تقارير ودراسات

قرارات اليونسكو بشأن القدس وكيفية تفعيلها

مقدمة

مثَّلت القدس ولا تزال رمزًا مهمًّا للإنسانية، حيث تعدُّ قضية القدس قضيةً ذات خصوصية لها أبعاد تتجاوز في كثير من الأحيان التحيُّزات السائدة في مجال العلاقات الدولية، وهو ما يتجلَّى بوضوح في القرارات الأمميَّة المتعلِّقة بالقضية الفلسطينية عمومًا ووضع القدس بها على وجه الخصوص.
وإذا كانت الكثير من القرارات المتعلِّقة بالقدس والقضية الفلسطينية دائمًا ما يفشل إقرارها في أروقة مجلس الأمن بسبب حق النقض الذي تملكه الولايات المتحدة الأمريكية، فإن من الأهمية بمكان ملاحظة مدى القوة الأخلاقية للقضية الفلسطينية التي تتغلَّب على اعتبارات المصالح السياسية والاقتصادية للدول في الكثير من الأحيان، وتفصح عن نفسها بوضوح أشد في المحافل ذات القوة المحدودة ماديًّا وإن كانت ذات أثر معنوي أكبر[1]، ممَّا يؤشِّر على إدراك المجتمع الدولي لحقيقة إسرائيل وكونها كيانًا استيطانيًّا لا يحظى بالتقدير والتأثير إلا بمقدار ما يمكنه من ممارسة ضغوط وتقديم حوافز سياسية واقتصادية من أجل تحقيق ما يريده، وهي عملية غير مضمونة وتفشل في مرَّات عدَّة.
وفي البداية، تستعرض هذه الورقة أهمَّ القرارات الصادرة من اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة) بخصوص فلسطين عمومًا والقدس خصوصًا، ثم تتناول دلالات هذه القرارات وكيفية تفعيلها.

أولًا- أهم قرارات اليونسكو المتعلقة بالقدس الشريف[2]

● في 1956م: اتَّخذت اليونسكو أول قرار لها بخصوص القدس، وجاء بعد نحو ثماني سنوات من ضمِّ إسرائيل الشطر الغربي منها، ونصَّ القرار على اتِّخاذ جميع التدابير من أجل حماية الممتلكات الثقافية في المدينة في حال النِّزاع المسلَّح.
● وفي 1968م: أي بعد سنة واحدة من احتلال إسرائيل القدس الشرقية، وذلك في الدورة الخامسة عشر لليونسكو (1968م) اتَّخذت اليونسكو قرارًا يؤكد على القرار السابق، كما دعا القرار إسرائيل إلى الامتناع عن إجراء أي حفريات في المدينة أو نقل للممتلكات أو تغيير لمعالمها أو ميزاتها الثقافية.
ونصَّ القرار الذي حمل رقم 343 على أن المؤتمر العام إذ يدرك الأهمية الاستثنائية التي تتَّسم بها الممتلكات الثقافية الواقعة في مدينة القدس القديمة ولا سيما الأماكن المقدسة، لا بالنسبة للبلاد المعنيَّة مباشرة فحسب، وإنما أيضًا للإنسانية جمعاء، بسبب ما لهذه الآثار من قيمة فريدة في النواحي الفنية والتاريخية والدينية، ويأخذ في الاعتبار القرار 2253 الصادر عن الجمعية العامَّة للأمم المتحدة في 4 يوليو 1967 بشأن مدينة القدس، ويقضي هذا القرار باعتبار جميع الإجراءات التي اتَّخذتها إسرائيل في القدس غير مشروعة، ويدعوها إلى إلغائها والامتناع عن اتِّخاذ أي عمل من شأنه تغيير وضع المدينة.
● وفي 1974م: اتَّخذت اليونسكو قرارًا قضى بالامتناع عن تقديم أي عون ثقافي وعلمي للإسرائيليِّين بسبب ممارساتهم في القدس، وشجب استمرار “إسرائيل” في القيام بأعمال التنقيب عن الآثار في مدينة القدس، وقد وُوجِهَ هذا القرار باعتراضٍ غربيٍّ عنيف، فجمَّدت الولايات المتحدة دفع مساهماتها في ميزانية اليونسكو لمدَّة عامين، وخفضت فرنسا وسويسرا من نسبة مساهماتهما المالية في الميزانية.
● وفي 1976م: أصدر المؤتمر العام لليونسكو القرار رقم 129/4 في دورته التاسعة عشرة، أكَّدَ فيه على توجيهاته ونداءاته لإسرائيل في القرارات السابقة بوقف أيِّ حفريات أو تغيير من جانبها لمعالم مدينة القدس.
● وفي 1978م: أصدر المؤتمر العام لليونسكو قرارين آخريْن بخصوص القدس، أولهما- توجيه نداء عاجل إلى إسرائيل لكي تمتنع عن كافَّة الإجراءات التي تحول دون تمتُّع السكان العرب الفلسطينيِّين بحقوقهم في التعليم والحياة الثقافية والوطنية، وثانيهما- يدين إسرائيل لتغييرها معالم القدس التاريخية والثقافية وتهويدها.
● وفي 1980م: بدأ حضور القدس في “لجنة التراث العالمي” حين قدَّم الأردن ترشيح “مدينة القدس القديمة وأسوارها” للتسجيل في قائمة التراث العالمي، وقرَّرت اللجنة اتِّخاذ الإجراءات اللازمة لدراسة هذا المقترح لما يمثِّله الموقع من قيم عالمية ذات أهمية فريدة من النواحي الدينية والتاريخية والمعمارية والفنية، وقرَّر المؤتمر العام لليونسكو في دورة اجتماعاته الحادية والعشرين لسنة 1980م “التعجيل بإجراءات ضمِّ مدينة القدس إلى قائمة التراث العالمي، والنظر في تسجيلها في قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر”.
● وفي 1982م: انعقدت الدورة السادسة للجنة التراث العالمي، وقرَّرَتْ بأغلبية الأصوات تسجيل موقع مدينة القدس القديمة وأسوارها في قائمة التراث العالمي المهدَّد بالخطر، وبالرغم من أن هذا القرار كان يقضي تحميل اليونسكو والمجتمع الدولي مسؤولية اتِّخاذ إجراءات حازمة وعاجلة في حماية الموقع والتدخُّل الفوري والفعلي لحفظه وصونه، إلا أنه لم يُفْضِ إلى هذه النتيجة، فلم تنَل القدس العناية الواجبة ولم تتمَّ حماية تراثها، بل لم يكن للقدس حضور في اجتماعات لجنة التراث العالمي خلال ما تبقَّى من الثمانينيات وطوال التسعينيات، باستثناء ملاحظة قصيرة وردت في تقرير مقرِّر الدورة السابعة للجنة سنة 1983م.
● وفي 2000م: عادت القدس مرة أخرى إلى “لجنة التراث العالمي”، بعد أن وقَّعت إسرائيل في 6 أكتوبر 1999 على اتفاقية “حماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي”، وانضمَّت إلى اللجنة في 6 يناير 2000، وقَدَّمت في يوليو 2000 إلى مركز التراث العالمي “قائمة مؤقَّتة” تضمُّ عشرين موقعًا ثقافيًّا وطبيعيًّا تنوي تسجيلها تباعًا في “قائمة التراث العالمي”، وكانت “القدس” من ضمن تلك المواقع، وفي دورة اللجنة الرابعة والعشرين التي عُقدت في مدينة كرينز بأستراليا سنة 2000م، أدَّى البيان الذي وجَّهه مؤتمر الوزراء المختصِّين بالشؤون الثقافية العرب في نوفمبر 2000 إلى إثارة موضوع إدراج مدينة القدس على “القائمة المؤقَّتة” الإسرائيلية، بالرغم من عدم إدراجه على جدول أعمالها، وفي اجتماع اللجنة بكرينز أُعطيت الكلمة إلى رئيس بعثة فلسطين المراقِبة لدى اليونسكو؛ فخاطب اللجنة داعيًا أعضاءها إلى رفض النظر في الطلب الإسرائيلي لتسجيل موقع ثقافي في مدينة محتلَّة، وشكَّلت مداخلتُه أوَّل مشاركة فلسطينية في تاريخ عمل اللجنة، وقد أدرك السفير الإسرائيلي لدى اليونسكو دلالة هذا الموقف، فاتَّهم اللجنة بالعمل وفق أهواء سياسية، واعترض على السماح لممثل فلسطين بمخاطبة اللجنة، واعترض على تسمية الوجود الإسرائيلي في القدس احتلالا.
● وفي 2001م: أوصى “مكتب لجنة التراث العالمي” تأجيل النظر في ترشيح القدس للتسجيل في “قائمة التراث العالمي” وفق الطلب الذي تقدَّمت به إسرائيل، وبالتالي لم يُعرض الطلب على الدورة الخامسة والعشرين للَّجنة التي عُقدت في هلسنكي بفنلندا في ديسمبر 2001، وهو ما اعتبر انتصارًا للموقف العربي عامَّة والفلسطيني خاصَّة، وإن ظلَّت القدس للأسف على “قائمة التراث الإسرائيلية المؤقَّتة”، بالرغم من الضغوط التي مارستها المجموعة العربية ودعوة اليونسكو ومسؤوليها لدفع إسرائيل لإسقاط القدس من قائمتها التمهيدية التزامًا بالقرارات الدولية التي تنصُّ على أن إسرائيل دولة محتلَّة لأراض فلسطينية وعربية بما فيها القدس.
● وفي 2003م: اتَّخذت اليونسكو قرارًا بإرسال بعثة فنية إلى القدس لتقييم وضع البلدة القديمة على خلفية الإجراءات والحفريات الإسرائيلية فيها، بعد أن طلبت الدول العربية الأعضاء في “لجنة التراث العالمي” من اليونسكو تقديم تقارير عن أوضاع التراث فيها.
● وبين عامي 2005 و2006م: اتَّخذت اليونسكو قرارات نصَّت على القيمة الاستثنائية لمدينة القدس وأسوارها، ووضعتها على لائحة “التراث العالمي المهدد بالخطر”، وأشارت إلى العقبات التي تضعها إسرائيل لتحول دون صون التراث الثقافي.
● وفي 2007م: اتَّخذت اليونسكو قرارًا طالبت فيه إسرائيل بتقديم تقرير مفصَّل بشأن الحفريَّات التي تجريها في منحدر باب المغاربة المتاخم للمسجد الأقصى.
● وفي 31 أكتوبر 2011: تمَّ قبول فلسطين عضوًا كامل العضوية في اليونسكو، بتأييد 107 أصوات وامتناع 52 واعتراض 14 آخرين.
وأيَّدت غالبية الدول العربية والأفريقية ومن أمريكا اللاتينية تقريبًا انضمام فلسطين، وكذلك أيَّدته فرنسا، إلا أنها عبَّرت عن تحفُّظات حول شكليَّات تقديم طلب الانتساب.
● وفي 2014م: صادَقَت لجنة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو على قرار أردني-فلسطيني طالَب إسرائيل بالوقف الفوري لكل حفريَّاتها غير القانونية، وانتهاكاتها ضدَّ تراث البلدة القديمة بالقدس المحتلة، وجاءت تلك الموافقة على هذا القرار في دورة اللجنة 38 التي انعقدت بالعاصمة القطرية الدوحة.
وندَّد القرار بما وصفه بالاقتحامات الاستفزازية التي يقوم بها يهود متطرِّفون بحقِّ المسجد الأقصى، وطالبت اللجنة إسرائيل باحترام الوضع الراهن في المسجد الأقصى الذي طالما حافظ على المسجد كونه مكان عبادة إسلاميًّا على وجه الحصر، وموقع تراث ثقافي عالمي.
● وفي 2015م: أدان قرار تقدَّمت به المجموعة العربية في اليونسكو القمعَ الذي قامت به قوَّات الاحتلال بالقدس، وإخفاق إسرائيل في حماية المواقع الأثرية وفي وقف الحفريَّات المستمرَّة والأشغال شرقي المدينة خاصَّة في البلدة القديمة ومحيطها.
كما انتقد الممارسات الإسرائيلية في الحرم الشريف، ودعا إلى المسارعة في إعادة إعمار المدارس والجامعات والمواقع التراثية الثقافية والمؤسَّسات الثقافية والمراكز الإعلامية وأماكن العبادة التي دُمِّرَتْ أو تضرَّرت بسبب الحروب المتتالية في قطاع غزة[3].
● وفي 2016م: تمَّ اتِّخاذ عدد من القرارات والمواقف بشأن القدس، فتمَّ إدراج 55 موقعًا تراثيًّا في العالم على قائمة “المواقع المعرَّضة للخطر”، ومنها البلدة القديمة في القدس المحتلَّة وأسوارها، مما خلَّف غضبًا واستنكارًا إسرائيليًّا.
وتبنَّى المجلس التنفيذي لليونسكو، بمبادرة من العديد من الدول العربية، وبتأييد من فرنسا، قرارًا حول “فلسطين المحتلة” يهدف إلى “حماية الإرث الثقافي الفلسطيني والطابع المتميز للقدس الشرقية”.
كما تبنَّت اليونسكو قرارًا يدين “الاعتداءات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية” ضدَّ حرية العبادة ودخول المسلمين إلى المسجد الأقصى.
وتبنَّت اليونسكو قرارًا[4] حول القدس الشرقية بمبادرة من دول عربية وبهدف حماية الإرث الثقافي الفلسطيني، وقد نفى هذا القرار وجود ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق الذي يُسمِّيه اليهود “حائط المبكى”، واعتبرهما تراثًا إسلاميًّا خالصًا، وأظهر القرار الأسماء العربية الإسلامية للمسجد الأقصى والحرم الشريف وحائط البراق الذي سَعَتْ إسرائيل بشكل مستمر لتزوير هُويَّته الإسلامية بإطلاق مسمَّى “حائط المبكى” عليه.
وتحدَّث القرار عن “الحرم القدسي”، بينما يطلق اليهود على المكان اسم “جبل الهيكل”[5]).
● وفي 2017م: صوَّت المجلس التنفيذي لليونسكو على قرارٍ يؤكِّد قرارات المنظمة السابقة باعتبار إسرائيل محتلَّة للقدس، ويرفض سيادة إسرائيل عليها.
وتبنَّت “لجنة التراث العالمي” التابعة لليونسكو في دورتها الحادية والأربعين، المنعقدة بمدينة كراكوف في بولندا في شهر يوليو 2017، قرار “بلدة القدس القديمة وأسوارها” المُعد من قبل الأردن وفلسطين والمقدَّم من المجموعة العربية.
وجاء تبنِّي القرار رغم الضغوط الهائلة التي مارستها إسرائيل على الدول الأعضاء واليونسكو لإفشال القرار، الذي أكَّد اعتماد (12) قرارًا سابقًا للمجلس التنفيذي لليونسكو و(7) قرارات سابقة للجنة التراث العالمي، وجميعها تنصُّ على أن تعريف الوضع التاريخي القائم في القدس هو ما كان عليه تراث المدينة المقدَّسة قبل احتلال القدس عام 1967م.
وتبنَّت اللجنة قرارًا يُؤكِّد عدم وجود سيادة إسرائيلية على القدس ويدين أعمال الحفر التي تقوم بها “دائرة الآثار الصهيونية” بمدينة القدس المحتلة.
وقدَّمت مجموعة الدول العربية صيغة القرار المذكور ووفقًا للادِّعاءات الصهيونية خففت الدول العربية والفلسطينيِّين من لهجة القرار بهدف تبنِّيه بالإجماع، لكن الضغوط الصهيونية أفشلت محاولة الإجماع[6].
وقرَّرت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل الانسحاب من اليونسكو بسبب ما اعتبرته كل منهما انحيازًا من اليونسكو ضدَّ إسرائيل، وكان ذلك قبل انتهاء جولة انتخابات رئاسة اليونسكو في أكتوبر 2017.

ثانيًا- تفعيل قرارات اليونسكو

يبدو ممَّا سبق ذكره من مواقف وقرارات لليونسكو متعلِّقة بالقدس، أنها بطبيعة الحال تقتصر على الجوانب الثقافية والتراثية، وذلك وفق طبيعة عمل المنظمة نفسها كونها معنيةً بالعلوم والثقافة وأن ارتباطها وتعلُّقها بالجوانب السياسية يأتي بصورة تبعية، فقرارات اليونسكو بالأساس تتعلق بالحفاظ على الطابع التاريخي والأثري للقدس، وتبدي قلقًا وانزعاجًا من الحفريات الإسرائيلة التي تؤثِّر سلبًا على طابع المدينة وآثارها العتيقة.
وتفعيل هذه القرارات يعتمد بشكل أساسي على اهتمام الأنظمة السياسية العربية بقضية فلسطين وفي القلب منها قضية القدس، واعتبار اليونسكو وغيرها من المؤسَّسات الأممية والدولية أدوات يمكن من خلالها تحسين الوضع القانوني الدولي لهذه القضية، ممَّا يسهم مع جهود تُبذل في مساحات أخرى من تحسين لبقية الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية… إلخ، لكن المشكلة الكبرى تكمن في عدم إيلاء الأنظمة العربية الاهتمام الكافي والجهد اللازم لهذه القضية المحورية التي تتراجع أهميَّتها منذ عقود بشكل تدريجي، ممَّا أثَّر بشكل سلبي على وضع هذه القضية بالنسبة للدول غير العربية والإسلامية كذلك، فقرَّرت دول غير عربية وغير إسلامية إقامة علاقات سياسية وتبادلت تمثيلا دبلوماسيًّا مع إسرائيل بالرغم من مقاطعتها إياها زمنًا طويلا، واتَّصلت بينها وبين إسرائيل علاقات اقتصادية ومشاريع استثمارية ضخمة، وهو الأمر الذي نلمس انعكاسًا له في تراجع قوَّة الصياغات المستخدمة في القرارات الخاصة بالقدس من جانب اليونسكو وإقرارها باحتلال القدس من جانب إسرائيل، بمرور الوقت، بل وتجاهلها لمدة طويلة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، حتى عادت إلى أعمال اليونسكو بسبب “القائمة المؤقَّتة” المقدَّمة من جانب إسرائيل، استلزم مواجهة عربية عرقلت مخالفة اليونسكو لما استقر في قرارات مؤتمراتها العامة ودورات لجنة التراث العالمي بها بشكل صريح.
وبالتالي ستظلُّ حركة المنظمات السياسية والثقافية غير الحكومية أو شبه الحكومية مكبَّلة بسبب تقاعس الأنظمة العربية عن الحركة الجدية والضغط بفاعلية من خلال استراتيجية واضحة المعالم ومتَّفق عليها بين هذه الأنظمة، وخاصَّة ممثِّلي العرب في المجلس التنفيذي لليونسكو و”لجنة حماية التراث العالمي”، وهو الأمر الذي تحيط به شكوك، يمكن تلمُّسها في الانقسام الأخير بشأن الترشح لرئاسة اليونسكو (2017م)، والدفع بأربعة مرشَّحين عرب، واحتدام المنافسة بين مرشَّحيْ قطر ومصر.
ولكن ستظلُّ هذه القضية مصدرًا دائمًا ومتجدِّدًا لإمكان تجاوز الخلافات العربية-العربية، بحيث يمكن أن يتجاوز العرب عن خلافاتهم والتوحُّد حول هذه القضية، وإن استمرَّت خلافاتهم الأخرى قائمة، أو البدء بالتوحُّد حولها للتوافق حول قضايا أخرى.
وعلى مستوى الإجراءات داخل أروقة اليونسكو[7]، فإنه يتعيَّن أن تتصدَّر السلطة الفلسطينية -باعتبارها الطرف الأساسي المعني بالقدس- عبر بعثتها ومن خلال التنسيق مع الوفود العربية والإسلامية الأخرى في منظمة اليونسكو والاستعانة بخبراء متخصصين أكْفاء، لإثارة قضايا القدس وفلسطين وحماية التراث الديني والتاريخي والأثري بها، كأحد المداخل المهمة لتحسين وضع هذه القضية المركزية لدى العرب والمسلمين، وكذلك هي مهمة للكثير من الجماعات الثقافية والسياسية في العالم، والتأكيد على عروبة القدس وعدالة قضيتها وكونها أرضًا فلسطينية محتلَّة من جانب إسرائيل، وفضح الممارسات الصهيونية التي يتعرَّض لها أهل القدس خاصَّة وفلسطين عامة، وكذلك ما يملكونه من تراث ديني وإنساني فريد، ويتحقَّق ذلك بوضع خطة عمل دبلوماسي بالتشاور مع خبراء فلسطينيِّين وعرب في المجال، تنفَّذ مراحلها على مدى العام ولا تقتصر على مواسم الاجتماعات، بإشراف من وزارة الخارجية الفلسطينية خاصَّة.
ويقتضي ذلك فيما يقتضي: تعزيز البعثة الفلسطينية لدى اليونسكو ودعمها بالكفاءات المتخصصة، وإنشاء لجنة وطنية فلسطينية للتراث الثقافي والطبيعي العالمي.
واستئناف السعي لإسقاط القدس من “القائمة التمهيدية” الإسرائيلية استنادًا إلى ما سبق بذله من جهد في الدورات السابقة للجنة وما أصدرته من قرارات في هذا الشأن.
والعمل على إعادة حضور (مدينة القدس القديمة وأسوارها) حضورًا فعليًّا وكاملا في “لجنة التراث العالمي”؛ بما أنها موقع تراث ثقافي عالمي فريد في أرض محتلة ليس متنازعًا عليها.
وتحميل السلطة المحتلَّة التزاماتها استنادًا إلى المعاهدات الدولية الحامية للتراث الثقافي في زمن الاحتلال، وتحميل اليونسكو والمجتمع الدولي بأسره مسؤولية “الحماية الجماعية” لذلك التراث، والتي وضعت اتفاقية التراث العالمي لتحقيقها حفاظًا على تراث القدس بصفته تراثًا عالميًّا يجسِّد قيمًا إنسانية، تاريخية وفنية وروحية استثنائية.
*****

الهوامش:

() باحث بمركز الحضارة للدراسات والبحوث.
[1] ومن الأمثلة على ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 ديسمبر 2017 برفض قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية بإسرائيل إليها، حيث أيَّد هذا القرار 128 دولة، واعترضت عليه الولايات المتحدة وإسرائيل وسبع دول صغيرة، وامتنعت 35 دولة عن التصويت وغابت 21 دولة عن الاجتماع، وأكَّدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها أن أي قرارات وإجراءات تهدف إلى تغيير طابع مدينة القدس الشريف أو مركزها أو تركيبتها الديمُجرافية ليس لها أي أثر قانوني، وأنها لاغية وباطلة، ويجب إلغاؤها امتثالا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وتدعو في هذا الصدد جميع الدول إلى الامتناع عن إنشاء بعثات دبلوماسية في مدينة القدس الشريف، عملا بقرار مجلس الأمن 478 (1980)، وطالبت الجمعيةُ العامةُ جميعَ الدول بالامتثال لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بمدينة القدس الشريف، وبعدم الاعتراف بأية إجراءات أو تدابير مخالفة لتلك القرارات.
انظر القرار A/ES – 10 L./22 على موقع الجمعية العامة للأمم المتحدة، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/qvJRkR
[2] لمزيد من الاطلاع حول قرارات اليونسكو المتعلقة بالقدس وفلسطين، انظر:
– ريتا عوض، القدس في لجنة اليونسكو للتراث العالمي، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 94، ربيع 2013، ص ص 32 – 51.
– قرارات اليونسكو التي أغضبت إسرائيل، موقع الجزيرة.نت ـ الموسوعة، 2 مايو 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/Ghge82
– قرار اليونسكو: الأقصى تراث إسلامي خالص، موقع الجزيرة نت ـ الموسوعة، 18 أكتوبر 2016، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/oJxiWn
– قرارات “اليونسكو” الرئيسية المتعلقة بالفلسطينيين، موقع القدس العربي، 13 أكتوبر 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/DvCjpQ
– “اليونسكو”: الأقصى كل الحرم وكل ما نفذه الاحتلال باطل، شبكة هنا القدس للإعلام المجتمعي، 5 يوليو 2017، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/NPjji7
– قرارات اليونسكو بشأن محاولات “إسرائيل” تهويد القدس، موقع نداء القدس، 30 يوليو 2011، متاح عبر الرابط التالي: https://goo.gl/yFY1Nq
[3] وحصل هذا القرار -الذي قدَّمته كل من الجزائر ومصر والإمارات والكويت والمغرب وتونس- على تأييد 26 من الدول الأعضاء بالمجلس التنفيذي للمنظمة من جملة 58 عضوًا، بينما امتنع 25 عضوًا عن التصويت، وعارضَتْه ست دول، هي: الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وهولندا وجمهورية التشيك وإستونيا.
[4] اعتُمد القرار بعد أن تمَّت الموافقة عليه على مستوى اللجان يوم 13 أكتوبر 2016 باجتماع في باريس، حيث صوَّتت 24 دولة لصالح القرار وامتنعت 26 عن التصويت منها فرنسا، بينما عارض القرار ست دول بينها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، وتغيبت دولتان، وتمَّ تقديم القرار من قبل سبع دول عربية، هي الجزائر ومصر ولبنان والمغرب وسلطنة عمان وقطر والسودان.
[5] جاء في نص قرار اليونسكو بشأن المسجد الأقصى الذي تضمَّن 16 بندًا ما يلي:
– أكد أن المسجد الأقصى من “المقدسات الإسلامية الخالصة” وأنه لا علاقة لليهود به.
– يطالب إسرائيل بإتاحة العودة إلى الوضع التاريخي الذي كان قائمًا حتى سبتمبر ٢٠٠٠، إذ كانت دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية السلطة الوحيدة المشرفة على شؤون المسجد.
– يعتبر قرار اليونسكو أن تلة باب المغاربة هي جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى، ويرفض الإجراءات الإسرائيلية الأحادية الجانب.
– يدين الاعتداءات الإسرائيلية المتزايدة والتدابير غير القانونية التي يتعرض لها العاملون في دائرة الأوقاف الإسلامية والتي تحد من تمتع المسلمين بحرية العبادة، ومن إمكانية وصولهم إلى المسجد الأقصى.
– يستنكر قرار اليونسكو بشدة الاقتحام المتواصل للمسجد الأقصى من قبل “متطرفي اليمين الإسرائيلي والقوات النظامية الإسرائيلية”.
– ينتقد طريقة إدارة إسرائيل للأماكن الدينية في القدس، ويشير إلى أن القدس تعد مدينة مقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود.
– كما قررت اليونسكو إرسال لجنة تحقيق لتقصي الحقائق حول مساس إسرائيل بالأماكن المقدسة للمسلمين في مدينة القدس المحتلة.
عقب صدور قرار اليونسكو في أكتوبر 2016، أدْلت المديرة العامة للمنظمة إيرينا بوكوفا بتصريحات اعتبرت فيها أن مدينة القدس القديمة مقدسة بالنسبة للديانات السماوية الثلاث (الإسلام واليهودية والمسيحية).
وقالت بوكوفا: إن التراث في مدينة القدس غير قابل للتجزئة، وإن الديانات الثلاث في القدس تتمتع بالحق في الاعتراف بتاريخها وعلاقتها مع المدينة.
كما حذرت المديرة العامة لليونسكو من أي محاولة لإنكار وطمس أي من التقاليد الإسلامية أو المسيحية أو اليهودية بالقدس، لأن ذلك يعرِّض الموقع للخطر مما يتعارض مع الأسباب التي دفعت إلى إدراجه في قائمة التراث العالمي.
[6] وأيدت (10) دول القرار الفلسطيني هي: أذربيجان، وإندونيسيا، ولبنان، وتونس، وكازاخستان، والكويت، وتركيا، وفيتنام، وزيمبابوي، وكوبا. وعارضت القرار ثلاث دول هي: الفلبين، وجامايكا، وبوركينا فاسو. وامتنعت (8) دول عن التصويت هي: أنجولا، وكرواتيا، وفنلندا، وبيرو، وبولندا، والبرتغال، وكوريا، وتنزانيا.
ومن أهم البنود التي أعاد القرار التأكيد عليها:
1- عدم شرعية أي تغيير أحدثه الاحتلال الإسرائيلي في بلدة القدس القديمة ومحيطها بعد احتلال القدس عام 1967م خاصة بطلان الانتهاكات والنصوص القانونية التي بُنيت على ما يسمَّى “القانون الأساس” الذي أقرَّه الكنيست الإسرائيلي “لتوحيد القدس كعاصمة دولة إسرائيل” عام 1980م، باعتبار أن جميع هذه الإجراءات باطلة ولاغية وأن إسرائيل مطالبة بإلغائها وملزمة بالتراجع عنها حسب قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة وخصوصًا قرار مجلس الأمن الأخير 2334 (2016م).
2- إدانة شديدة ومطالبة لسلطات الاحتلال بالوقف الفوري لجميع أعمال الحفريات غير القانونية، باعتبارها تدخُّلات صارخة ضد تراث القدس والأماكن المقدسة.
3- إدانة شديدة لاقتحامات المتطرفين وقوات الاحتلال وتدنيس قداسة المسجد الأقصى/الحرم الشريف باعتباره مكان عبادة للمسلمين فقط، وأن إدارته من حق الأوقاف الإسلامية الأردنية حسب تعريف الوضع التاريخي القائم منذ قبل احتلال عام 1967م.
4- مطالبة سلطات الاحتلال بتسهيل تنفيذ مشاريع الإعمار الهاشمي في المسجد الأقصى/الحرم الشريف مع التشديد على وقف التدخل في مبنى باب الرحمة، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من المسجد الأقصى.
5- مطالبة إسرائيل بالسماح غير المشروط لوصول السلطة المعنية والمتمثلة بخبراء الأوقاف الأردنية من أجل المحافظة على بلدة القدس القديمة وأسوارها من الداخل والخارج، بما في ذلك حق الوصول وترميم طريق باب المغاربة الذي يعتبر جزءًا لا يتجزأ من المسجد الأقصى.
6- إدانة شديدة ومطالبة سلطات الاحتلال بوقف جميع مشاريع التهويد مثل “بيت هليبا” و”بيت شتراوس” والمصاعد الكهربائية والتلفريك الهوائي والقطار الخفيف الذي يمر بمحاذاة سور القدس، وإزالة آثار الدمار الناجم عن هذه المشاريع.
7- مطالبة سلطات الاحتلال بإعادة الآثار المسروقة، وتزويد مركز التراث العالمي في “اليونسكو” بتوثيق واضح لما تمَّت إزالته أو تزوير تاريخه من آثار في بلدة القدس القديمة ومحيطها.
8- إدانة شديدة لاستمرار إسرائيل بمنع بعثة المراقبة وتعيين ممثل دائم لليونسكو في شرق القدس لكتابة تقارير دورية حول حالة الحفاظ على تراث مدينة القدس وأسوارها والمخالفات التي ترتكبها سلطات الاحتلال بهذا الخصوص.
9- دعوة مدير عام “اليونسكو” ومركز التراث العالمي، لبذل كل الجهود والسبل الممكنة لتنفيذ قرارات وتوصيات “اليونسكو” المتعلقة بالقدس.
10- الإبقاء على “بلدة القدس القديمة وأسوارها” على قائمة “التراث العالمي المهدد بالخطر” كموقع مسجل من قبل الأردن عام 1981م.
[7] ريتا عوض، القدس في لجنة اليونسكو للتراث العالمي، مرجع سابق، بتصرف واختصار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق