تقارير ودراساتسلايدر

الصراع الإسلامي العلماني بعد ثورة 1919: دروس التاريخ للواقع

مقدمة

أثبت إخفاق المصريِّين في الحفاظ على مكتسبات ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 بعد وقوعهم في فخِّ الاستقطاب الأيديولوجي الإسلامي-العلماني الذي شغل المجال العام في مرحلة ما بعد الثورة، محوريَّةَ قضية الصراع الإسلامي-العلماني وأولوية التفكير الجاد بشأن تجاوزها أو وضع حدٍّ لها بالنسبة لمستقبل التغيير في مصر.
حيث وصل هذا الاستقطاب في مرحلة ما بعد يناير 2011 إلى حدِّ تفضيل كلٍّ من طرفي الاستقطاب للوقوف صفًّا واحدًا مع قوى الثورة المضادَّة في مواجهة الطرف الآخر، إذ كانت تُمنِّي هذه القوى أنفسها بدعم قوى الدولة العميقة لمشروعها على حساب المشروع المضاد، بينما فوجئ الجميع في نهاية الأمر بانقضاض هذه الدولة بسياساتها الاستبدادية على كافَّة مكتسبات الثورة مُعيدة إنتاج النمط ذاته من الحكم الاستبدادي الهجين الذي لا يحمل مشروعًا سوى مشروع الفساد والاستبداد بأقرب الطرق التي تُمكنه من ذلك، دينية كانت أو علمانية.
لا تدَّعي هذه الورقة بالطبع تقديم أطروحة متكاملة لتجاوز هذا الصراع، وإنما هي مجرد محاولة لإعادة قراءة تاريخ هذا الصراع وتداعياته على المجتمع والدولة في مصر، خاصة في بداياته الأولى بعد ثورة 1919 التي يتم بها التأريخ لنشوء الدولة القومية المصرية المُستقلة -ولو شكليًّا- عن أيِّ كيان خارجي، خاصَّة بعد السقوط الكامل للخلافة العثمانية.
وثمة تجليات كثيرة للصراع الإسلامي العلماني يشهدها المجتمع المصري على المستويات المختلفة الفكرية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وستقتصر هذه الورقة على أحد التجليات السياسية لهذا الصراع والمتعلقة بفلسفة الحكم ونظام الدولة، فقد كانت أهم مكتسبات ثورة 1919 الاعتراف بدولة مصرية مستقلة ذات سيادة، ووضع أول دستور للمملكة المصرية عام 1923، وذلك في وقت تفكَّكت فيه السلطة الإسلامية التاريخية في تركيا ووقعت فيه مختلف بلدان العالم الإسلامي تحت الاستعمار، بينما تشكَّلت في مصر بوضوح جراء ثورة 1919 معالم “القومية المصرية” كجماعة مُتخيَّلة لها دولتها الحديثة المُكوَّنة من شعب وأرض وحكومة.
إذًا فقد نتج موقف الصراع الإسلامي-العلماني عن واقع جديد يُفيد بسقوط “دولة المسلمين” التي تمثِّل الأمة الإسلامية جمعاء، وتمتد بصورة إمبراطورية لتحكم شعوبًا كثيرة مختلفة الأعراق والديانات، لتُعَبِّر عن سيادة المسلمين ودولتهم على هذه الشعوب، وظهور دولة جديدة في مصر هي “دولة المصريِّين” والتي ليس المنوط بها -وفقًا للتصورات العلمانية الحديثة- تمثيل المسلمين وسيادتهم أو الدعوة للإسلام ونشره، ولكن منوط بها فقط تمثيل سيادة الشعب المصري بمختلف تكويناته الدينية والتعبير عن مصالحه القومية.
يُركز هذا المقال على معالم الصراع بين النُّخب الإسلامية والنُّخب العلمانية على شكل هذه الدولة المصرية الحديثة وفلسفة الحكم فيها، إذ أرادت النخبة العلمانية استكمال الصورة الحداثية للدولة، بينما عملت النخب الإسلامية على استعادة نمط الحكم الإسلامي القديم أو على الأقل أسلمة هذه الدولة القومية كخطوة أولى في سبيل استعادة الدولة المُوحدة للأمة الإسلامية، ويسعى للكشف عن تداعيات هذا الصراع على مسيرة النهوض بالوطن سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وما إذا كان ثمة طريق آخر لتجاوز هذه الصراعات على الصعيد السياسي أوحصرها في الدائرة الثقافية حفاظًا على النظام الديمقراطي الوليد.

أولًا- تحولات دين الدولة: من الدولة الدينية إلى الدولة القومية

تميَّزت أنماط الحكم في عصور ما قبل الحداثة بشكل عام بدور محوري للدين أو المذهب في تشكيل الدول والممالك، حيث كانت تُعبر هذه الدول عن سلطة ونفوذ دين أو مذهب عقائدي مُعَيَّن، وكانت هذه السلطات تعتبر نفسها مسؤولة عن التبشير بهذا الدين ونشر دعوته في العالم، وبناءً على ذلك مثَّلت هذه الأديان الأطر المرجعيَّة الحاكمة لأنماط السلوك السياسي والاجتماعي في إطار هذه الدول، كما مثَّل أتباع هذه الديانات العناصر الأصلية الحاكمة فيها، فيما وُجدت صيغ سياسية أخرى للتعامل مع الرعايا من أتباع الديانات الأخرى(1)، فبينما عرفت الممالك الأوروبية تطرُّفًا شديدًا في التعامل مع أتباع المذاهب المسيحية غير الحاكمة في تلك الممالك وصل إلى حدِّ التطهير الكامل وعدم السماح ببقائهم فيها ما لم يعتنقوا مذهب الدولة، اعتمدت الدول الإسلامية أسلوب “عقد الذمَّة” مع أتباع الديانات الأخرى، والذي تمَّ بمقتضاه تأمينهم وحمايتهم وإبقاؤهم على ما هم عليه من أديان نظير دفعهم للجزية وخضوعهم لسلطان المسلمين(2).
إذًا فمفهوم الدولة “الدينية” الذي نستخدمه في هذا المقال لا نقصد به تلك الدولة الثيوقراطية التي تتحكَّم فيها المؤسَّسات الدينية الكهنوتية وحسب، ولكن نقصد بها ذلك النمط -ما قبل الحداثي- من الحكم، والذي يقوم على حكم جماعة دينية معينة ويعبِّر عن نفوذ دينها وانتشاره، وهو نمط يختلف عن حكم الجماعة “القومية” السائد في العصر الحديث.
فالدولة القومية الحديثة هي ذلك النمط الجديد من الحكم -الذي ظهر في أوروبا في عصر النهضة وانتقل منها إلى العالم أجمع- وهي عبارة عن مجموعة من المؤسَّسات البيروقراطية والعسكرية والأمنية الضخمة، التي تتمتَّع بالسيادة الكاملة على مساحة جغرافية محدَّدة بدقَّة إمَّا تبعًا لحدودها الجغرافية الطبيعية أو تبعًا للاتفاقيات الدولية التي تعكس توازنات القوى على المستويين الإقليمي والعالمي، ويعيش على هذه المساحة الجغرافية “شعب” له ملامح قومية واضحة سواء كانت حقيقية أم مصطنعة، وتُمثِّل هذه الملامح القومية “المُتخيَّلة” الرمز الجامع لزمام هذه الدولة(3)، وهذا من أهم ملامح التمايز بين الدولتين “الدينية” و”القومية”، حيث تدور الأولى حول الدين أو المذهب العقائدي بينما تنطلق الثانية من “الانتماء القومي”.
ارتبط هذا التحول في فلسفة الحكم وشكل الدولة في أوربا بملمحين رئيسيَّين: أولهما تهميش الدين ورجاله ومؤسساته في عمليات صنع السياسات على المستوييْن الداخلي والخارجي والاتجاه نحو الفصل بين الدين الذي تمَّ اعتباره شأنًا فرديًّا، وبين نظم الحكم وسياسات الدول القومية العلمانية الحديثة، وثانيهما التفوُّق الاقتصادي والسياسي والعسكري الكبير للوحدات القومية الجديدة الناشئة في أوروبا نتيجة التطوُّرات التي شهدها عصر النهضة وعلى رأسها حركة الكشوف الجغرافية واكتشاف الطباعة(4).
فقد نشأت الدول القومية في أوروبا وترعرت في ظل ذلك حالة من الثبات والجمود والتخلف عانى منها العالم الإسلامي حتى فاجأته أوروبا المتطورة تكنولوجيًّا وعلميًّا بغزواتها وتحركاتها الاستعمارية الهادفة لبسط هيمنتها على بلدان العالم الإسلامي وسلب ثرواته ومقدَّراته، فشهدت البلدان الإسلامية التي مثَّلت خطوط المواجهة مع المستعمر الغربي -وعلى رأسها مصر وتركيا- حركًة إصلاحيًّة متعجِّلة نشأت تحت تهديد الاستعمار الغربي(5)، كان هدفها الرئيس هو التطوير السريع للبنية العسكرية والاقتصادية للبلاد من أجل بناء قوة حديثة قادرة على مواجهة تهديدات الاستعمار الأوروبي، وأغفلت هذه الحركة التجديد الفكري والفقهي مكتفيةً بتطوير الجيش على النمط الأوروبي الحديث، وإرسال بعثات تعليمية لتعلُّم علوم الصنائع والتكنولوجيا والهندسة التي عرفتها أوروبا، وتمَّت هذه العملية بقيادة الطبقة الحاكمة ممثَّلة في محمد علي في مصر -الذي أنشأ الدولة المصرية الحديثة- والسلطان سليم الثالث ثم محمود الثاني في تركيا(6).
أسفرت هذه العملية عن إيجاد هياكل ومؤسسات جديدة تستلهم الخبرة النهضوية الأوروبية خاصة فيما يتعلق بالجوانب العسكرية والتقنية، فتمَّ بناء الجيش المصري الحديث الذي يعتمد التقاليد العسكرية الأوروبية ويتولَّى تدريبه قادة أوروبيون، كما قام بعملية تحديث اقتصادي من خلال بناء المصانع الحديثة بهدف تغيير نمط الإنتاج وعدم الاكتفاء بالإنتاج الزراعي والتحوُّل إلى الإنتاج الصناعي وخاصة العسكري(7)، كما قام ببناء مدارس حديثة تهدف لتعليم الطلاب علوم الصنائع الحديثة، تاركًا التعليم الأزهري التقليدي على حاله من القِدَم دون تجديد أو إصلاح، وذلك تحت ضغط التهديد الاستعماري الغربي الذي لم يترك فرصةً للتفكير في الإصلاح والتجديد الفكري والديني.
ولم يكن محمد علي في مساعيه تلك هادفًا إلى تغيير فلسفة الحكم واستلهام فلسفة الدولة القومية الحديثة في إصلاحاته السياسية والاقتصادية في مصر، وإنما أراد من ذلك تجديد القوة العثمانية وإنشاء قوة عسكرية واقتصادية يستطيع بها السيطرة على مقاليد الحكم في الدولة العثمانية، وهو ما تدل عليه محاولاته المتكررة للسيطرة على إسطنبول وتولِّي الإدارة الفعلية للدولة العثمانية، ما يعني أن فكرة إنشاء دولة قومية علمانية “مصرية” ذات سيادة مستقلَّة عن محيطها العربي والإسلامي لم تكن واردة في ذهن محمد علي(8).
ومع ذلك فقد أسفر مشروع محمد علي فعليًّا عن استحالة “العلمنة” إلى واقع اجتماعي راسخ في المجتمع المصري، ففشله في السيطرة الكاملة على الدولة العثمانية وانفصاله الفعلي بالقطر المصري عنها كان بذرة نشوء الدولة القومية في مصر، وكان ذلك قبل تشكُّل “القومية المصرية” كوحدة انتماء سياسي مستقلَّة بذاتها، كما أن المعاهد الحديثة التي بدأ في إنشائها بغرض ملاحقة التطوُّر التقني في الغرب تحوَّلت في عهد أسلافه إلى محاضن لتكوين نخبٍ سياسيَّة “علمانية” حديثة بعد دراستها للعلوم والمعارف الاجتماعية والإنسانية الغربية في هذه المعاهد(9).

ثانيًا- ثورة 1919 وتشكُّل القومية المصرية ودولتها العلمانية

ظلَّت مصر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عبارة عن “ولاية” عثمانية ولو شكليًّا فقط، فلم يكن ثمة وجود رسمي لدولة مصرية ذات سيادة على الصعيد الدولي، وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى والسقوط الكامل للدولة العثمانية أقرَّت بريطانيا مشروعًا جديدًا للحماية البريطانية على مصر يتم بمقتضاه نقل مصر من كونها “ولاية عثمانية” إلى “مستعمرة بريطانية”، وهو المشروع الذي رفضته الحركة الوطنية المصرية التي عملت جاهدة لانتزاع الاستقلال الكامل لمصر الذي يتم بمقتضاه الاعتراف بمصر كدولة مستقلة ذات سيادة وكوحدة سياسية من وحدات النظام الدولي، وفي نضالها هذا عملت الحركة الوطنية بقيادة النخبة القانونية الحديثة على تعزيز الروح القومية المصرية وإثارتها في نفوس كافة الطبقات الاجتماعية بما فيها طبقات الفلاحين في أعماق الريف المصري، وبرزت لأول مرة بوضوح فكرة “الجماعة المصرية” كوحدة انتماء قومي متخيلة يُحارب المصريون من أجل الاعتراف الدولي بها(10).
اتَّسمت هذه الروح الوطنية الجديدة بصبغة ليبرالية تتبنَّى معايير الاحتكام العلمانية لنظم الاجتماع والسياسة، ومع ذلك فهذه “الوطنية العلمانية” الجديدة لم تكن مجرَّد امتداد للتيار العلماني التغريبي الذي بدأ كأذرع عميلة للاحتلال البريطاني، بل اتَّسمت هذه النخبة العلمانية الجديدة بالروح الوطنية الجادة في طلب الاستقلال والساعية لتبنِّي مشروعٍ نهضويٍّ وطنيٍّ يضع مصالح مصر في مقدِّمة أولويَّاته وليس مجرد أداة لتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية للمستعمر الأوربي(11)، أي أن التيار العلماني لم يعد مجرد تيار تغريبي وافد وغريب على المجتمع المصري ولكنه التحم بجزء أصيل من هذا المجتمع، وبات يتمتَّع بشبكة علاقات اجتماعية واسعة مع مختلف فئات المجتمع المصري ويتصدَّر للنضال الوطني ضد الاستعمار، وذلك بعد أن حلَّت النخبة القانونية الحديثة التي تخرَّجت من مدارس الحقوق ودرست النُّظم القانونية الوضعية محل النخبتين العسكرية والدينية اللتين سقطتا سقوطًا مدوِّيًا في الثورة العرابية(12).
نجحت هذه الثورة في انتزاع اعتراف دولي باستقلال الدولة المصرية، وصدر لأول مرة دستور للمملكة المصرية المستقلَّة الوليدة، وهو ما عُرف بدستور 1923، ذلك الدستور الذي انعكست فيه كثير من الأفكار والرؤى الليبرالية الحديثة التي تبنَّتها قيادة الحركة الوطنية، وهو الدستور الذي نص في مادته الأولى على أن: “مصر دولة ذات سيادة وهي حرَّة مستقلَّة ملكها لا يتجزَّأ ولا ينزل عن شيء منه وحكومتها ملكية وراثية وشكلها نيابي”(13)، مُعلنًا بذلك مصر كوحدة سياسية جديدة في النظام الدولي الوستفالي في عصر كان وجود مثل هذه الوحدات المستقلَّة في العالم الشرقي وفي أفريقيا أمرًا نادرًا للغاية.
ونصَّت المادة الثالثة من الدستور على أن: “المصريُّون لدى القانون سواء. وهم متساوون في التمتُّع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة.. لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين، وإليهم وحدهم يُعهد بالوظائف العامة مدنية كانت أو عسكرية ولا يولَّى الأجانب هذه الوظائف إلا في أحوال استثنائية يعينها القانون”، وبذلك يكرس هذا الدستور قواعد الدولة القومية الحديثة التي تنطلق من وحدة الانتماء القومية “القومية المصرية” ولا تُميز بين مواطنيها على أساس الدين، فالعقد الاجتماعي بين غير المسلمين وبين هذه الدولة ليس “عقد ذمَّة”، ولكنه عقد المواطنة الذي يجري على المسلمين وغيرهم ممن يحملون الجنسية المصرية.
وكذلك نصَّت المادة الثانية عشرة من الدستور على أن: “حرية الاعتقاد مطلقة”، كما تنص المادة الثالثة عشرة على أن: “تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقًا للعادات المرعية في الديار المصرية على ألا يخلَّ ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب”، وفي الحقيقة فإن النصَّ على إطلاق حرية الاعتقاد يستبطن انحيازًا علمانيًّا عميقًا يقضي بتنحية البُعد الديني والعقائدي عن تشكيل النظام السياسي وبأن العلاقات السياسية والاجتماعية في هذه الدولة تستند إلى أساس قومي علماني وليس إلى أساس ديني، ومن ثم فإن اعتناق جماعة من المواطنين لأيِّ دينٍ مهما كان لا تعتبره الدولة تهديدًا لأمنها القومي لأنها لا تستند في شرعيتها إلى جماعة دينية معينة ولكن تستند إلى القومية المصرية وحدها، ومن ثم فإنه أيضًا لا مجال للحديث عن أية عواقب سلبية على المواطن الذي يستبدل بدينه دينًا آخر، لأن هذا المجال سيتحوَّل إلى حقٍّ شخصيٍّ لا يجوز للدولة انتهاكه، وتلجأ الدولة انطلاقًا من هذه الفلسفة إلى تطبيق تشريعات علمانية حديثة تتجاوز الشرائع الدينية في الكثير من القضايا.
وتبعًا لذلك فقد غابت عن هذا الدستور أية مواد تنصُّ على مرجعية الشريعة الإسلامية أو مبادئها العليا في العملية التشريعية، أو تنص على مرجعية مؤسسة دينية ما في ملفات تشريعية بعينها سواء الأزهر فيما يتعلَّق بالتشريعات الإسلامية أو الكنيسة فيما يتعلَّق بتشريعات الأحوال الشخصية للمسيحيِّين. كما غاب عن هذا الدستور النص على قصر حرية ممارسة الشعائر لأصحاب “الديانات السماوية” دون غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، وهي النصوص التي عرفتها الدساتير المصرية لاحقًا بدءًا من دستور عام 1971، وهو ما يعكس قوَّة التوجُّه العلماني والرغبة الجادَّة في إحداث تحوُّل حقيقي في فلسفة الحكم بالدولة المصرية الوليدة في مرحلة ما بعد ثورة 1919.

ثالثًا- البحث عن سلطة الإسلام: جهود التيار المحافظ ونشأة الإسلام السياسي

على الرغم من هذه التطوُّرات الكبيرة في اتجاه علمنة نظام الحكم في مصر، فإن التحول الكامل في فلسفة الحكم لم يُكتب له التمام نظرًا لوجود ردِّ فعلٍ قويٍّ من اتجاهات إسلامية محافظة عملت على الاحتفاظ ببعض ظلال أنماط الحكم القديمة في دولة الخلافة الإسلامية، وقد أسفر بقاء هذه الظلال عن استمرار ما يمكننا تسميته بحالة “الدولة الهجين” التي لا يمكن تصنيفها كدولة قومية حداثية بشكل كامل، وفي الوقت ذاته لا يمكن تصنيفها كدولة إسلامية متكاملة الأركان، وهي الحالة التي تتسبَّب في وجود خللٍ كبيرٍ في البنية التشريعية والدستورية للدولة المصرية لا يزال مستمرًا حتى الآن.
فقد نصت المادة 153 من الدستور على أن: “ينظم القانون الطريقة التي يباشر بها الملك سلطته طبقًا للمبادئ المقرَّرة بهذا الدستور فيما يختصُّ بالمعاهد الدينية وبتعيين الرؤساء الدينيِّين وبالأوقاف التي تديرها وزارة الأوقاف وعلى العموم بالمسائل الخاصة بالأديان المسموح بها في البلاد. وإذا لم توضع أحكام تشريعية تستمر مباشرة هذه السلطات طبقًا للقواعد والعادات المعمول بها الآن…”، فهذه المادة تستبطن مبدأ أصيلًا من مبادئ نظام الحكم في دولة الخلافة الإسلامية، وهي أن الملك هو إمام المسلمين وله الرياسة في الشؤون الدينية وهو مسؤول عن حفظ الدين وحراسته، كما أن النصَّ على “الأديان المسموح بها في البلاد” يستبطن الاعتراف بأنه ثمَّة أديان غير مسموح بوجودها داخل البلاد، وهو ما يناقض النصَّ على إطلاق حرية الاعتقاد في الدستور ذاته، فضلًا عن منح هذه المادة للملك سلطة كبيرة على المؤسَّسات التعليمية الإسلامية وتعيين رؤسائها بشكل مباشر منه شخصيًّا.
كما أن التفسير القضائي لبعض موادِّ هذا الدستور التي تنصُّ على حرية الاعتقاد تسبَّبت في استمرار بعض مظاهر الحكم “الديني” في بنية القانون المصري، فالنص في المادة الثالثة عشرة على حرية ممارسة الشعائر “طبقًا للعادات المرعية” تمَّ تفسيره باستمرار اعتبار غير المسلمين في الديار المصرية كأهل ذمَّة تستوجب ممارستهم للشعائر وبنائهم لدور العبادة الخاصة بهم موافقات خاصة ومباشرة من الملك الذي هو إمام المسلمين، وذلك وفقًا لأحكام الخط الهمايوني الذي أصدرته الدولة العثمانية والذي تمَّ اعتباره من هذه العادات المرعية(14).
وحقيقة الحال أن الملك فؤاد بالفعل سعى في تلك الفترة لشغل منصب خليفة المسلمين الذي تمَّ الإعلان عن إلغائه رسميًّا في تركيا، وفي سبيل ذلك بذل جهودًا دعوية كبيرة مستعينًا بالنخبة الأزهرية التي شعرت بالتهديد الكبير جرَّاء تصاعد نفوذ النخبة العلمانية الحديثة وتزايُد تهميشها؛ فعزَّزت تحالفها مع الملك فؤاد الذي حرص على استرضائها واستقطابها إلى جانبه في مواجهة التحوُّل الليبرالي في نظام الحكم، والذي يحد من صلاحياته وسلطاته بشكل كبير.
وقد صدر بيان عن “الهيئة العلمية الدينية الإسلامية الكبرى”، التي عُقدت برئاسة شيخ الأزهر وعدد من علماء الأزهر ومشايخ الطرق الصوفية والزعماء الدينيِّين، يعبِّر ذلك البيان عن طرحهم الفكري الداعم لتنصيب الملك فؤاد كخليفة للمسلمين، ويعبِّر أيضًا عن حالة الرؤية الاجتهادية الإسلامية في ذلك التوقيت لنُظم الحكم الديمقراطية، فقد جاء في البيان أن “الخلافة هي رياسة عامة في الدنيا، والإمام نائب عن صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم في حماية الدين وتنفيذ أحكامه، وفي تدبير شؤون الخلْق الدنيويَّة على مقتضى النظر الشرعي، وأن الإمام يتولَّى الحكم بالبيعة من أهل الحل والعقد أو باستخلاف إمام قبله أو بطريق التغلُّب”، كما جاء في البيان أنه “لما كان الإمام صاحب التصرُّف التام في شؤون الرعية وجب أن تكون جميع الولايات مستمدة منه وصادرة عنه كولاية الوزراء وولاية أمراء الأقاليم وولاية القضاة وولاية نقباء الجيش وحماية الثغور”(15).
فنجد في هذه النصوص إمعانًا في تبنِّي الرؤية التقليدية للفقه السياسي الإسلامي الذي تشكَّل في ظل حقب الملك العضوض في العصور الإسلامية الوسيطة، وهو الفقه الذي كرَّس لاستبداد الحاكم الفرد بصورة كبيرة(16)، فنصَّ البيان على استمرار الاعتراف بإمامة الحاكم “المتغلب” والنص على احتكار الملك “الوارث” لكافَّة السلطات التنفيذية والقضائية -في فترة تصاعد فيها المد الليبرالي وتصاعدت المطالب بتشكيل النظام البرلماني الذي تُستمد فيه جميع السلطات من الأمة ونوابها وليس من “الإمام المتغلِّب”(17)- فكان هذا التوجُّه المعبَّر عنه في هذا البيان من أهم عوامل كشف الجمود الفقهي وقصور الرؤية السياسية لدى النخبة الدينية التقليدية في تلك المرحلة.
انتهى هذا العجز الفكري والجمود الفقهي إلى جانب واقع الهزيمة السياسية لبلدان العالم الإسلامي وتفرُّقها بعد وقوعها جميعًا تحت استعمار قوى غربية مختلفة إلى الإقرار باستحالة استعادة نظام الخلافة مجدَّدًا، وذلك في ختام مؤتمر دعا الأزهر النخب الدينية من “جميع أمم الإسلام” لحضوره في مايو عام 1926 لمناقشة مسألة عودة الخلافة، حيث عجز الحاضرون عن التوصُّل لصيغة فكرية وسياسية لتطبيقٍ معاصرٍ لنظام الخلافة الإسلامية في ضوء الاختلاف الكبير بين المقولات الفقهية المتوارَثة وأنظمة الحكم الحديثة التي تعتمد النُّظم الديمقراطية النيابية والانتماءات القومية كأساس فلسفيٍّ للحكم، فضلًا عن واقع الاحتلال الذي تعيشه الأمة الإسلامية والذي لم يكن يسمح بمثل هذا النظام مطلقًا، وقد عبَّر الشيخ الظواهري شيخ الأزهر عن هذا العجز بقوله في كلمته الختامية بالمؤتمر: “إن المسلمين تفرَّقوا في الأرض طوائف يستحيل اجتماعها، وإذا كنا أهلا لأن نبت في مسألة الخلافة فكيف نكون أهلا لأن نبت في أمر المسلمين وقد فقدوا كل حول وقوة”(18).
ولعل هذا التصريح وغيره كان بمثابة إعلان فشل جماعة العلماء التقليديين في منع التحوُّل العلماني في نظام الحكم واستعادة نمط الحكم الإسلامي مرة أخرى، الأمر الذي مهَّد لظهور جماعات الإسلام السياسي التي ستتمتَّع بنفوذٍ كبيرٍ في المجال العام على حساب النفوذ التقليدي للمؤسَّسات الدينية الرسمية.
بدأ الأمر بظهور جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، والتي مثَّلت قوةً إحيائيَّة تهدف لمواجهة التحوُّل العلماني في نظام الحكم واستعادة نظام الخلافة الإسلامية كسلطة موُحِّدة لبلدان العالم الإسلامي التي بدأت تتحوَّل بفعل الاستعمار إلى “فسيفساء دول قومية” في إطار النظام الدولي الوستفالي، واحتجَّ حسن البنا على فشل النظام الدولي الوستفالي وتداعيه بسقوط أوروبا في الحربين العالميَّتين وفشل عصبة الأمم في إحلال السلام والحفاظ على ذلك النظام، كما احتجَّ على صلاحية النظام العالمي “الإسلامي” بأنه قد تمَّ اختباره من قبل وأن التاريخ شاهد على صلاحيته داعيًا إلى استعادة تلك السلطة الإسلامية المُهيمنة التي تفرض سلامها العالمي على بلدان العالم(19)، ولذلك انتقد البنا رؤية القوى العلمانية للتحرُّر والاستقلال بحكم أن “الاستقلال عندهم غاية للوطن” فقط، بينما التحرُّر والاستقلال في رؤيته وسيلة “لإقرار الإصلاح الروحي في الأرض كلها لا في الوطن وحده”، وهو بذلك ينطلق من رؤية دينية تبشيريَّة عالميَّة لدين ودولة تختلف عن الرؤية القومية العلمانية السائدة(20).
ومثَّلت هذه الجماعة تحدِّيًا كبيرًا لنخبة العلماء التقليديِّين الذين تمَّ اتهامهم بالفشل في مواجهة المدِّ العلماني(21)، حيث عملت على القيام بأدوار جديدة للوعظ والإرشاد الروحي والفكري والتوعوي لعموم المسلمين تتَّسم بقدرٍ كبيرٍ من الحيوية والحماس في ظلِّ عملٍ تطوُّعيٍّ مندفعٍ بروحٍ شبابيَّةٍ طموحةٍ تتجاوز الوظائف الوعظيَّة التقليدية لمشايخ المؤسَّسة الدينية الرسمية الذين باتوا في التحاق وارتباط مادي متزايد بالسلطة السياسية دون إحداث تطوير يُذكر في خطابهم الديني والدعوي(22).
كما مثَّلت الجماعة تحدِّيًا سياسيًّا للتيار الليبرالي المصري الطامح لبناء دولة مصرية حديثة مندمجة في النظام الدولي الوستفالي، والذي تقتصر رؤيته الوطنيَّة على السعي للاستقلال السياسي عن الاحتلال البريطاني من خلال التفاوض في إطار قواعد النظام الدولي القائم، بينما انطلقت جماعة الإخوان من رؤية شاملة للتغيير السياسي والاقتصادي والثقافي والتشريعي تقوم على نقض أُسس الدولة القومية العلمانية الحديثة والتحوُّل التدريجي نحو “سلطة الإسلام” التي تقوم على حكم الشريعة ولا تتقيَّد بالحدود الجغرافية للدولة المصرية ولكن تلتحم مع قضايا العالم الإسلامي كلِّه وتسعى لتقديم بديل حضاري إسلامي للعالم كافَّة(23).
تمتَّعت الجماعة بنفوذ واسع في المجتمع المصري وأقبلت عليها قطاعات واسعة من أبناء المجتمع، ولعل من أهم أسباب هذا القبول المجتمعي للطرح الذي قدَّمته الجماعة الفشل الذريع للنخبة الليبرالية في إحداث إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، وانهماك الأحزاب الليبرالية في صراعات المصالح والنفوذ بين زعمائها المنتمين غالبًا لطبقة كبار الملاك(24)، إذ سيطرت على الحياة السياسية الانقلابات الدستورية والصراعات السياسية “العليا” بين الوفد وأعدائه من القصر وأحزاب الأقلية، ما تسبَّب في حالة من الإحباط العام واليأس من قدرة هذه النخبة على تحقيق طموحات ثورة 1919(25).
كما كان لتحديات التحديث المتسارع وسيطرة الجاليات الأجنبية على الحياة الاقتصادية والثقافية واندماج الطبقات العليا من المجتمع في أساليب حياتهم ومعيشتهم اليوميَّة، إلى جانب طبيعة الاقتصاد الحديث الذي يعتمد في الاستهلاك على ما يُنتج في السوق لا على ما يتم إنتاجه في المنزل، وتطور نظام التعليم وخروج المرأة من أجل التعليم والعمل ومن ثم سفورها واختلاطها بالرجال، كل هذه التغييرات الاجتماعية والاقتصادية أفْضت إلى شعور قطاعات كبيرة من أبناء المجتمع بصدمة حضارية كبيرة وعدم قدرة على التعايش في هذه الأجواء الحداثية التي تخالف الكثير من القيم الموروثة، فاتَّجهوا إلى التاريخ والتراث يلتمسون فيه الأمان والهروب من الشعور المؤلم بالغربة في الواقع المعاصر، وناصروا دعوة الإخوان التي تطالب باستعادة نظم الحياة الإسلامية في كافَّة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية(26).
إذًا فقد صعد نجم جماعة الإخوان في ظلِّ حالة من السخط العام على السياسة الحزبية والعمل البرلماني الذي سيطرت عليه الطبقات العليا دون غيرها، وهو السخط الذي فتح المجال أمام تصاعد المطالب بإلغاء هذه الحياة الحزبية وفقدان الإيمان بجدوى النظام الديمقراطي، في ظلِّ صعيد عالمي مواتٍ تمثَّل في استقرار النظام البلشفي في روسيا وصعود النُّظم الفاشية والنازية المعادية للديمقراطية الغربية في أوروبا والتي تقدِّم بدائل نهضوية ديكتاتورية، والتي استلهمت منها التنظيمات الأيديولوجية الجديدة في مصر -الإخوان ومصر الفتاة والحركة الشيوعية- جزءًا من خطابها وأفكارها مثل المطالبة بإلغاء الأحزاب السياسية(27)، فقد طالب حسن البنا بإلغاء كافَّة الأحزاب وإنشاء هيئة قومية واحدة باسم جديد تضمُّ الأحزاب جميعًا مع تنازل كلِّ حزب عن اسمه “في سبيل الله والإصلاح” على أن تضع هذه الهيئة برنامجًا للنهضة على أساس تعاليم الإسلام(28)، وليس بوسعنا إنكار ما يعكسه هذا الطرح من تصوُّر شمولي رافض للتعدُّدية السياسيَّة ومتطلِّع لبناء نظام سياسي يمتلك وحده وضع البرامج والتصوُّرات النهضويَّة، وهو تصوُّر قريب ممَّا حدث لاحقًا بالفعل في العهد الناصري!
وبشكل عام، لم يُسفر هذا الاختلاف الفكري في الفترة بين ثورة 1919 وانقلاب 1952 عن استمرار خط التفاعل الفكري والسياسي الطبيعي بين القوى السياسية والفكرية المختلفة، إذ تجنَّبت جماعةُ الإخوان الانخراطَ الكامل في الصراع السياسي الحزبي أو السعي إلى السلطة وفق قواعد النظام الليبرالي الجديد(29)، ولكن أبقت نفسها وأعضاءها بعيدًا عن هذا التفاعل السياسي الطبيعي وشغلتهم بالبناء التنظيمي المحكم للجماعة وأنشطتها الاجتماعية والتربوية وتشكيلاتها العسكرية وشبه العسكرية(30)، بينما تواصل الفشل السياسي للأحزاب الليبرالية وتواصلت الأزمات الدستورية والسياسية والاجتماعية، وأسفر ذلك عن انسداد الأفق السياسي وامتلاء الساحة السياسية في الأربعينيات بأعمال العنف والاغتيال والصدام المباشر بين القوى السياسية المختلفة في الشوارع والجامعات المصرية(31)، وكان ذلك إيذانًا بانتهاء الحقبة الليبرالية وصعود البديل العسكري الاستبدادي الذي قام على أنقاض ذلك النظام الحزبي المهترئ، والذي استبشرت به جماعة الإخوان في بداياته وأعلنت تأييدها لقرار النظام الجديد بحلِّ الأحزاب السياسية، وذلك قبل أن يطولها هي الأخرى قرار الحل ليثبت لها أن البحث عن البديل الشمولي الاستبدادي ليس أفضل حالًا من التعدُّدية السياسية ولو قامت على أسسٍ علمانية.

خاتمة

الحراك السياسي في مرحلة ما بعد ثورة 1919 أثبت أن الوجود العلماني في المجتمع المصري بات وجودًا ذا جذور ممتدَّة أهَّلت زعماءه لتولِّي مقام قيادة الحركة الوطنية طوال مرحلة ما بعد الثورة ووصولًا إلى انقلاب 1952، وأن التيار الإسلامي مهما لاقى من نجاحات في استقطاب قطاعات مجتمعة مختلفة إلى أفكاره ورؤيته، فإنه لم يتمكَّن من الإطاحة بالوفد والتيار الليبرالي من زعامة المشهد السياسي خلال الحقبة الليبرالية، بينما تمَّت الإطاحة بهذا التيار فقط بقوة التدخُّل العسكري الذي سانده الإخوان في البداية قبل أن ينقلب عليهم لاحقًا ويطيح بهم أيضًا لينفرد العسكريُّون بقيادة الحياة السياسية بدلًا من أن ينفرد بها الإسلاميون. والعبرة من ذلك أن يتخلَّص الإسلاميون من نظرتهم للتيار العلماني كمجرد تيار وافد غير وطني وغير أصيل، والاعتراف بأن هذا التيار بات يملك تراثًا وطنيًّا جديرًا بالاحترام وجديرًا بالتفكير المُعمَّق في كيفيَّة التوصُّل إلى صيغ ممكنة للتوافق والعيش المشترك معه.
وثاني هذه الملاحظات أن الطابع النخبوي للتيار العلماني وتركُّزه في الطبقات العليا من المجتمع والتي تتبنَّى المحاكاة الكاملة لأنماط الحياة اليومية السائدة في الغرب، فضلًا عن انهماكه في صراعاتها السياسية العليا وعدم قدرته على تقديم حلول جادَّة للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، كل ذلك كان من شأنه تنفير قطاعات واسعة من المجتمع ليس فقط من هذه النخبة العلمانية، ولكن من مبادئ التعدُّدية السياسية والفكرية والإيمان بقيم الحرية وتداول السلطة ذاته، واللجوء إلى بدائل سلطوية شمولية عسكرية كانت أو دينية.
بينما إذا استمرَّت التيارات العلمانية بالاحتفاظ بأفكارها الحداثية بشأن إطلاق الحريات العامة والانطلاق في الرؤية السياسية من وحدة الانتماء القومي المصري وليس الأممي الإسلامي وغيرها، مع احتفاظها بقدرٍ من الاحترام لأنماط الحياة الاجتماعية للمصريِّين وتقاليدهم وأعرافهم الثابتة والمتوارثة وتبنِّي القضايا الوطنية الحقيقية التي تُمثِّل محل إيمان مشترك بين الطوائف الاجتماعية المختلفة مثل قضية الاستقلال التي حرَّكت ثورة 1919 بقيادة النخبة الليبرالية الحديثة، ربما تكون فرص النجاح أكبر في إيجاد أرضية واسعة للعمل المشترك مع مختلف قطاعات المجتمع وتوجُّهاته الفكرية.
وأخيرًا يبدو لي أن الصراع الإسلامي-العلماني حول فلسفة الحكم ومرجعية التشريع هو صراع صفري لا يمكن حسمه في المستقبل المنظور، خاصَّة في ظل تجذُّر كل من التيَّارين العلماني والإسلامي وسرديَّاتهما في أوساط متباينة من المجتمع المصري، كما أن الاستسلام لهذا الصراع الصفري والانشغال به في فترات الانفتاح السياسي يُفضي إلى انسداد الأفق السياسي وعدم القدرة على الاتفاق حول حلول عملية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، والأولى أن يتم الاتفاق على مبادئ عامة مشتركة تتعلق بصورة أكبر بتفاصيل الحياة العملية وسياسات النهوض الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وعلى رأسها تقديس التعدُّدية الحزبية والسياسية والفكرية والتعاون الكامل من أجل إجهاض أيِّ محاولات سلطوية تهدف للإطاحة بهذه التعدُّدية.

*****

الهوامش

(*) باحث في العلوم السياسية.
(1) للمزيد انظر: شريف يونس، البحث عن خلاص.. أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، 2014)، ص ص 29-85.
(2) للمزيد انظر: عبدالكريم زيدان، أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، (بيروت: مؤسسة الرسالة – مكتبة القدس، الطبعة الأولى، 1982).
(3) للمزيد انظر:
– وائل حلاق، الدولة المستحيلة.. الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة: عمرو عثمان، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2014)، ص ص 57-104.
– بندكت أندرسن، الجماعات المتخيَّلة.. تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة: ثائر ديب، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2014).
– إبراهيم البيومي غانم، ميراث الاستبداد، (القاهرة: نيو بوك للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2018)، ص ص 28-38.
(4) هنري كيسنجر، النظام العالمي تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، فاضل جتكر(مترجم)، (بيروت: دار الكتاب العربي، 2014)، ص 29-39، 46-55.
(5) طارق البشري، منهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الثانية، 2007)، ص ص 11-13.
(6) المرجع السابق، ص ص 22-26.
(7) شريف يونس، البحث عن خلاص، مرجع سابق، ص ص 105-112.
(8) طارق البشري، الحوار الإسلامي العلماني، (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الثانية، 2006)، ص ص 7-20.
(9) المرجع السابق.
(10) شريف يونس، البحث عن خلاص، مرجع سابق،ص ص 196-204.
(11) طارق البشري، الحوار الإسلامي العلماني، مرجع سابق، ص ص 21-25.
(12) للمزيد بهذا الشأن انظر: عمرو الشلقاني، الازدهار وانهيار النخبة القانونية المصرية 1805-2005، (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الأولى، 2013).
(13) النص الكامل لدستور مملكة مصر والسودان لسنة 1923.
(14) عمرو عزت، ترخيص بالصلاة.. أزمة حرية اتخاذ دور العبادة في مصر، (القاهرة: المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، 2014)، ص ص 12-13.
(15) أمل فهمي، الملك فاروق والخلافة الإسلامية، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، 2013)، ص ص 20-22.
(16) للمزيد بهذا الشأن انظر: إبراهيم البيومي غانم، ميراث الاستبداد، مرجع سابق، ص ص 107-156.
(17) المرجع السابق.
(18) المرجع السابق، ص ص 24-27.
(19) هنري كيسنجر، النظام العالمي، مرجع سابق، ص ص 115-123.
(20) إبراهيم البيومي غانم، الفكر السياسي للإمام حسن البنا، (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، 2013)، ص ص 257، 258، 358.
(21) Rachel M. Scott, What might the Muslim brotherhood do with al-Azhar? Religious authority in Egypt, Die Welt des Islams, Vol. 52, Issue 2 (2012), pp. 163.
(22) جاكوب سكو فيجارد-بيترسون، إسلام الدولة المصرية .. مفتو وفتاوى دار الإفتاء، ترجمة: السيد عمر، (الكويت: دار نهوض للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 2018)، ص ص 205-208.
(23) المرجع السابق، ص ص 185-398.
(24) عاصم الدسوقي، كبار ملاك الأراضي الزراعية ودورهم في المجتمع المصري 1914-1952، (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الأولى، 2007)، ص ص 191-259.
(25) طارق البشري، الحركة السياسية في مصر 1945-1952، (القاهرة: دار الشروق، الطبعة الثانية، 1983)، ص ص 65-66.
(26) المرجع السابق، ص ص 68-69.
(27) شريف يونس، البحث عن خلاص، مرجع سابق، 213:210.
(28) إبراهيم البيومي غانم، الفكر السياسي للإمام حسن البنا، مرجع سابق، ص ص 231-232.
(29) شريف يونس، البحث عن خلاص، مرجع سابق، ص 215.
(30) طارق البشري، الحركة السياسية في مصر..، مرجع سابق، ص 74.
(31) انظر الآتي:
– المرجع السابق، ص 73.
– شريف يونس، البحث عن خلاص، مرجع سابق، ص 217.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق