تقارير ودراساتمختارات

تحولات الزراعة المصرية عبر قرنين: من محمد علي إلى الإصلاح الزراعي

مقدمة

كانت الأرض وما زالت المصدر الرئيسي لحياة البشر منذ بدء الخليقة وإلى أن يرثها الله بمن عليها، إذ بها ترتبط كل عمليات حياة الإنسان، فمن زراعتها غذاؤه ولباسه، ومن أخشابها وأحجارها مسكنه وملاذه، ومن معادنها ماعونه وسلاحه، ومن شجرها وفحمها ناره ووقوده. ومن المعلوم أن دعائم العمران البشرى ثلاثة، الزراعة والصناعة والتجارة، ولا عجب أن تأتي الزراعة متقدِّمة عليهم في الرتبة باعتبارها من الضروريات الضامنة لاستمرار النوع البشرى،كما أن الصناعة والتجارة -على أهميتهما- لا تقومان إلا على الزراعة وما ينتج عنها، الأمر الذي يعني أن أيَّ اختلال في مجال الزراعة مؤدٍّ حتمًا إلى اختلالات جوهرية في أحوال العمران ودعائمه الأخرى كالصناعة والتجارة وما يرتبط بها من مجالات فرعية قديمة ومستحدثة.
ولا يخفى على أحد ملاحظة حالة الاختلال المتراكمة في قطاع الزراعة المصرية على مدار العقود الماضية ومدى ما وصلت إليه من تدهور على كافَّة المستويات، وتكفى الإشارة إلى أحوال الفلاح المصري وهجرة الأراضي الزراعية ومشاكل المياه ونقص الإنتاج الزراعي وتآكل الرقعة الزراعية وعمليات البناء العشوائي، والنمو البطيء للمساحة المزروعة مقارنة بالنموِّ السكَّاني وضعف عمليات استصلاح الأراضي المدارة من قبل الحكومة وأصحاب المال على مدار عقود، إضافة إلى تفاقم مشكلة استيراد المواد الأساسية للغذاء مثل القمح الذي باتت مصر من أكبر المستوردين له عالميًّا بعد أن كانت سلَّة غلال تعتمد عليها إمبراطوريات حكمت العالم في وقت من الأوقات، كما لا تخفى الاختلالات الناشئة على مستوى قطاع الصناعة المصرية لا سيما المرتبطة منها مباشرة بقطاع الزراعة مثل صناعة النسيج والأقمشة التي تدهورت إلى مستويات قياسية وصارت على وشك التصفية النهائية بسبب السياسات الحكومية المهمِّشة لمزراعي القطن المصريِّين لصالح مزارعى أوروبا وأمريكا وآسيا.
ويستدعي البحث في تاريخ المسألة الزراعية المصرية خلال القرنين الماضيين المرور على ست تحولات رئيسية، بدأت مع المماليك (نظام الالتزام)، ثم محمد علي (نظام الاحتكار)، ثم أحفاده (اللائحة السعيدية)، ثم الاحتلال البريطاني (البيوع الجبرية)، ثم عبد الناصر (الإصلاح الزارعي الاشتراكي)، وصولا إلى السادات ومبارك (الإصلاح المضاد ونظام السوق الحر).
ونحاول في هذه الورقة استعراض أبرز معالم هذه التحولات الستة عبر قراءة تاريخية اعتمدنا فيها بشكل أساسي على مؤلَّفات المؤرخ المصري القومى المشهور عبد الرحمن الرافعي إضافة إلى كتابات أخرى مكمِّلة، كما اعتمدنا على استهلال هذه الورقة بمدخل تفسيري رأينا مناسبته لفهم تحولات الماضى والحاضر.

أولًا- الاقتصاد المصري.. من الاستقلال إلى التبعية: مدخل تفسيري للتحولات

اهتمَّ عددٌ من المفكرين الاقتصاديِّين المصريِّين بالتحليل التاريخى لجذور مسألة التبعية الاقتصادية التي عانت منها مصر وغيرها من البلدان النامية العربية وغير العربية على مدار العقود الماضية، وفى هذا السياق يمكن تسكين كتابات عددٍ من الاقتصاديِّين المصريِّين أبرزهم د. جلال أمين، ود. سمير أمين(1) إضافة إلى المفكر الاقتصادي عادل حسين الذي كتب في مطلع الثمانينيَّات دراسة مهمة من مجلدين تحت عنوان “الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية”(2)، حلَّلَ فيها آثار ما سُمِّيَ بسياسة الانفتاح الاقتصادي التي أطلقت في عهد الرئيس السادات بعد حرب أكتوبر 1973 تحديدًا واستمرَّت توابعها وتداعياتها خلال فترة مبارك وما بعدها وصولًا إلى اللحظة الراهنة، وعلى عكس آخرين هلَّلوا لهذه السياسة الجديدة باعتبارها تصحيحًا لسياسات الحقبة الناصرية، فقد توصَّل حسين -بعد دراسة اقتصادية فنية متخصِّصة- إلى أن آثارها كانت صادمة وفادحة بالنسبة لوضعية اقتصاد المصريِّين، سواء على مستوياته الكلية أو القطاعية والتي باتت أكثر ارتباطًا واعتمادًا على الخارج بشكل مختلف وصادم تمامًا عن فترة الخمسينيَّات والستينيَّات التي كانت تسير في اتجاه مغاير تمامًا لاتجاه السبعينيَّات وما بعدها.
ولا يختلف جلال أمين عن صديقه عادل حسين في توصيف سياسة الانفتاح الاقتصادي أو تقييم نتائجها وتأثيرها على درجة استقلال الاقتصاد المصري، لكنه يذهب إلى تأريخ مختلف لبدايات تأسيس هذا النمط الاقتصادي التابع للخارج لا يبدأ بالسادات وإن انتهى إليه، وذلك في كتابه “قصة الاقتصاد المصري من محمد علي إلى مبارك”، والذي انتهى فيه إلى أن محمد علي هو أول من أسس لذلك النمط الاقتصادي التابع وإن اختلفت درجاته خلال الفترات اللاحقة التي حكم فيها أولاده وأحفاده لا سيما الخديوي سعيد والخديوي إسماعيل اللذيْن تعود إليهما جذور مسألة الديون المصريَّة التي شكَّلت ولا زالت أحد أهم التحديات الاقتصاديَّة والماليَّة التي عانى -ولا يزال- منها الاقتصاد المصري حتى اللحظة الراهنة.
يختلف جلال أمين مع توصيف بعض الاقتصاديِّين المصريِّين لتجربة محمد علي الاقتصادية باعتبارها نموذج تنمية مستقلَّة اعتمدتْ على الذات وتمَّ ضربها من قبل القوى الدولية المستفيدة من ربط مصر بالاقتصاد الرأسمالي، ولا يجادل أمين في هذا التشخيص لكنه يراه غير مكتمل ولا يعبر إلا عن نصف الحقيقة. فالواقع أن مصر تحت حكم محمد علي شهدت اندماجًا في الاقتصاد العالمي بدرجة لم تعرفها طوال قرون طويلة سابقة، وكانت طبقًا لعدة معايير أقل اعتمادًا على النفس بكثير مما كانت عليه طوال الحكم العثماني على الأقل(3). فإذا نظرنا مثلًا إلى الدَّور الذي لعبته التجارة الخارجية في الاقتصاد المصري تحت حكم محمد علي، نجد أن صادرات مصر من القطن قد أصبحت في ظلِّه هي المصدر الأساسى للدخل القومي وإيرادات الحكومة، وأن الواردات المصرية قد زادت أيضًا في عهده بسرعة مذهلة مع زيادة حصيلة الصادرات، إمَّا لتزويد جيشه الدائم بما يحتاج إليه من معدَّات، أو لتزويد صناعاته الجديدة بما تحتاج إليه من آلات ومواد أولية.
وعلى عكس ذلك،كانت التجارة الخارجية لمصر في القرن الثامن عشر وخلال سنوات الحملة الفرنسية لا تعلب إلا دورًا هامشيًّا في الاقتصاد المصري، فأصبحت تحت حكم محمد علي هي المحرك الأول لعجلة الاقتصاد، وكانت الأسعار المحلية السائدة في مصر قبله تكاد تكون منعدمة الصلة بالأسعار العالمية، فاقتربت بشدة في عهده من الأسعار السائدة في أوروبا، مع زيادة حجم الواردات والصادرات ومع التقدُّم الذي تحقَّق في عهده في وسائل المواصلات. كما زاد بشدَّة أيضًا عدد الأجانب المقيمين بمصر في عهده بسبب استقدامه لأعدادٍ كبيرةٍ من المهندسين والأطباء وغيرهم من الفنيِّين للخدمة في مصانعه وجيشه وأسطوله، وبسبب ازدهار التجارة الخارجية. بل إنه حتى بمقاييس التنوُّع في مصادر الواردات المصرية وأسواقها الخارجية، نجد أن مصر في عهده كانت معتمدةً اعتمادًا أساسيًّا على سوق واحدة هي السوق البريطانية التي كانت عند وفاته عام 1849، تستوعب وحدها ما يقرب من نصف إجمالي الصادرات المصرية، وتزوِّد مصر بأقل قليلا من نصف إجمالي وارداتها.
لم يكن الاقتصاد المصري إذن مستقلًّا عن الاقتصاد الرأسمالي في عهد محمد علي وفقًا لتحليل جلال أمين، لا بمقياس ضآلة دور التجارة الخارجية، ولا بمقياس تنوُّع أسواق التصدير والاستيراد، ولا بمقياس الاعتماد على الخبرة والمهارات المحلية، لكن في نفس الوقت يمكن القول إن تجربة محمد علي الاقتصادية تميَّزت بثلاث ميزات رئيسية تفتقدها مصر في الوقت الراهن، أولى هذه الميزات الاكتفاء الذاتي من الغذاء، فلم تكن مصر في عهده مستوردة لمواد الغذاء الأساسية وكانت وارداتها تتركَّز بالأساس على الآلات والسفن والمدافع والحديد والخشب اللازم للصناعات الدفاعية على وجه الخصوص، بل كان لدى مصر فائض من الأرز والقمح والفول والذرة تصدِّره لتستورد السفن ولسدِّ حاجات المصانع والجيش. ثاني هذه الميزات يتعلَّق بالقدرة على المساومة مع المصدِّرين والمستوردين على حدٍّ سواء نتيجة نظام الاحتكار الذي جعل الباشا البائع الحصري للصادرات المصرية ومنع التجار الأجانب عاجزين عن الوصول المباشر إلى المزراعين المصريِّين لشراء منتجاتهم بأبخس الأثمان. أمَّا ثالث هذه الميزات، فيتعلَّق بالديون والتي لم يضطر محمد علي نفسه للتورُّط فيها رغم بعض الضوائق المالية التي مَرَّ بها من حين لآخر طوال فترة حكمه وحتى موته عام 1849، فقد رفض محمد علي طلبات بعض المقرضين الأجانب مقابل تخصيص ايرادات بعض المديريات لضمان السداد على عكس فترات الخديوي سعيد وإسماعيل التي شهدت تقديم ضمانات من هذا النوع للاقتراض تمثَّلت في إيرادات السكة الحديد ومواني الإسكندرية وأراضي الدومين والدائرة السنية(4).

ثانيًا- تحولات الزراعة في عهد محمد علي (1805-1840): نظام الاحتكار وآثاره

أحدث محمد علي انقلابًا جذريًّا في السياسات الزراعية تزامنًا مع إطاحته بأغلب الجماعات الوسيطة المؤثِّرة في مصر (المماليك – المشايخ والعلماء – الأوقاف – طوائف الحرف)، ويبدو أن حادثة مذبحة القلعة في سنة 1811 التي قتل فيها ما يقرب من ألف قيادة مملوكيَّة قد شجَّعته للمضيِّ قدمًا في إعلان سياسته الزراعية الجديدة، حيث استولى على جميع ما كان في حوزة المماليك من أطيان الالتزام؛ وبذلك لم يبق من أراضي الالتزام بالوجه القبلي إلا النزر اليسير. وفى فبراير 1814 أعلن الباشا رسميًّا إلغاء نظام الالتزام ورفع أيدي الملتزمين عن التصرُّف فيما تحت أيديهم من أراض وتحويلها إلى الباشا فيما عُرف بنظام الاحتكار الذي دفع إلى سلسلة من التحولات الأخرى على كافة مستويات علاقات الدولة بالمجتمع، والدولة بالفلاح، والدولة بالتاجر، والدولة بالصانع، والدولة بالخارج.
بإلغاء نظام الالتزام والقضاء على المماليك زالت كل سلطة وسيطة بين الحكومة والشعب، وأُعيد توزيع قطاع من الأراضي المستولَى عليها على الفلاحين، وبذلك صار محمد علي متَّصلًا بشكل مباشر بالفلاحين، فاستبشروا خيرًا بخلاصهم من مظالم الالتزام وزوال سلطة الوسطاء وبدء التواصل المباشر مع الحكومة، وقد حكى الجبرتي طرفًا من هذا الارتياح عندما كان ملتزمي الأمس يمرُّون على فلاحيهم السابقين، كان الأخيرون يغيظونهم بالقول “أنتم إيش بقالكم في البلاد، قد انقضت أيامكم، إحنا صرنا فلاحين الباشا”(5).
ويبدو أن هذه العبارة كانت لافتةً للتعبير عن التحوُّل الحاصل على مستوى علاقات الزراعة في مصر إلى الدرجة التي دفعت الباحثة الإنجيلزية كينيث كونو إلى اقتباسها لتكون عنوانًا لدراستها الاقتصادية عن فترة محمد علي تحت عنوان “فلاحو الباشا، الأرض والمجتمع والاقتصاد في الوجه البحرى 1740-1858″(6). لكن سرعان ما تحوَّلت هذه الحالة إلى ضدِّها، إثر اعلان محمد علي احتكار شراء بعض المحاصيل الزراعية وإلزام الفلاحين بزراعتها مثل القطن وتحديد مساحتها بل وإلزام الفلاحين باتِّباع أساليب فنيَّة جديدة لزراعة أراضيهم تحت رقابة صارمة من عمَّاله وعقوبات قاسية جمعها في لائحة من 67 صفحة أصدرها عام 1928 سُمِّيَتْ “لائحة الفلاح وتدبير أحكام السياسة بقصد النجاح”(7).
قرَّر محمد علي أن تحتكر الحكومة أغلب الحاصلات الزراعية الرئيسية بحيث يحظر على الفلاحين أن يبيعوها إلى التجار، وفرض عليهم أن يبيعوها للحكومة بأثمانٍ تقرِّرها هي، فصارت الحكومة محتكرة لتجارة حاصلات القطر المصري بأكملها. وقد ذكر الجبرتي احتكار الحكومة للغلال والسكر في حوادث سنة 1227هـ/1812م وسنة 1230هـ/1815م،كما ذكر في حوادث ذي القعدة سنة 1231هـ/1816م احتكارها حاصلات الكتَّان والسمسم والعصفر والنيلة والقطن والقرطم والقمح والفول والشعير والأرز. وهكذا تسلسل نظام الاحتكار، فبعد أن تملَّكت الحكومة معظم الأراضي الزراعية واحتكرتها بإلغاء نظام الالتزام واسترداد أملاك الملتزمين وإلغاء معظم الأوقاف، احتكرت كذلك الحاصلات الزراعية، أي إن الحكومة صارت المالكة للأراضي الزراعية، ثم المحتكرة للحاصلات جميعًا، فلم يكن للفلاح ملكية لا على الأرض ولا على ما يُزرع فيها ولا ما ينتج عنها، وقد ذكر الجبرتي أن الباشا أصدر قرارًا بمنع الفلاحين من أخذ شيء من البقول المزروعة حتى أمر بتكميم أفواه المواشي التي تسرح للمرعى حوالي الجسور والغيطان(8). كما صار الفلاحون إذا احتاجوا للغلال للقوت يضطرون إلى شرائها من الحكومة ثانية، وكثيرًا ما يحدث أن ترفع الحكومة سعر البيع لتربح من ثمن البيع، فتشتدُّ الضائقة بالناس وترتفع أسعار الغلال في الوقت الذي تفيض بها مخازنها، وقد ذكر الجبرتي في حوادث جمادى الأولى سنة 1222هـ/مارس 1817م اشتداد أزمة الأقوات بسبب الاحتكار(9).
ويعلِّق المؤرِّخ عبد الرحمن الرافعى على آثار نظام الاحتكار قائلًا: “يبدو هذا النظام ناجعًا في توفير المكاسب الآنية للحكومة إلا أنه من الوجهتين الاقتصادية والاجتماعية يؤدِّي إلى شَلِّ حركة العمران، لأن إجبار الفلاحين على بيع حاصلات أراضيهم للحكومة وتحديدها على سعر البيع، عمل ينطوي على الظلم والإرهاق، وفيه مصادرة لحق الملكية وحرمان المالك من الاستمتاع بحقِّه، ومن الانتفاع من تزاحم التجار على الشراء، ذلك التزاحم الذي ينجم عنه مضاعفة الثمرة للبائع، كما أن العمل بمثل هذا النظام يقتل كل همة فردية ويقبض أيدي الناس عن العمل، ومن ثم يحول دون تقدم البلاد أدبيًا وماديًا، ويضرب على الشعب حجابًا من الفقر والجمود. وينقل الرافعى طرفًا من الانتقادات التي تعرض لها هذا النظام من قبل الأجانب الموالين لمحمد علي، من بينهم المسيو مورييه الذي قال: “إن هذا الاحتكار هو الجانب السيء في تاريخ محمد علي”، وأنه “لا حاجة بنا إلى الإطالة في عيوب نظام الاحتكار كما وضعه محمد علي، لقد ربح الباشا منه أرباحًا طائلة، لكنه أفضى إلى فقر الفلاحين المدقع وكاد يهوي بهم إلى المجاعة لولا ما اعتادوه من القناعة وشظف العيش”(10).
وقد نتج عن هذه السياسة نفور الفلاحين من محمد علي وأعوانه، وهروبهم من الأراضي الزراعية وترك قراهم فرارًا من السياسات الظالمة التي يتعرَّضون لها وفقًا لما عرف بظاهرة تسحب الفلاحين من الأراضي الزراعية، كما أعرضوا عن الاشتراك في جيشه وتفنَّنوا في ابتكار أساليب التهرُّب من التجنيد، الأمر الذي دفع محمد علي إلى التفنُّن في ابتكار وسائل أخرى لأداء المنكسر من الخراج منها ما قرَّره سنة 1839 من تضمين القرى الميسورة خراج القرى المتعسِّرة؛ فأدَّى ذلك إلى إفقار القرى الموسرة وإجبارها على دفع الضرائب أضعافًا مضاعفة، ففكَّر محمد علي في طريقة أخرى عُرفت بنظام “العهد” الذي يشبه نظام الالتزام من بعض الوجوه، وفيه أن يعهد إلى بعض الأعيان والمأمورين ورجال الجهادية أن يكون في عهدتهم جبابة ضرائب بلاد بأكملها على أن يكونوا مسؤولين عن الدفع من مالهم الخاص إذ لم يجبوها، ويختلف هذا عن نظام الالتزام في كون المتعهد لا يستطيع أن يجبى من أصحاب الأراضي إلا الضريبة المحدَّدة على عكس المتلزم الذي كان له سلطة شبه مطلقة على الفلاحين(11).

ثالثًا- تحولات الزراعة في عهد الخديوي سعيد (1854-1863): اللائحة السعيدية وآثارها

تولَّى حكم مصر بعد وفاة محمد علي وابنه إبراهيم باشا ثلاثةٌ من أحفاده هم: عباس الأول وسعيد وإسماعيل، وقد شهدت مصر خلال عهودهم تحوُّلات محوريَّة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لم تَخْلُ من الارتباط بمصالح الأجانب بشكل أكثر توسُّعًا وتأثيرًا مما كان عليه الوضع في عهد جدِّهم محمد علي، وفى هذا السياق يمكن فهم تحوُّلات الزراعة المصرية في عهودهم وارتباطها بالمصالح البريطانية لا سيما في عهد الخديوي سعيد الذي اتَّخذ عدَّة قرارات جوهرية في مجال الزراعة والعمران أبرزها اللائحة السعيدية للأراضي وإلغاء نظام الاحتكار وقرار حفر قناة السويس.
مثَّلت اللائحة السعيدية التي أصدرها الخديوي سعيد في 5 أغسطس 1858، تحوُّلًا جذريًّا على مستوى نظم الحيازة والملكية والاستغلال الزراعى في مصر، فقد منحت اللائحة الفلاحين الحقَّ في ملكية الأراضي الزراعية لأول مرة منذ قرون،كما ألغى سعيد نظام الاحتكار القائم على تحديد الحكومة للمحاصيل الزراعية، فصار الفلاح هو من يختار أنواع الزراعات والتصرُّف في محاصيلها،كما عدل قوانين الضرائب وخفَّفها، وألغى المتأخرات الضريبية المتراكمة على الفلاحين جملة واحدة ولم تكن تلك المتأخرات بالشىء اليسير فقد بلغ مقدارها 800 ألف جنيه وهو مبلغ ضخم إذا قيس بثروة ذلك العصر، كما رغَّب الفلاحين في دفع الضريبة نقدًا لا عينًا وهو تعديل متفرِّع من إلغاء احتكار الحاصلات الزراعية.
كما أجاز تأخير تحصيل الضرائب حتى يبيع الفلاحون محاصيلهم الزراعية، فشعر الفلاحون بالراحة والطمأنينة وحسن المعاملة وتوقَّفت ظواهر التسحُّب من الأراضي والهجرة من القرى، كما ألغى سعيد ضريبة الدخولية التي كانت تجبى على الحاصلات والمتاجر بما تتبادله المدن والقرى في داخلية البلاد، وقد كانت هذه الضريبة مصدر إرهاق للأهالي فضلًا عن إعاقتها لحركة التجارة الداخلية، إذ كانت الحكومة تفرض على المتاجر دفع 12٪ من قيمتها عند دخولها أي مدينة أو قرية؛ فيضطر التجار لتحميل الأهالى فارق الضريبة بما يؤدِّي إلى ارتفاع الأسعار واشتداد الغلاء(12).
كان من آثار هذه السياسة الزراعية الجديدة أن تحرَّر الفلاح من أسر الحكومة، لكنه سرعان مع وقع في أسر البنوك الأجنبية التي تزايد نشاطها في عهد سعيد ثم إسماعيل، لا سيما في مجال عمليات التمويل الزراعي، علمًا بأن إقدام سعيد على إلغاء نظام الاحتكار جاء تحت ضغوط إنجليزية ممتدَّة، ولعلَّ من الملفت للمقارنة أن نظام مصر الاقتصادي في عهد محمد علي لم يكن مشجِّعًا على إنشاء المصارف الأجنبية في مصر لأن الفلاح لم يكن يملك الأرض وليس له حق التصرُّف في حاصلاتها.

رابعًا- تحولات الزراعة في عهد إسماعيل( 1863-1879): قروض بضمان الأرض

بدأت حالة البلاد المالية مزدهرة في أوائل حكم إسماعيل، إذ صادفتها الحرب الأهلية الأمريكية التي أدَّت إلى نقص محصول القطن الأمريكي وصادراته، وزيادة إقبال المصانع الأوربية على القطن المصري وارتفاع أسعاره، فكانت سنوات الحرب الخمسة (1860-1865) سنوات يُسر ورخاء على الفلاحين في مصر. وكان إنتاج مصر من القطن سنة 1861 يزيد عن نصف مليون قنطار (596 ألف قنطار)، وبيع في تلك السنة بمبلغ 1.4 مليون جنيه بمتوسط سعر 280 جنيه للقنطار، ثم صعد في السنوات التالية إلى حوالي 2 مليون قنطار تقريبًا، وتضاعف سعره إلى أن وصل 900 جنيه في عام 1864.
ويتبيَّن من خلال هذه المقارنة مبلغ الزيادة الكبيرة في الثمن ومقدار ما دخل البلاد من النقد مقابل بيع القطن، كما يتبيَّن مقدار اطِّراد الزيادة في المحصول ذاته، فإن ارتفاع أسعار القطن زاد من إقبال الناس على زراعته، فصار محصوله سنة 1865 أربعة أمثال ما كان عليه سنة 1860. على أنه لم تكد الحرب الأمريكية تنتهي سنة 1865 حتى حدثت انتكاسة في أسعار القطن، وبدأت الأزمة في مصر تلك السنة، لما كان متوقعًا من منافسة المحصول الأمريكي للقطن المصري، وتراجعت أسعاره تدريجيًّا خلال الفترة (1866-1871) من 705 جنيهات للقنطار إلى 315 جنيهًا للقنطار، الأمر الذي أدَّى إلى تناقص الإنتاج المصري إلى 1.2 مليون قنطار تقريبًا(13).
وكان من نتائج صعود أسعار محصول القطن في سنوات الحرب الأمريكية أن انغمس الأهالي في الترف والإسراف، وتوسَّعوا في النفقات، واستدانوا من المرابين الأجانب بفاحش الفوائد على أمل استمرار الصعود في أسعار القطن، ولم يتبصَّروا العواقب، فركبتهم الديون، وأخذت الحالة تسوء في نهاية سنة 1865 إذا أخذ الدائنون يطالبون بديونهم، وحدثت أزمة عالجتها الحكومة بالتدخل بين المدينين ودائنيهم صونًا للثروة العامة، وضنًّا بها أن تنتقل إلى أيدي المرابين والتجار والماليِّين الأجانب، فتعهَّد الخديوي بسداد ديون الأهالي على أن يسدِّدوها مقسَّطة على سبع سنوات بفائدة 7٪، وخصَّص لهذه العملية 1.4 مليون جنيه وهو مبلغ ضخم جدًّا مقارنة بحسابات هذه الأوقات(14).
وتجدر الإشارة إلى أن ظاهرة الاستدانة بضمان الأرض لم تكن مقتصرة على الفلاحين فحسب، بل شملت الخديوي نفسه الذي اقترض -ضمن ما اقترض- قرضًا بقيمة 5.7 مليون جنيه سنة 1864 ورهن مقابله ضرائب مديريات الدقهلية والشرقية والبحيرة لسداد أقساطه، ثم اقترض ثانية 3.3 مليون جنيه من بنك الأنجلو سنة 1865 ورهن في مقابله 365 ألف فدان من أملاكه، وهو ما عرف بقرض الدائرة السنيَّة الأول تمييزًا له عن القرض الثانى الذي حصل عليه من البنك الفرنساوى المصري سنة 1870 بقيمة 7.1 مليون جنيه بضمان بقية أملاكه الخاصة، كما حصل الخديوي على ثلاثة قروض متشابهة من بنك أوبنهايم الإنجليزى الأول سنة 1866 وقيمته 3 مليون جنيه تقريبًا ورهن مقابله إيرادات السكك الحديدية، والثانى عام 1868 وقيمته 11.8 مليون ورهن مقابله إيرادات الجمارك وعوائد الكباري وإيرادات الملح ومصايد الأسماك، أمَّا الأخير فحصل عليه الخديوي سنة 1873 بقيمة 32 مليون جنيه -وهو أكبر قرض في تاريخه- ورهن مقابله إيرادات السكك الحديدية والضرائب الشخصية والضرائب غير المقرَّرة وعوائد الملح وجزءًا من ضريبة المقابلة إضافة إلى كل الموارد التي خُصِّصَت للقروض السابقة متى أصبحت حرة خالية وقد وصف بعض المؤرخين هذا الدين الضخم بـ”القرض المشؤوم”(15).
كما زادت الضرائب في عهد إسماعيل زيادة مطَّردة، ولم تكن للضرائب قاعدة معلومة ولا قوانين أو لوائح يعرف منها حدود ما يُجبى من الأهالى ومواعيد الجباية، بل كانت المسألة متروكة على حسب الظروف، وقد زادت الضرائب أكثر منذ تورُّط إسماعيل في القروض، إذ لم يجد موردًا لسداد فوائدها السنوية سوى زيادة الضرائب، فكان يزيدها كلما احتاج إلى المال لينفقه على مطالبه الكثيرة وعلى سداد فوائد الديون. من أجل ذلك ابتدعت الحكومة أنواعًا جديدة من الضرائب، كالسدس، والري والإعانة والمقابلة، وضريبة ترعة الإبراهيمية، وهي ضريبة إضافية فرضت على الأطيان المنتفعة من هذه الترعة، وما ربط من العوائد على المباني، ومعاصر الزيوت ومعامل الدجاج، وما تقرَّر على الدواب، وضريبة المواشي وعوائد الأغنام، وعوائد دواب الركوب، والعربات بمصر والإسكندرية وما فرض على الأشخاص مثل الويركو، أي الضريبة على أرباب الحرف والصناعات، والضريبة الشخصية، وعوائد الرخص والقبانية والدلالة على ما يباع من المصنوعات، وعوائد الصوف، والدخولية، وضريبة الملح، ورسم القيدية وكان يؤخذ بحساب عشرين قرشًا على كل عرض مقدَّم لإحدى دوائر الحكومة.. إلخ. وبلغ ما كان يدفع من المال وملحقاتة عن الفدان الواحد في بعض السنوات خمسة جنيهات ونصف، وهو مبلغ ينوء به المالك ويزيد عما جُبِيَ من الضريبة على الفدان خلال عهد سعيد باشا.
وكان ازدياد الضرائب على هذا النحو عبئًا فادحًا، بل ظلمًا بالغًا لأن المالك لم يكن يبقى له من غلة أرضه شيء يُذكر بعد أداء الضرائب وملحقاتها، فلا عجب أن تؤدِّي هذه الحالة بالأهالى إلى الضنك والبؤس، وكانوا في كثيرٍ من الأحوال يضطرون إلى بيع حاصلاتهم بأبخس الأثمان، قبل أوان نضجها ليؤدُّوا من ثمنها قيمة الضريبة وكذلك كانوا يضطرُّون إلى بيع مواشيهم، وقد نشأ عن فداحة الضرائب أن هجر كثير من الملاك أراضيهم وتركوها بورًا، وقد سُمِّيَ هؤلاء “المتسحبين”، وكثر عددهم بحالة أقلقت بال الحكومة ومجلس شورى النواب، فوضعت قانونًا لتوزيع أطيان المتسحبين(16).
كما كان من نتائج زيادة الضرائب والإرهاق في جبايتها أن اضطرَّ الفلاحون من أجل أدائها إلى الاستدانة، لأن عمال الجباية كانوا يجبون الضرائب بالكرباج لإكراه الأهالي على أداء ما يطلب منهم، وكان الأهالي يختارون أهون الشرَّين، فيستدينون من المرابين ما يطلب منهم من المال، ومن هنا تفاقمت ديون الأهالي فقد استهدفوا لأفة الاقتراض بالربا الفاحش، حتى ركبتهم الديون، ونزعت أملاك الكثيرين منهم، وكان المرابون كلهم أو معظمهم من الأجانب، أو من في حكمهم من الرعايا المشمولين بالحمايات الأجنبية، فتغلغلوا من ذلك الحين في أملاك الأهالي، وازداد نفوذهم وسلطانهم، وأخذو يجمعون الثروات الضخمة، ويستعبدون الأهالي، ومن ثم تعرَّضت الملكية العقارية في مصر للخطر. فحق ملكية الأطيان الزراعية لم يكد يتقرَّر في عهد سعيد باشا ويتوطَّد في أوائل عهد إسماعيل حتى أصابه صدع شديد في أواخر هذا العهد، وذلك على إثر طغيان سيل الإفرنج، وانتقال الملكية إليهم، أو اكتسابهم عليها حقوق الرهن التي تجعل حق الملكية في حكم العدم، وتجعل المالك في يد الدائن المرتهن أجيرًا وأسيرًا.
وينقل المؤرخ عبد الرحمن الرافعي عن المسيو جابرييل شارم -أحد الأجانب المعاصريين لإسماعيل- وصفه لهذة الحالة التي شاهدها بنفسه قائلا: “إن الحالة التي تستدعي النظر هي مسألة الملكية الزراعية، فإن الأطيان والمتاجر أخذت تنتقل من عدة سنوات (كتب هذا سنة 1879) إلى أيدي الأوروبيِّين، ذلك أن الإرهاق في فرض الضرائب على الفلاحين جعل بقاء الأرض في أيديهم أمرًا بعيدًا عن الإمكان.كان الفلاح في عهد سعيد باشا يؤدِّي الضرائب من غير مشقَّة، إذ كان يوفِّيها من غلَّة أرضه، ويبقى له بعد ذلك ما يقوم بأوده، ويعيش به عيشة رغدًا، في بلاد اشتهرت بقلَّة تكاليف المعيشة، وفي أوائل عهد إسماعيل كان الفلاح أحسن حالًا وأكثر رغدًا، فإن ارتفاع أسعار القطن الناشئ عن الحرب الأمريكية جعل إيراده يبلغ الضعف، وما كان من قبل بثلاثة جنيهات صار يبيعه بثمانية أو عشرة جنيهات، ولم ير الفلاح يسرًا ورخاء مثلما رآه في ذلك العهد، ولكن هذا اليسر ما لبث أن تبدَّل عسرًا وضنكًا، فقد هبطت أسعار القطن بعد انتهاء الحرب الأمريكية، وهبط الدخل هبوطًا جسيمًا، وفي الوقت نفسه زادت مطالب الحكومة، وأخذت الضرائب في ازدياد، فاضطر الفلاح إلى أن يجود بكل ما كان مدخرًا أو مخبوءًا عنده، ولم يبق لديه إلا أرضه، فإذا ما أرهقته الحكومة في طلب الضرائب اضطرَّ أن يلجأ إلى أحد المرابين الأجانب ليقرضه بالربا الفاحش، ويرتهن أرضه، فإذا ما تأخَّر عن الوفاء سيق إلى المحاكم فتنزع ملكيَّته وتباع أرضه بأبخس الأثمان، وكان سعر القروض الربوية يبلغ أربعين أو خمسين في المئة، ولوحظ كثيرًا أن سيلا من المرابين كانو يتبعون جباة الضرائب في القرى ليقرضوا الفلاحين المال المطلوب منهم بأفحش الفوائد، وقد تبلغ الفائدة 10، أو 12 في الشهر الواحد، أي 144 في السنة”(17).
ويستطرد المسيو شارم: “إن هذة الوسيلة قد أدَّتْ إلى هبوط الأراضي، فالفدان الذي كان يباع (في أوائل سنيِّ حكم إسماعيل) بثمانين جنيهًا، صار يباع (سنة 1879) بثمانية جنيهات فقط، وأن الأجانب الذين يتملَّكون الأراضي بطريق المزاد أو بطريق الإكراه كانوا يسومون الأهالي الخسف ويعاملونهم بأسوأ أنواع المعاملة”، كما نقل الرافعي وصفًا مشابهًا لأحد القضاة الهولنديِّين المعاصرين لإسماعيل (ويُدعى فان بلمن) إذ قال في هذا الصدد: “انتشر المرابون انتشارًا هائلًا في عهد إسماعيل، ونصبوا شباكهم في طول البلاد وعرضها، يمتصُّون بها دماء الفلاحين، ومعظم المرابين من الأروام والأوروبيِّين أو الرعايا المشمولين بالحمايات القنصلية، والطريقة المخربة التي تجبى بها الضرائب مقدَّمًا كانت في الواقع لصالح الماليِّين من رعايا القنصليات، وفي بعض الأحيان كانت الحكومة تقترض من هؤلاء مبلغًا من المال، على أن تكل إليهم الرجوع على الفلاحين وجباية الضرائب منهم في جهة معينة، فكانو يجوبون القرى مصحوبين برجال السلطة ويستخلصون من الأهالى أكثر ممَّا أدُّوه للحكومة وأكثر من الضريبة المستحقة”(18).
وبيان ذلك – كما يسرد الرافعى – أن الرهن الحيازي كان هو المألوف في مصر قبل إنشاء القضاء المختلط، ولم يكن ثمة خطر كبير من ورائه، لأن الفلاح لا يتخلى بسهوله عن أرضه ولا يرضى بتسليمها للدائن منذ البداية طبقًا لأحكام الرهن الحيازي، فكان طبيعيًّا ألا تميل نفسه إلى هذا النوع من الرهن الذي يشبه أن يكون تجرُّدًا من الملكية، فلما أنشئ النظام القضائي المختلط ووضعت قوانينه؛ تقرَّر الرهن العقاري الجديد الذي بمقتضاه يرتهن الدائن الأرض مع بقائها في حيازة المدين، على أن يكون للدائن حق نزع ملكيَّتها جبرًا إذا تأخر المدين عن الوفاء، فهذا النوع الجديد من الرهن قد أغرى الفلاحين والملاك بالتهافت عليه، لأنه في الظاهر لا يخرج الأرض من حيازة صاحبها، ولكنه في الواقع كارثة على الملكية العقارية، لأن السهولة التي يُقْدِمُ بها المدين على الرهن واطمئنانه بادئ الأمر إلى بقاء ملكه تحت يده، وقلة تبصُّره في العواقب، كل ذلك قد رغَّب إلى الأهالي الاستدانة بالربا الفاحش وترتيب حقوق الرهن العقاري على أملاكهم، وقد ابتهجوا بادئ الأمر لهذة الوسيلة التي تمكنهم من الحصول على المال، ولكنها أدَّت إلى نزع أملاك المدينين وخروجها نهائيًّا من أيديهم إلى أيدي المرابين والبيوت المالية الأجنبية، وليس أسهل أمام المحاكم المختلطة من إجراءات نزع الملكية، والبيوع الجبرية، ولا أدْعَى منها إلى الخراب، لما تقترن به من قسوة الإجراءات وفداحة المصاريف الرسمية وغير الرسمية، فالرهون العقارية والبيوع الجبرية هي من الكوارث التي جاءت مع النظام القضائي المختلط، والتي أدَّتْ إلى تسرُّب الثروة العقارية إلى أيدي الأجانب، ولو كان في البلاد مشروع حكيم لحظر هذا النوع من الرهون كما منعه أخيرًا بالنسبة لصغار الملاك في قانون الخمسة الأفدنة(19).

خامسًا- تحولات الزراعة في عهد الاحتلال (1882-1936 ): البيوع الجبرية (حصاد الديون)

زادت تبعية مصر المالية والاقتصادية للأجانب في عهد إسماعيل، ثم استمرت واتَّسع مداها في عهد الاحتلال الإنجليزي الذي تأسَّست سياسته الاقتصادية على تخصيص مصر للزراعة، وجعلها بلدًا زراعيًّا فحسب، وتركيز ثرواتها الزراعية في القطن، وإهمال الزراعات الأخرى، ثم تشجيع الأجانب على استثمار أموالهم، ونشاطهم في التسليف وفى المشروعات الزراعية والصناعية والتجارية. ويرجع سبب اهتمام بريطانيا بالقطن المصري إلى ضعف جودة القطن الهندى قصير التيلة وما يسببه من سرعة إتلاف الآلات التي تقوم على معالجته صناعيًّا في المصانع الإنجليزية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف نقله من الهند إلى لندن عبر طريق رأس الرجاء الصالح، على عكس القطن المصري طويل التيلة ذي الجودة العالية والأسعار المنافسة.
وكان من آثار هذه السياسة -وفقًا للرافعي- القضاء على الحياة الصناعية في البلاد، وجعلها عالة على إنجلترا وعلى الدول الأوروبية في حياتها الاقتصادية، إذ إن القطن لا ينتج ثمرته إلا إذا استوردتْه البلاد الصناعية، ما دامت البلاد المستعمرة محرومة من المصانع لغزله ونسيجه، فهذه السياسة تجعل مصر في حالة تبعيَّة اقتصادية للدول الأجنبية، تجرُّ في ذيولها تبعيَّة سياسيَّة للبلاد التي تستورد قطنها، وبخاصة إنجلترا التي كانت أكبر مستورد لهذا القطن، ولو أن الحكومة عنيت بتنويع الزراعات ودعمت حياة البلاد الزراعية بحياة صناعية، وقرنت زراعة القطن بإنشاء مصانع لغزله ونسجه؛ لتوفَّر لها استقلالها الاقتصادي، وهنالك تصبح بمأمن من العبودية الاقتصادية التي تفرَّعت عن حاجتها الدائمة إلى بيع قطنها للخارج(20).
اتَّخذت سياسة الاحتلال في محاربة الصناعة المصرية أشكالا مختلفة، بدأت بنشر دعاية كاذبة في البلاد وفى المدارس أساسها أن مصر لا تصلح لأن تكون بلدًا صناعيًّا، وأنها بلد زراعي فحسب، وانتهت باغلاق المصانع التي كانت موجودة قبل الاحتلال، وبيعت الورش والمعامل والبواخر التي كانت ملكًا للحكومة، وتمَّ وإغلاق الترسانة التي أسَّسها محمد علي وإسماعيل لصبِّ المدافع وصنع البنادق والذخائر، وبيْع آلاتها ومهامتها، بحيث صارت كل مهمات الجيش تشترى من إنجلترا بما أدَّى إلى بوار الصناعات الحربية في البلاد.
كما أغلق مصنع الورق ببولاق سنة 1885، وكان ما يخرج منه يكفى حاجة البلاد، وكذلك أغلقت دار سك النقود وبيعت آلاتها بأبخس الأثمان، وبيعت أيضًا مغازل القطن ومصانع النسيج، التي كانت باقية من عهد محمد علي. وقد اعترف اللورد كرومر في تقريره سنة 1905 بأن المنسوجات الأوروبية حلَّت محل المنسوجات الوطنية، وبانقراض المنسوجات الوطنية أخذت الصناعات الأهلية تنقرض أيضًا. ومن يقارن الحالة الحاضرة بالحالة التي كانت منذ عشر سنوات أو خمس عشر سنة، يجد مسافةً شاسعةً، وفرقًا مدهشًا. فالشوارع التي كانت مكتظَّة بدكاكين أرباب الصناعات والحرف، من غزَّالين، ونسَّاجين، وحاكة، وعقَّادين، وصبَّاغين، وخيَّامين، وصانعي أحذية، وصاغة، ونحَّاسين، وعطَّارين، وصانعى قرب وغرابيل، وسروج، وأقفال ومفاتيح، ومن شاكلهم، كلها قلَّت عددًا، وقامت على أطلالها مقاه ودكاكين مملوءة بالبضائع الأوروبية(21).
غزت الصناعات الكبرى الأوروبية البلاد، فأنشأ الأجانب المصانع برؤوس أموالهم وكان في إنشائها القضاء على الصناعات الصغرى الأهلية، وليس يخفى أن الاحتلال قد حارب الصناعات القطنيَّة بالذات، فقد أسَّس معملان لغزل القطن ونسجه سنة 1899، أحدهما بالقاهرة، والآخر بالإسكندرية، ففرضت الحكومة بموجب الأمر العالي الصادر بتاريخ 13 أبريل سنة 1901 ضريبة على جميع المصنوعات القطنية قدرها ثمانية في المئة، تعادل مبلغ الرسوم الجمركية التي تُحَصَّلُ عن الغزل والمنسوجات القطنية الواردة من الخارج، فبارت صناعة غزل القطن في مصر إلى وقت طويل، وصارت البلاد عميلًا لمصانع القطن في لانكشير وغيرها، وازدادت تبعيَّتها الاقتصادية لإنجلترا والخارج، بينما كانت السياسة الحكيمة التي قال بها الخبير الاقتصادي الأستاذ ليوبولد جوليان أحد واضعي تقرير لجنة القطن سنة 1910، إذ قال “إن كلَّ أمة يكثر فيها وجود المواد الأولى وضروريات الحياة، يكثر فيها كذلك وجود المعامل لصنع تلك المواد، ومن أهمها القطن، فإن كل الأمم التي تزرعه تنشئ بجواره معامل لغزله ونسجه والانتفاع به، عدا مصر، فإنها لا تزال فقيرة في معاملها، خلوًا على الأخصِّ من هذا الصنف”(22).
كما أعاد الاحتلال ترتيب المالية المصرية (إيرادات-مصروفات) بشكل يخدم مباشرة مصالح الدائنين الأجانب وحملة الأسهم وأصحاب القروض، وفى سبيل ذلك تم تعيين مستشار مالي بريطاني ذي صلاحيات واسعة بحيث صار إليه الأمر والنهي في كافَّة الشؤون الحكومية، كما تمَّ وضع نظام للموازنة المصرية يكفل سداد أقساط الدين العام والتي كانت تستنفذ نصف الميزانية، فاستفحل النفوذ الأجنبى عامة في حياة البلاد المالية والاقتصادية ونال الرعاية والتأييد من الاحتلال وفق ما عرف بالامتيازات الأجنبية، واجتمعت هذه الرعاية السياسية مع رعاية أخرى قضائية تمثَّلت في المحاكم القنصلية والمختلطة.
نتيجة لذلك اتَّسع نفوذ الأجانب وسلطانهم بشكل لم يسبق مثله في مصر في أيِّ فترة تاريخية سابقة، وتوسَّع نشاطهم في كافَّة مستويات النشاط (الزراعي والصناعي والتجاري)، فأُسِّسَتْ البنوك الأجنبية، وشركات الرهون العقارية، والشركات المالية، والشركات الزراعية، وشركات البناء، وشركات النقل، والشركات الصناعية والتجارية، إضافة إلى شركات الفنادق وغيرها، وقد أظهروا تفوُّقًا على المصريِّين في هذه المجالات، كما حصروا المشاركين لهم والعاملين معهم على بني وطنهم وجنسيَّاتهم، فصارت مصر محصورةً بين مطرقة الديون وسندان الامتصاص الأجنبي لخيرات البلاد، وقد قدرت رؤوس أموال الأجانب في مصر عام 1912 بنحو مئتين وخمسين مليونًا، وهو مبلغ ضخم للغاية في ذلك العصر(23).
تزايد نشاط الأجانب في مجال التمويل الزراعى عبر بنوك التسليف وشركات الرهون العقارية التي آلت إليها ملكية أراض شاسعة نتيجة عجز الفلاحين عن سداد الديون المتراكمة عبر ما سُمِّيَ بظاهرة البيوع الجبريَّة التي استفحلت بشكل كاد يهدِّد انتقال ملكية أغلب أراضي مصر الزراعية إلى أيدي الأجانب، فقد وقع الفلاحون في قبضة بنوك التسليف، وعندما كانوا يعجزون عن سداد الديون، كان الدائنون يسارعون بالاستيلاء على الأراضي الزراعية وفاءً للديون طبقًا لقوانين الامتيازات الأجنبية فيما عرف بالبيوع الجبريَّة، أي أن الفلاح مجبر علي البيع للوفاء بدينه. وقد بلغت البيوع الجبرية حدًّا هدَّد بتسرُّب الأرض الزراعية في مصر من يد المصريِّين إلى الأجانب حتى تدخَّلت الحكومة المصرية في الثلاثينيات من القرن العشرين لوقف هذه البيوع، ولعل هذا ما أشار إليه المسيو سانت كليز ديفيل في رسالة إلى المؤتمر الوطني المصري المنعقد في بروكسل سنة 1910، حيث قال إن الأجانب حازوا ثلاثة أخماس أراضي مصر ملكًا أو رهنًا(24).
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى حالة نموذجية كاشفة لهذا الوضع يمثِّلها البنك العقارى المصري الذي أسَّسه عدد من اليهود والأجانب في عام 1880 من ضمنهم سوارس ورولو وقطاوي. كان رأسمال البنك عند تأسيسه 40 مليون فرنك فرنسي، ثم ارتفع إلى 8 ملايين جنيه عام 1942، وقد لعب هذا البنك دورًا مؤثِّرًا في الاقتصاد الزراعي المصري، إذ إنه نتيجة القروض التي منحها للملاك الزراعيِّين أصبح يتحكَّم في أكثر من مليون فدان مصري. كما تجدر الإشارة إلى البنك الأهلي المصري الذي أُسِّسَ عام 1898 ولعب دورًا خطيرًا على المستوى النقدي والمالي وأسعار الصرف المحلية، فقد أصبح محتكرًا لإصدار الأوراق المالية المصرية وكافَّة الأعمال المصرفيَّة، ممَّا أدَّى إلى ارتباط العملة المصرية بالعملة الإنجليزية، بحيث كانت أيُّ هزة في العملة الإنجليزية تؤثِّر على العملة المصرية. كما أسَّس جاك سوارس البنك التجاري المصري والذي عُرِفَ وقت تأسيسه عام 1905 باسم (بنك التسليف الفرنسي)، ثم تحوَّل إلى شركة مساهمة مصرية باسم البنك التجاري المصري عام 1920 وكان رأسماله مليونًا و200 ألف جنيه إسترليني، كما تأسَّسَ بنك سوارس عام 1936. و في خلال الفترة من 1900 إلى 1907 أنشئت في مصر أكثر من 160 شركة وبنك تعمل جميعها في دائرة البنوك و استصلاح الأراضي و استغلالها و تسليف الفلاحين(25).
توغَّل الأجانب إذن على عهد الاحتلال في صميم الحياة المالية والاقتصادية للبلاد، يحث لم تَنْجُ أرضٌ من أعباء الرهون والديون الأجنبية، وصار الماليُّون الأجانب أفرادًا أو جماعات هم أصحاب السيطرة على حياة الناس الاقتصادية، وزادت ديون الأهالي وتضاعفت تقريبًا خلال الفترة من 1881 إلى 1891، وفى ذلك تقول لجنة الميزانية في مجلس شورى القوانين عن ميزانية سنة 1894، “إن الأمة المصرية سائرة في طريق الفقر وعسر الحال، وهذا يزيد على توالي الأيام وتداول الأعوام، وحسبنا في ذلك أن الديون الخصوصية المسجَّلة في سجلات المحاكم بلغت من سنة 1876 إلى 1881 نحو اثني عشر مليونًا، ثم تجاوزت العشرين مليون جنيه في أوائل 1891،كما بلغ قدر الأطيان المرهونة نحو مليون وثلاثمئة ألف فدان وكسور، إضافة إلى تسعة آلاف ومئة عقار، هذا بخلاف الديون غير المسجَّلة، بما يعني تضاعفها خلال عشرة أعوام، ولا شك أن هذه الحالة لو دامت لم تمضِ إلا سنوات قليلة ويتضاعف هذا الدين مرة أخرى، وتصبح الأراضي المصرية ومعظمها مرهون، ويصبح الأهالي أجَراء يعملون لدائنيهم فيما كانوا يملكون”(26). ويصف الأمير (السلطان) حسين كامل وضع الفلاح المصري في عام 1908 قائلا: “إن الفلاح يقضي حياته مثقلًا بالدَّيْن، لا يزيد إيراده على الضرائب المفروضة عليه وفوائد الديون المطلوبة منه، ولكى يسدَّ حاجات زراعته في مواعيدها يضطر دائمًا إلى الاستدانة بالربا الفاحش، فلهذا العسر من جهة، ولخلوه من المال من جهة أخرى، ولكثرة من يعلوهم من جهة ثالثة، فقد بقي الفلاح غريقًا في بحار الضنك لا يعرف لنفسه مخلصًا منها”(27).

سادسًا- تحولات الزراعة في مصر المعاصرة: ستون عامًا من الإصلاحات والإصلاحات المضادة

برزت المشكلة الزراعية في مصر في بداية العشرينيات من القرن العشرين، وأخذت أبعادًا حادة خلال الثلاثينيات ثم عادت ثانية إلى التحسُّن الجزئي في أوائل الأربعينيَّات، إلا أنه نتيجة للفقر المتزايد في الريف، وسوء توزيع الملكية، وتحكُّم كبار الملاك في الاقتصاد الزراعي المصري وفي الحياة السياسية، وفي الوقت الذي كانت الدولة تقوم فيه باستصلاح بعض الأراضي فإن معظمها كان يذهب لكبار الملاك، وقد ساعد ذلك على أن يملك 0.1٪ من الملاك خُمس الأراضي الزراعية البالغة 6.5 مليون فدان تقريبًا، بينما يملك أقل من نصف في المئة (0.4٪) من الملاك 35٪ من الأراضي، بينما لم يستحوذ 95٪ من صغار الملاك إلا على أقل من 35٪ من الأراضي، كما وصل عدد المعدمين ممن لا يملكون أرضًا ولا يستأجرون أي مساحة نحو مليون ونصف مليون أسرة وفقًا لما عُرف بظاهرة الفلاحين بدون أرض. يضاف إلى ذلك أن عملية الائتمان كانت تتحكَّم فيها البنوك الأجنبية التي اهتمَّتْ بتمويل تجارة القطن، وهو ما أدَّى بصغار الفلاحين إلى أن يعتمدوا اعتمادًا كليًّا على المرابين في الحصول على الائتمان اللازم للزراعة، وقد خلقت هذه الظروف ضغطًا على الأراضي الزراعية فارتفعت أسعارها وقيمتها الإيجارية ارتفاعًا ملحوظًا، وهو ما فضَّل معه كبار الملاك تأجير أراضيهم إمَّا نقدًا أو بالمشاركة، وظهرت بالتالي طبقة من الوسطاء وظيفتهم التلاعب بأسعار الأراضي وإيجاراتها، حتى ارتفعت القيمة الإيجارية عام 1950 إلى نحو خمسة أمثال ما كانت عليه عام 1938.
وقد شهدت العقود الستة الأخيرة في تاريخ مصر المعاصر (منذ انقلاب الضباط وإعلان الجمهورية 1952 وحتى اللحظة الراهنة) سلسلة من الإصلاحات الزراعية والإصلاحات المضادَّة التي لعبت دورًا مهمًّا في إعادة تشكيل العلاقات الزراعية أكثر من مرة، فقد ساد في الخمسينيات والستينيات نمط الإصلاحات الاشتراكية الزراعية القائمة على مصادرة أراضي كبار الملاك والأوقاف وتوزيعها على صغار الفلاحين وتحديد سقف الملكية وتحديد الإيجارات الزراعية والعقارية، بينما شهدت فترات السبيعنيَّات وما بعدها نمط آخر يمكن وصفه بالإصلاحات الزراعية المضادة لما تضمَّنته من قرارات بالاتجاه العكسي أبرزها إعادة قطاع من الأراضي المصادرة لصالح كبار الملاك وإلغاء قانون لجان فض المنازعات الخاصة بمصادرة الأراضي وصولًا إلى ذورة التطوُّرات بداية التسعينيَّات عندما صدر قانون 1992 بتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر وإلغاء قانون تحديد الإيجارات الزراعية، إضافة إلى خفض الدعم الحكومى المقدَّم للمزارعين وإلغاء البيع الإجباري لبعض المحاصيل الزراعية.
1- الإصلاح الزراعي الاشتراكي وآثاره ( 1952-1970):
اتَّخذ نظام الحكم العسكري الجديد في مصر بعد انقلاب 1952 مسارًا مشابهًا في الإصلاح الزراعي لما سلكته أغلب الدول الاشتراكية وقتها في شرق أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، إلا أن تطبيقه لهذا النمط الإصلاحي لم يكن حادًّا بالصورة التي راجت عنه، فقد تمَّ تطبيق الإصلاح الزراعي على ثلاث مراحل تدريجيَّة على مدار سبعة عشر عامًا عبر ثلاثة قوانين مكمِّلة. الأولى في 1952 بتحديد سقف الملكية بمئتي فدان، والثانية في عام 1961 بتحديدها بمئة فدان للشخص، والأخيرة في 1969 وحدَّدتها بخمسين فدانًا للشخص ومئتين للأسرة.
ويبدو أن الأثر السياسي للقانون الأول كان مقصودًا لذاته أكثر بكثير من الآثار الأخرى التي جاءت متواضعة على مستوى المجالين الاقتصادي والاجتماعي(28)، وتمثَّل هذا الهدف السياسي في توجيه ضربة محسوبة العواقب لطبقة كبار ملاك الأراضي الزراعية التي سيطرت على مراكز السلطة في عصر ما قبل الانقلاب بما يضمن تأمين مساره الوليد على الصعيد السياسي. ويؤكِّد ذلك الضجَّة السياسية التي حصلت بعد صدور القانون بيومين، حيث استقالت وزارة علي ماهر، كما أعلن كثير من السياسيِّين والشخصيَّات القياديَّة في الأحزاب العلنيَّة الموجودة على الساحة معارضتهم للقانون، بل إن أحدهم تجاوز مرحلة المعارضة إلى التمرُّد المسلَّح ضدَّه، فقد تصدَّى “عدلي لملوم” أحد كبار الملاك ومن ورائه عائلته ذات النفوذ في محافظة “المنيا” جنوب مصر، ومعه مئات من الرجال المسلحين للسلطة الجديدة، وأعلن أنه لن يترك هذا القانون يمر، واستمرَّت المناوشات بينه وبين قوات البوليس أسابيع إلى أن تمَّ القبض عليه ومحاكمته وسُجن(29).
كما يؤكِّد فكرة تحسُّب العسكريِّين لردود أفعال كبار الملاك ما اشتمل عليه القانون الأول من مواد خفيفة الأثر بالنسبة للملاك مقارنة بالقوانين الأخرى التي أَتَتْ بعد ذلك، فقد سمح القانون الأول للمالك أن يهب أولاده مئة فدان، كما سمح للملاك ببيع أراضيهم الزائدة عن الحدِّ الأقصى لمن يريدون، كما أعطى لهم الحق في تجنُّب أراضي الآخرين المبيعة. كما قرَّر القانون صرف تعويضات للملاك بقيمة عشرة أمثال قيمتها الإيجارية عن المساحة المنزوعة، إضافة إلى تعويضهم عن المنشآت الثابتة وغير الثابتة القائمة على الأرض بقيم عالية (مثل الأشجار والآلات وغيرها)، ونظَّم القانون صرف التعويضات بسحب مستندات على الحكومة تسدَّد على مدى ثلاثين عاما بفائدة سنوية قدرها 3٪.
وفي هذا السياق قرَّر القانون توزيع الأراضي الزائدة على صغار الفلاحين بواقع (2 إلى 5 أفدنة) على أن يسدِّدوا ثمن هذه الأراضي على أقساط لمدة ثلاثين عامًا وبفائدة 3٪ سنويًّا، يضاف إليها 1.5٪ من الثمن الكلي للأرض، وفاء للموجودات التي كانت على الأرض (الأشجار والآلات… إلخ). وقد بلغ مجموع الأراضي التي تم نزع ملكيَّتها في ظلِّ قانون الإصلاح الزراعي ما يربو على نصف مليون فدان (653 ألف فدان تقريبًا)، أي ما يقرب من 8.4٪ من إجمالي المساحة المنزرعة في مصر في ذلك الوقت. وقد جرى توزيع هذه الأراضي وفقًا لنظام معيَّن من الأولويات بحيث أعطيت الأولوية عند التوزيع لمن كان يزرع الأرض فعلا مستأجرًا أو مزارعًا، ثم لمن هو أكبر عائلة من أهل القرية، ثم لمن هو أقل مالا منهم، ثم لغير أهل القرية.
وقد جاءت النسخ الأحدث من قوانين الإصلاح الزراعي أقل مرونة مع الملاك من القانون الأول تزامنًا مع استقرار نظام الحكم الجديد، ففي عام 1961 صدر القانون رقم 127، وأطلق عليه قانون الإصلاح الزراعي الثاني، وأهم ما في هذا القانون هو جعل الحد الأقصى لملكية الفرد 100 فدان، يضاف إليها 50 فدانًا لبقيَّة الأسرة (الأولاد) للانتفاع فقط، وتحريم أي مبيعات للأرض من المالك لأبنائه، كما ألغى القانون الاستثناءات السابقة الخاصة بالأراضي قليلة الخصوبة، كما خفض التعويض المقدَّر للملاك المنزوعة أراضيهم إلى ربع السعر المقدَّر في القانون الأول، وتقدَّر الأراضي التي آلت إلى الإصلاح الزراعي نتيجة هذا القانون بـ214 ألف فدان، أما القانون الثالث فحمل رقم 50 لسنة 1969 وأطلق عليه قانون الإصلاح الزراعي الثالث، والذي جعل الحد الأقصى لملكية الفرد 50 فدانًا.
وتشير الإحصائيات الرسمية أن مجموع ما تم توزيعه من أراضي خلال الفترة من 1952 إلى 1970 بلغ 980 ألف فدان تقريبا تمثل على 15٪ من الأراضي المزروعة آنذاك(30)، منها 775 ألف فدان تم الاستيلاء عليها وفقًا لقوانين الإصلاح الزراعي، ونحو 184 ألف فدان كانت تتبع العائلة المالكة، أما الباقي وقدره 29 ألف فدان كان حصيلة أراضي طرح النيل إضافة إلى 105 آلاف فدان تتبع الأوقاف، ووفقًا لنفس هذه الإحصائيات الرسمية فقد وُزِّعَتْ تلك الأراضي على 325 ألف أسرة تضم 1.7 مليون فرد أي 9٪ من سكان الريف المصري عام 1970.
ويرى بعض الباحثين أن قوانين الإصلاح الزراعي لم تنجح في زيادة الرقعة الزراعية بشكلٍ ملحوظ نتيجة انحصار تفكير النظام الجديد على مسألة الحيازات وإعادة توزيع الأراضي،كما يرون أن هذا القانون لم يحلَّ مشكلة المعدمين الزراعيِّين، الذين بلغت نسبتهم قبل الثورة نحو 44 بالمئة، وفي عام 1965 انخفضت إلى 40 بالمئة، ثم ارتفعت عام 1972 إلى 45 بالمئة، ووصلت في نهاية الثمانينيَّات إلى 60 بالمئة من جملة سكان الريف، كما لم ينجح في تحسين وتطوير قوى وعلاقات الإنتاج في الريف المصري إلى الحد الذي كان متصوَّرًا حين صدرت قوانين الإصلاح الزراعي، بينما يقول مؤيدون إن هذه القوانين نجحت في إضعاف سلطة ونفوذ ملاك الأراضي وخفَّفت التوزيع غير المتساوي للأرض الزراعية بشكل أو بآخر، كما منحت الحماية لمستأجري الأرض عبر تثبيت نظام إيجار الأرض الزراعية عند مستويات منخفضة وتحديد قواعد ثابتة لتحديد الإيجار النقدي ونظام المشاركة في المحصول، حيث يتم من خلالها إعادة توزيع حقوق الانتفاع بالأرض بين الملاك والمستأجرين، كما جعلت هذه عقود الإيجار قابلة للتوريث بما اختزل دور الملاك إلى مجرد محصِّلين لإيجارات منخفضة لا تتغيَّر على مدى سنوات قادمة، وهو ما جعل المستأجرين شركاء في ملكية الأراضي الزراعية، بل إذا أراد الملاك أن يبيعوا ممتلكاتهم، كان عليهم أن يحصلوا على موافقة المستأجرين الذين كانوا يحصلون على 50٪ من إيراد البيع في مقابل إخلاء الأرض، كما ألغت هذه القوانين مسألة الاقتراض بضمان الأرض واستبدلتْه بالمحصول، إضافة إلى التوسُّع في السلف النقدية والعينية من خلال الجمعيات التعاونية، وتمَّ سَنُّ بعض التشريعات لصالح فئة عمَّال التراحيل (أفقر الطبقات في الريف المصري) وحمايتهم من استغلال مقاولي الأنفار(31).
2- الإصلاح الزراعى المضاد وآثاره ( 1974- 2010):
سلك الرئيس السادات نهجًا اقتصاديًّا مختلفًا عمَّا أسَّسه سلفه جمال عبد الناصر، يعتمد على الانفتاح على الغرب وتقليص دور الدولة في الداخل، وفقًا لما عُرف بسياسة الانفتاح والتحرير الاقتصادي أو سياسة الباب المفتوح التي جاءت بعد عام واحد من انتهاء حرب أكتوبر عام 1973، وجاءت أولى معالم هذه السياسة عبر إصدار قانون الاستثمار رقم 43 لسنة 1974 في محاولة لاستمالة أصحاب رؤوس الأموال الأجانب والمصريين والعرب، وفتح صفحة جديدة لا تقوم على فكرة التصادم كما حصل في الخمسينيَّات والستينيَّات، واستكمل السادات هذا النهج بإصدار قانونين عام 1975 و1981 بمقتضاهما تمَّتْ إعادة 147 ألف فدان كان صغار الفلاحين يستأجرونها من وزارة الإصلاح الزراعي إلى ملاكها الأصليِّين اللذين انتُزعت منهم في الحقبة الناصريَّة، كما رفعت هذه القوانين الإيجارات الزراعية مرتين، إضافة إلى تغيير قواعد فسخ عقود الإيجار وتحديد نظام المزارعات لصالح الملاك، كما ألغى القانون لجان فض المنازعات الخاصة بالأراضي الزراعية والتي كانت تضمُّ في عضويَّتها عسكريِّين وأعضاء في الاتحاد الاشتراكي للنظر في منازعات أراضي الإصلاح الزراعي، كما تمَّ تعزيز تمثيل كبار الملاك في إدارة التعاونيات الزراعية فضلًا عن السماح بتأسيس أشكال جديدة للتعاونيَّات كهيئات خاصَّة تعزِّز وضع متوسِّطي وكبار الملاك(32).
جاء مبارك مستكملًا لمسار السادات في تحرير الاقتصاد والقطاع الزراعى ولكن بشكل أكثر جرأة، فأصدر قانون الأراضي الصحراوية عام 1981 والذي سمح بتملُّك الأفراد حتى 300 فدان، بينما سمح للشركات بتملُّك عشرة آلاف فدان، وفى عام 1987 قرَّرت الحكومة إلغاء البيع الإجباري لبعض المحاصيل المسمَّاة “استراتيجية” باستثناء القطن وقصب السكر، الأمر الذي أدَّى إلى تحرير أسعار زراعتين من ذوات الاستهلاك الكبير (القمح-الفول) ومحاصيل أخرى أقل مثل: السمسم والعدس والفول السوداني والصويا والبصل، وفى عام 1991 شهد الأرز بدوره تحريرًا لأسعاره، وصار من أهمِّ زراعات التصدير منذ 1996.
خلاصة هذه التطورات أن الدولة لم يَعُدْ لها أيُّ دورٍ إشرافيٍّ على الزراعة، باستثناء ثلاث مجالات رئيسية: إنتاج الأرز والمتاجرة فيه، تحديد حدٍّ أقصى لمساحة زراعة الأرز سنويًّا، التوزيع الجغرافي لأصناف الأرز على مستوى المحافظات المسموح لها بزراعته(33).
وقد تمَّتْ هذه الإجراءات في إطار سياسة عامَّة تضغط باتِّجاه مؤسَّسات الإقراض الدولي وتدور حول تحرير القطاع الزراعي بكل مكوِّناته، بدءًا من تحرير أسعار المدخلات والمنتجات الزراعية، بما في ذلك تحرير التصدير والاستيراد، وخصخصة الشركات الزراعية التابعة للحكومة، وإعادة تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وإلغاء المناوبات الزراعية الإجباريَّة، وتحرير الضمان بعد تحويل بنك التنمية والائتمان الزراعي إلى بنك تجاري، وأخيرًا تحرير فوائد القروض البنكيَّة، وصولًا إلى التحوُّل لنمط الزراعة الرأسمالية الكبيرة القائم على منح المستثمرين وذوي القدرة الماليَّة مساحات كبيرة من الأراضي بتسهيلات ماليَّة واسعة للقيام على استصلاحها في إطار خطة شاملة لزيادة التنمية الزراعية بشكل عام في ظلِّ استنتاجٍ عام بأن صغار الفلاحين لا يمكنهم النهوض بهذه العملية لعدم امتلاكهم لرأس المال والمعرفة الفنية المطلوبة، مثل هذه الرؤية تستبدل صغار الفلاحين بكبار رجال المال، وتعيد إنتاج حالة ما قبل الخمسينيَّات، وبالفعل طبَّقت الدولة هذه السياسة على أغلب مناطق الاستصلاح الصحراوي الجديدة، مثل: مشروع توشكى الذي يضم 450 ألف فدان خصِّصت لرجال أعمال خليجيِّين بتسهيلات ضخمة لم تسفر عن نتائج تنموية ولو متواضعة بعد أكثر من خمسة عشر عامًا(34).
في إطار هذه السياسة صدر القانون 96 لسنة 1992، والذي حلَّ محلَّ قانون الإصلاح الزراعي ووُصف بأنه قانون إصلاح زراعي ليبرالي مضادٍّ لقانون اشتراكي سابق، بمقتضى هذا القانون حُرِّرت العلاقة بين المالك والمستأجر، ولم تَعُدْ أجرة الأراضي الزراعية مفتوحة المدَّة، كما سُمِحَ لمالكي الأراضي بطرد المستأجرين فور صدور القانون، ملغيًا حقَّ المستأجرين في تجديد عقود الإيجار بلا نهاية، كما نصَّ القانون على رفع أسعار الإيجار من سبع أمثال إلى اثنين وعشرين مثال الضريبة العقارية في الفترة الانتقالية ما بين 1992إلى 1997،كما نصَّ القانون على أن الإيجار والمزراعة وسوق الأرض الزراعية (البيع، الشراء، الإيجار) سيتمُّ تحريرها بالكامل في مدَّة أقصاها 7 أكتوبر 1997، بما معناه إلغاء عقود الإيجار وإعادة الأراضي المستأجرة إلى ملاكها الذين أصبحوا غير مقيَّدين بأيِّ قيد قانوني يمنعهم من التصرُّف في أملاكهم بالبيع أو الشراء أو الإيجار وفقًا للأسعار التي يحدِّدونها دون تدخُّل من أحد(35).

خاتمة

من خلال ما سبق يمكن القول إن الزراعة المصرية مَرَّتْ بستة تحوُّلات رئيسية على مدار القرنين الأخيرين (التاسع وعشر والعشرين)، وقد حاولت الورقة تلخيص هذه التحوُّلات من خلال شرح ملامح نُظُمِ الزراعة السائدة في تلك العصور وما تفرَّع عنها من نُظُمٍ ماليَّة وجبائيَّة وصولًا إلى علاقة النُّظم الحاكمة بالأرض والفلاح على مَرِّ العصور، والآثار المترتبة على سياستهم تجاه الفلاحين إيجابًا وسلبًا. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى مركزية قطاع الزراعة بالنسبة لاقتصاديات المجتمعات والدول في القرنين الثامن والتاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين خلافًا لعصر وسائل الاتصالات والمواصلات والعلوم والتكنولوجيا والمعلومات والإنترنت والسماوات المفتوحة، من خلال هذه الملاحظة يمكن فهم التحوُّلات الحاصلة على مستوى قطاع الزراعة المصري.
مَرَّتْ هذه التحوُّلات بنظام الالتزام في عهد المماليك والذي وقع فيه الفلاحون تحت سلطة وسطاء ماليِّين أرهقوهم بما لا يطيقونه من الضرائب والالتزامات المالية، ثم نظام الاحتكار في عهد محمد علي الذي أزال سلطة الوسطاء وتعامل مع الفلاحين بشكل مباشر فزاد من إرهاقهم بالضرائب والتجنيد الإجباري، وصولًا إلى تحوُّلات أخرى في عهد خلفاء محمد علي، لا سيما عهد الخديوي سعيد، الذي أصدر اللائحة السعيدية وألغى نظام الاحتكار وأقرَّ مبدأ الملكيَّة العقاريَّة للفلاحين، وألغى عددًا من الضرائب المفروضة على الفلاحين، وخفَّف عنهم أعباء أخرى بإلغاء متأخِّرات ضريبيَّة متراكمة وإلغاء الدفع المقدَّم للضريبة والسماح للفلاحين بالدفع نقدًا لا عينًا والتمهل في جمع ما عليهم لحين تمكُّنهم من بيع المحصول للتجَّار، فسُمِّيَ عهدُه بالعصر الذهبى للفلاحين في مصر.
أمَّا الخديوي إسماعيل فقد شهد عصره تحوُّلات رئيسية معاكسة، أبرزها مسألة الديون وتوسُّع نفوذ الأجانب في مجال الزراعة من خلال بنوك التسليف وشركات الرهن العقارى التي توسَّعت في منح قروض مغرية للفلاحين بضمان الأرض، كما وقع الخديوي في نفس الفخ عندما أقبل على استدانة مبالغ ضخمة بضمان أرض الدائرة السنيَّة، حتى صارت أغلب أراضي مصر مهدَّدة بالرهن من قبل البنوك والشركات الأجنبية في ظلِّ سلطة المحاكم المختلطة، وفق ما عُرف فيما بعد بظاهرة البيوع الجبريَّة التي تفاقمت في عهد الاحتلال البريطانى نتيجة الدعاوى القضائية التي رفعتها البنوك والشركات على الأهالي بسبب العجز عن سداد الديون والقروض.
أمَّا مصر المعاصرة فقد شهدت تحوُّلات زراعية وتحوُّلات مضادَّة على مدار الأعوام الستين الماضية، بدأت هذه التحوُّلات الزراعية بقانون الإصلاح الزراعي الاشتراكي الذي طبَّقه النظام العسكري الوليد في مصر (سبتمبر 1952) للقضاء على الإقطاع وضرب طبقة كبار الملاك وإعادة توزيع الأراضي على صغار الفلاحين من الفقراء وإعادة رسم العلاقة بين المالك والمستأجر بتحديد القيمة الإيجاريَّة، ثم حدثت تحوُّلات مضادَّة في عهد السادات بقرارات إلغاء الحراسة وإعادة 140 ألف فدان لأصحابها، وصولًا إلى عهد مبارك الذي شهد تحوُّلًا جذريًّا عبر قانون تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر، وإلغاء الشراء الإجباري لبعض المحاصيل وتقليص الدعم الحكومي المقدَّم للفلاح، وصولًا إلى الزراعة الرأسمالية، ومنح الأراضي بمساحات شاسعة لأصحاب المال.
*****

الهوامش

(*) باحث في العلوم السياسية، طالب دكتوراه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
(1) مفكر اقتصادي مصري معروف من رموز مدرسة التبعيَّة في الفكر الاقتصادي، من أشهر أعماله: التراكم على الصعيد العالمي، (بيروت: دار ابن خلدون، 1973)، التبادل غير المتكافئ وقانون القيمة، (بيروت: دار الحقيقة، 1974)، التطور اللامتكافئ، (بيروت: دار الطليعة، 1974)، الأمة العربية “القومية وصراع الطبقات”، (بيروت: دار ابن رشد، 1978).
(2) عادل حسين، الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية 1974-1979، (بيروت: دار الوحدة، 1981(.
(3) جلال أمين، قصة الاقتصاد المصري.. من عهد محمد علي إلى عهد مبارك، )القاهرة: دار الشروق، 2012(، ص 11.
(4) المرجع السابق، ص ص 12-16.
(5) عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، تحقيق: عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1998)، ج 4، ص 326.
(6) كينيث كونو، فلاحو الباشا.. الأرض والمجتمع والاقتصاد في الوجه البحرى 1740-1858، ترجمة: سحر توفيق، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2000).
(7) راجع في تفاصيل هذه اللائحة وتحليلها دراسة الباحث صقر النور، الباشا والقادر والعيان، قراءة في لائحة الفلاح، مجلة مرايا، العدد الأول، سبتمبر 2017، ص ص 116-127.
(8) الجبرتي، عجائب الآثار، مرجع سابق، ج 4، ص 392.
(9) راجع كتاب: عبد الرحمن الرافعى، عصر محمد علي، (القاهرة: دار المعارف، 1989)، ص 536.
(10) المرجع السابق، ص 536.
(11) راجع نظام العهدة في: المرجع السابق، ص 533.
(12) راجع في تفاصيل سياسة الخديوي سعيد الزراعية كتاب المؤرخ عبد الرحمن الرافعى، عصر إسماعيل، (القاهرة: دار المعارف، 1982)، ج 1، ص ص 30-32.
(13) المرجع السابق، ص ص 273-274.
(14) المرجع السابق، ص 38.
(15) راجع تفاصيل مسألة الديون في عهد الخديوي إسماعيل في: المرجع السابق، ص ص 32-52.
(16) المرجع السابق، ص 281.
(17) المرجع السابق، ص 282.
(18) المرجع السابق، ص 282.
(19) المرجع السابق، ص ص 285-286.
(20) عبد الرحمن الرافعى، مصر والسودان حتى أوائل عهد الاحتلال البريطاني، (القاهرة: دار المعارف، 1983)، ص 188.
(21) المرجع السابق، ص 189.
(22) المرجع السابق، ص ص 187-188.
(23) المرجع السابق، ص ص 192-193.
(24) المرجع السابق، ص 194.
(25) راجع تفاصيل أكثر في مسألة البنوك الأجنبية ونشاطها ومدى سيطرتها على الاقتصاد المصري، في عدد من الكتابات الأجنبية المترجمة، مثل:
– إيريك دافيز، طلعت حرب وتحدِّى الاستعمار: دور بنك مصر في التصنيع 1920-1941، ترجمة: هشام سليمان عبد الغفار، (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2009).
– دافيداس لاندز، بنوك وباشوات، ترجمة: عبد العظيم أنيس، (القاهرة: دار المعارف، 1998).
– جون مارلو، تاريخ النهب الاستعماري لمصر 1798-1882، ترجمة: عبد العظيم رمضان، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1976).
(26) عبد الرحمن الرافعي، مصر والسودان، مرجع سابق، ص 194.
(27) المرجع السابق، ص 196.
(28) حبيب عايب، نهاية الفلاح.. أزمة المجتمع الريفي في مصر، ترجمة: منحة البطراوي، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2013)، ص ص 59-60.
(29) راجع حادثة عدلي لملوم على وردود الأفعال السياسية على إصدار قانون الإصلاح الزراعي، في: قانون الإصلاح الزراعي، موقع موسوعة مقاتل من الصحراء، متاح عبر الرابط التالى: http://cutt.us/zF5Ve
(30) حبيب عايب، نهاية الفلاح، مرجع سابق، ص 57.
(31) لمزيد من التفاصيل راجع الآتي:
– خالد أبو بكر، قانون الإصلاح الزراعي بين المؤيدين والمعارضي، موقع أرشيف إسلام أون لاين، متاح عبر الرابط التالي:
http://cutt.us/TDEmt
– عبد الرحمن الرافعي، ثورة يوليو.. تاريخنا القومي في سبع سنوات 1952-1959، (القاهرة: دار المعارف، 1989)، فصل السياسة الاجتماعية للثورة ص ص 506-514.
(32) حبيب عايب، نهاية الفلاح، مرجع سابق، ص ص 69-70.
(33) المرجع السابق، ص 71.
(34) راجع تفاصيل أكثر حول مشروع توشكى وتقييم نتائجه… في: أحمد السيد النجار، مياه النيل.. القدر والبشر، (القاهرة : دار الشروق، 2010)، ص ص 131-177. وراجع أيضا : محمد مصري، «الوطن» تكشف بالمستندات: لهذه الأسباب فشل «توشكى»، بتاريخ 6 اكتوبر 2014، موقع الوطن، متاح عبر الرابط التالي:
http://cutt.us/phBzF
(35) حبيب عايب، نهاية الفلاح، مرجع سابق، ص ص 82-83.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق