تقارير ودراساتد. نادية مصطفى

رفع التباس في التمايز والصلة بين الإسلام والإسلامية والإسلاميِّين

الإسلام وصف لكل مسلم، والإسلامية وصف لمن يسمون أنفسهم ويلقبهم بعض الناس بالإسلاميين، ويعترض بعض آخر على هذه التسمية؛ باعتبارات مختلفة؛ أولها- أنها يمكن أن تشير إلى أن المسلمين من غير الإسلاميين ليسوا مسلمين على الحقيقة، وأن أولئك الإسلاميين يعتبرون أنفسهم هم المسلمون على الحقيقة ومن عداهم غير مسلم (كافر) أو ناقص الإسلام. والاعتبار الثاني لرفض هذه التسمية أنه يفرق بين المسلمين، تفريقا قد يُشعر بالطبقية الدينية وأن الإسلاميين أفضل من المسلمين؛ ومن ثم يحق لهم الوصاية عليهم. الاعتبار الثالث يتعلق بما يروَّج سلبيًّا عن الإسلاميين الحركيين من سمات التشدد والتطرف وعدم التسامح، حتى تصل إلى مقولة العنف والإرهاب.
هذه الاعتبارات وغيرها تحول دون فهم كثيرين لمعنى وواقع (الإسلامية والإسلاميين)، ومن المهم أن نضيف إليه حقيقة واقعية ملموسة تجعل هذا الغموض مستمرًا وقابلاً لمزيد من الالتباس؛ ألا وهي ضعف الثقافة الإسلامية وضعف الإقبال المعرفي لدى عامة المسلمين –حتى كبار المتعلمين والمثقفين منهم- على المصادر الإسلامية المختلفة. فكثير من المسلمين المنخرطين في حوار (مسلمون أم إسلاميون؟) يعترفون بسطحية تصوراتهم عن الإسلام بسعته وعمقه وما يقدمه للإنسان والإنسانية فضلا عن المسلمين من مستويات تجديد الوعي وترشيد السعي، وبعضهم يخوض غمار هذا السجال مكتفيًا بتصور بسيط جدًا عن الإسلام، يستوي في هذا خواص وعوام كثيرون.
وباختصار: فالحاضر الغائب هو تصور “شمول الإسلام”، وتصور كيف يتحقق هذا “الشمول” في واقع الحياة. ثم تأتي بعد هذا الاختصار تفصيلات لا حصر لها، يعبر عنها ما يعرف اليوم بـ”الفكر الإسلامي”: أسسه، وقضاياه وإشكالياته وأطروحاته خاصة بين الثابت المشترك المجمع عليه، والمتغير المتنوع المختلف فيه.
فالإسلامية هي: فكر وحركة، وراءها أفراد ومجموعات من المسلمين يؤمنون -بقوةٍ- بشمول الإسلام، واتساعه لأكثر من مجرد العبادات والأخلاق، واشتماله على موجِّهات تجدِّد وتصلح مجالات الحياة العامة لا الخاصة فقط، بل يرون أنه من واجب المسلمين أن يجددوا حضارتهم والمدنية الإنسانية من منطلق رؤية الإسلام للوجود والعالم، وقيم الإسلام ومبادئه وغاياته السامية، بلا إكراه ولا افتئات على الإسلام نفسه.
أما الإسلام نفسه فيتسع لمسلم يؤمن بالله والرسول والقرآن ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان، ويكثر من ذكر الله (عز وجل)، ويتصدق بما تيسر له، ولمسلم آخر يزيد على هذا أن يتخذ من الإسلام هُويةً يعرّف بها وجوده الجمعي: الوطني والعالمي، ومرجعيةً يبني عليها تصوراته عن الواقع، وتصوراته عن التجديد والتغيير، ويبني عليها سياساته وسلوكياته.
ومن ثم يمكن أن نميز ثلاثة مستويات من الإسلام تظهر فيها “الإسلامية” بلا إشكال: (1)الإسلام الأصل (الذي به يكون المسلم مسلما)، و(2)الإسلام الواجب (الذي به يكون المجتمع المسلم مبنيًا على الإسلام، ومعه الدولة والأمة)، و(3)الإسلام الكمال (الذي يمتد به الإسلام برسالته إلى العالمين)، والأهم من ذلك كله هو: الخيط الواصل بين هذه المستويات الثلاثة؛ الذي نسميه الرؤية الكلية الأساسية في الإسلام. وها هي إشارة إلى كل من هذه المستويات الثلاثة وما يتممها.

المستوى الأول- الإسلام الأصل

وهو الأساس لكل فرد مسلم، من توحيد الله تعالى وصلاة وصيام وزكاة وحج وتصدق ما استطاع، مع سلامة الباطن، والتحلي بالأخلاق الفاضلة التي جاء بها الإسلام؛ من الرحمة بالناس والتسامح، والعدل والأمانة والصدق والعفاف والاحتشام.. وهكذا. وهذا هو الإسلام العظيم الذي حين تمثله المسلمون –أفرادًا عاديين وتجارًا ورحالة وعلماء ودعاة- دخل الناس في الإسلام أفواجًا، وانتشر الإسلام في العالم، فوصلوا الخلق بالخالق، والأرض بالسماء.
ومع هذا، فنحن –المسلمين- جميعا نشهد قصورا وتقصيرًا كبيرين منا في هذا المستوى: فكثير من المسلمين غاب عنهم معنى الإسلام الأصل والالتزام الذاتي به، ومنا من لا يحتفظ إلا بكلمة التوحيد العظمى (لا إله إلا الله ، محمد رسول الله)، ويهمل ما بعدها أو كثيرًا من ذلك.
لكن الحياة أوسع من أن تكون فردية أو معاملات بين أفراد. فهل للإسلام من توجيه أو إفادة في بناء المجتمع وتطويره؟ هل فيه تشريعات اجتماعية أو اقتصادية أو دولية؟ هل فيه قيم ومبادئ متميزة عن القيم والمبادئ الموجودة في أديان أو مذاهب إنسانية أخرى، يمكن أن تميز مجتمعه عن مجتمعات أخرى؟
هذه الأسئلة هي التي تلتبس على كثيرين منا اليوم، ويرفض البعض طرحها بعناية وتدبر مكتفيا بالمستوى الأول المذكور، ويجيب بعضنا عنها بالنفي متسرعا وطارحا لإشكاليات: هل سنخلط الدين بالسياسة؟ ألن يسمح هذا للبعض بالمتاجرة بالدين في السياسة والاقتصاد؟ أن يغلق هذا باب العقل لصالح النقل؟ ألن يجعل هذا الحياة المتغيرة التي تقوم على الفكر المتجدد معرضة لفكر أصولي يدعي القدسية و…إلخ؟
أكثر هذه الأسئلة تقوم على نقص في الثقافة الإسلامية، وكما قلنا: أخطر منها أن يعتبر السائل أن هذا القدر من المعرفة كافٍ ونهائي، ولا يسمع لمن يقول بأن الإسلام أكبر من هذا، وأن هذا النقص لا يعني البتة أنه غير مسلم، لكنه يعني أن تطبيق الإسلام غير كامل.

المستوى الثاني- الإسلام الواجب

وهو ليس ثانويا أو تكميليا أو تجميليا، بل “واجب” عند كل أصحاب العلم الديني الإسلامي (في الأزهر والمدارس المشابهة له وغيرهم)، وعند كل أصحاب الثقافة الإسلامية مهما اختلفوا: أن الإسلام دين ودنيا، دعوة ودولة، فكرة وحركة، علم وعمل على أصعدة: الأسرة والمجتمع والدولة والأمة، كما هو رسالة للعالمين.
هذا المستوى ليس ترفًا ولا هامشيًا في الإسلام، فبدون تحققه يكون المسلم الملتزم مثل مسلم يعيش في مجتمع غير إسلامي أو في دولة وحضارة غير إسلامية؛ لأن الهوية والمرجعية في هذه الحالة لا تتأسسان على الإسلام. وحتى لو كانت القيم التي يتبناها المجتمع جميلة وجيدة، لكنها لا تكون إسلامية بمجرد أنها قيم إنسانية جميلة. فالحرية قيمة عليا في الإسلام وفي مذاهب وأديان ومجتمعات كثيرة غير إسلامية، لكنها في الإسلام لها تأصيل يرتبط بالتوحيد: أن الإنسان ليس عبدا إلا لله وحده، وهو حر من كل ما سواه، ثم تتحول لحرية اجتماعية منضبطة بالتعاليم الاجتماعية والأخلاقية الشرعية، ثم تتحول لحرية سياسية بناء على أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والظلم ظلم في كل مكان وفي كل الأديان والمذاهب الاجتماعية، لكنه في الإسلام له تكييف خطير سواء كان الظلم اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا. فلن تجد في المذاهب السياسية الوضعية مقولة: “إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”-حديث قدسي، ومقولة: “الظلم ظلمات يوم القيامة”-حديث نبوي، ومقولة: “أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”-أي ظالم. فالقيم الاجتماعية والسياسية الجيدة في المجتمعات والأمم غير الإسلامية مرجعيتها الفكر الإنساني، ولا ضير فهي أفضل من المجتمعات اللاقيمية أو سلبية القيم، لكن القيم العامة في الإسلام الواجب: مرجعيتها الأولى هي: الإسلام؛ منظورا فيه بالعقل المتفتتح والمنهج العلمي المنفتح على عطاءات الإنسانية.
في مصر والأمة الإسلامية لا يختلف المسلمون -العلماء والمثقفون- على هذا المستوى، ولا يختلفون على أنه من أسس الإسلام، ولا يختلفون على أنه واجب على المسلمين –المستطيعين- أن يسعوا في تحقيقه وتطبيقه. البعض يسميه: تطبيق الشريعة، والبعض يسميه: مشروعا إسلاميا، والبعض يسميه: المرجعية الإسلامية… لا يختلف في أساساته أزهر ولا إخوان ولا سلفيون ولا صوفية ولا مفكرون إسلاميون ولا غيرهم. وهذه هي “الإسلامية” بإجماعاتها وتنوعاتها.
وهذه التنويعات وهؤلاء المجتهدون داخل الإسلامية (التي تؤكد أنها ليست كلا مصمتا)، مجمعون ومتفقون على المنطلق (شمول الإسلام) والغاية (تطبيقه)، وهم في الوقت نفسه: متنوعون في السبل والوسائل. والإسلامية أوسع من كونها حركات أو أحزابا سياسية فقط، بل تتنوع في روافدها في أولوياتها ومجالات الاهتمام والقضايا، وفي تأثرها بالواقع وتغيراته.
لكن نخبة مثقفة غربيا ليس حظ لها من ثقافة إسلامية عميقة، وبعض قطاعات المجتمع المسلم في مصر والعالم العربي والإسلامي، لا تستوعب هذا الإسلام الواجب (الإسلامية)، وتتهم من يحدثها عنه بأنه يفتري على الإسلام. وهذا هو بيت الداء اليوم… فكيف نردم هذه الفجوة؟ نقترح:
1. تبسيط الإسلام الواجب: إسلام المجتمع والدولة والأمة.
2. تطوير الخطاب الديني ليواجه هذا اللبس بمستوياته.
3. الاهتمام بمعالجة الشبهات الشائعة والمروجة عن هذا المستوى من الإسلام.
4. توفير مكتبة تثقيفية في هذا المجال تكون في متناول الجميع.
5. أن يتحلى الجميع بالإيمان الحقيقي بالتعددية على كافة الأصعدة، وبالأخص القوى الإسلامية والمجموعات المثقفة.

المستوى الثالث- الإسلام الكمال

وهو المتعلق بالتفاصيل الإسلامية، ونسعى إلى التكميل ولو لم نبلغه، لكن القعود عنه يمكن أن يؤثر على “الإسلام الأصل” و”الواجب”، ويضعفهما مع الوقت. وهو محل التنوع الكبير والاجتهاد واختلاف الاجتهادات. فإذا التزم المسلم الفرد بالعبادة والأخلاق، وتبنى المجتمع والدولة الإسلام هوية حضارية ومرجعية عامة، اتسع المجال للاجتهاد واختلافات التنوع والتعددية الفكرية والحركية، كالحال في كل المجتمعات سليمة التكوين.
فكل مجتمع يرسي في البداية هويته ومرجعيته بدرجة تأسيسية، ثم يفتح الأبواب كلها لحريات الفكر والاجتهاد والاعتقاد والإبداع والتعبير والدعوة والنشر والإعلام وتكوين الجمعيات والأحزاب … التي تتيح للإسلاميين وغير الإسلاميين، والمسلمين وغير المسلمين، أن يطوروا رؤاهم في مناخ منفتح، وأن يعرض كل فريق رؤاه على بقية الناس والشباب الناشئ، وما يُقبل منها من العموم والمجموع يستمر ويتسع حسب درجة قبوله الحر الشفاف، وما لا يُقبل منه يتوقف أو يقف عند حدوده، بغير إكراه ولا خداع.
“الإسلام الكمال” هو الذي ينتج عن هذه البيئة المحررة من قيود القهر بأنواعه: فيتسع المجال لنشر الثقافة والمعرفة الإسلامية في الداخل والخارج، وينفتح المجال لتجريب الاجتهادات الفكرية والحركية المبنية على مرجعية إسلامية؛ تجريبها في الواقع بحرية، فما نجح منها استمر وتطور، وما فشل منها تراجع أو راجع نفسه، وما ثبت عدم صدقه انكشف، وما ثبتت صحته استفاد منه المجتمع.

تتمة الأمر: الرؤية الكلية الأساسية في الإسلام

هذه المستويات الثلاثة تتضارب عند بعضنا؛ لأننا لا نجيد الوصل بينها، ويكتفي بعضنا بمستوى دون آخر؛ مما يكرس حالة الفصل التي وصفها البعض بـ”الفصام النكد”. الإسلام الأصل (الفردي الخاص) يجب أن يحرسه ويكرّسه إسلام واجب (جمعي مجتمعي سياسي حضاري)، ويحوطه إسلام تتكامل صورته التطبيقية بالاجتهاد في التفاصيل، والحرص على التكميل.
منتوج هذا كله: مجتمع إسلامي متحضر، واسع الأرجاء، متكافل الانتماءات المحلية والوطنية بلا إقصاء، متواصل مع مختلف الحضارات والثقافات، بغير استلاب حضاري ولا صدام حتمي، يؤمن بقيم التقدم، ويفعّلها في حياته ويدعو لها في حياة الأمم الأخرى.
منتوج هذا كله: إسلامُ حياة، يجمع أمة، ويجدد حضارة، ويستنقذ إنسانية انقطعت صلتها بالسماء وما وهبته لها من حرية وكرامة، وعدل شامل وأمن عام، وخصب دائم، وأمل فسيح.
والإسلاميون هم: مسلمون منتدبون أو انتدبوا أنفسهم للعناية بالإسلام الواجب والكمال، دعوة وتعلما وتعليما، وتعاونا وتكافلا، ومن حقهم –إن لم يكن من واجبهم- أن يطوروا رؤاهم، بما فيها الرؤية الاجتماعية والسياسية، وأن ينافسوا بها أصحاب المذاهب والرؤى الأخرى غير الإسلامية (ولا أقول غير المسلمة)، وأن يصلوا بها إلى المواقع المختلفة في المجتمع والدولة، لا يَظلمون ولا يُظلمون.
فماذا عن الإسلاميين السياسيين الحركيين في مصر وموقعهم من هذه الرؤية؟
هل فشلوا؟ هل انتهوا ولم يعد هناك ما يسمى بالإسلامية السياسية؟ هل هم –حقا- ضد الديمقراطية، وضد المواطنة، وضد حقوق المرأة؟ وضد الوطنية المصرية؟ وأصحاب مشروع خلافة يقضي على المصرية كرابطة كما يقولون؟ وهل مشروعهم ضد “الدولة المصرية”؟
أسئلة قديمة جديدة، تطرح في سياق مختلف تماما؛ سياق ثورة الحرية ضد الاستبداد، ثورة شارك فيها الإسلاميون الحركيون والسياسيون –وفي قلبهم الإخوان المسلمون- مشاركة شهد بها ولها الجميع، سواء في تونس أو اليمن أو ليبيا، فضلا عن مصر. أسئلة تحمل طعم الاتهام أكثر من الاستفهام، ولكن لابد من استمرار البيان والتوضيح، استكمالا للتأسيس أعلاه :
1. الثابت الإسلامي المجمع عليه من المسلمين هو المقدس، والمتغير من الاجتهادات النظرية والتجارب الحركية لا قدسية له، محل صواب وخطأ. لكن هذا لا يعني منع الاجتهاد في الفكر والحركة بل هو واجب وحق لمن قام به. ومن يريد الاقتصار على الثوابت فقط يضيق الإسلام ويسبب التشدد والتطرف.
2. لا كهنوت في الإسلام، ولا يقتصر فهم الإسلام على أفراد أو مؤسسات أو جماعات دون غيرها، والأمر متعلق بالعلمي الملتزم واللاعلمي المقصر. والإسلاميون غير معصومين، لكنهم أيضا ليسوا خطيئة.
3. الصحوة الإسلامية متنوعة: دعوية وسلوكية، وفكرية وعلمية، ومنها صحوة في الوصل بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية، ومنها صحوة اجتماعية تتعلق بالعمل المجتمعي العام الخيري والتوعوي والتنموي من منظور اجتهادي يصيب ويخطئ.
4. ومن الصحوة الإسلامية: الحركة السياسية الإسلامية، وهي مثل كل الكيانات الإسلامية، غير معصومة ولا مبرأة من الأخطاء، لكنها تتبنى اجتهادا سياسيا إسلاميا، وفي نفس الوقت: لها حق الوجود السياسي من مرجعيتها، ومخاطبة الناس، والمنافسة السياسية، والوصول للحكم دون أية شروط زائدة عن غيرها من الكيانات السياسية، كما يجري معها الآن.
5. كثيرون لا يطالعون ولا يريدون أن يطالعوا “الفكر السياسي الإسلامي الحديث” وخطاب “الحركات السياسية الإسلامية”، اللهم إلا في وسائل الإعلام وفي ظروف غير عادية. ومن ثم يعد من تكرار القول التذكير بتطور الموقف الفكري للإسلاميين من حقوق الإنسان والمرأة والمواطنة.
6. أما موقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية فقد أثبتت العقود الأخيرة أنهم أكبر ضحايا الاستبداد، وأن هناك تيارا كبيرا منهم أعلن وأكد التزامه الأساليب السلمية في التنافس السياسي، وإيمانه بالديمقراطية طريقا للوصول للحكم وممارسته، وسط تشكيكات لا تنقطع. واليوم يعد الإسلاميون أكبر ضحايا الديمقراطية نفسها، بعد أن كبتهم وقمعهم الاستبداد. فما فُتحت فرصة لمنافسة ديمقراطية حقيقية إلا وحازوا فيها النسب الأعلى ثم جرى الانقلاب عليهم (تركيا، الجزائر، مصر،…)…
7. التعددية صارت ثابتا أساسيا في فكر الإسلاميين، لكنها في الفكر العام والعلماني، متاحة وأساسية، إلا مع الإسلاميين. ومن ثم فالمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين لم تعد إشكالية واضحة في فكر القطاع الأكبر من الإسلاميين، وإن كانوا لا يخلون من الاختلافات والتنوعات فيما بينهم ما بين موسع ومضيق. وهذا ليس حكرا على الإخوان والسلفيين، ففي الأزهر والصوفية تنويعات أيضا، ما بين موسع ومضيق.
8. الوطنية: الإسلاميون يؤمنون بالأمة الإسلامية، ولا يتناقضون مع الانتماء للعروبة، ولا لمصر. أدبيات وواقع الحركة الإسلامية أو معظمها تنضح بهذا. أما ممارستهم فلم يثبت لا سياسيا ولا قضائيا، أن إسلاميا واحدا أو حركة إسلامية واحدة مارست الخيانة. بل يشهد التاريخ الحديث أن الحركة الإسلامية في مقدمة المدافعين عن الأوطان وقضاياها، وأنهم القوة الأساسية عبر الأمة التي تدافع ضد العدوان الخارجي؛ في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها.
9. ما يروج اليوم عن الإسلاميين والحركة الإسلامية على أرض الواقع يحتاج للتريث والمراجعة، فكثير من المتكلمين عنهم غير متابعين جيدا لهم، ويرددون عنهم أقوال خصوم سياسيين وفكريين مضادين للإسلاميين، ولا توجد جهات محايدة تقيم تجربتهم وإنما خصوم وأعداء وفقط. والحديث اليوم عن استئصال الإسلاميين هو موجة قديمة جديدة تعرضهم لمحنة ثم تظهر الحاجة للدفاع عن الإسلام في المجال العام، فتنفتح الأبواب لصحوة إسلامية جديدة، وهكذا. والنجاح والفشل نسبيان، ولا يوجد فشل مطلق ولا نجاح مطلق، والجميع ينجح ويفشل، ويتقدم ويتأخر ولا إشكال في هذا. فيجب عدم تضخيم “أخطاء الإخوان أو الإسلاميين” وكأنها نهاية العالم. فلعل غيرهم أجرم ولم يتوجه إليه نفس النقد والاتهام.
10. الإسلاميون ليسوا المشكلة التي تعاني منها مصر وأوطاننا، لكن هناك مشكلة في التعامل معهم وتعاملهم مع غيرهم. الحل الأساس هو الحرية: حرية الإسلاميين في اجتهاداتهم وتجاربهم، وحرية غيرهم في الاختلاف معهم والتعاون أو التنافس. لكن لم يكن الحقد ولا الكراهية، ولا ترويج الصورة المشوهة، ولا القمع والاستبداد… هذه الأمور لم تكن يوما حلا لمشكلاتنا. فسيبقى الإسلاميون فكرا وحركة ما بقوا مصرين على البقاء، وستبقى الحرية قيمة غالية وغاية سامية تدافع عن أهلها.
*****

الكاتبان:

* د. نادية مصطفى: أستاذ العلاقات الدولية والرئيس الأسبق لقسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
** مدحت ماهر: المدير التنفيذي لمركز الحضارة للدراسات السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق