات ثقافية مما يشير إلى تحول أو عدم تحول في هذا الشأن، والثقافة الاستراتيجية وهي تعريف الأطراف المختلفة للعدو ورؤيتهم للوضع الأفغاني وسبل الحل. ثم الحديث عن “الغزو الثقافي” لأفغانستان حسب رؤية الكاتب أمين الخراساني.
و قبل البدء أود الاشارة إلى ملاحظة هامة تتعلق بالبحث؛ وهي ضعف المصادر المتعلقة بالوضع الأفغاني من داخل الأمة الاسلامية. إن الشبكة المعلوماتية تزخر بالمعلومات والأرقام والتقارير “العلمية” عن أفغانستان ولكن ما يكتبها جهات لها مصالح أو علاقة بالاحتلال الأجنبي، وما يكتب من الأفغان أو كتّاب من الأمة هى مقالات رأي مميزة ولكنها ليست مدعومة بأسلوب علمي منضبط، لقد مررت خلال بحثي بمراحل التبست علي المفاهيم والأمور بشكل كبير. فإذا اكتفينا بالتقارير “الدولية” فإن الوضع الأفغاني سيلتبس علينا كثيرا، لقد اعتمدت في هذا الجزء على شهادات عن الوضع الداخلي الأفغاني لأرى الصورة من الداخل من مدخل قيمنا الاسلامية.

– الوضع الثقافي في العاصمة المحتلة (الثقافة اليومية):

تعد الحالة الثقافية في أي عاصمة محتلة مؤشرا على التغييرات الحادثة جراء الاحتلال، فالعاصمة هي المكان الأكثر تأثرا بأي تغيير ثقافي، وليس شرطا أن يكون الوضع هكذا في كل أنحاء أفغانستان، إلا أن غالبا ما يؤثر ذلك في شكل النخبة الجديدة للدولة، فإن أهل العاصمة غالبا ما يتاح لهم التعليم أكثر من القرى البعيدة وبالتالي يؤثر ذلك في تكوين النخب القادمة للدولة الأفغانية.
الشاهد أنه حدث تغيير كبير في شكل الحياة اليومية ونمطها؛ وشكل المدن الكبرى مثل العاصمة كابل؛و يقول محمد الشافعي في تقرير للشرق الأوسط من أفغانستان “. وتترك كابل، بلا استحياء، اليوم تعاليم الملا عمر وبن لادن زعيم «القاعدة» إلى أغاني الـ«روك أند رول»، والأفلام الأميركية والهندية التي تكتسح ساحات العاصمة الأفغانية في محلات بيع شرائط الفيديو”.[23]
فمن حيث الملابس والأزياء، تنوعت ملابس الشارع الأفغاني بين البرقع والحجاب والسفور، وظهر الجينز في الشباب والبنات، وتبدلت العمامات الطالبانية.
و قد فرضت طالبان عدد من الأحكام على النساء بشكل خاص مثل عدم جواز الخروج بدون محرم، أغلقت مدارس النساء ومنعتها من العمل والقيادة، بالاضافة إلى ذلك منع العديد من الأشياء مثل التصوير والسينما والتلفزيون وما إلى ذلك مما رأوه محّرما. فما أن سقطت طالبان وانسحبت من بعض المدن حتى ظهرت مظاهر مختلفة، وبعضها غريب على المجتمع الأفغاني المحافظ، ويقول محمد الشافعي “إن ما يحدث اليوم في الشارع الأفغاني، خلال ما شاهدته «الشرق الأوسط» في الزيارة الأخيرة للعاصمة كابل وعدد من المدن الأفغانية مثل مزار شريف ولشكر غاه عاصمة ولاية هلمند، يعتبر ردة عنيفة عما عاناه المواطنون في عهد الحركة الأصولية”[24]
و تغيرت معلم المدينة وانتشرت البنايات الحديثة العالية والفنادق الفخمة مع انتشار أعداد الضخمة من أفراد الأمن والشركات الأمنية الخاصة والتي تلتهم نصف الدخل الأفغاني. مع انتشار الأجانب من الأمريكان والأوربيين وما يصحب ذلك من عادات مختلفة عن الشعب الأفغاني.” فالعصر الجديد يدخل بتأشيرة العولمة, وكابل راضية، بل سعيدة، بتوديع عصر الملا عمر و«الأفغان العرب», والدولار هو سيد الموقف، فكل السلع تتداول بالعملة الأميركية, والحساب في فندق هيتال بلازا بوسط العاصمة أيضا بالدولار” كما يصف بذلك محمد الشافعي ويضيف “وتشهد كابل انتشار البنايات الحديثة, ويعرف المواطنون أن أصحابها هم وزراء سابقون ومجاهدون تحولوا من الكفاح المسلح إلى الجهاد في سوق المال والعقارات”والوقت اليوم في كابل ليس للجهاد وإنما للثراء وجمع الدولار”[25]
فهذه شهادة تؤشر للوضع اليومي الأفغاني في بعض الأماكن، وليس هذا إلا مؤشر على حدوث تغيير للجيل الجديد للمدن على الأقل. وليس كل الأفغان يرون في ذلك خيرا فالعقلاء يرون أن ذلك تطرفا فمن رفض التطرف الطالباني في التعامل مع أحكام الشريعة الغراء واستخدام العنف في تطبيقها رأى أن ذلك أيضا تضييعا لقيم الشباب الذي أصبح منشغلا بتوافه الأمور، وتحول من القرآن والعلم إلى أفلام بوليود والموضة. ويقول محمد صديق تشكري، المستشار الإعلامي الأسبق للرئيس حميد كرزاي، الذي يشغل حاليا منصب وزير الإرشاد والحج والأوقاف الأفغاني أن “الغزو الثقافي ينخر في عظام شبابنا وأشد مرارة من فيروس طالبان”
“وتحسر الشيخ تشكري في لقائه مع «الشرق الأوسط» على الحال التي آلت إليها اليوم بلاده بسبب الغزو الثقافي الذي تتعرض له عموم المدن الأفغانية من أغاني «الروك آند رول»، والأفلام الأميركية والهندية التي تكتسح ساحات العاصمة كابل في محلات بيع شرائط الفيديو، حيث الأقراص المدمجة للأفلام الهندية والغربية، إضافة إلى نحو 20 محطة تلفزيونية تبث الغث والسمين من أفلام بوليوود بصفة يومية ومسابقات غنائية بحثا عن مواهب ونجوم في الغناء والرقص وليس في حفظ وتجويد القرآن الكريم”[26] ويضيف أيضا عامل وجود مائة ألف جندي مسيحي يحتفلون بأعيادهم ويدعون مئات المترجمين إليها.
ويرى أنه بينما تمكنت العاصمة من صد هجمات طالبان إلا أنها لم تتمكن من صد الغزو الثقافي الهندي لأفغانستان من حيث انتشار الأفلام والموسيقى والرقصات الهندي وتغيير في مظهر الشباب والبنات. ويناشد الدول العربية إلى إنشاء مراكز لتعليم اللغة العربية والقرآن” لأبناء الأفغان، لأنه مع سطوة الغزو الثقافي سينسى شبابنا جذوره الإسلامية التي تربطه بالقرآن والسنة وتشده إلى عبق الفتوحات الإسلامية الخالدة».
إن الوضع في أفغانستان ليس في صالح أفغانستان بشكل عام، أن ما يحدث هو صرف الشباب عن الشأن العام إلى أشياء تافهة، وأرى أنه يتم ملأ فراغ خلقته سياسات طالبان تجاه المجتمع، فنسبة الأمية العالية خاصة في النساء ودخول القنوات الهندية والأجنبية الغير هادفة ستمثل القناة الأساسية لتشكيل الثقافة الأفغانية في الجيل الجديد مما سيخلق جيلا -في أحسن الظروف– منبهرا بالغرب وسياساته كما حدث في دولنا التي خضعت للاحتلال وعانت من ظهور نخب مشوهة الفكر والانتماء. وبالتالي تغيير الثقافة الإستراتيجية لأفغانستان.

– آليات التغيير الثقافي واستراتيجياته:

لم يأل الاحتلال جهدا في دفع الثقافة الأفغانية للتغيير لأنهم يرونها دافعة “للإرهاب” وشوكة في ظهر الهيمنة الأجنبية وأمّركة الأفغان. ولكن في الحقيقة يوجد عوائق ثقافية كبيرة في طريق النهضة الأفغانية، خاصة تلك الثقافة التي نشرتها طالبان ولكن ليست قوات الاحتلال هي الجهة المناسبة للتغيير، لأن أفغانستان بلد مسلم مجاهد، ولا بد أن يمتد هذا الجهاد إلى مناحي الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. إننا نحتاج كأمة أن ندعم أفغانستان في مواجهة الغزو الثقافي، لأنه قد تنجح الثقافة (القوة الناعمة) فيما فشلت فيه القوة العسكرية.
لقد شهدنا في فترات الاحتلال الأجنبي للأمة نماذج لانكسار الأمة بالغزو الثقافي بعد أن صمدت أمام الغزو العسكري ولم تخنع له، لقد أنهارت عندما أنهار الفكر ولبسنا عباءة غيرنا، هناك فارق بين تلاقح الحضارات والغزو الثقافي، فالأولى تأثر مبني على وعي وعلى بصيرة، أمّا أن نترك هويتنا وأصالتنا في مقابل تبني نماذج لا تناسبنا فهذه هي المشكلة. وأكبر مشكلة في أفغانستان نسبة الأمية العالية، ودخول قادتها “الجهاديين” ونخبها معارك بالأسلحة لسنوات طوال ثم مجئ الحكم الطالباني الذي كان له مساوئ ثقافية جمة. مما قد يمهّد لحدوث شرخ في الثقافة الأفغانية لمجاهدة.
و يرى الكاتب أمين الخراساني[27] أن قوات الاحتلال تستهدف تغيير ثقافة الأفغان من خلال إضعاف الالتزام بالإسلام وإحداث اضطراب في المجتمع وإحداث التشتت الفكري والثقافي، والتشكيك في الدعاة والعلماء وإيجاد قيادات بديلة للشباب ونشر الفر العلماني وطرح المسلَّمات الإسلامية للنقاش.
آليات تغيير الثقافة الأفغانية: يرى الكاتب أمين الخراساني أن هناك عدة آليات يستخدمها الاحتلال، إلا أنه يؤكد أنها سلاح ذو حدين يمكن للأمة استخدامها في عملية مقاومة الغزو الفكري , هي:

1. التعليم : والهدف هو إحداث التغيير عن طريقك:
v تغيير المناهج الدراسية في المرحلتين الابتدائية والثانوية، وقد كان يدرَّس المناهج التي وضعها المركز التعليمي التابع لاتحاد الأحزاب الجهادية الأفغانية أثناء فترة الجهاد ضد الروس، مثل حذف مجموعة من المواد الدينية وتقليل ساعات القرآن للأطفال، وإدخال نظريات تم إثبات عدم صحتها مثل نظرية التطور والارتقاء.
v إرسال مجموعات من أساتذة المدارس من الذكور والإناث لأخذ دورات تدريبية في أمريكا، وتنظمها شركات غربية بتكاليف باهظة ( تسترد بها أموال إعادة الإعمار!)
v من حيث المرحلة الجامعية فقد تم إلغاء الفصل بين الإناث والذكور المعمول به في المجتمع الأفغاني المحافظ، استقدام أساتذة من دول غربية وعدم الاهتمام بالكوادر الوطنية، عمل رحلات للمتميزين للسفر لأمريكا، وأخيرا فتح المجال لإنشاء جامعات خاصة.
و قد تؤدي هذه السياسات إلى عزوف الأسر الأفغانية عن إرسال بناتها إلى الدراسة مما يزيد من مشكلة الأمية في الإناث.

2. الإعلام:
و قد تم السماح بإنشاء محطات إذاعية وتلفزيونية وجرائد خاصة، فامتلأت أفغانستان بسيل إعلامي رهيب حتى وصل عدد الجرائد إلى 300 جريدة تستفيد 280 تمويل غربي وأمريكي، هذا بالإضافة إلى المحطات التلفزيونية العديدة والمحطات الإذاعية المختلفة، والكابلات التلفزيونية والأقراص الممغنطة التي تحتوي على الأفلام الهندية والغربية. ويقول أمين الخراساني”إن مما لا شك فيه أن كثرة الجرائد والمجلات والمحطات الإذاعية والتلفزيونية في بلد ما لهي دليل على نشاط الحركة الثقافية فيه, إلا أن الأمر يختلف في أفغانستان الآن؛ لأن الإعلام موجه توجيها معينا يتعارض مع ثوابت الشعب الأفغاني وقيمه, حيث يُستخدَم هذا الإعلام لإحداث تغيير اجتماعي عميق لصالح المشروع الغربي في أفغانستان, فإن الأمم المتحدة والجهات الأمريكية تمول الإذاعات الخاصة التي تنشر برامج من نوع خاص, وتمول الجرائد والمجلات التي تسهم في عملية التغريب”[28]
إلا أن ذلك في المقابل يترك الباب مفتوحا لمن يريد الإصلاح أن يصلح، فالفضاء الإعلامي ينتظر دعما من الأمة الإسلامية، فذلك جهادا لا يقل عن إمداد الأفغان بالسلاح في مواجهة أي عدوان كما أرى.
و من ناحية أخرى فإن الإعلام الغربي استطاع أن يملأ الانترنت على سبيل المثال بوجهة النظر الغربية مما يسب عائق كبير أما الباحثين ويحدث تشوش فكري للباحث، مع وجود نقص كبير في الدراسات العلمية الجادة في هذه المنطقة الساخنة من الجانب المحايد أو الإسلامي.

3. المرأة
لقد فتحت سياسات طالبان الظالمة للمرأة المجال للغرب لاستخدام ملف المرأة كأداة لإحداث التغيير، فحاولت جعل المرأة الغربية نموذجا تقتدي به المرأة الأفغانية عن طريق اللقاءات وو السفر لأمريكا لأخذ الدورات التدريبية ما إلى ذلك،و بالطبع التأثير يكون بالمظهر فقط، وكل ذلك مخالف لطبيعة الشعب الأفغاني، والتغيير مطلوب ومرغوب ولكن في أي اتجاه وبأي وسيلة، فإن كان الهدف هو إخراج المرأة من وضعها الصعب فإن تلك السياسات ليست مطلوبة في هذا الوقت فعل سبيل المثال في مجال التعليم فيجب توفير مدارس وجامعات خاصة بالنساء”لأن المجتمع الأفغاني له تقاليده التي يصر عليها, فإن الكثيرين من الأفغان يصعب عليهم إرسال بناتهم إلى الفصول الدراسية المختلطة, ومن هنا ستبقى المرأة محرومة من التعليم والتربية بسبب ضيق أفق أصحاب المشروع الأمريكي, فإن هؤلاء لا يهمهم معالجة مشاكل المرأة الأفغانية الحقيقية, بل الذي يهمهم هو أن يخرجوا المرأة الأفغانية من جلبابها”[29]، وفي المقابل تعاني المرأة من مشاكل جمة يجب التركيز عليها أكثر مثل الأوضاع الصحية والاقتصادي وتحتاج إلى موارد مالية ضخمة.

4. تقنين العلمانية
و ذلك عن طريق صياغة الدستور الأفغاني في ظل حالة من الاضطراب والفوضى في البلاد، وقد شُكِّل المجلس البرلماني ( اللويا جيركا) لبحث الدستور وقد كان معظم أعضائه من الأميين!. وهناك عدة أمثلة على التأثير الغربي في صياغة الدستور؛ فقد نص الدستور على أن النظام الاقتصادي هو اقتصاد السوق، وينص الدستور في المادة الثانية على أن أتباع الأديان الأخرى يتمتعون بالحرية في اتباع أديانهم وأداء المراسيم الدينية في إطار القانون برغم أنه لا يوجد أقليات دينية سوي السيخ ويمثلون 1 %، فهل هناك مجال لتغيير هذه النسبة عن طريق الحملات “التبشيرية”؟، فلماذا لم يخصوا السيخ بهذا الأمر؟
ونص على “تنظيم” وتحسين وضع المساجد والمراكز الدينية والمدارس، ويخشى من ذلك تأميم التعليم الأهلي في أفغانستان. ونص أيضا على الحريات المطلقة في أكثر من وضع وهو ما لا يناسب المجتمع الأفغاني.
و سمح بإنشاء المؤسسات التعليمية للأجانب ( وهو سلاح ذو حدين).

5. استيراد الكوادر الغربية في هيئة مستشارين أجانب يأخذون مبالغ ضخمة ويعملون في مختلف المجالات
6. إعادة صياغة مؤسسات الدولة على أسس متغربة
7. فتح مجال للتبشير والمذاهب الهدامة
“تهيأت الفرصة في المرحة الحالية لعمل المؤسسات التبشيرية وللفرق الهدامة مثل البهائية والإسماعيلية في أفغانستان بشكل واسع جدا, فتشتغل عشرات المؤسسات التبشيرية والإسماعيلية في مختلف الولايات الأفغانية, وخاصة المناطق الفقيرة, وتستغل الظروف المعيشية الصعبة للناس في تغيير دينهم”[30].
و ذلك كما يهدد الثقافة الأفغانية يهدد أيضا التكوين الديموجرافي للبلد ويزيد الطين بلة للوضع الأفغاني ويهيئ للتدخل الخارجي في المستقبل بدعوى حماية الأقليات.
8. تشجيع العصبيات
وظهر ذلك في شكل التشكيل الوزاري،و في مختلف الأحاديث السياسية، فمثلا في الانتخابات الأخيرة كان موضوع العرقيات هاما في الحديث عن التمثيل السياسي، هو أمر موجود ولكن يمكن تهميشه أو تضخيمه كما حدث في العراق.

إن الحاجة إلى إعلاء مفهوم الجهاد والمقاومة الثقافية ( بجانب المناحي الأخرى )لأمر هام جدا في هذه المرحلة الحرجة، فإن الاحتلال إن فشل في إحداث تغيير جذري في الثقافة الأفغانية، فإنه قد يتمكن من عمل طبقة من المتعلمين المتغربين كما فعل الاحتلال في دولنا العربية، وهذه الطبقة تحكمت في الدولة، وكانت وسياستها شوكة في جسد الفكر الحضاري الإسلامي، وعائقا لم تنجح الأمة في تخطيه حتى الآن. برغم أنها نسبة ليست كبيرة ولكنها مؤثرة. في هذا الموضع استحضر أفكار مالك بن نبي حول الاستعمار الفرنسي لبلاد المغرب العربي، استحضر التاريخ المصري والتحولات الفكرية التي مرت به، لقد صنع الاحتلال في بلدنا تغييرات فكرية تعدّت التنوع إلى التشوه، وأعادتنا قرونا إلى الوراء، بل ومازلنا نتخبط في رؤانا وأفكارنا، فلم تعد عندنا ثوابت حول المبادئ الرقي الحضاري وحول تعريفنا لأنفسنا وهويتنا.
عانينا من سياسات التعليم ولم تنفك الدول الغربية في استهدافه برغم أنه أصبح حطام بجانب ميراثنا الثقافي الضخم.
أرى أن الأمة الإسلامية يقتلها أكثر ما يقتلها هو التشوه العقدي والفكري، فإذا كانت الولايات المتحدة وتحالفها قد غزت أفغانستان، فإن التقاتل الداخلي قد فتتها من قبل الغزو، داء الأمة الإسلامية يأتي من داخلها أولا.
قراءة حول مفهوم “الجهاد” و”الإرهاب” و”المقاومة” في الواقع الأفغاني:
يغلب على استخدام مفهوم الجهاد في الساحة الأفغانية استخدامه بمعنى القتال وإن كان لايغيب عن بعض المفكرين والقادة الأفغان استخدامه بشكل أوسع، ومفهوم الجهاد –كما يقول راشد الغنوشي في عرضه عند الشيخ يوسف القرضاوي أنه من ” خلال التحليل اللغوي لمادة الجهاد وتدور حول بذل الوسع، ومن خلال تتبع ورودها في القرآن والسنة ولدى فقهاء الإسلام لينتهي الى تفريق واضح بين الجهاد والقتال، فلقد ورد الأمر بالجهاد في القرآن المكي حيث لم يكن قتال بل مجرد جهاد دعوي بالقرآن “وجاهدهم به جهادا كبيرا”/50-52/ كما ورد في القرآن والسنة وفقههما بمعاني عدة تدور حول بذل الوسع في مجاهدة العدو ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس، وهو ما يجعل الجهاد أوسع من القتال”[31] وهو ما يجب أن ننشره في حديثنا عن الجهاد.
المشكلة الأكبر في مفهوم الجهاد هو إطلاق هذا المفهوم على حالة التقاتل الداخلي التي حدثت في أفغانستان، فطالبان تتحدث عن جهاد ضد التحالف الشمالي (من قبل الغزو)، والتحالف الشمالي يتحدث عن الجهاد ضد طالبان، وهنا يبرز ضرورة استجلاء هذا الحكم المتعلق بالفئة الباغية هل يمكن إطلاق الجهاد على هذا الوضع؟، وهل هذه هي حالة الفئة الباغية؟ وما مدى شرعية حكم المتغلِِب في الحالة الأفغانية؟، إن الحديث عن هذا الأمر لا يعد حديث عن تاريخ، بل إن مستقبل أفغانستان متعلق بهذا الحكم، فماذا سيحدث عند خروج الاحتلال هل سترى كل فئة أن لها حق في الجهاد، وأن قتلاه في الجنة وقتلاهم في النار!. وهذا ما حدث في أفغانستان بعد خروج الاحتلال السوفيتي، حدث اختلاف سياسي فلم يلق أحد أسلحة الجهاد بل رفعها في وجه أخيه لأنه هو المعتدي.
يجب أن يستعد الأفغان لإلقاء السلاح بعد خروج المحتل فكما أن الجهاد مفروض ضد الاحتلال فإن التقاتل مرفوض بعد ذلك.
أما مفهوم المقاومة فهو قليل الاستخدام باعتبار أن مفهوم الجهاد هو الأكثر انتشارا في المجتمع الأفغاني المسلم. وما زال هناك اختلاف حول التعامل مع الوضع الحالي فالبعض يرى حركة طالبان وفكرها “المتشدد” أخطر على أفغانستان من الاحتلال الخارجي، وهنا يجب الإشارة أن عدم معاداة هؤلاء للاحتلال بشكل واضح يزيد الدعم الشعبي لطالبان والتي تتسم مواقفها بالوضوح والانسجام.
و يستخدم مفهوم الإرهاب أكثر من قبل الاحتلال والداعمين له للدلالة على المقاومة الطالبانية ومن والاها، ومن الصعب إقناع الأفغان أن طالبان وهجماتها إرهابا بينما الغارات الأميركية بالطائرات على المناطق الآهلة بالسكان ليست كذلك. ومفهوم الإرهاب أصلا يقصد به القوة الردعية التي تقلل من حدوث هجوم على الدولة المسلمة، ولكن جرى استخدامه حاليا بمعنى ترويع الآمنين والمستأمنين كما يشير إلى ذلك بعض الفقهاء. “الإرهاب” (بمعناه الغربي) هو السبب الذي يستند عليه الاحتلال في تواجده في أفغانستان وهو الحرب على الإرهاب، عبر السنوات الماضية اكتسب المفهوم معنا سلبيا على عكس المفهوم الردعي القرآني. والواقع طرح إشكالية تعريف مفهوم الإرهاب في ظل احتلال يعلن حربا على الإرهاب ويمارسه في نفس الوقت!

أفغانستان إلى أين؟

إن المشهد الأفغاني معقد جدا، تتضافر فيه عوامل داخلية وإقليمية ودولية تجعل إخراج هذه الدولة من أزمتها أمر شديد الصعوبة، فهي مثال على تصارع النفوذ الإقليمي والدولي وفي نفس الوقت الاختلاف الفكري الذى أدى لاقتتال، وأدى إلى الضعف الاقتصادي والسياسي والاقتصادي.
فعلى المستوى الداخلي يمكن تقسيم الساحة الأفغانية إلى أربع مجموعات اعتمادا على رؤية كل طرف لتعريف “العدو “، المجموعة الأولى تتضمن طالبان الأفغانية ومجموعة حقّاني والحزب الإسلامي (قلب الدين حكمتيار) وهؤلاء يرون أن العدو هم قوات الاحتلال الأجنبية وهذه المجموعة لا ترى جدوى من الحوار الداخلي قبل الانسحاب التام والحقيقي للاحتلال، وأن مشكلتها الأساسية حاليا هو الاحتلال. وهذه المجموعة ليست متجانسة في الأفكار فالفكر الطالباني مختلف عن الحزب الإسلامي في مناحي أخرى. المجموعة الثانية الحكومة الأفغانية و”المجاهدين” (السابقين) المتعاملين معها ومعظمهم من تحالف الشمال المقاتل لطالبان وهي ترى أن أخطر عدو هو عودة طالبان، وأنه أخطر من القوات الأجنبية على الأرض. وهي مجموعة تختلف في الأفكار والانتماء السياسي جمعها عدائها لطالبان. والمجموعة الرابعة وهي المعارضة السياسية للحكومة مثل عبد الله عبد الله المرشح السابق للرئاسة وهو يعارض الحكومة وفسادها وسياستها ولكنه يرى أن طالبان أشد خطرا على الأفغان، ثم هناك المستقلين من المجاهدين مثل المهندس أحمد شاه زي رئيس وزراء حكومة المجاهدين الموحدة والذي نأى بنفسه عن الأحزاب المتصارعة ويقوم بدور الوساطة بين الأطراف المختلفة.
أي لو فرضنا أنه لا يوجد عوامل خارجية، فإن المشهد الداخلي ينذر بعودة الاقتتال الداخلي عند انسحاب قوات الاحتلال.
فلا حل سوى الحوار ونبذ أسلوب القتال للهيمنة على حكم البلاد.
و على المستوى الإقليمي والدولي تعتبر أفغانستان منطقة نفوذ لعدة دول خاصة بعد الاحتلال، فهناك باكستان وهي تملك كثير من مفاتيح الحل الأفغاني بحكم علاقاتها بطالبان والحدود الطويلة مع أفغانستان بالإضافة إلى تواجد قبيلة البشتون بين البلدين فكل الطرق تمر عبر إسلام آباد[32]، ومع ذلك لا يوجد اهتمام بتحسين العلاقة من قبل الحكومة مع باكستان، وفي المقابل فإن علاقة الحكومة جيدة مع الهند العدو اللدود لباكستان. والهند أيضا تدفع بمصالحها في باكستان، وليس من مصلحتها استقرار الحدود الباكستانية. وتتحدث بعض المصادر عن تنامي النفوذ الشيعي في أفغانستان ولن تخسر إيران الورقة الأفغانية في تفاوضها مع الولايات المتحدة والغرب في الشأن النووي.
و لا يجب أن ننسى السعودية والتي يعول عليها الأفغان في الوساطة في حوار وطني يتضمن طالبان، لن تدعم ذلك الحوار دون شروط مسبقة وذلك لن ترضى به طالبان.
أما دول التحالف والولايات المتحدة الأمريكية فقد وقعت في المستنقع الأفغاني، ولم تستطع أن تحقق أي نصر عسكري أو استراتيجي، ولكنها قد تحقق بالقوة الناعمة ما فشلت فيه القوة الخشنة.
فالأزمات الاقتصادية والفشل العسكري تدفعها لإعلان خطة الانسحاب، ولكن تصريحات الناتو بأنهم لن يتركوا أفغانستان إلا بعد أن يتأكدوا من استتباب الأمن ( وهو أمر صعب الحدوث)، يجعلنا نشك في جدية الانسحاب فهو انسحاب جزئي وليس كاملا كما يظهر.
و ما زالت الأمة الإسلامية بعيدا عن مستوى الحدث، فرأيت بعض الجهود في إعادة الأعمار من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي مثل افتتاح بعض المدارس وما إلى ذلك، ولكنه جهد قليل على أرض أعلنت الجهاد سنينا طوال وتمر بأزمات لن تحل إلا بدور فاعل للأمة على المستوى الرسمي والشعبي، فالدول المتواجدة الآن موجودة في إطار التحالف ضد الإرهاب وبشكل رمزي. والدول القادرة على الفعل مثل السعودية غائبة عن الأحداث.
إن الحديث عن الثقافة الإستراتيجية في أفغانستان يؤكد أنه برغم محورية الجهاد في الفكر الأفغاني، فالجهاد شرف للمجاهدين إبان الغزو السوفيتي، يفاخر كل مجاهد بذلك الجهاد ويدرأ عن نفسه تهمة ترك الجهاد حتى وإن لم يكن ذلك أمر صحيح. إلا أنه يحدث في رأي أمرين أولهما تغييب الجهاد عن طريق إلهاء الشباب، وثانيهما أنه عندما يتعارك المجاهدون يفقد الجهاد معناه فيدعي كل طرف أنه يجاهد حتى وإن كان أخاه.
إن أحد معضلات الوضع الأفغاني أنه من يحمل لواء الجهاد ومقاومة المحتل وهي حركة طالبان (أهم الحركات المقاومة) أذاقت الشعب الأفغاني ويلات حكما عسكريا لا يؤمن بتعدد الآراء حتى وصل إلى عدم السماح بتعليم المرأة، فالأفغان بين شقي رحى، فالجهاد واجب ولكن من يحمل لواءه لا يفهم فقهه، فنحن لا نعرف ماذا ستفعل طالبان إذا خرج المحتل وبقى من بقى في السلطة، ألا أن تجربتها السابقة لا تشير إلى قدرتها على عمل نهضة حضارية وتعيد بناء أفغانستان. فشبح الحرب لن يغادر أفغانستان إلا إذا قرروا تنحية السلاح جانبا فيما بينهم، ورفعوا سلاحا واحدا في وجه المحتل.
*****

الهوامش:

[1] عرض لكتاب: جنيفر كنيبر، أندرو تيريل” الثقافة الاستراتيجية الإيرانية والردع النووي”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث السلسلة: دراسات عالمية، الامارات العربية المتحدة، 2009 عن موقع http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb186590-155520&search=books
[2] www.fas.org/irp/agency/dod/dtra/syllabus.pdf Jeannies L.Johnson , Jeffrey A.Larson ” Comparative Strategic Culture Syllabus”
[3] http://ar.wikipedia.org/wiki/أفغانستان
[4] حسب إحصاء 2008 نقلا عن المصدر السابق
[5] موقع الأمم المتحدة http://data.un.org/Data.aspx?q=literacy%2b+afghanistan&d=GenderStat&f=inID:49;crID:84
[6] www.ar.wikipedia.org/wiki/أفغانستان
[7] المرجع السابق.
[8] http://www.state.gov/r/pa/ei/bgn/5380.htm موقع وزارة الخارجية الأمريكية
[9]أفغانستان www.ar.wikipedia.org/wiki/
[10]شبكة الجزيرة،”مؤتمر لندن يقر إستراتيجية لأفغانستان”http://www.aljazeera.net/NR/exeres/5FF2A428-C9B5-456F-B5B0-E8FCC62EB61F.htm
[11] المصدر السابق
[12] بشير الأنصاري، ” مؤتمر كابل الدولي ومشروع الاحتلال الثنائي ” http://www.aljazeera.net/NR/exeres/1C7C48D1-E9C7-42F0-81EE-2F39B5697DF5.htm
[13] المصدر السابق
[14]أخبار شبكة الجزيرة،” الناتو يبحث نقل القيادة للأفغان ” على الرابطhttp://www.aljazeera.net/NR/exeres/8F146F9E-7269-4904-A002-114F5A339BC0.htm
[15] السابق
[16] http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B1412BC5-6061-4D70-AD02-BC15D3290C50.htm 31/12/2009
أفغانستان مقبرة إستراتيجيات الهيمنة نبيل شبيب
[17] محمد الشافعي، “أفغانستان حرب لا تنتهي: الملا عبد السلام ضعيف: مشكلة طالبان ليست كرزاي بل القوات الأجنبية”، جريدة الشرق الأوسط http://www.aawsat.com/details.asp?issueno=11679&article=595806
[18] انظر مقالة , Alissa J.Rubin and Carlotta Gall, “Widespread Fraud Seen in Latest Afghan Elections” http://www.nytimes.com/2010/09/25/world/asia/25afghan.html?_r=1&pagewanted=all
[19] [19] أخبار الجزيرة، ” أميركا: التقدم متواضع بأفغانستان”، http://www.aljazeera.net/NR/exeres/94B1F052-B579-4439-8714-BC6B39E1385A.htm
[20] عن موقع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتش) بتاريخ 9 نوفمبر 2010 http://arabic.irinnews.org/ReportArabic.aspx?SID=2321
[21]منظمة الشفافية الدولية تقرير 2010 على الرابط http://www.transparency.org/policy_research/surveys_indices/cpi/2010/results
[22]نبيل شبيب, “أفغانستان مقبرة إستراتيجيات الهيمنة http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B1412BC5-6061-4D70-AD02-BC15D3290C50.htm
[23] محمد الشافعي، أفغانستان حرب لا تنتهي: أفغانستان تترك تعاليم طالبان إلى تعلم الإنجليزية والكومبيوتر”، http://www.aawsat.com/details.asp?issueno=11688&article=597056
[24] المصدر السابق
[25] المصدر السابق.
[26] محمد الشافعي، ” أفغانستان.. الوجه الآخر ـ الحلقة (3) ـ وزير الحج والأوقاف الأفغاني: الغزو الثقافي ينخر في عظام شبابنا وأشد مرارة من فيروس طالبان”، جريدةالشرق الأوسط http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=534564&issueno=11238
[27] أمين خراساني، ” الاحتلال العسكري والغزو الثقافي وفرض القيم الغربية”، موقع رسالة الاسلام على الرابط http://mail.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=123&pg=17&aid=9447
[28] المصدر السابق.
[29] المصدر السابق.
[30] أمين خراساني، “الاحتلال العسكري والغزو الثقافي وفرض القيم الغربية”، موقع رسالة الاسلام على الرابط http://mail.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=123&pg=17&aid=9447
[31] راشد الغنوشي،”ما الجديد في جهاد القرضاوي http://www.onislam.net/arabic/madarik/politics/119910-2010-08-11-095910.html
[32] انظر بشير الأنصاري، ” مؤتمر كابل الدولي ومشروع الاحتلال الثنائي ” http://www.aljazeera.net/NR/exeres/1C7C48D1-E9C7-42F0-81EE-2F39B5697DF5.htm

نشر في حولية أمتي في العالم، عدد 2011

للتحميل اضغط هنا 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق