أبعاد إنسانية في السياسة والعلاقات الدولية: بين التوظيف وتعدد المرجعيات والميزان الحضاري

مقدمة:

الكتابة عن “الإنسان” أو “الإنساني” مهمة صعبة مركبة إذا تحرينا ما يسمى “الموضوعية”؛ لأنه في الأساس “لا موضوعية” ابتداء فيما يتصل بالأمور الاجتماعية–الإنسانية بصفة عامة، ولأن الإنسان هو موضوع لمنظورات ورؤى متعددة المرجعيات. ومن ثم فإن مثل هذه الكتابة إما أن تكون ذاتية أو تكون نقدية حضارية، وكل منا لابد أن يكون له خبرة ذاتية مع هذا المفهوم (الإنسان) في سياقات طرحه المختلفة. كما أنني لي خبرة تخصصية نقدية حضارية أريد مشاركتها مع القارئ، وهي خبرة ذات انتماءات معرفية–فلسفية من ناحية، وتنعكس على الرؤى والمواقف من مفاهيم جدالية مثل مفهوم “الإنسان” من ناحية أخرى.

تزداد صعوبة الكتابة في الموضوع مع تعدد مستوياته وتداخلها؛ ابتداءً من “واقع السياسة والعلاقات الدولية”، التاريخية والمعاصرة على حد سواء، مرورًا بالفلسفات والأفكار المقارنة حول الإنسان، وصولاً إلى تفعيل رؤية إسلامية حضارية، ميزانًا ومقياسًا، لتغيير مأمول في حال الأمة والعالم، تغيير حضاري شامل ينطلق من: “الإنسان”، وفي قلبه “الإنسان”، وغايته “الإنسان”.

ومن ثم؛ تطرح الورقة ثلاثة عناصر للموضوع: كيف؟ ولماذا يتم توظيف “الأنسنة” في الخطاب السياسي للدول الكبرى؟ وما هي الرؤى المقارنة الفكرية والفلسفية للإنسان غربًا وشرقًا التي تساعد على تفسير هذا الوضع الراهن الدولي لتوظيف “الإنسان”؟ وأخيرًا: هل من رؤية كلية شاملة يستلزمها إحداث تغيير عالمي ليصبح النظام العالمي أكثر عدلاً وحرية ومساواة أي “أكثر إنسانية”؟

ومن ثم، فإن هذه العناصر الثلاثة للورقة إنما تجمع بين ثلاثة مداخل: مسألة الترويج لمفهوم أنسنة السياسة في الاستخدامات الدولية الراهنة من منطلق تخصصي واهتمامي، ومدخل الأعمدة الفكرية والفلسفية؛ ومن ثم التحليل المفاهيمي المقارن على صعيد الفكر السياسي الغربي والإسلامي، وأخيرًا: رؤية حضارية إسلامية للمفهوم في سياقاته الاجتماعية والسياسية المعاصرة.

(1)

كل منا -أيًّا كان موقعه أو مهنته أو مكانته أو طبقته أو انتماءاته…إلخ- يواجه سياقات تستدعي كلمة “الإنسان” و”الإنساني” ولو في مساحات وساحات متعددة المعاني.

سيل من الكلمات تموج بها كتب ومقالات فكرية أو علمية وخطب وتصريحات وتعليقات وبيانات رسمية أو غير رسمية، وملتقيات وتجمعات ومظاهرات عامة أو نوعية، احتفالات واحتفاءات فرحة أو حزينة…إنها كلمات: حقوق الإنسان، الأمن الإنساني، المشترك الإنساني، التدخل الدولي الإنساني، الحماية الدولية الإنسانية، القانون الدولي الإنساني، التنمية الإنسانية، العلوم الإنسانية، الخطاب الإنساني العالمي، الحضارة الإنسانية العالمية، أو البُعد الإنساني للأمور المختلفو.. إنها كلمات ترد خلال الحروب أو السلام، خلال الصراع أو التعاون، خلال الأزمات العالمية أو الكوارث الطبيعية، خلال الحديث عن الهجرات القانونية أو غير الشرعية، خلال الحديث عن الدول أو المجتمعات والجماعات، خلال الحديث عن الكبار الأغنياء أو الصغار الفقراء، خلال الحديث عن الشيوخ أو الشباب،.. إنه “الإنسان” مفردُ ونواةُ وجزيئُ “البشر” على اختلاف الأعراق والأقوام واللغات والأديان، هو الحاضر الغائب أحيانًا، والحاضر بصراحة وجلاء أحيانًا أخرى، أو الغائب تمامًا في أحيان كثيرة، وتتدخل السياقات الزمانية والمكانية والمعرفية في تحديد درجة الحضور هذه أو درجة الغياب. مقابل ماذا؟ لمصلحة من؟ أو لأمن من؟

إذن كيف في عصر العولمة التي أسقطت بأدواتها حدود الزمان والمكان، يتلقَّى الإنسان “العادي” هذا السيل المتدفِّق من المواقف والأفكار حول نفسه ونظيره: “الإنسان”؟ بعبارة أخرى: ما هي حالة إدراك “الإنسان” المتعين لما يتصل بما يسمى “الإنسان” المتصور والعام؟ إنها حالة مركبة وصعبة ومتداخلة، وقد يشوبها الاضطراب عند “الإنسان” المهتم، إذا لم يمتلك مهارات فك الاشتباك الفكري والسياسي، أو -وهو الأهم- لا يمتلك فطرة سوية وحكمة يقِظة؛ حيث إن حالات “استدعاء الإنسان” ليست موحَّدة أو بريئة أو منزَّهة أو إيجابية دائمًا كما يحلو للبعض الاعتقاد، فإن للعملة وجوهًا أخرى…والأمثلة الشارحة لذلك عديدة متدفقة إلى ما لا نهاية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، ومن واقع أحداث متتالية متراكمة معاصرة وراهنة، نلحظ:

  • استمرار وتزايد الحديث عن حماية البعد الإنساني في وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة (الأسري، الحصار، الاعتداءات الإسرائيلية)… هل يكفي خطاب حقوق الإنسان الفلسطيني عوضًا عن “الحقوق السياسية” وغيرها في أرض فلسطين الوطن؟ وألا يعرض هذا الخطاب القضية الكبرى (التحرير والاستقلال) للاختزال؟ (وما معنى “الإنساني” في هذا السياق، وصلته بالسياسي، والحضاري)؟
  • الحديث عن التدخل الدولي الإنساني في مناطق الصراعات المسلحة حمايةً لحقوق الإنسان من الانتهاك؛ سواء من النظم أو فيما بين الفرق المتصارعة… هل يتحقق بالفعل ويحمي “الإنسان” دون تمييز؟ أم يخضع ذلك التدخل لقيود وضوابط تبين انحيازاته الأيديولوجية وتوظيفه السياسي (البوسنة، رواندا وبوروندي) (اليمن، ليبيا، سوريا) (العراق، أفغانستان): (الإنساني في إطار الأيديولوجيا).
  • حديث الدول الكبرى الغربية عن حقوق الإنسان في الحرية والمساواة في نظم لا تمارسها على النمط الغربي (إيران، أفغانستان) أو في نظم حليفة عميلة تخدم مصالح غربية… هل هو وسيلة للضغط السياسي أم لتغيير هذه النظم، أو وسيلة لتجميل الصورة أمام الرأي العام الغربي؟ (توظيفات الإنساني في الخطاب الدولي)
  • الحديث عن حقوق الإنسان للأقليات المسلمة في الشرق (الصين، ميانمار، القوقاز، الهند) أو في الغرب الأوروبي بصفة خاصة: لماذا يصاحبه من جانب الدول الإسلامية حديث عدم التدخل في الشئون الداخلية؟ هل هو حديث تقية أم تخاذل في النصرة أم يأتي خوفًا من العواقب على المصالح مع الدول المعنية؟ (الإنساني في إطار موازين القوة المختلة).
  • حديث أولويات الأمن القومي وتقديم حماية الدولة على المطالبة بحقوق الإنسان في: الحرية، والعمل والكرامة…هل هو حديث عن أولوية أمن الوطن ضد عدوان خارجي يستلزم تضامنًا وتماسكًا داخليًا وتضحية يتحملها الجميع على قدم المساواة أم هو حديث عن أمن نظم حكم وحكام ومن والاهم من نخب ذات مصالح ولو على حساب حقوق وحريات غالبية الناس؟ (الإنساني ضمن جدلية الأمني والسياسي والحرية والاستبداد).
  • حديث حقوق الإنسان في بيئة نظيفة صحية، هل يعني الشيء نفسه في الغرب المتقدم مقارنة بالجنوب المتخلف؟ فالمسئولية عن تلوث وتدهور البيئة لا تتطابق بين الجانبين، وبالمثل واجبات حماية البيئة… الإنسان على الكوكب مهدد بالفناء؛ سواء أكان في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب… تتعدد الأسباب والموت واحد… (البيئة: قضية الإنسان وكوكب الأرض).
  • هل إنسان عصر العولمة ثم عصر الذكاء الاصطناعي أكثر حظًا من إنسان ما قبل هذين العصرين أم أقل حظًا بل والأكثر تعرضًا لانتهاك حقوق أصيلة للإنسان (الخصوصية، الإبداع، المبادرة…)؟ فهل للإنسان حقوق فقط أم واجبات أيضًا؟ (الإنسان والإنساني في إطار المستقبل الذي تغزوه الأداة والتقنية).
  • وأخيرًا تتعدد أنماط حقوق الإنسان النوعية؛ كحقوق: المرأة، الطفل، ذوي الإعاقة، المهمشين، الفقراء، السكان الأصليين…كما تتعدد أوجه حقوق الإنسان الفرعية (والتي تندرج في جملة الأمن الإنساني) وعلى رأسها الحقوق الثقافية والحضارية، إلى جانب حقوقه المادية في المسكن والمأكل والصحة والتعليم. وفي المقابل فإن “أمن الوطن والإقليم والسيادة”، والأمن القومي أو أمن الدول، ليس إلا الوجه الأول لعملة وجهها الآخر هو الأمن الإنساني.. ولكن واقع الحال، لا يشير إلى الجدل بين الوجهين في كل الحالات، ولكن أحيانًا كثيرة يشير إلى الصراع بينهما؛ وهو في جوهره صراع بين المادي من ناحية والقيمي الأخلاقي من ناحية أخرى. (إشكالية أمن الإنسان بين المادي والقيمي، والسياسي والأخلاقي، والتجزئة والمنظور الحضاري).

إن التدبر في جملة هذه النماذج والمسائل التي تتفرع عن كل منها أمثلة عديدة لابد أن يُبرز المقولة التالية:

إن خطابات “الإنسان” جزئيًا أو كليًا، ليست إلا أحاديث متحيزة، والهدف وغاية المرام من كل منها ليس إيجابيًا بصورة مطلقة أو دائمة (كما يعتقد البعض لمجرد سماع كلمة “إنسان”)، كما أن الحاضر الغائب في هذه الخطابات أن الإنسان ليس ذا حقوق فقط، ولكنه بالأساس عليه واجبات.

إذن ما الذي أصاب حالة خطابات الإنسان، سواء الفكرية –النظرية، أو السياسية العملية؟ الصادرة من الغرب أو الشرق أو الشمال أو الجنوب؛ من الرسمي أو غير الرسمي؟ وأما من ميزانٍ تستقيم به أمور الفهم والتدبر؟

(2)

إن ذاكرتي العلمية والعملية المتراكمة –عبر عقود سابقة منذ ما يقرب من عقود أربعة- حبلى بكلمة “الإنساني”؛ سواء أكانت مجرد مفردة أو كانت مفهومًا أو مصطلحًا. وتتعدد السياقات والمناسبات والأحداث والتفاعلات التي استدعيت خلالها هذه الكلمة. ورغم أن الكلمة صفةٌ مشتقة من “الإنسان” إلا أن ذلك “الإنسان” بدوره اسمٌ تتداعي على تحديد ماهيته وصفاته ووظائفه ومكانته، رؤى ومنظورات وفلسفات؛ سواءٌ من مرجعيات دينية أو وضعية علمانية. ومن ثم فإن كلمة “الإنسان” وتلك الصفة: “الإنساني” ليست  محل إجماع أو توافق. ولذا، فإن ذاكرتي المتنوعة عن “الإنساني” ترصد وترسم خريطة متعددة المداخل لذاك “الإنسان” من حيث ماهيته وصفاته ونطاقاته ووظائفه ومكانته.

ومن أهم هذه المداخل -الحية في ذاكرتي- والتي تراكمت خبرات كل منها عبر أربعة عقود وحتى الآن؛ المداخل التالية:

  • مدخل علم العلاقات الدولية الذي تخصصتُ فيه، ولقد وجدت فيه أن المنظورات المتجادلة تختلف أيضًا حول الإنسان والطبيعة الإنسانية وما هو إنساني وما هو مادي..، ومن هذا المدخل تراكمت خبراتي في الدراسة النظرية وفي عملية التنظير لبناء منظور حضاري إسلامي. وإذا كان علم العلاقات الدولية هو علم دراسة شئون العالم؛ فإنه بهذا ينظر -أو يجنبغي أن ينظر- إلى الإنسان بكليته؛ إلى الإنسانية، ويتداخل في هذا مفهوم العالمية مع مفاهيم العولمة والخصوصية، والأحادية والمركزية المضيقتين في قبالة التعدد والتنوع الإنساني الكبير.
  • مدخل القضايا العالمية المعاصرة؛ من التقليدية (مثل الصراعات المسلحة) إلى غير التقليدية (مثل قضايا المرأة، والبيئة، والفقر، والجريمة المنظمة)، وفي القلب من هذه القضايا كان يقفز دائمًا إلى الأولوية عندي: “الصراع العربي-الإسرائيلي”. ويرتبط بمدخل القضايا العالمية مدخل السياسات الخارجية المقارنة لدول كبرى أو إقليمية أو صغرى. فالسياسة الخارجية وقضاياها هي مستويات لدراسة العلاقات الدولية في إطار مستوى كلي شامل هو مستوى النظام الدولي؛ الذي يضم البشرية أو الإنسانية جمعاء.
  • مدخل التاريخ المقارن، بين تواريخ الأمة الإسلامية وتواريخ الأمم الأخرى؛ سواء على مستوى التاريخ السياسي والعسكري أو التاريخ الاقتصادي أو التاريخ الثقافي الاجتماعي؛ وذلك على المستويين المتفاعلين: الداخلي والدولي، أو الكلي (العالمي) والجزئي (القطري والأممي).
  • مدخل الفكر والفلسفات المقارنة؛ سواء من دوائر حضارية عربية إسلامية أو غيرها من الدوائر، والتي كان “الإنسان” موضوعًا لتجلياتها المتنوعة.
  • وأخيرًا، كان التأصيل القرآني، وما انبثق عنه من تأصيل مفكري وعلماء الأمة عن “الإنسان”؛ هو الميزان الذي احتكم إليه عقلي وقلبي ووجداني لكي أفكّ الاشتباك بين الرؤى المتعددة عن “الإنسان والإنساني”، التي تجادلت معها خبراتي عبر هذه المداخل.

تعددت على صعيد جميع هذه المداخل، نماذج خبرات هذا التفاعل الجدالي الذي تستدعيه ذاكرتي الآن، ويظل لبعض من هذه النماذج حضورها الأقوى من حيث الدلالة. وهذه النماذج لصيقة الصلة بأناس ذوي تأثير “إنساني” -مثل التأثير العلمي- على مسارى المهني والعلمي. وهي تدور في سياقات ووقائع متنوعة داخلية وإقليمية وعالمية؛ ومن ثم فهي تقدم مشاهد حية علمية وعملية، متتالية ومتراكمة: مشاهد في ساحات التعلم والتدريس والبحث، أو في ساحات الحوارات بين أهل الأديان والثقافات، أو في ساحات الجدالات بين ساسة ونشطاء من كافة الأطياف داخليًا وخارجيًا، أو في ساحات مناظرات الإعلام والمحلي والعالمي حول القضايا الساخنة في أوطاننا أو على صعيد أمتنا والعالم.

ولقد كان من الصعب تحديد مجموعة مشاهد دالة دون الإحساس بأني أستبعد ما لا يقل أهمية عنها… ولذا رأيت أنه من الأنسب أو الأكثر ملاءمة أن أسجل هنا مجموعة من الاستنتاجات التي خلصت فيها من خبراتي المتراكمة. وهي التي وردت مجتمعة في محاضرة قدمتها 2006 في مناسبة علمية وإنسانية شديدة الأهمية والدلالة منذ سبعة عشرة عامًا[1]. ورغم مرور هذه الأعوام ما زال لهذه الاستنتاجات دلالتها المعرفية، الفكرية، النظرية، الحركية، على الأقل بالنسبة لي. فما يهمني ليس بيان كيف تختلف التقديرات حول الإنساني ولكن الأهم، من وجهة نظري، هو فهم لماذا تحدث الاختلافات أصلاً؟

(3)

كان عنوان المحاضرة المشار إليها هو “أنسنة السياسة”[2]، وهو عنوان جذاب في ذاته، ويستدعي للإجابة عنه والحديث فيه أبعادًا حضارية ونظرية وحركية.

  • إن طرح مثل هذا العنوان في مؤتمر دولي، موضوعه “تنميتنا والخطاب الإنساني العالمي”، يستدعي ابتداءً سؤالين أساسيين: ألم تكن السياسة إنسانية؟ كيف ولماذا؟ ووفق منظور مَنْ نقول إنها إنسانية أو غير إنسانية؟ أو نستدعي أنسنتها باعتبار الأنسنة عملية إضافة هذا البعد إلى السياسة؟ السؤال الثاني: هل يمكن أن تصبح السياسة إنسانية؟ وكيف ولماذا أيضًا؟ وأيضًا: وفق منظور مَنْ، ووفق أي شروط؟

هذان السؤالان بدورهما لابد أن يفرضا سؤالًا أعم وأشمل: مَنْ الذي يطرح السؤال؟ ولماذا يتم طرحه الآن (سواء بالنظر لواقع السياسة الدولية الراهن أو حالة علم السياسة )؟ ومن الذي يتحدث عن الأنسنة ويروج لها ويدعونا للتفكير فيها؟ ولماذا يفعل ذلك؟

في هذا المقام، وقبل أن أشرع في الإجابة من زوايا معرفية ونظرية وسياسية، لابد وأن أسجل مقولة تلخص بعض أبعاد الواقع الراهن؛ وهي مقولة ذات وجهين: أن هناك دوائر أكاديمية وسياسية في الغرب -الآن ومنذ فترة ليست بعيدة- هي التي تستدعي “الإنساني” كصفة، وعلى أكثر من مستوى: حقوق الإنسان، التدخل الإنساني، الأمن الإنساني، التنمية الإنسانية، الإغاثة الإنسانية.. .

وفي المقابل، يأتي الوجه الآخر لهذه المقولة، فإن ساحات العالم غير الغربي تموج بأشكالٍ متعددة من انتهاك الإنسان وحقوقه من جانب القوى الغربية، وباستخدام أدواتٍ عديدةٍ: عسكرية، واقتصادية، وثقافية. ناهيك بالطبع عن انتهاكات من نوعٍ آخر يتعرض لها الإنسان في الغرب ذاته تحت وطأة منظومة الحداثة الغربية.

ومن ثمَّ، وعلى ضوء وجهي المقولة، يبدو لنا أن الغربي الآن هو الداعي للإنساني، في حين أن غير الغربي اتُهِمَ بـعدم العلمية، وعدم الرشادة، وعدم العقلانية، والافتقار إلى الحداثة وإلى التنوير؛ اتُهِم بذلك لأنه ما زال يستدعي القيم (وفي قلبها الإسلام أو الدين؛ والمقصود هو الإسلام) وما زالت مصادر معرفته وعلمه غير تلك التي تقبلها الحداثة، أي إنه اتُهِم بكل ما سبق لأنه كان “إنسانيًّا” وليس “ماديًّا”؛ سواء على المستوى المعرفي أو النظري، أو لأنه ينطلق من القيم ومن مصادر للمعرفة وللعلم مغايرة للواقع المادي الملموس، وما زال يتهم حتى الآن بأنه يحمل مصادر تهديد الإنسانية كلها نظرًا  لما يفرزه من أصولية متطرفة وغيرها وفق زعمهم[3].

  • إن هذه المقولة ذات الوجهين تطرح أمامي قضية مهمة؛ وهي: قضية “الأنساق المعرفية المتقابلة” وتأثيراتها على منظورات السياسة فكرًا وحركة. فالأنساق المعرفية صنفان: مادي (غربي، علماني)، وقيمي (إسلامي، توحيدي، وسطي)، وهنا لابد أن أشير وأشيد بالإسهام والجهد الذي بشرت وبادرت به أ.د. منى أبو الفضل في التأصيل لـ”مفهوم الأنساق المعرفية المتقابلة”: فلم تستخدم أوصاف الإسلامي والغربي، بل استخدمت: المادي والتوحيدي، واستخدمت الوسطي والمتأرجح[4]. ومن المهم كذلك في هذا المقام الإشارة إلى الجهد اللاحق للأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري فيما يتصل بـ”فقه التحيز” وما طرأ على هذا الفكر، فقد كان د. المسيري يتحدث عن النموذج المعرفي الغربي باعتباره العلماني المادي النفعي، في مقابل النموذج المعرفي الإسلامي، ثم تحدث لاحقًا عن النسق المعرفي العلماني في مقابل النموذج المعرفي الإنساني.

إن النسق المعرفي الغربي (العلماني–الحداثي-المادي)، والذي بات يشيع وصف العلماني له في الكتابات الغربية نفسها، وبالأخص كتابات علم السياسة، قد قاد عملية تشكيل العلوم الحديثة؛ ومن ثم فقد قاد هذا النسق المعرفي عمليات التفكير وإدارة السياسات على المستويات الداخلية والخارجية، سواء في الدول الغربية نفسها أو في الدول التي نقلت إليها هذه النماذج المعرفية والفكرية والسياسية سواء بطريقة إرادية عن طريق بعض النخب أو عنوة وقسرًا.

إلا إنه يمكن ملاحظة ملمحين رئيسين: الملمح الأول- وكما سبق وذكرت، استدعاء صفة الإنساني على مستوى الدراسات الدولية الآن، أما الملمح الثاني- أن هناك مراجعة كبيرة لحالة العلم الاجتماعي بصفةٍ عامة وعلم السياسة بصفة خاصة وفرع العلاقات الدولية منها بصفة أخص. وإن أهم خصائص هذه المراجعة (الفكرية والنظرية والمنهجية) هو تجدد الاهتمام بالأبعاد القيمية والثقافية والحضارية على نحوٍ أفرز الحديث (داخل الدوائر العلمية الغربية ذاتها) عن انتهاء “علمنة علم السياسة”، أو على الأقل “إعادة تعريف السياسي”؛ أي إعادة تعريف مستوى التحليل؛ بعيدًا عن المستويات التقليدية التي ركزت على الدولة القومية، واتجاهًا نحو مستويات تحليل أرحب من قبيل: الجماعة العالمية، أوالمجتمع العالمي، أو المجتمع المدني العالمي. وكذلك إعادة تحديد نطاق العلم ليتسع ليشمل موضوعاتٍ جديدة، وألا يقتصر على الموضوعات التقليدية: السياسية والعسكرية والاقتصادية فقط[5].

هذا النمط من المراجعة، الذي بدأ ونما في الدوائر العلمية الغربية منذ ما يقرب من العقدين، الجديدُ فيه هو تجدد الاهتمام بموضع “الدين” من دراسة العلاقات الدولية وانتقاده الشديد لحالة نفي الدين في ظل النموذج الواقعي من ناحية، ولحالة استدعاء الدين في أطروحات من قبيل “صدام الحضارات” وغيرها من الأطروحات التي يربط غالبها بين عودة ظهور دور الدين وبين مناخ الحرب الباردة الجديدة، وخطر السياسات الأصولية الدينية والصراعات الدموية ذات الأبعاد الدينية، وتهديد ما يسمى الإرهاب العالمي، وحالة الفوضى التي يعيشها العالم… إذًا فاستدعاء الدين يتم مصحوبًا بنظرةٍ سلبية، وهناك من ينقض هذا التوجه الرامي إلى الاقتصار على استدعاء الجوانب السلبية للدين فيدعو هذا التوجه إلى الاهتمام بالتقاليد الدينية والحضارية الكبرى يمكن أن يقود إلى إنجازات سياسية وعلمية وخلافه، بينما ظلت نظرية العلاقات الدولية صامتة بغباءٍ بشأنها. وبالتالي يدعو هذا التوجه ليس إلى مجرد تغيراتٍ أو تعديلات طفيفة في الأطر النظرية، ولكن النظر في كيف يمكن أن يصبح الدين إطارًا مرجعيًّا يسهم في التأصيل للعلاقات الدولية وحل مشكلاتها[6].

كذلك من أهم  مخرجات عملية المراجعة هذه، التي تتم في أدبيات غربية رائدة في مجال علم العلاقات الدولية، والتي تعلن عن بداية مرحلة جديدة لنظرية العلاقات الدولية، الدعوة إلى أهمية تعدد المنظورات، ومن ثمِّ الحاجة إلى منظورات حضارية مقارنة (غير غربية) حتى يصبح علم العلاقات الدولية علمًا عالميًّا[7].

  • كلُ هذا يقودني إلى أن تجدد الاهتمام بالدين وبالقيم في العلاقات الدولية -بوصفها علمًا ومجالًا للممارسة- هو عملة ذات وجهين، وإن كانت تتمحور حول موضوع الإنسان بقيمه وثقافته وتستدعيه مرة أخرى إلى دائرة الاهتمام في السياسات، بعد أن كانت الاهتمامات مركزة على المصالح والدول والنظم فقط. إذًا فهذا الاستدعاء على مستوى الفكر والممارسة يجعلنا أمام معضلة؛ لأن الاستدعاء على مستوى الفكر والثقافة والقيم أحيانًا ما يُبرز آثارًا سلبية خاصة حين يُوظف لاستدعاء الصراعات والحروب بين الشعوب والأمم، وقد يراها اتجاه آخر أحيانًا أنها عامل للتقارب.

وفي الوقت نفسه، وعلى صعيد الواقع، كما نراه وكما نلمسه، نجد بالفعل أن الساحات المتفجرة الساخنة والدموية أو حتى الهادئة تتصدر فيها الأبعاد الدينية والثقافية التي تمسُّ الإنسان.

كلّ هذا يجعلني أقول بأن استخدامات لفظ “أنسنة السياسة” الآن يجب أن تؤخذ في سياقاتها وأطرها التي ليست كلها ذات منحى إيجابيّ. وبالتالي تجعلنا نفكر في: كيف نستطيع أن نقدم منظورنا في أنسنة السياسة في مواجهة المنظورات الأخرى والبرامج والسياسات الأخرى التي تتراوح في تناولها لهذا الأمر.

إذا كانت رؤيتي لأنسنة السياسة هي رؤيتي لعملية المراجعة لحالة العلم التي جددت الاهتمام بالدين والثقافة والقيم في الغرب: نظريًّا وحركيًّا، وانسابت منه إلى دوائر أخرى، بحيث نجد اليوم بعض الدوائر في أطرنا الفكرية وجماعاتنا البحثية -وكانت شديدة الرفض لإدخال أي ما يتصل بالدين والثقافة في دراسة العلاقات الدولية- صارت تقول الآن بإمكانية ذلك؛ لأنه بات يحدث في الغرب.

إلا أنه يجب أن نسجل أن أنسنة السياسة كانت قائمة دائمًا وفق منظور حضاري إسلامي للسياسة. وهو القائم على النسق المعرفي التوحيدي (الإسلامي) الذي يتحدد فيه موضع الإنسان بالنسبة للخالق وللطبيعة على نحو يخالف النسق المعرفي المادي.

وتتعدد تجليات هذه الإنسانية أو هذه القيمية ابتداءًا من المفاهيم إلى العمليات. فلنأخذ على سبيل المثال مفاهيم مثل: القوة والمصلحة ما بين منظور حضاري إسلامي وبين منظور واقعي برجماتي ذرائعي، وكذلك فلنأخذ مثالًا لمجموعة مفاهيم مثل الدعوة والتعارف والتدافع والجهاد في مقابل مفاهيم الصراع والتعاون وتوازن القوى، ولنضعها جميعًا في إطارٍ مقارن مع مفاهيم المنظورات الأخرى لنعرف الفارق بين درجة قيمية أو إنسانية كل منظور من خلال التناول المقارن لهذه المفاهيم.

  • ويظلُ طرحي السابق يفرض معضلة تستوجب أن نفكر فيها معًا، وتتلخص في: أن هناك فجوة بين النسق والأصل الذي نتحدث عن قيمه وعن إنسانيته وعالميته، وبين ما أضحى عليه واقع حال الأمة وحال المسلمين على نحوٍ يدعو للتساؤل: أين السياسة الإنسانية في هذا العالم؟! سواء من جانب النظم أو ما أضحى عليه نمط تفاعلات البشر ذاتهم.

هذه المعضلة/ الفجوة: ما بين الأصل والنسق، وبين المفهوم المحمل بالإنسانية والعالمية في الرسالة كدعوة عالمية في جهة، وبين واقع المسلمين أنفسهم في الجهة الأخرى، وقبل أن نتحدث عن سياسات الآخرين تجاهنا.. هذه الفجوة/ المعضلة تستوجب علينا التفكير معًا حول دور القيم ووظائفها، ومن ثم علاقتها بالإنسان: هل هي مجرد مثاليات مجردة؟ أم يجب أن تكون حافزًا على التغيير أيضًا نحو عالم أكثر إنسانية؟ بعبارة أخرى: أحاول أن أنتقل من مستوى القيم المجردة إلى مستوى القيم بوصفها مبعثًا للمصلحة يحقق وجودها مصالح فعلية، وأن تكون القيم حافزًا على التغيير نحو عالم أكثر إنسانية، وليست مجرد مثاليات. وبالتالي: كيف يتحقق هذا الانطلاق من القيم إلى مجال الحركة لتحقيق المصلحة وليس مجرد الاقتصار على ذكر شعارات أو مثاليات أو ماينبغيات، والقيم مهمة في حد ذاتها، ولكن لا يمكن أن يبقى اقتصار أهميتها على تجردها.

بالطبع لن نعدم إذا ما فكرنا معًا أن نجد كثيرًا من النماذج الفكرية (المعاصرة والحديثة والسابقة) التي تناولت في كتاباتها وتحليلاتها كل ما يتصل بقوة المنظور الإسلامي الحضاري ونموذجه، وكيف يمكن أن يمثل مدخلًا للتغيير، ليس في المجتمعات الإسلامية فقط، ولكن على الصعيد العالمي أيضًا، وبالطبع لن أدخل في تفاصيل هذه النماذج الفكرية[8]، ولكن الأهم من وجهة نظري هو أن أتوقف عند الإشكاليتين الأساسيتين التاليتين:

الإشكالية الأولى- أن الأنسنة الحقيقية للسياسة لن تتحقق إلا بتحقق عالمية السياسة. وذلك بأن تساهم المنظورات الحضارية المتعددة في إرساء قيمها وتنفيذ هذه القيم على قدرٍ من التكافؤ، وعلى قدرٍ من التوازن فإذا كان المستشار البشري في المحاضرة الافتتاحية لهذا المؤتمر قد تحدث عن التوازن بوصفه شرطًا أساسيًّا حتى نستطيع أن نتحدث عن مشترك إنساني أساسي، فإنه ليس هناك أخطر من احتكار حضارة واحدة (علمًا، وحركة وسياسةً) لمفهوم “الإنسانية”. وحيث إن مفهوم الإنسانية ليس مطلقًا، وبالتالي يختلف المفهوم من حضارةٍ إلى أخرى: فإذا كان الغرب بدوائره الأكاديمية والسياسية يتحدث عن الإنسانية، فبأي مفهوم عن الإنسانية يتحدثون..؟ وكيف نستطيع نحن أن نتحدث عن مفهوم مقارن عن الإنسانية من منطلقات قيمية وحضارية أخرى؟

ثانية هاتين الإشكاليتين تتمثل في: خطورة الثنائيات التي نقع فيها (العقل/الوحي- المادي/القيمي، الداخل/الخارج، المطلق/النسبي، الواقع/المثال، الثابت/المتغير)، وخطورتها على وعي الإنسان وتكامله واتساقه، ومن ثم إنسانيته، والتي لا يمكن أن تتحقق واحدة (أو طرفٌ منها) دون الأخرى.

فإذا كانت الحضارة الغربية لم تجد حلولًا لمشاكلها من داخلها فقط، وإذا كان منظور حضاري قيمي إسلامي قادرًا على أن يمثل مدخلًا من مداخل إصلاح النظام العالمي، بل وعليه واجب تقديم الحلول لمشاكل العالم الراهن (على المستوى الفكري وعلى المستوى العلمي) بقدر الإمكان، ليحقق إنسانية السياسة داخليًّا وخارجيًّا انطلاقًا من مفهوم الإسلام عن “الإنسان”، إلا أنه تظل الفجوة التي سبقت الإشارة إليها تطل علينا؛ إنها الفجوة بين: الأصل والتراث وبين الواقع القائم. بمعنى آخر: إذا كان كل نظام إنساني واجتماعي يحاسب في ضوء نتائج تطبيقه –ليس الماضية منها وإنما الحاضرة أيضًا– فإن التحدي أمام المسلمين هو أن يعثروا على الرابطة بين الأصل وبين الواقع: الأول بتماسكه وحيويته، والثاني بشوائبه. كذلك عليهم أن يحاكموا إنجازات الغرب ويبينوا كيف أنها غير نهائية وغير مطلقة وغير عالمية.

وكيف أن على الغرب أن يبحث في خارجه عن نماذج لكبح غلو ماديته، بينما يقدم الإسلام تلك الكوابح؛ لأنه لا يفصل بين القيمي الروحي وبين المادي المعيش.

وهنا أستدعي مقولة لـ “ميشيل بوازارد” كتبها في بداية الثمانينيات، في أحد كتبه التي نشرها اليونسكو، وهو الذي كتب كتابًا في نهاية السبعينيات عن “عالمية الإسلام” باللغة الفرنسية (Humanism de Islam)، ثم ترجم للإنجليزية بعد عدة أعوام تحت عنوان شديد الجاذبية The Jihad: a universal commitment to peace، ويقول “بوازارد” في هذا الكتاب (وأراه قائمًا حتى الآن منذ بداية الثمانينيات): “قد لا تبدو الظروف الراهنة ملائمة لظاهرة تأكيد الذات الإسلامية؛ فالتذكير المتكرر بالأخلاق وبالعدالة والإنصاف يشبه الضرب على حديد بارد في محيط عالمي موصوم بالتكالب المسعور على الماديات، وبالبحث اللاهف على التفوق السياسي والاقتصادي، بل والثقافي. فضلًا عن ذلك، فالمهمة ستكون عويصة داخل الأمة الإسلامية نفسها التي قطّع التاريخ أوصالها والمتكونة من مجتمعات جزأتها إلى مستويات مختلفة؛ جزأتها ثنائيات نشأت من دخول الأفكار الأجنبية التي لم تهضم، وخاصة على مستوى الشباب“. هذا ما قاله “ميشيل بوازارد” في بداية الثمانينيات.

ويقول أيضًا: على الإسلام أن يتقدم إلى العالم برسالته الخاصة، بل بما عنده من مختلف إسهاماته الممكنة للمستقبل؛ حتى يوضح استعداده لجمع -لا لخلط- المبادئ والمواقف التي جزأتها الحضارة المعاصرة كل التجزئة. لن أفيض في ذكر أمثلة أخرى، لمفكرين عرب ومسلمين، ويكفي هذا لنقول: “وشهد شاهد من أهلها”.

أخيرًا، وعلى ضوء الطرح السابق، لعلي يمكنني القول إن جهود الجماعة البحثية في مصر التي أنجزت مشروع العلاقات الدولية في الإسلام في عقد من الزمان (من 1986- 1996)، والتي والت بعد ذلك -وعلى مدار عقدين ونصف من الزمن (من 1996- حتى الآن) عملية التدريس والبحث في العلوم السياسية من منظورٍ إسلامي، والتي تابعت شبكة من الأنشطة الطلابية لتنمية الوعي بالأمة؛ مثل: نموذج منظمة المؤتمر الإسلامي “MOIC” (الذي طالبنا من منظمة المؤتمر الإسلامي نفسها ومن الإيسسكو رعايته ولم نتلقَّ ردًا إيجابيًّا بشأنه)، كما توالت العديد من الأنشطة للتثقيف الحضاري، وللتدريب والإعداد في مجال الرؤية الإسلامية للعالم، وللمنهاجية الإسلامية في العلوم الاجتماعية، يمكنني القول: إن هذه الجماعة البحثية التي قادت جهودها إصدارات: “أمتي في العالم” و”الأمة في قرن”، وغيرها عندما تشارك بجهودها هذه في تأسيس خطاب إنساني يصدر من دائرة الحضارة العربية والإسلامية ومتحاورًا مع غيره من الخطابات التي توصف أيضًا بالإنسانية ولكن من دوائر حضارية أخرى، وذلك لأن الإنساني ليس مفهومًا مطلقًا، ومن ثم فإن الحديث عن أنسنة السياسة لابد وأن يسبقه تعريف بـ: مَنْ يدعو إلى هذه الأنسنة؟ وكيف؟ وما هو مفهوم الأنسنة المراد الحديث عنه؟

أختم حديثي عن موضوع أنسنة السياسة بأنني أراه يتلخص في كلمة واحدة: إن أنسنة السياسة –إذا ما حكمنا النظر في من يقوم بهذه الأنسنة– فإنها مفهوم ظاهره الرحمة وباطنه من قِبله العذاب.

إن المعنى الإيجابي لأنسنة السياسة -والذي يجب أن نُشجع عليه وأن نفطن إليه وأن نخشى من العواقب السلبية عليه- هو: مصالح الإنسان؛ وليس مصالح السلطة والأنظمة؛ لأن محنة الدولة القطرية -مثلا- وعجزها عن حماية الأمن القومي في عالمنا الثالث، وفاعلية المقاومة في هذا الإطار، يجب أن تفتح المجال أمام مستوى الحركات الشعبية وتحقيق التوازن بين التكوينات الاجتماعية لكل أمة. فالذي يهدد التوازن داخل وبين هذه التكوينات في حد ذاتها هو نفسه التهديد الموجه للإنسان المكون لها (أي لهذه التكوينات الاجتماعية).

وبالتالي، أعتقد أن الحديث عن أنسنة السياسة له شق إنساني حقيقةً يعاني منه الإنسان (ولكني أعتقد أنه يفسح المجال لأدوات تدخل عديدة في دوائرنا؛ تستهدف الإنسان وتستهدف قدرته على المقاومة الحضارية لمشروعات الهيمنة عليه)، بعد أن تخطى الغرب –فكرًا وحركة- التركيز على مستوى الدول القومية (التي كان يقدسها وحدةً للتحليل ووحدة للتكوين) إلى مستويات أرحب وأكثر اتساعًا يكون الهدف المباشر فيها هو الإنسان الفرد في زمن العولمة (سواء كان فردًا بمفرده أم كان متعولمًا ومنتميًا إلى جماعاتٍ عبر قومية أو متخيلة “virtual”)، فهذا الإنسان على الرغم من محاولته الاستقواء بالتكنولوجيا الحديثة يكونُ ضعيفًا في أماكن كثيرة ومعرضًا للاختراق بصفة كبيرة.

هناك وجهان لأنسنة السياسة: أحدهما يهدف إلى كسر ما تبقى من قدرة على المقاومة، دون أن ننظر إليها من وجهة مقولات دوائر غربية سياسية عن المقاومة، ولكن في رداء قيمي –أخلاقي- إنساني، يدعى العالمية. والثاني هو أنسنة السياسة ليس دفاعًا عن مصالح وطنية ضيقة أو مصالح نظم أو نخب محددة، ولكن لحماية مصالح الشعوب.

وبالتالي يظل محور المقاومة هو “الإنسان”، ولهذا نفهم لماذا يتم الآن يتم تخطي حدود الدولة القومية؟ لأنها لم تعد تمثل خطرًا، وأن ما يمثل خطرًا مستقبليًّا على استمرار المقاومة هو الإنسان بقيمه وثقافته وهويته، حيث إن الإنسان هو آخر خطوط الدفاع لدينا، الإنسان في جماعة وليس منفردًا: “رب لا تذرني فردًا”-الآية: 89 من سورة الأنبياء-.

(4)

إن التدبر في أسباب الاختلافات النظرية والحركية حول ماهية وضع الإنسان في العلوم السياسية وحول توظيفه في الحركة السياسية (كما يتضح مما سبق) إنما يرتكن في شقه الحداثي الغربي إلى المفاهيم المقارنة للإنسان، وينطلق منها: من هو الإنسان وفق الفلسفات الحديثة المقارنة المنبثقه عن النموذج المعرفي الوضعي الحداثي؟ وهذه الفلسفات تقع في مقابلة مع الرؤية الإسلامية عن الإنسان التي تستند على نموذج معرفي قيمي أخلاقي.

لقد اجتهد المفكرون والفلاسفة في التأصيل المقارن لمفهوم الإنسان: ماهيته وطبيعته ومآلاته ودلالته بالنسبة للتجمع البشري والسياسي. والاختلافات بين هذه الاجتهادات –كما سبق القول- هي التي تساعد على فهم المفارقات حول الأبعاد الإنسانية الدولية المشار إلى نماذجها من قبل. ومن نماذج هذه الاجتهادات ما يلي:

يقول عباس العقاد في مقدمة كتابه “الإنسان والقرآن”:  “إنسان القرآن هو إنسان القرن العشرين، ولعل مكانه في هذا القرن أوفق وأوثق من أمكنته في كثير من القرون الماضية؛ لأن القرون الماضية لم تلجئ الإنسان إلى البحث عن مكانه في الوجود كله، وعن مكانه بين الخلائق الحية على هذه الأرض، وبين أبناء نوعه وأبناء الجماعة التي يعيش فيها من ذلك النوع، وبين كل نسبة ظاهرة أو خفية ينتمي إليها، كما ألجأه إلى ذلك كله هذا القرن العشرون..

قديمًا كان الحكماء يجعلون شعارهم في نصيحة الإنسان: “اعرف نفسك!”. وإنها لنصيحة قد ترادف سؤالهم: من أنت؟ أو سؤالهم: ما اسمك؟ غير أن الإنسان إذا أجابه فإنما يجيبه باسم “باطني” يعرفه بملامح وجدانه وقسمات ضميره، ولا يقف عند تعريفه بالاسم الذي يختار اعتسافًا من بضعة حروف..

وهو على أية حال سؤال إلى “شخص” بعد شخص، قد يسمعه عشرون في الحجرة الواحدة ويجيبون عليه عشرين جوابًا متفرقات..

وقديمًا كانوا يزعمون أن أبا الهول كان يلقي سؤاله، فيهلك من لم يعرف جوابه. وكان سؤالاً عن الحيوان الذي يمشي على أربع في الصباح، وعلى اثنتين عند الظهيرة، وعلى ثلاث عند المساء… فكان سؤالهم لغزًا من ألغاز الأقدمين عن الإنسان في إطوار عمره، بين الطفل الذي يحبو على أربع، والفتي الذي يعتدل على قدمين، والشيخ الذي يتحامل على عصاه، وهو لغز شبيه بطفولة الإنسان كله… لا تبتعد المسافة بين جهله وعلمه ولا بين الهلاك فيه والنجاة.

إلا أن القرن العشرين جمع الأسئلة، فلم يدع سؤالاً عن نسبة من نسب الإنسان لم يطلب جوابه، على نذير بالهلاك لمن جهل الجواب، وقد يكون هلاكًا للجسد والروح…

ما مكان الإنسان من الكون كله؟ ما مكانه من هذه السيارة الأرضية بين خلائقها الأحياء؟.. ما مكانه بين أبناء نوعه البشري؟ وما مكانه بين كل جماعة من هذا النوع الواحد، أو هذا النوع الذي يتألف من جملة أنواع يضمها عنوان “الإنسان”…

وهي أسئلة لا جواب لها في غير “عقيدة دينية” تجمع للإنسان صفوة عرفانه بدنياه وصفوة إيمانه بغيبها المجهول… تجمع له زبدة الثقة بعقله، وزبدة الثقة بالحياة… حياته وحياة سائر الأحياء والأكوان…

إن القرن العشرين كان حقيقًا أن يسمى بعصر “الأيديولوجية”، أو عصر الحياة “على مبدأ وعقيدة”؛ لأنه كلما ألقى على الإنسان سؤالاً من أسئلته تلك لم يعفه من جوابه، ولم يسلمه إلى جزاء أهون من جزاء الحيرة عند السكوت عليه… فإن يكن سكوتًا عن الأجوبة جميعًا فهو الهلاك المحدق بالأبدان والعقول. وليس أكثر من “المبادئ والعقائد” التي نسمع عنها في هذا القرن. ويسمونها بالمذاهب و”الأيديولوجيات”.

ولكن أجوبة القرن العشرين، مهما يكن من شأنها، فهي أجوبة العصر الذي يحل المشكلة الزمنية ولا يتعداها إلى مشكلة الأبد: مشكلة ما مضى وما أتى من الدهر وما يأتي إلى غير نهاية، ولا جواب لهذه المشكلة غير العقيدة الدينية التي تؤمن بها الإنسانية، فلا يغني فيها إيمان فرد واحد بينه وبين ضميره، أو جواب سؤال واحد لمن يقول: من أنت؟ وماذا تعرف من نفسك بين عامة النفوس؟ قصاراك إنك واحد منها بين ألوف الألوف، عاشوا ويعيشون وسيعيشون، ولا يسكتون عن تلك الأسئلة عامة، ولا أمان لهم ولا لك إن سكتوا عليها.

هذه العقيدة الدينية توجد كما ينبغي أن توجد، وإنما الضلالة فيمن يريدها على غير سوائها الذي تستقيم عليه، ولا تقسيم على سواه.

هذه العقيدة الدينية لا توجد اليوم لتنبذ غدًا، ولا توجد على الأيام للعَارفين دون الجاهلين، وللعاملين دون الخاملين، ولمن يطلبون الخير للناس دون من يطلبون الخير لأنفسهم، ولمن يعتقدون دراية ومحبة دون من يعتقدون تسليمًا ورهبة، ولمن يسعون سعيهم إلى العلم والإيمان دون من يقعدون في مواطنهم منتظرين، وقد يقعدون وهم يجهلون أنهم قاعدون، لا يعلمون ما الخير وما المنتظر؟ وإن علموا أنهم منتظرون”[9].

يقول عبد الوهاب المسيري في مقدمة كتابه “دفاعًا عن الإنسان”: ” الإنسان ظاهرة فريدة مركبة، وكل إنسان فرد له نتوءه وتعرجاته وأسراره ومنحناه الخاص الذي يميزه عن بقية الجنس البشري، وبرغم إيماننا بأن ثمة إنسانية مشتركة تجمعنا جميعًا، فإن هذا لا يعني رفض الخصوصيات الإنسانية المختلفة. وهذه التركيبية الإنسانية التي لا حدود لها هي ما يميز الإنسان عن الكائنات الطبيعية/ المادية، ويفصله عن عالم الطبيعة/ المادة.

ولكن هناك من يرى عكس ذلك؛ إذ يذهب هؤلاء إلى أن الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة، فهو ظاهرة طبيعية/ مادية لا يوجد ما يميزه عن عالم الطبيعة/ المادة؛ ومن ثم فالقوانين الطبيعية الكامنة في المادة والتي تسري على الظواهر الطبيعية/ المادية تسري عليه هو الآخر. وحسب هذه الرؤية المادية يمكن رد الإنسان إلى القوانين الطبيعية/ المادية ويمكن تفسيره في كليته في إطارها، ويمكن دراسته من خلال نفس المناهج التي تستخدم في دراسة الظواهر الطبيعية/ المادية. ولذا يحاول من يؤمنون بهذه الرؤية أن يستخدموا منهجًا واحدًا سواء في تعاملهم مع الظواهر الطبيعية/ المادية أو مع الظواهر الإنسانية؛ فيختزلون الإنسان إلى عنصر واحد أو عنصرين، ويسقطون كثيرًا من الأبعاد المركبة التي تميزه عن غيره من الكائنات. وهم بإنكارهم تركيبيته وفرادته ينكرون إنسانيته.

ونحن نذهب إلى أن أصحاب هذه الرؤية يستخدمون نماذج تحليلية مادية اختزالية لا تصلح في تفسير الظواهر الإنسانية، تاريخية كانت أم اجتماعية أم ثقافية، لأنه لتناول الظاهرة الإنسانية لابد من الابتعاد عن الموضوعية المادية المتلقية، ولابد من استخدام نماذج تحليلية مركبة، والنماذج المركبة هي النماذج التي يدخل في تركيبها عدد من العناصر المتنوعة المتداخلة بل والمتناقضة، منها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني والحضاري. والنموذج التحليلي المركب يمكنه الإحاطة بمعظم جوانب الظاهرة الإنسانية موضع الدراسة لأنه متعدد الأبعاد والمستويات. واستخدام النماذج المركبة في تصوري هو تعبير عن احترام إنسانية الإنسان وتركيبيته، فهو في نهاية الأمر دفاع عن الإنسان ضد النزعات المادية (العدمية) التي تحاول تفكيكه ورده إلى ما هو دونه؛ أي قوانين المادة وحركتها”[10].

وفي كتاب محرر عن صورة الإنسان بين المرجعيتين الإسلامية والغربية تقول المقدمة: “يتزايد في الآونة الأخيرة ظهور صيغ جديدة لنسج معالم الإنسان ضمن الإحداثيات الزمانيّة والمكانيّة التي تكتنفه في سياقه التاريخي. ومثل هذه الصيغ تنطلق في تحديد معالم الإنسان المنشود من خلال جملة معايير وضوابط مرجعيّة، العمل في كنفها هندسة عميقة لمقوّمات التعامل مع الإنسان بقدر ما ينحدر نحو التعدّد والتنوّع، وهو ما يفترض مناهج من التعامل مع كلّ أنموذج في سياقاته المكانية والفكريّة والحضارية.

وما من شك في أن ثمة مفارقة بيّنة بين الفكر الغربي والفكر العربي الإسلامي في النظر إلى الإنسان وتأسيس النظريات العلمية والعملية المتعلقة به؛ إذ برز في الفكر الغربي خللٌ منهجي وتصوري في تفحص الإنسان، مما أفقد الإنسان مكانته الاستخلافية المكرّمة؛ إذ اختزلت هذه النظريات الإنسانَ في بُعده المادي، فغدا إنسانًا طبيعيًا ماديًا، وأصبح يُعرّف في إطار مقولات صراعية حول الوظائف البيولوجية، والدوافع الغريزية، والمثيرات العصبية إلخ. وجاء تيار الأنسنة ليثبّت مفهوم مركزية الإنسان في الكون (وخاصة الإنسان الأبيض)، وأن الإنسان هو مرجعية ذاته، وهو الوحيد القادر على إنتاج القيم والأخلاق؛ فأخلاق الإنسان هي ما يُقرره الإنسانُ، ثم جاء فكر ما بعد الحداثة ليقضي على المرجعية والمركز من خلال التفكيك والعدمية؛ مما يفسر حالة الإلحاد التي تجتاح المجتمعات الغربية خاصة. وتنثال الأسئلة والتساؤلات المتعلقة بالمفارقة بين الفكرين الغربي والعربي الإسلامي، من مثل: ما المرجعية التي اتكأت عليها تيارات الفكر الغربي في إنتاج صورة الإنسان؟ وما المقاربات المعرفية التي نشأت في عالمنا العربي الإسلامي في إنتاج الصورة ذاتها؟

 ولعلنا نلحظ أن مجتمعاتنا قد غدت حقلاً للتصارع بين كل الأطروحات التي تسوّق وتشرع لصورة الإنسان؛ فهناك الصورة المتسلّلة من تراكمات التراث، التي عزّزت من مكانة التقاليد، واختزلت الوجود في صيغه المنصرمة من دون إقدام على التوليف الإجرائي بين لحظات الزمن الثلاث الماضي والحاضر والغد، فباتت صورة الإنسان تتنافى والمنهج الاستخلافي المؤسّس للإنسان- الخليفة. وثَمَّة نماذج الجدل بين أنصار الأنسنة المؤمنة وأنصار الأنسنة “الهيومانية” المتحرّرة من مرجعيّة الوحي. ومنها نماذج انبثقت عن تعامل تاريخي نقدي مع متعلّقات الموروث الثقافي والديني للذات أو الآخر المختلف، ونشأت نماذج فكرية بشحنات إيديولوجية غريبة عن الفضاء القيمي القرآني. ومنها مراجعات فكرية متشيحة، تحوّلت إلى حقل السجالات السياسية جعلت صورة الإنسان خاضعة للخيارات السياسيّة والإملاءات الوافدة، إلى درجة التعسّف على قراءة انصوص المرجعيّة من قرآن وسنّة وسيرة، وما تعلّقت بها من أحكام شرعيّة، فتحوّل التشريع من الوحي إلى العقل، الإلهي إلى الإنساني، إلى درجة الوصول إلى تأسيس للنموذج الدنيوي للإنسان يثبت مفهوم تاريخانية النص القرآني، وتسلك إلى الأفكار والمناهج والرؤى ثلاثية التأنيس والتعقيل والتاريخ، وغدت الأوساط الثقافية والفكرية والتربوية تبحث في قضايا مهمة حول تشكيل العقل العربي تارة والمسلم تارة أخرى ضمن أسئلة محورية أهمها: ما أهم المراجعات الفكرية التي تمت حول صورة الإنسان في الفضائين: الغربي والعربي الإسلامي؟ وما الخلل المنهجي الذي اعترى مدرستي الاستنساخ والأسقاط؟ وما تمثلاته في البيئة المجتمعية؟ وما السمات الأساسية للمنهج القويم الذي نحتاج إلى ممارسته لفك الاشتباك بين تراكمات التراث وقبضة الطارئ المتفوق بعدته المدنية والثقافية، والأحتفاء بخصوصية الزمان والمكان والفعل والمخاطب؟ وما المتطلبات اللازمة لتحقيق التمكن والاستيعاب والمراجعة والتجاوز؟

لقد أظهر الفكر الإسلامي في أصوله التأسيسية (القرآن الكريم والسنة النبوية) والفعل التراثي المتسق مع النص معالم مميزة لصورة الإنسان مفارقةً للرؤية الغربية، ومكانته في الرؤية الكلية، ومكانته في منظومة القيم العليا الحاكمة (التوحيد، والتزكية، والعمران)، ودوره الاستخلافي الذي كرّمه الله به، وغائيته في هذا العالم, فجاءت هذه الصورة على مسافة واضحة تفصيله عن المتعالي المتجاوز على حد تعبير المسيري مما يمنحه الحرية المسؤولة، ولكنّه يشترك مع الكائنات في بعده المادي مما أسماه عبد المجيد النجار بوحدة التكوين، فهو تجليات مكونين: روحي/مادي، وبناء عليه، ثمة حاجة كبيرة إلى الكشف عن تجليات هذه الرؤية الإسلامية الحضارية في فعل الاستخلاف البشري في الأرض، وتبين انعكاساتها على بناء الشخصية الإسلامية القادرة على الفعل الحضاري.

إن صورة الإنسان كما يستهدفها الوحي الإلهي ويمارسها الهدي النبوي لا تفارق مكانة التكريم والتزكية، لجسمه وعقله وروحه، في المال والبنين والأسرة، وفي الفرد والمجتمع والأمة، حتى إننا نرى التزكية قيمة حاكمة عُليا لا تنفك عن قيمة التوحيد وقيمة العمران. وبين هذه القيم الثلاث: التوحيد والتزكية والعمران من وشائج التداخل والتكامل ما يقدم للإنسان صورةً عن نفسه، تمتلئ بالثقة والقدرة على تحقيق مقاصد الحق من الخلق. والمقصد الأعظم من التشريع الرباني الحياة الإنسان في هذا العالم -كما يقول الطاهر بن عاشور- هو جلب الصلاح ودرء الفساد، وذلك يحصل بإصلاح حال الإنسان ودفع فساده؛ فهو المهيمن على هذا العالم، وصلاح أحواله صلاح أحوال العالم. ولذلك ربطت مقاصد الرسالة الربانية الخاتمة بين تلاوة الكتاب، والتزكية، وتعليم الكتاب والحكمة. فعن التركية التي يتحقق بها الإنسان في عقله ونفسه، تنبثق سائر أفعاله وتصرفاته وأساليب حياته، ومن دون هذه التزكية يختل بناء العمران البشري كما أراده الله، وتتوجه حركة الحياة والحضارة في اتجاهات تصادم قطرة الإنسان، وينتشر الفساد، ويسود الظلم، وتنعدم العدالة. فكيف نفهم نصوص الوحي الإلهي والهدي النبوي حول مفهوم التزكية، وقيمة التزكية وتكاملها مع القيم الأخرى، وانعكاسات هذه القيمة على صورة الإنسان في الفكر الإسلامي والنهوض الحضاري المنشود؟

لقد أسهمت النظريات الاجتماعية والفلسفية الغربية المادية في مسخ الشخصية الإنسانية عامة، وحصرها في بُعد أحادي كما عبّر عنه بعض المفكرين الغربيين، انطلاقًا من مركزيّة غربيّة استعمارية ترسّخ صورة الإنسان الغربي المتفوق والأسمى. ونحسب أن البدائل المنشودة لهذه النظريات كامنة في النَّصَّ القرآني عند استرجاع مفهوم الآدميّة والتعارف والمشترك الإنساني. وقد قدّم بعض المفكرين المحدثين والمعاصرين المسلمين تصورات معرفية وثقافية للإنسان بشكل عام والإنسان المسلم بشكل خاص ضمن مشروع حضاري يهدف إلى التخلص من قيود النظريات الغربية. ونذكر من هؤلاء المفكرين على سبيل المثال لا الحصر: الغزالي، وإقبال، ومالك بن نبي، والفاروقي، وعلي شريعتي، وبيجوفيتش، وجارودي، والمسيري، وطه عبد الرحمن، وعبد الحميد أبو سليمان إلخ. فهؤلاء تجمعهم مدرسة فكريةٌ توحيديةٌ تكامليةٌ تستعيد صورة الإنسان بطبيعته الاستخلافية المزدوجة المادية/ الروحية التي توظف مناهج مركبة. وكان لهذه الجهود موقعها في مثاقفة النظريات الحديثة والعودة إلى الذات، في سبيل تأسيس متن عربي إسلامي في التعامل مع الإنسان وتفحّص ماهيته ومكانته ومقصدية وجوده مع توظيف نقدي رشيد للمنتج المعرفي البشري. وهذا يستدعي جهودًا جماعيةً في تفحُّص معالم المشاريع والبدائل المعرفية النهضوية الحاضرة في الساحة الفكرية المعاصرة، والكشف عن دورها في البناء الحضاري، وتلمُّس سمات المناهج التي تقترحها في سبيل رسم صورة الإنسان”[11].

بالرغم من اختلاف مداخل وبؤر تركيز ومنهاجية هذه النماذج من الاجتهادات الفكرية الفلسفية النظرية والتطبيقية إلا أنها تتوافق على المقابلة بين صورتين للإنسان: مادية اختزالية، وأخرى ربانية قيمية، إذن هي اجتهادات تطرح ثنائيات متقابلة ذات تأثيرات على وضع الإنسان ودوره ووظيفته في منظومة الاجتماع البشري بصفة عامة والسياسي بصفة خاصة إلا أنها تتوافق من ناحية أخرى على أمر أكثر أهمية وهو أن الرؤية “الربانية” الإسلامية القيمية عن الإنسان تستبطن العلاجات اللازمة لأمراض الإنسانية من خلال تجاوز هذه الثنائيات النكدة. على أساس أن الرؤية الوضعية المادية للإنسان تختزل طبيعته وتظلمه وتسقط عليه فطرة الشر فقط. وهو الأمر الذي تنبثق عنه كل النظريات الغربية ذات الطبيعة الصراعية (الغاية تبرر الوسيلة، البقاء للأقوى، صراع اللعبة الصفرية، المصالح المادية محركة التاريخ…) التي تحكمت في العلم الاجتماعي والسياسات الغربية منذ بداية عصر النهضة وصعود وسيادة النموذج الحضاري الغربي وهيمنته بأسسه المعرفية والفلسفية والعلمية ذات التوجه المادي النفعي الوضعي… في حين أن تاريخ البديل المعرفي والعقدي والسياسي (الإسلامي) -والذي مني بالتراجع- لم يفتح ولم يسُد العالم إلا من خلال “الأنسنة”؛ أنسنة سلوك كان مفقودًا في العالم حينذاك.

والجدير بالذكر أن الخطاب الغربي عن الإنسان ليس جميعه أسير الرؤية المادية الوضعية، ولكن للعملة وجهًا آخر قيميًّا أخلاقيًّا، وإن ظل أسير العلمانية (بمعنى لا مرجعية دينية)؛ حيث إن الغرب ليس مصمتًا أو واحدًا –فلسفيًا وفكريًا وسياسيًا- فالتيارات المثالية أو القيمية بصفة عامة حاضرة دائمًا في تاريخه قبل وبعد عصر النهضة، ولكن لم يقدر لها أن تحقق في السياق الحضاري الغربي التاريخي أو المعاصر هيمنة أو تفوقًا يحكم الواقع ويديره. ومن ناحية أخرى، يظل التمايز قائمًا بينها وبين رؤية قيمية حضارية أخرى؛ وهي رؤية إسلامية تتخذ “الإسلام” شريعة وثقافة مرجعية لها. وقُدِّرَ لهذه الرؤية أن تسود في مرحلة وتؤسس حضارة زاهرة حاكمة مهيمنة حتى قدر لها، التراجع والتدهور في مقابل صعود حضارة أخرى نزعت إلى وانطلقت من نموذج مادي وضعي. وها هي الآن تشهد بدورها عوامل الاضمحلال والانحدار والبحث عن منقذات لها وللعالم في نموذج آخر.

خلاصة القول: هل توظيف الأنسنة يعني أنه لا سياسة إنسانية فعلية، بدون توظيف مفتعل يستهدف أمورًا أخرى عدا الخير والأخلاق؟ هل القوة والمصلحة المادية نقيض إصلاح الإنسان؟ هل حماية الإنسان لصيقة السلام ونافية للحرب؟ هل ثقافة السلام مرادفة لثقافة حماية الإنسان؟ هل كل دعوات المساواة التامة أو الحرية المطلقة في “صالح الإنسان”؟ هل كل تقدم مادي استهلاكي خطّي صاعد ينفع “الإنسانية” أم يضرها؟ هل الدفاع عن دين أو قومية أو عرق أو أي خصوصية حضارية يضاد “الإنسانية”؟…إلخ من الأسئلة المنبثقة عن الثنائية المطلقة عند النظر إلى الإنسان (بكل مقوماته) في منظومة الاجتماع البشري والسياسي. وأقصد بمقومات الإنسان هنا كل ما يتصل به في منظومة: دين، قوم، عرق، ثقافة، هوية، مجتمع، جماعة، ناس، أهل، روح وعقل، ذات وآخر…

إن الإنسان في قلب العالم، منذ بداية الله سبحانه وتعالى الخليقة ولكن كيف صار أسيرًا للثنائيات النكدة؟

(5)

إذن هل من رؤية تساعد على تجاوز هذه الثنائيات جميعها؛ سواء على مستوى الواقع أو الفكر والفلسفة أو النظرية؟ أما من ميزان للفكر والحركة سلبًا أو إيجابًا؟ أما من ميزان حضاري يحقق التناسق والتناغم بين هذه الثنائيات من منطلق ثابت عقدي يحدد المبادئ والأحكام؟ إنها المرجعية الإسلامية بأصولها ومصادرها الثابتة قرآنًا وسنة، وباجتهادات من ينطلقون منها عند إنتاج أفكارهم وعلومهم.

إن من قدموا المقارنات بين رؤى غربية ورؤية إسلامية انطلقوا من تأصيلات معمقة لمصادر وأبعاد وتجليات الرؤية الإسلامية “للإنسان”[12]، وبدون الدخول في تفاصيل تتجاوز المستهدف هنا يكفي الإشارة باختصار إلى ثلاثة نماذج انقل عنها ما يلي:

والبداية لابد وأن تكون مع الإنسان في القرآن. فهو -في القرآن- إنسان متعدد الأبعاد والمستويات على نحو يخرجنا به القرآن من الثنائيات فيتضح لنا صورة كلية شاملة نزن بها كل حالة وكل موقف: “فقد ذُكِر لفظ “الإنسان” في القرآن فوق 60 مرة، وبجمعها في كلمة “الناس” فوق 170 مرة، وبكلمة “الإنس” نحو 14 مرة، وبتعبير “الأناسي” مرة واحدة، وبتعبير “بني آدم” ثماني مرات، … وتعددت دلالاتها. وبالتتبع في المواضع والسياقات القرآنية المختلفة، تتجلى لنا ثلاث دلالات رئيسية لمفهوم الإنسان (بتعبيراته المختلفة) في القرآن، على النحو الآتي:

  1. الإنسان الأصلي: أي ذلك المخلوق المخصوص بصفات معينة الذي خلقه الله تعالى مكرَّما معلَّما؛ ليجعله في الأرض خليفة، ويستعمره فيها، ويحمله أمانة التكليف، وهو آدم وبنوه المتناسلون إلى يوم القيامة. وهو الكائن الكادح المخلوق في كبد، وفي أحسن تقويم. وأحسن تقويم هو “فطرة الله التي فطر الناس عليها”؛ وهي الإيمان وحب الخير والعمل به.
  2. الإنسان من حيث استعداداته النفسية والسلوكية الكامنة فيه: فقد ألهم الله تعالى نفسه الاستعداد للتقوى والصلاح والخير، والاستعداد للفجور والفساد والشر. وخلق الإنسان ضعيفًا، عجولًا، ظلومًا، جهولًا، هلوعًا، جزوعًا منوعًا، مجادلًا، وهو على نفسه بصيرة.
  3. الإنسان التاريخي: أو كما كشف عنه التاريخ الطويل حتى نزول القرآن، ويغلب عليه حتى نهاية العالم الدنيوي: “إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا..”-سورة العصر، نسي، يئوس، ظلوم، كفور، كفار، خصيم مبين، قتور، لا يسـأم من دعاء الخير، ذو دعاء عريض، فرح فخور، “كلا إن الإنسان ليطغى”، “إن الإنسان لربه لكنود”.

من هذا التتبع يتضح أن هذه الأوصاف السلبية أو السيئة التي يوصف بها الإنسان في القرآن لا تتعلق بأصل خلقته، ولا بتسويته على الفطرة السوية، إنما تتعلق بتجربته التاريخية التي –للأسف- غلب خطؤه فيها صوابَه، وغلب غيُّه رُشده. وفي هذا ما فيه من الجمع بين الأصل المثالي، والتفصيل الواقعي، والتحذير من طبائع الإنسان وأثرها على حركة وأحوال العمران، والأخذ بشرائع الرحمن، والدعوة للعودة إلى الأصل الأول الذي خلق الله عليه الإنسان؛ وهو الفطرة[13]“.

وفي دراسة تحت عنوان التمدن والعالم وجدل الفطرة والإنسانية[14] تقدم د.هبة رؤوف رؤية كلية تجدل فيها المقارنة بين الغربي والإسلامي، وبين الاجتماع السياسي والفكر السياسي والعلاقات الدولية، وبين الأصول الإسلامية والاجتهادات الإسلامية؛ بحيث نجد أن الدراسة تعبر عن رؤية حضارية إسلامية اجتهادية تسعى صاحبتها إلى بناء جسر بين واقعين وفكرين ومرجعيتين دون تلفيق أو التواء، وعلى نحو تصبح معه هذه الرؤية متجاوزة للثنائيات النكدة على كافة المستويات.

فالفطرة تبدأ مع بداية الخلق الإنساني مقترنة بوحدانية الله؛ باعتبار هذه الخليقة آية من آيات الله. وهي تتسم بالبراءة عند الميلاد قبل التأثر بالبيئات المختلفة بعد ذلك، كما أنها تتحرك نحو التعارف فلا يظل إنسانٌ منفردًا، وهي ترتبط بالسماوات والأرض -آيات الله الأخرى- إلى جانب خلق الإنسان والتي تم تسخيرها له.

ويحيط بهذه المنظومة ابتداءً من خلق الإنسان، مصادر الهداية والبوصلة الموجهة إليه، والإنسان وفطرته يتصل بمنظومة معرفية مزدوجة: الأمانة التي حملها الله للإنسان، والخلافة على الأرض والعمران، وكذا ثلاثية العقل والسنن في ظل الوحي، من ناحية. ويرتبط الإنسان بمنظومة أخرى واقعية؛ هي: الأمة، القوم، بني آدم، الناس، البشرية، وجميعها في قلب التصور عن البشرية والسعي نحو التمدن، في الناحية الأخرى.

وهذا التمدن المستهدف تؤثر في طبيعته التصورات عن الطبيعة البشرية وإسقاطاتها على نظريات ونظم الحكم والنظم الدولية، فالتصور عن الطبيعة الخيرة يولد نظريات تعاونية مثالية سلامية، وعلى العكس من ذلك التصور عن الطبيعة الشريرة.

إلا أن مقاصد الشرع (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل) توجه الأفق الإنساني نحو التعارف والجدال بالتي هي أحسن، فوفق الرؤية المقاصدية فإن الإنسانية هي غاية التمدن والاجتماع البشري، حيث يتم النظر للإنسان من وجهات متكاملة تبرز تكامله واتساقه وتوازنه المفترض إذا توافرت السنن والشروط اللازمة والعكس صحيح.

هذه الرؤية الاجتهادية المتراكمة لد.هبة عن موضع الإنسان في عملية التمدن على ضوء طبيعة الفطرة ثم شروط خيرية أم شرور الإنسان، هذه الرؤية تنبق من رؤية القرآن عن الإنسان التي قدمها د.مدحت. والرؤيتان تتجاوزان الثنائيات الحتمية المطلقة التي تأسر التصورات المقارنة الوضعية العلمانية عن الإنسان.

واستكمالاً للتأصيل القرآني لد.مدحت ثم الرؤية الفكرية الاجتهادية لد.هبة، تأتي الحاجة إلى النظر في بعض من إشكاليات التفكير في وضع “الإنسان المسلم” في العلاقة المعاصرة بين “العالم الإسلامي” والغرب، وبين أوطان ودول الأمة الإسلامية ومنها على سبيل المثال.

من ناحية: إن إصلاح حالة الأمة والنهوض بها يقع في قلبه إصلاح الإنسان بل إعادة بناء الإنسان، ولذا تقع مشروعات الدعوة والتربية والتعليم في قلب مشروعات الإصلاح والتجديد الفكرية والحركية في العالم الإسلامي على حد سواء[15].

ومن ناحية أخرى: فإن إصلاح السياسات في أوطان الأمة ودولها، وإصلاح العلاقات بينها في إطار الأمة الواحدة، يكمن في إصلاح العلاقات بين الحكام والمحكومين على أساس العدل والحرية. ولا يرتهن الأمر بيد الحكام فقط ولكن أيضًا بوعي وبصيرة المحكومين لحيوية وضرورة المراقبة والمحاسبة وعدم القبول بالظلم تحت أي مبرر من مبررات توظيف الحكام لخطاب “الأنسنة” لتجميل سياساتهم غير الإنسانية[16].

ومن ناحية ثالثة: إن إصلاح العالم لن يتم من داخل الغرب بمفرده، ولكن الحاجة ماسة لإسهامات من الدوائر الحضارية المختلفة على نحو يحقق “التعددية” في عملية التغيير الحضاري العالمي، وعلى ضوء إصلاح مسبق في حال الأمة ذاتها كي تستطيع المشاركة في هذا التغيير[17].

ومن ناحية رابعة: الغرب ليس صندوقًا مصمتًا واحدًا تغلب على سياساته العقلية الصراعية الداروينية والوضعية المادية، ولكن هناك أيضًا الغرب المعرفي والفكري “الإنساني” وهو نقدي، والأمة الإسلامية بدورها ليست صندوقًا مصمتًا واحدًا تغلب عليه صورة الإنسان الوسطي في القرآن، وأمام هذا فإن التعارف والحوار عبر حدود الأمم ضرورة حيوية من أجل تأسيس خطاب إنساني معاصر عالمي بالمعنى الحقيقي للمعاصرة والعالمية[18].

ومن ناحية خامسة: يظل لمفهوم الأخوة الإسلامية خصوصيات مقارنة بمفهوم الأخوة الإنسانية، وفي هذا أحيل إلى د.محمد عبد الله دراز في كتابه “الصوم تربية وجهاد”؛ إذ يقول: “﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ ها هنا يكمن دستور الإنسانية، ومن هنا تستمد كل قوانينها. فلو أننا أحصينا ما في الإسلام من تشريعات فردية أو اجتماعية، اقتصادية أو جنائية، سياسة أو دولية، لما وجدنا فيها إلا تفصيلا دقيقا، وتطبيقا أمينا لهذا الدستور الأعلى، سارية في آحادها ومجموعاتها من ألفها إلى يائها.

فمن دستور الأخوة الإنسانية انبثق القانون الذي محا به الإسلام آثار العصبيات وألغى به الفوارق في الأنساب والأجناس والألوان «ألا إن ربكم واحد.. ألا إن أباكم واحد.. كلكم لآدم وآدم من تراب.. ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى…» ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾..!

ومن دستور الأخوة الإنسانية نبع قانون احترام العقائد والشعائر وإطلاق حرية التفكير والتعبير:

﴿لا إكراه في الدين﴾.

﴿قل الله أعبد مخلصا له ديني، فاعبدوا ما شئتم من دونه﴾.

ومن هذا الدستور انبجس قانون العدل السابغ الذي يستوي في حكمه البعيد والقريب والعدو والصديق.

﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.

ومن دستور الأخوة الإنسانية اقتبس قانون تقديس الأمانات ووجوب أدائها حتى إلى الخارجين عن الوطن والجنس والدين: ﴿بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين﴾.

ومن دستور الأخوة الإنسانية استمد قانون حماية الأعداء اللاجئين إلى جوارنا: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمته ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾

ومن دستور الأخوة الإنسانية اشتق قانون الوفاء لخصومنا بعهودهم ومواثيقهم:

﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها﴾.

ومن دستور الأخوة الإنسانية تولد قانون التساوي في الحرمات.

﴿من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾

و من دستور الأخوة الإنسانية نشأت مسئولية الدولة عن رعاية المواطنين وتأمين أرواحهم وأموالهم «لهم ما لنا وعليهم ما علينا».

ومن دستور الأخوة الإنسانية تفرع قانون المواساة للمعوزين ومشاطرتهم للأغنياء في ثروتهم:

﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾.

بل مشاطرتهم للدولة في مالها :

﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾.

في وسط هذا الفردوس من الأخوة الإنسانية تنبت شجرة طيبة مباركة من الأخوة الإسلامية وهي أخوة لا تنقض الأخوة الأولى ولا تناقضها بل إنها تنضم إليها وتضاعفها فليس التفاوت بينهما تفاوت ما بين العدو والصديق، أو ما بين البعيد والقريب، بل تزايد ما بين القريب، والأقرب، أو الأخ الشقيق والأخ لأب”[19].

بعبارة أخرى، إذا كان مفهوم “الأنسنة” يبدو أحيانًا كثيرة مفهومًا ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، فيجب تزكية العمل المشترك بين الأمم، عبر الحدود الحضارية، لجعله مفهومًا إيجابيًا؛ أي يعكس مصالح الإنسان بمحدداته القرآنية وليس الداروينية؛ وذلك بعد أن يصبح الخير فينا ومنا -أولاً- بارزًا واضحًا في مجال حماية الإنسان ضد الظلم والفساد والكراهية والاستبداد وضد تسييس الإسلام وادعاء أسلمة السياسة في أوطاننا. بعبارة أخرى، بعد أن نجسد تقاليد إسلامية راسخة وقت الصعود الحضاري للأمة؛ وهي عدم الفصل بين قيم التعامل السياسي الداخلي وبين قيم التعامل السياسي الخارجي.

خلاصة القول: على ضوء تجليات “أنسنة السياسة” في الخطاب الدولي المعاصر، والمفاهيم المقارنة عن الإنسان، وأبعاد رؤية حضارية إسلامية عن “الإنسان والإنساني”، فإن “الإنسان” لا اختبار له إلا في جماعة واجتماع بشري، والأخير بدوره نواة لأمة قبل الدولة. هكذا يجب أن يكون التناغم والتناسق عن العلاقة بين الإنسان والمجتمع والدولة والعالم، فهم ليسوا بدائل متصارعة.

ومن ثم، فإن الاهتمام بالإنسان ليس خروجًا على التصور الجمعي للأمم أو الدول، ولكن يعني إدراك أهمية الأبعاد القيمية والأخلاقية والثقافية في السياسة والعلاقات الدولية. كما أن هذا الاهتمام بالإنسان ليس خروجًا على الصيغ المؤسسية للحكم أو أسلوبًا جزئيًا سلوكيًا فرديًا للتحليل، ولكنه استعادة للاهتمام بأطر تحليلية مرنة، تقع في قلب تكوينات اجتماعية أكبر (هي الأمم) والعلاقات بينها.

ومن ناحية أخرى، لن يتوقف التوظيف السياسي للإنسان في لعبة القوى الداخلية والخارجية، بل تزداد فرص التوظيف مع التطور في وسائل التواصل الإلكتروني، إلا أنه سيظل لهذا الوجه من العملة وجهٌ آخر؛ وهو أن “الإنسان” لن يفتقد أبدًا آليات وأدوات مقاومته الحضارية لاستلاب وعيه وذاكرته وهويته، أو لاستيعابه وإلحاقه تمامًا بالغير.

الحمد لله

القاهرة

27 مارس 2023

______________________________

الهوامش

[1] نادية مصطفى.أنسنة السياسة، (في) سعيد خالد الحسن (محرر)، نظرات استشرافية في حصيلة قرن غابر: مناقشات حول أعمــال مؤتـمـــر تنميتنـا والخطاب الإنسـاني العالـمـي وما دار حولها من نقاشات، (الرباط: مؤسسة خالد الحسن، مركز الدراسات والأبحاث، 2011).

[2] النص الكامل لهذه المحاضرة منقولًا عن المرجع السابق، مع إضافة هوامش وبعض التحرير الشكلي.

[3] تسجل إصدارات برنامج حوار الحضارات (2002-2007)، ومركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات (2008-2014)، حالة الجدالات المتنوعة حول قضايا الحوار الساخنة في هذه المرحلة منذ 2001، انظر على سبيل المثال:

  • د. نادية محمود مصطفى (محرر): السياسة الأمريكية تجاه الإسلام والمسلمين: بين الأبعاد الاستراتيجية والأبعاد الثقافية، جامعة القاهرة : برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2003.
  • د. نادية محمود مصطفى، د. علا أبو زيد (محرران)، من خبرات حوار الحضارات، جامعة القاهرة: برنامج حوار الحضارات بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2003.
  • د. نادية محمود مصطفى (محرر)، مسارات وخبرات حوار الحضارات: رؤى متنوعة في عالم متغير، جامعة القاهرة: برنامج حوار الحضارات، 2004.
  • د. نادية محمود مصطفى، د. علا أبو زيد (محرران): رؤى عربية وغربية في حوار الحضارات، جامعة القاهرة: برنامج حوار الحضارات ودار السلام للطباعة والنشر بالقاهرة، 2004.
  • د. نادية محمود مصطفى (محرر)، أوروبا وإدارة حوار الثقافات الأورومتوسطية. نحو تفعيل رؤية عربية، أعمال المؤتمر الذي نظمه برنامج حوار الحضارات في أبريل 2005، جامعة القاهرة :كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2008.

[4] د.نادية محمود مصطفى: بناء المنظور الحضاري في العلوم الاجتماعية والإنسانية، في: نادية محمود مصطفى، سيف الدين عبد الفتاح، ماجدة إبراهيم (تحرير)، التحول المعرفي والتغيير الحضاري: قراءة في منظومة فكر منى أبو الفضل، سلسلة قراءة في الفكر الحضاري لأعلام الأمة (2)، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، دار البشير للثقافة والعلوم، 2011.

[5] حول أبعاد هذه المراجعة انظر: د.نادية محمود مصطفى، مسار علم العلاقات الدولية بين جدال المنظورات الكبرى واختلاف النماذج المعرفية، (في) د.نادية محمود مصطفى (محرر)، العلاقات الدولية في عالم متغير: منظورات ومداخل مقارنة، القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2016.

[6] انظر على سبيل المثال:

  • Petito, P. Hatzopoulos. Religion in International Relations: The Return from Exile. London: Palgrave Macmillan, 2004.

[7] Amitav Acharya, Barry Buzan. Re-imagining International Relations: World Orders in the Thought and Practice of Indian, Chinese, and Islamic Civilizations. Cambridge: Cambridge University Press, 2021.

[8] انظر نموذج: د.حامد ربيع، د.منى أبو الفضل، د.عبد الوهاب المسيري، د.أحمد داود أوغلو.

[9] عباس محمود العقاد، الإنسان في القرآن، (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2005)، ص ص4-5.

[10] عبد الوهاب المسيري، دفاع عن الإنسان: دراسات نظرية وتطبيقية في النماذج المركبة، (القاهرة: دار الشروق، 2006).

[11]])رائد عكاشة، عائشة الحضيري، المقدمة، (في) رائد عكاشة، عائشة الحضيري (محرران)، صورة الإنسان بين المرجعتين الإسلامية والغربية، (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2020) ص ص 9-12.

[12]  انظر مثلا :

  • نور الدين الخادمي، ” الانتظام الإنساني بين المرجعيتين الإسلامية والغربية”، (في) رائد عكاشة، عائشة الحضيري (محرران)، صورة الإنسان بين المرجعتين الإسلامية والغربية، مرجع سابق.
  • العياشي ادواردي، حقيقة الإنسان: من ضيق التصور العقلاني إلى سعة الفهم الأخلاقي، المرجع السابق.
  • عبد الحليم مهورباشة، مفهوم الإنسان في العلوم الاجتماعية: من النموذج الدنياني إلى النموذج الائتماني، المرجع السابق.
  • عبد القادر عبد العالي، الإنسان القرآني: دراسة مقارنة بين خصائص الإنسان وصورته في الاجتهاد الإسلامي والرؤية الغربية، المرجع السابق.

انظر أيضًا:

  • عبد الحميد أبو سليمان، الرؤية الكونية الحضارية القرآنية: المنطلق الأساس للإصلاح الإنساني، (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر، 2009).
  • د.فتحي الملكاوي، رؤية العالم : حضور وممارسات في الفكر والعلم والتعليم، (الولايات المتحدة الأمريكية: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2021).

[13] هذا الموجز عن مفهوم الإنسان في القرآن من إعداد د. مدحت ماهر الليثي.

[14] هبة رؤوف عزت، عن التمدن والعالم: جدل الفطرة والإنسانية، أعمال الندوة العلمية الدولية: القرآن الكريم ورؤية العالم – مسارات التفكير والتدبير، الرباط: الرابطة المحمدية للعلماء، 2014.

[15] انظر على سبيل المثال:

  • أعمال د.عبد الحميد أبو سليمان وإنتاجه الفكري: نادية مصطفى (محرر)، قراءة في فكر أعلام الأمة: في رؤية ومنهاج الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، (ولاية فرجينيا: مركز الإسلام في العالم المعاصر جامعة شناندوا، 2021).
  • نادية محمود مصطفى، الإنسان في قلب الإصلاح الإسلامي، مجلة حراء، 2009.
  • نادية مصطفى، د.إبراهيم البيومي، د.باكينام الشرقاوي ، مقدمة الكتاب، (في) د. نادية مصطفى، د.إبراهيم البيومي، د.باكينام الشرقاوي (محررون)، مستقبل الإصلاح في العالم الإسلامي: خبرات مقارنة مع حركة فتح الله كولن، بالتعاون بين: جامعة القاهرة مركز الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، ومجلة حراء، القاهرة، 2011.
  • نادية محمود مصطفى (محرر)، التربية المدنية، (جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 2007).
  • مدحت ماهر (محرر)، معايير بناء الإنسان عبر التربية والتعليم: من منظور حضاري إنساني، غير منشور.

[16] انظر على سبيل المثال:

  • هبة رؤوف عزت، علا أبو زيد (محرران)، المواطنة المصرية ومستقبل الديمقراطية: رؤى جديدة لعالم متغير، (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 2005).

[17] أحمد دواود أوغلو، العالم الإسلامي في مهب التحولات العالمية، إبراهيم البيومي (مترجم)، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2006).

[18] حول مفهوم المعاصرة، انظر: طارق البشري، ماهية المعاصرة، (القاهرة: دار الشروق، 2005).

حول مفهوم العالمية، انظر: أميرة أبو سمرة، مفهوم العالمية في العلاقات الدولية: دراسة مقارنة في إسهامات نظرية نقدية، (رسالة دكتوراه)، 2014.

  • عل الشامي، الحضارة والنظام العالمي: أصول العالمية في حضارتي الإسلام والغرب، (دار الإنسان للدراسات والنشر، 1995).ِ

[19] محمد عبد الله دراز، الصوم تربية وجهاد، (القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية، 2011)، ص 63.

 

فصلية قضايا ونظرات – العدد التاسع والعشرون – أبريل 2023

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى