تقارير ودراسات

الأمة في عام “السًّنَة”

أولًا:

إن حادث نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر عام 2001م ونسبته، غير المحققة وغير الثابتة، إلى من اتهمتهم الإدارة الأمريكية، يثير مسألة أولية وهي: ما هو موقفنا الفكري والسياسي من مثل هذا الفعل؟ ونحن نعرف أن الحرب على الأفغان شُنَّت من جانب الولايات المتحدة تحت مظنة غير ثابتة، وتحت افتراض غير متحقق ولا محقق، ونعرف أنه بعد ساعات محدودة قيل إن ثمة عشرات الألوف من خيوط التحقيق تتبع وإن عشرات الألوف من المحققين ينشطون في البحث. ثم بعد ساعات قليلة قيل إنه فلان هو من دبَّر الحادث وإن بلاد الأفغان هي من يأويه، ولم يُقدَّم أي دليل يثبت أمرًا ولا قرينة تشير إلى أمر، ثم قامت الحرب في 7 أكتوبر، لا بعد أن ثبت شيء، ولكن بعد أن أحكمت السياسة الأمريكية خطة الغزو والتدمير لأفغانستان، وبعد أن أجرت ضغوطها ومساوماتها مع الدول المجاورة لضمان التسهيلات الضرورية لها. ثم بعد شهرين من القصف والتدمير والتقتيل في الأفغان، صرح الرئيس الأمريكي وحكومته أنهم وجدوا شريط فيديو في بعض المنازل المدمرة “يثبت” الفعل والفاعل. وهكذا وقع العقاب الغليظ ودُمرت بلد وشُرِّد مئات الآلاف من المواطنين وسقطت حكومة، وطورد رجال وجاع شعب وقُتِل الآلاف، ليظهر بعد ذلك أن هذا الشريط لا يحدد فاعلًا ولا يثبت جريمة.
ومن ناحية أخرى، فإن حادث 11 سبتمبر عام 2001م، ومن جهة النظر السياسية ومن وجهة نظر تراث حركات التحرير الوطني، هو حادث لا ينتمي إلى ما تعارفت عليه حركات التحرير الوطنية، سواء في البلاد العربية والإسلامية أو في غيرها من بلاد آسيا وإفريقيا، وذلك في العصر الحديث. وهو حادث يعطي للمعتدي مبررًا وسندًا معنويًا ليمارس المزيد من القمع والاعتداء؛ لأنه يظهره بمظهر المدافع . وإذا كنا نستنفر أخلاقيات العالم ضد قتل الأبرياء منا، فإن الحادث قتل أبرياء، وإذا كنا نتحصن في حدودنا الدولية، ونهيب بالعالمين احترامها واحترام إرادتنا داخلها، وسيادتنا عليها وأمننا فيها، فإنه مما يتناقض مع هذا الموقف ألا نفعل ذات الصنيع مع غيرنا.
أقول ذلك، وإن الحادث غريب عما تعارفت عليه حركات التحرر الوطني؛ لأنني لا أعرف من الذي فعله، ولم يقدم إلينا نحن الذين عايشنا هذا الحدث في العالم كله؛ لم يقدم لنا أي دليل يفيد أو يرجح أن شخصًا معينًا أو تنظيمًا محددًا أو جماعة معروفة هي من قام به. وأنه لا يمكن أن تقوم حجة أو تبرير من هذا الحادث المجهول الفاعل إلى الآن، لا تقوم حجة فيه لضرب أفغانستان وأعمال القتل والتدمير والتشريد التي تتم.

ثانيــًا:

تريد الولايات المتحدة الأمريكية أن تجعل تاريخ “11 سبتمبر عام 2001” تاريخًا عالميًا، وتريد بوجه خاص أن تثبته تاريخًا إسلاميًا عربيًا؛ أي تاريخًا يحمل علامة طريق في السياق العربي الإسلامي للأحداث، والبعض منا للأسف الشديد قد سقط في هذا الفخ، وطفق يروج في أحداثنا الجماعية والقومية والمحلية، يروج لفكرة “ما قبل 11 سبتمبر” وما بعد “11 سبتمبر”.
إن 11 سبتمبر عام 2001 هو حدث أمريكي، يتعلق بالسياسات الأمريكية وبسياق أحداثها ووقائعها، هو عملية تدمير لرموز أمريكية، بدا للأمريكيين ولنا أمرًا يشين العزة الأمريكية، المبنية على القوة المادية وحدها، وعلى جبروت المنعة المسلحة. هو حدث بدأ من الأرض الأمريكية وانتهي إليها وقام تأثيره فيها.ولكن سياسة الولايات المتحدة بغطرسة السيادة الدولية وبجبروت العلو والهيمنة على العالمين، جعلته حدثًا عالميًا؛ لأنها سيدة العالم وحاكمته؛ ولأنها هي “العالم”، وعلى عكس قول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه):” إنه إذا عثرت دابة في أرض العراق سئل عنها أهل الخطاب يوم القيامة”، على عكس ذلك تقول الولايات المتحدة إنه إذا عثرت بغلة في تكساس، سئل عنها العالَمون في هذه الدنيا، ودفع العرب والمسلمون ديتها.
الأمر هنا ليس فكاهة وليس طرفة تبدى، ولكنه أمر لـه علاقة وثيقة بعملية “الإلحاق” “والاستتباع” الشعوري والإدراكي؛ فهم يرون مثلًا أن اقتحام شارون للقدس الشريف في 28 سبتمبر عام 2000 ليس حدثًا عالميًا، ولا ينبغي أن يكون حدثًا عربيًا إسلاميًا بمثل ما ينبغي أن يكون ليوم 11 سبتمبر عام 2001 من أهمية واعتبار.
إن البلد المتبوع يميل إلى تأكيد أن تكون وقائع تاريخه وحاضره هي وقائع وأحداث البلاد التابعة له، وأن تستلب تلك البلاد من وقائعها وتاريخها وأحداثها. وسيادة أي بلد على بلد تستلزم لدى السيد أن ينمط نظرة التابعين على وفق نظرته ويلحقهم به من زاوية الرؤية الثقافية وطريقة التفكير. ولست أجد المناسبة الآن للإكثار من ذكر الأمثلة على ذلك، وحسب القارئ أن يستدعى من رصيد ثقافته ما يتعلق بهذه المسألة. وإن أكثرها عمومًا تقسيم تاريخ العالم كله وفقًا للمنظور الأوروبي لتاريخ أوروبا وحسب وقائع ذلك التاريخ الخاص؛ من حيث العصور القديمة التي انتهت بسقوط روما والعصور الوسطى التي انتهت بسقوط القسطنطينية أو بعصر النهضة وهكذا..، وأن الوقائع والأحداث في تعميم أهميتها على الآخرين تنطوي أيضًا على تعميم أوصافها على هؤلاء الآخرين، ونزعهم من أن يكون لهم مفاهيم خاصة ونظرة خاصة. إن الأمر هنا يمس صميم الإدراك والوعي الذي يراد زرعه في الآخرين، أو محوه لدى الآخرين.
والأمر الثاني- أن السياسة الأمريكية أرادت أن تلقى عبء أزمتها على الخارج، وعلينا نحن بصفة خاصة، نحن المسلمين والعرب، تلقيها علينا من حيث المسئولية ومن حيث الحل. أما من ناحية المسئولية فإن الأمريكيين حمَّلونا تبعة الحادث بعد حصوله بساعات معدودة، قبل أن يجروا تحقيقًا أو حتى أن يبدأوه، وعينوا الشخص الآمر والتنظيم الفاعل، ثم نسبوا كل ذلك لا للبلد الذي يقيم به الآمر والفاعل فقط، ولكن نسبوه إلى المسلمين بعامة وإلى الإسلام وتعاليمه ومبادئه على نحو أعم. والآمر لا دليل عليه والفاعل لا دليل عليه والجماعة، تؤخذ بفعل للفرد لم يثبت عليه، والكثرة تؤخذ بما ينسب إلى القلة بغير دليل، وهذا انتهاك كامل صريح بواح، لكل أصول التحضر وقواعد الإنسانية منذ عهد الفراعين.
أما من ناحية الحل، فإن كل الأهداف التي تطمح إلى تحقيقها الولايات المتحدة للسيطرة على العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، وجدت في الحادث مناسبة لتحقيقها، لما يتيحه للأمريكيين من استخدام القوة، وانتهاك الحرمات وضرب الشعوب، واتباع حملات التدمير والتخريب والإبادة والإذلال والإخضاع بحجة أن الأمريكيين يدافعون عن أنفسهم. وهكذا ساغ لديهم أن يقنعوا العالم أن مسألة الأمن الداخلي الأمريكي تجرى صيانته في أفغانستان، عبر المحيطات والبحار والصحارى والجبال، وصارت الكرة الأرضية كلها ضامنة للأمن الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية.
إن الأهداف التي تعمل الولايات المتحدة على تحقيقها وترسيخها الآن، هي أهداف سابقة على أحداث 11سبتمبر، إنها تنشئ قواعد لها في وسط آسيا في أفغانستان جنوبي روسيا وغربي الصين، وفي وسط المنطقة الملاصقة للهند وباكستان وإيران وجمهوريات آسيا الإسلامية، كما أنشأت مواطئ أقدام لها في البلقان مع أحداث الصرب، وكما رسخت وجودها في الخليج العربي بعد حرب العراق في عام 1991. وهي تبعث عسكرًا لها وخبراء عسكريين في اليمن وفي جورجيا وفي الفليبين، وفي جيبوتي.
أردت أن أوضح أن الحدث حدث أمريكي في بدئه وفي منتهاه، بل وفي الآثار المطلوب ترتيبها عليه، وأن وقوعنا في شرك أن نعده من أحداثنا ووقائع تاريخنا، يفيد أننا نسلم بأن نُستتَبع ونُلحَق بالتاريخ الأمريكي ونصير مجالًا محكومًا بوقائعه.
ونحن لابد أن نتمسك بحقنا في استقلال إدراكنا التاريخي، وحقنا في أن يكون لنا تاريخنا وأحداثنا مما كان يسمى قديمًا “أيام العرب” أو” أيام المسلمين”. وفي السنة الأخيرة فإن من أيامنا 7 أكتوبر عام 2001 عند غزو الأمريكيين لأفغانستان، وليس 11 سبتمبر. ومن أخطر أيامنا في السنتين الأخيرتين انتفاضة فلسطين في 28 سبتمبر عام 2000، ثم ما يجرى من يومها وحتى اليوم وحتى الغد القريب والغد البعيد، فإن ما يحدث اليوم في فلسطين سيتحدد به مصير الأمة العربية لمرحلة تاريخية لا أعرف منتهاها.
إن ما يعنينا من 11 سبتمبر عام 2001 هو أثره؛ أي أثر السياسة الأمريكية التي أفصحت عن نفسها بعده، أثر ذلك في أيامنا العربية المعيشة، ومن أهمها الآن 28سبتمبر عام2000.

ثالثًا:

وفي هذا الصدد، وبالنظر إلى هذا الحادث الأمريكي وآثاره، نعرض للمقارنة بين السياسات الباكستانية والأفغانية؛ نلحظ أن باكستان بطبيعة الحال أكثر تقدمًا من أفغانستان وأكثر قوة عسكرية وقوة اقتصادية، وأن لديها أسلحة نووية مما يدخلها في مصافّ دول معدودة للغاية في العالم كله، ودولتها أكثر تماسكًا وأصلب عودًا من مثيلتها في أفغانستان، ولكن الغريب أن التقدم والقوة العسكرية والاقتصادية وتماسك الدولة وصلابتها، كل ذلك كان يتناسب تناسبًا عكسيًا مع القدرة على المحافظة على استقلال الإرادة السياسية عندما ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية على كل من البلدين، إن إرادة الدولة الباكستانية انهارت في يوم أو يومين من الضغط الأمريكي عليها، بينما صمدت الإرادة الأفغانية واستعصت حتى جرى القتال والتدمير، ولا تزال ثمة ملامح صمود ومقاومة بعد ضرب وغزو وتدمير هائل، وباكستان إزاء أفغانستان لا تتعامل مع مجرد بلد مجاور، ولكنها تتعامل مع بلد يتضمن العمق الاستراتيجي لأمنها القومي، والشأن الأفغاني بالنسبة لها شأن الأمن القومي الباكستاني.
والعجيب أن حكومة باكستان برَّرت هذا الخور السريع المفاجئ في إرادتها السياسية بأنها هددت بضرب المفاعل الذري لديها، وأنها خضعت للإرادة الأمريكية حرصًا على المحافظة على هذا المفاعل. وهكذا، صار السلاح النووي ليس سلاحًا يحمي الدولة، ولكنه صار “نقطة ضعف” أو “كعب أخيل” يتعين على الدولة أن تحميه. وهذه مفارقة تظهر أن القوة والضعف ليسا أثرًا لنوع السلاح المملوك، وأن السلاح النووي ليس بذاته قوة سياسية رادعة أو حارسة، وأنه قد يتحول إلى عبء على حامله، وذلك واضح في الدول التي انشقت على الاتحاد السوفيتي وهي حائزة لهذا السلاح النووي، ولم تظهر لها أية قوة سياسية تتناسب مع أهمية هذا السلاح، (مثل بعض الجمهوريات الحديثة في وسط أوربا ووسط آسيا).
وفي مقابل هذا الوضع الباكستاني، نلحظ أن الموقف الأفغاني قد تناسب تناسبًا عكسيًا أيضًا مع ما يعتبر تقدمًا ماديًا وقوة عسكرية وصلابة دولة حديثة، وأن مقاومة شعب فيتنام للاحتلال الأمريكي في أواخر الستينيات كان مثلًا على ذلك وسابقة له، ثم هذه العبارة التي وردت على لسان الملك فيصل ملك السعودية بعد حرب عام 1973 بأنه وبلاده مستعدان أن يعودا إلى “التمر” إذا لم تتحرر القدس, وقد رأت الدوائر الصهيونية والأمريكية أن في هذه العبارة تهديدًا لا يطاق، وما لبث الملك فيصل أن اغتيل. وهذه الحكمة التي وردت على لسان كارل ماركس عندما أراد أن يحرض الطبقة العاملة ضد دوى السطوة والسلطان والمال والجاه والسلاح فقال للعمال: إنهم ليس لديهم ما يفقدونه إلا القيود. هذه الحكمة هي أكثر ما ينطبق ويفسر ما نشير إليه.

رابعًا:

ما يثير عددًا من القضايا السياسية التي لم تذلل على نحو كامل ولم تحسم بعد هو موضوع الجماعة السياسية، ومدي التعارض أو التقابل أو التداخل في مسائل الانتماء الشعبي والوطني للجماعات وللدول ولا أريد هنا أن أطيل الحديث، ولكنني أشير في عجالة إلى مفهوم الأمة، وأثر هذا المفهوم وما طرأ عليه من تغيير في العصر الحديث الذي نحياه في القرنين الأخيرين .
ونحن نقصد بـ “الأمة” الجماعة أي المجموع من البشر الذي يتحدد في الإدراك الإنساني على وفق تصنيف معين، ويقوم هذا التصنيف على وصف يلحق بهذا المجموع ويصدق عليه ويميزه عن غيره من الجماعات الأخرى، والأمة بهذا النحو تكوين أو تشكيل ثقافي؛ لأنه يقوم على أساس من “الإدراك البشري” لمعيار تصنيف معين، ومن “الشعور بالانتماء” الذي ينبني على وجوه تجانس “يراها” الناس غلَّابة وحاكمة لغيرها.
فالتصنيف وحده لا يكفي؛ لأن ثمة من التصنيفات ما لا يعول عليه في مجال الإدراك بالأهمية والشعور بالانتماء، مثل لون الشعر مثلًا أو طول القامة أو الحجم أو السلوك، ثم هو تصنيف يولد وجهَ تجانسٍ غلابًا في الإدراك ويسوغ وجه شعور بالانتماء، انتماء الفرد للجماعة، أو انتماء الجماعة الصغرى للجماعة الأكبر، والانتماء فيه من معني الاتحاد والامتزاج، وفيه من معني “الفناء” في الجمع المنتمي إليه، “الفناء” الذي يعني من أحد وجوهه التحقق الذاتي في المجموع المنتمي إليه.
ونحن نعرف أن وجوه الانتماء متنوعة ومتعددة، وأنها متداخلة، بعضها إقليمي وبعضها نَسَبي وعرقي، وبعضها يتعلق بالمهنة والحرفة، وبعضها يتعلق بالمعتقد أو المذهب، وبعضها يتعلق باللغة أو اللهجة. ولكنها كلها موجودة ويمكن أن تتداخل العلاقات بشأنها .. وهي وجوه الانتماء الحاكمة التي يقوم عليها ما نسميه الجماعة السياسية؛ أي الجماعة التي تقوم على أساسها الدولة في ظرف تاريخي محدد .. أريد أن أقول إنه في العصر الحديث فإننا نحن العرب والمسلمين ارتبك لدينا مفهوم الأمة بفعل عدة عوامل منها :
العامل الأول- أننا خرجنا من مفهوم الأمة المعتمد على وحدة الدين الإسلامي، إلى مفهوم الأمة بوصفها الجماعة القومية المستندة إلى اللغة الواحدة . والإسلام دين ودولة وهو منشئ لجماعة سياسية بما يستفاد من أحكامه وتاريخه الاجتماعية، واللغة تصنيف يرتبط بالامتزاج التاريخي أيضًا، وتقوم على أساسه دول الغرب في العصر الحديث، وقد ارتبك لدينا الإدراك الجماعي بين هذين التصنيفين، ولم نجر توفيقًا عميقًا بينهما أو تنسيقًا منهجيًا.
العامل الثاني- أن حكوماتنا لم تنشَأ دولها وفقًا لأي من هذين التصنيفين في الغالب الأعم، فلا الحكومات قامت على أساس وحدة الجماعة الدينية لتحقق بها وحدة سياسية وتحرسها (بل إنها زالت بإلغاء الخلافة الإسلامية في عام 1924)، ولا قامت هذه الحكومات على أساس البديل الفكري والثقافي الآخر وهو اللغة والقومية، والأتراك بقوميتهم التركية انسلخوا عن الجماعة الإسلامية، ولكنهم لم يقيموا دولة موحدة على أساس الوحدة الطورانية التي كانوا ينشدونها، والتي تمتد إلى أواسط آسيا، والعرب لم يستطيعوا بدعوتهم القومية العربية توحيد اثنتين وعشرين دولة تقاسمت عروبتها.
العامل الثالث- أن حدود الدول القائمة لم تقم على أساس أي من التصنيفات الجماعية الحاكمة، ولكنها قامت على أساس توازن القوى السياسية بين الدول الغربية الكبرى المستعمِرة، كما حدث بالنسبة لاقتسام بلاد الشام بين الإنجليز والفرنسيين في اتفاقية سايكس ­­- بيكو أثناء الحرب العالمية الأولى، أو على أساس توازن القوى السياسية بين حركات التحرر الوطني وجبروت الدول الغربية المستعمرة؛ كما حدث بالنسبة لمصر والسودان مثلًا، ولكن هذه الحكومات من بعد صارت ذات وجود ومصالح تدافع بها عن حدودها، وترسخ مفاهيم استقلال جماعتها السياسية عن غيرها. وهذا مما ساهم في إرباك علاقات الانتماء الجماعي ومشاعره.
المهم من ذلك كله أننا مع إدراكنا الجماعي لما يجمع بيننا نحن الشعوب الإسلامية ذات العقيدة الواحدة والحضارة الشاملة والتاريخ الواحد أو المتماثل والتشكل النفسي المتشابه، ومع إدراكنا أن ثمة مشتركًا عامًا يجمع بيننا، ومع ما يؤكد هذا المشترك العام من وحدة ما نعانيه من قمع عالمي واستبداد بنا من الدول الكبرى، ومن كراهية تجمعنا ضد الاستعمار الغربي وسياساته، وما نشعر به من وحدة المصير، إلا أن هذا المشترك العام لا يتحدد به في وضوح ما هو بالضبط ما يتعين أن نتحاكم به بين بعضنا البعض من وجوه النشاط، وواجبات النهوض للدفاع والمقاومة.
ومن ناحية ثانية، فإن قيام الحكومات لدينا لا على أساس تصنيف جامع ومانع للجماعات السياسية، قد أربك لديها إمكانية التقدير بين ما يعتبر من ضرورات “الأمن القومي” الذي يعني حماية الجماعة السياسية وحراستها والذود عنها، وهذا هو رأس واجبات الدول بالنسبة للجماعة السياسية التي تقوم عليها والمصدر الأساسي لشرعيتها، أقول ارتبك لديها التقدير بين ضرورات الأمن القومي هذه، وبين موجبات “أمن الدولة”، أي أمن النظام السياسي القائم على رأس هذه الجماعة، والحافظ له ولتشكيلاته المؤسسية والمجتمعية، وصار “أمن الدولة” هو الذي يسيطر ويحكم موجبات “الأمن القومي”، وهذا الخجل والإرباك أصاب سياسات الدول في غالب بلادنا العربية والإسلامية، وهي لا تجد دائمًا في الأمن القومي للجماعة السياسية التي تحكمها، لا تجد دائمًا في ذلك ما يهدد أمن الدولة، أو ما يزعزع استقرارها.
ولعل المؤتمرات التي عُقدت للحكومات العربية بشأن الانتفاضة الفلسطينية، أو المؤتمرات التي عُقدت بعد ذلك للحكومات الإسلامية بشأن غزو أفغانستان، هي أمثلة تشهد بهذا الأمر؛ إذ انعكس في قرارات هذه المؤتمرات الحكومية أن غالب هذه الحكومات تستشعر الحرج في علاقتها بالولايات المتحدة بأكثر من شعورها بالقلق على الأمن القومي لبلادها ولجماعتها السياسية في المدى الطويل. وتتعقد المسألة ويزيد الارتباك عندما تقوم الحركات السياسية الشعبية في كل بلد لتنبه إلى المخاطر الآتية من الخارج وتتنادى للذود عن الحياض والدفاع عن الحوزة، فترى الحكومات في ذلك ما يهدد استقرارها الداخلي وتحتشد ضده، وترى خطرًا عليها يماثل أو يجاوز الخطر الأجنبي الوافد على الجماعة كلها، وعلى الدولة مما وراء الحدود.
ولعل موقف حكومة باكستان بعد أحداث 11 سبتمبر هو أوضح مثل على ذلك؛ إذ دفعها قلقها على استقرار حكومتها الداخلي إلى التضحية بموجبات أمنها القومي، وصار قلقها من شعبها على نفسها أشد من شعورها بالخطر الداهم على أمنها القومي من أن تنشأ في أفغانستان دولة خصم لها فتنحصر باكستان بين عداء الهند لها وعداء الأفغان. وهكذا يستعاض عن الذي هو خير بالذي هو أدنى، وعن النفع العام بالنفع الخاص، وعن الآجل الباقي بالعاجل المنقطع، وتصير الحكومة محمية وليست حامية للجماعة.

خامسًا:

يبقى الحديث السريع عن الأثر السياسي لحادث 11من سبتمبر عام 2001م. فإن من ارتكبه أيّا كان موقعه أو انتماؤه، إنما ارتكبه في الغالب؛ ليصدم الأمريكيين ويشعرهم بعدم الأمان، ويشعرهم بأن مخاطر يمكن أن تثور في داخل بلادهم؛ ذلك أن الشعب الأمريكي منذ حرب الاستقلال-من أكثر من مائتي سنة-لم يذق أبدًا طعم أن يهدد في عقر داره، والولايات المتحدة محاطة من شرقها وغربها بأوسع مساحة مائية في الكرة الأرضية وبأكبر محيطين في العالم. ولم تصل إليها معركة حربية قط إلا معركة بيرل هاربر بغرب الولايات المتحدة، عندما دمرت الطائرات اليابانية الكثير من قطع الأسطول الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية.
والحادث كما ذكر بعض المعلقين السياسيين جاء بالولايات المتحدة إلى واقع الأرض التي نعيش عليها، بعد أن كانت متشامخة في السماء خارج كوكبنا الأرضي؛ إذ صارت دولة يمكن أن يفعل بها ما يفعل في غيرها من كل بلاد العالم، قوية أو ضعيفة، غنية أو فقيرة. ولم يعد أمنها فقط في جغرافيتها السياسية المعزولة عن قارات العالم القديم، ولا في حائط الصواريخ المزمع إنشاؤه. وأمريكا كانت تنقل معاركها دائمًا خارج أراضيها، ولم تجرب من قبل أن يكون “الداخل” لديها أرضًا لمعركة.
والولايات المتحدة الأمريكية في سياستها الخارجية، بعد أن كانت تطاول الاتحاد السوفيتي بوصفة القوة النووية الثانية في العالم، وتناوئ المعسكر الاشتراكي الذي يضم الصين وشرق أوربا مع الاتحاد السوفيتي، ويشكل نحو ثلث سكان العالم، وبعد أن حققت تقدمها في ذلك، فهي اليوم تحارب دولة أفغانستان. البلد الذي بقى مستقلًا طول عمره باستثناء الاحتلال السوفيتي كما أن دولًا أوروبية أو غربية لم تطمع في احتلاله من قبل، بسبب أن مغارمة تفوق مغانمه. وشعبه الآن بضعة وعشرون مليونًا يسكنون الجبال، وينتظمون في القبائل، وتربطهم عقيدة الإسلام في أبسط تفاسيرها وتصوراتها.
إن نجاح غزو الولايات المتحدة لأفغانستان وتدمير مدنها وتدمير آليتها العسكرية البدائية الضعيفة، كل ذلك أمر حتمي ولا يتصور أن تفشل فيه الدولة الغازية بعد أن عزمت عليه، ونجاح الولايات المتحدة في غزو أفغانستان ليس مما يجوز أن تفخر به صاحبة أكبر ترسانة عسكرية في العالم وفي التاريخ. وليس من عاقل ولا غير عاقل يستبعد أن تنجح أي دولة عظمى أو دولة كبيرة في غزو دولة من دول العالم الثالث، سواء في القرن التاسع عشر أو في القرن العشرين أو القرن الواحد والعشرين. والتحدي لا يظهر في مرحلة الغزو والاعتداء، إنما يظهر من بعد في مراحل ما يراد من استقرار وإمساك بالزمام؛ لأن ذلك لا يعتمد على القوة العسكرية والكفاءة القتالية وحدها، ولذلك فإن آثار الحدث الأفغاني لم تتم فصولها بسقوط حكومة طالبان، ولا بضرب معاقل التنظيمات السياسية فيها.
ومن جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة هنا لم تبدأ حربها إلا بعد أن أجهدت نفسها في كسب دعم الدول الأخرى لها، الأوروبية ثم روسيا ثم دول آسيا المحيطة بأفغانستان، ثم كسب سكوت الصين.وهي في ذلك لم تعتمد على قوتها وحدها، إنما على التفاهم مع الآخرين استعمالًا لأراضيهم أو ارتكانًا على دعمهم المعنوي أو سكوتهم، وأن من حارب بقوة غيره لابد أن بدفع الحساب ولا يحتكر ثمار النصر لنفسه، سيما إذا كان دائم الاحتياج إلى هذه القوى المحيطة “بالواقع” وما تملك من صلات عضوية وثيقة، حضارية وتاريخية وجغرافية وعرفية ولغوية ودينية، بذات الشعب المراد إخضاعه. وألا يمكن القول إن هذا النمط قد تكرر منذ تفجر آخر مراحل الأزمة العراقية التي تصاعدت تدريجيًا خلال العام 2002؛ لنصل إلى قمتها مع التهديد الواضح والصريح باستخدام القوة العسكرية، ثم الاستخدام الفعلي لها بغزو العراق؟
والحاصل أن القائمين على سياسة الولايات المتحدة فور أحداث سبتمبر أظهروا أمام العالم ما لم يكن ملحوظًا للكافة من اضطراب وضعف وتردد وحيرة في التصدي للمشاكل المفاجئة، كما ظهر أن قوتها العالمية لم تمكنها من السيطرة المنفردة إلا بدعم من دول أخرى، بشروط هذه الدول الأخرى وبتحفظات من جانبها.
وكان ذلك هو من مظاهر نسبية القوة الأمريكية، وأنها قوة مهما كان جبروتها فهي محدودة، وقد لا يفيد ذلك من هم في مثل ضعف شعوبنا الإفريقية الآسيوية في المدى القريب، ولكنه لا شك دخل في حساب تعاملات الدول الكبرى بعضها مع بعض؛ إذ يطمع غالبها في أن يكون له في الموازين الدولية أكثر مما له الآن، وذلك في مواجهة الولايات المتحدة.

سادسًا:

وفي النهاية فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي أسقطت مفهوم الشرعية الدولية، وهي لا تترك أي فرصة لصديق لها ولا لعميل أن يقنع ساذجًا منا بأنها ليست خصمًا لنا، ولا أنها دون إسرائيل في خصومتها للعرب، في فلسطين وفي غيرها من القضايا المثارة. وهي وإسرائيل لا تتركان فرصة لصديق لهما أن يقنع ساذجًا وطنيًا بأنهما تبغيان أي نوع من السلام معنا ولا بأن تعترفا بآدمية هذا الذي نسميه “نحن العرب”. وليس أمامنا إلا الاغتراب الكامل عن المنطق الأمريكي الإسرائيلي.
والولايات المتحدة الأمريكية، بمسلكها الدولي في العقد الأخير، وبخاصة في السنة الأخيرة، لم تعد تهتم بضرورة وجود أي صياغة فكرية لأي نمط للشرعية يستر تصرفاتها أو أفعالها، ولم يعد يهمها أن يقوم ثمة نوع من التقبل العام لمنطقها أو لنمط شرعيتها، كما كانت تسعى قديمًا أيام حربها الباردة مع المعسكر الاشتراكي ودوله بقيادة الاتحاد السوفيتي.
وهذا النمط من التجبر البواح ومن السفور العنصري ومن استخدام القوة بغير ساتر شرعي ولا شبه شرعي لها، ومن الزهو والخيلاء،كل هذا يخفف عنا جهودًا فكرية كثيرة، كانت يمكن أن تصرف لكشف مستور أو تبيين عورات خفية، أو توضيح أضاليل أو تكذيب أكاذيب، وصارت القوة المادية المعتدية تواجه بقوة الصدور العارية وبروح الشهادة، وصارت الدنيا تواجه بالآخرة.
والسؤال الأخير: ألم نلحظ من وقائع التاريخ بدوله وأنظمته المتتابعة، أن هذا التجبر والقهر والشراسة كانت في الغالب من ملامح نهاية العصور، ومن مظاهر الانحدار والأفول بالنسبة للدول العدوانية؟
نسأل الله -سبحانه- العزة والمنعة واجتماع الكلمة…..والقدرة على الصمود…. ثم النصر إن شاء الله.
*******************************

هامش:

* السنة في كلام العرب قد يقصد بها السنة المجدبة، والسنة السنواء أي الشديدة، راجع: جمال الدين بن منظور، لسان العرب، (بيروت، دار صادر، المجلد 14، د.ت.)، ص 405 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى