عبد الله أوجلان: من العمل العسكري إلى الكفاح السياسي على الساحة الأوروبية

” إن ما نحتاج إليه الآن هو آلة للزمن” هكذا علق أحد الكتاب الأتراك على الوضع الذي أصبحت فيه تركيا بعد تفجر قضية عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني الذي يعمل منذ عام1984 على إقامة دولة للأكراد في جنوب شرق تركيا . وكان الكاتب يشير إلى ندم تركيا على كافة الإجراءات التي اتخذتها ضد سوريا في شهر أكتوبر الماضي والتي وصلت إلى حد التهديد بعمل عسكري ضدها إذا لم تغلق معسكرات حزب العمال الموجودة بأراضيها وتطرد زعيمه عبد الله أوجلان.

وقد أثمرت التهديدات التركية لسوريا عن توقيع اتفاق أمني مع سوريا في مدينة ” أضنة ” بجنوب تركيا تعهدت فيه سوريا بالاستجابة للمطالب التركية ، وبالفعل خرج أوجلان من سوريا حيث اتجه إلى روسيا الوريث الأكبر للاتحاد السوفيتي السابق ، والذي كان الداعم الأكبر لأوجلان وحزبه ، ولكن الضعف الذي انتاب روسيا وامتد إلى سياستها الخارجية لم يسمح لها باتخاذ موقف قوي لصالح أوجلان خشية ردود الفعل التركية الغاضبة والتي بدأت مبكراً باستدعاء الخارجية التركية السفير الروسي في أنقرة وإبلاغه ” استياء تركيا من قبول موسكو لجوء أوجلان إليها”[1] كما قدمت طلباً رسمياً للحكومة الروسية لتسليم أوجلان .

وفي الوقت الذي كانت فيه تركيا تعد نفسها لمعركة طويلة مع روسيا تستخدم فيها ورقة الاستثمارات التركية في روسيا والتي تقدر بعدة بلايين من الدولارات إضافة للتهديد بدعم محاولات جمهورية الشيشان للانفصال عن روسيا عقب قرار مجلس الدوما  البرلمان الروسي  منح  اللجوء السياسي لأوجلان والذي رفضته الحكومة الروسية حدثت المفاجأة وبدلاً من أن يلجأ أوجلان إلى بلد ثالث أو ينضم لقادة حزبه الذين يعتقد أنهم انتقلوا للعراق اختار أوجلان أن يبدأ مرحلة جديدة من العمل السياسي انطلاقاً من الأراضي الإيطالية لتعايش أوربا بأسرها هذه المشكلة الجديدة .

بدأت الأحداث حينما تم اعتقال أوجلان في مطار روما قادماً من روسيا مساء الثاني عشر من نوفمبر 1998 ، وفور إذاعة نبأ الاعتقال أعلن مدير الأمن العام التركي ” أن تركيا ستبذل قصارى جهدها ليتم تسليمها زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان ” [2] . وفي هذا الإطار فإننا لا نتناول القضية الكردية تحديداً ، وإنما نركز أساساً على التحول في آراء أوجلان من العمل المسلح إلى انتهاج أساليب العمل السياسي ومردود ذلك بالنسبة للأطراف الأخرى في القضية وهي تركيا وأوربا  إيطاليا وألمانيا بالتحديد  .

الكفاح الكردي :

يكافح أكراد تركيا منذ عام 1984 لتأسيس وطن قومي لهم في جنوب شرق تركيا ويستندون في ذلك لأن لهم الحق في استعادة الحقوق ا لتي قررتها لهم معاهدة “سيفر” 1920 التي قسمت تركة السلطنة العثمانية والتي نصت المادة 62 منها على تعيين لجنة دولية تتولى الإشراف على إقامة منطقة حكم ذاتي للأكراد برعاية عصبة الأمم في جنوب تركيا .

ولكن أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية لم يسمح بذلك واعتمد سياسة التتريك وقمع الأقليات القومية كالأكراد ونفى وجودهم القومي وتم تشريع ذلك في الدستور التركي الذي نص على كون الجميع في تركيا هم أتراك ولا وجود لغير الأتراك في تركيا ، وبالفعل جاءت معاهدة لوزان 1923 لتعترف بالدولة التركية دون اعتراف بأي حق للأكراد في خصوصية ثقافية أو حكم ذاتي .

أما السبب المباشر لاندلاع تلك الانتفاضة فهو الإهمال الشديد للمناطق الكردية ، وعدم الاعتراف بالحقوق الكردية كاستخدام اللغة الكردية في المدارس وإصدار صحف باللغة الكردية رغم أن الأكراد عددهم يتراوح بين 16-20 مليون نسمة أي حوالي 30% من سكان تركيا الذي يزيد عددهم عن 60 مليون نسمة . ورغم إصرار تركيا على عدم وجود قضية كردية بها إلا أنه أحياناً ما يعترف بعض الساسة الأكراد بوجود مشكلة ، ونستدعي معنا مقولة شهيره للزعيم التركي الراحل توروجوت أوزال ” بأن المفتاح لحل القضية الكردية يكمن في توفير مليون فرصة عمل جديدة ونصف مليون وحدة سكنية لائقة في جنوب شرق الأناضول ” مما يدل على حجم المعاناة التي يعيش فيها الأكراد .

وقد أدت أعمال المقاومة المسلحة لحزب العمال إلى سقوط نحو 30 ألف قتيل بخلاف الجرحى مما جعلها توصف بحق بأنها شوكة حادة في جنب تركيا ، إذ فضلاً عن الخسائر البشرية تكبدت تركيا خسائر اقتصادية فادحة من جراء تلك الأعمال حيث بلغت تكاليف الحرب سنوياً حوالي 8 مليار دولار ، فضلاً عن حشد الجيش التركي ما يقرب من 300 ألف جندي للمشاركة في الأعمال العسكرية ضد الأكراد ويضاف إلى الخسائر البشرية والاقتصادية نوع آخر من الخسائر هو الخسائرالسياسية التي تمثلت في توجيه الدول العربية انتقادات حادة لتركيا بسبب توغل الجيش التركي في شمال العراق  عدة مرات تحت دعوى تجفيف منابع الارهاب الكردي في العراق .

إضافة لذلك فإن القضية الكردية ما تزال حجة قوية في يد أوربا تبرر بها عدم قبول طلب تركيا الانضمام للاتحاد الأروبي فالحلم القديم لتركيا منذ أيام أتاتورك هو العمل دائماً على تأكيد الهوية الأوربية لتركيا وسلخها عن العالم الإسلامي ، إذ تعول أوربا دائماً على أن سجل تركيا في مجال احترام حقوق الإنسان ما يزال غير مشرف .

الأزمة تنتقل إلى أوربا :

السؤال الذي نطرحه الآن: لماذا لجأ أوجلان إلى إيطاليا ؟

في شهر سبتمبر الماضي سمحت إيطاليا بعقد اجتماع لزعماء الحركة الوطنية الكردية في إطار ما يسمى بتجمع البرلمانيين الأكراد في المنفى مما عُد بادرة قوية على تأييد إيطاليا للقضية الكردية ، وحينما قبض على أوجلان في مساء 12 نوفمبر الماضي تم التحفظ عليه في أحد السجون الإيطالية ثم نقل إلى مستشفى عسكري ثم جرى وضعه رهن الإقامة الجبرية في فيلا بالعاصمة الإيطالية.

ومنذ اللحظة  الأولى مارست تركيا ضغوطاً قوية على إيطاليا لتسليم أوجلان إليها بتهمة ارتكابه أعمالاً إرهابية ضد الدولة التركية إلا أن وزير العدل الإيطالي رفض منذ البداية وصف أوجلان بأنه إرهابي وأوضح أن ” الصراع على الأرض والاستقلال والكفاح من أجل شعب ما تجعل تعبير الإرهاب ذو طبيعة نسبية ، فقد أطلقت اسرائيل دائماً على الرئيس الفلسطيني عرفات صفة الإرهاب بينما كان يكافح من أجل تحرير بلاده وهو ما يفعله أوجلان”[3] ورفضت إيطاليا تسليمه لأن الدستور الإيطالي يمنع تسليم المتهمين بارتكاب جرائم إلى دول تطبق عقوبة الإعدام وهو الموقف الذي دعمتها فيه أوربا إذ صدر بيان للاتحاد الأوربي أكد على أن ” الاتحاد الأوربي يعرب عن تضامنه التام مع إيطاليا ولجوءها بالكامل إلى قوانينها ” [4] واعتبرت إيطاليا أن المشكلة تتعلق بأوجلان ذاته وإنما بالقضية الكردية ككل إذ طالب  ماسيمو داليما  رئيس الوزراء الإيطالي تركيا ” بإظهار الجدية في حل مشكلة الأكراد واحترام حقوق الإنسان ، إذا ما كانت تسعى للانضمام للاتحاد الأوربي ” [5] .

وهو الأمر الذي استثار تركيا بشدة وأصرت على التعامل مع القضية باعتبارها شأناً تركياً داخلياً ، واحتشد آلاف الأتراك أمام السفارة الإيطالية في تركيا مطالبين روما بتسليم أوجلان ، ورفعوا لافتات كتبوا عليها سنحرق روما ، وإيطاليا دولة إرهابية” [6] في الوقت الذي حذر فيه مسعود يلماظ رئيس الوزراء التركي آنذاك إيطاليا من ” أنها ستدفع ثمناً باهظاً بسبب قضية أوجلان ، وأن بلاده ستكن عداءاً أبدياً لإيطاليا ما لم تسلم أوجلان لتركيا”[7] .

كما دعت تركيا الأتراك في أوربا للقيام بمظاهرات في المدن الأوربية وأمرت الأتراك بإرسال مئات الآلاف من الفاكسات إلى السلطات الإيطالية ، ولم يقتصر الأمر على ذلك إذ تزايدت موجة العداء ضد إيطاليا ، وبدأ عدد كبير من الشركات التركية في مقاطعة البضائع الإيطالية فأعلنت العديد من الشركات وقف استيراد تجهيزات عسكرية من إيطاليا بقيمة تتراوح بين 250-300 مليون دولار سنوياً ، وأعلن اتحاد وكالات السفر التركية أن الوكالات التركية ألغت برامج رحلاتها إلى إيطاليا ، وأكدت مصادر اقتصادية إيطالية أن الخاسر الأكبر من دعاوي المقاطعة سيكون إيطاليا إذ قدرت أن 130 شركة إيطالية مهددة بخسارة 6مليارات دولار بسبب أزمة أوجلان خاصة وأن ميزان التبادل التجاري بين تركيا وإيطاليا يميل كثيراً لصالح إيطاليا التي بلغ حجم صادراتها لتركيا 4.5 مليار دولار سنة 1997 في حين لم يتجاوز حجم الصادرات التركية لإيطاليا 1.4 مليار دولار ” [8] .

ورغم أن الاتحاد الأوربي هدد تركيا بتوقيع عقوبات اقتصادية عليها إذا اتخذت المقاطعة الطابع الرسمي ، إلا أنه يبدو أن رد الفعل التركي العنيف قد أثر على موقف إيطاليا من القضية وتمثل ذلك في مظهرين:

الأول : وصف رئيس الوزراء الإيطالي أوجلان ” بالارهابي ” وتشديده على ضرورة محاكمته محاكمة دولية تعقد في أوربا .

الثاني : لجوء روما إلى محاولة إخراج نفسها من تلك الورطة عبر دعوة ألمانيا التي كانت قد أصدرت مذكرة توقيف دولية بحق أوجلان عام 1990 لاتهامه بالمسئولية عن قتل عدد من معارضيه في بون ، إلى تسلم أوجلان وأعلن لامبرتوديني وزير الخارجية الإيطالي أن تسليم أوجلان إلى ألمانيا يبقى هو الحل الأفضل وأن لألمانيا مسئولية أخلاقية في هذه القضية”[9] . وجاء رد الفعل الألماني سريعاً إذ أكد وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر أن بون ” لا تنوي المطالبة بتسليم أوجلان ” كما تساءل رئيس لجنة شئون مجلس النواب في مقابلة له مع شبكة التلفزيون العامة ” بما أن القسم الأكبر من جرائم القتل المنسوبة إلى أوجلان وحزب العمال الكردستاني ارتكبت خارج الحدود الألمانية لماذا على ألمانيا أن تتدخل بالنيابة عن الأطراف الأخرى المعنية ” [10] .

والحقيقة أن السبب الرئيسي في رفض ألمانيا تسلم أوجلان يرجع لوجود 2 مليون مهاجر تركي في ألمانيا منهم 400 ألف كردي مما حتم عليها عدم اتخاذ أي موقف من القضية إيثاراً للسلامة ، وهو ما عبر عنه المستشار الألماني جيرهارد شرودر بقوله ” إن ألمانيا لن تطلب من إيطاليا تسليم عبد الله أوجلان لدواعي الحفاظ على السلام والأمن الداخليين في ألمانيا لأن تسلم ألمانيا له ومحاكمته فيها قد يتسبب في اضطرابات داخلية وأكد أن قرار رفض التسلم قرار نهائي ” [11] . وأعلن وزير الداخلية الألماني أن إجراء المحاكمة في إيطاليا أقل خطراً من اجراءها في ألمانيا ” لأن في إيطاليا عدد قليل من الأكراد وأهم من ذلك فإن عدد الأتراك أقل بكثير ” [12] وقد وجهت الصحافة الألمانية ذاتها انتقادات حادة للحكومة  الألمانية بسبب موقفها الذي وصفته ” بالجبن وازدواجية المعايير ” لامتناعها عن تسلم أوجلان رغم أن القضاء الألماني هو الذي أصدر المذكرة الدولية بالقبض عليه إزاء ذلك ، وإتقاءاً للحرج لجأت النيابة العامة الفيدرالية في ألمانيا إلى اعتبار مذكرة التوقيف الألمانية غير صالحة للتطبيق سوى في ألمانيا بمعنى أنه لا يجوز لألمانيا محاكمة أوجلان إلا إذا تم القبض عليه داخل الأراضي الألمانية ” فيما وصف من البعض بأن ألمانيا فضلت ” إبعاد هذه الكأس المريرة عنها ” .

حينئذ لجأت إيطاليا إلى محاولة إبعاد أوجلان إلى موسكو عملاً بقانون إيطالي يقضي بإبعاد طالب اللجوء السياسي إلى حيث أتى بعد 40 يوماً من دخول البلاد ، وذهب وزير الخارجية الإيطالي إلى موسكو لإجراء مباحثات في هذا الشأن ولكن روسيا رفضت استرداد أوجلان .

وفيما كانت تحاول إيطاليا إيجاد تسوية للمشكلة أصدر القضاء الإيطالي قراراً برفع الإقامة الجبرية عن أوجلان استناداً لموقف ألمانيا الذي اعتبر مذكرة التوقيف محلية ، كما اعتبر القضاء الإيطالي أن المذكرة التركية لاعتقال أوجلان باطلة . وفي محاولة إيطالية لامتصاص رد الفعل التركي الغاضب جددت إيطاليا دعوتها لعقد محاكمة دولية لأوجلان واقترحت لاهاي مقراً لها لكن تركيا رفضت مرة ثانية واعتبرت أن المحاكمة تعد تدويلاً للقضية التركية الكردية ، وحمل السفير التركي الدائم لدى الاتحاد الأوربي على أوربا بشأن المعاملة التي يلقاها “الإرهابي” عبد الله أوجلان بوصفه شخصية محترمة ، وهاجم فكرة إنشاء محكمة دولية ، ووصف المواقف الأوربية الداعمة لإيطاليا بأنها ترسي أسساً لنزاع عميق ودائم مع تركيا ” وحذر من أن تدويل القضية الكردية سيؤدي إلى قطع العلاقات التركية الأوربية” .

أوجلان – آلية جديدة تجاه قضية قديمة:

يصف أحد الكتاب لجوء أوجلان إلى روما بأن أوجلان بذلك ” قد التقط اللحظة التاريخية الصحيحة فتحول بمحض إرادته من زعيم ينام كل ليلة في مكان إلى زعيم سياسي يجمع الأكراد من شتات العالم وينجح في أن تكون القضية الكردية حاضرة في كل عاصمة أوربية وعالمية”[13] والحقيقة أن هذه العبارة صائبة إلى حد كبير ؛ إذ أن لجوء أوجلان إلى إيطاليا قد أدى ولا شك إلى إثارة القضية الكردية على نطاق واسع خاصة في أوربا ويمكن لنا أن نرصد تحولاً هاماً في أداء عبد الله أوجلان على العديد من الأصعدة :

الأول : الإعلان عن نبذ العنف والتخلي عن العمل العسكري وهو الأمر الذي لاقى ترحيباً حاراً من أوربا ، وأظهر أوجلان بمظهر داعية السلام المستعد للحوار والتفاهم كما أعلن عن تبرئة من العمليات التي يقع فيها قتلى من بين المدنيين وفي حوار له مع إحدى الصحف وصف أوجلان معاونيه بأنهم ” عصابة من المجرمين لم أعد أريد العمل معهم إلا إذا تغيروا ” [14] وفي افتتاحية الطلب الذي تقدم به للحصول على اللجوء السياسي ذكر أوجلان ” إنني أتقدم للحصول على حق اللجوء السياسي للأسباب التالية وهي تجنب تصفية شعب بأكمله من مذابح”[15] .

كما أعلن عن أن حزب العمال الكردستاني سيتوقف عن طلب الدعم والدعاية والحماية من دول الشرق الأوسط التي لا تهتم إلا بتقديم المساعدة للمقاومة المسلحة وهو ما عد تعهداً منه بانتهاج أساليب العمل السلمي ووقف العنف.

كما أعلن أوجلان استعداده للمثول أمام محكمة دولية يقودها قضاة مستقلون .

وقد دعم إعلان أوجلان عن وقف العنف موقف إيطاليا الرافض لتسليمه لتركيا ودعا رئيس الوزراء الإيطالي تركيا لإظهار الجدية في حل مشكلة الأكراد واحترام حقوق الإنسان ” من المؤسف ألا تكون السلطات التركية أفادت من هذه الفرصة لايجاد حل سلمي للنزاع الطويل والدامي على غرار ما حدث في أيرلندا الشمالية ، ومنطقة الباسك الأسبانية ، وأن إيطاليا تأمل في حل القضية الكردية بطرق سلمية وليس عسكرية على أساس رفض العنف والاعتراف بحقوق الشعب الكردي وحق تركيا في ضمن أمنها “[16] .

ومع ذلك فإن إعلان أوجلان عن وقف عمليات العنف لم يؤد إلى وقف تلك الأعمال تماماً إذ فجر العديد من الأكراد أنفسهم في الثكنات العسكرية التركية ، كما أعلن مقاتلو حزب العمال إسقاط طائرة حربية تركية مما أسفر عن مصرع 17 جندياً تبعها تصريح لأوجلان وصف بأنه استعراض للقوة ” إذ جاء فيه إذا اضطررنا إلى اظهار قوتنا المسلحة الحقيقية فستكون النتائج أسوأ بكثير “[17].

الثاني : شن هجوم حاد على تركيا واتهامها بارتكاب مذابح ضد الأكراد ومحاولة تشويه صورتها في العالم الغربي كله حيث وجه رسالة لبابا الفاتيكان أكد فيها تقديره له وللكنيسة الكاثوليكية واتهم الجيش التركي واليمين القومي المتطرف في تركيا بالضلوع في محاولة الاغتيال التي تعرض لها البابا على يد التركي محمد علي أقجا في 13 مايو عام 1981 وقال أوجلان في رسالته التي وجهها للبابا في الثامن عشر من شهر نوفمبر ونشرتها صحيفة “لاريبابليكا” الايطالية قبل يومين من قرار محكمة  الاستئناف في روما بالإفراج عنه ووضعه رهن الاقامة الجبرية أن الهجوم البغيض الذي تعرض له البابا لم يكن حادثاً فردياً وأشار لأن أقجا الذي ينتمي لجماعة الذئاب الرمادية اليمينية المعادية للأكراد لم يقل الحقيقة موضحاً أن الجنرال نور الدين أرسين أحد الضباط الذي نفذوا الانقلاب العسكري عام 1980 في تركيا أفرج عن أقجا الذي كان مسجوناً قبل عامين من محاولة الاغتيال ، واتهم أوجلان في رسالته الأتراك بالوحشية وقال أنهم دمروا الحضارة الرومانية وإن كثيراً منهم مصممون على تدمير المسيحية، وطلب أوجلان من البابا دعم القضية الكردية مشدداً على أن حركته قررت التخلي عن الكفاح المسلح وتسعى الآن إلى حل تفاوضي لتسوية القضية الكردية [18] .

ويتضح هنا أن أوجلان الذي اعتنق الماركسية اللينينيه عند تأسيسه لحزب العمل أراد أن يستثير لدى أوربا ولدى الفاتيكان ذاكرتها عن التاريخ العثماني وخبرة الفتوح العثمانية في أوربا ناسياً أن النظام التركي العلماني الذي يقود انتهاك حقوق الأكراد ليس وريثاً للنظام الذي يدعي أوجلان أنه دمر الحضارة الرومانية، بل إن الأكراد وغيرهم من القوميات المسلمة وغير المسلمة تمتعوا في ظل الحكم العثماني بالتسامح والحقوق . ومن ناحية أخرى فالنظام التركي الحديث لا يريد تدمير المسيحيين بل يريد الالتحاق بالحضارة الغربية العلمانية متخطياً هوية الشعب التركي الأصلية وانتماءه الحضاري التاريخي في حين أن قواعد ومبادئ الأصول الإسلامية وتقاليد الممارسات الإسلامية التاريخية في مجملها لا نعكس تميزاً أو تعصباً ضد القوميات يصل إلى حد الإبادة وانتهاك الحقوق الأساسية .

ومن ناحية ثالثة ، فإن حزب الرفاه الفضيلة الآن يتمتع بتأمين الناخبين الأكراد ونظراً لتوجهات هذا الحزب نحو الحل السلمي وإعطاء الحكم الذاتي للأكراد كما اتضح من مواقف أربكان خلال الفترة القليلة التي رأس فيها الوزارة .

وقد أثمرت محاولة أوجلان حيث تلقى رسالة من البابا ورد فيها تأييد حق الأكراد في وطن مستقل إذ جاء فيها ” إن الشخص الذي يناضل من أجل أفكاره السياسية يحق له الحصول على اللجوء السياسي ” إضافة لذلك وجه البابا يوحنا بولس تحية إلى الشعب الكردي في رسالته السنوية في مناسبة عيد الميلاد وهي أول مرة يرد فيها ذكر الشعب الكردي على لسان أحد بابوات الفاتيكان .

الثالث : محاولة أوجلان تكوين رأي عام دولي لمساندته عبر مخاطبة الدول الأخرى فقد وجه رسالة إلى رئيس لجنة الشئون الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية جاء فيها ” نكرر موقفنا السلمي ونطالبكم وجميع المسئولين السياسيين في فرنسا بدعم التوصل إلى حل سلمي للمسألة الكردية ، وإن حزب العمال الكردستاني يقاتل من أجل الحقوق المشروعة للشعب الكردي المحروم من أبسط حقوقه في الواقع نحن ضحايا إرهاب دولة ” [19] .

كما وجه أوجلان نداءاً إلى الرئيس المصري حسني مبارك وإلى رئاسة منظمة المؤتمر الإسلامي لبذل الجهود من أجل خلق مبادرة عربية إسلامية تتزامن مع مساعي بعض الدول الأوربية لإيجاد حل عادل للقضية الكردية ” وأنا كلي ثقة باستجابة مصر لما تتمتع به من موقع عربي وعالمي متميز لهذا النداء … كما أوجه ندائي إلى قيادة المؤتمر الإسلامي للتحرك السريع من أجل عقد ندوة إسلامية سنساهم فيها وبكل ثقلنا من أجل مناقشة آفاق محنة الشعب الكردي ” [20] .

وقد توج أوجلان سياسته الجديدة بالاعلان عن مبادرة سلام إلى الحكومة  التركية مكونة من سبع نقاط بنودها كالتالي:

1- وقف العمليات العسكرية ضد القوى الكردية .

2- عودة اللاجئين الذين تم إجلاؤهم إلى قراهم .

3- إلغاء وحدات حرس القرى .

4- إقرار حكم ذاتي للمنطقة الكردية من دون المساس بوحدة وسلامة أراضي تركيا.

5- الاعتراف بحق الأكراد بكل الحريات الديمقراطية التي يتمتع بها المواطنون الأتراك .

6- الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة الكردية.

7- التعددية والحرية الدينية .

كما طالب بفتح حوار سياسي تحت إشراف مراقبين من الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي وقال ” لقد وجدت نفسي أمام خيارين ، إما العودة إلى الجبل لاستئناف المعركة أو الاستنجاد بأوربا … لكننا فضلنا الخيار الثاني وهو خيار سلام لا رجعة عنه ويحظى بتأييد الشعب الكردي بكل توجهاته السياسية ” [21] .

خاتمة : تقييم  المواقف :

تركيا : حققت نصراً نسبياً بنجاحها في إخراج أوجلان من سوريا ولكن هذا النصر تحول إلى هزيمة مدوية في إيطاليا حيث أجمع المحللون على أن أسلوب تركيا في التعامل مع قضية أوجلان كان غير موفق بالمرة حيث أنها:

1- حولت وجود أوجلان في روما إلى موضوع للصراع بين تركيا وإيطاليا وكان الأجدر بها معالجة الموضوع في هدوء قد يحقق لها نتائج أفضل مما هو حادث الآن.

2- تستثمر الانتصار على حزب العمال الكردستاني عسكرياً ذريعة لممارسة أبشع أنواع التعصب التركي الذي وسم السنوات الأخيرة ، إذ تسمح السلطات لجماعة الذئاب الرمادية ذات الطابع الفاشي بالنهب والضرب وعرض العضلات باسم القومية التركية .

3- أمرت بتشديد الخناق على استخدام اللغة الكردية ومظاهر الثقافة الكردية ، إذ أكملت الحكومة التركية إغلاق البقية الباقية من المراكز الثقافية الكردية جنوب شرق الأناضول [22].

4- يستمر الجيش التركي في نقل وحدات جديدة ثقيلة السلاح والتجهيز إلى جنوب شرق الأناضول مما يؤكد على إصرار ا لحكومة التركية على انتهاج الحل العسكري وسيلة وحيدة لحل الصراع ويدلل على أن الجيش ما يزال قادراً على الحكم من وراء الستار .

5- تأجيل مشروع المعونة الحكومية الجديدة لإعادة بناء اقتصاد المناطق الكردية المخرب إلى العام القادم [23] .

وقد أدى هذا الفشل باحدى الصحف التركية إلى الدعوة لإرسال قوى عسكرية إلى الحدود السورية لإرغام دمشق على استرجاع أوجلان [24] مما عد اعترافاً بفشل تركيا في إدارة الأزمة .

أما أوجلان ، فالواضح أنه حقق نصراً هاماً وأحسن استخدام ورقة المهاجرين الأكراد خاصة وأن ردود فعلهم تجاه اعتقاله في البداية كانت عنيفة ومؤثرة إذ أقدم العديد منهم على إحراق أنفسهم أحياء سواء في تركيا أو في الدول الأوربية ، كما نظموا مسيرات في ألمانيا وإيطاليا شارك فيها عشرات الآلاف منهم مما أعطى مؤشراً مبكراً عما يمكن أن يحدث إذا ما جرت محاكمته في أوربا أو سُلم لتركيا .

ورغم نجاح أوجلان في إثارة القضية على هذا النحو إلا أن البدائل ما تزال محدودة أمامه، فالعمل العسكري لن يؤدي لنتيجة حاسمة ثم إن سوريا أو تركيا أو العراق أو إيران يرفضون جميعاً فكرة قيام دولة كردية مستقلة في أي واحدة من هذه الدول .

إضافة لذلك فإن الفصائل الكردية في العراق والتي يمكن أن تمثل دعماً لوجستيا لأوجلان تعارض منح أي دعم لأوجلان .

وهذا ما أشار إليه الزعيم الكردي العراقي مسعود البرزاني بقوله ” إن حزب العمال الكردستاني تخلى عن ساحته في كردستان تركيا ولجأ إلى كردستان العراق وأقام فيها قواعد وحاول أن يؤمن نفسه كبديل للسلطة المحلية في المنطقة – وفي اللحظة التي يترك فيها الحزب كردستان العراق ويتفــرغ لساحاته الأخرى لن تكون لنا أي مشكلة معه” [25] .

كما أعلن زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني فإن ” حزبه سيقف ضد أي منظمة يكون هدفها شن هجمات على تركيا ” [26] .

يمكن لنا التوقع إذن أن مصير القضية الكردية يتوقف إلى حد كبير على بقاء أوجلان في أوربا ونجاحه في تفعيل وجوده هناك واستغلال ورقة المهاجرين الأكراد في أوربا بحيث تظل القضية الكردية ساخنة دائماً وخاصة في ظل الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان لا سيما وأن أوجلان لا يهتم بمخاطبة السلطات الرسمية في دول أوربا فقط وإنما يركز كذلك على المواطنين أنفسهم عبر القناة الفضائية الكردية التي تبث برامجها عبر أوربا مما قد يعني تفعيلاً مناسباً لقضية ظلت منسية  على مدى عقود عديدة .

ولكن يظل السؤال التالي قائماً : أياً كانت حقيقة الدوافع التي قادت أوجلان إلى إيطاليا ، وأياً كانت حقيقة الأوضاع التي أخرجته من الساحة التي أدار منها كفاحه العسكري ، فهل سيؤدي الانتقال إلى الكفاح السلمي على الساحة الأوربية إلى تحقيق أهداف الحكم الذاتي للأكراد وحماية حقوق الإنسان الكردي المسلم التي انتهكت وما زالت منذ تقسيم موطنه بفعل التسويات والمنافسات بين القوى الكبرى ؟

أم ستظل ورقة القضية الكردية مثل ورقة مسلمي البلقان في البوسنة وكوسوفا مجرد ورقة في لعبة التوازنات الأوربية والعالمية وفي السياسات الأوربية خلال هذه المرحلة التحولية الهامة التي يمر بها النظام الدولي برمته ؟ بعبارة أخيرة لماذا يصبح خطاب الحلول السلمية موجهاً إلى الخارج مستظلاً براية حقوق الإنسان وحقوق  تقرير المصير للشعوب التي ترفعها القوى الكبرى في حين أن هذه القوى الكبرى تتحمل المسئولية التاريخية في جذور هذه المشكلة.

____________________

إشراف أ.د. نادية مصطفى

الهوامش

[1] الشرق الأوسط  22/10/1998

[2] الشرق الأوسط  14/11/1998

[3] الأهرام 25/11/1998

[4]الشرق الأوسط  22/11/1998

[5]الشرق الأوسط  24/11/1998

[6]الأهرام 24/11/1998

[7]الشرق الأوسط  22/11/1998

[8]الشرق الأوسط  23/11/1998

[9]الشرق الأوسط  27/11/1998

[10]الشرق الأوسط 26/11/1998

[11]الأهرام  28/11/1998

[12]الشرق الأوسط  28/11/1998

 [13]أحمد الربعى ، الشرق الأوسط 24/11/1998

[14]الحياة 22/11/1998

[15]الشرق الأوسط 3/12/1998

[16]الشرق الأوسط 24/11/1998

[17]الشرق الأوسط 29/11/1998

[18]الشرق الأوسط   1/12/1998

[19]الشرق الأوسط 29/12/1998

[20]الحياة  14/12/1998

[21]الحياة 26/11/1998

[22]الشرق الأوسط 24/11/1998

[23]الشرق الأوسط 24/11/1998

[24]الحياة 27 /11/1998

[25]الشرق الأوسط 24/11/1998

[26]الحياة  26/11/1998

 

  • نُشرت هذه الدراسة في: أمتي في العالم.. الأمة والعولمة، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية،1999).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى