الأسس الفلسفية لفعل المقاومة عند د. طه عبد الرحمن

مقدمة:
فرضت “المقاومة” نفسها كحالة بعد عملية طوفان الأقصى التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي في السابع من أكتوبر 2023، ذلك حيث طُرحت نظريات متعددة ورؤى كثيرة كل منها يستند إلى جذرٍ ثقافي وخلفية أيديولوجية، بين مؤيدٍ ومعارض، والأصل في هذا كله أن المقاومة فرضت نفسها على العالم أجمع كفعلٍ إنساني له في أغلب الأحيان ما يُبرره، حتي وإن رأى معارضوه غير ذلك؛ فلن يُنكر أحد أبدًا أن كل حالة مقاومة هي ردة فعل على نموذج مسيطر أو مهيمن، تسعى لمنع تأصيله وتجذيره والتطبيع معه، باعتباره النموذج السائد أو كحقيقة واقعة لا سبيل إلى مدافعتها. في هذا الإطار، يتبدى في المقاومة فعل الإنسان، باعتباره ذاتًا موجودة، تقبل و”ترفض”، وهذا من أسس حقوقها.
يستدعي معنى المقاومة بداهةً دحض معاني التسليم أو الاستسلام أو التماشي مع ما هو موجود ومتحقق بالفعل، وفي حالة “طوفان الأقصى” الحدث الأبرز منذ عامين، تتبدى المقاومة كفعلٍ واضح صريح، بلا اعتبار “لمواءمات” أو موازنات التكيف والتعايش والبراجماتية، تتبدى المقاومة كفعلٍ ذي أثرٍ ملموس، يفرض نفسه على العالم كله، مقاومة واضحة صريحة لاحتلالٍ غاشم، ليست مقاومة فوكوية مائعة أو ما بعد حداثية رمزية، وإنما “فعل” تساءل العالم كله بشأنه.
ممن تناولوا حدث السابع من أكتوبر كان المفكر والفيلسوف الإسلامي د. طه عبد الرحمن، فقد أوضح في البداية أنه مع الفعل قلبًا وقالبًا، بل وحد بين معنى المقاومة ومعنى الوجود ذاته إذ “لا معني للوجود بدون مقاومة، ولا مغزى للحياة بدون جهاد”[1].
هنا نجد د. عبد الرحمن يجعل من “الجهاد” -وهي لفظة ثار حولها جدل كثير عالميًا- مقاومة ومدافعة، توصل الإنسان في رحلته للبحث عن المعنى إلى كونه الحياة ذاتها، ولا معنى لها بدونها.
لم يكن خطاب د. عبد الرحمن منفصلا عن رؤى عديدة لمفكرين رأوا في الإسلام جذورًا عميقة يتبدى فيها الفعل المقاوم كجزءٍ أصيل مغروس في صميم هذا الدين منذ بداياته الأولى، وحتى عهد الاستعمار الغربي، والذي طال جوانب العالم الإسلامي كله، حتى لنجد مالك بن نبي[2] مثلا يرى أن المقاومة ليست مجرد رد فعل، بل هي فعل حضاري يبدأ من تحرير العقل المسلم من التبعية، واستعادة فاعليته في بناء مشروع حضاري متكامل[3].
هذا الخطاب كان قد خبا وخفت بريقه بعد سيادة أفكار رأت أن فكرة المقاومة نفسها تعني مقاومة التحديث، والانفتاح على العالم، ورفض المنجزات الحضارية التي جعلت الحياة الإنسانية أكثر انسيابية ويسرًا؛ جاء خطاب د. عبد الرحمن ليُبرز الفعل المقاوم كفعلٍ من أفعال الحداثة الراشدة التي نادت بقيم الحرية والكرامة الإنسانية، ليجعل منها واقعًا متحققًا لا شعاريًا، ولتصبح معه المقاومة تجسدًا لخصيصة آدمية في كل البشر، وبالتالي فهي فعل انفتاح لا انغلاق.
يُثار هنا تساؤلات عدة عن الأسس الفكرية والفلسفية التي استند إليها موقف د. عبد الرحمن، فيبرز أولا تساؤل حول معنى المقاومة عنده، وغايتها، وهل فعل المقاومة ذا جدوى أصلا؟ وهل يمنعنا إيماننا نحن العرب والمسلمين بأفكار مثل المقاومة وجدواها من التعايش والانفتاح على العالم؟
لكن قبل تناول تلك التساؤلات والمحاور، لنعرف أولا، من هو د. طه عبد الرحمن؟
طه عبد الرحمن (1944): فيلسوف ومفكر مغربي، يُعد واحدًا من أبرز الوجوه الفكرية الإسلامية المعاصرة، لُقب بـ “فقيه الفلسفة” و”فيلسوف الأخلاق”، بدأ رحلته التعليمية بالكُتاب على يد والده، وحاز على بكالوريوس الفلسفة من جامعة محمد الخامس بالرباط، ثم انتقل إلى فرنسا حيث حصل على دكتوراه الدولة من السربون في موضوع “اللغة والفلسفة: رسالة في البنيات الثقافية لمبحث الوجود”، وعمل أستاذًا في جامعة محمد الخامس التي حصل منها على الدكتوراه أيضًا تحت عنوان: “رسالة في الاستدلال الحجاجي والطبيعي ونماذجه”، حاز العديد من الجوائز وكان ولا يزال له إسهامات متعددة في الفلسفة والمنطق والفكر العربي وقضايا التراث والحداثة والهموم الإسلامية المعاصرة، من أبرز مؤلفاته: “العمل الديني وتجديد العقل”، و”السيرة النبوية وتأسيس العقل”، و”روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية”، و”تجديد المنهج في تقويم التراث”[4].
أولا- معنى المقاومة في اللغة:
عند ابن منظور مادة قوم: قومت الشيء فهو قويم مستقيم، ويُقال ما زلت أقاوم فلانًا في هذا الأمر أي أنازله. والمقاومة من القيام، والقيام نقيض الجلوس، يقال: قام فلان قومًا وقيامًا وقومةً، والقيام يعني النهوض بالأمر؛ وتقاوموا في الحرب أي قام بعضهم لبعض، والقوام العدل[5]. عند د. طه عبد الرحمن “ليس المقصود بمفهوم “المقاومة” مجرد ثبات القوم أمام القوة المادية للخصم، لأن هذا الثبات، وإن حفظ القوم في وجوده وسلوكه، فقد لا يضعف الخصم في عدده ولا في عدته، وإنما مواجهة القوم لقيم الخصم بقيم أقوم تنزع عن قوته المادية امتيازها واعتبارها”[6].
في البداية ينبغي توضيح أن فهم د. طه للمقاومة يأتي على مستويين؛ المادي حيث يبرز الفعل ويتوج الجهد؛ والقيمي الثقافي، وفي هذا إشارة إلى أن كلا الفعلين له جدوى وأثر، وأن أيا منهما أيضًا لا يُغني عن الآخر.
هذا كما أن الفعل “قام” يدل على معنى النهوض، ومنه القيام والقيامة، والقيام هو الحركة والعمل، ومعلوم أن الحركة والعمل لا يُقاسان بالزمان وقد لا تنتهي آثارهما بانتهائه؛ فالقيام وإن حصل في الزمان فقد يتجاوز أثره أفق الزمان؛ وضده القعود، وهو سكون وجمود[7].
ثانيًا- أسس الرؤية الفكرية لد. طه عبد الرحمن لمفهوم المقاومة:
تستند الرؤية الفكرية لمفهوم المقاومة عند د. طه عبد الرحمن على عدة أسس:
* الفهم الإسلامي للكرامة الإنسانية:
لقد جاء في القرآن الكريم التصريح بلفظ “التكريم” في مواضعٍ عدة، مع تفصيل مظاهر هذا التكريم، حتى بدا شاملا لكل جوانب الحياة الإنسانية[8].
يُشير د. طه إلى تدبر قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (الإسراء: ٧0)؛ ذاك إننا يمكن أن نستنبط من النص القرآني تعريفًا للكرامة بأنها: “القيمة التي تجعل من الخلق الآدمي آية دالة على الفطرة، لا مجرد ظاهرة متمتعة بالحياة”.
لقد خُلق الآدمي باستعداداتٍ قيمية ليس لها نظير عند أي كائنٍ آخر، لا قدرًا ولا نوعًا، والفطرة هي أكمل الاستعدادات القيمية التي يمكن أن يُخلق بها الكائن الحي[9].
وللكرامات الآدمية أنواع في المنظور الإسلامي وفق د. عبد الرحمن: فهي إما تقديرية: بحيث هي القيمة التي يورثها للخلق الآدمي قضاء الله بأن يكون وجوده وسلوكه على مقادير مخصوصة؛ أو تكليفية: حيث انفراد الآدمي بحمل الأمانة التي عرضها الخالق على جميع المخلوقات؛ أو التفضيلية: بحيث اجتهاد الآدمي في التقرب إلى الذي قدر خلقه وائتمنه على مخلوقاته[10].
هذا الفهم للكرامة، بأنها الأمانة الإلهية التي حمَّلها الله للإنسان، لا تجعله يخضع أبدًا لغيره سبحانه، إن المنطق هنا أن الإله أخذ من الإنسان العهد بأن التعبد له وحده لا شريك له -يشير هنا إلي آية الذر في سورة الأعراف: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) (الأعراف: 172)- وليس مقصودًا هنا أي نوع من التعبد الاضطراري حيث يكون الإنسان مسخرًا لما خلق له، وإنما يكون تعبدًا اختياريًا يريد الإنسان فيه أن تُوافق إرادته إرادة المعبود، مجتهدًا في الإتيان بمرضاته وترك مساخطه، بحيث يكون الاختيار بين اثنين لا ثالث لهما، فإما أن يختار الإنسان أن يعبد الله اختيارًا فيكون “موحدًا” أو يعبد الطاغوت اختيارًا فيكون “مشركًا”[11].
* الأخلاق كخاصية آدمية:
يُحاجج د. عبد الرحمن بأن بعض الحيوان يفقه (أي يعقل) ولم ينف القرآن عن الأنعام تلك الصفة، قال تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف: 179). في الشاهد، فإن الحيوانات تهتدي إلى مأكلها ومشربها، ولو كان عقلا أدنى من العقل الإنساني إلا أنه لا يختفي بالكلية عندها، بل إنه وعلى حسب الوصف القرآني فإن بعض الحيوان أهدى من الإنسان الذي اختار أن يُعطل تلك الملكات؛ بينما كان امتياز الكائن الآدمي بالأخلاق، “فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلا عن أفق الحيوان”[12].
ويسوق د. عبد الرحمن على ذلك أدلة: منها طلب الإنسان للكمال، فالحيوان بعكس الإنسان لا يبحث عما ينبغي أن يكون؛ ومنها اللباس القيمي للفعل الإنساني، فلا حياد في الأفعال طالما يطلب الكمال؛ ومنها الخُلُقية النموذجية للفعل العقلي، إذ لا فعل عقلي بدون قصد أو نية، وهي عنوان التغلغل في العمل؛ وآخرها الحرية النموذجية للفعل العقلي، إذ كان عند المسلمين أصل “العقل مناط التكليف”، فمتى وُجد العقل وُجد التكليف؛ والمكلف هنا مسؤول عن الفعل والترك، فيثاب على طاعته ويحاسب على عصيانه[13].
وعلى تفصيل علماء الإسلام في معنى المسؤولية والحرية، إلا أنها بالضرورة أصول واجبة لتمام الفعل ومن ثم لمعنى الثواب والحساب. كما أن العمل “التزكوي” يجعل من الأخلاقي حلا، إنسانيًا، يمتاز به الإنسان عن غيره من الكائنات، وبه يرفع، ويقدر، ويكرم.
* فهم الحداثة والانطلاق للمقاومة:
بالنسبة لعبد الرحمن، فإن روح الحداثة هي عبارة عن ثلاثة مبادئ رئيسية:
مبدأ الرشد، وهو الانتقال من حالة القصور أو التبعية إلى الرشد والنضج، إذ لا يسلم المرء فكره لغيره ليفكر نيابة عنه كالقاصر، وإنما يفكر بنفسه ويحصل الاستقلال والإبداع، والحداثي لا يأتي بجديد أقوال وأفعال فحسب، بل يؤسسها على قيم جديدة يبدعها من عنده، أو قيم سابقة يعيد إبداعها[14].
مبدأ النقد، ومقتضاه أن الأصل في الحداثة هو الانتقال من حالة الاعتقاد إلى حالة الانتقاد، أي من الدجمائية أو التسليم بغير دليل، إلى الاستدلال العقلي.
مبدأ الشمول، ومقتضاه أن الأصل في الحداثة الانتقال من حال الخصوص إلى حال الشمول[15].
وبشيءٍ من التفصيل في رؤية د. عبد الرحمن الحضارية لهذه المبادئ، في مبدأ الرشد، فإن الإنسان يحتاج إلى التخلص من كل القيود التي يثبت بالبرهان أنها تهدر كرامته وتهضم حقوقه، سواء أكانت سلطات خارجية أو أهواء داخلية؛ والإنسان لا يتوصل إلى هذا الاستقلال الدال على الرشد إلا إذا توجه إلى الذي تستحيل جريان القيود عليه، أي إلى المطلق[16].
والتوجه إلى المطلق لا تحققه إلا القيمة الإسلامية التي هي “الإخلاص”، فالإخلاص لله وحده هو الذي يورث الحرية الحقة؛ إن الإخلاص في الدين وليس الاستقلال عنه هو الذي يورث الحرية الحقة.
وفي مبدأ النقد “لا يتوسل الاستدلال الحقيقي بالحساب العقلي الآلي، وإنما بتكييف هذا الحساب مع الإيمان”[17].
وفي مبدأ الشمول يخرج الفرد من فردانيته، يحقق معنى “الرحمة” حيث تتجلى في هذا المعنى عناية الفرد بغيره كعنايته بنفسه، لا لكون هذا الغير به حاجة أكثر من حاجته، أو لأن ضررًا لحق به من دونه، بل لأن إنسانيته لا تتم إلا أن يكون مع هذا الغير بوجدانه[18].
* المثقف المرابط:
يقول د. عبد الرحمن “لقد ظلت العلاقة التي تربط المثقف المنسلخ بالعالم -أي رؤيته إلى العالم- تحجبه عن إدراك القيم التي يوجبها الوقت الراهن، وتمنعه من اتخاذ الموقف المناسب من أحداثه”[19].
يضع د. طه في وجه هذا النموذج، النموذج المنسلخ، أو المحتجب بفعل تحيز ضيق جراء تبني رؤية للعالم لا تتجاوز الأنا، أو لا تهتم بشيءٍ خارج إطارها الضيق، يقدم نسخة المثقف المرابط، وجعل مهمة هذا الشخص الأولى هي القيام بعملية تحويل جذري، مستبدلا بالرؤية الاحتيازية التي درج عليها المثقف المنسلخ تقليدًا لغيره، رؤيا تضادها، وهذه الرؤية المضادة للعالم التي يأخذ بها المثقف المرابط هي ما نسميه بالرؤية الائتمانية؛ ومقتضاها، أن المثقف المرابط يعقل الأشياء والقيم على جهة الإمكانات الائتمانية التي تنطوي عليها، جاعلا من العقل نفسه أمانة؛ .. فمعقولية الأشياء هنا هي ائتمانيتها[20].
إن مسؤولية الأمانة التي ما انفك د. عبد الرحمن يذكرها، تتبلور عند المثقف المرابط في انفتاحٍ على الذات والعالم، وفي المحافظة على قيمة الأصالة، فلا يكون جامدًا ولا مقلدًا ولا فردانيًا لا يهتم بما هو خارج ذاته، إنه يحمل منظور يعقل فيه أنه مكلف وحامل أمانة، وعاقل لتلك الأمانة، ويعرف المسؤولية التي يقتضيها ذلك الحمل وهذا التكليف.
إن المثقف المرابط لا يجعل للأمانة ضدًا واحدًا وهو كما هو معلوم “الخيانة”، وإنما ضدين اثنين هما “الخيانة” و”الحيازة”، بل لا يكتفي بإثبات هذين الضدين معًا، إنما يرد أحدهما إلى الآخر، جاعلا الحيازة خيانة، بحيث لا يتحرس من شيءٍ احتراسه أن يفكر في الأشياء بطريق الحيازة[21].
ثالثا- المقاومة كفعل:
يقول د. طه: “فتحت المقاومة للأمة طريق الحداثة، من جهة ليست هي الجهة التي اتخذها “النهضويون” و”الأنواريون” و”الثوريون” في الغرب، فإذا كان هؤلاء قد أبدعوا في قطع الصلة بالقيم الموروثة، طالبين التحرر من أنفسهم، فإن المقاومين أبدعوا في التصدي للاحتلال، طالبين التحرر من عدوهم”[22].
إن “الفعل المقاوم يستفز ويستجمع كل القدرات الإنسانية، السمع والبصر والعقل وجميع حواس الإنسان، فلا يتفرد عضو محدد ولا إدراك معين بالمقاومة. والجهاد ليس عملا تقف أو تستبد به مَلكة من الملكات، بل هو استعداد يتوسل بجميع الملكات، وبها يتشكل الإنسان على الحقيقة”[23].
جعل د. عبد الرحمن من فعل المقاومة طاقةً إبداعية تفتح أفقًا لحداثة تتقاطع مع الجمود والفردانية، بل وجعل فعل المقاومة فعل “سيد” يتشكل منه الإنسان، وتتكون منه ماهيته.
إن المقاومة في منظور الفيلسوف ليست فعلا جزئيًا، بل هي فعل كلي، لأن معنى الوجود والحياة إنما يُكتسب من فعل المقاومة نفسه.
في حدث “طوفان الأقصى” مثلا، بوصفه الفعل الأبرز الذي ينتمي إلى معنى المقاومة ومبناها في المرحلة الراهنة، نجد د. طه يشير إلى أن طاقة الإبداع تفجرت من مجرد إطلاق لفظة الطوفان نفسها، فهو جارف للشر، هو إزالة للطمي الذي علق بثوب الفطرة الأولى، “ولما ظهر أن الطوفان، من حيث كونه تجريفًا للشر المطلق، هو السبيل الذي يوصّل إلى التحرر الأمثل، فقد لزم أن تكون “المقاومة الطوفانية” حركة تحرر للإنسان عامةً أو حركة تحرير للعالم كله، حتى ولو بدت في الظاهر حركة تحرر لشعبٍ مخصوص أو حركة تحرير لأرضٍ مخصوصة، إذ المقاوم الطوفاني إنما هو الإنسان في صراعه مع الشر؛ ويؤيد ذلك التفاف العالم حول قضيته”[24].
إن نموذج “المقاوم الطوفاني” لهو نموذج يقترب من الكمال، إذ يبني سياسته، بالأساس، على المعيار الأخلاقي، ويسخّر العمل السياسي لخدمة الأخلاق تسخير الوسيلة لمقصدها؛ إذ إن السياسة عنده عبارة عن تدبير من أجل التحرير، و”الحرية” قيمة أخلاقية عليا؛ ثم إن التدبير عنده عبارة عن تدبير للدنيا من أجل الآخرة، فيلزم أن يوجد، في أفق هذا التدبير، مقصد الشهادة، و”الشهادة”، هي الأخرى، قيمة أخلاقية عليا؛ وهكذا، فإن المصلحة السياسية، بحسب المقاوم الطوفاني، تكون موجَّهة على الدوام بقيمتين أخلاقيتين جامعتين هما: “الحرية” و”الشهادة“، فإما أن يتحرر، وإما أن يستشهد؛ فلولا كمال تحقق المقاوم الطوفاني بملابسة الأخلاق للسياسة ما كان ليُنجز ما أنجز من مآثر غاية في الإبداع[25].
وبهذا يكون الطوفان نموذجًا للفعل المقاوم، انفتحت فيه الذات على ملكاتها الإنسانية، وانطلقت من موقفٍ أخلاقي واضح يُجابه عدوانًا بشعًا لا يؤمن إلا بالشر في صورته الخالصة، فهو يسخر السياسي لخدمة الأخلاقي، فإما أن يفوز وإما أن يستشهد، وهو في كلٍ فائز إما بالحرية وإما بالشهادة.
رابعًا- المقاومة كجدوى:
عندما انتصرت المقاومة الإسلامية في لبنان في عام ٢٠٠٦، كتب د. عبد الرحمن أنها “قد حققت بانتصارها على المحتل تحولا وجوديًا في الأمة نقلها من طور العجز إلى طور القدرة، ممدًا لها بالأسباب التي تُعيد بها إثبات ذاتها وإطلاق حركتها في العالم”[26].
وعلق بأن الطوفان لَيفتح الطريق لإمكاناتٍ للنهوض لا سابق لها؛ فلما كان هذا الطوفان يُعيد الثقة المفقودة إلى الذات، ويُحيي الذاكرة المجيدة للأمة، ويُورّث الوعي الضروري بقوى الروح، فقد جمع أسباب إطلاق طاقات الإبداع، اجتهادًا وتجديدًا، لدى أبناء الأمة[27].
يوجب طوفان الأقصى البناء، في هذا التجديد للأمة، عربًا ومسلمين، على أصلين طوفانيين: أحدهما، أنه “لا نهوض للأمة إلا بالتحقق بالمقاومة“؛ والثاني، أنه “لا مقاومة إلا مع التحقق بالانتماء إلى العالم“.
أما الأصل الأول، فإن الإبادات والمظالم التي تعرضت لها أمتنا ممثلةً في الشعب الفلسطيني جعل المقاومة فيها ترتقي من رتبة الفعل السلوكي إلى رتبة الفعل الوجودي، وهذا يعني أنه لا وجود للأمة إلا بالفعل المقاوم، بل يعني أنه لا حق للأمة في الوجود إلا بهذا الفعل؛ فقد باتت المقاومة، بالنسبة إليها، الطريق الذي به تحيا وتبقى؛ فليست المقاومة، في حق أمتنا، مجرد دفع المظلومية القانونية، وإنما هي تحصيل المشروعية الوجودية[28].
وأما الأصل الثاني، فقد ظهر للعيان أن أبعاد “طوفان الأقصى” تتخطى الحدود الجغرافية والثقافية للأمة إلى العالم كله، لا لأن آثاره سرت، بالفعل، في مجموع الإنسانية فحسب، بل لأن الفعل المقاوِم بات يتطلب أن تُزال هذه الحدود بالمرة، وأن يُنظر إليه على أنه فعل عالمي صريح مُلزِم لكل فرد من أفراد البشرية، حيثما حصل من بقاع الأرض وكيفما كانت الشرور التي يتصدى لها؛ لذلك، يتعين على المقاوم أن يعي ويوقن، وهو يأتي أفعاله، بأنه يتصدى لشرور لا تقتصر آثارها على وطنه، وإنما تَطال أقطار العالم كلها[29].
خاتمة:
كان هذا طوافًا -سريعًا- حاولنا فيه البحث عن الجذور التي استندت إليها رؤية المفكر والفيلسوف الإسلامي د. طه عبد الرحمن للمقاومة والفعل المقاوم، ولقد جاءت المرتكزات الفلسفية لتلك الرؤية على هذا النحو:
١. الفهم الإسلامي لمعنى الكرامة الإنسانية، ٢. الأخلاق بوصفها خصيصة آدمية، ٣. الحداثة والانطلاق للمقاومة، ٤. المثقف المرابط.
وتنبع أهمية تلك الرؤية من أنها لم تكن اختزالية، حيث تم تسكين الفعل المقاوم كفعلٍ إنساني آدمي، يحفظ به الآدمي كرامته، وبالتالي فهو ليس خصيصة لعرقٍ ولا لونٍ ولا دينٍ ولا أمة، بل هو حق إنساني أصيل يحفظ به الإنسان وجوده، ثم هو أيضًا لا يعني جمودًا أو تحجرًا، بل يعني انفتاحًا على آفاق الحداثة بوصفها رشدًا ونقدًا، يهتدي به الإنسان إلى حريته وينال به العدالة التي ينشدها دومًا، إن خطاب كهذا يفتح أمام الأمة آفاقًا نصل بها إلى فهم أنفسنا ونحاجج بها عن حقوقنا، ونقدم بها مقاومتنا للآخر في العالم كحق لنا نحفظ به كرامتنا، ويحفظ علينا هويتنا.
[1] د. محمود النقار، طوفان الأقصى في منظور الفيلسوف والمفكر الإسلامي أ. د. طه عبد الرحمن، مركز الحضارة للدراسات والبحوث، 11 نوفمبر 2023، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025 الساعة 21:45، متاح عبر الرابط التالي:
[2] مالك بن نبي (1905-1973): مفكر جزائري، يُعد أحد أهم المفكرين المسلمين في القرن العشرين، وكانت له رؤية تأصيلية في مشكلات الحضارة، حتى لُقب بـ “مهندس الحضارة”، ولقد بدأ رحلته بالكُتاب وتعلم القرآن واللغة، ونشأ تحت ظلال الاحتلال الفرنسي والمقاومة الشعبية الجزائرية، واستكمل تعليمه الجامعي في فرنسا، إذ درس فيها الهندسة الكهربائية، ثم كان له نشاطه وأفكاره التي كان مبدأها قسطنطينة في الجزائر، التي كانت تئن تحت وطأة الاحتلال الفرنسي الغاشم. لم يلبث أن ذاع صيت بن نبي وانتشرت أفكاره في الشرق كله، ليُقدم مؤلفات مثلت علامات في الفكر الإسلامي مثل كتب “الظاهرة القرآنية”، و”شروط النهضة” و”مشكلات الحضارة” وغيرها؛ ليظل من وقتها أحد أعلام الفكر الإسلامي رحمه الله.
[3] للمزيد عن خيار المقاومة في العالم الإسلامي المعاصر: د. هيفاء سليمان الإمام، المقاومة هي خيار حضاري في العالم الإسلامي المعاصر، مجلة أوراق ثقافية، العدد 42، مارس 2026، ص 177 وما بعدها.
[4] للمزيد انظر: طه عبد الرحمن فيلسوف الأخلاق، الجزيرة نت، 16 سبتمبر 2024، متاح عبر الرابط التالي:
[5] ابن منظور، لسان العرب، (بيروت: دار صادر، ج١٢)، ص٤٩٥ وما بعدها.
[6] د. طه عبد الرحمن، الحق العربي في الاختلاف الفلسفي، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط٢، ٢٠٠٦)، ص٧٠، ٧١.
[7] المرجع السابق، ص ٦٧.
[8] د. طه عبد الرحمن، سؤال العمل بحث في الأصول العلمية للفكر والعلم، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط١، ٢٠١٢)، ص٢٧٣.
[9] المرجع السابق، ص٢٧٤.
[10] انظر: د. طه عبد الرحمن، سؤال العمل، مرجع سابق، ص٢٧٩ وما بعدها.
[11] د. طه عبد الرحمن، روح الدين من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط٢، ٢٠١٢)، ص٥٦- ٥٧.
[12] د. طه عبد الرحمن، سؤال العمل، مرجع سابق، ص٨٢.
[13] المرجع السابق، ص ٨٢ وما بعدها
[14] د. طه عبد الرحمن، الحداثة والمقاومة، (بيروت: معهد المعارف الحكيمية للدراسات الدينية والفلسفية، ط١، ٢٠٠٧)، ص٢٣- ٢٤.
[15] المرجع السابق ص٢٥.
[16] المرجع السابق ص ٢٧.
[17] المرجع السابق، ص ٣٢.
[18] المرجع السابق، ص ٣٢.
[19] د. طه عبد الرحمن، ثغور المرابطة مقاربة ائتمانية لصراعات الأمة الحالية، (الرباط: مركز مغارب، ط١، ٢٠١٨)، ص ٢٠٠.
[20] المرجع السابق، ص ٢٠١.
[21] المرجع السابق، ص ٢٠١- ٢٠٢.
[22] د. طه عبد الرحمن، الحداثة والمقاومة، مرجع سابق، ص ١٥.
[23] د. محمود النقار، طوفان الأقصى في منظور الفيلسوف والمفكر الإسلامي أ. د. طه عبد الرحمن، مرجع سابق.
[24] عبد الحكيم أحمين، الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن للجزيرة نت: “المقاومة الطوفانية” حركة تحرر للإنسان والعالم، الجزيرة نت، 16 ديسمبر 2023، تاريخ الاطلاع 4 نوفمبر 2025 الساعة: 22:30، متاح عبر الرابط التالي:
[25] المرجع السابق.
[26] د. طه عبد الرحمن، الحداثة والمقاومة، مرجع سابق ص ١٥.
[27] عبد الحكيم أحمين، الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن للجزيرة نت: “المقاومة الطوفانية” حركة تحرر للإنسان والعالم، مرجع سابق.
[28] المرجع السابق.
[29] المرجع السابق.





