تقارير ودراساتمختارات

القضية الفلسطينية في فكر إدوارد سعيد

مقدمة

في حوار لإدوارد سعيد مع القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية، أجاب سؤال محاوره المتمكن عن المصداقية التى نالها فى الدوائر الغربية، فقال: كنت أتقن تاريخنا… أعرف ماذا حدث بالضبط…. ابن القضية وتعلَّمت… لا يكفي أن تكون ابن القضية بل يجب أن تكون تلميذها”(1)، وقد كان ابنًا بارًّا بالقضية الفلسطينية وتلميذًا نجيبًا لها فصار صوتها القوى، وضميرها النَّقدي، وسفيرها المعتمد على مستوى الفكر العالمي.
تمثل القضية الفلسطينية الشغل الشغل لإدوارد سعيد -المولود في القدس وللمفارقة علي يد قابلة يهودية استأمنتها الأسر المسيحية والمسلمة على نسائها الحوامل وما يلدنه- ومع ذلك لم تلق الاهتمام الكافي من دارسي فكر إدوارد سعيد الغربيِّين لأسباب مفهومة. وقد يفاجأ البعض أن أول أوراق مؤسَّسة الدراسات الفلسطينية، هي دراسة لسعيد بعنوان “القضية الفلسطينية والمجتمع الأمريكي” صدرت عام 1980م، ذهب فيها مبكرًا إلى أن ساحة كفاح القضية الفلسطينية في أمريكا هى المجتمع المدني لا المجتمع السياسي، وهو ما أثبتت الأيام صحَّته ودقَّته، كما عمل باحثًا زائرًا فى مؤسَّسة الدراسات الفلسطينية لشهرين في بيروت عام 1979م.
إن سيرة ومسيرة إداورد سعيد مضفورة بالقضية الفلسطينية، ومهما اختلفنا في الأُسُسِ المعرفية والوجودية لرؤية سعيد لهذه القضية والحلول التى طرحها لها، ومهما اتفقنا مع معظم مواقفه السياسية وتقديرنا لها في تعاملها مع القيادات الفلسطسنية التى رأى أنها فرَّطت فى فلسطين، فإن الأمر الذي نخرج به من سيرته هو أنه أسهم بقوة وذكاء وبلاغة في صياغة عميقة وتأسيس نظري متماسك الأركان لبديهية يتناساها كثيرون من اليسار واليمين، وهى أن الصراعات الكبري والنزاعات الممتدَّة تعود جذورها وأصولها إلى الفكر والثقافة. نعم، “الأصول” مع معرفتنا أن سعيد يميِّز –ويفضل- البداية عن الأصل: الأولى علمانية ومُنتَجة على نحو إنساني مستديم خاضع للفحص والتدقيق، والثاني مقدَّس وأسطوري وثابت بحسب ما يرى.
يتناول هذا التقرير مكانة إدوارد سعيد في التعريف بالقضية الفلسطينية وخدمتها، ومسيرة حياته وموقفه الكلي منها، وما تميَّز به من كونه مثقَّفًا مسؤولا متَّسِقًا فكره وفعله، ومقاله وحاله، مع رصد لأهم ملامح فكره بخصوص القضية الفلسطينية، وهي: النقد الذاتي، والمشترك الإنساني، ومأزق ضحية الضحية، ومعضلة الجغرافيا والديمُجرافيا، ويختتم التقرير بعرض ماذا يبقى من فكر إدوارد سعيد، وسيرته للأجيال القادمة.

أولًا- مكانة إدوارد سعيد في التعريف بالقضية الفلسطينية وخدمتها

اعتبره الشاعر الفلسطيني محمود درويش “ضميرنا وسفيرنا إلى الوعي الإنساني” ويؤكِّد “لو سُئل الفلسطيني عمَّا يتباهى به أمام العالم، لأجاب على الفور: إدوارد سعيد، فلم ينجب التاريخ الثقافي الفلسطيني عبقرية تضاهي إدوارد المتعدِّد المتفرِّد، ومن الآن (أي وفاته) وحتى إشعار آخر بعيد، سيكون له الدور الرياديُّ الأول في نقل اسم بلاده الأصلية من المستوى السياسي الدارج إلى: الوعي الثقافي العالمي. لقد أنجَبتهُ فلسطين، ولكنه -بوفائه لقيم العدالة المهدورة على أرضها، وبدفاعه عن حقِّ أبنائها في الحياة والحرية- أصبح أحد الآباء الرمزيِّين لفلسطين الجديدة، إن منظوره إلى الصراع الدائر فيها هو منظور ثقافي وأخلاقي لا يبرِّر فقط حقَّ الفلسطينيِّين في مقاومة الاحتلال، بل ينظر إليه باعتباره واجبًا وطنيًّا وإنسانيًّا أيضًا”.
ويقول عنه جلال أمين: “لا أعرف رجلًا أو امرأة كسب لقضية الفلسطينيين عطف المثقَّفين في مختلف أنحاء العالم الذين يتكلَّمون ويقرؤون بمختلف اللغات، أكثر مما كسبه إدوارد سعيد لهذه القضية”.
ويرى فيصل دراج أن إدوارد سعيد أعطى في مساره “درسًا نموذجيًّا في “الهُجنة الخصيبة”، فقد كان أميركيًّا يدافع عن القضية الفلسطينية، وكان فلسطينيًّا يندِّدُ بالسياسة الصهيونية، وكان ذلك الفلسطيني الأميركي الذي ينقد “المؤسسة العرَفاتية” (إشارة إلى ياسر عرفات) ويرى فيها شرًّا وبيلًا يهدِّد الحق الفلسطيني”.
احتفظ سعيد بموقف منهجي معرفي مسؤول من القضية الفلسطينية مؤكِّدًا على الوظيفة السياسية للثقافة “إدوارد سعيد من قِلَّةٍ استعادت، بإصرار وبوعي عميق، واجتراح، وتجذُّر، الوظيفة السياسية للثقافة والإبداع والكتابة، من دون أن يقع، حتى في أكثر المراحل سخونة وانفعالًا وعاطفية وذاتية، لا في المباشرة، ولا في التبسيط، ولا في الخطاب التعبوي الآني، أو الدوجمائية المغلقة أو الدعائية الضيقة. كان لنضاله أفق، بل كانت كلُّ الآفاق المشرعة على المعاصرة في خدمة نضاله: من الفكر الذي رفض أن يكون مرتبطًا بما يسمَّى “ما بعد الحداثة” بمضمونه العدمي أو التدميري، أو المفرَّغ من القيم والحقائق الكبرى، إلى السياسة التي جعل التزامه فيها التزامًا بالقضية الفلسطينية وبكل القضايا العالمية، والشعوب الخاضعة للكولونيالية، ومطامحها وآلياتها المتوحِّشة وجنونها”(2).

ثانيًا- حياته وموقفه الكلي من فلسطين

ولد إدوارد سعيد في الأول من نوفمبر 1935 في القدس من والدة بروتستانتية تنتمي إلى عائلة ميسورة وتاجر فلسطيني مسيحي ثري حصل على الجنسية الأمريكية، وقد تُوفي الكاتب الكبير يوم الخميس الخامس والعشرين من سبتمبر 2003 بعد صراع طويل مع مرض سرطان الدم -لوكيميا- الذي أصابه لمدة عشر سنوات وأوهن جسمه، لكنه لم يوهن عقله وإرادته، وظلَّ حتى وفاته يكتب ويقاوم كعادته التي عُرف بها كاتبا يتقدَّم الصفوف الأولى.
وصل إلى القاهرة مع أسرته في العام 1947م ثم توجَّه في سنِّ السابعة عشرة إلى الولايات المتحدة ليتابع تحصيله العلمي. وتخرَّج أولًا في جامعة برينستون، ثم حصل على شهادة دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة هارفارد، وفي 1963م بدأ التدريس في جامعة كولومبيا في نيويورك.
بعد هزيمة العرب في يونيو 1967 انصرف إلى العمل على شرح قضية شعبه في الولايات المتحدة، وقد خاض مرَّات عدَّة مواجهات مع القيادة الفلسطينية، وأصبح إدوارد سعيد عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني في 1977م، وحاول عبثًا إقناع قيادة “منظمة التحرير الفلسطينية” بأهمية الجاليات الفلسطينية المنتشرة في أنحاء العالم.
وصدر أبرز كتبه “الاستشراق” في العام 1978م، وقد تُرجم إلى 26 لغة، واعتبارًا من 1979م بدأ ينتقد أسلوب “منظمة التحرير” والدول العربية في التعامل مع القضية الفلسطينية، وظهر ذلك جليًّا في كتابه “مسألة فلسطين”، وقد صدرت له العديد من الكتب التي تناولت النزاع في الشرق الأوسط.
في 1991م استقال من “المجلس الوطني الفلسطيني” بسبب معارضته الشديدة لياسر عرفات وانتقاده له بسبب سعيه التقرُّب من “إسرائيل”، إلا أنه واصل النِّضال وبدأ يطالب منذ العام 1994م باستقالة عرفات الذي وصفه بـ “بيتان الإسرائيليِّين” (نسبة إلى المارشال هنري بيتان الفرنسي الذي تعاون مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية). واعتبر سعيد أن عرفات وافق -من خلال اتفاقات “أوسلو” (1993م)- على التبرُّؤ من التاريخ الفلسطيني، وقد وصف اتفاقات “أوسلو” بين إسرائيل والفلسطينيِّين بأنها “أداة استسلام العرب” في وجه الدولة العبرية والولايات المتحدة، وبعد أن استقال إدوارد سعيد من “المجلس الوطنى الفلسطيني” عام 1991م، اشتدَّت مناهضته لما يسمَّى “عملية السلام”، وظلَّ يمثِّل أحد الأصوات الهامَّة للمقاومة وسط جوٍّ يملؤه اليأس(3).

ثالثًا- المثقف المسؤول المتَّسِق

مسؤولية المثقَّف لدى إدوارد سعيد تتمثَّل في: مواجهة الكاذبين الأقوياء بالحقيقة وعرض أكاذيبهم للتمحيص العام، وهي مسؤولية تستوجب ثمنًا غاليًا وقد تعرِّض حياته للخطر، وقد دفع سعيد الثمن، وهو الرجل الذي سمَّاه الصهاينة في مجلتهم النيويوركية Commentary في أغسطس 1989 “أستاذ الإرهاب”، وهدَّدَ الصهاينةُ المتطرفون عائلتَه في فلسطين، ووضعته الرابطة الصهيونية على لائحة كبار المروِّجين للتأييد العربي في صفوف الطلاب والأساتذة الجامعيِّين في الولايات المتحدة الأمريكية، في بعض الأحيان كانت حياته عرضة للتهديد من مجموعات عنيفة، وكانت تلك التهديدات جدِّيَّةً إلى حدِّ أن «إف. بي. آي» كانت تحذِّره بأن عليه أن يكون متنبِّهًا(4).
العلمانية لدى إدوارد سعيد –وهو يصف نفسه بأنه علماني متشدِّد- في عمله الأخير الذى نُشر بعد وفاته بعنوان “عن الأسلوب المتأخِّر”(5) هي الحلُّ للمسألة الفلسطينية على المستوى المعرفي والوجودي والفكرى والمستوى السياسي، فعلى المستوى المعرفي والوجودي يكتب تعليقًا على تمييز الفيلسوف الإيطالي فيكو بين الأممي واليهودي “أن تكون أمميًّا غير يهودي يعنى أن تخرج من الزمن المقدَّس والسرديَّات المقدَّسة، وأن تعيش بشكل دائم في التاريخ وبنظام غير نظام الله”(6)، وعلى المستوى السياسي فإن الدولة الفلسطينية العلمانية الديمقراطية هى الحل للقضية الفلسطينية.
طالَب سعيد دومًا بنزعة “أنسنية” ما بعد أوروبية عابرة للقارات، نزعة “أنسنية” تؤمن بالفعل الإنساني وتدين الإقصاء مع انفتاح شامل على منابع المعرفة الإنسانية… مفكر مرتحل بين عوالم المعرفة، مثقَّف يقاوم من داخل الحقل الأكاديمي الغربي بفكر نقدي وثوري لتكسير صنميَّة الآراء المسبقة(7).
يرى وليام هارت أن الدين يجعل مشروع سعيد أكثر قابلية للفهم والإدراك، خصوصًا إشاراته المبعثرة -لكن المستمرة- إلى الدين، وهذا يسلِّط الضوء على معاني العلمانية وتعقيداتها الجمَّة، التى لم يعمل سعيد على تفسيرها البتة(8)، فالدين كما يرى هارت “يعود أحيانًا وفي الأماكن غير المتوقَّعة بتاتًا”(9) ومن ضمنها مشروع إدوارد سعيد الفكري.
ويواصل وليام هارت عرض وجهة نظر مفادها إمكانية التعايش بين العلمانية والتديُّن قائلًا: يمكن للمرء أن يكون متديِّنًا كليًّا وعلمانيًّا، أو علمانيًّا كليًّا ومتديِّنًا، وتعنى العلمانية عدم الاعتراف السياسيى بالكنائس وغيرها من المؤسَّسات الدينية والتقاليد، وتشير في بعض الأحيان إلى نقد المعتقدات الدينية التقليدية مثل الرواية الإنجليزية لمعركة أريحا التى وقفت الشمس ثابتة خلالها(10).
رابعًا- ملامح فكر إدوارد سعيد في القضية الفلسطينية
من أهمِّ محددات فكر إدوارد سعيد فى النظر للقضية الفلسطينية هو النقد الذاتي للمشترك الإنساني، ومأزق ضحية الضحية، ومعضلة الجغرافيا والديمُجرافيا.

1- النقد الذاتي:

كعادة المثقَّف المسؤول يناضل على أكثر من جبهة ضدَّ العدو الخارجي وأعوانه من المستبدِّين والفاسدين “كان سعيد من أقوى المناهضين للخطاب الصهيوني الأمريكي، لكنه كان مع ذلك من أشدِّ دعاة النَّقد الفلسطينى الذاتي، فلم يتردَّد عن الجهر بمطاوي الخلل المتفشِّي في السلطة الفلسطينية، القائمة على السلطوية والقمع والفساد، وكان من أبرز منتقدي دكتاتورية الرئيس ياسر عرفات، ومقولة “ليس ثمة بديل آخر له”، ويُسمِّي مَنْ حوله “جوقة المنتفعين المتحلِّقين من حوله”، التى وجد فيها بعضًا من “سمات المافيا” التي تستبعد ذوي الكفاءة والشرف لصالح دائرةٍ ضيقة من العملاء المـُختـَرَقين من قِبل “الموساد” والمخابرات الأمريكية، ومن الانتهازيِّين المنشغلين بعقد مختلف الصفقات التجارية على حساب الشعب الفلسطينى المُعذَّب(11).
وقد بذل إدوارد سعيد غاية جهده “فى بيان دور المثقَّف فى مواجهة السلطة فى أزمنة الهزائم المتلاحقة”، فهو يقول: “تزداد أهمية الدور الذى يلعبه النَّقد والتذكير بالنواقص فى غياب نظام قانوني ودستوري متكامل، ولا يصح هذا الأمر فى حالة غزَّة والضفَّة الغربية فحسب، بل ينطبق على أيِّ مكان في العالم العربي، فالنَّقد يرفع من مستوى الوعي ويعيد ارتباط القادة بشعوبهم، كما أن نقد السلطة واجب أخلاقي، إذ إن التزام الصمت أو الاكتفاء باللامبالاة أو الانصياع للسُّلطة الباغية كلها أمور تنمُّ عن انعدام الحسِّ الأخلاقي، إن شيئًا من النقد الذاتي كان كافيًا للوصول لدرجة من الصدق مع الذات، ولدرء كثير من الهزائم العربية التى ساقتنا إليها خطانا بعد “أوسلو” وقبلها”(12).
ومن هذه الانتقادات ما ذكره بخصوص اتفاقية “أوسلو”: “في أكثر من موضع، قرأتُ أن الكراسي المصفوفة في حديقة البيت الأبيض -يوم توقيع اتفاقية أوسلو- كانت من ذلك النوع الذى يمكن طيُّه وإزاحته بعد انقضاء المناسبة، لكن المؤسف هو ما تبدَّى عبر كل تلك الأعوام المنصرمة، من أن الاتفاقية بأسرها كانت هي أيضًا من ذلك النوع الذى يسهل طيُّه كطيِّ السجل ليُقذف فى سلة المهملات، فلقد ذهب الذاهبون إلى “أوسلو” وهم يعلمون أنها لا تمثِّل معاهدة سلام، بل محض إطار لبيان ترتيبات سلطة عاجزة مؤقَّتة، وقناة لتسهيل مفاوضات صوريَّة كاذبة، ذهب الذاهبون وهم يعلمون أن الأمر لا يعدو أكثر من تمثيلية، وألَّا حديثَ سيكون عن أيٍّ من المشكلات الصعبة: القدس والاستيطان واللاجئين والحدود، ذهبوا وهم يظنون أنهم مُنحوا هِبة عظيمة لمجرَّد أن إسرائيل قد اعترفت بوجودهم. ذهبوا وفى نفوسهم عقدةُ نقص، وطمعٌ فى سلطة، واستعدادٌ لفساد، وافتقارٌ لكفاءة، وبوادرُ انقسام، فبدوا أضعف شأنًا من حمل لواء قضيَّتهم العادلة وباؤوا بما باؤوا به اليوم، واستحقُّوا ضحكات رئيس وزراء الكيان الصهيوني”(13).
ويؤكِّد سعيد على أهمية الإرادة الفكرية قبل السياسية فى المقاومة والتحرير، إذ يقول: “الخطوة الأولى لتحرير الأراضي المحتلَّة هي أن نقرِّر فكريًّا أنها ستُحرَّر، فالوصول للهدف يتطلَّب تعبئة حقيقية واستعدادًا حقيقيًّا. فى حين أن السَّير على الطريق الحالي بقيادة الأشخاص الحاليِّين لن يؤدِّي سوى إلى المزيد ممَّا نجده الآن، أي الأوهام والخسارة والفساد”.

2- المشترك الإنساني:

ويركز إدوارد سعيد في تناوله وعرضه للقضية الفلسطينية على المشترك الإنساني ويحيل إلى مرجعية حقوق الإنسان، يقول: “بعد 1967م، أدَّى احتلال الضفَّة الغربية وغزَّة إلى نشوء نظام عسكري ومدني للفلسطينيِّين كان هدفه إخضاع الفلسطينيِّين وتحقيق الهيمنة الإسرائيلية، أي بمثابة امتداد للنموذج الذي قامت عليه إسرائيل، وأُنشئت مستوطنات في أواخر صيف 1967م (وجرى ضم القدس)، ولم تقم بذلك أحزاب يمينية، بل حزب “العمل” الذي كان عضوًا في الدولية الاشتراكية، ولم يكن تشريع المئات من «قوانين المحتلين» يخالف بشكل مباشر أسس الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فحسب، بل مواثيق جنيف أيضًا، وتعدَّدت هذه الانتهاكات لتمتدَّ من الاعتقال الإداري إلى المصادرات الجماعية للأراضي وهدم المنازل والإجلاء القسري للسكَّان والتعذيب واقتلاع الأشجار والاغتيال وحظر الكتب وإغلاق المدارس والجامعات، لكن توسيع المستوطنات اللاشرعية استمرَّ دائمًا، فيما شملت سياسة التطهير العرقي المزيد من أراضي العرب كي يمكن توطين اليهود القادمين من روسيا وإثيوبيا وكندا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان، بعد توقيع اتفاقات “أوسلو” في أيلول (سبتمبر) 1993، شهدت أوضاع الفلسطينيِّين تدهورًا مستمرًّا، وأصبح من المستحيل بالنسبة إلى الفلسطينيِّين أن يتنقلوا بحرِّية بين مكان وآخر، وحُظر عليهم الوصول إلى القدس، وأدَّت مشاريع بناء ضخمة إلى تغيير جغرافيا البلد، وفي كل شيء جرى الحرص بدقَّة على التمييز”(14).

3- ضحية الضحية:

يُبرز سعيد ما يراه معضلة أخلاقية في القضية الفلسطينية، فالفلسيطنيون هم “ضحية الضحية”، باعتبار أن اليهود ضحايا الغرب المسيحي إذ يقول: “لا جدال أن المأزق الأخلاقي الذي يواجهه كلُّ من يحاول أن يتناول النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي هو مأزق عميق، فاليهود الإسرائيليون ليسوا مستوطنين بيضًا من الصنف الذي استعمر الجزائر أو جنوب أفريقيا، على الرغم من أن وسائل مماثلة استُخدمت، ويُنظر إليهم بحق كضحايا تاريخ طويل من الاضطهاد الغربي المسيحي المناهض للسامية بشكل أساسي، وقد توِّج بفظاعات المحرقة النازية التي تكاد تتجاوز حدود التصديق؛ لكن بالنسبة إلى الفلسطينيِّين فإن دورهم هو دور ضحايا الضحايا، ويفسر هذا لماذا ينأى الليبراليون الغربيُّون بأنفسهم، وهم الذين أيَّدوا علنًا حركة مناهضة نظام التمييز العنصري، أو الحركة الساندينية في نيكاراجوا، أو البوسنة، أو تيمور الشرقية، أو الحقوق المدنية في أميركا، أو إحياء الأرمن لذكرى الإبادة التي نفَّذها الأتراك أو قضايا سياسية أخرى كثيرة من هذا النوع، عن التأييد العلني لحق تقرير المصير للفلسطينيِّين. أمَّا بالنسبة إلى السياسة النووية لإسرائيل، أو حملة التعذيب المشرَّعة قانونيًّا، أو استخدامها للمدنيِّين كرهائن، أو رفضها إعطاء الفلسطينيِّين أذونات للبناء على أراضيهم في الضفَّة الغربية، فإن القضية لم تُطرح إطلاقًا في المجال العلني الليبرالي، ويرجع السبب في جانب منه إلى الخوف، وفي جانب آخر إلى الشعور بالذنب”(15).

4- معضلة الجغرافيا والديمُجرافيا:

يلفت إدوارد سعيد النظر إلى صعوبةٍ عمليةٍ تفرضها الجغرافيا والديمُجرافيا على القضية الفلسطينية فيقول: “ثمة تحدٍّ أكبر من السابق نفسه، ويتمثَّل في صعوبة الفصل ما بين المجموعتين السكانيَّتين الفلسطينية والإسرائيلية، وهما الآن متداخلتان من نواحٍ تفوق الحصر، على رغم الهوَّة الكبيرة بينهما، ويدرك الكثيرون منَّا، الذين نادوا سنين طويلة بإقامة الدولة الفلسطينية، أن «دولة» كهذه (المزدوجان هنا في مكانهما الصحيح!) إذا قُدِّر لها أن تولد من كارثة “أوسلو”؛ ستكون ضعيفة ومعتمدة اقتصاديًّا على إسرائيل، ومفتقرة تمامًا إلى أي قوة أو سيادة. فوق كل ذلك فإن خريطة الضفة الغربية حاليًّا تبيِّن أن مناطق الحكم الذاتي منفصلة بعضها عن بعض (مساحتها الآن لا تتجاوز ثلاثة في المئة من مساحة الضفَّة الغربية، فيما تواصل حكومة نتنياهو رفض إعطائها 13 في المئة إضافية) وهي بذلك ستكون بمثابة بانتوستانات تسيطر عليها إسرائيل من الخارج. الحل المعقول الوحيد، إذن، هو أن يجدِّد الفلسطينيون ومساندوهم الصراع ضدَّ المبادئ الإسرائيلية الأساسية التي تضع غير اليهود موضع الهوان في أرض فلسطين التاريخية، يبدو لي أن هذا هو المطلب المنطقي لأيِّ حملة لتحقيق العدالة للفلسطينيِّين، بدل المطالبة بالانفصال بين الطرفين، كما تفعل بين حين وآخر، وبتردُّدٍ وضعف، حركة “السلام الآن” الإسرائيلية، ليس هناك مبدأ لحقوق الإنسان، مهما كان مطَّاطًا، يمكن أن يتوافق مع التمييز الذي تمارسه إسرائيل ضدَّ غير اليهود، أي ضدَّ الفلسطينيِّين بالدرجة الأولى، وليس من أمل في مصالحة على أرض فلسطين (إسرائيل) ما لم تتمَّ مواجهة التناقض بين عقيدة إسرائيل الانعزالية على الصعيدين الديني والإثني من جهة، ومتطلَّبات الديمقراطية الحقيقية من الجهة الثانية. أمَّا التهرُّب من هذه القضية أو تغطيتها كلاميًّا أو اللجوء إلى تعريفات غائمة لـ«السلام» فلن تجلب للفلسطينيِّين، وللإسرائيليِّين على المدى الطويل، سوى المعاناة والقلق(16).

ماذا بقي من إدوارد سعيد؟

بقي النضال والمثال والنموذج بالإضافة إلى الناتج العلمى الذي نافح فيه وبه دوائر الصهيونية الإعلامية والأكاديمية في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها، حيث ترجمت أعماله هذه بالإضافة لباقي أعماله التأسيسية كالاستشراق والثقافة والإمبريالية إلى عشرات اللغات.
ومن كتبه التى تناولت بشكل مباشر القضية الفلسطينية: مسألة فلسطين (1979م)، ما بعد السماء الأخيرة: حياة الفلسطينيِّين (1986م)، سياسة التجريد:كفاح شعب فلسطين لتقرير المصير 1969 – 1994(1994م)، السلام والسخط عليه: مقالات عن فلسطين وعملية السلام في الشرق الأوسط (1995م)، نهاية عملية السلام: أوسلو وما بعدها (2000م)، تأمُّلات من المنفى ومقالات أخرى (2000م)، من أوسلو إلى العراق وخريطة الطريق (2004م).
إنَّ نضال إدوارد سعيد فكرًا وبحثًا ودراسة ومواقف سياسية من أجل القضية الفلسطينية هو دفاع عن الذَّات والهُوية، ولعلَّ رثاء الشاعر الفلسطينى محمود درويش لإدوارد سعيد -وكانا صديقين- يكشف عن هذا المعنى، يقول درويش:
والهويَّةُ؟ قُلْتُ
فقال: دفاعٌ عن الذات…
إنَّ الهوية بنتُ الولادة لكنها
في النهاية إبداعُ صاحبها
لا وراثة ماضٍ
أنا المتعدِّد… في
داخلي خارجي المتجدِّدُ
لكنني
أنتمي لسؤال الضحية.
وصفوة القول أننا بحاجة إلى تمثُّل نضال سعيد، وقد نقول “جهاده” المدني، من أجل القضية الفلسطينية وما بث في مواقفه العملية وخلفيَّته المعرفية من اتِّساق فكري وأصالة وعمق مع الاستعداد لدفع الثمن من حياته وصحَّته. إن ما يحتاجه كلُّ المدافعين والمناضلين والمجاهدين من أجل القضية الفلسطينية وهو نفس ما أعجب به إدوارد سعيد من كلمات لقسطنطين زريق، هو حاجتنا جميعًا إلى “معرفة شاملة قوية ممزوجة بإيمان متَّقد”(17)، أي أن نكون أبناء قضايانا وتلاميذها، كما ذكر سعيد في حواره الذى أُشير إليه فى بداية التقرير.
*****

الهوامش:

(*) باحث في العلوم السياسية.
(1) الحوار منشور تسجيله الصوتي في موقع YouTube، بعنوان: “لقاء إدوارد سعيد مع إذاعة بي بي سي”، 6 فبراير 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/G62nt3
(2) هذه الشهادات متاحة على موقع “ديوان العرب” تحت عنوان: “إدوارد سعيد”، 5 مايو 2004، متاح عبر الرابط التالي: http://bit.ly/2uKip9h
(3) المرجع السابق.
(4) إدوارد سعيد.. مفكر عبر الحدود لتفسير العالم، موقع صحيفة الخليج الإماراتية، 31 مارس 2018، متاح عبر الرابط التالى: https://goo.gl/fxz4wS
(5) إدوارد سعيد، عن الأسلوب المتأخر: موسيقى وأدب عكس التيار، ترجمة: فواز طرابلسي، (بيروت: دار الآداب، 2015)، ص 34.
(6) Edward W. Said, Beginnings: Intention and Method, (New York: Basic books, 1975), pp. 349 – 350.
(7) “إدوارد سعيد، الانتفاضة الثقافية”.. إصدار جديد للمترجم المغربي محمد الجرطي، موقع جريدة طنجة الأدبية، 26 سبتمبر 2016، متاح عبر الرابط التالي: http://bit.ly/2uwGUI3
(8) وليام د. هارت، “إدوارد سعيد والمؤثرات الدينية للثقافة”، ترجمة: د. قصي أنور الذبيان، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث (كلمة)، 2011.
(9) المصدر السابق، ص 235.
(10) المصدر السابق، ص 235.
(11) داليا سعودي، ضحكات نتنياهو ونبوءة إدوارد سعيد، بوابة الشروق، 20 فبراير 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/vkYMNk
(12) المصدر السابق.
(13) مقتبس في المصدر السابق نقلا عن إدوارد سعيد.
(14) إدوارد سعيد، أوسلو وما بعـدها، ملحق “فلسطين” بصحيفة السفير اللبنانية، عدد أيلول (سبتمبر) 2010، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/3PiqME
(15) المرجع السابق.
(16) المرجع السابق.
(17) إدوارد سعيد، القضية الفلسطينية والمجتمع الأمريكي، سلسلة أوراق مؤسسة الدراسات الفلسطينية، العدد الأول، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1980)، ص 32.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق