آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبيةالعالم الإسلامي

آسيا الوسطى وصراع النفوذ والموارد بين روسيا والصين

مقدمة:

كانت منطقة آسيا الوسطى منذ القدم مَعْبَرًا ومفترقَ طرقٍ لحركة الشعوب والتجارة والأفكار بين أوروبا والشرق الأقصى. وكانت أيضًا ساحةً للتنافس العسكري والسياسي بين الإمبراطوريات والقوى العظمى المتصارعة على النفوذ والهيمنة، وكانت مطمعًا دائمًا لكل اللاهثين وراء المكاسب والموارد الاقتصادية.

وفي عالمنا المعاصر، نجد التنافس والصراع السياسي والاقتصادي والعسكري على آسيا الوسطى يحْتدم يومًا بعد يوم، وتتكاثر حلقاته ومجالاته، وتتعدَّد أطرافه بشكلٍ دائم. فنجد الصين وقد جعلت من آسيا الوسطى مَعْبَرًا لاثنين من أهمِّ ممرَّات حزامها الجديد في إطار مبادرة الحزام والطريق خاصَّتها. ونجد الولايات المتحدة تنصُّ في استراتيجيَّتها الرسمية على أن «آسيا الوسطى منطقة جيواستراتيجية مهمَّة في إطار مصالح الأمن القومي الأمريكي»[1]. ونجد روسيا وهي تجتهد في استعادة دول آسيا الوسطى إلى فلك هيمنتها وسيطرتها فتتدخَّل بذراع معاهدة الأمن الجماعي في كازاخستان لقمع الاحتجاجات الشعبية على النظام السياسي وحفظ الاستقرار من «الإرهاب»[2]. وكذلك لم تَضِقْ الساحة عن استيعاب الهند الصاعدة التي تسعى لتطوير علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة.

وتحاول هذه الدراسة فهم ما الذي جعل من آسيا الوسطى ساحةً لهذا التنافس والتكالب، ومقاربة الكيفية التي يجري بها هذا التنافس في حالتي روسيا والصين، والكيفية التي تتفاعل بها نخب المنطقة مع هذا التنافس.

أولًا- آسيا الوسطى: منطقة جيواستراتيجية مهمة

تمتد آسيا الوسطى في المنطقة الواقعة بين بحر قزوين في الغرب ومنغوليا في الشرق، وبين حدود روسيا في الشمال وحدود أفغانستان في الجنوب. وتنقسم المنطقة سياسيًّا إلى خمس دول حديثة التشكُّل، هي: كازاخستان وقيرغيزستان وطاچيكستان وتركمانستان وأوزبكستان. وقد كانت المنطقة كلها ضمن أراضي الاتحاد السوڤييتي حتى انهياره في عام 1991 وولادة هذه الدول.

ولمنطقة آسيا الوسطى أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة. إذ تمتدُّ على مساحة تتجاوز الأربعة ملايين كيلومتر مربع، وتتوزَّع غالبها بين جبال شاهقة وصحارى شاسعة ومراعي واسعة، ويقطن هذه المساحات ما يزيد عن ستة وسبعين (76) مليون نسمة، موزعين بين الدول الخمسة توزيعًا متفاوتًا (انظر الجدول 1). وهي كذلك منطقة معزولة تمامًا، لا يمكنها إلا الاعتماد على جيرانها في الاتصال المباشر بالعالم المحيط.

تكمن أهمية آسيا الوسطى استراتيجيًّا فيما يمثِّله موقعها من نقطة تمركزٍ مثالية. فالمهيمن على المنطقة تنفتح له أبواب العمق الحيوي لروسيا في الشمال، والعمق الصيني في الجنوب الشرقي، وعمق شبه القارة الهندية في الجنوب. وكذلك تضمن الهيمنة عليها السيطرة على بحر قزوين شديد الأهمية، ويتمتع المهيمن عليها بسيطرةٍ كاملة على الممرَّات الواصلة بين روسيا والصين وشبه القارة الهندية، والممرَّات التي تربط الصين والشرق الأقصى وبين أوروبا.

الدولة عدد السكان (نسمة)
كازاخستان 18.777.000
قيرغيزستان 6.524.000
طاچيكستان 9.538.000
تركمانستان 6.031.000
أوزبكستان 33.469.000

الجدول (1)

المصدر: بيانات موقع WorldOmeter القائم على إحصاءات إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية في عام 2019[3].

وبالإضافة إلى هذه الأهمية الاستراتيجية، تتمتَّع آسيا الوسطى بوفرةٍ في الموارد الاقتصادية الجاذبة للقوى العظمى. وعلى رأس هذه الموارد تأتي مصادر الطاقة الأساسية من النفظ والغاز الطبيعي والفحم. فآسيا الوسطى تمتلك احتياطيات مؤكَّدة من النفط مقدارها 31.25 مليار برميل من النفط، أي ما يعادل 1.88% من الاحتياطي العالمي. وكذلك تمتلك من الغاز ما مقداره 415.4 تريليون قدم مكعب، أي ما يعادل 5.91% من الاحتياطي العالمي. وكذلك نجد من الفحم احتياطيات مؤكَّدة تصل إلى 31.22 مليار طن، أي ما يعادل 2.7% من الاحتياطي العالمي من الفحم. وفوق مصادر الطاقة الأساسية، نجد في آسيا الوسطى، وبالأخص في كازاختسان وأوزبكستان، وفرةً من عنصر اليورانيوم. إذ يمثلان معًا 0.07% من الاحتياطي العالمي، بمقدار 1.1 مليون طن من اليورانيوم.

وعلاوةً على ما تملكه آسيا الوسطى من إمكانيات وموارد ذاتية جاذبة، نجد لكل قوةٍ من القوى الكبرى مطامع ومصالح خاصة بها تسعى إلى ضمانها وتحقيقها.

الدولة الاحتياطي من النفط (برميل) الاحتياطي من الغاز الطبيعي (مليون قدم مكعب) الاحتياطي من الفحم (طن)
كازاخستان 30.000.000.000 85.000.000 28.224.647.550
تركمانستان 600.000.000 265.000.000 1.515.676.250
أوزبكستان 594.000.000 65.000.000 1.070.343.010
قيرغيزستان 40.000.000 200.000 413.366.250
طاچيكستان 12.000.000 200.000

الجدول (2)

المصدر: بيانات موقع WorldOmeter القائم على إحصاءات بريتش پيتروليم في عام 2020[4].

ففي حالة روسيا على سبيل المثال، تعتبر آسيا الوسطى في نظر الاستراتيجية الروسية مجالًا حيويًّا وخاصرةً جنوبية يمكن لأيِّ اضطرابٍ فيها أن يؤثر على استقرار روسيا الداخلي. ويمثل العامل الجيوسياسي بذلك عنصرًا هامًّا، إذ تمثل المنطقة مصدرًا محتملًا للتهديد إن تمكَّنت أي قوة معادية (الدول الغربية) أو لا تلتقي مصالحها مع المصالح الروسية (الصين؟) من الهيمنة عليها. وهو ما زاد من تحسُّس روسيا من توسُّع التحالفات السياسية والعسكرية الغربية، وخاصةً حزب الناتو.

وإلى جانب الاعتبارات الجيوسياسية، تدَّعي روسيا على الدوام أنها تسعى للدفاع عن حقوق المواطنين الروس أو ذوي الأصول الروسية ممَّن يمثِّلون قرابة ربع السكان في آسيا الوسطى. وكذلك تجتهد في الإبقاء على الدول السوڤييتية الخمسة سوقًا للبضائع وقطاع الأعمال الروسي الذي عانى أزمةً خانقة منذ انهيار الاتحاد. وتشكِّل دول آسيا الوسطى معًا ما نسبته 5% من الصادرات الروسية، بإجمالي 27.7 مليار دولار أميركي في عام 2021، وهو ما يمثل ثلث ما تستورده جمهوريات المنطقة من العالم أجمع[5].

أما الصين فنجد مصالحها الأساسية في المنطقة تدور حول أربعة أمور أساسية؛ أولها أن المنطقة توفِّر للصين بديلًا أقل تكلفة لمصادر الطاقة الأساسية من النفط والغاز. إذ تزيد نسبتهما من واردات الصين من الجمهوريات الخمسة ن المنأن المنطقة أن العن 50% من إجمالي وارداتها من هذه الدول، التي تجاوزت في عام 2021 حاجز 18.6 مليار دولار[6]. وحتى الآن، تنقل الصين النفط والغاز عبر خطي أنابيب كبيريْن، هما خط غاز تركمانستان-الصين، الذي يبدأ من تركمانستان ويمر بأوزبكستان وكازاخستان، ومن هذه الأخيرة إلى مقاطعة شينجيانج الصينية، والخط الثاني هو خط نفط كازاخستان-الصين الممتد من ساحل بحر قزوين وحتى المقاطعة نفسها.

الأمر الثاني في استراتيجية الصين للمنطقة هو أن هذه الأخيرة تمثِّل بملايينها السبعين سوقًا استهلاكيًّا لا غني عنه، وساحةَ تنافس وتعاون للشركات الصينية المتعدِّدة. وقد بلغت الصادرات الصينية للجمهوريات الخمسة ما إجماليه 25.8 مليار دولار، بما يمثل 31% من إجمالي ما تستورده هذه المنطقة من العالم كله في عام 2021[7]. ثم يأتي الأمر الثالث متمثِّلًا في إحلال السلم على المناطق الحدودية. ففي الفترة السوڤييتية كانت الحدود بين الصين وجمهوريات الكازاخ والقيرغيز والطاچيك غير متَّفق عليها، وسبَّبت نزاعات شديدة بين بكين وموسكو. لكن بعد تفكُّك الاتحاد، سارعت الصين إلى الاعتراف بالجمهوريات الوليدة والمبادرة لحلِّ النزاعات القائمة وتسوية المشكلات العالقة، وبالفعل تمكَّنت من ذلك بحلول عام 1999، وتسْعى دومًا إلى ضمان هذا الاستقرار[8].

أما الأمر الرابع من مصالح الصين الأساسية فهو إحلال السلام في المنطقة لضمان السيطرة على إقليم شينجيانج (تركستان الشرقية) المضطرب في شمال غرب البلاد. إذ تسْعى الصين إلى القضاء على أيِّ نزعاتٍ مقاوِمة في الإقليم، وهو ما تبلْور في حملات اضطهاد وقمع وتطهير عرقي ممنهج للمسلمين الأويجور وغيرهم من الكازاخ والقيرغيز. وتسعى الصين إلى حفظ علاقات ودية مع دول آسيا الوسطى المجاورة لإقليم لضمان السيطرة عليه ومواجهة «الإرهاب» الإسلامي فيه[9].

وإلى جانب هاتين القوتين، نجد للقوى العظمى الأخرى مصالح جوهرية في آسيا الوسطى. فالولايات المتحدة تسْعى إلى مواجهة روسيا في الجمهوريات الخمس التي تمثل حدائق خلفية لموسكو، وتهتم بـ «تطهير» المنطقة مما سمَّته «ملاذات الإرهاب»، وبالطبع الحصول على «حصتها» من النفط والغاز في المنطقة، مع استعمال المنطقة لإحكام الحصار على إيران «الدولة المارقة». وكذلك نجد للاتحاد الأوروبي مصالح تتمثَّل بالأساس في الحصول على مصدرٍ جديدٍ للطاقة يكْسر هيمنة الغاز الروسي على أوروبا.

ثانيًا- روسيا والصين في آسيا الوسطى: تنافس وتعاون

تتقاطع مصالح روسيا والصين في آسيا الوسطى في العديد من النقاط، فكلاهما تسعيان إلى نشر الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة، وتخشيان الاحتجاجات الشعبية والاضطراب السياسي. وكذلك تهتم كلتا الدولتين بمواجهة ما تريان أنه «تطرف» في المنطقة، وخاصةً القادم من أفغانستان والشرق الأوسط. وتشتركان في بناء شبكات نقل ومواصلات واسعة النطاق في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية التي دخلت فيها روسيا عبر ممر الصين-روسيا-منغوليا الاقتصادي الذي خطَّطت له الصين. وجرى الاتفاق ضمنيًّا وفي التصريحات العلنية على كثافة العلاقات بين البلدين، وترابط مصالحهما في المنطقة من باب تقسيم العمل بينهما، فتركِّز الصين على مساعيها الاقتصادية، وتضْمن روسيا الجوانب الأمنية والعسكرية.

وكذلك تفضِّل الصين وروسيا إبقاء الحكومات التسلُّطية في الجمهوريات الخمس، وتعارضان بعداء السعي الغربي لفرض الديمقراطية على المنطقة، بما قد يؤدِّي لأنظمة ديمقراطية تهدد مصالحهما. وكذلك تسعى قيادة الدولتين إلى تقليل النفوذ الغربي في المنطقة. إذ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبالأخص بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر وتدخُّل الجيوش الغربية في أفغانستان وآسيا الوسطى في المجْمل، وقد وصلت دوافع التعاون بين الدولتين إلى أقصاها خوفًا من حصول الغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، على موطئ قدمٍ في المنطقة.

إلَّا أن انسحاب الولايات المتحدة من قاعدتها العسكرية في ماناس القيرغيزية في عام 2014، ثم الانسحاب من أفغانستان في عام 2021، واللامبالاة التي تعاملت بها إدارة ترامب مع المنطقة؛ أدَّى كلُّ ذلك إلى إزاحة الغرب من المنطقة بوصفه منافسًا جيوسياسيًّا عليها[10]، وأبان عن إمكانيات التباعد والتنافس المتزايد بين مصالح الروس والصينيِّين، وأظهر تدخُّل كلٍّ منهما في مجال الآخر، فنجد توسُّعًا روسيًّا في محاولة السيطرة على الموارد الاقتصادية، وكذلك اهتمامًا صينيًّا كبيرًا بالمجال العسكري والأمني. وسننْظر فيما يلي في أوجُه هذا التنافس من أربعة جوانب: جانب العلاقات المؤسسية والتنظيمية الرسمية، وجانب النشاط الاقتصادي، وجانب النشاط الأمني والعسكري، وجانب القوة الناعمة.

  • العلاقات المؤسسية والتنظيمية الرسمية

هناك العديد من العلاقات المؤسَّسية بين روسيا ودول آسيا الوسطى. فنجد على سبيل المثال اتحاد الدول المستقلة عن الاتحاد السوڤييتي (CIS) الذي يضم حاليًّا جمهوريات آسيا الوسطى -باستثناء تركمانستان- مع روسيا إلى جانب أربع دولٍ سوفييتية سابقة، وهو في أحسن الأحوال مؤسسة رمزية تأسَّست بعد انهيار الاتحاد السوڤييتي. وكذلك نجد منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) التي تضمُّ حاليًّا روسيا إلى جانب ثلاث دول هي كازاخستان وقيرغيزستان وطاچيكستان، وهي حلف عسكري. ونجد الاتحاد الاقتصادي اليوروآسيوي (EAEU) وهو اتحاد اقتصادي نشأ بشكله الحالي في عام 2015 تأسِّيًا بالاتحاد الأوروبي، ويضم روسيا وكازاخستان وقيرغيزستان إلى جانب أرمينيا وبيلاروسيا. وأخيرًا هناك منظمة شانغهاي للتعاون (SCO) التي تأسَّست في عام 2001 وتضم الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى باستثناء تركمانستان، ومعهم الهند وباكستان وإيران. وتمثِّل منظمة شنغهاي تطويرًا لمعاهدات الحدود التي أشرنا إليها سابقًا بين الصين ودول الاتحاد السوڤييتي السابقة.

ولا نجد آليةً إقليمية واحدة تجْمع روسيا مع دول آسيا الوسطى الخمسة إلا آلية (5+1) التي جمعت وزراء خارجية الدول الخمسة مع وزير الخارجية الروسي بدءًا من عام 2019، وهي آلية سبقت الكثير من الدول روسيا في تشكيلها، من أمثال اليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والهند، وكذلك الصين في عام 2020[11].

أما عن الصين، فعلاقاتها التنظيمية الرسمية مع آسيا الوسطى أقل بكثير من روسيا. إذ يتمثل ارتباطها التنظيمي الرسمي الأساسي في منظمة شنغهاي المذكورة وآلية (5+1). ولا تعتبر مبادرة الحزام والطريق الشهيرة منظمةً دولية، بل هي مجموعة من المبادرات الاقتصادية التي تقودها الصين. لكننا نجد أن ارتباط الجمهوريات الخمسة بالمبادرة كبير، إذ دعمت جميعها المبادرة، ووقَّعت مع الصين، باستثناء تركمانستان، مذكرة تفاهم تُشير إليهم بوصفهم أعضاءً في المبادرة، وكلهم، باستثناء تركمانستان، أعضاء في بنك الاستثمار الآسيوي في البنية التحتية الذي تديره الصين.

خلاصة ما سبق أن لروسيا في جانب العلاقات التنظيمية الرسمية مع آسيا الوسطى اليد الطولى. فالصين تركز لا غير على نشر مبادرتها الاقتصادية، واستجلاب دعم الدول لها، وفتح الأبواب أمام ممرَّاتها وطرقها التجارية. في حين أن روسيا تهتم بالإبقاء على نوعٍ معين من الإقليمية، حتى لو كانت، كما عبَّر البعض، إقليميةً «افتراضية» رمزية أكثر منها ذات وظائف واضحة[12]. وذلك نظرًا لأن المنظمات المذكورة كلها ليست ذات تأثيرٍ كبير على سياسات المنطقة، إلا في حالات محدودة.

  • النشاط الاقتصادي

كان اقتصاد الجمهوريات الخمس إبان حقبة الاتحاد السوڤييتي يخضع بالأساس للإدارة السوڤييتية المركزية. لكن مع انهيار الاتحاد، بدأت العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة تتغير بشكلٍ كبير. ففي حالة روسيا، نجد أن العلاقات الاقتصادية قد بدأت تخْفت تدريجيًّا، وإن ما زال لها دور كبير في اقتصاد الجمهوريات الخمس، وفي حالة الصين نجدها في تصاعدٍ مستمر.

فمن جانب، تعتمد اقتصادات قيرغيزستان وطاچيكستان وأوزبكستان اعتمادًا كبيرًا على تحويلات مواطنيهم العاملين في روسيا. ففي الأولى مثَّلت التحويلات نسبة 28.5% من إجمالي الناتج القومي في عام 2019، وفي الثانية 28.6%، وفي الأخيرة 14.8%[13]. أما إلى الصين، فهجرة مواطني دول آسيا الوسطى لا قيمة لها. ففي دراسة أعدَّتها زولڤيا رايزوڤا في عام 2020، لا تُعَدُّ الصين من الأماكن الجاذبة للعمالة من دول آسيا الوسطى[14].

لكن من جانب آخر، نجد الصين قد سبقت روسيا لتصبح هي الفاعل الاقتصادي الأهم في المنطقة. فمثلًا، وفقَ الجدول (3)، نجد أن الصين قد أصبحت مستثمرًا أكبر من روسيا في كل دول المنطقة، وفي كازاخستان على وجه الخصوص (29.17 مليار دولار استثمار تراكمي مباشر للصين مقابل 6.483 مليار دولار في الفترة ما بين 2007 و2019). فنجد نسبة الاستثمار الصيني تتراوح بين أربعة أضعاف الاستثمار الروسي في كازاخستان وواحدٍ وأربعين ضعفًا في تركمانستان.

دول آسيا الوسطى روسيا الصين
كازاخستان 6.48 مليار دولار 29.17 مليار دولار
قيرغيزستان 592 ألف دولار 4.73 مليار دولار
طاچيكستان 193 ألف دولار 1.45 مليار دولار
تركمانستان 165 ألف دولار 6.8 مليار دولار
أوزبكستان 1.09 مليار دولار 5.79 مليار دولار

جدول (3)

المصدر: صفحة الاستثمار الروسي المباشر في موقع بنك روسيا، وصفحة متتبع الاستثمار الصيني التابعة لمعهد أميركان إنترپريز[15].

وإلى جانب الاستثمار الأجنبي المباشر، تعتمد بكين اعتمادًا كبيرًا على إقراض دول المنطقة، وغالبًا في إطار مبادرة الحزام والطريق. فكل دول المنطقة مدينة للصين، وأخطرها موقفًا هي قيرغيزستان وطاچيكستان. فالصين تحمل وحدها 45% من ديون قيرغيزستان الخارجية بما يقابل 2.3 مليار دولار (30.5% من الناتج القومي الإجمالي)، و52% من ديون طاچيكستان بما يقابل 1.15 مليار دولار (16.2% من الناتج القومي الإجمالي)[16].

أما عن روسيا، فلا نجد معلوماتٍ واضحة عن ديونها لدى دول آسيا الوسطى، إذ إن معاملاتها المالية لا تتَّسم بالشفافية. فالأسلحة تُعْطَى لأعضاء معاهدة الأمن الجماعي بأسعار مخفَّضة (أو مجانًا)، وتحْصل كازاخستان وقيرغيزستان وطاچيكستان على إعانات مالية من صندوق الاستقرار الأوراسي التابع للاتحاد الاقتصادي اليوروآسيوي، وكذلك أسقطت روسيا الكثير من الديون في محاولةٍ منها لزيادة نفوذها. ففي عام 2004 على سبيل المثال، أسْقطت روسيا 300 مليون دولار اقترضتْهم طاچيكستان في مقابل بناء قواعد عسكرية روسية[17].

فمن ناحية، يبدو أن شبكة العلاقات المالية بين دول آسيا الوسطى وروسيا أكبر ممَّا يبدو في القنوات الرسمية للاقتراض. لكن من ناحيةٍ أخرى، لا شك في أن للصين اليد الطولى باعتبارها المقرِض الأكبر لجمهوريات المنطقة.

أما على مستوى التبادل التجاري، فنجد الصين وقد تنامتْ مقاديرُ تبادلاتِها التجارية مع دول المنطقة تناميًا مستمرًّا على مدار العقود الثلاثة الماضية، لتصل في عام 2021 إلى 44.5 مليار دولار أميركي، في مقابل 37.1 مليار دولار مقدار التبادل بين روسيا والجمهوريات الخمس[18].

تتَّسم مصالح الصين الاقتصادية في آسيا الوسطى بأنها متعدِّدة الأوجُه. فالوصول إلى المواد الخام ومصادر الطاقة والمعادن أحد أهم أهدافها، كما يتبدَّى في خطوط النفط والغاز. وكذلك تُعتبر المنطقة ممرًّا استراتيجيًّا حيويًّا لنقل البضائع إلى أوروبا في إطار مبادرة الحزام والطريق، وكذلك أصبح للبنوك الصينية حضور كبير في المنطقة في تمويل المشروعات التي تقوم عليها الشركات الصينية.

وفي عام 2014، أعلنت الصين عن مشروعها طريق الحرير الرقمي، فتوسَّعت علاقاتها مع دول آسيا الوسطى في المجال التقني، وبدأت في نقل المعرفة التقنية وثقافة الشركات إلى المنطقة، ودفعت المبادرات الصينية جهود الرقمنة في آسيا الوسطى[19]. فنجد شركة الاتصالات الصينية العملاقة، هواوي، تساعد كازاخستان وأوزبكستان وطاچيكستان في إدخال تقنية شبكات الجيل الخامس، وفي تأسيس تقنية المراقبة المسمَّاة بـ «المدن الآمنة»[20]. وفي السنوات التي قلَّلت فيها الصين من نشاطها التقني في الدول الغربية، حقَّقت حضورًا تقنيًّا كبيرًا في جمهوريات آسيا الوسطى. وهنا تحاول الصين تجاوز العلاقة التقليدية بينها وبين دول آسيا الوسطى التي تمحْورت حول المواد الخام ومصادر الطاقة، إلى ربطها بها في شبكة رقمية قوية. وتتَّسم هذه المساعي بقوةٍ كبيرة تتجاوز ما يمكن لروسيا، ماليًّا وتقنيًّا، مواجهته. ومن كلِّ ذلك، نجد أن الصين تسْبق روسيا في آسيا الوسطى بمعدَّلاتٍ سريعة وكبيرة، بما يجعلها الأشدَّ هيمنةً على المقدرات الاقتصادية للمنطقة.

  • النشاط الأمني والعسكري

تظلُّ روسيا الشريك الأمني الأكبر لدول آسيا الوسطى، لكن الصين تسعى يومًا بعد يوم إلى تعظيم نصيبها من الأنشطة الأمنية والعسكرية في السنوات السابقة، بما انعكس ببعض التوتُّرات بينهما. فروسيا والصين لا تنسِّقان أعمالَهما العسكرية والأمنية في المنطقة إلَّا في إطار التدريبات العسكرية التي تشرف عليها منظمة شنغهاي للتعاون. في الوقت الذي تبيعان فيه السلاح وتعْقدان تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة وتدرِّبان ضبَّاط جيوش الجمهوريات الخمس على أساسٍ ثنائي.

ولروسيا قاعدتان عسكريَّتان في المنطقة، الأولى تحْتوي سبعة آلاف جندي في طاچيكستان، والأخرى قاعدة جوية تحْوي أكثر من خمسمئة جندي في قيرغيزستان. أما الصين، فقد أسَّست قاعدة لحرس الحدود في منطقة جورنو-باداخشان ذات الحكم الذاتي في طاچيكستان تحْوي حسب وصف صحيفة “واشنطن بوست” قرابة عشرين مبنىً وبضع مئاتٍ من الجنود، ويعتبرها البعض قاعدةً عسكرية[21].

ومن ناحية مبيعات الأسلحة الروسية والصينية لآسيا الوسطى، فيصعب حسابها نظرًا لأن كلا البلدين يقدِّمان الأسلحة مجانًا أو مقابل النفط والغاز. لكن في دراسةٍ حديثة، قدَّر الباحثان برادلي چاردين (Bradley Jardin) وإدوارد لِمون (Edward Lemon) أن روسيا قدَّمت ما يزيد عن ثمانين في المئة من أسلحة المنطقة، في الفترة بين عامي 1991 و2019، مع زيادةٍ مستمرَّة، وكانت ثلاثة أرباع هذه الأسلحة في الفترة من 2010 إلى 2019. أما الصين، فعلى قلَّة مساهمتها فإنها زادت من 1.5% في الفترة من 2010 إلى 2014، إلى 18% من إجمالي واردات الأسلحة في المنطقة في الفترة من عام 2015 إلى 2018. ونجدها قد تجاوزت سيطرة روسيا على سوق الأسلحة في أوزبكستان وتركمانستان. لكن تظل روسيا هي المهيمنة على سوق الأسلحة في المنطقة[22].

وفي جانب المناورات العسكرية، نجد روسيا تتجاوز الصين تجاوزًا كبيرًا في عدد المناورات العسكرية المشتركة الثنائية ومتعدِّدة الأطراف، وإن كانت مناورات الصين تزداد بشكلٍ سريع في السنوات الأخيرة. ففي التقرير المذكور سابقًا، ينقل الباحثان أن روسيا والصين قد عقدتا كل واحدة منهما عشر مناورات مع دول آسيا الوسطى، لكن روسيا عقدت إضافةً إلى ذلك ستة وعشرين مناورة في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي. وينطبق الأمر نفسه على برامج تدريب ضباط الجيش، فروسيا تسبق بعددٍ كبير، لكن برامج الصين تتزايد بشكل أسرع. إذ يُقدَّر أن أكثر من نصف ضباط الجيش الكازاخي قد تدرَّب في روسيا، وأن سبعين في المئة من القوات الخاصة الطاچيكية قد تخرَّجت من معاهد عسكرية روسية. أما الصين فتتوسَّع في عدد برامجها العسكرية لتتضمَّن برامج تقدِّمها جامعات صينية ودورات تدريبية لحرس الحدود وقوات وزارات الداخلية في الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي[23].

لكن الجانب الأخطر من انخراط الصينيِّين في الجوانب الأمنية والعسكرية هو جانب شركات الأمن الخاصة. فمع توسُّع الأنشطة الاقتصادية الصينية في المنطقة، ثارت العديد من المخاوف الشعبية من التوسُّع الصيني، حتى وصلتْ إلى مرحلةٍ من الصينوفوبيا، بما تسبَّب أكثر من مرة في تظاهرات وأعمال شغب ضد المشروعات الصينية. فعلى سبيل المثال، هاجم المتظاهرون القيرغيز، المحتجُّون على تزوير الانتخابات البرلمانية في أكتوبر من عام 2020، اثنين من مناجم الذهب التي تقوم الشركات الصينية على إدارتها، وطردوا العمال الصينيِّين منها[24]. وهو ما دفع الصين إلى تكثيف أنشطتها في مجال شركات الأمن الخاصة في المنطقة، ليصبح لديها ست شركات نشطة في الجمهوريات الخمس.

تحتضن طاچيكستان أشد أنشطة الصين الأمنية والعسكرية كثافةً في السنوات الماضية. إذ يبدو أن الصين تركِّز بالأساس على حفظ الأمن ومواجهة الأنشطة «الإرهابية» في المنطقة، وبالأخص منع المقاتلين الأفغان والأجانب من الانتقال إلى مقاطعة شينجيانج (تركستان الشرقية). فنجد أن الصين قد بَنَتْ ما يقارب إحدى عشر قاعدةً لحرس الحدود لصالح الطاچيك، وكذلك شارك في عام 2016 عشرةُ آلاف جندي وضابط من الصينيِّين والطاچيك في تدريبات مقاومة الإرهاب. وكذلك أسَّست الصين في عام 2016 آلية التعاون والتنسيق الرباعي مع طاچيكستان وباكستان وأفغانستان لضمان الأمن في المنطقة[25].

خلاصة الأمر أن روسيا والصين تشتركان في مصلحة حفظ الأمن الإقليمي في آسيا الوسطى، لكن هناك بعض علامات على توترات قائمة بين الطرفين. أو بتعبيرٍ آخر، لدى روسيا بعض التحسُّس من نموِّ النشاط الصيني.

  • القوة الناعمة

تمثل روسيا النقطة المرجعية الأساسية لدول آسيا الوسطى بسبب التراث السوڤييتي، وإن كان أثرها قد بدأ يخفت تدريجيًّا بعد انهيار الاتحاد. ونجد الحضور الروسي الثقافي والاجتماعي والسياسي واضحًا في استعمال اللغة الروسية، وانتشار وسائل الإعلام والأخبار الروسية، والعلاقات السياسية والتجارية بين نخب المنطقة ونظرائهم من الروس، وكذلك في عدد الطلاب ممَّن يختارون روسيا للدراسة. وكذلك تشتدُّ العلاقات بفعل العمالة المهاجرة إلى روسيا، وأهمية تحويلاتهم لاقتصاد الجمهوريات الخمس كما أشرنا سابقًا، وبالأخص قيرغيزستان وطاچيكستان وأوزبكستان.

أما الصين فلا ترْقى علاقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية مع آسيا الوسطى لمنافسة العلاقات الروسية. لكنها أعدَّت برنامجًا لتطوير نفوذها في المنطقة، جعل سرعتها في توسُّع نفوذها أكبر بكثير من روسيا التي تعتمد على تراثها المشترك مع الدول الخمس. ففي الخمسة عشر عامًا الماضية، أسَّست الصين 13 مركزًا لتعليم اللغة الصينية أكثر ممَّا فعلت روسيا التي أسَّست 9 مراكز فقط، وأصبح عدد المنتسبين إلى مراكز الصينية بالآلاف[26].

لكن من غير الواضح ما إن كانت صورة الصين في آسيا الوسطى جيدةً مقارنةً بروسيا، إذ نجد مقاومةً شعبية للحضور الصيني، تزداد حدَّتها بسبب الاضطهاد الصيني للأويجور في شينجيانج (تركستان الشرقية). لكن في الوقت نفسه، نجد أن لها حضورًا قويًّا في أذهان الرأي العام بفعل حملات العلاقات العامة والترويج الإعلامي. فعلى سبيل المثال، نجد في الجدول (4) نتائج استطلاعَ رأيٍ عقده الباحثان مارلين لوريل (Marlen Laurelle) وديلان رويس (Dylan Royce) في عام 2020 بخصوص تفضيل سكان الجمهوريات الخمس لروسيا والصين. ونرى من النتائج أن الصين ذات شعبيةٍ إلى حدٍّ ما، لكنها لا تقارن بشعبية روسيا. إذ يرى في الصين دولةً مفضلة نسبة من 52% إلى 84% من عينة الدراسة، في مقابل نسبة من 81% إلى 94% يفضلون روسيا.

 

روسيا الصين
مفضَّلة بشدَّة مفضَّلة إلى حدٍّ ما إجمالي المفضِّلين مفضَّلة بشدَّة مفضَّلة إلى حدٍّ ما إجمالي المفضِّلين
كازاخستان 39% 47% 86% 17% 43% 60%
قيرغيزستان 51% 42% 93% 13% 39% 52%
أوزبكستان 19% 62% 81% 10% 59% 69%
تركمانستان 73% 21% 94% 54% 30% 84%

جدول (4)

نتائج استطلاع الرأي العام حول تفضيل روسيا والصين في دول آسيا الوسطى. المصدر: استطلاع رأي عقده الباحثان مارلين لوريل وديلان رويس في أغسطس من عام 2020م[27].

 

إن القوة الناعمة الروسية تفوق إلى حدٍّ كبير القوة الناعمة للصين، لكن يبدو أن الحضور الصيني ستزداد قوته في السنوات القادمة، وستصبح هي الدولة التي تقدِّم دعمًا أكثر لجمهوريات المنطقة في الارتباط بالاقتصاد العالمي وتمنحهم القدرة التقنيَّة والماليَّة ولا تركِّز فقط على الموارد التقليدية من النفط والغاز والمعادن. وتؤكِّد بعضُ الدراسات أن الطلاب المحليِّين في آسيا الوسطى يروْن أن الأثر الكلِّيَّ للصين على المنطقة أثر إيجابي وينفع أكثر ممَّا يضرُّ.

خاتمة: من تختاره النخب؟

عطفًا على الجزء الأخير من القسم السابق، نتناول في هذه الخاتمة الكيفية التي تفاعلت بها نخب المنطقة مع التنافس الصيني الروسي، والحضور المتزايد لأنشطة الفريقين في المنطقة. وقد أشرنا إليه بصيغة «من تختار» بدلًا من «كيف تفاعلت» للدلالة على أنه لا مناص لدول آسيا الوسطى بفعل موقعها ومواردها وقلة عدد سكانها إلا أن تكون في فلك إحدى القوى العظمى القائمة، أو أن تكون هي معًا قوة عظمى!

وعلى مستوى النخب، فقد اختارت جمهوريات آسيا الوسطى في تفاعُلها مع الصعود الصيني والتنافس بينها وبين روسيا، الميلَ ناحية الصين. فنجد أنه ثارت العديد من التظاهرات ضد التوسُّع الصيني في وسط آسيا[28]، قمعتْها النُّخب الحكومية وأنْكرت أن يكون الهدفُ الصينيُّ هو التوسُّع، بل مجرد نفع المجتمعات الآسيوية.

والمنطق الكامن وراء هذا الاختيار هو الخروج من فلك الهيمنة الروسية. إذ تحمل النخب في هذه الدول مخاوفَ دائمة من سيطرة الروس، زادتْ بعد ضَمِّ شبه جزيرة القرم بذريعة أنها تحتوي الكثير من الروس وأنها كانت جزءًا من الأراضي الروسية دائمًا. لكن في المقابل لا نجد الكثير من الصينيِّين المقيمين في هذه الدول، وما للصين في هذه المنطقة من مصلحة إلَّا ضمان القضاء على الأنشطة المعادية لها من «إرهاب ونزعات انفصالية» لدى الأويجور وغيرهم، وشراء الموارد وحفظ المنطقة بوصفها ممرًّا للتجارة مع أوروبا. وما من شيء في هذه المصالح يمثِّل تهديدًا وجوديًّا لدول المنطقة، على عكس المصالح الروسية.

وكذلك، ترى النخب في التقارب مع الاقتصاد الصيني المزدهر فرصةً كبيرة في مقابل منافع التقارب مع الاقتصاد الروسي الراكد والمهدَّد. فالمنافع العائدة على الجمهوريات الخمس من مشروعات مبادرة الحزام والطريق تجعل المشروعات المقترحة من روسيا في إطار الاقتصاد الأوراسي لا قيمة لها. وعلى مستوى التعامل الدبلوماسي، ترى نخب آسيا الوسطى أن العلاقة مع الصين أقرب إلى علاقة العمل والمنفعة المتبادلة، في مقابل علاقة السيطرة الأبوية والتاريخ المشترك التي تروِّج لها روسيا.

يفسِّر كلُّ ذلك مساعي نخب آسيا الوسطى نحو نزع الطابع الروسي عن أنفسهم وعن مجتمعاتهم، وذلك عبر الكثير من المبادرات منها الترويج للغات المحلية، والاستغناء عن الحروف الكيريلية في كتابة لغاتهم، وبالأخصِّ عبر التقارب مع الصين.

إن التنافس الصيني الروسي على آسيا الوسطى، وقبله تعاونهما في وجه القوى الغربية، يعيد إلى الأذهان الحديث عن «اللعبة الكبرى» بين الإمبراطورية البريطانية وروسيا القيصرية، بلعبةٍ كبرى جديدة بين روسيا والصين، تلعب فيها دول آسيا الوسطى دور الضحية المُتنافَس عليها دون قدرةٍ على المناورة إلَّا في التقارب مع أقلِّ المتنافسين ضررًا.

____________________

الهوامش

[1] Bureau of South And Central Asian Affairs, United States Strategy for Central Asia 2019-2025: Advancing Sovereignty and Economic Prosperity, U.S. Department of State, February 2020, Accessed: 1 May 2022, 20:00, Available at: https://bit.ly/3t0VEx3

[2] Olzhas Auyezov, Russia sends troops to put down Kazakhstan uprising as fresh violence erupts, Reuters, 7 January 2022, 20:10, Available at: https://reut.rs/3GwYIGG

[3] Worldometers.info, Central Asia Population, Daily Updates, Accessed on: 26 May 2022, Available at: https://bit.ly/3NI05ob

[4] Worldometers.info:

– Natural Gas Reserves by Country, Daily Updates, Accessed on: 26 May 2022, Available at: https://bit.ly/3M1pGaC

– Oil Reserves by Country, Daily Updates, Accessed on: 26 May 2022, Available at: https://bit.ly/3lTBOjd

– Coal Reserves by Country, Daily Updates, Accessed on: 26 May 2022, Available at: https://bit.ly/3z4sLUv

[5] جعفر بهلول الحسيناوي، التنافس الدولي على منطقة آسيا الوسطى الاستراتيجية، مجلة حمورابي، السنة الثامنة، عدد 33-34، شتاء وربيع 2020، ص ص 195-197.

[6] Trade Map of International Trade Center, Bilateral trade between China and Central Asian Republics: Yearly Updates, Accessed on: 26 May 2022, Available at: https://bit.ly/3GoqCVh

[7] المرجع السابق.

[8] China signs border demarcation pact with Russia, Reuters, 21 July 2008, Accessed at: 26 May 2022, Available at: https://reut.rs/3PSXR7y

[9] جعفر بهلول الحسيناوي، التنافس الدولي على منطقة آسيا الوسطى الاستراتيجية، مرجع سابق، ص ص200-201.

[10] P. Stobdan, US Military Departure from Manas Stirring a New Game in Central Asia, Manohar Parrikar Institute for Defence Studies and Analyses, 7 July 2014, Accessed on: 23 May 2022, Available at: https://bit.ly/38l7xGO

[11] Farkhod Tolipov, 5+1: The Math of Geopolitics in Central Asia, Central Asian Bureau for Analytical Reporting, 7 November 2020, Accessed on: 24 May 2022, Available at: https://bit.ly/3Go5NsT

[12] Roy Allison, Virtual Regionalism, Regional Structures and Regime Security in Central Asia, Central Asian Survey, Volume 27, Issue 2, Spring 2008, pp. 189-191.

[13] Personal remittances, received (% of GDP), World Bank, 2020, Accessed on: 26 May 2022, Available at: https://bit.ly/3PKHyJH

[14] Zulfiya Raissova, Trends in Modern Labor Migration in Central Asia, , Central Asian Bureau for Analytical Reporting, 13 February 2022, Accessed on: 23 May 2022, Available at: https://bit.ly/3xgXAD1

[15] See:

– China Global Investment Tracker, American Enterprise Institute, 2021, Accessed on: 14 May 2022, Available at: https://bit.ly/3PPNotv

– Flows [of DI] by Insturment and Partner Country, Bank of Russia, 2021, Accessed on: 14 May 2022, Available at: https://bit.ly/3wWeGWu

[16] Sebastian Horn, Carmen Reinhard, and Christoph Tresbech, China’s Overseas Lending, Working Paper 26050, National Bureau of Economic Research, May 2020, Accessed on: 23 May 2022, Available at: https://www.nber.org/papers/w26050

[17] Danny Anderson, Risky Business: A Case Study of PRC Investment in Tajikistan and Kyrgyzstan, China Brief, Vol. 18, Issue 14, 10 August 2018, Accessed on: 23 May 2022, Available at: https://bit.ly/3LVlWr0

[18] See:

– Trade Map of International Trade Center, Bilateral trade between China and Central Asian Republics: Yearly Updates, Op. cit.

– Bilateral trade between Russia and Central Asian Republics: Yearly Updates, International Trade Center, Accessed on: 23 May 2022, Available at: https://bit.ly/3LOQ6Mz

[19] Berta Tarrats Castillo, The Digital Silk Road: A View in Central Asia, European Guanxi, 3 December 2021, Accessed on: 23 May 2022, Available at: https://bit.ly/3lO2Vw6

[20] Rhys Collins, Kazakhstan: Huawei to launch 5G network in 2021, Novastan, 19 March 2021, Accessed on: 3 May 2022, Available at: https://bit.ly/3GvmH94

[21] Gerry Shih, In Central Asia’s forbidding highlands, a quiet newcomer: Chinese troops, The Washington Post, 18 February 2019, Accessed on: 20 May 2022, Available at: https://wapo.st/3tmIDy7

[22] Bradley Jardine and Edward Lemon, In Russia’s Shadow: China’s Rising Security Presence in Central Asia, Kennan Cables, No. 52, May 2020, p. 2, Accessed on: 23 May 2022, https://bit.ly/3NCFbH3

[23] Ibid, p. 8-9.

[24] Kanat Shaku, Wave of attacks on foreign owned gold mines amid Kyrgyzstan’s political upheaval, bne IntelliNews, 7 October 2020, Accessed on: 24 May 2022, Available at: https://bit.ly/3ajouC9

[25] Bradley Jardine and Edward Lemon, In Russia’s Shadow: China’s Rising Security Presence in Central Asia, Op. cit., pp. 2-3.

[26] Xinhua, Chinese language craze catches on in Tajikistan, ChinaDaily, 16 October 2018, Accessed on: 22 May 2022. Available at: https://bit.ly/3wJFtFm

[27] Marlene Laurelle and Dylan Royce, No Great Game: Central Asia’s Public Opinions on Russia, China, and the U.S., Kennan Cables, No. 56, August 2020, Accessed on: 18 May 2022, Available at: https://bit.ly/3lT9mhf

[28] Elizabeth Woods and Thomas Baker, Public Opinion on China Waning in Central Asia, The Diplomat, 5 May 2022, Accessed on: 15 May 2022, Available at: https://bit.ly/3wRmRDn

فصلية قضايا ونظرات – العدد السادس والعشرون ـ يوليو 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى