الحرب الصهيوأمريكية على إيران وأنماط التفاعل الدولي في الأمة وقيمه ومصالحه

تتحرَّك الأمة الإسلامية اليوم حركة موجيَّة مركبة ما بين صعود وهبوط، ويمنة ويسار، وقوة وضعف، ويحيط بها بحر كبير من التحديات التي تتخلَّلها فرص يُهدر الكثير منها. إن الحرب -بوصفها ظاهرة- كثيرًا ما حملت الفرص إلى جوار التحديات، وهكذا تقول سُنَّةُ الابتلاء، كما أن الصبر والصمود والإصرار على المقاومة وعدم الاستسلام فضلا عن التضامن والنصرة وعدم الخذلان، جديرة -وفق منطق سُنني قيمي- أن تُحيل مبنى الهزيمة إلى معنى نصر؛ ولكَمْ غلبت المعاني المبانيَ، ولو بعد حين.

وها نحن نعيش حربًا على قلب العالم الإسلامي ممتدَّة لسنوات متَّصلة، مركزها فلسطين، وتتَّسع لدائرة أكبر حولها، وتقودها قوَّتان متحالفتان أمريكية وإسرائيلية. غاية هذه الحرب العليا المعلنة هي تأمين قوة إسرائيل وتفوقها الإقليمي؛ وما يترتَّب على ذلك من ضرورة إضعاف وربما إزالة القوى المقاومة لوجود إسرائيل ولهيمنتها على الإقليم الذي هو القلب الإسلامي. ويأتي الاشتراك الأمريكي في حرب ال12 يومًا (يونيو 2025) ليعبِّر عن مدى التزام الولايات المتحدة بهذا الهدف الصهيوني من منظور دولي أوسع؛ ويُعبر عنه بضرورة إضعاف إيران وإيقاف نموها العسكري، ضمن استراتيجية أكبر تتعلَّق بالعمل على استمرار الهيمنة الأمريكية العالمية، وإزالة كل ما تراه أمريكا تهديدًا لها.

لكن الصورة أكثر تركيبًا: إن فلسطين قضية أمة، لا قضية شعب فلسطين وحده، ولا قضية قوته المقاومة وحدها، ولا قضية محور مقاومة مساند تقود إيران وحسب، ولكنها قضية أمة، مهما نامت أو استنامت لا يمكن الزعم بموتها، لا سيما شعوبها وقواها المنتمية. ومن ثم فإن أصداء الحرب في فلسطين تتردَّد بقوة في الشام الكبير، وفي الخليج العربي، والمغرب العربي، وأفريقيا وآسيا المسلمتين، وفي مصر بالطبع. بل إن الحرب الأخيرة، وما اتخذته من أسلوب إبادي غير مسبوق هيجت رأيًا عامًّا عالميًّا، لا سيما في الغرب نفسه، وضع الفكرة والسياسات الصهيونية على محك النقد الإنساني والقيمي بما يعسر تجاهله.

وتأتي قيادة الولايات المتحدة للحرب الأخيرة على إيران، بالتحالف مع الكيان الصهيوني، بدءًا من ظهر 28 فبرير 2026؛ لكي تضيف إلى المشهد حلقة جديدة من حلقات العدوان الأمريكي على دول العالم الإسلامي؛ حلقة ذات دلالات جديرة بالتأمُّل والنقاش. لكن الأجدر بالتأمُّل هو حال الأمة الإسلامية ومدى تقدُّم قوَّتها أو تراجُعها، فيما تكشفه مجريات وتفاعلات هذه الحرب.

تأتي هذه الورقة لاختبار حال الأمة عبر نظرية أنماط العلاقات الدولية الإسلامية كما صاغتها أ.د.نادية مصطفى ضمن موسوعة “العلاقات الدولية في الإسلام”. فالمواجهة بين داخل الأمة وخارجها في ظل أحوالها المتضاربة تؤدِّي إلى نزاعات بين داخلها وداخلها تزيد من ضعفها؛ ويستغلها الخارج لمزيد من إضعاف قوى الأمة وتكريس فرقتها.

تقول نظرية “أنماط العلاقات الدولية الإسلامية” إنه في حالتي وجود مركز قوة إسلامي دولي وعدمه؛ وفي حالتي قوة الأطراف الإسلامية وضعفها، وفي حالتي الولاء بينها ووحدتها أو ولاء أو تبعيَّة بعضها للخارج ومن ثم تفرُّقها، تُفرز التفاعلات الداخلية البينية والخارجية أنماطًا من مواقف القوى الإسلامية تتردَّد بين ثمانية أنماط؛ أربعة منها إيجابية من منظور الأمة وقوَّتها حتى حال ضعف قواها، وأربعة منها سلبية تسْهم في إضعاف الأمة حتى لو كانت الأمة موحَّدة أو بها مركز دولي قوي، والعبرة في ذلك بعامل أساس؛ ألا وهو: الولاء للأمة وقواها، أو التبعية للخارج وقواه.

الأنماط الأربعة الإيجابية هي: (1) نمط قوة إسلامية موحدة أو متكاملة ذات مناعة تجاه الخارج حال وُجد مركز جامع أو قوة قاطرة مع ولاء القوى الإسلامية الأخرى لها ولاء نابعًا من رابطة الإسلام، (2) نمط قوة مناضلة للحفاظ على الأمة وتمثِّل بقوتها درعًا لبقيَّتها رغم افتقاد المركز الجامع؛ ومن ثم تكون في حرج شديد وتحت ضغوط الخارج وتابعيه، لكنها تتمتَّع بدرجة من ولاء أطراف إسلامية لها تقوِّي من دورها الحامي، (3) نمط كيان / كيانات ضعيفة لكنها تناضل للحفاظ على الذات واستعادة القوة المفقودة، خاصة عبر الولاءات والتضامنات الإسلامية المحيطة بها، أو بالمركز الضعيف، (4) نمط بؤرة / بؤر مقاومة غالبًا ما تعيش ضعفًا ذاتيًّا؛ ومن ثم حرجًا دائمًا وضغطًا شديدًا من الخارج ومن الخائنين من تابعيه من أبناء الأمة، خاصة مع افتقاد القوة المركزية.

الأنماط الأربعة السلبية هي: (1) نمط قوة تُسَمَّى إسلامية لكنها مقلوبة الحال حيث ولاؤها وعطاؤها للخارج ضد الداخل، وضد مركزه القوي الجامع، وتنازع المركز القوي إمَّا لتحلَّ محلَّه أو لتغيِّر عقيدتَها السياسية، (2) نمط قوة تُسَمَّى إسلامية لكنها تهدم القوى الإسلامية المساوية والأضعف نظرًا لتبعيَّتها وولائها للخارج، وخاصة مع افتقاد الأمة مركزًا إسلاميًّا أقوى من هذه القوة، (3) نمط كيانات ضعيفة لكنها تقوِّي الخارج على الداخل وتكرِّس من ذاتها أدوات لتوظيفه لها ضد المركز الإسلامي الجامع لإضعافه أو إزالته، (4) نمط الهمل الضعاف الذين لا قوة لهم ولا ولاء للأمة، ويتبعون قوى الخارج الذي قد لا يكْترث بهم إلا عند حاجته.

 وجود مركز إسلامي دوليافتقاد مركز إسلامي دولي
ولاء إسلاميتبعية للخارجولاء إسلاميتبعية للخارج
القوةقوة إسلامية متكاملة ومناعة تجاه الخارجشوكة في الظهر وصراع مع المركزنضال للحفاظ على الأمة ودرع حرجهدم للأمة بأيدي أبنائها
الضعفمحاولات الحفاظ على الذات واستعادة القوةأدوات ضد المركز بحسب توظيف الخارجبؤرة مقاومة في حرج وضغط شديدلا قيمة في الأمة ولا خارجها

فماذا كشفت المواجهات والحروب التي دارت بين الولايات المتحدة ودول الأمة عبر قرنين من الزمان منذ تحرَّكت بحُريتها التجارية ثم العسكرية في المياه الإسلامية؟ وماذا جَدَّ على هذه التفاعلات منذ سعت الولايات المتحدة للهيمنة العالمية عقب الحرب العالمية الثانية؟ وماذا أضاف التحالف اللصيق مع الصهيوني إلى هذه المعادلة؟ وكيف أبرزت الحرب على فلسطين ودخول إيران فيها دلالات كلية عن حال الأمة أمام هذا الصراع العدواني الممتد؟ ومن ثم ما هي السيناريوهات المنتظرة؟ وكيف نقرأ ذلك ضمن نظرية معادلة القوة والمصلحة والأخلاق التي يبرزها منظور حضاري ومدخل منهاجي قيمي مقاصدي؟

فهذه هي الحرب الثالثة الكبرى التي تقودها الولايات المتحدة ضد دولة من دول الأمة الإسلامية منذ بداية القرن الحادي والعشرين بعد حربي أفغانستان 2001/2002، والعراق 2003، مع ما سبقها وما لحقها من حروب أو هجمات أصغر شنَّتها أو شاركت فيها الولايات المتحدة على بقاع إسلامية في فلسطين واليمن والسودان وسوريا وليبيا وغيرها، بأشكال ولأهداف مختلفة، أكثرها باسم الحرب على الإرهاب؛ ذلك العنوان الجدير بالتذكُّر دائمًا. ومن منظور تاريخي أوسع نتذكَّر أن صراعات الولايات المتحدة مع دول العالم الإسلامي قد مرَّت بمراحل أقدم؛ منذ تحرَّكت قُواها البحرية إلى سواحل الجزائر في أوائل القرن التاسع عشر لإيقاف دفعها الجزية لممثلي الدولة العثمانية، وما أسمته والأوربيون ساعتها بأعمال القرصنة الجزائرية. ثم برزت بعد قرن في شرق آسيا وقاومها مسلمو المورو في الفلبين أوائل القرن التاسع عشر. ويستمر التدخل الأمريكي التدريجي في العالم الإسلامي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية؛ لتظهر استراتيجية الهيمنة الأمريكية الكبرى، التي تضع معظم العالم الإسلامي ضمن مناطق صراع النفوذ والسيطرة بين الولايات المتحدة ومعسكرها والاتحاد السوفييتي وحلفائه.

في هذه المرحلة الطويلة، تجلَّت نظرة الولايات المتحدة الأمريكية إلى العالم الإسلامي بوصفه تحديًا كبيرًا حال اتحاد قواه؛ ومن ثم حرصتْ على تقسيمه إلى مناطق فرص ومناطق تهديدات، ومناطق استتباع ومناطق عداء، فضلا عن إثارة النزاعات باستمرار بين قواه الأساسية، وتشجيع القوى الهدَّامة فيه. وبالطبع غلَّفت تلك الاستراتيجية بالكثير من خطابات حسن النوايا، وسياسات الحماية وشراكات التنمية والتحالف الاستراتيجي والمساعدات المالية، بالإضافة إلى عمليات استعادة الأمل وتحرير البلاد من الفوضى والإرهاب كما في الصومال وأفغانستان، وتحرير الأراضي من المحتلين كما في حرب العراق-الكويت، وتحرير الشعوب من المستبدِّين كما في الحرب على العراق من قبل، وحماية المدنيِّين من الأنظمة الشريرة كما في سوريا وليبيا والسودان، والتحالف مع الحكومات ضد الإرهاب (الإسلامي) كما في شرقي العالم الإسلامي وغربيه. لكن القضية التي ظلَّت كاشفة عصية على التزييف الأمريكي هي قضية فلسطين، والالتصاق الأمريكي الشديد بالعدو الصهيوني المحتل.

كان قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية 1979 حدثًا فارقًا في الأمة وتاريخها المعاصر، وكذلك في العلاقات مع الولايات المتحدة. فقد تميَّزت الثورة الإيرانية إبَّان اندلاعها بعداء لتبنِّي الولايات المتحدة للشَّاه المعزول، وتآمُرها على الثورة؛ ما أفضى إلى أزمة الرهائن الأمريكيين (حين احتجز الطلاب الإسلاميين 52 أميركيًّا من العاملين بالسفارة الأمريكية في طهران كرهائن لمدة 444 يومًا من 4 نوفمبر 1979 حتى 20 يناير 1981)؛ ومن ساعتها تبنَّت الدولتان سياسة عداء متبادلة بين الشيطان والإرهابي. وحتى عام 1979 كانت مصر ومعها محور التحدِّي والصمود هي من يقود مقاومة النفوذ الأمريكي في المنطقة العربية، إلا أن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية أزاحت مصر من هذه الجبهة، لتتحول إلى إيران وبقايا القومية العربية. واختارت الولايات المتحدة دعم البعث العربي العلماني (العراق-صدام حسين) -عبر وسطائها الخليجيِّين- لإضعاف أو إسقاط حكم الملالي الإيراني الإسلامي. وفي هذا الإطار، ظلت إسرائيل في الظل، وكانت محفوفة بمقاومة عربية في فلسطين ولبنان، تتنامى في صورة منظمات مقاومة شعبية، جديدها أنها ذات مرجعية إسلامية، تحل محل القوميين العرب العلمانيين.

تحوُّلات كبيرات شهدتها التسعينيات من القرن العشرين، ينبغي استدعاء دلالاتها اليوم. فقد تضاربت القوى العربية ذاتها بعد حرب الخليج الأولى (بين العراق وإيران)، ثم بتآمر أمريكي، غزا العراق للكويت، وتحولت السياسة الأمريكية -بتبعية خليجية- إلى هدف إخراج العراق من المعادلة الإقليمية على أمل إقامة نظام تابع فيها يكون حاجزا بين المنطقة وإيران. لكن النظام العراقي قاوم السقوط عقدًا كاملًا حتى أقدمت الولايات المتحدة على غزو العراق -ضمن تحالف دولي خاصة مع بريطانيا- لتقيم فيه نظام حكم بديل؛ إذا به يفرخ نظامًا ذا قيادة شيعية موالية لإيران، وكمًّا كبيرًا من الجماعات المسلحة الموالية أيضًا لإيران، فضلًا عن تدخُّل السياسة الأمريكية في العراق في صناعة الدولة الفاشلة القابلة لأن يخرج منها المرض ومضاداته.

تحول آخر مهم تمثَّل في تصدُّر القوى ذات المرجعية الإسلامية للمشهد الشعبي، بما فيه المقاومة الشعبية؛ في فلسطين ولبنان وأفغانستان التي كانت تعيش أيضًا حربًا أهلية، ولتدخُّل بعض هذه القوى في صراعات مباشرة مع الولايات المتحدة، وتمثِّل لها تحدِّيًا وفرصةً في الوقت ذاته، اختارت أن تقود بذريعته حربًا واسعةً متنوِّعة الأدوات والمسارات على معظم العالم الإسلامي مع مطلع القرن الحالي؛ منذ 2001. هذا بينما كانت إيران تصدِّر ثورتَها التحرُّرية من جهة والشيعية من الجهة الأخرى، وتبني قوى موالية في المنطقة العربية وتتبنَّى قوى لم تؤسِّسها هي. وفي الآونة ذاتها كانت إسرائيل تكسر قيود النَّبذ العربي والعالمي تدريجًا عبر سياسات عديدة وأدوات متنوِّعة؛ من شَدِّ الأطراف إلى اختراق الأنظمة العربية، إلى القمع الوحشي للوجود والحراك الفلسطيني.

ومن ثم شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين صراعات في اتجاهات عدَّة، وتقدُّمات متعارضة على جبهات متداخلة، ينبغي تذكر خريطتها ودينامياتها.

  • سبتمبر 2000: اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومجازر الصهاينة البشعة بحق الفلسطينيِّين كما في جنين في الضفة الغربية، ولا إغاثة ولا عقاب.
  • سبتمبر 2001: ضرب برج التجارة العالمي في نيويورك، وإعلان بوش الابن الحرب الدولية على الإرهاب ومحور الشر وفي قلبه العراق وإيران، فضلًا عن تنظيم القاعدة وحركة طالبان حاكمة أفغانستان.
  • أكتوبر 2001: شن الولايات المتحدة -ضمن تحالف دولي- حربها على أفغانستان لإسقاط نظام طالبان وتدمير تنظيم القاعدة والقبض على قائده بن لادن، انتقامًا لضربة 11 سبتمبر 2001.
  • مارس 2003: شن الولايات المتحدة -ضمن تحالف دولي- حربها على العراق؛ بدعوى دعمه للإرهاب، وامتلاكه أسلحة نووية، واحتلال بغداد 9 أبريل، وإعدام صدام حسين ديسمبر 2003.
  • 2005: إعلان إسرائيل الانسحاب من جانب واحد من غزة، واشتداد الضغط الأمريكي على العالم الإسلامي لعمل تغييرات ثقافية واجتماعية ودينية.
  • 2006: حرب الـ33 يومًا بين إسرائيل وحزب الله اللبناني، وبروز قوة الحزب، وإجراء انتخابات نيابية في فلسطين وفوز حركة حماس بالغالبية فيها، وبداية الصراع بينها وبين حركة فتح.
  • 2007: استيلاء حركة حماس على غزة، وتشديد الحصار الإسرائيلي عليها.
  • 2008/2009: حرب غزة الأولى، وهروب بعض الفلسطينيِّين إلى الحدود مع مصر.
  • 2010/2011: اندلاع الثورات العربية في تونس، فمصر، فسوريا واليمن وليبيا، وتوابعها في البحرين والمغرب والجزائر والأردن والكويت وغيرها…، وصعود الإسلاميين سياسيًّا، ثم قمع الثورات في معظم هذه الدول، وتحولها إلى حروب أهلية مستنزفة لقُواها، وتماهِي إيران -ومعها حزب الله اللبناني- مع النظام السوري في مجازره ضد شعبه، ومع تحرك الحوثيِّين ضد النظام في اليمن، ومع الحراك الشعبي الشيعي في البحرين ضد النظام الملكي، وبروز تحالف نظمي عربي- خليجي ضد الثورات، وقفت إسرائيل وراءه أو داخله بطريقة غير معلنة، وصعود العداء النظمي الإقليمي والدولي لصعود ثم لوجود الإسلاميين.
  • 2012، 2014، 2018، 2021، حروب ومواجهات بين إسرائيل وقوى المقاومة الفلسطينية التي تقودها حركة حماس من غزة.
  • 2017: وصول دونالد ترامب لحكم أمريكا للمرة الأولى.
  • 2018: إعلان الكنيست قانون يهودية دولة إسرائيل.
  • 2019: تسليم الولايات المتحدة القدس لإسرائيل رسميًّا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس.
  • 2020: إبرام اتفاقات أبراهام التي عقدها دونالد ترامب بين إسرائيل والإمارات والبحرين، ثم ضمَّت إليها السودان والمغرب، وفتح المجال لحضور اقتصادي إسرائيلي معلن في الخليج، وعسكري في المغرب.
  • 7 أكتوبر 2023: المقاومة الفلسطينية -ضمن حرب مقاومتها للاحتلال وسعيها للتحرُّر منه- تشنُّ هجومًا على غلاف غزة وتأسر عددًا من الإسرائيليِّين، لتكون بمثابة ذريعة لإسرائيل لشنِّ حرب إبادة غير مسبوقة على الفلسطينيِّين في غزة والضفة، التي تجاوزت حتى يومنا هذا ألف يوم، ولم تتوقَّف، بدعم غربي كبير تقوده الولايات المتحدة، ثم بتواطؤ عالمي ونظمي عربي كبير، لم يستطع أن يُغيث المستضعفين.

في هذه الجولة الأخيرة، دخلت قوى المقاومة الإسلامية الشعبية المسلَّحة في المنطقةِ المعركةَ لمساندة شعب فلسطين وإغاثة أهل غزة، بدءًا بحزب الله اللبناني، فجماعة الحوثيين الحاكمة لليمن، وفصائل في العراق وسوريا، وصولًا إلى إيران التي سعت إسرائيل لاستدراجها المباشر في الحرب منذ البداية، خاصة في ظل الالتصاق الأمريكي بها في هذه اللحظة؛ لتكرار سيناريو الحرب على الإرهاب بعد 11 سبتمبر 2001، على نحو ما صرع بنيامين نتنياهو أكثر من مرة. وبالفعل جاءت أول مواجهة عسكرية مباشرة وعلنية بين إيران وإسرائيل في 13  أبريل 2024؛ حين أطلقت طهران نحو 300 طائرة مسيَّرة وصاروخ باليستي من أراضيها نحو الأراضي الفلسطينية المحتلَّة، فيما عُرف بعملية “الوعد الصادق 1″، وذلك ردًّا على قصف قنصليَّتها في دمشق أول أبريل 2024؛ مما أسْفر عن مقتل 16 شخصًا، من بينهم قائد كبير في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني؛ العميد محمد رضا زاهدي وسبعة ضباط آخرين في الحرس الثوري.

من هنا بدأت الحرب الإسرائيلية-الإيرانية؛ ففي 19 أبريل، ردت إسرائيل بضربات دقيقة استهدفت أنظمة دفاع جوي في إيران (منطقة أصفهان/نطنز) لحماية مواقعها النووية دون وقوع أضرار جسيمة.

وفي يوليو 2024 اغتالت إسرائيل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران، وفي أواخر سبتمبر 2024، اغتالت الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في بيروت مع القيادي في الحرس الثوري عباس نيلفروشان. وفي الأول من أكتوبر 2024، باغتت إيران إسرائيل بإطلاق نحو 200 صاروخ باليستي وفرط صوتي (مثل منظومة “فتاح”) على دفعتين، مما دفع ملايين الإسرائيليِّين للملاجئ وألحق أضرارًا بقواعد عسكرية، وفي عملية أسْمتها الوعد الصادق 2؛ إشارة إلى أنها معركة مستمرَّة. وبالفعل في 26 أكتوبر 2024، نفَّذت إسرائيل ضربات انتقامية استمرَّت لنحو 4 ساعات، استهدفت مصانع صواريخ وأنظمة رادار للدفاع الجوي في عدَّة محافظات إيرانية منها طهران، وأعلنت تل أبيب حينها تحقيق أهدافها بنجاح.

لكن العام 2025 شهد تصعيدًا خطيرًا، حيث شَنَّتْ إسرائيل حربًا واسعة على إيران، تدخَّلت فيها الولايات المتحدة تدخُّلا نوعيًّا، فشهد منتصف عام 2025 مرحلة جديدة من المواجهة بين إسرائيل وإيران في الفترة من 13 حتى 24 من شهر يونيو 2025. حيث شنَّت إسرائيل هجومًا كاسحًا على إيران فجر الجمعة 13 يونيو 2025، بغارات جوية مكثفة على عشرات الأهداف الإيرانية استهدفت مواقع نووية رئيسية ومنشآت عسكرية ومناطق سكنية تواجد فيها قيادات عسكرية وعلماء نوويون إيرانيون، وردت إيران في اليوم نفسه بعملية الوعد الصادق 3 بضربات استهدفت مواقع عسكرية واستخباراتية وسكنية إسرائيلية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.

رأت إسرائيل أنها أضعفت الأذرع وأنه يجب أن تتحرك باتجاه ما تراه الرأس المدبر والمعزِّز، لكنها لم تذهب إلى هذه المعركة وحدها. فالجديد الأمريكي أُضيف إلى الجديد الإسرئيلي؛ ففي 22 يونيو، أعلن ترامب عن تنفيذ الولايات المتحدة -بتنسيق كامل مع إسرائيل- غارات مكثفة على المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، شاركت فيها قاذفات بي -2، وأنها أسْفرت عن تدمير كامل للمواقع المستهدفة، بعد فترة طويلة من التهديد باحتمال توجيه ضربة أمريكية مباشرة، ومثَّل هذا تحوُّلًا نوعيًّا بدخول الولايات المتحدة في مواجهة نشطة ومباشرة مع إيران، وليس فقط من خلال دعم إسرائيل في اعتراض الصواريخ على أراضيها. وفي 24 يونيو 2025، تم التوصُّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

أعلنت إيران عن مقتل أكثر من 600 شخص، وتدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية في مدن مثل طهران، لكن قدرتها على استئناف برنامجها النووي ، لم تتأثر بشكل دائم، حيث يُعتقد أن بعض المواد النووية قد تم نقلها قبل الهجوم. في المقابل، أسفر الرد الإيراني عن مقتل 28 إسرائيليًّا بينهم جندي واحد، وتسبَّب في دمار واسع النطاق في أنحاء البلاد خاصة في منطقة غوش دان وحيفا وبئر السبع.

جاءت هذه الضربة قبل انعقاد جولة مفاوضات متَّفق عليها بين إيران والولايات المتحدة في مسقط كان موعدها يوم الأحد 15 يونيو 2025، عقب انتهاء مهلة الشهرين التي حدَّدها ترامب للتوصُّل إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي.

ومن الجديد أيضا وذي الدلالة أن إيران ردت على الضربات الأمريكية في حرب ال12 يوما بهجمات على قواعد عسكرية أمريكية في الخليج في قطر والكويت والعراق، لكنها كانت ضربات محدودة، حيث سرعان ما اتُّفق على وقف إطلاق النار في اليوم التالي. ودلالة هذا الحدث أن المواجهة بين داخل الأمة وخارجها في ظلِّ أحوالها المتضاربة أدَّت إلى نزاع بين داخلها وداخلها؛ في تأكيد لنظرية “أنماط العلاقات الدولية الإسلامية” في المنظور الحضاري التي صاغتها د.نادية مصطفى وأشرْنا إليها.

كشفت هذه الحرب القصيرة عن دلالات كثيرة تتعلَّق بموازين القوة الإقليمية والدولية حول فلسطين: أولها طول اليد الإسرائيلية القادرة على الوصول إلى إيران والعبث بأجوائها من غير رادع دفاعي قوي، وقدرة إيران على إيلام إسرائيل نسبيًّا عبر الصواريخ والمسيَّرات بالأساس، وعدم توازن القوة بين الطرفين حال التدخُّل الأمريكي المباشر، لا سيما مع التواطؤ والخيانات الإقليمية ثم الدولية، ثم دلالة دخول أراضي دول الخليج في مرمى المعركة من المنظور الإيراني حال دخولها من قبل الولايات المتحدة واستخدامها القواعد العسكرية في الخليج؛ ما أدَّى لضرب مناطق في دول خليجية. ومن هنا دخلت دول الأمة في المعركة الكبيرة بصور مختلفة، الأمر الذي ستزيده وضوحًا الحرب الأخيرة منذ 28 فبراير 2026.

الدلالة الأكبر لحرب ال12 يوما أن التحالف الاستراتيجي النظمي العربي مع الولايات المتحدة في ظل التصاق الأخيرة الاستراتيجي بإسرائيل، التي تمثل -من الجهة المقابلة- التحدي المركزي للشعوب العربية، وفي قلبها فلسطين، يعد معضلة السياسة الاستراتيجية العربية والإسلامية الحالية. وقد كشفت المواجهات منذ ما بعد أكتوبر 1973 تصاعد الميل النظمي العربي لتغليب مقتضيات التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة على كل عامل آخر؛ بما فيه: الهوية، والمرجعية، وثقافة الشعوب ومصالحها، والقضية الفلسطينية. ومن ثم فإن المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة، أولا هذه المرة، ومعها إسرائيل شريكًا، وبين إيران إمَّا أن تؤكِّد هذه الحال نظريًّا وتُعَمِّقَها عمليًّا، وإمَّا أن تقدِّم لنا جديدًا ينبغي أن نعِيَه ونضمَّه إلى خريطة إدراكنا لحال الأمة حول هذه الحرب المستعرة.

تكشف أوراق هذا العدد من “قضايا ونظرات” عن حالة الأمة الإسلامية في مرآة هذه الحرب، وفي إطار حال العالم، في ظل إدارة أمريكية غير متَّزنة، ومتصهينة بعنف، ومتبجِّحة في إعلان هيمنتها على المنطقة وتوجيهها للأنظمة. وقد تناولت أوراق العدد ديناميات الحرب، والجبهات الداخلية للقوى المتقاتلة، وكيف تلقَّت المؤسسات الإيرانية صدمة الحرب وتفاعلت معها بتغليب مقتضيات الميدان على غيرها، ومواقف قوى الإسناد لإيران في العراق واليمن ولبنان، وحال دول الخليج التي وقعت بين نيران الطرفين وانقسمت بين الإشعال والتهدئة، خاصة في ظل خارطة قواعد عسكرية أمريكية تغطِّي المنطقة وتقدِّم أهدافًا للردود الإيرانية، والمواقف العربية التي أدانت في أغلبها إيران دون إدانة الولايات المتحدة ودعت إلى أولوية الحلول السياسية، فيما وقفت معظم دول العالم ومنه العالم الإسلامي مكتوفة اليدين بين اللافعل واللادور، فيما يصاب الاقتصاد العالمي إصابات بالغة بفعل غلق إيران مضيق هرمز وتناقص إمدادات الغاز والنفط، وتهديد الممرات البحرية، وبينما صراع السرديات وخاصة السيبرانية على أشُده، كان القانون الدولي أول الساقطين بقوة تحت أنقاض الحرب، ولا يزال.

هذه الزوايا العديدة للنظر للحرب، تؤكِّد أن الولايات المتحدة تمثِّل معضلة استراتيجية للواقع والمستقبل العربي والإسلامي؛ سواء من باب التحالف التبعي معها، أو من باب العدوان الذي تمارسه تضافرًا مع الصهيونية وعدوانها المتَّسع زمانًا ومكانًا.

ولقد أثبتت هذه الحرب أولوية الداخل والبيني الإسلامي في هذا الصراع الممتد؛ ما يعيدنا إلى أنماط العلاقات والفاعلين المنتمين للأمة الإسلامية في هذه الحقبة؛ حيث تكشف ديناميات الحرب وتداعياتها عن الأنماط الآتية:

  • غلبة الأنماط السلبية (التابعة):
  • نمط الكيانات الموالية للعدو والمشاركة نسبيًّا في عدوانه؛ وللأسف بدت دولتان خليجيَّتان نسبيًّا في هذه الخانة، مما جعلهما المستهدف الأكبر للضربات الإيرانية. وقد أثبتت التقارير الأمريكية تلك المشاركة في العدوان من قبل دول خليجية منذ أوائل مارس.
  • نمط الكيانات التابعة الضعيفة التي إمَّا هي عديمة الدور والفعل، أو تنتظر أن تُستخدم بوصفها أدوات مساعدة في جانب من جوانب الصراع… وللأسف بدت أكثر الدول العربية والإسلامية في هذا المقام، تدين إيران ولا تدين العدوان الأمريكي عليها، وتدعو إلى التهدئة والأساليب الدبلوماسية.
  • أنماط الكيانات التابعة ذات القوة النوعية، والتي تلعب أدوارًا مشروطة برضا القوة الأمريكية المهيمنة، أو تتحرَّك مكانَها، أو تقف جامدةً. فالقوى الإسلامية المتوسِّطة التي لعبت دورًا في الحرب مثل السعودية وباكستان وتركيا ومصر، جعلت من عدم مباشرة أمريكا بالنقد أو الرفض قاعدة أساسية، لكن السعودية على سبيل المثال تمايزت بحرصها على عدم الانخراط في الحرب، والتواصل المتَّزن مع الإيرانيِّين، والبحث عن جبهة إسلامية وازنة تتمثَّل فيها مع باكستان وتركيا ومصر. وهذا يتصل بالأنماط الإيجابية موقفًا، وإن كانت وضعية الخضوع للحماية الأمريكية ليست كذلك.
  • لا تزال الأنماط الإيجابية حاضرة: المقاومة ومقاومة التبعية المطلقة
  • نمط القوة المركزية المقاومة وإن خُذلت وتمثِّلها إيران بصمودها وإصرارها على عدم الاستسلام لإملاءات الأمريكيين والصهاينة أو تهديداتهم، وذلك على المستويات الرسمية والشعبية، والمدنية والعسكرية.
  • نمط الكيانات الضعيفة المتحالفة مع المركز المعتدى عليه؛ وهذه قوى الإسناد التي رغم ضعفها الشديد فهي تحمل قيمًا ولائية قوية، تجعلها لا تتردَّد في دخول حرب يخافها الأقوياء من حولهم. لقد أثبت حزب الله اللبناني صلابته المعنوية في هذه الحرب، كما أثبتها من قبل في الدفاع عن غزة منذ 8 أكتوبر 2023.
  • نمط الدول المتردِّدة بين التبعية والحفاظ على قدر من الصلة والولاء الإسلامي، أو الحريصة على التمايز داخل الحرب. فثمة دول -رغم الحرج الشديد تجاه الولايات المتحدة- بدت أحرص على عدم المشاركة المباشرة في العدوان على إيران، وعلى رأسها: عمان وقطر والكويت فضلا عن السعودية كما أشرنا. لقد ندَّدت الخارجية العمانية بالحرب، وأدانت العدوان والغدر الأمريكي حيث كانت تستقبل المفاوضات قبيل الحرب، حتى إن ترامب هدَّد السلطنة بأن يضربها هي، ردًّا على نقدها لعدوانه. بينما حرصت الكويت وقطر على تلقِّي الضربات الإيرانية برسائل عن ضرورة رعاية الجيرة والأخوة والصداقة.

ولعل أهم ما يحضر في مشهد هذه الحرب هو التواجه بين مجموعتي الأنماط الإيجابية والسلبية؛ حيث وجه الطرف المركزي (إيران) ضربات إلى الأطراف التابعة (في الخليج) بناء على أن تبعيتها في صورة استضافة قواعد عسكرية أمريكية هي مشاركة في العدوان، وأن تلك القواعد العسكرية بما تشتمل عليه من أجهزة رصد واستطلاع ومنصات صواريخ وأنواع وكميات كبيرة من الطائرات مختلفة المهام هي أهداف مشروعة لإيران وقوى المساندة؛ ومن ثم فإن القوى المقاومة للمشروع الصهيوني وللعدوان الأمريكي الصهيوني، وقد كانت تتجنب المواجهة مع حلفائهم من الأمة، اضطرت في هذه الحرب لأن تضرب تلك القوى المتحالفة؛ من باب القاعدة الشرعية التي تقول: التابع تابع. ومن ثم أُثيرت المواقف العربية والإسلامية الرافضة لهذه الضربات وأُدينت من الجميع بلا استثناء تقريبًا، ولم يُشِرْ أحدٌ إلى الموقف من تلك القواعد التي تملأ الرحم العربي والإسلامي ودلالتها على الأمن القومي بمفهومه الحضاري الأشمل.

هذا بينما، يغيب عن المشهد نمط القوة المركزية المحوطة بتكامل واتحاد إسلامي حقيقي؛ حيث الفرقة هي سيد الموقف، حتى داخل التجمُّعات الإقليمية داخل الأمة؛ كحال الخليج العربي (النزاع السعودي-الإماراتي)، والمغرب العربي (النزاع المغربي-الجزائري، بل الليبي-الليبي)، وكحال العراق والشام (بين سوريا المباعدة لإيران والتي سمحت بعبور الأمريكان والصهاينة أجواءها، والأردن المدافعة عن القاعدة الأمريكية لديها بخطاب وزير خارجيتها الصفدي، بينما في العراق ولبنان قوى شعبية تتجاوز حكوماتها وجيوشها لتُساند الطرف الإسلامي المعتدَى عليه).

ويغيب عن المشهد الربط بين هذه الحرب والقضية الأم: فلسطين، وكأن أنظمة بلاد العرب والمسلمين تكمل -بصورة أو بأخرى- مواقف العجز والخذلان أمام العدوان الصهيوني على فلسطين وإبادة غزة، بمواقف مشابهة أمام العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران؛ لكن الحاضر الغائب في هذه الحرب هو معادلة القوة والمصلحة والأخلاق، وكيف تجلَّت في مواقف وممارسات القوى المختلفة.

من المهم –ختامًا- ملاحظة أن مثل هذه الحروب لا تُشَنُّ غالبًا لأسباب موضوعية واقعية محضة حتى يسودَ فيها التعليل الأشبه بالقدري وكأنها حتميَّات لا مَفَرَّ منها، فللنُّخب والأفراد والإرادات البشرية دورٌ بارزٌ في إيقاد شرارة الحرب وفي تأجيجها والحيلولة دون إيقافها، فالأشياء لا تتحرَّك بغير إرادة الأحياء. وهذا بلا شك يتصل بمنظومة الأفكار ومنظومة الأخلاق السائدة في تلك المجتمعات ونخبها.

وثمة ناحية يستدعيها المنظور الحضاري تتعلَّق بمعادلة القوة والمصلحة والأخلاق في الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، والممتدَّة حتى يومنا هذا في منتصف يوليو 2026، فقد أبرزت هذه الحرب عناصر كثيرة في دول الأمة: داخلها وفيما بينها، في مرآة التوازن بين حال القوة والضعف، وموازين المصالح والأخطار، وضوابط الأخلاق والقيم، كما كشفت أو أكَّدت صورة هذه المعادلة لدى العدو الأمريكي الصهيوني، التي لخَّصها قائدَا التحالف العدو -نتنياهو وترامب معًا- باسم “السلام عبر القوة”؛ السلام بوصفه قوة مادية متفوقة ومهددة للآخرين، وأمنًا ذاتيًّا مضاعفًا ومضعِفًا للآخرين، وتفوُّقًا يرونه حتميًّا على الآخرين، وثروات يجب أن يضمنوا الاستحواذ عليها ولو كانت ملكًا للآخرين، واحتلالًا حضاريًّا (دينيًّا وعسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا) لأرض فلسطين وما حولها.

إن معادلة السياسة العالمية في شأن مثل تلك الحروب تقودُها العقلية ذاتها المشحونة بذاتية المصالح وسياسات القوة على نحو ما يقرِّر جون فاسكيز في دراسته المسْحية للحروب بين 1945 و2008؛ وتتراجع فيها دوافع المصلحة العامة العالمية، وضوابط العدالة العالمية قانونًا وأخلاقًا. ويجادل التنظير الغربي الأحدث في تكييف هذه الحالة من منظورات وضعية وما بعد وضعية، بينما يكشف الفقه الإسلامي عن أفق آخر يتعلَّق برسالية متجاوزة وقيم عُليا وتأسيسية حاكمة ومقاصد حافظة للفعل والفاعلين وفكر سنني يخضع السياسات لمآلات عادلة؛ للإحسان إحسانًا وللإساءة عقوبة مكافِئة.

هذه المعادلة (الأخلاق والقوة والمصلحة) لدى العدو الأمريكي الصهيوني تؤكِّد ما توصَّلنا إليه في دراسة سابقة -بناء على مراجعة العديد من الحروب التي وقعت بين عامي 2000 : 2020- أن كثيرًا من هذه الحروب الدولية شنَّتها -أو تدخَّلت فيها- دول كبرى ضد دول متوسطة أو صغيرة؛ بدعاوى ذاتية لا يقرها قانون عام ولا عرف مشترك، ثم إن تلك الدول الكبرى تدير دفة الحرب بمنطق القوة لا القانون فضلا عن الأخلاق إلا قليلا، وعادة ما لم تُبالِ هذه القوى بإقناع أحد بالمصلحة العامة لتدخلها أو هجومها، حتى إن بعض الحروب التي آزرتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن -بوصفها الجهة التي لها حق إجازة الحرب وإسباغ المشروعية الدولية عليها- لم تبال القوى الكبرى بأخذ رأي هذه المنظمة فيها إلا قليلا.

وفي الإطار التاريخي القريب كانت الحرب على العراق 2003 بمثابة نقطة تحوُّل في الفكر الدولي الغربي؛ حيث سقطت فيها مصداقية السياسة الدولية الغربية سقوطًا مريعًا؛ بتعمُّد انتهاك القانون الدولي وتجاوز مجلس الأمن، وتعمُّد الكذب في ادِّعاء امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وإهدار مبدأ الديمقراطية العالمية وتجاهل الرأي العام الغربي والعالمي الذي عبَّرت عنه المظاهرات المليونيَّة ضدَّ الحرب (خاصة في أوروبا)، ثم بالإدارة الأسوأ لمجريات الحرب نفسها وما وقع فيها من قتل أعداد ضخمة من المدنيِّين، واتهام المقاومة الوطنية بالإرهاب، وتدمير ثقافي لتراث حضاري ثمين، ووضع اليد على ثروات نفطيَّة وغيرها، فضلًا عن مشاهد مأساوية من تعذيب العراقيِّين وإهانتهم بأبشع صور التعذيب والإهانة كما افتُضح في سجن أبو غريب وفي الحُدَيثة والفلوجة وغيرها. كانت حرب العراق نموذجًا للحرب اللاأخلاقية الجائرة غير المشروعة، وفي الوقت نفسه لم يستطع التحالف حسْمها بالقوة أمام المقاومة التي استمرَّت سنوات، ورفعت من كُلفة الحرب أرواحـًا وأموالاً وضغائن تؤرِّق الساحة الإقليمية والدولية إلى يومنا هذا. ولم تحقِّق الحرب هدفًا سوى إسقاط نظام صدام حسين، لكنها لم تـُـقِمْ على أنقاضه نظامًا ديمقراطيًّا مستقرًّا، بل فتحت باب الطائفية والتدخُّل الإيراني والتركي في شؤون العراق وأرضه، ثم انسحبت قوات الولايات المتحدة في النهاية بدءًا من عام 2012 وحتى إتمامه عام 2020.

لقد أبرزت نقاشات كثيفة ضمن التنظير الدولي الأمريكي والغربي معضلة الحروب والتدخلات الأمريكية العسكرية وعبر العقوبات الاقتصادية؛ سواء لأغراض إنسانية أو غيرها، ومعضلة فرض الديمقراطية بغير ديمقراطية، والسلم بغير سلم والعدالة بغير عدالة… إلخ. تتساجل في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية عناصر: المصلحة الذاتية والمصلحة العالمية، وتُقدَّم الأولى عند التعارض، وتُستَغلُّ الثانية لصالح الأولى حال التلاقي، والأمر بمثله في ثنائيات: سياسات قوة أم التزام قانوني وأخلاقي؟ مسؤولية أخلاقية حقيقية تجاه المظالم العالمية أم تخلُّص من أنظمة رافضة للهيمنة الأمريكية أو مستعصية عليها؟ يكشف الخطاب الأمريكي العالمي عن تصور لعالم يدور حول مركزه، أو جسد يقع تحت رأسه؛ التي هي “أمريكا”، لا عن صورة “دولة كبيرة” تتحمَّل أعباء إدارة “عالم من قوى أصغر وأضعف”. لقد تجلَّت هذه المعضلة عمليًّا بأوضح صورها في الشرق الأوسط منذ ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 وحتى اليوم؛ حيث تتعامل الولايات المتحدة مع المنطقة باعتبارها: إما مغنمًا تستثمر فيه، وإما مغرمًا تتفادى مشكلاته.

وبدون استطراد إلى تفصيلات معلومة، تتجلَّى طبيعة الذاتية غير العادلة أو غير الحقانية / القانونية للهيمنة الأمريكية وارتكانها إلى سياسات القوة الجائرة أكثر ما تتجلَّى في موقفها الصلب المستديم من القضية العربية في فلسطين. فعلى مدار نحو ثلاثة أرباع قرن، وعلى الأقل منذ نشأة الكيان الصهيوني باسم دولة إسرائيل 1948 (تداول 14 رئيسًا أمريكيًّا منذ ترومان على السلطة) وسياسة الولايات المتحدة لا تتغير في التطابق التام مع الموقف والسلوك والهوى الصهيوني، والإهدار التام لحقوق الشعب الفلسطيني والعالم العربي والإسلامي. ثمة تبريرات كثيرة لهذا الموقف بعضها أمني استراتيجي، وبعضها اقتصادي، ومنها تبريرات أيديولوجية، وتبريرات جامعة، لكن البُعد الديني الواصل بين البروتستانتية الأمريكية والصهيونية حاضر بقوة. وأيًّا ما كانت تلك التبريرات، تقف هذه القضية شاهدًا كاشفًا بوضوح عن أن القانونية والأخلاقية في السياسة الخارجية الأمريكية ليست جذرية، إنما هي قضية مصلحية، وليس أن المصالح تُوزن على ميزان الحق القانوني والمبدأ الأخلاقي. وها هي الحرب الحالية على إيران وتأجيج الخليج العربي تزيد الأمر جلاءً.

يمكن أن ينسحب ذلك على الحساب الإجمالي للسياسة الأمريكية العالمية منذ الحرب العالمية الثانية، وخاصة في العقدين الأخيرين، خاصة من منظور المصالح والقيم العالمية المشتركة والجماعية. فقد تراجعت الرؤية القيمية البرَّاقة للولايات المتحدة منذ خرجت ثائرة للردِّ على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وسياساتها الهجومية والعدوانية، ولم تفلح تهدئات وتجميلات إدارة باراك أوباما في تغيير هذا التراجع في الإدراك العالمي للدور الأمريكي؛ حيث جاء خلفُه دونالد ترامب ليُهيل التراب على عمليات التجميل هذه. وبينما عمل أوباما على الانسحاب من “مواقع الأزمات” الأمريكية الدولية، فإن ترامب تبنَّى عمليًّا سياسة الانسحاب من “مواقع الالتزامات” الأمريكية تجاه العالم. وكذلك توسَّعت الانتقادات لمآلات السياسات والسلوكيات الأمريكية في الشؤون العالمية المختلفة: الأمنية، الاقتصادية، والسياسية، والثقافية.. ليصبح الحساب الإجمالي للقيمة المضافة من السياسة الخارجية الأمريكية سلبيًّا غالبًا.

ومقاصديًّا، يتبيَّن نوع الأساس الذي تحدِّد به السياسة الخارجية الأمريكية مصالحها وأولوياتها، وتعلن عن استعدادها لاستعمال القوة لأجله؛ وهو: “الذات المتضخِّمة”؛ فهذا هو المستوى الضروري، وتأتي الأخلاق والمبادئ القانونية -إن أَتَتْ- تاليًا في هذا الترتيب. إن المغالاة في تعظيم الفاعل الدولي لِذَاتِهِ وشدَّةَ لهفته على أغراضه وما يسمِّيه “مصالح: ومبالغته في الخوف مما قد يصيبه من الخارج، يؤدِّي ذلك كله إلى تضخيم وتهويل تصوُّره للمصلحة الذاتية (القومية بالنسبة للدولة)، ويُسر استعداده لكسر أطر الضبط الأخلاقي لسلوكه، ثم التهاون في استعمال أي “الوسائل” من أجل تحقيق تلك “المقاصد” الذاتية الأنانية لجلب هذه المصلحة المتخيَّلة أو درء ذاك التهديد المتوقَّع؛ وصولًا إلى عدم المبالاة بما يصيب الآخرين من “أضرار”، أو يفوتهم من “حقوق” ومصالح حقيقية وربما “ضرورية”. وهذا ما تَشِي به السياسةُ الخارجية الأمريكية عبر العقدين الماضيين وحتى اليوم. وفي هذا التحليل ردٌّ على الحجة الواقعية بأنه لا يمكن وصف الدول والأمم بالأوصاف الأخلاقية؛ فكيف نصف هذه السياسة وسلوكياتها وقراراتها واطراد ذلك؟ أليس في هذا غرور وكبر وغطرسة؟

أمَّا على مستوى الفقه الإسلامي المعاصر، ومن منظور أصول الفقه الحضاري الذي تبنَّته أعمال مثل موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام -وهي نقطة تحول من المنظور الفقهي للعلاقات الدولية إلى المنظور الحضاري أواخر القرن العشرين- تتكيَّف قضية الحرب في إطار مفهوم الدعوة الإسلامية؛ تأسيسًا على أن “ظاهرة الحرب في الإسلام ليست مجرد صدام عضوي فرضَه منطق الدفاع عن النفس ضد عدوان خارجي، ولكنها -في التصور الأصولي الذي نُعْنَى هنا بالكشف عن حقيقته- حقيقة فكرية تنبع وتتحدَّد بمجموعة من المبادئ التي وضعتها الأصول التأسيسية، هذه المبادئ هي: 1) الاتصال هو محور التعامل الخارجي ومقدمته. 2) الحرب ليست مجرد قتال ومواجهة ولكنها تخضع لمجموعة من الأخلاقيات. 3) العدالة هي جوهر الممارسة والتعامل. 4) وحدة قيم التعامل في الداخل والخارج. 5) احترام كرامة الإنسان، وإنسانية الوجود السياسي.

مبادئ خمسة تحكم العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية في وقت الحرب، وهي في حقيقتها تأكيد للتصور الأصولي لمبرر الحرب وغايتها. فالحرب -في التصور الأصولي- هي إرادة حضارية بمعنى أداة تحقيق الوظيفة الاتصالية التي تدور حول مفهوم نشر الدعوة. وهذه المبادئ الخمسة ليست سوى تعبير عن الطبيعة الحضارية والعالمية والإنسانية للدعوة الإسلامية، فالدعوة العالمية يجب أن تنبع من إنسانية الفرد ومن النظر للدولة -الخصم- كتجمُّع بشري، وأن تخضع أساليب الممارسة لقيم واحدة دون تفرقة بين الداخل والخارج، ودون تمييز بين حالة السلم وحالة الحرب، وأن تجعل من العدالة المحور الأول للممارسة، وأن تفترض أخلاقية المواجهة، ثم أخيرًا أن تنطلق في التعامل من مبدأ الاتصال والحوار والإقناع. والدعوة الإسلامية -كدعوة عامة ذات وظيفة حضارية- انطلقت في تعاملها مع المجتمعات الخارجية في وقت الحرب من هذه المبادئ: أولًا- التعامل الخارجي في وقت الحرب ليس أساسه فقط القتال، بل إن القتال هو الأداة الأخيرة من أدوات التعامل التي لا بدَّ أن تسبقَها أدوات وخطوات أخرى؛ أولها: الاتصال والدعوة. وثانيها: عدم مباغتة الطرف الآخر حتى بعد إبلاغه الدعوةَ، وإنما يجب تمكينه من التدبُّر وتقييم الموقف. ثم ثالثها- أن الطرف الآخر يجب أن يكون هو البادئ بالقتال. ثانيًا- إذا أصبح القتال ضرورةً، فإن التعامل مع الطرف الآخر يجب أن يخضع لمجموعة من القيم والأخلاقيات التي يفرضها هدف المواجهة وارتباطها بوظيفة نشر الدعوة. وفكرة الفصل بين الممارسة والأخلاقيات في ميدان القتال لا موضع لها في التصور الإسلامي سواء كان ذلك بدافع المصلحة أو من منطلق المعاملة بالمثل أو بحجة الغاية تبرر الوسيلة. إن الحرب الإسلامية ليست مجرد حالة قتال ومواجهة تسمح بالخروج على جميع القيم والمثاليَّات من أجل تحقيق الانتصار على الطرف الآخر، ولكنها مثالية حركية وتعاليم أخلاقية. ثالثًا- يأتي مبدأ العدالة ليغلف أساليب التعامل مع غير المسلم حتى في وقت الحرب. إن العدالة هي القيمة العليا التي تحكم سلوك المسلم مع المسلم ومع غير المسلم، في الداخل والخارج، في السلم والحرب. والعدالة في الممارسة تعني عدم التفرقة أو التمييز، وتعني عدم البغي أو الاعتداء، وتعني الاعتدال في أداء المثالية الحضارية. رابعًا- ويرتبط بذلك مبدأ وحدة قيم التعامل في الداخل وفي الخارج، فالإسلام يرفض أيَّ تمييز بين الممارسة الداخلية والتعامل الخارجي. والتعامل مع غير المسلم يجب أن يخضع لنفس قواعد التعامل مع المسلم، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي: “لا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام فيما أوجب الله على خلقه من الحدود… إن الحلال في دار الإسلام حلال في بلاد الكفر. والحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر”، قال: “وما هو إلا ما قلنا، وهو موافق للتنزيل والسُّنة وما يعقله المسلمون ويجتمعون عليه”. خامسًا- وأخيرًا، فإن جميع هذه المبادئ إنما تنبع من الإيمان بإنسانية الطرف الآخر. المثالية الإسلامية تفترض، بل توجب احترامَ كرامة الإنسان وعدم إهدار آدميته، حتى وإن كان كافرًا، وتنطلق من إنسانية الوجود السياسي، حتى لو تعلَّق الأمر بدولة محاربة”[1].

ومن الناحية الواقعية فإن الحرب في الرؤية الإسلامية -وكما تؤكِّد الموسوعة المذكورة- مشدودة بين مثال قوامه المقاصد والقيم والأحكام الشرعية الإسلامية، وواقعٍ قوامه حجم ونوع القوة ومضمون المصالح الواقعية للدول الإسلامية ومدى التزامها بالمرجعية الإسلامية، خاصة في شأن وحدتها الداخلية والبينية. ومن ثم فإن الحرب الدفاعية -ضمن مفهوم الجهاد كما تقدَّم شرحُه- لم تنقطع عن العالم الإسلامي ودوله وشعوبه لا فكرًا ولا تاريخًا؛ وتزداد أهميتها في الواقع المعاصر مع سياسات الهيمنة والاستتباع من الخارج لا سيما الغرب، لكن الالتزام بموجبات ذلك دونها الإشكال المرجعي في العالم الإسلامي وتراجع العقيدة القتالية الإسلامية لدى جيوش الدول الإسلامية كما توضِّح دراسات العسكرية الإسلامية المتجدِّدة[2].

وفي هذا الإطار، تقع قضية عوامل النصر والهزيمة في صدارة العناية الفكرية الإسلامية؛ ما بين الأسباب الإيمانية والأسباب المادية، ويجري فيها سجال يدلُّ على استمرار توتُّر العلاقة بين هذين القطبين في الفكر الإسلامي. فثمَّة فريق يقدِّم الأسباب الإيمانيَّة على المادية ومنه من يكتفي بها، وفريق مقابل يرى العكس؛ ويستند إسلاميًّا إلى السُّنن التي لا تُحابي مؤمنًا، ولا تظلم أحدًا شيئًا، وتقوم على الأسباب العملية، فيما يقف في الوسط فريق يرى عدم التقديم ولا التأخير وأن يمنح كلَّ مجال من المجالين حقَّه ويوضع في موضعه من عملية تفسير النصر والهزيمة.

ومن ثم فبالنسبة لإيران وبقية دول الأمة التي رفضت هذا العدوان، فمع الاعتراف بإشكاليات الطائفية المذهبية في جهة إيران وقواها، والمنحى العلماني اللامنتمي هويةً ومرجعيةً في سياسات دول في جهة أخرى، فيمكن ملاحظة حضور حزمة من القيم الجديرة بالتنويه في هذه الحرب:

  1. قيمة “الداخل” وتماسكه سواء فيما بين الشعب والحكومة، أو بين القوى السياسية الحاكمة والمعارضة، أو بين قوى الحكم ذاتها المدنية والعسكرية، إن قيمة التضامن والتماسك والولاء للذات وقت الحرب والأزمة لا تعدلها قيمة أخرى؛ وهي بذاتها مصلحة عليا، وقوة للطرف المقاتل. فلا قدرة على القتال في ظلِّ تضارب داخلي، وهذا ما نجحت فيه إيران شعبًا وحكومةً، وأفشلت به المخطَّط الصهيوني المعلن، وفي الوقت نفسه حرصت عليه قوى الإسناد التي تعرَّضت لمحنة كبرى بين قوى شعبية، وحكومات وجيوش، وشعوب تتطلَّع إلى الاستقرار والتنمية، كما في حالات اليمن ولبنان والعراق. لقد أثبتت الجبهات الشعبية الداخلية قيمتها وقوتها.
  2. تجلَّت في الموقف المقاوم منظومة كبيرة من القيم؛ من قيم الاستقلال والتحرر ونبذ التبعية من وجه مبدئي، ومن قيم القوة والبأس والشدة وإظهارها والشجاعة في استخدامها من وجه عملي، ومن قيم الصمود والصبر والمصابرة والجلد من وجه نفسي، ومن قيم التضامن والنُّصرة والولاء والوفاء والعرفان من وجه بينيٍّ، ومن قيم الحكمة والتوازن والاعتدال من وجه سياسي، وقيمة الخشونة والزهد والاستغناء والتحمُّل من وجه مادِّي واقتصادي، ومن قيم التكافل والتعاون من وجه اجتماعي، وذروتها قيمة الاستشهاد والفداء خاصَّة لدى القادة من وجه إيماني. وقد أبرز الجانب الإيراني والقوى المساندة له الكثير من هذه القيم في كثير من مواقف الحرب.
  3. هذا في مقابل منظومة أخرى من قيم التبعية والاستكانة والدونية النفسية والوهن والركون إلى القوة ولو كانت قوة العدو، وقيم النعومة والترف ومن ثم الجزع والهلع لأدنى ضرر، وقيم الطغيان والتجبُّر بالقوة المادية وادِّعاء الاستحقاقيَّة بالأهْواء، وقيم الخذلان والتصاغُر والجُبن والتزلُّف للأقوى والحطِّ من الأضعف، وسائر الرذائل والأخلاق السيِّئة التي لا تقوم بها أمَّة ولا تنتصر بها جبهة، ولا تتحقَّق بها مصالح، ولا تدوم بها قوة.
  4. قيمة العدل ومنه المعاملة بالمثل خاصة في حال المقاومة والدفاع عن النفس، في مقابل قيم الظلم والعدوان والتبجُّح بادِّعاء الحق من غير حق؛ ما يميِّز بين حربٍ جائرةٍ من طرفٍ وحربٍ عادلةٍ من قِبَلِ طرفٍ آخر. وكذا تجلَّت قيمة الصدق والوفاء بالعهود مقابل قيمة الكذب والغدر، (مع مراعاة أن الحرب خدعة، لكنها ليست غدرة) لا سيما بالصديق والحليف والأخ والجار.

هذه المنظومات المتضافرة من القيم، وتلك المنظومات المتقابلة منها؛ ليست سواء؛ فمنها ما يقوِّي دول الأمة وشعوبها ومنها ما يضعفها، ومنها ما يجمعها ومنها ما يفرق بينها، ومنها ما يحرِّرها ومنها ما يوقعها تحت نير التبعية والاستلحاق، ومنها ما يجلب لها مصالحها ويحقِّق مطامحها ولو بعد حين، ومنها ما يهدر الإمكانية ويحل المفاسدَ والمضرَّات ولو بعد حين. لكن دون ذلك منهج النظر، والمنظور الذي يتبنَّاه الفاعل الدولي خاصة من دول الأمة، والهوية التي يوالي ويحالف عليها أو يعادِي، والمرجعية التي ينطلق منها ويرجع إليها، والقيم التي يتمسَّك بها ويحتكم إليها. وهذا ما يصرخ به المنظور الحضاري الإسلامي القيمي الواقعي.

وأخيرًا، فإن الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، هي محطة من محطات كشف حال الأمة، وبيان أنماط فاعليها وتفاعُلاتهم مع قضاياها ومصالحها العامة، ومناسبة لتأكيد إقامة الحجَّة على قواها، ولتأكيد قوي بأن قوة القيم والأخلاق الإسلامية جديرة بأن تتفوَّق على قيمة وأخلاق القوة بالمعنى الغربي المادي القاصر.

وفي الختام نصل إلى خلاصة سبق الوصول إليها في دراسة سابقة أن المواجهات العسكرية بين العدوان الغربي / الأمريكي أو المسانَد من الغرب -وخاصة من قبيل العدو الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين والمتعدِّي على المقدَّسات- من جهة، وقوى المقاومة في العالم الإسلامي من الجهة الأخرى، تنبئ -أول ما تنبئ- عن دلالات حضارية تتَّصل برؤية كلِّ طرف لمعادلة السياسة العالمية المعاصرة وما الذي يجب أن تقوم عليه. ففيم تقوم الأولى على شهوات ومطامع الذات باسم المصالح القومية وادِّعاء تمثيل قيم الليبرالية مع تأويلها تأويلا ذاتيًّا أنانيًّا، يمنح صفة الإنسانية الكاملة لأقوام ويخفضها أو يمنعها عن آخرين، تقوم المعادلة الثانية على البحث عن الذات بإنسانيَّتها وكرامتها وحقوقها المشروعة، ضمن رؤية لإنسانية مشتركة ومساواة أصلية. إن الطريقة التي واجهت بها -ولا تزال- المقاومةُ العربيةُ الاعتداءاتِ الصهيونيةَ ورفضها التسليم لمنطق القوة الجائرة، والتي تبحث في الوقت ذاته عن القوة المقاوِمة لا المعتدية، حاملة أخلاق الموقف: الإيمان واليقين، والشجاعة، والصبر والمصابرة، والمجاهدة، والمرابطة على الثغر، والنصرة، والتمسُّك بالمبادئ مع الأخذ بسياسات تدريجية واقعية تقدِّر المواقف المختلفة بحسب ما فيها من مصلحة المقاومة أو الإضرار بقضيَّتها، هذه الطريقة لم تَنَلْ من القراءات الغربية غير الإهمال والإنكار.


المراجع

مدير مركز الحضارة للدراسات والبحوث بالقاهرة.

[1] عبد العزيز صقر، العلاقات الدولية في الإسلام وقت الحرب: دراسة للقواعد المنظمة لسير القتال؛ في نادية محمود مصطفى (تحرير)، موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام، (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات والبحوث ودار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2022)، ص ص 225-226.

 [2] انظر: نادية محمود مصطفى، خاتمة العلاقات الدولية في التاريخ الإسلامي: مدلولات التحليل السياسي للتاريخ الإسلامي ودراسة العلاقات الدولية؛ في: نادية محمود مصطفى (تحرير)، موسوعة العلاقات الدولية في الإسلام، المرجع السابق، المجلد السادس، 2022، ص ص 493-494.

نشر في فصلية قضايا ونظرات – العدد الثاني والأربعون – يوليو 2026

د. مدحت ماهر

مدير مركز الحضارة للدراسات والبحوث بالقاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


زر الذهاب إلى الأعلى