تقارير ودراسات

الأخوة السيبرانية: هل يمكن أن تكون السيبرانية طريقًا لتقارب الأمة؟

 

مقدمة:

صاحب ظهور مفهوم الفضاء السيبراني، وتحوله إلى جزء لا يتجزأ من تفاصيل الواقع المعيش، انتقال العديد من جوانب وتفاعلات الحياة اليومية إلى هذا الفضاء الجديد؛ فقد قامت الحكومات والشركات والمؤسسات والمنظمات والأفراد (وغيرهم) بإنشاء المواقع والمدونات والمنتديات وغيرها من المساحات الافتراضية التي تهدف إلى نشر المعلومات، وجمعها، والتواصل -من خلالها- مع الغير. ولم تشذّ الأمور المتعلقة بالأديان ومعتنقيها، فجزء معتبر من تفاعلات الفضاء السيبراني ينهض به “متدينون”؛ سواء عبر تحميل المواد الدينية أو الاستماع إليها، مرورا بالحصول على الدعم/الفتوى، والتفاعل مع المنتمين لنفس المعتقد، وانتهاء بالنقاش -وأحيانا المناظرة- (مع الآخر) حول معنى ومغزى ما يتم الإيمان به من عقائد أو ممارسته من طقوس!

وعلى الرغم من أن الحديث عن السيبرانية عادة ما يستدعي المعنى التقاني؛ على اعتبار أن السيبرانية ترتبط ذهنيا بصورة مئات الملايين من الحواسيب الرقمية، والخوادم (servers) وغيرها من مكونات البنية التحتية، المترابطة معاً في شبكة بعرض العالم، إلا أن المفهوم قد اكتسب أبعادا معرفية أعمق بكثير، اقتربت به من معنى “المنظور” أو النموذج المعرفي (paradigm) وفقا لعبارة توماس كون في كتابه المهم “بنية الثورات العلمية”؛ حيث أصبحت السيبرانية تعكس اليوم تصورا للعالم، وتقدم طرقا جديدة لفهم ظواهره، بما فيها تلك ذات الطابع الديني[1].

من ناحيتها، تشهد المجتمعات المتأثرة بالسيبرانية هي الأخرى تغيرا في خواصها، على نحو يستحق الدراسة، وتوجد بالفعل الكثير من الدراسات المهتمة بهذا الموضوع على مستوى الأدبيات الغربية، حيث يتم تسليط الضوء على الطريقة التي تتغير من خلالها هذه المجتمعات، وجوانب هذا التغير. ومن بين الجوانب التي تهتم بها الأدبيات المعاصرة تلك التي تركز على علاقة الفضاء السيبراني بالدين، وتثير أسئلة مثل: كيف يمكن تصور الفضاء السيبراني كمساحة لممارسة الفعاليات الدينية؟ كيف تؤثر التقانات الرقمية على الهويات الدينية؟ كيف يمكن للفضاء السيبراني أن يساعد على زيادة التفاعل البيني بين المنتمين لذات المعتقد[2] ؟

وإذا كانت هذه الورقة ستتعامل -وفقا للإطار النظري الذي قدمه كون- مع النموذج السيبراني (الشبكي) على أنه نموذج معرفي سائد، بمعنى أنه نموذج يكتسب أرضا جديدة يوما بعد يوم، ويسمح بتفسير العديد من الظواهر المستحدثة، فإن النموذج المعرفي الآخذ في الانحسار -اتساقا مع نفس الإطار الذي اقترحه كون- ستتم الإشارة إليه باسم نموذج التقانة العادية أو التقليدية (Normal Technology)، ويشير إلى مجمل التقانة ما قبل الشبكية، حيث تفترض الورقة أن النقلة من نموذج التقانة التقليدية إلى نموذج التقانة الشبكية قد تضمنت آثارا جوهرية، على المجتمعات والأنظمة وعلى نمط العلاقات الدينية البينية.

بعبارة أخرى، تفرق الورقة بين أثر التقانة التقليدية وأثر التقانة الشبكية، وتفترض أنه في الوقت الذي كان فيه نموذج التقانة التقليدي بمثابة عامل من عوامل تمكين الأنظمة، فإن التقانة الشبكية تطرح ما من شأنه إعادة الاعتبار لمفهوم المجتمع بشكل عام، ومجتمع الأمة على نحو خاص، وتقدم ما يمكن أن يزيد التقارب بين عناصر الأمة، وصولا إلى حد تحقيق نوع من الأخوة السيبرانية إن جاز القول.

أولًا- مجتمع الأمة

يشير مفهوم المجتمع إلى تلك الجماعة (الجماعات) من الأفراد التي تقطن داخل رقعة جغرافية تتحدد غالبًا بحدود دولة قومية ما، وتخضع لسلطتها السياسية. ويتميز المجتمع بوجود أنماط من العلاقات المطردة بين أفراده، وأنماط من السلوكيات والمعايير الأخلاقية والثقافية المقبولة على نطاق واسع بينهم. وإن كانت هذه العلاقات المطردة بين أفراد المجتمع لا تُترجَم دائمًا إلى أطر تنظيمية[3].

من جانبه يشير مصطلح الأمة، إلى جماعة بعينها -في حالتنا هي جماعة المسلمين- تضم أجيالا ماضية وحاضرة (ومستقبلة أيضا)، وموزعة على امتداد مساحات جغرافية واسعة، ولكن لم يحل تفرق أفرادها عبر المكان والزمان دون استشعارهم الانتماء لجسد واحد. “الأمة الإسلامية” بهذا المعنى هي “مجتمع المؤمنين عبر الزمان والمكان”. وفقًا لهذا التعريف، يمكن اعتبار جميع المسلمين البالغ عددهم 1.9 مليار مسلم (وفق إحصائيات 2021)[4] جزءًا من هذا المجتمع الواسع، بغض النظر عن اختلاف لغاتهم، وجنسياتهم، وأعراقهم، وألوانهم، ومستوياتهم الاجتماعية، والاقتصادية[5].

يتفق مفهوم الامة بالمعنى السابق مع مفهوم المجتمع في عدد من الخصائص، ويختلف في أخرى، فأفراد الأمة يجمعهم رابط عقدي معنوي، يتمثل في الانتماء لعقيدة واحدة، وقِبْلة واحدة، والالتزام بأداء طقوس دينية واحدة، فضلا عن التوق -في الغالب- إلى الخضوع لشريعة واحدة، في الوقت الذي تكون فيه الروابط الرسمية والمؤسسية بينهم إما شحيحة أو غير فعالة، وينعكس ذلك في ضعف قدرة مجتمع الأمة على التأثير على السياسات الداخلية أو الخارجية للأنظمة الوطنية، فلا توجد قنوات طبيعية تنقل نبض الأمة واهتمامات أفرادها، وتنعكس من خلالها مشاعرها المشتركة على السياسات والممارسات الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية.

انبثاق التقانة الشبكية طرح احتمالية للحديث عن معنى مختلف للمجتمع، معنى يحمل معنى الترابط، والقابلية للتنظيم (الشبكي)؛ ومن ثم القدرة على صياغة مطالب متقاربة، وتحري أهداف مشتركة. وفي هذا الإطار رصد باحثون ظهور أنواع جديدة من المجتمعات الرقمية، من ضمنها المجتمعات الدينية، التي تدمج على نحو ما بين خصائص التقانات الجديدة والسمات التقليدية للأديان من حيث هي أنساق من المعتقدات والممارسات والمعاملات، وتعبر عن نوع من التأثير المتبادل بين التقانة الشبكية وبين الأديان. وقد أصبح الحديث عن الأمة الرقمية أو السيبرانية من معالم هذا النوع من الدراسات، على نحو يوحي باهتمام المجتمع الأكاديمي (الغربي تحديدا) باحتمال تبلور شكل ما للأمة من خلال الفضاء السيبراني (على نحو ينقض التوقعات التي اعتبرت أن العولمة قد كتبت شهادة وفاة لهذا المفهوم). والسؤال المشترك في إطار هذا النوع من الدراسات هو كيف يمكن أن يطور الأفراد حس الانتماء إلى مجتمع الأمة من خلال التفاعل عبر الفضاء السيبراني والتقانات الشبكية[6]. ولمحاولة المشاركة في الإجابة عن هذا السؤال تضيف هذه الورقة سؤالا آخر هو: كيف نجحت التقانات الشبكية في تجاوز الأثر الذي ساهمت من خلاله التقانة التقليدية (بالنظر إلى خصائصها اللصيقة بها أو على الأقل الطريقة التي استخدمت بها)، في تأكيد حالة التجزئة بين مكونات الأمة الواحدة.

 ثانيًا- التقانة التي صنعناها/التقانة التي صنعتنا!

لم تكن التقانة مشروعا واعدا بالنسبة للعلاقات الإنسانية دائما، ولم تكن قريبة من المجتمع بنفس درجة اقترابها من دوائر السلطة والحكم في لحظات حاسمة من تاريخ تطور المجتمع الحديث، حيث كانت غالبا أداة للسلطة؛ تستخدمها لأغراض التحكم والتنميط والتوجيه والمراقبة والمعاقبة… إلخ. ونتيجة للعلاقة الوثيقة التي ربطتها بالدولة الحديثة منذ نشأة الأخيرة، تطور وضع التقانة لكي تصبح إطارا مرجعيا ونموذجا تصوريا، كما أصبحت لها أدوارها الاجتماعية والسياسية بخلاف دورها التطبيقي العملي. وقد ظهر هذا بوضوح منذ بواكير الثورة الصناعية حين بدأ “المجاز التقاني” يدخل لغة الخطاب البشرية، وحين بدأت تتشكل مقولات العقلانية الحديثة على أساس من النماذج التصورية النابعة من عالم التقانة، على سبيل المثال تسربت مفاهيم مثل الاستقرار، والتوازن من عالم التقانة الميكانيكية (تقانات المحركات البخارية تحديدا) إلى علم الاقتصاد، ثم إلى علوم السياسة والاجتماع وغيرها. ولم يتوقف الأمر عند حد استعارة بعض الصور التشبيهية، وإنما تسرب الأساس المعرفي لعالم التقانة إلى منظومة الظواهر الاجتماعية، ونقصد بذلك فكرة التحكم العقلاني، فكما أن التحكم يمثل جوهر عمل التقانة، فإنه صار بالدرجة نفسها تقريبًا جزءً لا يتجزأ من طرائق إدارة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حتى أصبحت التقانة وأسلوب عملها هي الطريقة التي يفهم بها البعض طبيعة وجودهم في العالم[7].

ولهذا فعلى الرغم من أن النقلة من التقانة، بمعناها التقليدي، إلى التقانة السيبرانية قد تضمنت قفزة في طبيعة التقانة ومن ثم في آثارها المحتملة، إلا أن ذلك لا يغنى عن مقارنة خصائص التقانة بشكل عام بالتقانة الشبكية على نحو خاص، لتبين الأثر الذي أحدثته هذه النقلة فيما يتعلق بتمكين المجتمع وزيادة الروابط بين أفراده. وسوف نجري هذه المقارنة من خلال عدد من الثنائيات، وهي (1) التنميط والتنوع، (2) التفكيك والتركيب، (3) الحيادية والقيمية، (4) الكمية والكيفية، (5) السببية والغائية[8].

(1) التنميط والتنوع

استخدمت التقانة لوقت طويل، وعلى نطاق واسع، لأغراض التنميط، ويعنى التنميط ردَّ الكل المختلف إلى قالب واحد، وفي هذا الإطار يمكن استحضار نموذج تقانات الإعلام، فكثيرا ما استخدمت تقانات الإعلام الجماهيري لصناعة وعي نمطي، وتوليد قناعات مشتركة، وإيمان بنفس الأفكار والأهداف. وترجع أهمية التنميط في إطار منظومة “الدولة الحديثة” إلى كونه محوريا في تسهيل التحكم والضبط، على اعتبار أن إدارة مفردات متشابهة في الغاية والسلوك أيسر من إدارة مفردات متباينة لها سلوكيات متنافرة وأهداف متباينة. من هنا كان تنميط الجماهير أحد أهم الأدوار الأساسية للسلطة في الدولة الحديثة، وكانت التقانة الأداة المثلى لتحقيق ذلك[9].

بعد الثورة الرقمية، تحررت التقانة الشبكية من قدر كبير من خصائص التقانة العادية، ومنها خاصية التنميط، فبدلا من أن تخلق مستخدمين منمطين، وفرت التقانة الجديدة فرصا غير محدودة للتنوع؛ ومن ذلك التنوع في مصادر المعلومات، والتنوع في الخيارات التواصلية. وقد ساهمت الطبيعة الجديدة لتقانات الاتصال الحديثة، في إنشاء تجمعات افتراضية جديدة، لا تتقيد بأي حدود جغرافية، وتتجاوز العديد من الانقسامات العرقية والثقافية والاجتماعية[10]. أدت هذه الخصائص إلى إعادة الاعتبار للاختلافات الفردية، فلم يعد من الحتمي أن يقبل الفرد التنميط في إطار المجموع، ولم يعد من الحتمي أن يواري ذاتيته لكي يبدو فردا “صالحا،” يتصرف كما يراد له أن يكون.

على المستوى الديني، قدم الفضاء السيبراني فرصا متنوعة لبناء الهوية الدينية، كما قدم بدائل للأفكار التي تطرحها المؤسسات الدينية الرسمية. فالعديد من المسلمين اليوم، يستخدمون صفحات التواصل الاجتماعي المختلفة، وقوائم البريد الإلكتروني، والمنتديات للحصول على معلومات، والنقاش حول قضايا مختلفة، بدلاً من الاضطرار إلى الرجوع إلى المؤسسات الرسمية، لاستجداء نصيحة قد تصطبغ بالصبغة السياسية، كونها تصدر عن رجال دين هم في المقام الأول موظفون حكوميون. فبعد التجمد الذي أصاب المؤسسات الدينية، بفعل القيود السياسية، أو بفعل موجات التحديث التي أثرت بشكل أو بآخر على البنى التقليدية عموماً، والبنى الدينية خصوصاً، أصبح أمام الأفراد منابر بديلة للتدين الرسمي. بعبارة أخرى لم يعد التدين صناعة محلية، ولم تعد مصادر المعلومات الدينية منحصرة في مؤسسات بعينها، وإنما صار العرض متنوعاً بدرجة غير مسبوقة[11].

شكل آخر من أشكال مواجهة التنميط الذي تسمح به تقانات الفضاء السيبراني، يتمثل فيما تقوم به أدوات التواصل الشبكي في مواجهة التنميط الذي تمارسه وسائل إعلام غربية، والتي تميل إلى تصوير المسلمين على أنهم “إرهابيون”، معادون للديمقراطية، متخلفون ثقافيًا واقتصاديًا. ومؤخرا أصبحت تربطهم على نحو تعسفي بموجات الهجرة غير الشرعية. وفي هذا السياق لاحظ البعض أن الفضاء السيبراني يوفر أكثر من أي شيء آخر “مساحات يمكن للمسلمين، الذين يجدون أنفسهم غالبًا أقلية مهمشة في العديد من المجتمعات الغربية، أن يقاوموا من خلالها الصور النمطية التي يوصمون بها. وأحد آليات القيام بذلك هي التدوين”[12]. حيث يحاول المدونون الضغط من أجل التغيير الاجتماعي والمؤسسي، ومواجهة الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين، وشرح كيف يمكن أن يتعايش المسلمون في إطار المجتمعات غير المسلمة، وكيف يمكن النظر إلى اختلافهم الديني على أنه يوفر إمكانات، بدلاً من أن ينظر إليه كمشكلة. وعلى الرغم من أن الفضاء السيبراني ليس المكان الوحيد المتاح لهذه الأنشطة، إلا أنه يمثل مساحة مهمة يمكن للمدونين تأكيد هوياتهم الإسلامية من خلالها[13].

(2) التفكيك والتركيب

وجهة النظر المتشائمة تذهب إلى أن التقانة ومنتجاتها لا تبدو عاملاً مساعدا على التقارب ودعم أواصر الأخوة بين المستخدمين لها، وذلك بحكم غلبة منطق التفكيك على النموذج المعرفي الذي تنتمي إليه. إذ يمثل “التفكيك” ثاني أبرز الخصائص في إطار النموذج المعرفي التقاني، ففي إطار هذا النموذج لا يمكن فهم أي ظاهرة إلا بعد تفكيكها إلى مكوناتها الأبسط، وردّها إلى عناصرها الأولية، توطئة لتعميم فهم الجزء على الظاهرة التي ينتمي إليها ككل[14].

وقد تسرب منطق التعامل الاختزالي مع الظواهر المادية إلى النموذج الاجتماعي نفسه، فأصبحت الظواهر الاجتماعية كافة عرضة للتفكيك (على الأقل نظريا)، بعد أن هيمن النموذج المعرفي التقاني، وأصبح هو المسيطر على طريقة تصميم العديد من مؤسسات الدولة الحديثة. وفي إطار من هيمنة منظور التقانة كانت الشكوى المألوفة هي أن التقانة تعمق الفردية، وتؤدي إلى انقطاع العلاقات سواء بين الأفراد وبعضهم البعض، أو حتى بين الفرد وبين ما يقوم بإنتاجه باستخدام الأدوات التقانية. فالنموذج الاجتماعي المتأثر بفلسفة التقانة مصمم على أساس من اختزال وعزل الفرد عن الكل الذي ينتمي إليه (الأسرة، العائلة، الجماعة)، بل واختزال الفرد نفسه إلى مجموعة المهارات التي يحوزها والخصائص التي يملكها[15].

وجهة النظر المعاكسة ترى أن التقانة الشبكية، في إطار الفضاء السيبراني، يمكنها أن تساعد على تجسير الفجوات التي خلقتها التقانة التقليدية، ففي حين عمقت الثانية التفكيك، فإن الأولى تدعم الترابط، وذلك بسماحها للمتباعدين أن يكتشفوا ما يجمعهم سوياً، ويوطدوا أواصر علاقات جماعية (غير مؤسسية) بينهم. فأيًا ما يكن اختلافه، سيظل الفرد واجدًا من يناظره على شبكة التفاعلات الكثيفة في إطار المجتمع المزود بتقانات شبكية. وفي هذا الصدد يمكن ملاحظة العديد من المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي التي تضم أفرادا يتبنون نفس الأفكار، فيما ينتمون إلى بقاع جغرافية شتى. فلم يعد يقف التباعد المكاني حائلاً أمام تبادل وجهات النظر تبادلا حرا، والانفتاح على مجموعة متنوعة غنية من المواد الثقافية والآراء.

وتلفت العديد من الدراسات الانتباه إلى “المسلمين الجدد،” وإلى الجاليات المسلمة في المجتمعات غير المسلمة، وفي هذا الإطار تلعب مواقع التواصل الاجتماعي دورا شديد الأهمية كأداة اتصال بين هؤلاء، حيث تساعد على نقل وتشكيل الخبرات وإتاحة المعرفة والمعلومات، التي تساعد بطريقة أو بأخرى على بناء الإحساس بالمجتمع الواحد. فالمسافة الجغرافية الواسعة التي تفصل بين هؤلاء المسلمين وبين العالم الإسلامي، فضلا عن انخفاض كثافة السكان المسلمين في المجتمعات التي يتواجدون فيها تجعل الاتصال المباشر بينهم وبين العالم الإسلامي صعبًا للغاية. لذلك، وباستخدام مزايا التقانة الشبكية، يلجأ هؤلاء المسلمون إلى الفضاء السيبراني كوسيلة للتواصل، ومشاركة المعلومات، والتعرف على المسلمين الآخرين في مجتمعاتهم وفي العالم الإسلامي الأوسع، حيث يساعدهم ذلك على تنمية الشعور بالانتماء للأمة. ومواجهة التحديات التي يواجهونها كمسلمين، والتي عادة ما تكون تحديات مختلفة وفريدة من نوعها، مع الأخذ في الاعتبار محدودية الوعي بالثقافة الإسلامية وغلبة التصورات الخاطئة عن المسلمين في إطار المجتمعات التي يتواجدون فيها[16].

(3) الحيادية والقيمية

ترتبط التقانة ومنظورها المعرفي بفكرة الحياد القيمي؛ بمعنى انقطاع الصلة عن القيم والخصوصيات الثقافية، فالتقانة (يفترض أنها) ليست متجذرة في أي ثقافة أو منطقة أو تراث، فطريقة عملها تتسم بالعموم والشمول، ولهذا فهي توحد تقاليد أو تاريخ المناطق التي تستخدم فيها، ولكنها تُتهَم في نفس الوقت بكونها مسؤولة عن التعارض البادي بين التحديث وبين الثقافة الأصيلة[17]. ولهذا الاعتبار تذهب الاتجاهات الناقدة للتقانة إلى أن الأخيرة تؤدي بمستخدميها إلى نوع من البرود القيمي، فبحكم أنها لا تعمل وفق منظومة قيمية، ولا يتوقف نجاحها في أداء ما تؤديه على التزامها بأي نوع من القيم، تقدم التقانة سياقا داعما للتخلي عن القيم، أو على الأقل لتحييدها، حتى إن المنظور التقاني أصبح بمثابة “كود ضمني” للموضوعية (وهي الكلمة التي أصبحت تستخدم كمرادف لتحييد القيم أو بالأحرى لاستبعادها).

من جانبها لم تنجح التقانة الشبكية في إطار الفضاء السيبراني، في التحرر كثيرا من عيوب المجتمع التقاني اللا-قيمية، ففضلاً عن أنها تسمح للعديد من القيم السلبية بالانتشار، فإنها من ناحية أخرى تقلص من قيم “المجال المثالي،” الذي يفترض أن الفرد المؤمن ينتمي إليه، وتدفعه باتجاه مجال الاستهلاك المادي والترفيهي[18]. ومن المألوف عند كثير من مرتادي الفضاء السيبراني الشكوى من ضياع الوقت في التصفح والانتقال — على غير هدى — عبر المواقع والصفحات، على نحو شبه آلي، لا يكاد يحكمه منطق سوى الفضول والإتاحة والفراغ.

وفي هذا الصدد خلصت دراسات إلى أن التقانة الشبكية متناقضة بطبيعتها مع الدين. وذلك بحكم أنها ليست متوافقة تمامًا مع مطالب التأمل الانفرادي والتخفف من الارتباط الاجتماعي، التي تنص عليها معظم التقاليد الدينية من أجل التطور الروحي الحقيقي. بدلاً من ذلك، يميل الفضاء السيبراني إلى دمج مستخدميه في سلسلة لا نهاية لها، ومشتتة للانتباه غالبا، من “التجارب الحياتية للآخرين”[19]. فضلا عن ذلك فإن الثقافة السيبرانية تؤكد على المنبهات البصرية، والتغير السريع في الموضوعات، والتنوع، جنبًا إلى جنب مع بساطة العرض.

“إن القدرة على التسامي عن الأماكن والأحداث، والتفكر في المعنى، والتأمل في المتجاوز هي عناصر أساسية في الخيال الديني. لكن هذه القدرة هي أبرز ضحايا الثقافة التي تحركها الصورة، فهذه الثقافة البصرية تولد حالة من الانفعال اللحظي، ولكنها لا تستدعي التفكير أو الاستجابة المدروسة. وكأن المعادلة هي أن ما نكسبه من المعلومات نخسر في مقابله قدرا مساويا من البصيرة، وربما بمرور الوقت، نفقد حتى القدرة على التفكير بصورة صحيحة”[20]. الفضاء السيبراني بهذا المعنى “يحدث تأثيرا قويا، ولكنه يجعل التأمل العميق والمتجاوز الذي يتطلبه الدين غير عملي. إنه (أي الفضاء السيبراني) “مكان معلومات مفرط التشبع” ولكنه قد يتعارض بشكل واضح مع متطلبات الإيمان كما يؤكد عليها الدين”[21].

تتسبب الخصائص السابقة للفضاء السيبراني، في تسرب روح جافة إلى مستخدميه على نحو يجعل الروابط بينهم مجرد روابط شكلية، تقتصر في كثير من الأحيان على المتابعة الباردة، والتعاطف الذي لا يتعدى اختيار الصورة التعبيرية المناسبة (emojis)، من دون فاعلية حقيقية، ومن دون مؤازرة تمتد لما وراء لوحة المفاتيح. وهو ما يشير إليه البعض باسم “وهم الفاعلية،” والذي يشير في أفضل حالاته إلى نوع من التفاعل الفاتر، إزاء قضايا تحتاج بطبيعتها إلى نوع من الدعم المادي، وليس مجرد التأييد الافتراضي[22].

ولكن الخطاب الديني الرقمي، كما نجح في تجاوز المعوقات اللغوية والثقافية والمحلية، يمكن أن ينجح في تخطي العديد من المعوقات القيمية، وذلك بفضل ما يشتمل عليه من خيارات متنوعة، يمكن أن توفر نوعا من الأرضية القيمية المشتركة بين أفراده. على سبيل المثال، تنتشر حاليا في إطار الفضاء السيبراني العديد من التجارب الوقفية الإسلامية، التي توظف منابر الوقف الرقمي لنشر المعرفة الدينية والقيم الأخلاقية المرتبطة بها. وقد أكدت دراسات غربية (وإن على نحو تحذيري من عواقب ذلك بالنسبة للمصالح الغربية) أنه حتى المواقع الإخبارية التي تعنى بقضايا الأمة، تسهم بشكل أو بآخر، في دعم قيم الترابط بين أفرادها[23].

وفي هذا الصدد أشارت دراسات إلى أنه حتى النهج الإخباري المجرد، الذي تتبعه بعض المواقع، يمكن أن يدعم قيم الأمة الواحدة. على سبيل المثال في تغطيتها لقوانين حظر الحجاب في المدارس الفرنسية، تستهدف بعض المواقع الإخبارية بناء هوية إسلامية عالمية وتعبئة الرأي العام المسلم عبر العالم. فقضية مثل هذه تغطى في التقارير الإخبارية ذات الصلة لا على أنها “مشكلة للفتيات والنساء في المدارس العامة في فرنسا، ولكن على أنها مشكلة للمسلمين في جميع أنحاء العالم”. وذلك في إطار يظهر قضية الحجاب على أنها جزء من “رسالة حضارية”؛ لأن “الحجاب يشير إلى معنى الاختلاف عن الآخرين”، ويؤكد في نفس الوقت قيم الهوية الجمعية للإسلام[24].

هذه الجهود تتضمن على نحو أو آخر محاولات لفك الارتباط بين التقانة والعلمانية، عبر التأكيد على أنه يمكن توظيف ثمار ثورة المعلومات والاتصالات لنشر القيم الحضارية والدينية، وعلى نحو أخص، دحض المقولات التي تصم الإسلام بأنه معاد لقيم التقدم، وغير قادر على التعايش معها فضلاً على الاستفادة من ثمارها.

(4) الكمية والكيفية

لا ينفصل المنظور التقاني التقليدي عن محاولات فرض المقولات الكميَّة على الواقع، ومحاولة إخضاع ظواهره للقواعد القياسية، التي تتضمن تطبيق المعايير الكَميَّة على قواعد تقييم العمل وتنظيم السلوك. وقد ترتَّبَ على هذه النزعة أن تضَاءَلَت جوانبُ مهمة لا غِنَى عنها لحياة الإنسان، وتمت التَّسويَةُ بين الفروق الفردية، والتَّضييق على إمكانات التعبير الكيفية التي لا تَستقيم الحياة بدونها[25].

من جانبه ورث الفضاء السيبراني العديد من هذه العيوب، على سبيل المثال لا يزال عدد المشاهدات هو المتغير الحاكم لذيوع خبر، أو رأي، أو تعليق، أو التوصية بموقع معين، فالتقييم كمي وليس كيفيا بالدرجة الأولى، وفي هذا الإطار يصبح أهم شيء أن يتبادل المستخدمون الخبر ويعلقوا عليه كيما يأخذ حقه من الانتشار أو تتم التوصية به لآخرين. الأكثر انتشارا بهذا المعنى هو ما يحظى بتفاعل أكبر، أيا ما كان مضمونه أو محتواه. وتستغل العديد من الأطراف هذه الخاصية من خلال تشكيل ما يطلق عليه اللجان الإلكترونية التي تتولى الدفع بأخبار أو موضوعات أو تعليقات معينة إلى صدارة التداول من خلال تفاعل مفتعل وحسابات وهمية، الأمر الذي يحجب موضوعات أو آراء أكثر أهمية، ويعطي الصدارة لموضوعات أقل أهمية. كما يجعل أصحاب المحتوى القيم “يتوسلون” الإعجاب والمشاركة من مشاهديهم ومتابعيهم، على نحو يشوش على الرسالة الأصلية للتواجد في إطار العالم الافتراضي.

تدفع المشاكل السابقة بسؤال الكم والكيف إلى واجهة النقاش حول قضايا الأمة، فهل العبرة بكثرة من يتفاعلون حول الإسلام، أم بالكيفية التي يتفاعلون بها؟ لقد صاحب حالة الانفتاح الديني (الكمية)، في كثير من الأحيان، تصدي كثير من غير المؤهلين، ليس فقط للتعبير عن آرائهم الدينية، ولكن أيضًا لتقديم “الفتاوى” حول قضايا يمكن أن تخلق العديد من المشاكل وتشكل العديد من التحديات، فضلا عن تطوع الكثير منهم لتقديم ما يطلق عليه التفسيرات الجديدة أو إعادة القراءة للموروث الديني، وذلك في إطار موجة “تحديثية،” اتخذت من ادعاء مواجهة المركزية الدينية الرسمية منطلقا لها لمحاولة تغيير حدود المعرفة الدينية.

من الطبيعي أن تطرح التحديات السابقة معضلة “من يتحدث باسم الإسلام؟”، وهي المعضلة التي تشير إلى الفراغ المعرفي “الكيفي والكمي” الذي ينشأ عن عدم وجود “عدد كافٍ” من “المؤهلين” للحديث باسم الإسلام في الفضاء السيبراني، أو عدم اهتمام كثير من هؤلاء المؤهلين بأن يكون لهم منابرهم السيبرانية، الأمر الذي يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لكثير من الهواة أو لأصحاب المشاريع البديلة. وقد أدت الوفرة الكمية للصنف الأخير في كثير من الأحيان إلى نشر معلومات، أو نصائح دينية غير دقيقة، أو غير كاملة، أو حتى مضللة، وهذه أصبحت أكثر خطورة وأكثر ضررًا اليوم، مع الأخذ في الاعتبار السرعة التي تنتشر بها المعلومات[26].

وعلى أية حال، لا يبدو أن التفاعل عبر الفضاء السيبراني مقدر له الفشل لأسباب تتعلق بغلبة الكمي على الكيفي. فالفضاء السيبراني يتيح مجالات كيفية أمام العديد من الناشطين المسلمين لتحقيق أهداف تتسم بالجامعية[27]، ولا شك أن المميزين والمؤهلين من أبناء الأمة قادرين على أن يصنعوا فارقاً في إطار هذا الفضاء، وفي هذا الصدد يمكن رصد التأثير البالغ الذي يحدثه بعض صناع المحتوى الإسلامي في أتباعهم، والذين يقدر عددهم في بعض الأحيان بالملايين. ولقد كانت الهجمات التي سمح بها أو سهلها الفضاء السيبراني على الإسلام بمثابة حافز لتكتل العديد من هؤلاء الناشطين السيبرانيين الجادين، ممن أخذوا على عاتقهم مهمة حماية التراث الديني ومواجهة الخطابات الداعية إلى تفكيك النص الديني، وبيان خلفيات أصحابها الثقافية والسياسية، وذلك من خلال العديد من الصفحات والقنوات، التي لا يمكن بخس تأثيرها الكيفي أو الكمي[28].

(5) السببية والغائية

في إطار المنظور التقاني يتم إسكات الغايات الفردية، من أجل تحقيق الأهداف النهائية الموسومة بالرشادة والعقلانية، فهل ورثت التقانة الشبكية نفس الفرض، وهل تحول مستخدمو الفضاء السيبراني إلى أدوات تتساءل عن كيفية استخدام التقانات المختلفة من دون أن تتساءل عن الغاية من ورائها[29]؟

بطبيعة الحال يبدو انطباق هذا النقد على الفضاء السيبراني مستبعدا إلى حد ما، فمستخدمو هذا الفضاء ليسوا مجرد آلات، تتحرك من دون غاية، وحتى لو كان النموذج الشبكي لا يحدد للأفراد غايات معينة يتعين عليهم السعي نحو بلوغها، إلا أنه لا يتضمن ما من شأنه أن يمنعهم من أن تكون لهم غاياتهم في الوقت نفسه، فالفرد حر في أن ينشئ أو يتتبع المواقع والصفحات التي تتوافق مع اهتماماته، والتي قد تخرج عن حدود ما قررته منظومات السلطة والتحكم التي يتواجد في إطارها[30]. وفي وسط حزمة الاهتمامات المتاحة، تحتل القضايا المرتبطة بالأمة الإسلامية مكانة متقدمة.

فالكثير من الأنشطة الرقمية يرتبط بغايات محددة، مواقع الإفتاء الرقمي على سبيل المثال، يتحدد فيها غرض الزائر بالحصول على إجابة لسؤال محدد، وتسهم المنتديات بدرجة كبيرة في بلورة أطر مرجعية للمشتركين فيها، وصفحات التواصل تسمح من خلال النقاشات المتواصلة، والتعليقات التفاعلية، بتشكيل وجهات نظر تتجمع حولها بقية الآراء. ونفس الأمر بالنسبة لسائر الخدمات الدينية التي أصبح لها نظير رقمي، مثل المواقع التي تتيح إيصال الزكاة لمنظمات إغاثة عالمية، تتولى نقلها إلى المناطق الأشد احتياجا. في هذه الحالات وغيرها تعد الخدمة الرقمية ممرا آمنا لتحقيق مقاصد تعبدية على نحو أكثر كفاءة.

كما تلبي العديد من تطبيقات الهواتف الذكية الاحتياجات الدينية على تنوعها. حيث تستعرض العديد من هذه التطبيقات أماكن المساجد وأماكن بيع الطعام الحلال (بالنسبة للمسلمين خارج العالم الإسلامي)، كما تستعرض العديد من التطبيقات كيفية الصلاة، وكيفية حساب الزكاة أو حتى تقسيم الإرث بطريقة شرعية، فضلا عن تطبيقات متنوعة تتيح تنزيل (download) القرآن الكريم، في شكل نسخ نصية ومسموعة، بالإضافة إلى كتب التفسير والموسوعات الحديثية، وكتب التاريخ الإسلامي، ليس فقط باللغة العربية، ولكن باللغات الأخرى، ما يجعل التراث الإسلامي ككل في متناول المسلم العادي، وعلى نحو مفهرس وقابل للبحث السريع (searchable).

كما ظهرت لبعض الوقت محاولات -لم يكتب لمعظمها النجاح- لتقديم بدائل إسلامية لمواقع التواصل الاجتماعي العالمية، لتجنب ما قد تحتويه الأخيرة من مخالفات شرعية، على سبيل المثال حاول بعض رجال الأعمال المسلمين، تصميم موقع للتواصل الاجتماعي بعنوان “عالم السلام”، Salamworld بحيث يكون بمثابة فيسبوك إسلامي. يراعي المعايير الأخلاقية. ويقدم محتوى نظيفا، ولكن هذه المحاولة -وكثير غيرها- لم تكلل بالنجاح[31].

وأيا ما يكون الأمر فإن “اختفاء الغاية” ليس هو الخطر المرتبط بالتفاعل السيبراني، وإنما إمكانية السقوط في فخ “الغايات المقلدة أو الموجهة،” فالفضاء الرقمي مساحة مفتوحة للجميع، والقدرة على صياغة محتوى يجذب رواد هذا الفضاء أصبحت صناعة يجيدها البعض، فيما يفشل فيها آخرون. ويستخدم المختصون، لوصف هذه الظاهرة، اسم “صناعة جذب الاهتمام”؛ ويشيرون بذلك إلى تلك الأنشطة التي تتفوق فيها الأطراف ذات المقدرة الأكبر على الحشد الرقمي[32].

ولأن أسهل الطرق لجذب الانتباه هو مضاهاة ما يجذب الانتباه فعلاً، فإن الكثير من الأفكار التي تطرح في إطار الفضاء السيبراني، وتتبنى غايات إسلامية، تستعير وسائلها من الطرف الذي يحظى بالرواج، والذي قد لا يكون إسلاميا، أو بالأحرى منافيًا للإسلام، وهنا بدلا من منافسته بأفكار بديلة يتم تقليده، فقط مع تغيير اليافطة، أو طريقة العرض[33].

على سبيل المثال يظهر في إطار الفضاء السيبراني ما يسمى بتطبيقات المواعدة الإسلامية عبر الإنترنت، وعروض الموضة “الإسلامية”، وأغاني الراب “الإسلامية”، وبرامج المنوعات الإسلامية. ويبرر أصحاب هذه الأفكار ما يقومون به بالقول إن “ما هو مسموح به في الإسلام أكثر بكثير مما يعتقده الناس”. كما تطرح المقولات النسوية الآن بشكل شديد الإلحاح في إطار المواقع التي يفترض أنها تعبر عن ثقافات إسلامية. ولا تكل هذه الأصوات عن مهاجمة الوضع التقليدي للمرأة في إطار المجتمعات المسلمة، وانتقاد الأصوات التي تحاول وضع ضوابط للتفاعل بين الجنسين وخصوصا على مواقع الدردشة، ونظائرها[34].

ولا يتسع المقام، في إطار هذه الورقة، لتقييم هذه التجارب، ولكن التفسير الذي يمكن أن يطرح –إجمالاً- لفهمها أنها تجارب أرادت أن تتحرى غايات معينة، ملتمسة أساليبَ مستعارةً، فإذا بهذه الأساليب تفضي بها في كثير من الأحيان إلى الانحراف عن الغايات الأصلية، والوقوع في أسر غايات بديلة[35].

خاتمة

المسكوت عنه في الحديث عن “السبل المحتملة لتحقيق تقارب الأمة” أن هذا التقارب متعذر بفعل فاعل. وهذا الفاعل ليس فاعلاً واحدا في حقيقة الأمر، وإنما هو جملة من العوامل التي تراكمت آثارها عبر عقود ممتدة، والتي يخرج استقصاؤها عن نطاق هذه الورقة، ولكن ثمة أثر مارسته “التقانة” نفسها، جعلها من ضمن العوامل التي توجهت إليها أصابع الاتهام، في مراحل تاريخية متأخرة، بوصفها أحد الأسباب المحتملة التي ساهمت في انقسام الأمة.

وجهة النظر التي تتبنى هذا الرأي تذهب إلى أن التقانة كانت دوما أداة في يد السلطة (المركزية)، أو أن الأخيرة هي الطرف الذي أجاد توظيف التقانة لمصلحته، وأن التحالف ما بين السلطة (في إطار الدولة الحديثة) والتقانة مسؤول بدرجة كبيرة عمّا شهده المجتمع من إخضاع وتغييب لوعي أفراده، ومن ذلك الوعي بالانتماء لأمة واحدة. وقد توثقت هذه العلاقة إلى درجة أصبحت التقانة معها بمثابة «إطار مرجعي» للسلطة، تستلهمه وتسترشد بخصائصه الأساسية -من انضباط وانتظام وموضوعية- في أدائها لوظائفها وقيامها بأدوارها.

وجهة النظر الأخرى، التي عرضت لها الورقة، تذهب إلى أن التحليل السابق ربما يصح فيما يخص التقانة التقليدية، أما التقانات الجديدة -وبخاصة الشبكية منها- فيمكنها أن تسهم بدور إيجابي في خلق نوع من الوعي الجمعي، الذي كان مستعصيا في إطار التقانة التقليدية. التقانة الشبكية في إطار الفضاء السيبراني، بهذا المعنى، تمهد الطريق لتحقق الهويات التي كانت مطموسة في إطار مجتمع التقانة السلطوي، فقد نقلت قدرا كبيرا من الفاعلية والتمكين إلى جانب الأفراد، ومن ذلك القدرة على استعادة الوعي بمعنى الأمة والانتماء إليها.

ناقشت الورقة على نحو مقارن وجهتي النظر، مع إعطاء مساحة أكبر بطبيعة الحال لوجهة النظر الثانية، على اعتبار أنها الأكثر جدلية، لكونها تتحدى فكرة الارتباط التاريخي بين السلطة والتقانة، وتذهب إلى أن التقانة صارت (على الأقل مؤخرًا) تعبر عن المجتمع بنفس قدر (أو ربما بقدر يفوق) تعبيرها عن السلطة، والأهم أنها بعد أن كانت تلهم السلطة خصائصها الأساسية، أصبحت تحمل من الخصائص ما يصلح لوصف المجتمع والتعبير عنه، فبدلًا من أن تكون –فقط- أداة من أدوات تحقيق المركزة والهرمية، صار من الممكن النظر إليها –أيضًا- كتعبير عن التشبيك، ومن ثم كظاهرة داعمة للمجتمع، بما في ذلك مجتمع الأمة، ومن ثم بوابة محتملة لإعادة التئام ما انفرط من عقده.

 

 

—————————-

(*) مدرس بقسم الحوسبة الاجتماعية، جامعة القاهرة.

[1] توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، العدد 168، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1992).

[2] Giulia Evolvi, Maria Chiara Giorda Introduction: Islam, Space, and the Internet, Journal of Religion, Media and Digital Culture, vol. 10, 2021, p. 2.

-Heidi A. Campbell, ed., Digital Religion, Understanding Religious Practice in New Media Worlds (NY: Routledge, 2013).

-Birgit Meyer and Annelies Moors, eds., Religion, Media, and the Public Sphere (IN: Indiana University Press, 2006).

-Stewart M. Hoover (et al.) (eds.), Religion in the Media Age (NY: Routledge, 2006).

-Susan Ella George, Religion and Technology, in the 21st Century: Faith in the E-World (PA: Information Science Publishing, 2006).

-Brenda E. Brasher, Give Me That Online Religion (San Francisco: Jossey-Bass. 2001).

[3] Lisa Harrison, Adrian Little and Edward Lock, Politics: The Key Concepts (New York: Routledge, 2015), p. 8.

[4] Religion of the World, country meters, available at: https://cutt.us/kbDfA

[5] Sahar Khamis, “Cyber Ummah:” The Internet and Muslim Communities, in: G. Marranci (Ed.), Handbook of contemporary Islam and Muslim lives, (New Delhi: Springer, 2018), p. 2.

[6] Sahar Khamis, p. 2.

[7] شريف عبد الرحمن، من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، قراءة مقارنة لآراء هربرت ماركيوز ومانويل كاستيلز حول العلاقة بين السلطة والمجتمع والتقانة،” المجلة العربية للعلوم السياسية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021)، ص 188.

[8] استعرض الباحث هذا الإطار النظري على نحو موسع في دراسته المذكورة بالأعلى، “من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، قراءة مقارنة لآراء هربرت ماركيوز ومانويل كاستيلز حول العلاقة بين السلطة والمجتمع والتقانة،” ص ص 183: 209

[9] المرجع السابق، ص 189.

[10] Sahar Khamis, p. 3.

[11] Morten T. Højsgaard and Margit Warburg, “Waves of Research” in: Morten T. Højsgaard, Margit Warburg )eds.(, Religion and Cyberspace (NY: Routledge, 2005), p. 7.

[12] Peter Mandaville, “Communication and Diasporic Islam: A Virtual Ummah,” in Karim H. Karim (ed.), The Media of Diaspora (London: Routledge, 2003), pp. 135, 146.

[13] Giulia Evolvi, “Hybrid Muslim Identities in Digital Space”, Social Compass, vol. 64, no. 2, 2017, pp. 220-232.

[14] شريف عبد الرحمن، من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، ص 190.

[15] المرجع السابق، نفس الصفحة.

[16] Giulia Evolvi, Hybrid Muslim identities in digital space, Op. cit., p. 226.

[17] شريف عبد الرحمن، من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، ص 191، هامش 23.

[18] Jay Kinney, “Net Worth? Religion, Cyberspace, and the Future”, Futures, vol. 27, no. 7, 1995, pp. 774–775.

[19] Lorne L. Dawson, The Mediation of Religious Experience in Cyberspace in : Morten T. Højsgaard, Margit Warburg (eds.), Religion and Cyberspace (NY: Routledge, 2005), p. 18.

[20] Lorne L. Dawson, Op. cit., p. 17

[21] Brenda E. Brasher, Give Me That Online Religion (San Francisco: Jossey-Bass. 2001) p. 43.

[22] سيف الدين عبد الفتاح، مدخل القيم، مشروع العلاقات الدولية في الإسلام، الجزء الثاني (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1999)، ص 508.

[23] Philip Seib, “Viewpoint: The Virtual Ummah”, Strategic Insights, Vol. V, Issue 8, November 2006.

[24] Sam Cherribi, “From Baghdad to Paris: Al Jazeera and the Veil,” Harvard International Journal of Press/Politics, vol. 11, No. 2, spring 2006, p. 122.

[25] شريف عبد الرحمن، ص 192.

[26] Sahar Khamis, p. 5

[27] M K Zuhri, M M Jamil, M Sobirin, I Taufiq, Virtual Ummah and Religious Movement Contestation: Identity and Discourse, the 19th Annual International Conference on Islamic Studies, 1-4 October 2019, AICIS, Jakarta, 2020.

[28] انظر على سبيل المثال:

[29] شريف عبد الرحمن، من تقانة السلطة إلى سلطة التقانة، ص 192.

[30] المرجع السابق.

[31] Heidi A. Campbell, The Rise of the Study of Digital Religion, in: Heidi A. Campbell, Digital Religion: Understanding Religious Practice in New Media Worlds (NY: Routledge, 2013), p. 10.

[32] شريف عبد الرحمن، شفافية بالإكراه، التحدي الرقمي وجدل المراقبة والتسريب: ويكيليكس نموذجا، مجلة المستقبل العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2018) السنة 40، العدد 469، ص 103.

[33] انظر: باتريك هايني، إسلام السوق، ترجمة: عومرية سلطاني (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015).

[34] Danielle Ramos, The Veiled Ummah of Islam find their voices on the Internet, available at: https://cutt.us/jXlkS

[35] تناقش هبة رؤوف في إطار تقييم التجارب السابقة جدلية ما الذي يمكن أن يعد تجديدا وما الذي يعد سيولة وعلمنة على نحو معمق، في مقدمة كتاب باتريك هايني، ص 17 وما بعدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى