تقارير ودراساتمختارات

قضية الاستقلال في المفاوضات المصرية البريطانية

(1919 - 1952)

“الاستقلال ينمو بالتآخي … ويضمر بالشقاق ويستدق”
إلياس أبو شبكة

مقدمة

تعد قضية الاستقلال من القضايا المحورية والتأسيسية لأي أمة أو شعب، ذلك أن الاستقلال يميِّز ويرسم هُوية تلك الأمة وذلك الشعب عن غيره، ويحدِّد البقعة التي يسكنها، ويُقيم قدرًا من النِّدِّيَّة في علاقة الأمة أو الشعب بالأمم والشعوب الأخرى، والاستقلال كلمة تأتي من القِلَّة، أي تقليل المؤثِّرات في القرارات والتصرُّفات وغيرها، فالاستقلال بالرأي يعني الانفراد به وعدم إشراك الغير فيه، والاستقلال السياسي كما تعرِّفه المعاجم هو التحرَّر من أيِّ سلطة خارجية، واستقلال بلد ما يعني أنه استكمل سيادته وانفردَ بإدارة شؤونه الداخلية والخارجية، ولا يخضع في ذلك لرقابة دولة أخرى[1].
واجتماع مجموعة من الناس داخل إطار دولة أو قومية واحدة يعود لعدَّة أسباب تتضافر مع بعضها فتكسب جماعة أو جماعات تُفضِّل أو يكون مناسبًا أن يُفرض عليها أن تجتمع معًا لتشكِّل قومية دون سائر الأقوام الأخرى، وكل “مجتمع يتكون من وحدات انتماءٍ لا حصر لها، وهي تتنوع من حيث معيار التصنيف، فيكون أساسها الدين أو المذهب أو المشرب الثقافي أو الطائفة أو يكون أساسها اللغة أو اللهجة، أو يكون أساسها الإقليم أو القبيلة أو العشيرة أو الأسرة أو غير ذلك من معايير التصنيف.. ومن هذه الوحدات تظهر في كل مرحلة تاريخية وحدة الانتماء العامَّة التي تُعتبر الحلقة الكبرى والأساسية التي يتشكَّل المجتمع وفقًا لما تُفيده، والتي تُعتبر الوحدة الحاكمة لغيرها، وتتبلور وحدة الانتماء وفقًا للأوضاع التاريخية والاجتماعية التي ترشِّحها لأن تقوم بالوظيفة الأساسية وأن تستجيب للتحديات الأساسية التي تُواجه الجماعة بوحداتها كافة في مرحلة تاريخية معيَّنة”[2]. وهذا التبلور كما يمكن أن يكون بصورة طبيعية أو تلقائية، فإنه يمكن أن يكون بصورة غير طبيعية أو بها قدرٌ من الافتعال أو القسر والإكراه أو التغرير.
وإذا كانت مصر كدولة قد عُرفت بهذا التصور الذي هي عليه الآن من تجانس جغرافي واجتماعي وتحقُّقٍ لمصالح اقتصادية ومادِّية بهذا التجمُّع البشري حول نهر النيل وإطلال على البحرين الأحمر والأبيض، بشكل أساسي منذ العصور القديمة أكثر من أي دولة أخرى حولها، فإن أهم ما قام به أعداؤها أنهم حاولوا تقليص نفوذها في محيطها الجغرافي وفي مستوى علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي وحوض البحر الأبيض المتوسط ونهر النيل، وهذا الذي قاموا به قد أصاب مصر بقدرٍ كبيرٍ من الشلل في حركتها وتأثيرها، بل والحفاظ على أمنها القومي نفسه، وكما يقول المستشار طارق البشري: “فالكائن الحي الذي اسمه «مصر» توجد أمعاؤه خارج جسمه في الجنوب، ويُصَوَّبُ الرصاص إلى رأسه من خارج حدوده المتاخمة شمالًا بشرق، ومن هنا فإن الجماعة المصرية -وإن كانت متجانسة تمامًا من الناحية البشرية والثقافية والتاريخية- إلا أن القسم الغالب من أمنها يقف خارج حدودها، فهي غير مكتملة، وإن هذه الحدود التي حُدَّتْ بها مصر، ليست إلا نتاج عمل استعماري غربي أقرَّتْه ووقَّعتْه معاهدة لندن في 1840، ورُسم هذا الحدُّ في لندن، ولم تجتمع الدول الأوروبية الكبرى على أمر كما اجتمعت على هذا الأمر وقتها”[3].
إن قضية الاستقلال تبدو ذات بُعد نفسي بقدر ما لديها من بُعد مادي، فهي ذات بُعدٍ نفسي من حيث الشعور العام بالهُوية الجمعيَّة، وحاجة الجماعة إلى الاستقلال والتمايز عن الغير، والرغبة في التوحُّد واستقلال قرار الجماعة والأحقيَّة في ذلك، وذات بُعد مادِّيٍّ أيضًا من حيث ضرورة توافر الأسباب المادية التي تُعين على تحقيق هذه المشاعر النفسية، من توافر البقعة الجغرافية المناسبة من حيث الموقع والتضاريس والأمن، وتوافر أسباب القوة المادية من حيث الثروة القومية للأمة والقدرة على توفير ما يلزم من أسباب الدفاع عن النفس ومهاجمة الغير إن اقتضى الأمر مواجهة مع خصوم أو طامعين في ثروة الأمة وأرضها أو الإضرار بها.
وستتناول هذه الورقة قضية “استقلال مصر” من حيث ماهية هذا الاستقلال وكيف نشأ التصور عن استقلال مصر في العصر الحديث، ثم تتناول سعي الحركة الوطنية لتحقيق هذا الاستقلال منخلال المفاوضات بين الجانبين المصري والبريطاني منذ ثورة 1919 التي مثَّلت نقطة تحوُّل في التاريخ المصري الحديث، حتى إلغاء معاهدة 1936 سنة 1951، وكيف تأثَّر السعي للاستقلال بتغيُّر المناخ الديمقراطي وحال الإرادة الشعبية حضورًا وغيابًا على المسؤولين الرسميِّين الممثِّلين لإرادة الأمة والمعبِّرين عن تطلُّعاتها.

أولًا- المسألة المصرية

لعل من المناسب في مقام الحديث عن قضية استقلال مصر في العصر الحديث ومصادر صياغتها على الوضع الحالي أن نعود إلى مذكرة أمين الرافعي التي وضعها في نوفمبر 1918 أثناء التداعي العالمي لحضور مؤتمر الصلح بباريس بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وسعي العديد من الدول لنيل استقلالها من خلال التوافق الدولي على ذلك، خاصة مع القوى الكبرى المستعمِرة، فوضع الرافعي مذكرة سياسية تناول فيها المسألة المصرية وأساس سعيها للاستقلال، سواء عن الدولة العثمانية التابعة لها مصر تبعيَّة اسميَّة، أو بريطانيا التي كانت تحتلُّ مصر فعليًّا منذ 1881، وقد ترجم الرافعي مذكرته إلى الفرنسية وقُدِّمت إلى معتمدي الدول في مصر لإبلاغها إلى الرئيس الأمريكي ولسون صاحب المبادئ الأربعة عشر الداعية لاستقلال الشعوب وحقها في تقرير المصير، وكذلك إلى بقية رؤساء الحكومات المشتركة في مؤتمر الصلح.
بدأ الرافعي حديثه في المذكرة عن المسألة المصرية ببيان أهمية موقعها الجغرافي وأنها ملتقى ثلاث قارات ويمر فيها أكبر طريق تجاري في العالم، ولذلك فقد اهتمَّ بها العالم لأن تسلُّط أي دولة عليها يؤثر في التوازن الدولي، ولذلك استقرَّ قرار ساسة أوروبا في 1840 على أن يجعلوا مركزها دوليًّا، ويضمنوا استقلالها بمعاهدة دولية خشية أن تطمح أنظار إحدى الدول إليها، فيؤدِّي ذلك إلى اشتعال الحرب بين أمم متعدِّدة.
من أجل ذلك فإن بريطانيا حين احتلَّت مصر ارتفعت أصوات الاحتجاج من كل صوب، فضلا عن احتجاج المصريين ومطالبتهم المستمرة بجلاء الإنجليز عن بلادهم وردِّ الاستقلال إليها، بالرغم من الإجراءات غير الشرعية التي كانت تُتَّخذ ضدَّهم.
بيَّن الرافعي في مذكرته أن أساس المركز القانوني لمصر يعود إلى معاهدة لندن سنة 1840، والفرمان الصادر من الباب العالي في فبراير 1841، والفرمان المتمم له في أول يونيو من نفس العام؛ فهذه الوثائق الثلاث هي التي يقوم على أساسها استقلال مصر وتحرُّرها من سيادة الغير عليها، ويشمل ذلك أيضًا أرض السودان التي يرجع الفضل في بسط السيطرة عليها إلى محمد علي، وأن هذه الأراضي كانت تابعة للأراضي المصرية منذ عهد الفراعنة، وهو الأمر الذي تأيَّدَ بعددٍ من الفرمانات التي صدرت حتى سنة 1892 وتمنح حكَّام مصر السيطرة والإشراف على أراضٍ سودانية، وأن ذلك لم يكن لأسرة محمد علي خاصة، بل لمصر أيضًا، وأن أوروبا وضعت استقلال مصر تحت ضماناتها، وبالتالي فإن أيَّ احتلال أجنبي لمصر يكون مطبوعًا بطابع عدم الشرعية، ومصداق ذلك أنه عندما وقعت الاضطرابات في مصر أوائل سنة 1882، وجاءت إلى الإسكندرية سفن الأسطولين البريطاني والفرنسي بناءً على اقتراح فرنسا، التي اقترحت أيضًا عقد مؤتمر دولي عن الشأن المصري عُقد بالآستانة وقَّع أعضاؤه على البروتوكول المعروف بميثاق النزاهة في 25 يونيو 1882، نصَّ على أن الحكومات التي وقَّعت على هذا القرار “لا تبحث عن احتلال شيءٍ من أراضي مصر، ولا على الحصول على امتيازٍ خاصٍّ بها، ولا على نيْل امتياز تجاري لرعاياها يكون غير ممكن لرعايا الحكومات الأخرى نيْله” ومع ذلك فإن بريطانيا أخذت تضرب الإسكندرية في 11 يوليو 1882 والمؤتمر لا يزال منعقدًا، وقد رفضت فرنسا الاشتراك في هذا الأمر وسحبت أسطولها حتى لا تُتَّهم بالمسؤولية عنه، ونزل الجيش البريطاني إلى البرِّ، وقرَّر المؤتمر تكليف الباب العالي بإرسال جنود لقمع الفتنة في مصر، وانفضَّ المؤتمر على أن يجتمع عند الحاجة، فانفردت إنجلترا بالأمر وأخذت تشترط على تركيا لإرسال جنودها شروطًا كثيرة لم يضعْها المؤتمر، وفي هذه الأثناء كان الجيش الإنجليزي يزحف على القاهرة، حتى إذا دخلها أرسلت الحكومة الإنجليزية إلى الباب العالي تنبئه بأن لا حاجة إلى إرسال جنود لأن جيش عرابي قد تشتَّت، وأن جزءًا من الجيش الإنجليزي استُدعي، فأجاب الباب العالي مستفهمًا عن رحيل بقية الجنود الإنجليز، فلم يتلقَّ جوابًا، واستمرَّ الاحتلال باقيًا.
وأوضح الرافعي أن هذا الاحتلال لم تكن له أي صفة شرعية في أي لحظة، فمصر لم تكن أرضًا مباحة لا سيادة عليها، بل كانت ذات سيادة، وقرَّر مؤتمر الآستانة أن لا تختصَّ أي دولة في مصر بميزة أيًّا كان نوعها، وإنجلترا لم تفتح مصر أثناء حرب معها، بل أنزلت جنودها بحجَّة إعادة السلطة إلى الخديوي، ولم يتنازل أحدٌ عن مصر لإنجلترا، فإن الأمة المصرية ما فتئت تحتجُّ بكل شدَّة على الاحتلال، والدولة العثمانية كانت تحتج على الاحتلال وتطالب بالجلاء، ولم توكِّل الدولُ إنجلترا في احتلال مصر، بل قرَّرتْ عدم انفراد أية دولة بشؤون مصر، وبالتالي فإن من حق المصريين أن يطالبوا بنيْل استقلالهم الداخلي والخارجي معًا، فتمتُّع مصر بالاستقلال الداخلي وحده بضمان معاهدة 1840 لم يعُدْ كافيًا، لأن مصر أمَّة يزيد عدد سكَّانها عن ستة عشر مليونًا من عنصرٍ واحد، لهم قوميَّة معلومة ولغة واحدة، وثروة كبيرة، وحيث إن السودان غير منفصلٍ عن مصر بمقتضى المعاهدات والفرمانات، فضلًا عن أن بين البلدين روابط عديدة تجعل حياتهما متوقِّفة على اتِّحادهما، وحيث إن قناة السويس يجب أن تكون حرة دائمًا ومفتوحة في أوقات الحرب كما في زمان السلم، فحرية الملاحة فيها تعني الدول كلها.
وكان تأكيد مذكرة الرافعي في ختامها واضحًا في المطالبة بجلاء الإنجليز عن البلاد واستقلال مصر والسودان استقلالا تامًّا مع احترام حيدة قناة السويس[4].
من الواضح في مذكرة أمين الرافعي بحكم توجيهها للدول الأوروبية بشكل أساسي فإنها انطلقت من إقرار هذه الدول بمبدأ استقلال مصر الداخلي عن الدولة العثمانية وإطلاق يد محمد علي وأسرته من بعده في شؤونها، وأن الاحتلال الإنجليزي هو احتلال باطل حتى بمقاييس ما يمكن تسميته وقتها بشرعية الاستعمار أو الاحتلال بالنسبة للأراضي التي لا تحظى بسيادة متعارف عليها وفق الأنماط الحديثة لمظاهر السيادة وتبادل العلاقات، أو حتى بسبب النزاع المتبادل والدخول في حرب تبرِّر ولو واقعيًّا غنيمة المنتصر لأملاك المهزوم، كما أكَّد على عدم وجود اعتراف دولي بهذه السيادة الإنجليزية على مصر من الدول الأوروبية صاحبة الحل والعقد في العالم في ذلك الوقت، وأكَّدَ بإصرار كبير على تبعيَّة السودان لمصر، وأن ذلك من مقرَّرات العلاقة بينهما وضروراتها الحيوية. وإغراء للدول الأوروبية بالموافقة فقد أكَّد على أن حيدة مصر ومجراها الملاحي الأهم في العالم “قناة السويس” يمثِّل ضمانًا للاستقرار العالمي، وأنه في ظل شيوع مبادئ الرئيس الأمريكي ولسون فإن من حق مصر بعدد سكَّانها الكبير وتجانسها الجغرافي والبشري ووحدتها القومية واللغوية أن تنال استقلالها التام داخليًّا وخارجيًّا وأن تكون على قدم المساواة في ترتيب شؤونها على نحو ما عليه الدول المتحضرة في عالم ذلك الزمان.

ثانيًا- المفاوضات المصرية البريطانية

هذه العناصر الثلاثة: استقلال مصر، وتبعية السودان لمصر، وجلاء الإنجليز، ظلَّت هي العناصر الأساسية التي تمسَّكت بها الحركة الوطنية المصرية في سعيها ومطالباتها المستمرَّة من إنجلترا في مراحل التفاوض المختلفة، سواء من أبرز ممثلي الإرادة الشعبية أو من أشدِّ المعادِين لها، حيث ظلَّت هذه العناصر هي جوهر مطلب الاستقلال التي لا تقبل الحركة الوطنية بأدنى منها، فلم يكن بإمكان أشدِّ المتساهلين أو “المعتدلين” كما كان يُطلق عليهم في “الوفد” (ثم الأحرار الدستوريِّين) أن ينزل دونها، على الأقل ظاهريًّا وفي الخطاب العام للجماهير، لكن معنى الاستقلال ظلَّ لدى عموم المصريِّين والوفد هو ما يعني الاستقلال التام من حيث كونه إنهاءً للحماية وجلاءً للقوات الأجنبية عن مصر ونفيًا للنفوذ البريطاني عن الحكومة المصرية[5]. وفيما يلي نستعرض أهم المفاوضات التي جرت بين الجانبين ومضمون كلٍّ منها، وذلك على النحو التالي:

1- مفاوضات سعد زغلول وملنر

جرى بين الجانبين المصري والبريطاني عددٌ من المفاوضات بعد اندلاع ثورة 1919 وإصرار المصريِّين على مطالبهم بجلاء الإنجليز وزوال الاحتلال ونيل الاستقلال، وتصدَّر الوفد بزعامة سعد زغلول المشهد الوطني باعتباره القوة السياسية الشعبية الأكبر دون منافسة تقريبًا من القوى الأخرى، وجارته الحكومات التي تشكَّلت في تلك الفترة في التجاوب مع مطالبه وعدم الشذوذ عن الثوابت الوطنية التي تبنَّاها الوفد في قيادته للحركة الوطنية على الأقل، وكانت الحكومات تستقيل إذا لم تستطع تلبية تلك المطالب.
كانت المفاوضات الأولى بين سعد زغلول وملنر وزير المستعمرات البريطاني الذي ترأَّس لجنة لبحث الأوضاع في مصر، وقوبل ولجنته بمقاطعة واسعة في مصر قادها الوفد، ثم قبِل الوفد وفق ظروف تلك الفترة أن يقبل بالجلوس مع ملنر في لندن برئاسة سعد زغلول، واستمرت تلك اللقاءات من 5 يونيو 1920 حتى انقطعت في 9 نوفمبر 1920.
ثم جاءت مفاوضات عدلي يكن رئيس الحكومة المصرية مع اللورد كيرزون وزير الخارجية البريطاني والتي بدأت في 12 يوليو 1921 وانقطعت في 19 نوفمبر 1921.
على أن مباحثات سعد زغلول ورمزي ماكدونالد لتعتبر المفاوضات الأولى التي جرت بين البلدين بعد صدور تصريح 28 فبراير 1922 الذي أنهى الحماية البريطانية على مصر، واعترف بها بلدًا مستقلا ذا سيادة، كما ان هذه المفاوضات جاءت بعد العمل بدستور 1923، وهي بهذه المثابة أول تجربة لمفاوضات عن المسألة المصرية تجريها حكومة ديمقراطية لمصر المستقلة، ويجريها عن مصر أول من جمع بين الزعامة الشعبية والرئاسة الرسمية في تاريخ مصر الحديث[6].
لما جاء اللورد ملنر إلى مصر، ولقِي من مقاطعة لجنته ما رأى، عاد إلى لندن وفي جعبته الرغبة في مفاوضة الوفد المصري، إذ أدرك وهو في مصر أن الوفد لا يأبى التساهل والتنازل في سبيل الاتفاق والتفاهم، وأن في يده مؤقَّتًا مفتاح هذا التفاهم، فعهد إلى اللورد هرست أحد أعضاء لجنته أن يتوجَّه إلى باريس ليدعو الوفد إلى المجيء إلى لندن للمفاوضة مع اللجنة، فأرسل الوفد ثلاثة أعضاء منه إلى لندن لمقابلة اللورد ملنر وليتبيَّنوا مبلغ استعداد الحكومة البريطانية نحو المطالب القومية، فأظهر ملنر استعداده للتفاوض دون قيد ولا شرط، وأنه إذا اقتنعت إنجلترا في نهاية المفاوضات بضمان مصالحها الخاصة، فإنها تعجِّل بالاعتراف لمصر باستقلالها التام[7].
● تضمَّن مشروع ملنر ما يلي: إبدال الحالة الحاضرة بمعاهدة محالفة مستديمة بين بريطانيا ومصر، يتقرَّر فيها ما يأتي:
(1) تتعهد بريطانيا بضمان سلامة أرض مصر واستقلالها كمملكة ذات نظام دستوري. (2) تتعهد مصر بألا تعقد أي معاهدة سياسية مع أي دولة أخرى بدون رضاء بريطانيا. (3) تعطي مصر لبريطانيا الحق في إبقاء قوة عسكرية بالأراضي المصرية وحق استعمال المواني والمطارات المصرية لغرض التمكُّن من الدفاع عن القُطر المصري، والمحافظة على مواصلات بريطانيا مع أملاكها.(4) تعيين مستشار مالي يُعهد إليه بجميع الاختصاصات المخولة لأعضاء صندوق الدين لحماية حقوق دائني مصر. (5) تُمنح بريطانيا حق التدخُّل بواسطة ممثِّليها في مصر لإيقاف تنفيذ أي قانون يكون ماسًّا بحقوق الأجانب الشرعية أو المتَّبع في البلاد المتمدِّنة، مع الإبقاء على قضاء المحاكم المختلطة أو ما يحلُّ محلَّها عن الأنظمة المماثلة لها، بالإضافة لتمييز مركز ممثِّل بريطانيا عن غيره من ممثِّلي الدول الأخرى باعتبارها الدولة الحليفة. (6) تقوم حكومة بريطانيا بتمثيل مصر في أي بلد لا يكون فيها ممثِّل مصري، وليس لمصر أن تعهد بهذا التمثيل لغير بريطانيا…
● في المقابل أعدَّ الوفد مشروعًا آخر، تضمَّن ما يلي:
(1) انتهاء الحماية البريطانية على مصر التي أعلنتها منذ 1914 والاحتلال العسكري، واسترداد مصر كامل سيادتها الداخلية والخارجية. (2) جلاء الجنود البريطانيِّين عن القُطر المصري من تاريخ العمل بهذه المعاهدة. (3) منح تعويض للموظفين الإنجليز والالتزام بحسن معاملتهم من جانب الحكومة المصرية. (4) تخفيف مضار الامتيازات الأجنبية باستعمال بريطانيا لها باسم الدول الأجنبية بكيفية معيَّنة تتضمَّن موافقة بريطانيا على الزيادات والتعديلات التي تدخل على لائحة ترتيب المحاكم المختلطة. (5) قبول مصر في حال إلغاء المحاكم القنصلية أن يُعَيَّن أحد رجال القانون من التبعيَّة الإنجليزية في وظيفة النائب العمومي لدى المحاكم المختلطة التي تحاكم الأجانب، وعلى بريطانيا أن تقرِّر أنها مستعدَّة للنظر مع مصر بعد 15 عامًا في مسألة إزالة المساس الحاصل بسيادة مصر على سكَّان بلادها بسبب ما للأجانب من امتيازات في التشريع والقضاء المختلط، وتحفظ مصر لنفسها الحق في رفع هذه المسألة إن اقتضى الحال إلى عصبة الأمم بعد الميعاد المذكور. (6) توافق مصر على أن تعين موظفًا ساميًا تختاره بريطانيا، يكون له ما لقومسيون صندوق الدين العمومي من الاختصاصات، ويكون تحت تصرُّف الحكومة المصرية في كافة ما ترغب تكليفه من الاستشارات والمهمَّات المالية. (7) في حال ما رأت بريطانيا لزوم إنشاء نقطة عسكرية لها على مصاريفها بالشاطئ الآسيوي لقناة السويس فلها ذلك على أن يكون تحديد منطقة هذه النقطة فيما بعد وبمعرفة لجنة من خبراء عسكريِّين من الطرفين بعددٍ متساو، وأن إنشاء هذه النقطة لا يعطي لبريطانيا أيَّ حق في التدخُّل في أمور مصر، ولا يخلُّ أدنى إخلالٍ بما لمصر من حقوق السيادة على تلك المنطقة التي تبقى خاضعة لسلطة مصر ومنفَّذة فيها قوانينها، ويعاد النظر في مدى لزوم بقاء هذه النقطة العسكرية بعد مضيِّ عشر سنوات. (8) في حال ما رأت مصر التي لها حق التمثيل السياسي ألا تعيِّن لها نائبًا مصريًّا لدى أيِّ بلدٍ من البلاد فإنها تعهد بالمصالح المصرية في هذا البلد إلى نائب بريطانيا، وهو يتولَّى الدفاع عن تلك المصالح وفق آراء وزير الخارجية المصري. (9) عقد معاهدة دفاعية بين البلدين لمدة ثلاثين سنة بمقتضاها تدافع بريطانيا عن الأراضي المصرية ضدَّ أيِّ اعتداء عليها، وتتعهَّد مصر عند حصول تعدٍّ على بريطانيا من جانب أي دولة أوروبية بأن تقوم داخل حدودها لبريطانيا بجميع ما تحتاجه حربيًّا من تسهيل سبيل المواصلات وأعمال النقل. (10) ألا تعقد مصرُ أية محالفة مع أيَّة دولةٍ أخرى بدون الاتفاق مقدَّمًا مع بريطانيا، وتكون مسألة السودان موضوعًا لاتفاق خاص، وأن تقبل بريطانيا بدخول مصر من الآن بجمعية عصبة الأمم بوصفها دولة حرة مستقلة[8].
ما تضمَّنه هذان المشروعان يوضَّح أهداف ومسعى كل طرف، فبريطانيا لا تمانع من منح مصر الحق في استقلال شكلي مع تفريغ هذا الاستقلال من مضمونه بالإبقاء على حقِّها في الاحتفاظ بقوة عسكرية على الأراضي المصرية واستخدام المطارات والمواني، والاحتفاظ بامتيازات قضائية وقانونية لرعاياها وللأجانب أيضًا، واحتكار الحق في تمثيل مصر خارجيًّا وعدم تمكين مصر من حرية الحركة خارجيًّا إلا برضاء بريطانيا.
في حين كانت أهداف الطرف المصري إنهاء الحماية البريطانية على مصر واستقلال مصر استقلالا تامًّا داخليًّا وخارجيًّا، وجلاء قوات بريطانيا عن الأراضي المصرية، وإدراكًا من الجانب المصري لموازين القوى، فقد قدَّم ما أمكن له من تنازلات لبريطانيا كخطوة مرحلية عبر تأقيت المعاهدة بثلاثين سنة يمكن بعدها الاتفاق بين الدولتين على تجديدها أو تعديلها، والسماح لبريطانيا بإبقاء نقطة عسكرية شرق قناة السويس، والإبقاء على عددٍ من الامتيازات القضائية والقانونية للأجانب، والسماح بقدرٍ من التدخل البريطاني في الشؤون المالية للدولة ضمانًا لحقوق الدائنين، مع ملاحظة حرص الوفد على صياغة التنازلات بصورة تحفظ الكثير من كرامة مصر، بالإضافة إلى مسألة السودان والتي ستظل نقطة محورية في كل المفاوضات والمطالبات بالاستقلال الذي يعني وحدة الأراضي المصرية والسودانية، وهي النقطة التي تجاهلها مشروع ملنر وكذلك كل ما بعده، حيث أصرَّت بريطانيا على رفض كل المطالبات المصرية بتبعيَّة السودان لها.
وقد قام ملنر بعد مطالعة مشروع الوفد بتعديل مشروعه بما لا يخل بالمضمون السابق بيانه، وقد وقع الخلاف بين الوفد في الرأي حول المشروع وانتهوا إلى عرضه على الأمة لاستطلاع رأيها، فأبدت شخصيَّات وهيئات عدَّة العديد من التحفُّظات التي قام بعرض بعضها سعد زغلول وزملاؤه على اللورد ملنر ولجنته ثم انتهى الأمر إلى رفض اللجنة استكمال اللقاءات وإعلانها أن أيَّ تسوية ستكون من خلال الحكومتين البريطانية والمصرية، وانتهت هذه الجولة من المفاوضات بالفشل[9].
من المهم الإشارة إلى أن ثمة علاقة تلازم وثيق بين الوجود العسكري الأجنبي وبين السيطرة الأجنبية على أجهزة الحكم، والوجود العسكري ضامن لهذه السيطرة، ولجعل النصائح ملزمة، وتحويل الخبرة إلى سلطة، والوجود العسكري مضمون بهذه السيطرة أيضًا. وليس من جيش محتل يطمئنُّ إلى استمرار وجوده في بلدٍ محتلٍّ إلا إذا انعكس هذا الوجود سيطرةً على الدولة، والاحتلال مقصود به في النهاية تحريك سياسة البلد المحتل سياسيًّا واقتصاديًّا إلى ما يحقِّق مصالح المحتلِّين. أدركت الحركة الوطنية هذه العلاقة ممَّا عبر عنه سعد زغلول مرارًا بأن رقابة أجنبية تستند إلى قوة عسكرية هو الحماية عينها[10].
قال ملنر لسعد في 21 يوليو إبان مفاوضاتهما: إننا الآن في مصر حائزون على كل شيء، وفي قبضتنا كل شيء، ونريد أن نتخلَّى لكم عما في أيدينا في نظير أن تقبلوا أن يكون مركزنا الفعليُّ عندكم مركزًا شرعيًّا.
فردَّ عليه سعد: إننا لا نستطيع مطلقًا أن نوافق على تصحيح مركزكم في مصر، فيصبح المركز الفعلي مركزًا شرعيًّا، لأن هذا يناقض الاستقلال على خطٍّ مستقيم، وما أتينا إلى هنا إلا بحثًا عن الاستقلال.. ولا نقبل أن يكون لبريطانيا مراقبة علينا مستندة إلى قوة عسكرية في بلادنا، إننا ما أتينا إلى هنا إلا للخلاص من هذا[11].
لقد كان جهد الحركة الوطنية -في هذه الفترة- مكرَّسًا للحفاظ على وضع شبه إجماعي، وهو هدف من أشقِّ ما يكون في الممارسة السياسية، وإن تتبُّع مفاوضات سعد-ملنر حسبما كشفت عنها مذكرات الأستاذ محمد كامل سليم، لتكشف عن مدى الجهد الذي بذله ملنر بمعاونة عدلي يكن لتعميق الخلاف داخل قيادة الوفد بين المعتدلين وبين سعد زغلول ومن وقف معه، ومدى الجهد الذي حاوله سعد زغلول بالصبر والمصابرة والمناورة ليكون انقسام المنقسمين من المعتدلين محض انسلاخ لأفراد في قيادة الوفد لا يصدع ولا يمس التكتُّل الجماهيري العريض، ومن هنا كان حرص الوفد على ألا يظهر كحزبٍ من الأحزاب، وأن يضطرد أدبه السياسي على ذكر كونه وكيلًا عن الأمة وليس حزبًا، أي “وفدًا” وليس جماعة من الجماعات، لتظلَّ له القدرة على استيعاب «المصرية». ومن هنا يظهر أن سعد زغلول كان حريصًا على أن يُبقي صيغته السياسية محدَّدةً في مسألتي «الاستقلال» و«الديمقراطية» بوصفهما الجامع الشامل. ومن هنا كان حرص سعد في مفاوضاته جميعًا مع الإنجليز أن يرفض سياسة الخطوات، فإما أن يتحقَّق استقلال تام فعلِي وإلا فلا اتفاق، وأن أيَّ اتفاق على خلاف ذلك حتى لو حقَّق كسبًا جزئيًّا كان خليقًا بأن يفضَّ التجمُّع العريض ويجرِّد الوفد من مكنة استيعاب «المصرية»، وإذا قبل الوفد أخذ الجزء فإنه لن يستطيع في المقابل إلا أن يدفع الكل، والخطوة الأولى لن تتلوها خطوة ثانية[12].

2- مفاوضات عدلي يكن وكيرزون

حين تمَّ تكليف عدلي يكن بتشكيل حكومته أيَّدها سعد زغلول في البداية، قبل أن يقع الخلاف بينهما فيما بعد بسبب الخلاف على رئاسة وفد المفاوضات التالية مع بريطانيا، والتي أجريت بين عدلي وكيرزون (وزير خارجية بريطانيا) في نوفمبر 1921.
في هذه المفاوضات التي تمَّت مع وفد رسمي يمثل الحكومة المصرية ويرأسه رئيسها، قدَّم كيرزون مشروعًا أسوأ من مشروع ملنر، فردَّ عدلي على هذا المشروع بمذكرة ختمها بأن هذا المشروع لا يجعل محلًا لأمل في الوصول إلى اتفاق، وسلَّم ببقاء قوة عسكرية، وانقطعت المفاوضات وغادر لندن، وقدَّم استقالته عقب عودته، وقال ضمن تقريره عن المفاوضات للسلطان فؤاد: “أخذنا على أنفسنا أن نسعى للاعتراف بمصر دولة مستقلَّة في الداخل وفي الخارج ولإلغاء الحماية إلغاءً صريحًا، ولكننا ألغينا المشروع الذي تمخَّضت عنه مفاوضات طويلة عسيرة لا يحقِّق الغاية التي جئنا للمفاوضة من أجلها، فكان حقًّا علينا أن نرى المفاوضات غير منتجة وألَّا نسترسل فيها لأكثر من ذلك”[13].
ثم صدر تصريح 28 فبراير 1922 الذي بات الأساس الذي قامت عليه المفاوضات التي جرت بين الجانب البريطاني والجانب المصري للمرة الثالثة، وكان هذا التصريح قد صدر بإرادة منفردة من جانب بريطانيا بعد فشل المفاوضات التي جرت مع عدلي يكن ومن قبلها المباحثات التي تمَّت مع لجنة ملنر ومنها تلك التي جرت بين ملنر وسعد زغلول، كما سبقت الإشارة، على أن هذا التصريح يعتبر أحد المكاسب المباشرة لتشدُّد سعد زغلول في مفاوضاته مع ملنر، وأنه مكسب حصل للحركة الوطنية المصرية دون أن تُقدِّم تنازُلا في المقابل لبريطانيا، ولذلك استمرَّ سعد زغلول في إعلان رفضه لهذا التصريح، وإن انتفع بآثاره.

3- مفاوضات سعد زغلول وماكدونالد

كان صدور تصريح 28 فبراير ضرورة لبريطانيا، قال اللنبي: إن كل قرار لا يسلِّم بمبدأ استقلال مصر ويستبقي الحماية يجرُّ لا محالة إلى خطر جدِّي من نشوب ثورة في البلاد جميعها، ويفضي إلى الفوضى التامَّة التي تكون الحكومة معها مستحيلة[14].
وبعد صدور هذا التصريح أعلن عن استقلال مصر ووضع دستور 1923 وعلى أساسه أُجريت انتخابات 1924 التي حاز الوفد بقيادة سعد زغلول على أكثر من 90% من مقاعد أول برلمان منتخب بعد دستور 1923، وبعد تردُّد من قبل سعد زغلول أن يرأس الحكومة، وحرص أن يذكر في جواب قبول الوزارة الذي أرسله إلى الملك فؤاد أن الأمَّة جمعاء تتمسَّك بمبادئ الوفد التي ترمي إلى ضرورة تمتُّع البلاد بحقِّها الطبيعي في الاستقلال الحقيقي لمصر والسودان، مع احترام المصالح الأجنبية التي لا تتعارض مع هذا الاستقلال. فلما افتُتح البرلمان أشار إلى مهمَّة تحقيق الاستقلال التام للبلاد وأن حكومته مستعدَّة للتفاوض مع بريطانيا مفاوضات حرَّة من كل قيد لتحقيق الآمال القومية بالنسبة لمصر والسودان، وأن على مصر أن تتبوَّأ مكانها بين الدول بإيجاد علاقات الوداد وتوكيدها مع جميع الدول من غير تفضيل ولا امتياز يخالف مبدأ استقلالنا التام، والأمل في تتويج الحرية السياسية لمصر بدخول مصر في جمعية الأمم كدولة تامَّة الاستقلال. وبهذا تحدَّدت سياسة الوزارة الوفدية من البداية برفض تحفُّظات تصريح 28 فبراير، واشتراطها للمفاوضة أن تكون طليقة من كل قيد، مع استهداف الاستقلال التام الحقيقي، وانتهاج سياسة خارجية مستقلة لا تعترف بامتياز ما لدولة ما يخالف الاستقلال التام[15].
وحين صرَّح رامزي ماكدونالد -رئيس أول وزارة عُمَّاليَّة لبريطانيا في نفس الشهر الذي تولَّى فيه سعد رئاسة أول وزارة وفدية- بأن حكومته مقيَّدة بتحفُّظات تصريح 28 فبراير، احتجَّ الوفد على هذا التصريح، وقال سعد بمجلس النوَّاب: إن حكومته لا تدخل مفاوضة إلا حرة من كل قيد وأنه لا يدخل المفاوضات إلا على أمل الحصول على الاستقلال التام لمصر والسودان، وإن لم يكن هذا الأمل موجودًا فإنه لا يدخلها، بل لا يبقى في الحكومة أيضًا، ثم أدلى بحديث صحفي لمراسل جريدة “التايمز” قال فيه: “إن دخوله في أية مفاوضة لا يجب أن يُفهم منه أي تنازل أو تخلٍّ عن حقوق مصر ولا القبول بحالة ممتازة لبريطانيا بالنسبة لمصر، وأنه يرفض المفاوضة طبقًا لما صرَّح به ماكدونالد على أساس تصريح 28 فبراير”[16].
وقد انتهى الأمر بأن أعلن ماكدونالد في النهاية صيغةً وسطًا، وهي أن توضيح أيِّ طرف لموقفه في المفاوضات لا يقيِّد الطرف الآخر بالاعتراف بهذا الموقف، ثم أوضح بعد ذلك أنه مستعدٌّ لسماع أية اقتراحات يقدِّمها سعد، وأن لسعد حرية إضافة أيِّ مسألة إلى جدول الأعمال[17]. وقد كان ذلك بسبب ما أثير في الفترة التي سبقت المباحثات بين سعد وماكدونالد حول مسألة السودان وتبعيَّتها لمصر، وتصريحات ومواقف أخرى من الجانبين كادت تُفشل مساعي عقد اللقاء بينهما.
قدَّم ماكدونالد مشروعًا يتعيَّن النظر إليه في ضوء ملاحظتين، هما: أن المشروع يتضمَّن الإطار العام فقط والحد الأدنى الذي لا يمكن النزول عنه، وأنه صِيغ ليمنح بريطانيا سلطات واسعة، ولكنها مصوغة بشكل يمكِّن حكومة مصر من أن تبرِّر موقفها أمام نقد الوطنيِّين لها، فقد نصَّ المشروع على إقامة حلف بين البلدين وسيطرة رسمية على شرق قناة السويس غير مقيَّدةٍ بمدَّة ما، وجعل أساس الوجود العسكري البريطاني في شرق قناة السويس وهو وجود يمتدُّ إلى غرب القناة امتدادًا غير محدَّد تحديدًا جغرافيًّا وإن كان يجد حدوده في الاستفادة الدائمة المنظَّمة بكافة المرافق وقنوات الاتصال كالمطارات والمواني والسكك الحديدية ومحطات اللاسلكي، وأسقط مشروع ماكدونالد ما سبق أن ورد بمشروعي ملنر وكيرزون فيما يتعلَّق بالمستشارين المالي والقضائي، وهو نهج لا شكَّ في أفضليَّته للمصريِّين، وهو نهج فرضه على الجانب البريطاني أن مشروعه هو أول مشروع يُصاغ بعد تنفيذ تصريح 28 فبراير الذي اعترف باستقلال مصر، وبعد صدور دستور 1923 الذي أقام نظامًا برلمانيًّا يتعارض مع أيِّ سلطات تخوَّل لمستشارين بريطانيِّين على الحكومة المصرية، وأسقط المشروع ما ورد في المشروعات السابقة من قيود تتعلَّق بسياسة مصر الخارجية وعلاقاتها مع الدول الأخرى، والإشراف البريطاني على تلك السياسة، وصيغ الوضع الممتاز لبريطانيا في مصر الذي حرصت المشروعات السابقة على تأكيده، صيغ في شكلٍ أكثر لباقة وهو أن يكون التمثيل السياسي بين البلدين هو الوحيد الذي يتم على مستوى السفراء، ونصَّ المشروع بالنسبة للسودان على ما لم يردْ في المشروعات السابقة من تأكيدٍ على اتفاقية 1899 التي كان ينادي المصريون ببطلانها، ومن إطلاق سلطات الحاكم العام وتأكيد هيمنته على أجهزة الحكم بالسودان، وتقليص الوجود المصري العسكري إلى كتيبة واحدة، وإقرار مصر صراحةً بفصل السودان عنها تحت عبارة “استقلال السودان”.
إن هذا المشروع بالرغم مما ورد فيه من أمور لا يمكن لسعد زغلول أن يقبل بها، إلا أنه صيغ على نحو يتناسب من حيث الشكل مع ما يليق بدولةٍ معترف باستقلالها وليست تابعة ولا محميَّة، وهذا وجه خلافٍ بينه وبين سوابقه. كما أنه صيغ بلهجة سياسية مهذَّبة تليق بكونه يقدَّم إلى زعيمٍ معترف به في بلده وشعبه، زعيم مرهوب الجانب قاد ثورةً من قبل، وله القدرة على تفجيرها من جديد والإضرار بمصالح الطرف الآخر، وذلك على عكس ما عومل به عدلي يكن[18].
حين التقى سعد بماكدونالد في 25 سبتمبر 1924 بدأ الحديث بتبادل الأسف حول ما وقع من أحداث أبعدت روح التفاهم، وتبادل العزم على إعادة حسن النية، ثم عرج ماكدونالد على الفور إلى موضوع السودان الذي استنفد الجلسة كلها، حيث رأى ماكدونالد أن تصريحات سعد عن السودان أغلقت الباب إلى حدٍّ ما دون اتفاق، وأصرَّ سعد على أن هذا مطلب مصري دائم باستقلال السودان (أي عن بريطانيا وتبعيَّتها لمصر)، وأبدى سعد صلابة شديدة تجاه وجهة النظر البريطانية، ويقول المستشار/ طارق البشري: إن سعدًا وإن أبدى صلابة شديدة وشجاعة واضحة في إدانة السياسة البريطانية في السودان، فإن هذا الموقف وإن كان ظاهره القوة فإن باطنه الضعف؛ لأنه استغرق في مناقشة أحداث السودان الأخيرة دون أن يظهر أن ثمة رؤية سياسية مستقبلة تهديه في موقفه العملي، ويحاول طرحها في النقاش. وكما غلب على تصريحاته السودانية السابقة على المحادثات طابع الحديث المجرد عن الحقوق يغطِّي بها غموض الأهداف العملية، غلب على حديثه مع ماكدونالد الاستغراق في مناقشة الأحداث التفصيلية، يغطِّي بها فيما يبدو غموض الأهداف السياسية العملية، فكان محاميًا يقف عند حدود التفاصيل الجزئية أكثر منه سياسيًّا يستشرف المسالك العملية، واهتمَّ بتقديم الحجج لا بطرح الحلول. وأصرَّ سعد في لقائه الثاني بماكدونالد على البدء بالحديث عن مصر حتى وافقه ماكدونالد على مضض، إن سعدًا لم يكن لديه ما يقوله عن السودان، وكان ينظر إلى المسألة السودانية كأمر مرجأ لا تثور المفاوضة بشأنه إلا بعد تصفية المسألة المصرية تصفيةً تقبلها الحركة الوطنية، ولم يكن مرجع هذا إلى ضعف في قدرات سعد زغلول على المفاوضة، بل لعل إصراره على إرجاء هذه المسألة كان مستهدفًا لافتقاده وضوح الرؤية بشأنها[19].
أما حين انتقل الحديث إلى مصر، وقف سعد على أرضه قويًّا واضحًا مصادمًا لا يتهرَّب ولا يلتوي، بدأه ماكدونالد بالسؤال عما يطلبه؟ فأجاب سعد بأن الدار داره، وأن مصر للمصريِّين، فما عسى بأن يطلب ماكدونالد؟ فقال ماكدونالد: إن هناك أمرًا واقعًا وسعد يريد تغييره، فماذا يريد؟ فقال سعد: إن الأمرَ الواقعَ شاذٌّ، وإنه يريد استقلال مصر، ثم عرضا لعناصر المسألة، فسأله ماكدونالد عما يريد بالنسبة للموقف العسكري؟ فأجاب: إن للبريطانين جيشًا في مصر وأنه يريد انسحابه، ثم ألا تمارس الحكومة البريطانية أيَّ نوعٍ من الرقابة على الحكومة المصرية، وإن المستشارين المالي والقضائي شأنهما كشأن الجيش يتعيَّن سحبهما، ثم ألا تُقَيَّد علاقات مصر بالدول الأجنبية بالإعلان البريطاني إلى هذه الدول في 15 مارس 1922، وأن يكون ممثِّل بريطانيا كغيره من الدبلوماسيِّين، ثم أن تتنازل بريطانيا عن دعواها حماية الأجانب بمصر والأقليات وقناة السويس، هنا توقَّف ماكدونالد واستعاد سعدًا، هل يقصد ألا تتدخَّل بريطانيا في حماية القناة؟ فأجاب سعد: إطلاقًا، فعلَّق ماكدونالد بأنه يأسف لسماع ذلك، فرد سعد بأنه يأسف هو أيضًا “أليست القناة أيضًا في مصر”.
هكذا كان طريق “المطالب المصرية” طريقًا مغلقًا في وجه الاتصال المصري البريطاني، ولكن بقي طريق “المطالب البريطانية”. ومن هنا كان سعد محقًّا في أن يقترح في البداية طرح الموضوع من وجهة المطالب البريطانية لولا أن ماكدونالد أصرَّ على البداية من “الأمر الواقع” أي الوجود البريطاني بمصر.
وفي الاجتماع الثالث بينهما بدأ ماكدونالد بقناة السويس ووجوب حماية بريطانيا لها، فرد سعد بأن التحالف يكفي حمايةً لها، ورفض اتِّخاذ جيوش بريطانيا مواقع تتَّخذها محطَّات بغرض حماية القناة، وقال سعد إن قناة السويس مصلحة عالمية فلماذا يطلب الإنجليز احتكارها؟! وماكدونالد يقول: ألَّا ضمان لمصالح بريطانيا بغير الجيش، وسعد يقول: ألَّا ضمان لاستقلال مصر مع وجود هذا الجيش، وانتهت هذه الجولة من المفاوضات إلى الفشل[20].
إن موقف الجانب المصري من مباحثات 1924 كان يعكس في صميمه رفض المصريين الاعتراف بشرعيَّة وجود أجنبي على أرضهم، وأبقى الوجودَ الإنجليزيَّ على حاله السابق من القلق، وأبقى الحركةَ الوطنيةَ المصريةَ على حالها من التهيُّؤ، وأتعب سعدٌ المفاوضين بعدَه، ولم يقدر للإنجليز أن يحصلوا على ما ظنُّوه ثمنًا لاعترافهم باستقلال مصر ممَّا كانت تعتبره مصر مجرَّد استرداد حقٍّ لها اغتالوه واستردَّته هي قنصًا بكافحها وثورتها. ولم تبرم معاهدة بين مصر وبريطانيا إلا بعد اثنتي عشرة سنة في ظروف سياسية مصرية ودولية مختلفة، وأبرمها الوفد في 1936، ففوجئ بمن يذكِّره بموقف سعد في 1924[21].

4- مفاوضات عبد الخالق ثروت وتشامبرلين:

وفي 1927 تفاهم عبد الخالق ثروت مع السير أوستن تشامبرلين وزير الخارجية البريطاني أثناء وجود ثروت في لندن بصحبة الملك فؤاد، حيث قدَّم تشامبرلين مشروعًا أعاد فيه جوهر ما سبق أن قدَّمه كيرزون وملنر من مشروعات، وقد رفض مجلس الوزراء هذا المشروع، فقدَّم ثروت استقالته[22].

5- مفاوضات محمد محمود وهندرسون

ثم قدَّم هندرسون وزير خارجية بريطانيا في الحكومة العمَّالية الثانية التي تشكَّلت برئاسة ماكدونالد أيضًا، مشروعًا في 1929 وعرضه على رئيس الوزراء آنذاك محمد محمود باشا، وقد وُصف بأنه أقل قيودًا من مشروع تشامبرلين، لكنَّه أكَّد أيضًا على بقاء القوات البريطانية وبقاء السودان منفصلًا عن مصر، مما يهدم فكرة الاستقلال الوطني، وقد تجاوب مع هذا المشروع محمد محمود بشكلٍ كبير، وحدث تناغم في المقترحات والردود من الجانبين حتى اكتمل المشروع، وكان الدستور معطَّلًا وكذلك الحياة النيابية، فرفض الوفد مناقشة المشروع قبل عودة الحياة الدستورية، وأصرَّ على استقالة حكومة محمد محمود حتى لا تنظِّم الانتخابات، وضغط في هذا السبيل، حتى وافقت بريطانيا على شروط الوفد، فسقطت وزارة محمد محمود ولم يتمَّ مشروع مفاوضاته مع هندرسون[23].

6- مفاوضات النحاس وهندرسون

وفي 1930 قرر مجلسا الشيوخ والنواب تفويض وزارة مصطفى النحاس بالتفاوض مع الحكومة البريطانية، فتألَّف وفد رسمي برئاسة النحاس باشا وسافر إلى لندن للتفاوض مع هندرسون في مارس، وفيه بدأت المفاوضات قبل أن تُقطع في 8 مايو بسبب خلاف على مسألة السودان[24].

7- معاهدة 1936

وفي 1936 عقب وفاة الملك فؤاد وارتقاء فاروق عرش مصر (عبر مجلس وصاية لصغر سنه حتى أتمَّ 18 عامًا في 1937) انعقدت مفاوضات بين مصر وبريطانيا، بعد طلب الوفد إجراء مفاوضات مع الجانب البريطاني بشأن التحفُّظات الأربعة المتعلِّقة ببقاء القوات البريطانية تأمينًا لطرق مواصلاتها، وحق بريطانيا في الدفاع عن مصر، وبقاء الامتيازات الأجنبية، ومسألة السودان. وقد تداعت الشخصيات والقوى السياسية لإعادة العمل بدستور 1923 بدلا من دستور 1930، واشترطت بريطانيا أن تكون المفاوضة مع هيئة تمثِّل جميع الأحزاب حتى تضمن موافقتهم، وبالفعل شاركت جميع الأحزاب عدا “الحزب الوطني” اتساقًا مع مبدئه في أنه «لا مفاوضة إلا بعد الجلاء»، ولأن أساس المفاوضة كان مشروع سنة 1930 الذي فشلت المفاوضات بشأنه.
تشكَّلت هيئة المفاوضات المصرية من: مصطفى النحاس رئيسًا وعضوية محمد محمود وإسماعيل صدقي وعبد الفتاح يحيى وواصف بطرس غالي ومكرم عبيد وعلي الشمسي ومحمد حلمي عيسى ومحمود فهمي النقراشي وعثمان محرم وأحمد حمدي سيف النصر، وبدأت المفاوضات في قصر الزعفران في 2 مارس وانتهت بوضع معاهدة 26 أغسطس 1936 في لندن.
وقد نصَّت هذه المعاهدة على تحديد القوات البريطانية بعشرة آلاف جندي و400 طيار وما يلزم من موظفين إداريِّين وفنِّيِّين في وقت السلم، ولبريطانيا الحق في زيادة هذه القوات في وقت الحرب، وتنتقل هذه القوات إلى منطقة شرق قناة السويس والإسماعيلية وجنوب وشرق مديرية الشرقية، وذلك بعد بناء الجانب المصري للثكنات اللازمة لهذه القوات وإصلاح الطرق الموصلة لها وإنشاء المطارات والمواني اللازمة، وأن تقدِّم مصر في حالة الحرب التسهيلات والمساعدات اللازمة لبريطانيا، وتمَّ تأقيت المعاهدة بعشرين عامًا يبحث الطرفان بعدها إذا كان وجود القوات البريطانية لم يعُدْ ضروريًّا، كما نصَّت على حق مصر في المطالبة بإلغاء الامتيازات الأجنبية، وإلغاء جميع الاتفاقيات و الوثائق المنافية لأحكام هذه المعاهدة ومنها تصريح 28 فبراير بتحفظاته الأربعة، وحرية مصر في عقد المعاهدات السياسية مع الدول الأجنبية بشرط ألا تتعارض مع أحكام هذه المعاهدة، وتبادل السفراء مع بريطانيا، وبقاء الجنود البريطانيِّين في السودان بلا قيد أو شرط، وإدارة السودان وفقًا لأحكام اتفاقيَّة 1899 مع الاحتفاظ بحرية تعديلها مستقبلا. وتنفيذًا للمعاهدة قدَّمت مصر طلبًا بالانضمام لجمعية الأمم، ووافقت الجمعية العمومية على قبول مصر بإجماع الآراء[25].
وبذلك تبدو هذه المعاهدة أفضل قليلا من المشاريع السابقة، فيما يتعلَّق بمصر، وأسوأ فيما يتعلَّق بالسودان، حيث أقرَّ الجانب المصريُّ لأول مرة باتفاقية 1899، أي التسليم بتحكُّم بريطانيا بها، وهو أمر وإن كان واقعًا فعلا آنذاك، فإنه لم يكن محلَّ اعتراف أو تسليم مصري.

8- مفاوضات إسماعيل صدقي وبيفن

في 20 ديسمبر 1945 سلَّم سفير مصر في لندن (عبد الفتاح عمرو) إلى وزارة الخارجية البريطانية مذكرةً من حكومة النقراشي باشا طلبت فيها الدخول في مفاوضات بين الدولتين لإعادة النظر في معاهدة 1936، وفي 26 يناير 1946 ردَّت الحكومة البريطانية على هذا الطلب بمذكرة أعلنت فيها أن المبادئ الأساسية التي قامت عليها معاهدة 1936 سليمة في جوهرها، وأن سياسة الحكومة البريطانية هي أن تدعم بروحٍ من الصراحة والودِّ التعاونَ الوثيق الذي حقَّقته مصر ومجموعة الأمم البريطانية والإمبراطورية في أثناء الحرب العالمية الثانية، وأبدت استعدادها لإعادة النظر مع الحكومة المصرية في أحكام المعاهدة على ضوء تجاربهما المشتركة..، وحين تبيَّن للرأي العام سوء نية الإنجليز نحو مصر وإصرارهم على إبقاء قواعد معاهدة 1936 كأساس للعلاقة بين البلدين؛ اندلعت مظاهرات عمَّت أرجاء البلاد، ومنها مظاهرة الطلبة الشهيرة في 9 فبراير 1946 التي خرجت من الجامعة واتَّجهت نحو كوبري عباس قاصدةً قصر عابدين، فواجهتها قوات البوليس وأصيب حوالي 84 طالبًا، وقد استقالت وزارة النقراشي في 15 فبراير 1946 على إثر هذه الاحتجاجات التي عمَّت البلاد، وتشكَّلت وزارة جديدة برئاسة إسماعيل صدقي، وهي التي تولَّت أمر المفاوضات الجديدة مع بريطانيا.
تشكَّل وفد للمفاوضات برئاسة صدقي وضمَّ أعضاء من عددٍ من الشخصيات البارزة والأحزاب الأخرى باستثناء الوفد الذي رفض المشاركة تمسُّكًا برئاسة الوفد وطلب أن تكون أغلبية وفد المفاوضات من نصيبه، والحزب الوطني تمسُّكًا بسياسته «لا مفاوضة إلا بعد الجلاء»، وبالرغم من إصرار الجانب البريطاني على الإبقاء على قاعدة عسكرية في منطقة قناة السويس في وقت السلم والحرب في شكل دفاعٍ مشترك، ممَّا ينفي فكرة الاستقلال إلا أن المفاوضات ظلَّت مستمرة من دون جدوى، حتى إذا وصلت الأمور لطريقٍ مسدود، تقدَّم إسماعيل صدقي باستقالته في 28 سبتمبر 1946 وعُهد إلى شريف صبري بتشكيل وزارة قومية توحِّد صفوف الأحزاب، لكنه لم ينجح فكلَّف الملك فاروق إسماعيل صدقي بالاستمرار في رئاسته للحكومة، فقرَّر السفر إلى بريطانيا بعد تعثُّر المفاوضات في مصر، وذهب ليُقابل المستر بيفن وزير خارجية بريطانيا، وأجرى معه مفاوضات انتهت إلى توقيع معاهدة تضمَّنت: إلغاء معاهدة 1936، ومعاونة مصر لبريطانيا إذا ما اشتبكت في حرب كنتيجة لوقوع اعتداءٍ مسلَّح على البلاد المتاخمة لمصر، وتشكيل لجنة دفاعٍ مشتركة من السلطات الحربية لدى الحكومتين، وأن يتعهَّد الطرفان بعدم عقد محالفة أو الاندماج في حلف قائم تكون أغراضهما مضادة لمصالح أحدهما، وتأقيت مدة هذه المعاهدة بعشرين عامًا، وبالنسبة للسودان اتَّفق الطرفان على أن السياسة التي يتعهَّدان باتِّباعها في نطاق الوحدة بين مصر والسودان تحت تاج مشترك هو تاج مصر سيكون هدفها الأساسي رفاهية السودانيِّين وتقدُّم مصالحهم وتهيئتهم للحكم القانوني ومزاولة ما يترتَّب عليه من حق اختيار نظام الحكم في السودان مستقبلا، وانتظارًا لتحقيق هذا الهدف يُحتفظ بمعاهدة 1899 وتبقى المادة 11 من معاهدة 1936 وملحقاتها نافذة المفعول، وتمَّ تحديد موعدٍ لجلاء القوات البريطانية في أول سبتمبر 1949. وتمَّ التوقيع بالحروف الأولى على هذه المعاهدة بين الجانبين.
وبعد عودة إسماعيل صدقي وعرض مشروع المعاهدة على وفد المفاوضات الرسمي، قرَّر سبعة من الوفد الرسمي، وأصدروا بذلك بيانًا إلى الرأي العام في 25 نوفمبر 1949 مذيَّلًا بتوقيعاتهم، وهم: على ماهر، شريف صبري، عبد الفتاح يحيى، حسين سري، علي الشمسي، أحمد لطفي السيد، مكرم عبيد. وانصبَّ اعتراضهم الأساسي على نصِّ المعاهدة على معاونة مصر لبريطانيا عند وقوع اعتداءٍ مسلح لأن العبارات التي جاءت بها مطَّاطة تحتمل تأويلات متباينة، ويجر البلاد إلى الاشتراك في اتِّخاذ تدابير غير محدَّدة، وقد يكون منها تعكير صفو العلاقة بين مصر ودولة أخرى أو تسليم مرافق مصر أو بعضها إلى السلطات العسكرية البريطانية، ممَّا يؤدِّي إلى اتِّخاذ مصر قاعدةً لأعمالٍ حربيَّة، وأن تقدير أمد الجلاء بثلاث سنوات فهو تقدير مبالَغ فيه، وأن الجلاء مستطاع في أقل من هذا الأجل بكثير، خاصة أن العلمليات الحربية قد توقَّفت توقُّفًا تامًّا منذ أكثر من سنة، وأن النص الخاص بالسودان بالرغم من إقراره للوحدة في مطلعه إلا أنه جرَّد الوحدة من كل خصائصها في الفقرات التالية له مع الاحتفاظ بالحالة الراهنة في السودان دون وعد بإجراء أية مفاوضات لتعديلها، كما أن النص على تخويل السودان حق اختيار نظامه المستقبل يمهِّد السبيل لفصل السودان عن مصر.
وقد كان ردُّ إسماعيل صدقي على هذا البيان الذي أصدره سبعة من أعضاء وفد المفاوضات، أن استصدر مرسومًا في 26 نوفمبر بحلِّ الوفد الرسمي للمفاوضة.
وكان صدقي حين عاد من لندن قد صرَّح بأنه نجح في مهمَّته التي وعد بها وهي أن الوحدة بين مصر والسودان تحت التاج المصري قد تقرَّرت بصفة نهائية. فقامت مظاهرات عنيفة في الخرطوم من جانب الانفصاليِّين، واعتدوا فيها على أنصار الوحدة، وصرح كليمنت أتلي رئيس الوزارة البريطانية في مجلس العموم بتصريحٍ مضادٍّ قرَّر فيه أن الحكومة البريطانية لا تفكر في إدخال أي تغيير على وضع السودان، ووصف تصريحات صدقي بأنها مغرضة ومضلِّلة، وأن ما جرى لا يعدو أن يكون محادثات تمهيدية، وأن الطرفين لم يتفاوضا على شيءٍ بصفةٍ نهائيَّة. وبعد فشله في المفاوضات واختلافه مع الإنجليز؛ قدَّم صدقي استقالته في 8 ديسمبر 1946[26].

9- عرض قضية مصر على مجلس الأمن

بعد ذلك شكَّل محمود فهمي النقراشي حكومة جديدة واستأنف المفاوضات مع السفير البريطاني في مصر السير رونالد كامبل؛ فلقي إصرارًا من الحكومة البريطانية على موقفها، فقرَّر مجلس الوزراء في 25 يناير 1947 عرض قضية البلاد على مجلس الأمن، وتألَّف وفد برئاسة النقراشي وعضوية عبد الرزاق السنهوري وزير المعارف، وممدوح رياض وزير التجارة والصناعة، وعبد المجيد صالح وزير الأشغال، وأحمد رمزي عضو مجلس الشيوخ، ومحمود حسن سفير مصر في واشنطن، ومحمود فوزي وزير مصر المفوَّض لدى هيئة الأمم المتحدة، وقد قرر الوفد المصري أن مصر تقع تحت احتلال غير مشروع من جانب بريطانيا منذ 1882، وأبدى رفضه لاتفاقية 1899 فيما يتعلَّق بالسودان، وكذلك معاهدة 1936، إلا أن المجلس تجاهل في النهاية مطالب مصر أمامه ولم يتوفَّر العدد الكافي لأي اقتراح تم طرحه بشأن هذا النزاع[27].

10- مفاوضات حكومة الوفد الأخيرة

تمَّ الإعلان رسميًّا عن قيام إسرائيل في 1948 بعد حربٍ جرت بين عصاباتها والقوات العربية، وبذلك أصبحت إسرائيل خنجرًا غُرز في هذه المنطقة ليقوم بدور محوري يحدِّد مستقبلها.
وحين عاد الوفد إلى الحكومة بزعامة مصطفى النحاس بعد فوزه بالانتخابات، وتكليف النحاس بتشكيل حكومته الوفدية، عادت المفاوضات بين الجانبين المصري والبريطاني، بشكلٍ سريٍّ في البداية حول بعض الترتيبات العسكرية في القناة، ثم تناولت المحادثات بقيادة محمد صلاح الدين وزير الخارجية القضايا الأخرى، وأهمها الجلاء ووحدة وادي النيل، لكن الوفد هذه المرة بدا أكثر تشدُّدًا عمَّا كان عليه في 1936، وحاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تقوم بدور الحكم والوسيط في هذه المحادثات وكذلك بعض الأطراف العربية الأخرى مثل العراق والسعودية، إلا أن تشدُّد الجانب المصري حال دون الوصول إلى اتفاق، رغم تلويحه بورقة العيش في سلام مع إسرائيل، لكن ترتيبات القوى الاستعمارية بشأن إسرائيل ودورها كان أكبر ممَّا قدَّمه المفاوض المصري، وكان هدف الدول الاستعمارية إشراك إسرائيل في أحلاف وتفاهمات مع مصر ودول المنطقة، الأمر الذي رفضه الوفد، وتفاقمت حدَّة الخلاف وتوتَّرت الأجواء، ووصلت المفاوضات إلى طريقٍ مسدود، ممَّا حدا بالنحاس أن يعلن إلغاء معاهدة 1936 التي سبق وأن وقَّعها هو، وقال كلمته الشهيرة: «من أجل مصر وقَّعت المعاهدة، ومن أجل مصر أُعلن إلغاءها»، وذلك في 8 أكتوبر 1951[28].

خاتمة

يبدو من العرض السابق أن مسار المفاوضات بشأن الاستقلال يمكن رسمه على شكل خطٍّ هابط من تشدُّد سعد زغلول إلى تهاون إسماعيل صدقي ثم يرتفع قليلا في محادثات حكومة الوفد الأخيرة.
كما يبدو للمتتبِّع لهذا المسار أن الوحدة الوطنبية بين مكونات الشعب المختلفة وقواه السياسية وتنظيماته المتنوعة تضمن قوة كُبرى للمفاوض المعبِّر عن نبض الشعب وآماله والساعي لتحقيق طموحاته وأحلامه، فقد كان جليًّا مدى ما تمتَّع به سعد زغلول من قوة في مفاوضاته نظرًا لشعبيَّته الجارفة بين أبناء الشعب الذين رأوا فيه زعيمًا وطنيًّا جديرًا بالالتفاف حوله ومنح التأييد له، فتحقق من آثار مفاوضاته مع المحتل البريطاني بشكل غير مباشر تصريح 28 فبراير 1922 الذي قدَّمت بريطانيا من خلاله تنازلات للحركة الوطنية سمحت بصدور دستور 1923 وإجراء انتخابات نيابية حرة، وتشكيل أول حكومة منتخبة، وذلك دون أن يقدِّم سعد زغلول أيَّ تنازل، بل ظل رافضًا لهذا التصريح كما سبقت الإشارة. وإن إدراك سعد زغلول للمغزى التاريخي لوقفته أمام أقوى دول الأرض على حدِّ تعبيره، وقد كانت بريطانيا كذلك في ذلك الحين، وإدراكه أنه قويٌّ جدًّا بالحق والعدل، هذا الإدراك هو ممَّا استحقَّ به سعد أن يكون زعيمًا لشعب وقائدًا لثورة، وما كان ليتبوَّأ مكان الزعامة لولا فهمه لمكامن القوة في شعبه وقدرته على التعبير عنها، وبهذا النظر ارتفعت هامته السياسية لتطلَّ علينا إلى اليوم بعبرة الدرس وحكمته[29].
في حين أن تفرُّق الأمة وخاصة نخبتها السياسية فإن ذلك ممَّا يُضعف موقف المفاوض، وقد كان جليًّا ما حدث من آثار التنافر الذي وقع بين إسماعيل صدقي وعدد من أعضاء وفد المفاوضات الذي كان يرأسه، وكذلك عند عرض قضية مصر على مجلس الأمن حيث أرسل الوفد برئاسة النحاس رسالة إلى مجلس الأمن يخطره فيها أن الحكومة المصرية التي رفعت الدعوى أمامه لا تمثِّل على أيِّ وجه شعب وادي النيل الذي تؤيِّد أغلبيَّته الساحقة الوفد المصري، وأن شكواها إلى مجلس الأمن لا يمكن أن تكون لها قيمة الوثيقة القومية المعبِّرة عن مطالب الشعب[30].
كان لمصر نصيب متجدِّد في بلائها من نخبتها، سواء من حيث الفرقة ووقوع الخلاف والشقاق بينها، أو من حيث التعالي عليها والاستبداد بشؤونها وإهمال آمالها وطموحاتها، وقد كان لهذا أثره على المفاوضات التي فشلت أكثر من مرة بسبب تيقُّن بريطانيا من عدم جدوى الاستمرار فيها ما دام الطرف المفاوض لا يعبر عن أغلبية شعبه، وحدث أكثر من مرة أن قُطعت المفاوضات بسبب إعلان الوفد صاحب الشعبية الحقيقية رفضه لعددٍ من تلك المفاوضات.
يقع قدرٌ كبير من فشل المفاوضات بشأن السودان إلى القوى السياسية المصرية التي أصرَّت على وحدة وادي النيل في مطالبها من بريطانيا دون أن يكون لهذا المطلب أثرٌ في تكويناتها الهيكلية، وهذا أمر عام في جميع الأحزاب تقريبًا، فلم يوجد بها أي قيادة من السودان، وبدا الأمر محاولة من المفاوض المصري للإبقاء على تبعيَّة السودان لمصر، وليس إبقاءً على وحدة تجمع بين أهل مصر والسودان على قدرٍ من المساواة والعدالة.
يمكن استنتاج أن الوفد عاد في النهاية بعد تجربة التنازل في مفاوضات 1930 و1936 إلى منهج سعد زغلول مرة أخرى، حيث قام بإلغاء معاهدة 1936 فعادت له شعبيَّته الجارفة، وكانت بريطانيا في موقف الساعي لعدم إلغاء المعاهدة، خشية من آثار هذا الإلغاء على وضعها وخططها في المنطقة.

*****

الهوامش:

(*) باحث بمركز الحضارة للدراسات والبحوث.
[1] انظر في ذلك: تعريف ومعنى كلمة “استقلال” على موقع قاموس المعاني، تاريخ الاطلاع: 22 فبراير 2019، متاح عبر الرابط التالي:
http://bit.ly/2SmSkXQ
[2] طارق البشري، منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، (القاهرة: دار الشروق، 2005)، ص ص 38-40 باختصار.
[3] المرجع السابق، ص 108.
[4] انظر مذكرة أمين الرافعي في: عبد الرحمن الرافعي، ثورة 1919، (القاهرة: دار المعارف، ط 4، 1987)، ص ص 126-148.
[5] طارق البشري، سعد زغلول يفاوض الاستعمار.. دراسة في المفاوضات المصرية البريطانية 1920 – 1924، (القاهرة: دار الشروق، ط 1، 2012)، ص 63.
[6] المرجع السابق، ص ص 13-14.
[7] عبد الرحمن الرافعي، ثورة 1919، مرجع سابق، ص ص 464-465.
[8] عبد الرحمن الرافعي، ثورة 1919، مرجع سابق، ص 480.
[9] المرجع السابق، ص 548.
[10] طارق البشري، سعد زغلول يفاوض الاستعمار، مرجع سابق، ص 22.
[11] المرجع السابق، ص 23.
[12] المرجع السابق، ص ص 24-25.
[13] عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية.. ثورة 1919، (القاهرة: دار المعارف، ط 4، 1987)، ج 1، ص ص 35-38.
[14] طارق البشري، سعد زغلول يفاوض الاستعمار، مرجع سابق، ص 21.
[15] المرجع السابق، ص ص 64-65.
[16] المرجع السابق، ص ص 65-66.
[17] المرجع السابق، ص 129.
[18] المرجع السابق، ص ص 141-145.
[19] المرجع السابق، ص ص 149-151.
[20] المرجع السابق، ص ص 151-154.
[21] المرجع السابق، ص 161.
[22] عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية.. ثورة 1919، (القاهرة: دار المعارف، ط 3، 1988)، ج 2، ص ص 26-34.
[23] المرجع السابق، ص ص 98-110.
[24] المرجع السابق، ص ص 119-124.
[25] للمزيد انظر الآتي:
– معاهدة 1936، موقع الملك فاروق، تاريخ الاطلاع: 19 مارس 2019، متاح عبر الرابط التالي: http://cutt.us/f9pQX
– عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية.. ثورة 1919، (القاهرة: دار المعارف، ط 2، 1989)، ج 3، ص ص 24-42.
– محمد شفيق غربال، تاريخ المفاوضات المصرية البريطانية، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1952)، ج 1، ص 322.
[26] للمزيد انظر الآتي:
– عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية، مرجع سابق، ج 3، ص ص 186-211، 219-220، 222.
– صفاء شاكر، إسماعيل صدقي.. الواقعية السياسية في مواجهة الحركة الوطنية، (القاهرة: دار الشروق، ط 2، 2008)، ص 61 وما بعدها.
– إسماعيل صدقي، مذكراتي، (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2014)، نسخة إلكترونية، ص 221.
[27] عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة المصرية، مرجع سابق، ج 3، ص ص 228-231.
[28] نجوى إسماعيل، حكومة الوفد الأخيرة.. 1950-1952، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة تاريخ المصريين 299،2015)، ص ص 127-168.
[29] طارق البشري، سعد زغلول يفاوض الاستعمار، مرجع سابق، ص ص 25-26.
[30] عبد الرحمن الرافعي، في أعقاب الثورة، مرجع سابق، ج 3، ص 240

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق