تقارير ودراساتد. نادية مصطفى

إشكاليات الاقتراب من مفهوم “حوار الحضارات” في أدبيات عربية

عنوان البحث هو “إشكاليات الاقتراب من مفهوم حوار الحضارات فى الأدبيات العربية” وهو موقف وسط بين بديلين كلاهما يهتم بعرض حالة “الحوار” حول “حوار الحضارات” فى الدائرة العربية والاسلامية. الأول يتطلب عرض موقفى الفكرى باعتبارى باحثة عربية . ولكن ما معنى عربية ؟ هل المقصود الاتجاه العروبى ؟ أليس هناك اتجاهات فكرية أخرى تفاعلت مع “حوار الحضارات “؟ أما الثاني فكان يعني بالنسبة لى أيضًا عرض مواقف الاتجاهات الفكرية والسياسية العربية المختلفة أى الليبرالية، القومية، الإسلامية . ولهذا فإن البحث المقدم ليس تعبيرًا مباشرًا عن موقفى الفكرى من حوار الحضارات ،بقدر ما سأصل إلى هذا التعبير من خلال عرض خبرة تفاعلى مع حالة الكتابة عن العلاقة بين الحضارات أو حول العلاقة بين الحضارات، أو فى العلاقة بين الحضارات، فلقد أضحى التوقف عند هذه “الحالة” أو “الظاهرة ” ضرورة أكاديمية وفكرية وعملية فى آن واحد.
فبعد اهتمامى بالمجال لعدة سنوات (منذ 1997) وصلت الآن – وعلى نحو تراكمى تدريجى – للقناعة بأن الحالة المشار إليها هى حالة غموض وتداخل وحركة فى دائرة مفرغة؛ فمما لا شك فيه أن مفهوم حوار الحضارات أو صراعاتها قد ولد معان شتى لدى الكثيرين؛ بحيث تم تناوله، والاقتراب منه من زوايا ومناح متنوعة ؛ بحيث يصل الباحث والمحلل لهذه “المنطقة البحثية والفكرية والحركية الجديدة ” إلى صعوبة بالغة فى تقدير من أين البداية والى أين ؟ وخاصة وقد ساهم فىإبداء الرأى حول هذه المنطقة تخصصات متباينة ومن جميع ألوان الطيف السياسي والفكرى .
وتذكرنى هذه الحالة التى سأتكلم عنها بحالتين سابقتين تفاعلت معهما وكنت –بحكم طبيعة تخصصى فى العلاقات الدولية – جزءًا منهما – وهما “حالة” مفهوم النظام العالمى الجديد” وحالة “مفهوم العولمة ” واللتان اجتاحتا دوائرنا الأكاديمية والفكرية – على التوالى فى بداية التسعينيات مع حرب الخليج الثانية ثم منذ النصف الثاني من التسعينيات . وها نحن نعيش -منذ 11 سبتمبر 2001 بصفة خاصة – ذروة اجتياح مفهوم حوار الحضارات، وهو الذى ظهر مقترنًا بمفهوم صراع الحضارات قبل هذا الحدث الضخم بعدة سنوات أى مع أطروحات هانتنجتون .
وهكذا وبقدر ما توقفت عند حالتى “النظام العالمى الجديد(1)، ثم حالة العولمة(2)، بقراءة نقدية تراكمية للخطابات الأكاديمية والفكرية حولهما؛ بحثًا فى دلالاتهما وانعكاساتهما على وضع ومكانة الأمة العربية والإسلامية فى النظام الدولى الراهن، بقدر ما أشعر أن التوقف المناظر عند مفهوم حوار الحضارات لا يقل أهمية، بل لعله يستكمل العملية بحلقة ثالثة . فإذا كان الاهتمام بالنظام العالمى الجديد انطلق من التركيز على الهيكل أساسًا، وفى مرحلة شهدت تصفية القطبية الثنائية فإن الاهتمام بالعولمة انطلق من التركيز على العمليات، وذلك فى مرحلة شهدت بداية نجاح النموذج الحضارى الغربى على منافسه طوال القرن العشرين، وها هو الاهتمام بحوار الحضارات أو صراعها ينقلنا إلى المضمون وآلياته، وذلك فى مرحلة تشهد تضافر أدوات هذا النموذج لتحقيق الهيمنة (مع الاعتراف بعدم الانفصال بين المستويات الثلاثة : هيكل النظام، عملياته، قضاياه بالنسبة لكل من المفاهيم الثلاثة)
هذا وعند التوقف عند حالة “مفهوم حوار الحضارات ” أستدعى خبراتى فى التفاعل مع المفهوم – بطريقة مباشرة أو غير مباشرة – عبر السنوات الخمس الماضية، وانطلاقًا من الاهتمام بما أضحى عليه وزن الأبعاد الثقافية والحضارية للتفاعلات الدولية من حضور متميز وأولوية بالمقارنة بما كان عليه من قبل(3)، كما يعكس هذا التوقف –بالطبع- تفاعلى مع بعض المنشور حول الموضوع – وهو كثير بالطبع، سواء من حيث مقالات الرأى التى فاضت بها الصحف المختلفة، أو أعمال المؤتمرات، والكتب والبحوث فى الدوريات العلمية .
والغاية الأساسية من اختيار هذا المنهج غاية مزدوجة؛ وهى من ناحية : المساهمة فى التأصيل النظرى لمفهوم حوار الحضارات(ماهيته، الدوافع إليه ومبرراته، شروط فاعليته، قضاياه، وآليات وأدوات إدارته، نتائجه). وتمثل هذه الغاية الهدف الأول من أهداف برنامج حوار الحضارات فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومن ناحية أخرى : تحديد ملامح الاتفاق والاختلاف بين مواقف الاتجاهات الفكرية الكبرى من هذا الموضوع، وذلك على ضوء تحديد أبعاد التداخل بين هذه المواقف، والإشكاليات المترتبة على هذا التداخل .
هذا ويجدر الإشارة إلى أن البحث العلمى المنظم لتحقيق هاتين الغايتين، يتعدى حدود وقدرات هذا البحث نظرًا لما يتطلبه هذا البحث؛ من مراجعة نقدية متراكمة للإنتاج الفكرى والعلمى المرتبط بالموضوع؛ ولذا فإن هذا البحث يمثل تمهيدًا لتنفيذ أحد المشروعات البحثية فى برنامج حوار الحضارات ،والتى تمثل خطوة فى سلسلة مشروعات التأصيل النظرى للعلاقة بين الحضارات .
وتنقسم معالجتى فى هذا البحث لحالة خطاب “حوار الحضارات” بين تشخيص الحالة وتفسيرها ،وبين ملامح رؤيتى الذاتية .

أولًا : تشخيص الحالة وتفسيرها :

شهدت ساحة العلاقات الدولية خلال التسعينيات أحداثًا، ووقائع، ومناظرات وسياسات عديدة تترجم صعود الاهتمام بالعلاقة بين الحضارات،كماتعاقبت المؤلفات والمؤتمرات والندوات العالمية والإقليمية والمحلية التى تناقش إشكاليات هذه العلاقات بين الأنا والآخر، بين نحن وهم .وفى المقابل توالت المبادرات الرسمية أيضًا التى تعكس معانى وأهداف الحوار بصفة خاصة، ومن أهمها مبادرة الرئيس خاتمى، ومبادرة الأمم المتحدة .
بعبارة أخرى ماجت الساحة الأكاديمية والفكر والسياسة بالأنشطة حول هذا الموضوع، والتى شارك فيها باحثون من تخصصات مختلفة فلسفية، اجتماعية، سياسية، إعلامية، أديان مقارنة، تاريخ حضارات علوم شرعية ودراسات إسلامية … ناهيك عن المراقبين، وقادة الفكر والرأى العام والإعلام وعلماء الإسلام . وفي خضم هذا الزخم المتواتر والمتعاقب بلا توقف، والمنتشر بلا حدود بين مستويات متنوعة من الأنشطة، كان لابد لمتخصص العلاقات الدولية أن يسعى للتأصيل النظرى لهذا الموضوع . على ضوء قواعد وأسس الدراسة العلمية للعلاقات الدولية فى مرحلتها الراهنة : أى الموصوفة بمرحلة ما بعد الحرب الباردة، أو مرحلة المراجعة النقدية لحالة العالم .
وكان الدافع لهذا التأصيل، والمبرر للحاجة إليه هو حالة الغموض والفوضى والتداخل والحركة فى دوائر مفّرغة، والتى أحاطت بدراسة هذا الموضوع، والتى تبين الافتقاد للمنهج والرؤية، بالرغم من درجة الأهمية المرتفعة التى اكتسبها المفهوم . ولذا أتفق مع قول البعض (د.فريدة جاد الحق : عوائق أمام حوار الثقافات، الأهرام 19/4/2002) أنه بقدر الاهتمام بالمفهوم بحيث يبدو أنه مفهوم محوري يوصى بأفضلية بقدر ما أضحى – نظرًا للغموض وعدم الوضوح بصدد ماهيته، وغاياته، ومبرراته، وشروطه، وآلياته – مجرد شبح أو خيال أو طيف، ليس له وجود حقيقى؛ مما أدى إلى حجب الواقع، وإخفاء ما هو حقيقى . ولذا فقد أضحى مفهومًا فاسدًا فاقدًا للقيمة والصلاحية .
وتنقسم سمات تشخيص الحالة وتفسيرها فى المحورين التاليين :
1- السياق الذى أفرز الاهتمام فى الدائرة العربية والإسلامية بالعلاقة بين الحضارات، والاتجاهات الفكرية حول نمط هذه العلاقة، وموضع الحوار بالمقارنة بالصراع .
2- من يحاور من أو يصارعه فكريًا ؟ وحول ماذا تدورالقضايا وكيف تكون آليات الحوار وقنواته ؟
ولقد حاز المحور الأول –بتفاصيله – القدر الأعظم من الاهتمام ؛ ولذا يمكن القول إن الاهتمام كان بالحديث ” حول حوار الحضارات من عدمه”، وليس فى أو عن ماهية حوار الحضارات، وطبيعته من حيث الأطراف، والقضايا، والآليات، وشروط الفاعلية من عدمها .
وفيما يلى قدر من التفصيل حول إشكالية بروز المحورين :
1 ـ سياق الاهتمام بالعلاقة بين الحضارات والاتجاهات حول نمط هذه العلاقة :
لم يبدأ الحديث عن حوار الحضارات بذاته ولكنه اقترن بقوة بالحديث عن صراع الحضارات، كما لم يبدأ هذا الحديث بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001(كما قد يعتقد البعض)، ولكن قبل ذلك بعدة سنوات، وإن كان قد اكتسب زخمًا فجًا منذ هذه الأحداث مبرزًا بذلك وزن الأبعاد الثقافية الحضارية فى تحليل العلاقات الدولية. ولم يكن معظم الحديث فى الموضوع بشقيه الحوار أو الصراع بقدر ما كان حوله، وكذلك تركز معظم الحديث حول إشكالية حوار أم صراع أى حول نمط العلاقة بين الحضارات وذلك على حساب الأبعاد الأخرى للموضوع ؛ قضاياه، آلياته وشروط انعقاده وأطرافه . وأخيرًا التقت الاتجاهات المختلفة حول وضع الإسلام والمسلمين بصفة خاصة باعتباره يمثل ساحة أساسية فى خريطة هذا الموضوع ؛ حيث تتقاطع بالطبع مع قضية نمط العلاقة بين الحضارات مناطق أخرى؛ مثل العلاقة بين القيم والأخلاق، وبين الأبعاد المادية، العلاقة بين الأديان .
ويمكن التفصيل فى السمات السابقة وتفسيرها على النحو التالى :
من ناحية : أضافت أحداث 11 سبتمبر زخمًا للاهتمام بالموضوع . وهو الاهتمام الذى كان تفجر مع نشر هانتنجتون مقاله الشهير فى 93 باسم صدام الحضارات، وبدون الدخول فى تفاصيل أطروحات هانتنجتون يكفى الإشارة إلى الملاحظتين التاليين : إن طرح هانتنجتون يقدم نموذجًا لتفسير السياسات العالمية فى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، يقوم على وحدة تحليل مغايرة للتى درج الاهتمام بها فى الحقل، ألا وهى الحضارة باعتبارها من القوى المحركة والمفسرة للعلاقات الدولية . وبذا فإن هانتنجتون عبَر عن بروز الاهتمام بالأبعاد الثقافية والحضارية وفى مجملها الدين . ومن ناحية أخرى : مقولات هانتنجتون واضحة وصريحة حول الصدام بين الإسلام والغرب صدامًا حضاريًا ودينيًا، وهنا يجب الوعى لأمرٍ هام؛ وهو أن هانتنجتون لم يضع فقط الإسلام كعدو للغرب، ولكن يبرز تحليله وبقوة كيف أن الغرب هو عدو الإسلام والمسلمين والحضارات الأخرى . فإن غير المعلن لدى هانتنجتون هو أن مصدر التهديد بالصدام بين الحضارات هو هيمنة الغرب وقوته وليس الحضارات الأخرى حيث إن الأخيرة تصحو فى مواجهة هذه الهيمنة الغربية ولهذا فهى تمثل تحديًا وخطرًا ثقافيًا .
وبدون الدخول فى تفاصيل القراءات النقدية لأطروحات هانتنجتون يكفى القول فى هذا المقام إنه قد تولد حولها جدال تفرع بين عدة اتجاهات اختلفت حول نمط العلاقات بين الحضارات، وقدمت إجابات متنوعةحول مجموعتى الأسئلة التاليتين من ناحية : هل تعد الحضارة والأمة وحدة للتحليل فى العلاقات الدولية ؟ ما فائدة مفهوم الحضارة لدراسة العلاقات الدولية ؟ ما قدر الأهمية الذى يجب إعطائه للأبعاد والقيم الثقافية، والدينية، سواء عند دراسة العلاقات الدولية أو صياغة السياسات الدولية . ومن ناحية أخرى هل صراع الحضارات قد حل محل صراع القوى أو صراع الطبقات كمحرك للعلاقات الدولية ؟ هل حوار الحضارات أم صراعها يقتصر على الأبعاد القيمية والثقافية أم يمتد إلى الأبعاد المادية للقوة وقضاياه ؟ ما شكل حالة التوازن العالمى الذى يسمح بحوار حضارات سوى وفاعل ؟ وقبل هذا وذاك يأتى السؤال : ما هو أصل العلاقة بين الحضارات : الحوار أم الصراع ؟ وهل يصح طرح السؤال على هذا النحو، أم يجب التساؤل متى يكون الحوار؟ ومتى يكون الصراع ؟ على اعتبار أن الاختلاف بين الحضارات فى حد ذاته ليس هو السبب فى الصراع، وحيث إن السياقات الدولية هى التى تؤثر على بروز إحدى الحالتين على الأخرى وفقًا لطبيعة المرحلة التاريخية، ومن ثم هل يمكن أن تفرز حالة الفوضى العالمية الجديدة وضعًا آخر غير الصراع ؟ وهل يمكن أن يكون الحوار هو السبيل أمام العالم للخروج من أزمته الحالية؟
ولقد انقسمت اتجاهات الجدل حول أطروحات هانتنجتون بين ثلاثة. الأول- يؤكد مقولات هانتنجتون، ومن ثم يرفض إمكانية الحوار انطلاقًا من حقائق اختلال توازنات القوى الدولية، وسياسات القوى الغربية تجاه الجنوب أو العالم الإسلامى، أو باعتبار أن مبعث هذه السياسات هو الأبعاد الثقافية الحضارية. أى مبعثها هو الصراع الحضارى من جانب الغرب تجاه عالم الإسلام والمسلمين، ومن ثم فإن الحوار لن يكون إلا سبيلًا جديدًا لفرض الهيمنة الثقافية والحضارية، واتجاه ثان- يرفض مقولات هانتنجتون : إما رفضًا أن تكون العلاقة بين الحضارات – وليس توازن القوى والمصالح –هى المفسر الأساسى للعلاقات الدولية، انطلاقًا من رؤية واقعية للعلاقات الدولية ترفض تسييس الحضارات، وإما رفضًا لإلصاق التهمة بالإسلام والحضارة الإسلامية باعتبارها مصادر للصراع والتصادم، ومن ثم دفاعًا عن الإسلام والمسلمين الذين يقبلون الآخر ولا يرفضونه، بل يتعاونون معه ومستعدون للحوار معه، وإما دفاعًا عن التعددية الثقافية والحوار بين الثقافات والحضارات باعتباره الأساس فى العلاقات الدولية انطلاقًا من رؤية إنسانية عالمية، أو انطلاقًا من رؤية إسلامية تعترف بأهمية الحوار، والتعارف الحضارى بين الأمم والشعوب، وكأساس من أسس الرسالة العالمية للإسلام، وليس مجرد الدفاع والاعتذار عن الإسلام .
والاتجاه الثالث- يقول إن الحوار أو الصراع هى حالات للعلاقات بين الحضارات وفى حين يرى رافد من هذا الاتجاه أن الحالة الدولية الراهنة لا تسمح بحوار ثقافات أو حضارات حقيقى نظرًا لاختلال ميزان القوى الدولية؛ بحيث لن يقود الحوار إلا إلى فرض نمط حضارى على الآخر، فإن رافدًا آخر يرى أن الحوار ضرورى للخروج بالعالم من أزمته الراهنة، إلا أنه لابد وأن تتوافر له الشروط لكى يحقق أهدافه الحقيقية ووفق ما يقتضيه مفهوم الحوار ذاته؛ أى باعتباره سبيلًا للتفاهم المشترك وإزالة العوائق أمام العلاقات السليمة .
بعبارة أخرى ولد اتجاه ” حوار الحضارات ” من رحم التصدى لمقولة صدام الحضارات فى الدائرة العربية والإسلامية،ومن زخم الاعتراض على هذه المقولة وتفريعاتها انطلاقًا من تعريفات متنوعة للحضارة والثقافة، والعلاقة بينهما وللحوار الفكرى والحضارى، وانطلاقًا من أسانيد معرفية وفكرية مختلفة تؤثر على طبيعة الرؤى للعالم، والعلاقة بين مكوناته، بل وتؤثر على الموقف من اتخاذ الحضارات، أو الثقافات وحدات للتحليل السياسى من عدمه .
· والجدير بالملاحظة هنا أنه يمكن القول إن الحدود بين هذه الاتجاهات الثلاثة الكبرى لا تتطابق بدرجة كبيرة مع الحدود بين المدارس الفكرية الكبرى، الليبرالية، القومية، الإسلامية؛ فكل من هذه المدارس له رؤيته عن العامل الحضارى كعامل مفسر للتفاعلات، وعن طبيعة هذه التفاعلات وجوهرها صراعية أم تعاونية .
وتمثل مواقف هذه الاتجاهات من قضية العلاقة بين الحضارات امتدادًا لمواقفهم من رؤيتهم عن العولمة، وآثارها ونتائجها بالنسبة لحالة النظام الدولى : نحو مزيد من التعاون والاستقرار (الليبرالية) أم نحو مزيد من الصراع والانقسام (القوميون، اليساريون، الإسلاميون : وإن اختلفت روافدهم فى بعض التفصيلات)، فإذا كانت المدرسة الليبرالية هى الأكثر دفاعًا عن حوار الحضارات فى عالم ما بعد الحرب الباردة والعولمة، فهى لا تعترف فى نفس الوقت بأن الأبعاد الثقافية تفوق فى تأثيرها الأبعاد الاستراتيجية والمصالح القومية، ولكن ترى أن الحوار أداة وعملية ضرورية لتحسين التفاهم العالمى على الساحة الثقافية، كسبيل لتسهيل حل المشاكل والقضايا المصيرية المشتركة .
أما المدرسة القومية واليسارية، فإن اجتمعت مع الإسلامية فى الاعتراف بالمصادر الصراعية فى السياسات الغربية التى تحول دون إمكانية حوار حقيقى، إلا أنهم يختلفون فيما بينهم بالطبع حول وزن تأثير الأبعاد الثقافية الحضارية بالمقارنة بصراعات المصالح أو القوى أو الهياكل . فلا يرى القوميون واليساريون الصراع بسبب الاختلاف الثقافى والحضارى أساسيا،ً ولكنهم يرجعونه إلى المشروعات الاستعمارية والإمبريالية والهيمنة الثقافية والاستعلاء الغربى، فى حين يعطى الإسلاميون وزنًا كبيرًا إلى البعد الثقافى فى تفسيراتهم وتحليلاتهم، ولكن تختلف الروافد الإسلامية من حيث إمكانية الحوار من عدمه ؛ فيصل البعض مثلًا إلى القول إن حوار الحضارات يهدف إلى تنصير المسلمين انطلاقًا من رؤية المؤامرة على الإسلام ويصل البعض الآخر إلى القول إن حوار الحضارات هو جهاد العصر بأساليبه الجديدة فى مواجهة الصراع الحضارى من جانب الغرب .
بعبارة أخرى فإن الاتفاق على الموقف من إمكانية الحوار أو عدمه بين بعض الاتجاهات وإن تحقق إلا أنه نبع من أسانيد معرفية أو واقعية مختلفة . ولهذا – وكما سنرى – عند تناول قضايا الحوار (أم الصراع) أن مداخل المدارس الثلاثة تختلف من حيث تحديد القضايا .

ما الفارق منذ 11 سبتمبر :

ومع أحداث 11 سبتمبر وبعدها تجددت الجدالات حول العلاقة بين الحضارات بقوة وزخم، وتم استدعاء مقولات هانتنجتون وأنصاره، والمقولات المضادة له . ولكن كان السياق أكثر تدهورًا مما كان عليه فى بداية التسعينيات ؛ حيث أضحى الطرف الإسلامى فى موقف المتهم بعد أن كان فى موضع مصدر التهديد المحتمل ؛ ففى حين رأى البعض فى الهجمات على نيويورك وواشنطن دليلًا على “الغضب المسلم” ضد سيطرة القيم الغربية وضد السياسات الغربية، فإن البعض الآخر اتجه إلى النظر الي الهجمات فى سياق صراع المصالح ودور الشبكات المتشعبة الإرهابية فى العلاقات الدولية؛ ولهذا فإن الجدال حول دور العلاقة بين الأبعاد الثقافية الحضارية، وبين الأبعاد الاستراتيجية فى تفسير هذه الأحداث وما تلاها من تطورات فى الخطابات الأمريكية والسياسات الأمريكية، قد اكتسب زخمًا كبيرًا ؛ حيث برز السؤال التالى مجددًا : هل الصراع الحضارى هو الذى يحكم العالم ؟ ما هو مصدره؟ وما السبيل لمواجهته ؟ وهل يقدر حوار الحضارات على إدارة هذه المرحلة ؟
واستمر نفس الجدل وانقسام الاتجاهات حول وزن الأبعاد الثقافية الحضارية بالمقارنة بغيرها، ولكن اقترن فى هذه المرة بسياق زمانى ومكانى محدد يرتبط بالسياسة الأمريكية العالمية وتجاه عالم الإسلام والمسلمين بعد الحادى عشر من سبتمبر ؛ فبالرغم من تزايد الاعتراف بوضوح المفردات الثقافية والحضارية فى الخطابات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية – سواء الصدامية منها أو الحوارية – فلقد ظل هناك اتجاه يرفض التفسير الثقافوى للعالم على اعتبار أنه لن يقود إلى حل المشاكل نظرًا لصعوبة تنازل الثقافات عن ثوابتها، ومن ثم لا سبيل إلاَ إلى الحوار بعد توافر شروطه، وفى المقابل اعترف اتجاه آخر أن المرحلة الراهنة من السياسة الأمريكية تكشف بوضوح عن صراع حضارى تجاه الإسلام والمسلمين، يصبح معه الحديث عن الحوار من قبيل الاستسلام؛ لأن الحوار الذى سيدور سيكون بشروط الغرب، ووفق مدركاته، ونحو غاياته ألا وهو “الإسلام المعٌَدل ” فى حين رأى اتجاه ثالث أن الحوار أو الصراع الفكرى ليس إلاَ أداه أو نوعًا من التكتيك لإدارة مرحلة الأزمة التى تحتدم فيها الصراعات حول المصالح، وارتبط بهذا الانقسام انقسام آخر جدد ما سبق وثار حول أطروحات هانتنجتون، ألا وهو ؛ الانقسام حول إمكانيات الحوار فى مقابل الضغوط نحو الصراع فى العلاقات بين الولايات المتحدة وعالم الإسلام والمسلمين .
ومن أبرز الجدالات –مؤخرًا – حول هذه القضية ما ثار على صفحات جريدة الأهرام فى شهور الصيف من تعليقات على مبادرة السيد ياسين بالدعوة إلى صياغة بيان من المثقفين المصريين ؛ للرد على بيان معهد القيم الأمريكية الذى وقعه 60 مفكرًا من المدافعين عن عدالة الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، ولقد أثار هذا الجدال – فى هذه المرحلة – السؤال الآتى : هل يمكن أن يتم توجيه بيان من المثقفين المصريين، قبل اتفاق التيارات الفكرية الكبرى على مضمونه ؟ وهل هذا الاتفاق ممكن ؟ ومن متابعة أبعاد هذا الجدال يتضح لنا مجددًا ثلاثة اتجاهات : الاتجاه الذى يرفض الحوار، والاتجاه الذى يقبله ويبرره، والاتجاه الذى يتحدث عن عوائق الحوار وعن شروط تفعيل الحوار إذا ما اقتضت الضرورة إليه، وتعكس أسانيد ومبررات هذه الاتجاهات ما سبق وتم طرحه خلال الجدال حول أطروحات هانتجتون : سواء ما يتصل منها بأثر توازن القوى العالمى، أو طبيعة الخطابات والممارسات الأمريكية، أو طبيعة الواقع العربى والإسلامى .
2- من يحاور من؟وحول ماذا؟ وكيف؟
تمحورت الجدالات – قبل الحادى عشر من سبتمبر – حول ما إذا كان الحوار أم الصراع بين الحضارات يمثل مفسرًا للعلاقات ، أو سبيلًا لإدارة هذه العلاقات. بعبارة أخرى : كان الانشغال بالجدال حول إمكانية حوار الحضارات من عدمه، وهو جدال بينى أى بين التيارات العربية والإسلامية ذاتها . ولكن أين كانت القضايا والآليات التى تتصل بالحوار ذاته ؟ أى أين الحديث فى حوار الحضارات ذاته ؛ بفرض قبول قيامه أو حتى بفرض رفض قيامه من جانب البعض ؟ ومن ناحية أخرى أين تحديد خريطة الجهود والخبرات العربية والإسلامية الفعلية فى مجال إدارة حوار الحضارات وممارسته ؟وأين تقييم نتائجها ؟
ولم تكن هذه الأبعاد حاضرة بكثافة فى الأدبيات حول نمط العلاقة حوارًا أم صراعًا . ولذا لابد وأن يثور السؤال التالى : الحوار فى ماذا ؟ أو الصراع فى ماذا ؟ وكيف؟ حقيقة تتعدد القضايا التى يتم تناولها بالتحليل المقارن بين المنظورات المختلفة : وعلى رأسها تأتى قضايا العنف، حقوق الإنسان بين الخصوصية والعالمية . ولكن ظلت أدبيات العلاقة بين الحضارات تفتقد الاهتمام بأجندة حوار الحضارات المتنازع على مصداقيته وجدواه . كما تظل الأنباء تتواتر بلا انقطاع عن مؤتمرات وندوات ولقاءات ومناظرات، على المستوى الوطنى والإقليمى والعالمى ،وعلى الأصعدة الرسمية والمدنية والشعبية، على نحو يثير التساؤل عن مدى وجود استراتيجية كبرى لتعظيم نتائج هذه الملتقيات ؟ أم أن هذه الملتقيات أضحت غاية فى حد ذاتها ،ومجرد استجابة – غير منظمة – لحملة التشويه المتصاعدة ضد العرب والمسلمين وضد المرجعية الإسلامية من ناحية، ولحالة التأزَم العالمى التى تهدم الأمن والاستقرار من ناحية أخرى .
والجدير بالملاحظة أنه بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، قفز الاهتمام بالقضايا والآليات قفزة واضحة . حيث فرضت طبيعة تحديات هذه المرحلة، على المؤسسات الرسمية بصفة خاصة – الانتقال بدرجة أكبر إلى هذه الجوانب العملية ؛ فلقد أضحت الضغوط نحو ضرورات ومتطلبات الحوار أكثر وضوحًا، ليس فى نظر الحكومات فقط ولكن بالنسبة أيضًا لبعض الروافد الفكرية التى كانت ترفضه أو تتحفظ عليه .
ما هى إذن القضايا التى ثار الاهتمام بها ؟ وما هى الآليات المقترحة لطرحها على صعيدها ؟ وما هى الرؤى حول شروط الحوار السوى والفاعل، والتى يجب توافرها فى الأطراف المتحاورة حتى تتحقق غايات الحوار ؟
يترتب على الإجابة على هذه الأسئلة تبيان فروق أخرى بين مواقف الاتجاهات الفكرية الكبرى العربية والإسلامية من ماهية الحوار وشروطه .
ولتقديم إجابة على هذه الأسئلة يمكن الاعتماد فى هذا الموضع من البحث على بعض النماذج (الانتقائية) التى توضح اقترابًا ليبراليًا، وآخر يساريًا قوميًا، وثالثًا إسلاميًا (رسميًا)(4). ومما لا شك فيه أن القراءة المقارنة فى مدخل ومقولات كل اقتراب من هذه الاقترابات الثلاثة (تجاه قضايا الحوار وأطرافه وغاياته) تفسح المجال أمام كثير من الأسئلة عن طبيعة موضوعات وقضايا الحوار من منظورات متنوعة . وسيتضح من طبيعة هذه الأسئلة جانب من أسباب الغموض والتداخل التى تحيط بحالة الخطاب الفكرى ؛ وهو الوضع الذى يفرض – كما سبق القول – الحاجة إلى تأصيل نظرى لمجال حوار الحضارات.
أ‌- فبالنظر إلى أ. السيد ياسين وباعتباره الآن رمزًا من رموز الليبرالية، وهو المهموم دائمًا بقضية الخطاب الفكرى لحوار الحضارات، فلقد اهتم فى أطروحاته الأخيرة فى الأهرام بتوجيه النظر إلى أن “هذا الحوار يفتقر حتى الآن إلى منهج محدد ورؤية واضحة وأجندة للموضوعات التى ينبغي أن يدور حولها الحوار ” واقترح أ.السيد ياسين منهجًا ورؤية تقوم على أجندة بحث محددة ” تركز على بحث الاشكاليات المعرفية والمشكلات الواقعية التى ستواجه الإنسانية فى القرن الحادى والعشرين” . وهو يقول : “إن الإشكاليات المعرفية تم تحديدها فى مؤتمر حوارات القرن الواحد والعشرين ” الذى عقدته اليونسكو منذ سنوات . والمشكلات الواقعية حددها بشكل علمى تقرير “حالة المستقبل” الذى أصدره عام 1999 المشروع الألفى الذى تقوم به جامعة الأمم المتحدة فى طوكيو”.
ولا يسعنى فى هذا الموضع من البحث أن أقدم قراءة نقدية تفصيلية لعناصر أطروحات السيد ياسين، والتى تبرز مدخله الليبرالى على هذا الصعيد، ولكن يكفى أن أنقل عنه بعض الأفكار والمقولات ثم أطرح بعض الأسئلة .

وتتلخص الأفكار و المقولات فى المجموعات التالية :

1. “تأثير العولمة على شكل ومضمون واتجاهات الحوار بين الحضارات …الديموقراطية، والتعددية، واحترام حقوق الإنسان، أصبحت من أبرز شعارات العولمة، بغض النظر عمَا يحيط بكل قيمة من هذه القيم من إشكاليات معرفية ومشكلات واقعية … فمما لا شك فيه أن الديموقراطية نظرية وممارسة أصبحت أحد الموضوعات الهامة الداخلة فى صميم حوار الحضارات “…
2. “هناك مؤشرات ثقافية متعددة تشير إلى أننا بصدد تشكيل حضارة عالمية …وأول الأسئلة المطروحة بشأن شروط حوار الحضارات فى هذا المجال هو ” هل الحوار المتكافئ والمتبادل بين الحضارة الأوروبية العلمية والتكنولوجية والحضارات التقليدية للعالم الثالث ممكن ؟…وجوابنا على هذا السؤال : إن هذا الحوار ليس ممكنًا فحسب ولكنه ضرورى . بل إنه – بناء على استقراء الشواهد الواقعية – قائم فعلًا منذ عقود طويلة . ذلك أن ممثلى الحضارات التقليدية من ساسة ومفكرين أدركوا أنه لا يمكن لهم أن يخرجوا من دائرة التخلف والدخول فى عالم التقدم الإنسانى بكل ميادينه، إلا باقتباس عديد من القيم والمؤسسات والإنجازات التى حققتها الحضارة الأوربية العلمية والتكنولوجية، ولم يمنع من دوام عملية الاقتباس “المناظرات الكبرى التى دارت بين المحافظين فى الحضارات التقليدية والمجددين …دارت هذه المناظرات فى العالم العربى والعالم الإسلامى على اتَساعه باسم الخصوصية الثقافية العربية والإسلامية …الحوار إذًا دائر منذ زمن …ولا يمكن أن يكون متكافئًا . ذلك أن الحضارة العلمية التكنولوجية فى مركز القوة ..وذلك اعتمادًا على قيم الحداثة الغربية …غير أن الحضارات التقليدية ما زالت فى غالبيتها العظمى غارقة فى أنماط التفكير غير العلمية ..إن القيم العلمية والتكنولوجية أصبحت فى الواقع تعبَر عن حضارة عالمية، وهى وإن نبعت أساسًا فى إطار الحضارة الغربية، فعلينا ألا ننسى أن هذه الحضارة هى حضارة إنسانية …إن قيم حقوق الإنسان أصبحت بالفعل تعبير عن حضارة عالمية، وذلك بغض النظر عن المناظرات القائمة فى هذا المجال بين العالمية والخصوصية فى حقوق الإنسان” .
3. “من أهم الإشكاليات المعرفية فى حوار الحضارات هى إشكالية تعريف الحضارة والتفرقة بينها وبين الثقافة، …وإشكالية الفجوة المعرفية والفكرية بين النخبة والجماهير …وإشكالية الهدف المعرفى للحوار والتعريف بالذوات الحضارية، والتعرف على الآخر المختلف حضاريًا، من خلال عملية مدروسة لإسقاط الصور النمطية الجامدة سواء عن الذات أو عن الآخر، وفى هذا المجال ليس هناك حدود لحوار الحضارات ذلك أن الأمل هو التوصل فى النهاية إلى الاتفاق على صياغة مجموعة متناسقة من القيم العالمية التى تأخذ فى اعتبارها التنوع الإنسانى الخلاَق، فى الوقت الذى تسعى فيه إلى التركيز على القواسم المشتركة بين حضارات العالم جميعًا “.
4. “أهمية التحليل الثقافى لدراسة أوضاع العالم المعقدة فى الوقت الراهن ..الصراع بين توحيد العالم (تنميط المجتمعات المعاصرة بتأثير قواعد العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية) وتفككه (تحت تأثير دعوات دينية وسياسية وعرفية متعددة) يدعو إلى تطبيق خلاق لمنهجية التحليل الثقافى، بعدما ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن المناهج السياسية والاقتصادية الاجتماعية التقليدية عجزت عن فهم وتفسير نص العالم المعقد قدمت …استشراف مستقبل العالم …أطلقت عليه 1991 النموذج التوفيقى العالمى ..بين الفردية والجماعية، وبين العلمانية والدين، وبين عمومية مقولة الديموقراطية، وخصوصية التطبيق فى ضوء التاريخ الاجتماعي الفريد فى كل قطر، وبين القطاع العام والقطاع الخاص، وبين الاستقلال الوطنى والاعتماد المتبادل، وبين المصلحة القطرية والمصلحة الإقليمية، وبين الأنا والآخر على الصعيد الحضارى ..التسامح الثقافى فى مواجهة العنصرية والمركزية الأوربية …النسبية الفكرية بعد أن تنتصر على إطلاقية الأيدولوجيات …العودة إلى إحياء المجتمعات المحلية وتقليص مركزية الدولة … التوازن بين القيم المادية والقيم الروحية الإنسانية …ومن هنا أكدنا أننا نشهد بداية حضارة عالمية جديدة شعارها:وحدة الجنس البشرى …”
5. عن الإشكاليات المعرفية والواقعية التى تمثل أجندة حوار الحضارات، والتى وضعتها هيئات عالمية يذكر أ. السيد ياسين ما يلى : فى كتاب نشرته اليونسكو فى 2000 بعنوان “مفاتيح القرن الحادى والعشرين” تم تحديد الإشكاليات المعرفية الأساسية لتكون موضوعات بحثية للمهتمين بمجال حوار الحضارات، وأقسام هذا الكتاب الأساسية هى :” استشراف المستقبل وعدم اليقين؛ أى مستقبل البحوث المستقبلية، نحو عقد طبيعى : مستقبل النوع الانسانى ومستقبل الكوكب، نحو عقد ثقافى جديد : آفاق جديدة للثقافة التعددية والتعليم، نحو عقد اجتماعى جديد : تعلم العيش المشترك، نحو عقد أخلاقى جديد : العالم والعولمة”. ومن ناحية أخرى حدد تقرير حالة المستقبل الصادر 1991 خمس عشرة مشكلة عالمية :” التنمية المستدامة، نصيب الفرد من المياه النظيفة بغير صراع، التوازن بين التزايد السكانى والموارد، إقامة ديموقراطية أصيلة تنبع من النظم التسلطية، صنع القرار والالتفات لمنظور الأجل الطويل، العولمة وخير الإنسان، البعد الأخلاقى للأسواق لسد الفجوة بين الغنى والفقير، تقليل مخاطر الأمراض الجديدة، تدعيم القدرة على الحسم واتخاذ القرار، تقليل القيم المشتركة واستراتيجيات الأمن الجديدة من الصراعات الإثنية والإرهاب، تحسين وضع المرأة، وقف آثار الجريمة المنظمة، سد الاحتياج المتزايد للطاقة، تدعيم المقترحات العلمية والتكنولوجية، تضمين القرارات الكونية الاعتبارات الأخلاقية ”
وتثير هذه المجموعات الخمس من الأفكار والمقولات الأسئلة التالية :
1- هل هدف الحوار الحضارى نقل أو اقتباس منظومة التحديث ؟ ومن ثم هل قضاياه هى فقط قضايا أجندة الحداثة، وما يسمى الحضارة العالمية الجديدة وهى : حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية ؟ أم يمكن صياغة أجندة أخرى من القضايا تعكس خصوصيات الدوائر الحضارية الأخرى – غير الغربية – أى التى لم تفرز الحداثة .
2- ألا يؤثر عدم التكافؤ على الصعيد العلمى والتكنولوجى فى آثار الحوار الحضارى حول هذه القضايا ؟ ومرة أخرى : هل الحداثة هى النموذج والمثل والغاية الذى يجب أن يسعى إليه ” التقليديون المتخلفون ” لأن الحداثة هى محور القوة وسببها ؟ كيف يمكن أن يكون الحوار فى ظل هذا المناخ حوارًا إذا كان الآخر هو منبع ومصدر الحضارة العالمية ؟.
3- كيف يتم الحوار فى هذه القضايا ؟ أليس الحوار الحضارى يفترض التركيز على الإشكاليات المعرفية لهذه القضايا والتى تتضح منها أثر الخصوصيات الثقافية والحضارية واختلاف الأنساق المعرفية واختلاف الرؤى للعالم ؟
وإذًا لم تكن هذه الأبعاد المعرفية الثقافية لهذه القضايا هى محل الاهتمام فى حوار الحضارات : فكيف يصبح الحوار حضاريًا ؟ وما الذى يفرقه عن مفاوضات وجدالات إذا كنا سنقترب من هذه القضايا بنفس اقتراب الاقتصاد السياسي أو سياسات القوى التقليدية ؟
وهل يمكن أن يصبح الموضوع الأساسى لحوار الحضارات هو التعريف بالذوات الحضارية وإسقاط الصور النمطية دون التطرق إلى القضايا المشار إليها عاليًا (وهى قضايا أجندة العولمة) ؟ أم أن هذا التعريف بالذوات الحضارية ليس إلاَ البعد الثقافى من حوار الحضارات،وتصبح القضايا الأخرى هى الأبعاد السياسية له؟ وفى هذه الحالة الأخيرة : هل يمكن أن تستدعى أيضًا قضايا اقتصادية فى حوار الحضارات من قبيل القضايا المذكورة فى تقرير حالة المستقبل وكتاب اليونسكو، جنبًا إلى جنب مع القضايا السياسية والأخرى الاجتماعية والثقافية فى هذين المرجعين ؟
وفى هذه الحالة ألا يصبح حوار الحضارات فى هذا النطاق المتَسع من القضايا مركزًا على أثر اختلاف المنظومات القيمية والرؤى للعالم والأنساق المعرفية (والنابعة جميعها من اختلاف خصائص الحضارات) على تشخيص أسباب المشكلات وصياغة الحلول العالمية ؟ بعبارة أخرى : هل يمكن القول إن حوار الحضارات يفترض اقتراب التحليل الثقافى الحضارى لجميع هذه المشكلات مع الاهتمام بالقضايا الثقافية الحضارية المباشرة ؟ وألا يعنى هذا الوضع اعترافًا بوزن الأبعاد الثقافية الحضارية فى تشكيل التفاعلات الدولية وفى تفسيرها ؟ ومن ناحية أخرى : هل يعنى هذا أن الداعين إلى نطاق واسع من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية – كموضوع للحوار يرفضون التفسير الثقافى والحضارى لحساب التفسير المادى أساسًا ؟ وعلى ضوء كل ما سبق هل تضييق أو توسيع نطاق موضوعات- الحوار لابد وان يؤثر على تحديد المتحاورين ؟
4- ولذا نصل أخيرًا إلى التساؤل: من الذى سيحاور من فى هذه القضايا ؟ ومن الذى سيحدد أجندة الحوار؟ إن طرح أ. السيد ياسين السابق أشار إلى أمور ثلاثة متناثرة: ممثلى الحضارات التقليدية من الساسة والمفكرين، ممثلي المثقفين من ناحية وممثلى الثقافة الشعبية من ناحية أخرى، دور اليونسكو والأمم المتحدة فى صياغة أجندة الحوار. ويلقى أ. السيد ياسين دائمًا بثقله وراء خيار الأمم المتحدة ودورها فى إدراة حوار الحضارات . وهو يعتبر أن مبادرة خاتمى واستجابة الأمم المتحدة لها بالدعوة إلى جعل عام 2001 عام حوار الحضارات؛ بمثابة نقلة نوعية فى مجال حوار الحضارات، حيث انتقل من مجرد حوار بين رجال الفكر إلى مبادرة لجعل حوار الحضارات سياسة ثقافية عالمية .
ب- وبالنظر إلى أطروحات للأستاذ حلمى الشعراوى باعتباره رمزًا من رموز التيار اليسارى، يمكن أن نسجل مجموعة من الأفكار والمقولات التى تعكس اقترابه من الموضوع :
1- فهو بداءةً يرفض أن يكون العالم وكأنه فى حالة صراع بين الأفكار والثقافات والمواقف ؛ لأن حالة توازن القوى فى ظل آليات العولمة المادية والثقافية توفر للنظام الرأسمالى هيمنة مفرطة، وهو الأمر “الذى يجعل الثقافى والفكرى مجرد أداة، وليس واجهة التعبير عن الواقع ….ومن ثم فى ظل عدم التوازن ليس هناك معنى للحوار على الصعيد الفكرى والثقافى ؛ لأن النظام ذو القطب الواحد لا يجعل للحوار إلا قيمه رمزية يمكن أن نتلهى بها أحيانًا ولكنها لن تساعدنا فى مواجهة الحقائق …ولأن الثقافة العليا الكلية أو الكبرى السائدة الآن لا تنظر لحواراتنا (حوار جنوبى /جنوبى) إلا كأصوات قادمة من أسفل؛ لأننا لم نعط لأنفسنا القيمة الكافية للمواجهة …فعلينا ذلك (الأخذ من الآخر واستيعابه ونحن فى مركز قوة) وشكل ذلك معنى “الحوار الضمنى” دون أن نثير إلا فى لحظات الضعف فقط قضية الحوار بهذا الشكل . معنى ذلك أنه كان حوار بنى سياسية اجتماعية اقتصادية حتى فى لحظات المواجهة الحادة، ولم يكن حوار بيانات أو مؤتمرات ..إلخ أو حول قضايا ثقافية فقط … فلماذا نتجاهل هذه المعانى البنيوية لنلجأ إلى أسلوب إصدار البيانات وكأنه حل للأزمة، دون الانتباه للحوار العضوى الضرورى أولًا بين بناءات شعوب مقهورة ..”
وأشار أ.حلمى شعراوى إلى أن قضية الحوار الفكرى لم تظهر بين القطبين إلا فى لحظة ضعف الاتحاد السوفيتى.
2- “لا نرفض النقاش على مستوى عالمى ولكن حول جدول أعمال مختلف، ليس هو مجرد مضمون الرسائل الأمريكية أو الأوربية حول أوضاعنا الثقافية … ولكننا نريد طرح جدول أعمال نناقشه مع مفكرى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بالأساس، ومع من يحضر من الأوربيين والأمريكيين، وفى إطار حركة مقاومة أمركة العالم، وذلك حول نقاط مثل: معايير العالمية المزدوجة، لا كبيرة لأولوية حوار ثقافى وسياسى مع الشمال دون البدء بحوار جنوب جنوب ..التصدى لنزعات العنصرية والإقصاء فى قضايا اجتماعية ومحلية، دون تسمية أسبابها الحقيقية الصادرة عن النظام العالمى، الحوار الداخلى حول الحقوق الجماعية للشعوب فى تقرير مصيرها وحقوقها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وموازنتها الضرورية مع حقوق الإنسان المدنية، التفكير فى برامج هجوم مضاد ضد العنصرية “الشمالية” …(جذر الشر فى نظامهم الاقتصادى العالمى، المساءلة عن كيف تمت أحداث 11 سبتمبر ؟ بحث روح التدمير فى ثقافتهم مثلما نراجع روح الإرهاب أو التخلف فى ثقافتنا …)
وبالرغم من الاختلافات بين اقترابى ياسين والشعراوى (نظرًا لاختلافهما فى الأسس المعرفية والرؤية للعالم) إلا أن اقتراب الشعراوى يثير لدّى بعضًا من نفس الأسئلة التى طرحتها تعليقًا على ياسين، وهى الخاصة بنطاق القضايا واقتصارها من عدمه على القضايا الثقافية أساسًا، ويرجع ذلك إلى اتفاقهما على توسيع نطاق قضايا الحوار، وإن اختلفا بوضوح على الأجندة (أجندة نظام العولمة، أم أجندة الجنوب) ؛ فإن الشعراوى وإن حرص على تأكيد خصوصية أجندة الحوار المطلوبة، إلا أنه رفض أن يكون العالم فى حالة صراع أو حوار ثقافات فى ظل اختلال ميزان القوى المادى، وقد انعكس ذلك على تراجع وزن القضايا الثقافية المباشرة فى موضوعات الأجندة الجديدة المقترحة من جانبه . إلا أن هذه الموضوعات بدورها لا يمكن الحوار حولها بدون استدعاء أبعاد قيمية من منظورات مختلفة .
ج- ذلك وبالنظر إلى اقتراب المؤسسات الإسلامية الرسمية – مثل المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وكذلك المفكرون الإسلاميون على اختلاف مواقفهم رفضًا أو قبولًا للحوار؛ بالنظر إلى اقترابهم من القضايا موضع الحوار أو الصراع نلحظ أن بؤرة الاهتمام هى صورة الإسلام والشبهات التى يتعرض لها، ومن ثم استحضارهم ما يتصل بطبيعة الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا وقيمًا، وما يتصل بخصائص الحضارة الإسلامية بالمقارنة بنظيراتها الغربية وما يتصل بالممارسات الإسلامية فى التاريخ بالمقارنة بنظائرها الغربية تجاه أصحاب الديانات والثقافات الأخرى .
بعبارة أخرى يتصدى هذا الاتجاه للأبعاد الثقافية الحضارية المباشرة، وفى قلبها الموقف من الإسلام . وهى الأبعاد التى تطرح السؤال التالى : هل هناك لدى الغرب أزمة معرفة بالإسلام يترتب عليها هذا النيل من الإسلام ؟ أم هى نوايا مبيتة لإلصاق التهمة بثقافته وحضارته وبأهله بزعم أنهم _أى المسلمون_ يكرهون الغرب لاختلافه فى الدين والحضارة …؟
ويمكن نقلًا عن آخر مؤتمرات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والذى شارك فيه عدد كبير من علماء الأمة تحت عنوان حقيقة الإسلام فى عالم متغير أن نعرض الأفكار والمقولات التالية حول طبيعة القضايا محل الاهتمام .
1. إن الإسلام دعوة إلى المحبة والسلام والخير، ومن هنا لا يتصور أن تكون هذه الأديان مصدر شر لأى من شعوب العالم، أو أن يستخدم الوازع الدينى لارتكاب أعمال عنف أو أعمال إرهابية .
2. المسببات الأساسية للأحداث التى ربطت بين الإسلام والإرهاب فى نظر الغرب، هى تزايد مشاعر اليأس والإحباط، والناتجة عن اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية لا دخل للإسلام فيها من قريب أو بعيد .
3. يجب مواصلة الجهود وتدعيمها من أجل الكشف عن الصورة الحقيقية السمحة للإسلام وبوصفه دين سلام ومحبة .
4. الإسلام يؤكد على تعارف الشعوب والحضارات، ويدعو للحوار، ويرفض دعاوى صدام الحضارات ؛ لأن الحضارات لا تتصادم وإنما تتفاعل وتتكامل . وإيمان المسلمين بعالمية الإسلام لا يعنى انفراد الحضارة الإسلامية بالعالم وتفوقها على الحضارات الأخرى، وإنما يعنى أن التعددية الحضارية والتنوع الثقافى هو الوضع الطبيعى، وأن القواسم المشتركة ونقاط الالتقاء بين الحضارات والأديان أكثر من الاختلافات فيما بينها .
5. أهمية معرفة التغيير فى العالم، والحاجة إلى الفقه فيه، وخاصة وأن حركة التغيير فى العالم لم تقتصر على الجوانب المادية، ولكنها تجاوزتها إلى التأثير فى معتقدات الإنسان وفصله عن حضارته وقيمه، ومعنى هذا أن مجالات التغيير اتجهت إلى قضايا الدين والثقافة والقيم.
6. القضايا التى تم تحديدها للمساهمة فى توضيح حقيقة الإسلام من واقع نصوصه وتعاليمه تتلخص فى الآتى :
المحور الأول : حقيقة الإسلام، ويناقش (خصوصية الإسلام، تكريم الإسلام للإنسان، حقوق الإنسان فى الإسلام، كيف انتشر الإسلام؟)
المحور الثاني : العلاقة بالآخر ويناقش (اعتراف الإسلام بالديانات السماوية السابقة عليه عنصر أساسى فى عقيدة المسلم، كل البشر سواسيه فى التصور الإسلامى، الأقليات الإسلامية فى الدول غير الإسلامية، الأقليات غير المسلمة فى الدول الإسلامية).
المحور الثالث : الجهاد ويناقش (تحديد مفاهيم الجهاد والقتال والعنف والإرهاب، الجهاد وصوره، الإرهاب وصوره فى تاريخ الأديان والحضارات، الكفاح المشروع).
المحور الرابع : رؤية مستقبلية ويناقش (خصائص الحضارة الإسلامية “رؤية مقارنة بالحضارات الأخرى “، السمات المشتركة بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات، صلة التأثير والتأثر بين الحضارة الإسلامية وغيرها، مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة).
وإذا كانت هذه القضايا تتصل بالأصل فى الإسلام فيظل السؤال قائمًا هل يقتصر الحوار مع الآخر حول الأصل فى الإسلام ؟ ألا يؤثر الواقع –وبينه وبين الأصل فجوة – على صورة هذا الأصل فى ذهن غير المسلم ؟ وهل تظل هذه القضايا منفصلة عن قضايا الدنيا والواقع ؟ وهل يكفى الدفاع عن أنفسنا فقط دينًا وثقافة وحضارة ؟ ألا يمكن أن نتخذ موقف الهجوم على ثقافة الآخر وتقاليده ؟ هل تظل ممارسات الآخر ضدنا هى سبب اليأس والإحباط أليس هناك مسئولية داخلية ؟ كيف يمكن مواجهة آثار التيارات الدينية التى لا تمثل الأغلبية ؟ وكيف ندعم التيار الرئيسى السنى المعبر عن الأغلبية ؟ وكيف يتحقق له التجديد والاجتهاد ليستجيب لمتطلبات التغيير فى العالم من دون تفريط فى ثوابت الإسلام ؟
خلاصة القول : ما معنى هذه المداخل المختلفة نحو قضايا الحوار؟ هل هى متنافسة تستبعد كل منها الأخرى ؟ هل هى متكاملة تدعم بعضها البعض ؟ هل يعنى هذا أنه ليس هناك ملامح تيار رئيسى يستمد ملامحه من القواسم المشتركة بين الروافد الثلاثة ؟ وهل سيظل افتقاد هذا التيار بمثابة الآفة للأمة ؟ وكيف يمكن تحقيقه ؟ وهل مقتضيات اللحظة الراهنة تفرض هذا ؟ أى هل تفرض أن نجتمع وراء الدعوة إلى وممارسة “حوار الحضارات” ؟ ولكن أى حوار وفق أى شروط ؟ ونحو ماذا ؟ وهكذا أصل إلى تقديم ملامح رؤيتى التقييمية الذاتية التى تحدد قراءتى ومفهومى عن حوار الحضارات .

ثانيًا : وماذا بعد ؟ ملامح رؤية تقييمية وذاتية

على ضوء العرض النقدى السابق، يمكننى الآن التوقف عند بعض ملامح رؤيتى عن “حوار الحضارات ” وتتلخص هذه الملامح فى مجموعتين : أحدهما نظرية وتدور حول عناصر التأصيل النظرى لهذا المجال ؛ والثانية حركية تدور حول إمكانيات وجود تيار رئيسى فكرى عربى حول حوار الحضارات فى المرحلة الراهنة المتأزمة من التاريخ العربى والإسلامى .

1- عناصر التأصيل النظرى :

إن الانتماء للمجال البحثى فى حوار الحضارات أكثر من الانتماء إلى المجال الحركى فيه يدفع للاهتمام بهذه العناصر، وباعتبار هذا المجال – كما سبق التوضيح – من احدث مجالات دراسة العلاقات الدولية، والتى يثير التأليف والجدال حولها اهتمامًا راهنًا يناظر ما سبق وحظى به تجدد الاهتمام بالاقتصاد السياسى الدولى فى بداية السبعينيات. وتتلخص عناصر هذا التأصيل المطلوب فى البندين التاليين :
أ-حول إشكالية حوار أم صراع (المبررات والدوافع : العلاقة بين الأبعاد الثقافية والاستراتيجية)
يمثل “حوار الحضارات أو صراعها ” مجالًا أساسيًا من مجالات دراسة العلاقات الدولية فى مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ويرجع ذلك إلى بروز الأبعاد الثقافية الحضارية للعلاقات الدولية الراهنة على عدة مستويات : المفسر لهذه العلاقات والمحرك لها، قضايا العلاقات، أدوات العلاقات، أنماط التفاعلات وهكذا … ويرجع ذلك بالطبع إلى العديد من الأسباب على رأسها انتهاء الصراع الأيديولوجى، وصعود دور الأديان، تهاوى الحدود بين الداخلى والخارجى على نحو أدى إلى درجة كبيرة من اجتياح الخارجى للداخلى من جراء الثورة فى الاتصالات والمعلومات، وبعد أن تحققت الهيمنة الغربية السياسية والعسكرية ثم الاقتصادية، فلم يتبق إلا اكتمال الهيمنة على الصعيد الثقافى أيضًا .
ولذا فلا عجب أن يلحظ المراقب والباحث والأكاديمى، أن ساحة خطاب العولمة قد شهدت صعود الاهتمام بالحضارة والثقافة والدين بعد أن صعدت الاهتمامات وسادت فى مراحل سابقة (الحرب الباردة والانفراج) بالعوامل الاستراتيجية العسكرية، ثم الاقتصادية السياسية على التوالى. كل هذا يعنى أن التفاعلات لم تعد حول السياسة والاقتصاد فقط، ولكن الحضارة والدين فى قلبها .
ولهذا يجب النظر إلى مغزى أطروحة هانتنجتون من حيث درجة ما تمثله من تغيير فى منظور دراسة العلاقات الدولية، وانتقاله إلى مرحلة جديدة بعد مرحلة الواقعية التقليدية، ثم الهيكلية، على اعتبار أن منظور هانتنجتون منظور واقعى (الصراع)، ولكن من منطلقات مغايرة (الحضارات).
كما يجب النظر من ناحية أخرى إلى أطروحة هانتنجتون باعتبارها تجسيدًا للعلاقة بين التطور فى التنظير والرؤى وبين خدمة المصالح الاستراتيجية الكبرى ؛ حيث إن طرح هانتنجتون لم يقدم طرحًا نظريًا جديدًا مجردًا، ولكنه تعبير عن آلية هجومية جديدة للحضارة الغربية وهى آلية ذات لباس ثقافى حضارى ؛ وهذه الآلية ليست مستحدثة ولكن ذات جذور فكرية وسياسية سابقة، ولكن لم تكن بنفس درجة العمق والوضوح .
وعلى الصعيد المقابل فإن المتحدثين عن “حوار الحضارات” يمثلون بدورهم منظورًا مثاليًا فى مرحلة جديدة، بعد مرحلة المثالية التقليدية (الأمن الجماعي)، ثم المثالية الجديدة (الاعتماد المتبادل)، وهى مرحلة المجتمعية والعالمية والحوار . وهؤلاء بدورهم يمثلون استجابات ذات دوافع متنوعة ترتهن بموقفهم على سلم القوة الدولية .
بعبارة أخرى فإننى أنظر إلى صعود مفهوم حوار الحضارات أو صراعها من خلال تحديد وضعه فى السياق العام للدراسات الدولية الغربية، ومن خلال توظيفه فى الاستراتيجيات الكلية؛ أى باعتباره أداة من أدوات إدارة السياسات الدولية الراهنة سواء انطلاقًا من الدائرة الغربية، أو استجابة من الدائرة العربية .
2-الحوار ليس إلا شكلًا من أشكال العلاقات بين الحضارات . ولذا فإننى أنقد ذلك الترحيب الشائع انطلاقًا من دوافع دفاعية اعتذارية بوصف العلاقات الراهنة بأنها حوار أو يجب أن تتجه إلى حوار من ناحية، كما أنقد من ناحية أخرى التمترس وراء تشخيص هذه الحالة الراهنة أيضًا وانطلاقًا من مبررات أيديولوجية بأنها أسيرة الصراع الدائم والحتمى .
فإذا كانت أطروحة الصراع قد فجرها هانتنجتون، وإذا كانت أطروحة الحوار قد بدت كالأطروحة الاعتراضية إلا أن الانشغال على الساحة العربية بهذين الطرحين على هذا النحو الاستقطابى الثنائى الذى جرى (حوار أم صراع) يستحق الانتقاد المعرفى والمنهجى، بل والسياسى أيضًا .
فمن ناحية : إذا كانت أطروحة هانتنجتون تكرس الصراع كقانون تاريخى مطلق اتساقًا مع منطلقات المدرسة الواقعية، وانطلاقًا من ناحية أخرى مع إلباس صراع المصالح والقوى لباسًا دينيًا ثقافيًا حضاريًا، تحت دوافع ومبررات استراتيجية (كما سبق وأوضحنا)، إلا أن الصراع –وفق رؤية إسلامية – والذى يعبر عنه مفهوم التدافع يحمل مضامينًا أخرى ؛ فهو سنة من سنن الاجتماع البشرى، ولا يعنى القضاء على الآخر، أو تأكيد هيمنة قوم على قوم، أو ثقافة على ثقافة، ولا يعنى وهو الأهم أن الصراع يتولد بين الأقوام والملل المختلفة لمجرد الاختلاف الثقافى والحضارى؛ ولذا يرتبط مفهوم التدافع بعالمية الإسلام فى مقابل عولمة النموذج الغربى؛ لأن التدافع حالة من عدة حالات وليس قانونًا تاريخيًا .
ولكن من ناحية أخرى :
فإن حوار الحضارات باعتباره نمطًا من أنماط أخرى اتخذتها العلاقات بين الحضارات على مدار تطورها التاريخىله سياق دولي يبرزه أو يواريه ، كما أن له شروطًا لازمة التحقيق وآليات لإدارته وصولًا لأهدافه .
وإذا كان الحوار قد برز فى الخطاب والحركة خلال العقد الأخير من القرن العشرين (أى قبل 11 سبتمبر 2002)، ومع بداية القرن ال21 فذلك باعتباره أداة من أدوات إدارة السياسات الخارجية لمراحل التأزم الدولى، سواء من جانب الفواعل القوية أو الضعيفة .وذلك فى سياق دولى يفرز محدداته النابعة من طبيعة المرحلة الانتقالية من هيكل النظام الدولى، ومن حالة النظام الدولى الراهن المتأزمة تحت تداعيات كل من تصفية القطبية الثنائية والحادى عشر من سبتمبر، وانعكاساتهما على الأبعاد الثقافية الحضارية فى النظام الدولى .
كما أن الحوار، لا يمكن أن يكون على صعيد النمط الرسمى فقط، وفى مراحل التأزم فقط، ولكنه عملية ممتدة عبر التاريخ صعودًا أو هبوطًا من حيث الأهمية ويمتد عبر نطاقات متنوعة من التفاعل البشرى . ومن ثم فهو قد يترادف على هذا النحو مع مصطلحات أخرى : التثاقف، التفاعل الثقافى . ولكنها أمور مختلفة، فالحوار معه جانب إرادى واعٍ باعتباره أداة أو آلية من آليات إدارة العلاقات الدولية فى ظل تأزم نظام العولمة على العكس من الآخيرين فهما ممتدان مستمران فى جميع المراحل . كما أن الحوار ذاته قد برز أو تراجع فى مراحل من التاريخ فى ظل سياقات سياسية واقتصادية عالمية متنوعة ،
والحوار -وفق رؤية إسلامية – له نماذجه فى النص القرآنى وفى السنة النبوية وفى الممارسات الإسلامية عبر التاريخ .
ومن ثم فإن قبوله الآن كنمط من أنماط التفاعل الحضارى لا يجب أن يعنى موقفًا اعتذاريًا دفاعيًا فى مواجهة اتهامات الغرب أو فى مواجهة سياساتهم الصراعية، حفاظًا على البقاء أو درءًا للأخطار، واستعواضًا عن الضعف المادى، ولكن يجب أن يكون الحوار انطلاقًا من ذاتية ثوابت الأمة، ومن قضاياها وتعبيرًا عن مجرد آلية بين آليات أخرى، وليس غاية. وكذلك شريطة أن يكون مقرونًا فى المرحلة الراهنة بالوعى عن الأبعاد الصراعية فى دواعى الطرف الآخر، حتى ولو كانت مغلفة بخطابات الحوار، ومقرونًا بالوعى بحقيقة أثر توازنات القوى على تحديد قضايا الحوار، وغاياته، ونتائجه . وشريطة أن تتوافر له شروط الحوار السوى والفاعل، وعلى رأسها الحوار البينى المسبق على المستوى الرسمى والفكرى، وأخيرًا شريطة ألاَ تنتقل ضغوط الواقع على الرسميين إلى النخب والمفكرين . فهم مطالبون بالحوار ؛ لأنه جهاد العصر وليس اعتذار العصر.
وهو جهاد العصر من خلال تحرى نموذج المقاصد الشرعية، وقيم الاستخلاف والتزكية والعمران والتعارف.هو جهاد العصر الذى يتحدث عن العدالة فى مقابل لغة السلام التى يتحدث بها الداعون إلى الحوار من الدائرة الغربية ؛ فإن السلام لا يتحقق بالحوار إذا كانت العدالة مفقودة . بعبارة أخرى فإن ثقافة الحوار – لدينا- يجب أن تنطلق من مفهوم العدالة كغاية وحتى لا يكون ثمن السلام هو الاستسلام، أو الاعتذار أو الدفاع عن براءة الذات الحضارية . إذن من يحاور من وحول ماذا وكيف؟
ب- قضايا الحوار وأطرافه وضوابطه :
الحوار بين الحضارات أو الحوار الحضارى ليس مفاوضات، أو مساومات، أو إملاءات، أو سبيل لتغيير الثوابت، وهو ليس مجرد حوار الشمال والجنوب فى ظل الدعوة إلى نظام اقتصادى دولى جديد، أو فى ظل دعاوى أيديولوجية العولمة الخاصة بالديموقراطية وحقوق الإنسان والبيئة، أو الخاصة بعالمية الثقافة أو خصوصيتها . كما أنه ليس الحوارات الرسمية أو المناظرات والجدالات الفكرية النخبوية “حول الحوار ” . ولكن حوار الحضارات يمثل فى نظرى مستويات مختلفة . ولذا فإننى أرى ضرورة فك الاشتباك حول عدة أمور تتصل بالسياق الراهن للموضوع . وهذه الأمور تتصل بالمحاور التالية .
قضايا الحوار بين الحضارات :
وحتى لا تصبح كل قضايا العلاقات بين الشمال والجنوب موضوعات للحوار فمن المهم التمييز بين نمطين من القضايا التى تدخل فى نطاق “حوار الحضارات” .
النمط الأول : هو القضايا الثقافية – الحضارية المباشرة ،(والتى يقع فى قلبها الدين وهى المتصلة بالصور المتبادلة النمطية، والمدركات عن الآخر، والأحكام المسبقة والمتحيزة، وهنا يأتى ما يسمى “دفع الشبهات عن الإسلام ” ،تصحيح صورة الإسلام وموقفه من قضايا عدة، بالنسبة للطرف الآخر . بعبارة أخرى هذا النمط من القضايا يمكن وضعه تحت عنوان “الإسلام والغرب” وانطلاقًا من مجال “الدراسات الإسلامية ” بفروعها المختلفة، الشرعية والتاريخية .
النمط الثاني هى الأبعاد الحضارية الثقافية، أو الأبعاد القيمية فى قضايا ما بعد الحرب الباردة، بعبارة أخرى إذا كانت سياقات الحرب الباردة، الانفراج، تصفية القضية الثنائية، قد أفرزت الاهتمام بالأبعاد الاستراتيجية العسكرية، أو الاقتصادية للعلاقات الدولية على حساب الثقافية الحضارية منها، فإن المرحلة الراهنة تفرض الاهتمام –ومن منظورات مختلفة – بالأبعاد الثقافية الحضارية أو الأبعاد القيمية فى كثير من قضايا العلاقات بين الشمال والجنوب . فهذا هو المقصود بقضايا حوار الحضارات وليس الجدال الفكرى والنظرى حول ربما نفس القضايا ولكن من مقتربات مختلفة مثل الاقتصاد السياسى أو سياسات القوى أو غيره . ولكن هل يعنى ذلك أن دراسة قضايا حوار الحضارات لا تكون إلا من خلال اقتراب التحليل الثقافى أو المنظور القيمى؟
إن قضايا الديموقراطية أو حقوق الإنسان أو المواطنة أو العنف أو المرأة أو البيئة أو منع النزاعات، المعلوماتية التعددية الثقافية، وقيم المساواة والعدالة والحرية، يمكن تناولها من اقترابات مختلفة . ولكن فى نطاق ما يسمى “حوار الحضارات” ألا تظل للأبعاد الثقافية الحضارية أو القيمية لهذه القضايا محوريتها بالمقارنة بغيرها من الأبعاد؟
وعلى ضوء ما سبق يجدر الإشارة إلى أن الفارق بين قضايا الحوار، وبين موضوعات التفكير فى حوار، أو حول حوار الحضارات هو أن موضوعات مجال دراسى عن العلاقات بين الحضارات يهتم بها ويقوم بها الباحثون والدارسون لهذا المجال، وليس القائمين على الحوار بمستوياته المختلفة . ولذا لابد وأن نتساءل عن أطراف الحوار أو المهتمين بالحوار وممارسيه.

مفكرو الحوار وأطرافه

يجدر التمييز بين مستويات الحوار بين الحضارات .
المستوى الأول : هو مستوى الحوار الفكرى والشفوى وهو بدوره ينقسم إلى رافدين:
الرافد الأول – هو الأقرب إلى الخطاب من جانب واحد، وهو الذى يقوم به الباحثون والأكاديميون المهتمون بهذا المجال على صعيد الدائرة الحضارية العربية والغربية على حد سواء ؛ فيكتبون فى أبعاد مختلفة : السياق الذى يفرز الحاجة للحوار من عدمه، العلاقة بين الحوار وتوازن القوى، غايات الحوار وأهدافه (ثقافة السلام أم إدارة التعددية الثقافية أو حل الأزمات الدولية)، محددات الحوار مثل العولمة والمعلوماتية، العلاقة بين الدين والحضارة والثقافة، ومن ثم الآثار على إمكانيات الحوار وعوائقه، نماذج تاريخية من الحوار، الخبرات الوطنية والقومية المختلفة، الأصول الفكرية والمصادر الفكرية للحوار بين الحضارتين العربية والإسلامية، شروط الحوار السوى وغير السوى، حقوق الإنسان فى حوار الحضارات والى غير ذلك من الموضوعات البحثية النظرية والتطبيقية التى تمثل فى مجموعها جوهر مجال دراسات حوار الحضارات.
الرافد الثاني – هو الأقرب للحوار ولكن على مستوى النخب الفكرية والأكاديمية،وهو الحوار الفكرى الشفوى الذى يدور فى محافل الندوات والمؤتمرات العلمية، أو المؤتمرات ذات الصبغة الرسمية؛ أى المنبثقة من المنظمات والهيئات الرسمية الإسلامية التى تدير آلية الحوار .
يثير هذا المستوى برافديه قضيتين هامتين : الأولى- تتصل بمنظورات المتحاورين، أو المهتمين والثانية- تتصل بآليات التنسيق؛ فمن ناحية : يتجدد مع هذا المستوى –برافدية – طرح واستدعاء الأسئلة المثارة حول طبيعة القضايا فى الحوار وطبيعة الاقتراب منها . ولذا وحيث إن مجال حوار الحضارات يغرف منه ويصب فيه متخصصون فى مجالات معرفية مختلفة فلابد وأن نتساءل كيف يتقاسمون هذا المجال ؟ لأنه يجب اقتسامه . فلا يمكن أن يظل قاصرًا على “الشرعى” ولا يمكن ألا يمتد إلى متخصص العلوم الاجتماعية ولكن على “الشرعى” أن يمد البصر إلى الواقع المحيط –داخليًا وخارجيًا – سعيًا نحو فقه الواقع فى تفاعله مع فقه النص وفقه الأصل بعلومه المختلفة التى تمثل منبعًا أساسيًا لأسانيد ومبررات وحجج الحوار . كما على “الاجتماعي ” أن يمد البصر إلى علوم الأصل بالقدر الذى تساعده فى الحوار، هذا بافتراض قبول التمييز السابق بين قضايا مباشرة، وبين قضايا غير مباشرة للحوار الحضارى؛ حيث تكون الأبعاد الثقافية القيمية لتلك الأخيرة ذات وزن فى الحوار الذى يشارك فيه الاجتماعيون بمنظوراتهم المختلفة، وليس من منظور إسلامى فقط .
بعبارة أخرى لابد وأن يشارك الاجتماعيون من منظورات مختلفة فى الحوار، ولكن من خلال التصدى أساسًا للأبعاد الثقافية، والحضارية القيمية، والأخلاقية للأسئلة والإجابات فى القضايا محل الاهتمام .
وهذه الأبعاد تجد مصادرها فى جانبين : الدين ومصادر أخرى، ومن ثم يشارك فى الحوار الحضارى متخصصو العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية وأصحاب الرؤى الإسلامية من الاجتماعيين وأصحاب الرؤى الأخرى منهم، على صعيد الدائرة الحضارية العربية الإسلامية . وإذا كان الفريق الأول والثانى يركزان على القضايا المباشرة (السابق تحديدها) لامتلاكهم السبل والأدوات المنهاجية، فإن الفريق الثالث يركز على القضايا غير المباشرة، ولكن فى أبعادها الثقافية والقيمية بالأساس، وذلك تمييزًا للحوار الحضارى فى هذه القضايا عن غيره من الحوارات أو الجدالات التى تعطى الأولوية لتأثير أبعاد أخرى فى العلاقات الدولية .
إن هذه المشاركة – من منظورات متنوعة – هى محك التمييز بين مجالين متداخلين وقد يبدوان فى نظر البعض متطابقين – ألا وهما حوار الحضارات وحوار الأديان حيث من المفترض أن حوار الأديان؛ هو مجال متخصصى العلوم الشرعية، والدراسات الإسلامية بالأساس.
ومن ناحية أخرى فإن القضية الثانية تتصل بآليات الإدارة والتنسيق . والمقصود بذلك أنه مع تعدد منتديات، أو مراكز، أو جمعيات، أو شبكات، أو مجالس، أو منظمات حوار الحضارات على الأصعدة الوطنية، والإقليمية، والعالمية الرسمى منها وغير الرسمى، لابد وأن يثور السؤال التالى: هل الحوار الحضارى عملية فردية أم عملية مؤسسية ؟ وبالرغم من أن بعض الآراء فى أسس وقواعد الحوار ترى أنه يجب أن يكون فرديًا، إلاَ أن تنامى وتفرع المجال يحتاج إلى عمل مؤسسى إما لتنظيم حوار الأفراد، أو للقيام بحوار على مستوى المؤسسات .
ولذا ففى كلتا الحالتين هناك حاجة ماسة للتنسيق بين التنظيمات المختلفة المستويات، على صعيد العمل العربى والإسلامى فى هذا المجال، سواء الرسمية منها أو المدنية . وعلى الصعيد الرسمى الجماعى تظل منظمتى الجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامى من أهم القنوات ولكن لا تقدر كل منها على الحركة الفاعلة منفردة بقدر ما لا تقدم على التنسيق فيما بينها . ومن ثم فيظل الحديث عن دورها التنسيقى، كمظلة جامعة للتنظيمات الرسمية، أو غير الرسمية الوطنية، بمثابة حديث الأمنيات . ولذا لا عجب أن تبرزه الدعوة لدور الأمم المتحدة على صعيد حوار الحضارات .
المستوى الثاني – هو مستوى “حوار الحياة”، بمعنى التعارف والتفاعل المباشر؛ أى العيش معًا، والعمل معًا جنبًا إلى جنب، أى الانتقال من النظرى والفكرى إلى مستوى الوقائع والفعل، وطرق الحياة اليومية أو التفاعل المباشر، على أساس أن الجهل – الذى يريد علاجه الحوار الفكرى – ليس نابعًا من عدم توافر المعرفة المكتوبة (التى قد تعوض عن الحوار الفكرى المباشر)، ولكن من افتقاد التعارف والتفاعل، وهو الأمر الذى يحتاج إلى هياكل للحركة تختلف عن هياكل الحوار الفكرى برافديه السابق توضيحها فى المستوى الأول .
وهذا المستوى التفاعلى المباشر ليس بديلًا عن مستوى الحوار الفكرى، ولكن يكمله، بل يكون أكثر قدرة على نقل التعارف، وبالتدريج من مستوى الأفراد إلى مستوى الجماعات على أساس أن فهم الآخر يتحقق من خلال فهمه كما يرى نفسه ويقدم نفسه وليس كما نقرأ عنه أو حوله .
ولكن ما هى الفئات التى يمكن أن تمارس الحوار بهذا المعنى ؟ يصدق هذا المعنى على الحوارات بين الأديان على الصعيد الوطنى بين المسلمين والمسيحيين فى مصر، فى لبنان … ولكنه يصدق أيضًا على ملتقيات الشباب والطلاب والمهنيين والمرأة …على المستويات عبر الإقليمية والدولية التى يتم تنظيمها لأهداف حوارية.وتتطلب هذه الملتقيات تحديد قضايا الحوار وآليات إدارته وفقًا لطبيعة كل ملتقى. وأخيرًا هل يمكن البحث عن سبل تحديد أو
وأخيرًا هل يمكن البحث عن سبل تحديد أو بلورة ملامح تيار أساسى مشترك حول حوار الحضارات؟ سؤال يحتاج لجولات أخرى من البحث والتقييم، ناهيك بالطبع عن الحاجة إلى تقييم الإنجازات المتحققة على الأصعدة المختلفة حتى الآن . ويظل السؤال كيف يمكن تحقيق هذا التقييم، وصولًا إلى تقدير ما للإنجازات الحوارية من آثار على السياسات.
*****

المصادر:

1-د. نادية محمود مصطفى : أزمة الخليج والنظام الدولى فى د. أحمد الرشيدى (محرر) الأبعاد الإقليمية والدولية : أزمة الخليج . مركز البحوث والدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 1991.
– د. نادية محمود مصطفى : المنطقة العربية والنظام الدولى الجديد، تقرير الأمة فى عام (1992)، مركز الدراسات الحضارية، القاهرة، 1993.
2-د.نادية محمود مصطفى :العولمة والعلاقات الدولية (فى) د. سيف الدين عبد الفتاح (محرر) العولمة والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1998.
– د. نادية محمود مصطفى : التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامى (فى) رابطة الجامعات الإسلامية. أعمال مشروع تحديات العالم الإسلامى فى نهاية القرن العشرين، 1999 (الفصل الأول).
3- د. نادية محمود مصطفى : البعد الثقافى للشراكة الأوروبية المتوسطية (فى) د. سمعان بطرس فرج الله (محرر) أعمال ندوة مستقبل الترتيبات الإقليمية فى منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على الوطن العربى، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1998.
– د. نادية محمود مصطفى : التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامى …مرجع سابق (الفصل الثاني : وضع الإسلام والمسلمين فى الفكر الاستراتيجى الغربى فى نهاية القرن العشرين : من أطروحات صدام الحضارات إلى أطروحات التهديد الإسلامى خرافة أم حقيقة).
– د. نادية محمود مصطفى : التعاون الثقافى مع المؤسسات الغربية (فى) أعمال المؤتمر الحادى عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية تحت عنوان : نحو مشروع حضارى إسلامى، يونيه (1999).
– د. نادية محمود مصطفى : استراتيجية العمل الثقافى الإسلامى فى الغرب بحث مقدم إلى اجتماع خبراء الإيسيسكو فى برلين يوليه 2000.
– د. نادية محمود مصطفى :حوار الحضارات على ضوء العلاقات الدولية الراهنة (فى) كتاب أعمال ندوة “كيف سندخل سنة حوار الحضارات (22-23/11/2002) المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، دمشق، 2001 ص 145-210.
– د. نادية محمود مصطفى :(الأبعاد الثقافية والحضارية فى أحداث الحادى عشر من سبتمبر ومستقبل حوار الحضارات) فى ندوة مستقبل حوار الحضارات بعد الحادى عشر من سبتمبر : المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، دمشق، يناير 2002 (تحت الطبع).
– د. نادية محمود مصطفى : التحديات الحضارية الخارجية للعالم الإسلامى (فى) العدد الخاص من حوليه أمتى فى العالم تحت عنوان “الأمة فى قرن (2000) الكتاب السادس، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة (تحت الطبع).
– د. نادية محمود مصطفى (محرر): السياسة الأمريكية تجاه الإسلام والمسلمين : بين الأبعاد الثقافية الحضارية وبين الأبعاد الاستراتيجية. سلسلة محاضرات برنامج حوار الحضارات (رقم 1)، برنامج حوار الحضارات، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، (تحت الطبع) .
4-تم انتقاء هذه النماذج من مناسبتين حديثتين :
– ردود الفعل حول مبادرة أ.السيد ياسين الداعية لتوجيه خطاب مصرى إلى المثقفين الأمريكيين والتى تم نشرها على صفحات جريدة الأهرام خلال شهرى يوليو – أغسطس 2002.
– أعمال المؤتمر العام الرابع عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية (20-23 مايو 2002)تحت عنوان حقيقة الإسلام فى عالم متغير.
المصادر:
1-د. نادية محمود مصطفى : أزمة الخليج والنظام الدولى فى د. أحمد الرشيدى (محرر) الأبعاد الإقليمية والدولية : أزمة الخليج . مركز البحوث والدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 1991.
– د. نادية محمود مصطفى : المنطقة العربية والنظام الدولى الجديد، تقرير الأمة فى عام (1992)، مركز الدراسات الحضارية، القاهرة، 1993.
2-د.نادية محمود مصطفى :العولمة والعلاقات الدولية (فى) د. سيف الدين عبد الفتاح (محرر) العولمة والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1998.
– د. نادية محمود مصطفى : التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامى (فى) رابطة الجامعات الإسلامية. أعمال مشروع تحديات العالم الإسلامى فى نهاية القرن العشرين، 1999 (الفصل الأول).
3- د. نادية محمود مصطفى : البعد الثقافى للشراكة الأوروبية المتوسطية (فى) د. سمعان بطرس فرج الله (محرر) أعمال ندوة مستقبل الترتيبات الإقليمية فى منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على الوطن العربى، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1998.
– د. نادية محمود مصطفى : التحديات السياسية الخارجية للعالم الإسلامى …مرجع سابق (الفصل الثاني : وضع الإسلام والمسلمين فى الفكر الاستراتيجى الغربى فى نهاية القرن العشرين : من أطروحات صدام الحضارات إلى أطروحات التهديد الإسلامى خرافة أم حقيقة).
– د. نادية محمود مصطفى : التعاون الثقافى مع المؤسسات الغربية (فى) أعمال المؤتمر الحادى عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية تحت عنوان : نحو مشروع حضارى إسلامى، يونيه (1999).
– د. نادية محمود مصطفى : استراتيجية العمل الثقافى الإسلامى فى الغرب بحث مقدم إلى اجتماع خبراء الإيسيسكو فى برلين يوليه 2000.
– د. نادية محمود مصطفى :حوار الحضارات على ضوء العلاقات الدولية الراهنة (فى) كتاب أعمال ندوة “كيف سندخل سنة حوار الحضارات (22-23/11/2002) المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، دمشق، 2001 ص 145-210.
– د. نادية محمود مصطفى :(الأبعاد الثقافية والحضارية فى أحداث الحادى عشر من سبتمبر ومستقبل حوار الحضارات) فى ندوة مستقبل حوار الحضارات بعد الحادى عشر من سبتمبر : المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، دمشق، يناير 2002 (تحت الطبع).
– د. نادية محمود مصطفى : التحديات الحضارية الخارجية للعالم الإسلامى (فى) العدد الخاص من حوليه أمتى فى العالم تحت عنوان “الأمة فى قرن (2000) الكتاب السادس، مركز الحضارة للدراسات السياسية، القاهرة (تحت الطبع).
– د. نادية محمود مصطفى (محرر): السياسة الأمريكية تجاه الإسلام والمسلمين : بين الأبعاد الثقافية الحضارية وبين الأبعاد الاستراتيجية. سلسلة محاضرات برنامج حوار الحضارات (رقم 1)، برنامج حوار الحضارات، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، (تحت الطبع) .
4-تم انتقاء هذه النماذج من مناسبتين حديثتين :
– ردود الفعل حول مبادرة أ.السيد ياسين الداعية لتوجيه خطاب مصرى إلى المثقفين الأمريكيين والتى تم نشرها على صفحات جريدة الأهرام خلال شهرى يوليو – أغسطس 2002.
– أعمال المؤتمر العام الرابع عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية (20-23 مايو 2002)تحت عنوان حقيقة الإسلام فى عالم متغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق